Полный текст (69 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
تمهيد
اللَّهُمَّ لَك الْحَمد ملْء السَّمَوَات وملء الأَرْض وملء مَا شِئْت من شَيْء بعد لَك الشُّكْر عدد كل شَيْء وزنة كل شَيْء وملء كل شَيْء وَعدد مَا قد شكرك الشاكرون وَمَا سيشكرك الشاكرون
اللَّهُمَّ وصل وَسلم على رَسُولك الْمُصْطَفى من خلقك مُحَمَّد صَلَاة وَسلَامًا يدومان بدوام الْمَخْلُوقَات ويتجددان بتجدد الْأَوْقَات وعَلى آله الطاهرين وَأَصْحَابه الأكرمين
وَبعد فَإِن الْقُرْآن الْعَظِيم قد اشْتَمَل على الْكثير الطّيب من مصَالح المعاش والمعاد وأحاط بمنافع الدُّنْيَا وَالدّين تَارَة إِجْمَالا وَتارَة تَفْصِيلًا وَتارَة عُمُوما وَتارَة خُصُوصا وَلِهَذَا يَقُول سُبْحَانَهُ ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾
وَيَقُول ﴿وكل شَيْء أحصيناه فِي إِمَام مُبين﴾
وَيَقُول ﵎ ﴿ونزلنا عَلَيْك الْكتاب تبيانا لكل شَيْء﴾ وَنَحْو ذَلِك من الْآيَات الدَّالَّة على هَذَا الْمَعْنى
وَأما مَقَاصِد الْقُرْآن الْكَرِيم الَّتِي يكررها ويورد الْأَدِلَّة الحسية والعقلية عَلَيْهَا وَيُشِير إِلَيْهَا فِي جَمِيع سوره وَفِي غَالب قصصه وَأَمْثَاله فَهِيَ ثَلَاثَة مَقَاصِد يعرف ذَلِك من لَهُ كَمَال فهم وَحسن تدبر وجودة تصور وَفضل تفكر
стр. 2
الْمَقْصد الأول إِثْبَات التَّوْحِيد الْمَقْصد الثَّانِي إِثْبَات الْمعَاد الْمَقْصد الثَّالِث إِثْبَات النبوات
وَلما كَانَت هَذِه الثَّلَاثَة الْمَقَاصِد مِمَّا اتّفقت عَلَيْهِ الشَّرَائِع جَمِيعًا كَمَا حكى ذَلِك الْكتاب الْعَزِيز فِي غير مَوضِع أَحْبَبْت أَن أَتكَلّم هَاهُنَا على كل مقصد مِنْهَا بإيراد مَا يُوضح ذَلِك من الْكتب السَّابِقَة وَعَن الرُّسُل الْمُتَقَدِّمين مِمَّا يدل على اتِّفَاق أَنْبيَاء الله وَكتبه على إِثْبَاتهَا لما فِي ذَلِك من عَظِيم الْفَائِدَة وجليل العائدة فَإِن من آمن بهَا كَمَا يَنْبَغِي وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهَا كَمَا يجب فقد فَازَ بخيري الدَّاريْنِ وَأخذ بالحظ الوافر من السَّعَادَة الآجلة والعاجلة وَدخل إِلَى الْإِيمَان الْخَالِص من الْبَاب الَّذِي أرشده إِلَيْنَا نَبينَا ﷺ فِي جَوَاب من سَأَلَهُ عَن الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَالْإِحْسَان فَقَالَ فِي الْإِيمَان (أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْقدر خَيره وشره)
هَكَذَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من طرق كَثِيرَة
وَلَا ريب أَن من آمن بِاللَّه وَبِمَا جَاءَت بِهِ رسله ونطقت بِهِ كتبه فَإِن إيمَانه بِهَذِهِ الثَّلَاثَة الْمَقَاصِد هُوَ أهم مَا يجب الْإِيمَان بِهِ وأقدم مَا يتحتم عَلَيْهِ اعْتِقَاده لِأَن الْكتب قد نطقت بهَا وَالرسل قد اتّفقت عَلَيْهَا اتِّفَاقًا يقطع كل ريب وينفي كل شُبْهَة وَيذْهب كل شكّ
وَسميت هَذَا الْمُخْتَصر إرشاد الثِّقَات إِلَى اتِّفَاق الشَّرَائِع على التَّوْحِيد والمعاد والنبوات وَبِاللَّهِ أستعين وَعَلِيهِ أتوكل
وَاعْلَم أَن إِيرَاد الْآيَات القرآنية على إِثْبَات كل مقصد من هَذِه الْمَقَاصِد وَإِثْبَات اتِّفَاق الشَّرَائِع عَلَيْهَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ من يقْرَأ الْقُرْآن الْعَظِيم
فَإِنَّهُ إِذا أَخذ الْمُصحف الْكَرِيم وقف على ذَلِك فِي أَي مَوضِع شَاءَ وَمن أَي مَكَان أحب وَفِي أَي مَحل مِنْهُ أَرَادَ ووجده مشحونا بِهِ من فاتحته إِلَى خاتمته
стр. 3
الْفَصْل الأول فِي بَيَان اتِّفَاق الشَّرَائِع على التَّوْحِيد
اعْلَم أَنه قد روى جمَاعَة من أكَابِر عُلَمَاء الْإِسْلَام أَن الشَّرَائِع كلهَا اتّفقت على إِثْبَات التَّوْحِيد على كَثْرَة عدد الرُّسُل الْمُرْسلين وَكَثْرَة كتب الله الْمنزلَة على أنبيائه فَإِنَّهُ أخرج ابْن حَيَّان وَالْبَيْهَقِيّ بِسَنَدَيْنِ حسنين من حَدِيث أبي ذَر (أَن الْأَنْبِيَاء مائَة ألف وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألفا وَأَن الْكتب الْمنزلَة مائَة وَأَرْبَعَة كتب)
فالتوحيد هُوَ دين الْعَالم أَوله وَآخره وسابقه ولاحقه وَمن خَالف فِي ذَلِك فَجعل لله شَرِيكا وَعبد الْأَصْنَام فَإِنَّهُ كَمَا أرشد إِلَيْهِ الْقُرْآن حِكَايَة عَنْهُم بقوله ﴿مَا نعبدهم إِلَّا ليقربونا إِلَى الله زلفى﴾ مقرّ بِأَنَّهُ إِيمَان وَإِنَّمَا جعل الشَّرِيك وصلَة إِلَى الرب سُبْحَانَهُ ووسيلة إِلَى التَّقْرِيب إِلَيْهِ وَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ لبيْك لَا شريك لَك إِلَّا شريك هُوَ لَك تملكه وَمَا ملك
وَهَا نَحن نذْكر لَك مَا فِي كتب الله من التَّوْحِيد وَهِي وَإِن كَانَ عَددهَا مَا تقدم لكنه لم يبْق بأيدي أهل الْملَل مِنْهَا فِيمَا وَجَدْنَاهُ عِنْدهم بعد الْبَحْث عَن ذَلِك ومزيد الطّلب لَهُ إِلَّا التَّوْرَاة وَالزَّبُور وَالْإِنْجِيل وَكتب نبوات أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل
أما التَّوْرَاة فالنصوص فِيهَا على ذَلِك كَثِيرَة جدا وَقد اشْتَمَلت على ذكر مَا كَانَ يَقع من الْخُصُومَات لأهل الْأَصْنَام وإيراد الْحجَج
стр. 4
عَلَيْهِم وَلَا سِيمَا بعد موت مُوسَى وَقيام أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل فَإِنَّهَا وَقعت بَينهم قصَص يطول شرحها وَكَانُوا يُقَاتلُون من عبد الْأَصْنَام ويستحلون دِمَاءَهُمْ ويحشدهم على ذَلِك أَتبَاع مُوسَى وأحبار الْملَّة الْيَهُودِيَّة وكل نَبِي يَبْعَثهُ الله من أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل يُوجب على بني إِسْرَائِيل قتال من يعبد الْأَصْنَام وغزوهم إِلَى دِيَارهمْ وَقد اشْتَمَلت التَّوْرَاة أَيْضا على حِكَايَة مَا كَانَ من أَخْبَار الْأَنْبِيَاء قبل مُوسَى وَمَا كَانَ بَينهم من الدُّعَاء إِلَى التَّوْحِيد والفرار من الشّرك والتنفير عَنهُ
وَمن نُصُوص التَّوْرَاة مَا ذكر فِي الْفَصْل الْعشْرين مِنْهَا من السّفر الثَّانِي وَلَفظه أَنا الله رَبك الَّذِي أخرجك من أَرض مصر من بَيت الْعُبُودِيَّة لَا يكون لَك معبود آخر من دوني لَا تصنع لَك منحوتا وَلَا شبها لما فِي السَّمَاء من الْعُلُوّ وَمَا فِي الأَرْض مثلا وَمَا تَحت الأَرْض لَا تسْجد لَهُم وَلَا تعبدها لِأَنِّي الله رَبك الْقَادِر الغيور انْتهى وَكرر هَذَا فِي مَوَاضِع مِنْهَا غير هَذَا الْموضع وَفِي الْفَصْل السَّادِس وَالْعِشْرين من السّفر الثَّالِث فِي التَّوْرَاة مَا لَفظه وَلَا تصنعوا لكم أوثانا ومنحوتا ونصبا وَلَا تصنعوا لكم حجرا من خزف لَا تصنعوا فِي بلدكم لتسجدوا لَهُ أَنا الله ربكُم انْتهى وَفِي التَّوْرَاة من النُّصُوص المفيدة لهَذَا الْمَعْنى مَا يصعب الْإِحَاطَة بِهِ ويتعسر الذّكر لجميعه
وَفِي الْفَصْل الثَّالِث وَالْعِشْرين من كتاب يُوشَع بن نون مَا لَفظه وَإِيَّاكُم معبوداتهم لَا تَذكرُوا وَلَا تحلفُوا وَلَا تعبدوهم وَلَا تسجدوا لَهُم بل الله ربكُم وَبِه تتمسكون كَمَا فَعلْتُمْ إِلَى هَذَا الْيَوْم وَفِي كِتَابه نُصُوص كَثِيرَة قاضية بِإِثْبَات التَّوْحِيد وَكَذَلِكَ فِي كتب من بعده من أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل الَّذين لَهُم كتب مدونة وقفنا عَلَيْهَا وهم صمويل الصَّبِي ثمَّ اليسع ثمَّ دَاوُد ثمَّ سُلَيْمَان ثمَّ عزرا الكابت وَهُوَ الْمُسَمّى فِي الْقُرْآن عُزَيْر ثمَّ إيليا ثمَّ عوبد ثمَّ أَيُّوب ثمَّ أشعيا بن أموص وَهُوَ الْمُسَمّى فِي الْقُرْآن إلْيَاس وَفِي السّفر الثَّانِي من أسفار الْمُلُوك من التَّوْرَاة أَن الله رَفعه إِلَى السَّمَاء ثمَّ أرميا ثمَّ حزقيال ثمَّ دانيال ثمَّ هوشع وَهُوَ الْمُسَمّى يُوشَع ثمَّ يونان وَهُوَ
стр. 5
الْمُسَمّى فِي الْقُرْآن يُونُس والمسمى أَيْضا بِذِي النُّون ثمَّ ميخا ثمَّ ناحوم ثمَّ حبقوق ثمَّ صفونيا ثمَّ حجي ثمَّ يوحنا وَيُقَال لَهُ ملاحيا وَهُوَ الْمُسَمّى فِي الْقُرْآن يحيى
ثمَّ بعد هَؤُلَاءِ بعث الله الْمَسِيح بن مَرْيَم ﵈ وعَلى نَبينَا صَلَاة الله وَسَلَامه
وَفِي الزبُور بِمَا فِيهِ التَّصْرِيح بِإِثْبَات التَّوْحِيد مَوَاضِع كَثِيرَة فَمِنْهَا فِي المزمور السَّابِع عشر مَا لَفظه كَلَام الرب مختبر وَهُوَ نَاصِر جَمِيع المتوكلين عَلَيْهِ لِأَن من الْإِلَه غير الرب أَو من الْإِلَه سوى إِلَّا هُنَا انْتهى وَفِي المزمور الموفى ثَمَانِينَ مَا لَفظه وَلَا يكن فِيك إِلَه جَدِيد وَلَا تسْجد لإله غَرِيب لأنني أَنا هُوَ الرب إلهك انْتهى وَفِي المزمور الْخَامِس والثمانين مَا لَفظه الَّذِي هُوَ وَحده إِلَه وَله وَحده أَيْضا يجب أَن يسْجد الْجَمِيع ويخدموا انْتهى وَفِيه أَيْضا مَا لَفظه أَنْت وَحدك الْإِلَه الْمُعظم انْتهى وَفِي المزمور الرَّابِع وَالتسْعين مَا لَفظه بالمزمور يهلل لَهُ لِأَن الرب إِلَه عَظِيم وَملك كَبِير على جَمِيع الْآلهَة انْتهى وَفِي المزمور الْخَامِس وَالتسْعين مَا لَفظه فَإِن الرب عَظِيم ومسبح جدا مرهوب هُوَ على كل الْآلهَة لِأَن كل آلِهَة الْأُمَم شياطين فَأَما الرب فَصنعَ السَّمَوَات انْتهى وَفِي المزمور السَّادِس وَالتسْعين مَا لَفظه يخزى جَمِيع الَّذين يَسْجُدُونَ للمنحوتات المفتخرون بأصنامهم اسجدوا لَهُ يَا جَمِيع مَلَائكَته انْتهى وَفِي المزمور الْخَامِس بعد الْمِائَة وعبدوا منحوتاتهم فَصَارَ ذَلِك عَثْرَة لَهُم انْتهى وَفِي المزمور الثَّالِث عشر بعد الْمِائَة إلهنا فِي السَّمَاء وَفِي الأَرْض وَكلما شَاءَ صنع أوثان الْأُمَم فضَّة وَذهب أَعمال أَيدي النَّاس لَهَا أَفْوَاه وَلَا تَتَكَلَّم
стр. 6
لَهَا أعين وَلَا تبصر لَهَا آذان وَلَا تسمع لَهَا مناخر وَلَا تشم لَهَا أيادي وَلَا تلمس لَهَا أرجل وَلَا تمشي وَلَا تصوت بحنجرتها انْتهى وَفِي المزمور الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة مَا لَفظه أوثان الْأُمَم فضَّة وَذهب أَعمال يَدي النَّاس لَهُم أَفْوَاه وَلَا يَتَكَلَّمُونَ وَلَهُم أعين وَلَا يبصرون وَلَهُم آذان وَلَا يسمعُونَ وَلَيْسَ فِي أَفْوَاههم روح مثلهم يصير الَّذين يصنعونهم وَجَمِيع المتوكلين عَلَيْهِم انْتهى
وَأما إنجيل الْمَسِيح ﵇ فَهُوَ مشحون بِالتَّوْحِيدِ وبذم الْمُشْركين وَالْمُنَافِقِينَ والمرائين وَمن أَرَادَ اسْتِيفَاء ذَلِك فَليُرَاجع الأناجيل الْأَرْبَعَة الَّتِي جمعهَا الْأَرْبَعَة من الحواريين وَمن ذَلِك مَا فِي الْإِنْجِيل الَّذِي جمعه القديس مَتى فِي الْفَصْل الْخَامِس وَالْخمسين مِنْهُ مَا لَفظه إِن أَخطَأ إِلَيْك أَخُوك فَاذْهَبْ وعاتبه فِيمَا بَيْنك وَبَينه وَحده فَإِن سمع مِنْك فقد ربحت أَخَاك وَإِن لم يسمع مِنْك فَخذ من بعد أَيْضا وَاحِدًا أَو اثْنَيْنِ لكَي تقوم كل كلمة على فَم شَاهِدين أَو ثَلَاثَة تثبت كل كلمة وَإِن لم يسمع مِنْهُم فَقل لِلْبيعَةِ وَإِن لم يسمع أَيْضا من الْبيعَة فَلْيَكُن عنْدك كوثني وعشار انْتهى
وَهَكَذَا الرسائل الَّتِي صنفها جمَاعَة من الحواريين فَإِنَّهَا مشحونة بِالتَّوْحِيدِ وَنفي الشّرك والذم لأَهله وَمثل ذَلِك الْكتاب الْمُشْتَمل على سيرة أَصْحَاب الْمَسِيح الْمُسَمّى عِنْدهم ابركسيس
وَبِالْجُمْلَةِ فَكتب الله بأسرها وَرُسُله جَمِيعًا متفقون على التَّوْحِيد وَالدُّعَاء إِلَيْهِ وَنفي الشّرك بِجَمِيعِ أقسامه
стр. 7
وَأما دُعَاء الْأَنْبِيَاء الْمُتَقَدِّمين على مُوسَى إِلَى التَّوْحِيد فقد تَضَمَّنت التَّوْرَاة حِكَايَة مَا كَانُوا عَلَيْهِ من التَّوْحِيد وَالدُّعَاء إِلَيْهِ وَنفي الشّرك فَإِنَّهَا قد حكت مَا وَقع مِنْهُم من عِنْد أَبينَا آدم وَمن بعده من الْأَنْبِيَاء كنوح وَإِبْرَاهِيم وَلُوط وَإِسْحَاق وَإِسْمَاعِيل وَيَعْقُوب ويوسف إِلَى عِنْد قيام مُوسَى سَلام الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ
стр. 8
الْفَصْل الثَّانِي فِي بَيَان اتِّفَاق الشَّرَائِع على إِثْبَات الْمعَاد
اعْلَم أَنه قد سبق لي تأليف رِسَالَة فِي هَذَا سميتها الْمقَالة الفاخرة فِي بَيَان اتِّفَاق الشَّرَائِع على إِثْبَات الدَّار الْآخِرَة وَلما كَانَ هَذَا هُوَ أحد الْمَقَاصِد الثَّلَاثَة الَّتِي جمعت لَهَا هَذَا الْمُخْتَصر فَإِن ذكر بعض مَا فِي كتب الله مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ لَازِما
فَفِي التَّوْرَاة فِي أَولهَا عِنْد الْكَلَام على ابْتِدَاء الخليقة التَّصْرِيح باسم الْجنَّة وَلَفظه فغرس الله جنَانًا فِي عدن شرقيا وابقا ثمَّ آدم الَّذِي خلق وَأنْبت الله ثمَّ كل شَجَرَة حسن منظرها وَطيب مأكلها وشجرة الْحَيَاة فِي وسط الْجنان وشجرة معرفَة الْخَيْر وَالشَّر وَكَانَ نهر يخرج من عدن ليسقي الْجنان وَمن ثمَّ يتفرق وَيصير أَرْبَعَة رُؤُوس اسْم أَحدهمَا النّيل وَهُوَ الْمُحِيط بِجَمِيعِ بلد زويلة الَّذِي ثمَّ الذَّهَب وَذهب ذَلِك الْبَلَد جيد ثمَّ اللُّؤْلُؤ وحجارة البنور وَاسم النَّهر الثَّانِي جيحون وَهُوَ الْمُحِيط بِجَمِيعِ بلد الْحَبَشَة وَاسم النَّهر الثَّالِث الدجلة وَهُوَ السائر فِي شَرْقي الْموصل وَالنّهر الرَّابِع هُوَ الْفُرَات انْتهى
وكما وَقع التَّصْرِيح فِي التَّوْرَاة بِالْجنَّةِ كَمَا ذكرنَا فقد وَقع التَّصْرِيح فِيهَا باسم النَّار ولفظها فِي التَّوْرَاة شول واشي قَالَ عُلَمَاء الْيَهُود وَمعنى اللَّفْظَيْنِ جَهَنَّم وَفِي مَوضِع آخر فِي التَّوْرَاة مَا لَفظه وَإِن الله خلق خلقا وتفتح الأَرْض فاها فينزلون إِلَى الثرى هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذين عصوا الله وَقَالَ أحجب رَحْمَتي عَنْهُم وأريهم عاقبتهم وكما أَنهم
стр. 9
كادوني بِغَيْر إِلَه وأغضبوني بغروراتهم كَذَلِك إِنِّي أكيدهم لِأَن النَّار تتقدح من غَضَبي وتتوقد إِلَى أسفال الثرى فتأكل الأَرْض ونباتها حَتَّى تستطلع أساسات الْجبَال كَذَلِك أَزِيد عَلَيْهِم شرورا وسهامي أفرقها فيهم انْتهى
وَفِي الْفَصْل الثَّانِي عشر من السّفر الثَّالِث من التَّوْرَاة مَا لَفظه واحفظوا رسومي وأحكامي فَإِن جَزَاء من عمل بهَا أَن يحيا الْحَيَاة الدائمة انْتهى وَلَا حَيَاة دائمة فِي الدُّنْيَا بل فِي الْآخِرَة وَفِي التَّوْرَاة من النُّصُوص على هَذَا الْمَعْنى كثير وَفِي الْفَصْل السَّادِس وَالْعِشْرين من كتاب النَّبِي أشعيا مَا لَفظه يقوم الْموَات وَيَسْتَيْقِظ الَّذين فِي الْقُبُور انْتهى وَفِي كِتَابه أَيْضا مَا لَفظه مزكى الظَّالِم لأجل الرشا وَزَكَاة الزكى يزيلونها عَنهُ لذَلِك كَمَا تَأْكُل القش لِسَان النَّار والهشيم مَا يخليه اللهيب غَدا حرهم يكون كالبرق وفروعهم تصعد كالغبار وَإِن زهدوا فِي توراة رب الجيوش وَقَول قدوس الْعَالم بِهِ إِن الهاوية موعودة من أمس وَهِي أَيْضا أصلحت للملوك عمقها فأوسعها نَارا وحطبا كثيرا وَأمر الله كواد من كبريت مشتعل فِيهَا وَقَالَ ويحرقون ينظرُونَ إِلَى أجسام الْقَوْم الَّذين كفرُوا بِي إِن دودهم لَا تَمُوت ونارهم لَا تطفىء فيصيرون عِبْرَة لباقي البشريين انْتهى وَقَالَ أَيْضا فِي كِتَابه الْمَذْكُور فِي حَقِيقَة تلذذ أهل الْجنَّة لَا عين تقدر ترَاهُ إِلَّا علم الله تَعَالَى انْتهى
وَفِي الْفَصْل الثَّانِي عشر من كتاب دانيال مَا لَفظه وَكثير من الهاجعين فِي تُرَاب الأَرْض يستيقظون هَؤُلَاءِ لحياة أبدية وَهَؤُلَاء لتعيير وخزي أبدي انْتهى
وَفِي زبور النَّبِي دَاوُد ﵇ فِي المزمور السَّادِس مِنْهُ مَا لَفظه وَأَنت يَا رب فحتى مَتى عد يَا رب ونج نَفسِي وخلصني من أجل رحمتك لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَوْتَى من ينكرك وَلَا فِي الْجَحِيم من يعْتَرف
стр. 10
لَك انْتهى وَفِي المزمور التَّاسِع مِنْهُ مَا لَفظه انتشبت الْأُمَم فِي الْفساد الَّذِي عملوه وَفِي الفخ الَّذِي أخفوه تعلّقت أَرجُلهم يعرف الرب أَنه صانع الْأَحْكَام والخاطئ بِعَمَل يَدَيْهِ يُؤْخَذ يرفع الخطاة إِلَى الْجَحِيم انْتهى وَفِي المزمور الْخَامِس عشر مِنْهُ فَرح قلبِي وتهلل لساني وجسدي أَيْضا يسكن على الرَّجَاء لِأَنَّك لَا تتْرك نَفسِي فِي الْجَحِيم وَلَا تدع ضيفك أَن يرى فَسَادًا انْتهى وَفِي المزمور الرَّابِع وَالْخمسين مَا لَفظه ليأت الْمَوْت عَلَيْهِم ولينحدروا إِلَى الْجَحِيم أَحيَاء لِأَن الشرور فِي مساكنهم وَفِي وَسطهمْ انْتهى وَفِي المزمور السَّابِع والثمانين مَا لَفظه يَا رب لِأَن نَفسِي قد امْتَلَأت شرورا وحياتي إِلَى الْجَحِيم دنت حسبت مَعَ المنحدرين فِي الْجب صرت كإنسان فَاقِد المعونة بَين الْأَمْوَات جرى كالمجرمين الراقدين فِي الْقُبُور الَّذِي يذكرهم أَيْضا وهم أقصوا من يدك وضعوني فِي جب أَسف السافلين فِي ظلمات وظلال الْمَوْت انْتهى
وَفِي وَصَايَا النَّبِي سُلَيْمَان ﵇ فِي الْفَصْل الْخَامِس مِنْهَا مَا لَفظه لِأَن أرجل الْعِبَادَة تحذر الَّذين سيعملونها وتحطهم بعد الْمَوْت إِلَى الْجَحِيم انْتهى
وَفِي الْإِنْجِيل المسيحي فِي الْفَصْل الْخَامِس مِنْهُ من الْإِنْجِيل الَّذِي جمعه مَتى مَا لَفظه وَمن قَالَ لِأَخِيهِ يَا أَحمَق فقد وَجَبت عَلَيْهِ نَار جَهَنَّم انْتهى وَفِي هَذَا الْفَصْل مَا لَفظه إِن شككتك عَيْنك الْيُمْنَى فاقلعها وألقها عَنْك فَإِنَّهُ لخير لَك أَن تهْلك أحد أعضائك من أَن تهْلك جسدك كُله فِي جَهَنَّم وَإِن شككتك يدك الْيُمْنَى فاقطعها وألقها عَنْك فَإِنَّهُ لخير لَك أَن يهْلك أحد أعصابك من أَن يذهب جسدك كُله فِي جَهَنَّم انْتهى وَفِي الْفَصْل الْعَاشِر مِنْهُ مَا لَفظه لَا تخافوا مِمَّن يقتل الْجَسَد
стр. 11
وَلَا يَسْتَطِيع أَن يقتل النَّفس خَافُوا مِمَّن يقدر أَن يهْلك النَّفس والجسد جَمِيعًا فِي جَهَنَّم انْتهى وَفِي الْفَصْل الثَّالِث عشر مِنْهُ إِن الْمَلَائِكَة يجمعُونَ كل أهل الشكوك وفاعلي الْإِثْم فيلقونهم فِي أتون النَّار حَيْثُ الْبكاء وصرير الْأَسْنَان انْتهى وَمِنْه أَيْضا مَا لَفظه هَكَذَا يكون فِي انْقِضَاء هَذَا الزَّمَان يخرج الْمَلَائِكَة ويغرزون الأشرار من وسط الأخيار ويلقونهم فِي أتون النَّار هُنَاكَ يكون الْبكاء وصرير الْأَسْنَان انْتهى وَفِي الْفَصْل الْخَامِس وَالْعِشْرين مِنْهُ مَا لَفظه حِينَئِذٍ يَقُول الَّذين عَن يسَاره اذْهَبُوا عني يَا ملاعين إِلَى النَّار المؤبدة الْمعدة لإبليس وَجُنُوده انْتهى وَفِيه أَيْضا مَا لَفظه فَيذْهب هَؤُلَاءِ إِلَى الْعَذَاب الدَّائِم وَالصِّدِّيقُونَ إِلَى الْحَيَاة المؤبدة انْتهى
وَفِي الْفَصْل التَّاسِع من الْإِنْجِيل الَّذِي جمعه مرقص مَا لَفظه فَإِن شككتك يدك فاقطعها فَخير لَك أَن تدخل الْحَيَاة وَأَنت أقطع من أَن يكون لَك يدان وَتذهب إِلَى جَهَنَّم فِي النَّار حَيْثُ دودهم لَا يَمُوت ونارهم لَا تطفأ وَإِن شككتك رجلك فاقطعها فَخير لَك أَن تدخل الْحَيَاة أعرج من أَن يكون لَك رجلَانِ وتلقى فِي جَهَنَّم فِي النَّار حَيْثُ دودهم لَا يَمُوت ونارهم لَا تطفأ انْتهى وَفِي الْفَصْل الثَّانِي عشر مِنْهُ التَّصْرِيح بِأَن الزَّنَادِقَة هم الَّذين يَقُولُونَ لَيست تكون قِيَامَة انْتهى
وَفِي الْإِنْجِيل الَّذِي جمعه لوقا فِي الْفَصْل السَّادِس عشر مِنْهُ مَا لَفظه ثمَّ مَاتَ ذَلِك الغبي وقبر فَرفع عينه وَهُوَ يعذب فِي الْجَحِيم انْتهى
وَفِيه أَيْضا ذكر الزَّنَادِقَة وهم الَّذين يَقُولُونَ لَيست قِيَامَة هَكَذَا فِي الْفَصْل الْعشْرين مِنْهُ وَفِيه أَيْضا مَا لَفظه فَأَما أَن الْمَوْتَى يقومُونَ فقد أنبأ بذلك مُوسَى انْتهى وَفِي الْفَصْل الثَّالِث وَالْعِشْرين مِنْهُ إِن الْمَسِيح قَالَ للمصلوب الَّذِي آمن بِهِ إِنَّك تكون معي فِي الفردوس انْتهى وَفِي الْإِنْجِيل الَّذِي جمعه يوحنا فِي الْفَصْل الْخَامِس مِنْهُ مَا لَفظه فَإِنَّهُ ستأتي سَاعَة يسمع فِيهَا جَمِيع من فِي الْقُبُور صَوته فَيخرج الَّذين
стр. 12
عمِلُوا الْحَسَنَات إِلَى قِيَامَة الْحَيَاة وَالَّذين عمِلُوا السَّيِّئَات إِلَى قِيَامَة الدينونة انْتهى وَفِي الْفَصْل السَّادِس عشر مِنْهُ مَا لَفظه يكون لَهُ الْحَيَاة المؤبدة وَأَنا أقيمه فِي الْيَوْم الآخر وَفِي الْفَصْل السَّابِع عشر مِنْهُ مَا لَفظه الْحق وَالْحق أَقُول لكم إِنَّه من يُؤمن بحياة دائمة انْتهى
إِذا عرفت هَذَا الْمُصَرّح بِهِ فِي الأناجيل فَهَكَذَا صرح الحواريون من أَصْحَاب الْمَسِيح فِي رسائلهم الْمَعْرُوفَة
وَالْحَاصِل أَن هَذَا أَمر اتّفقت عَلَيْهِ الشَّرَائِع ونطقت بِهِ كتب الله سابقها ولاحقها وتطابقت عَلَيْهِ الرُّسُل أَوَّلهمْ وَآخرهمْ وَلم يُخَالف فِيهِ أحد مِنْهُم وَهَكَذَا اتّفق على ذَلِك أَتبَاع جَمِيع الْأَنْبِيَاء من أهل الْملَل وَلم يسمع عَن أحد مِنْهُم أَنه أنكر ذَلِك قطّ وَلكنه ظهر رجل من الْيَهُود زنديق يُقَال لَهُ مُوسَى بن مَيْمُون الْيَهُودِيّ الأندلسي فَوَقع مِنْهُ كَلَام فِي إِنْكَار الْمعَاد وَاخْتلف كَلَامه فِي ذَلِك فَتَارَة يُثبتهُ وَتارَة يَنْفِيه ثمَّ هَذَا الزنديق لم يُنكر مُطلق الْمعَاد إِنَّمَا أنكر بعد تَسْلِيمه للمعاد أَن يكون فِيهِ لذات حسية جسمانية بل لذات عقلية روحانية ثمَّ تلقى ذَلِك عَنهُ من هُوَ شَبيه بِهِ من أهل الْإِسْلَام كَابْن سينا فقلده وَنقل عَنهُ مَا يُفِيد أَنه لم يَأْتِ فِي الشَّرَائِع السَّابِقَة على الشَّرِيعَة المحمدية إِثْبَات الْمعَاد وتقليدا لذَلِك الْيَهُودِيّ الملعون الزنديق مَعَ أَن الْيَهُود قد أنكرو اعليه هَذِه الْمقَالة ولعنوه وسموه كَافِرًا
قَالَ فِي تَارِيخ النَّصْرَانِي فِي تَرْجَمَة مُوسَى بن مَيْمُون الْمَذْكُور أَنه صنف رِسَالَة فِي إبِْطَال الْمعَاد الجسماني وَأنكر عَلَيْهِ مقدمو الْيَهُود فأخفاها إِلَّا عَمَّن يرى رَأْيه قَالَ وَرَأَيْت جمَاعَة من يهود بِلَاد الإفرنج بأنطاكية وطرابلس يلعنونه ويسمونه كَافِرًا انْتهى
стр. 13
فَهَذِهِ رِوَايَة نَصْرَانِيّ عَن طَائِفَة من الْيَهُود وَأَنَّهُمْ كفرُوا ابْن مَيْمُون ولعنوه بِسَبَب هَذِه الْمقَالة على أَن هَذَا الملعون الزنديق قد اعْترف فِي كثير من كَلَامه بالمعاد فَقَالَ فِي تأليفه الْمُسَمّى بالمشنا فِي فقه الْيَهُود إِن هَذَا الْموضع الَّذِي هُوَ جن عيذا هُوَ مَوضِع خصيب من كرة الأَرْض كثير الْمِيَاه والأثمار وسيكشفه الله للنَّاس فِي الْمُسْتَقْبل فيتنعمون بِهِ وَلَعَلَّه يُوجد فِيهِ نَبَات غَرِيب جدا عَظِيم النَّفْع كثير اللَّذَّة غير هَذِه الْمَشْهُورَة عندنَا وَهَذَا كُله غير مُمْتَنع وَلَا بعيد بل قريب الْإِمْكَان بِمَشِيئَة الله تَعَالَى ثمَّ اعْترف بذلك اعترافا آخر فَقَالَ فِي كتاب اللُّغَات فِي حرف الْعين إِن معنى هَذَا الِاسْم الَّذِي هُوَ عيذا التَّلَذُّذ والتنعم وَمِنْه سميت لذات الْآخِرَة ونعيم أنفس الصَّالِحين الكاملين جن عيذا ثمَّ قَالَ فِي هَذَا الْكتاب فِي تَفْسِير جن عيذا أَي أَن تِلْكَ هِيَ جنَّات النَّعيم وفردوس السَّعَادَة وَقد شرحوا معنى جن عيذا وماهية التَّلَذُّذ فِيهَا رجال مِمَّن وصل إِلَيْهَا وَاسْتقر فِي ظلّ غروسها وَشرب عذوبة أنهارها وَأكل من لذيذ أثمارها قَالُوا والصالحون باقون فِيهَا ليستلذوا من نور الله قَالَ وَقَالَ النَّبِي أشعيا فِي حَقِيقَة التَّلَذُّذ لَا عين تقدر ترَاهُ إِلَّا علم الله تَعَالَى انْتهى كَلَام مُوسَى بن مَيْمُون الْمَذْكُور
ثمَّ قَالَ هَذَا اللعين فِي كِتَابه الْمُسَمّى بالمشنا بعد اعترافه فِيهِ كَمَا حكيناه عَنهُ هَاهُنَا مَا لَفظه اعْلَم أَنه كَمَا لَا يدْرِي الْأَعْمَى الألوان وَلَا يدْرِي الْأَصَم الْأَصْوَات وَلَا الْعنين شَهْوَة الْجِمَاع كَذَلِك لَا تَدْرِي الْأَجْسَام اللَّذَّات النفسانية وكما لَا يعلم الْحُوت اصطقص النَّار لكَونه فِي حِدة كَذَلِك لَا يعلم فِي هَذَا الْعَالم الجسماني بلذات الْعَالم
стр. 14
الروحاني بل لَيْسَ عندنَا تُوجد لَذَّة غير لذات الْأَجْسَام وَإِدْرَاك الْحَواس من الطَّعَام وَالشرَاب وَالنِّكَاح وَمَا سمي غير ذَلِك فَهُوَ عندنَا غير مَوْجُود وَلَا نميزه وَلَا ندركه على بادئ الرَّأْي إِلَّا بعد تحذق كثير وَإِنَّمَا وَجب ذَلِك لكوننا فِي الْعَالم الجسماني فِي لذات فَلَا ندرك إِلَّا لذته فَأَما اللَّذَّات النفسانية فَهِيَ دائمة غير مُنْقَطِعَة وَلَيْسَ بَينهَا وَبَين هَذِه اللَّذَّة نِسْبَة بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَا يَصح لنا فِي الشَّرْع وَلَا عِنْد الإلهيين من الفلاسفة أَن نقُول إِن الْمَلَائِكَة وَالْكَوَاكِب والأفلاك لَيْسَ لَهَا لَذَّة بل لَهُم لَذَّة عَظِيمَة جدا لما عقلوه من الْبَارِي وهم بذلك فِي لَذَّة غير مُنْقَطِعَة وَلَا لَذَّة جسمانية عِنْدهم وَلَا يدركونها لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُم حواس مثلنَا يدركون بهَا مَا ندرك نَحن وَكَذَلِكَ نَحن إِذا تزكّى منا من تزكّى وَصَارَ بِتِلْكَ الدرجَة بعد الْمَوْت لَا يدْرك اللَّذَّات الجسمانية وَلَا يريدها كَمَا لَا يُرِيد الْملك عَظِيم الْملك أَن ينخلع من ملكه ليرْجع يلْعَب بالكرة فِي الْأَسْوَاق وَقد كَانَ فِي زمَان مَا بِلَا محَالة يفضل اللّعب بِتِلْكَ الكرة على الْملك وَذَلِكَ فِي حِين صغر سنه عِنْد جَهله بالأمرين جَمِيعًا كَمَا نفضل نَحن الْيَوْم اللَّذَّة الجسمانية على النفسانية وَإِذا مَا بلغت أَمر هَاتين اللذتين نجد حساسة اللَّذَّة الْوَاحِدَة ورفعة الثَّانِيَة وَلَو فِي هَذَا الْعَالم وَذَلِكَ أَنا نجد أَكثر النَّاس يحملون أنفسهم وأجسامهم من الشَّقَاء والتعب مَا لَا مزِيد عَلَيْهِ كي ينَال رفْعَة يعظمه النَّاس وَهَذِه اللَّذَّة لَيست لَذَّة طَعَام أَو شراب وَكَذَلِكَ كثير من النَّاس يُؤثر الانتقام من عدوه على كثير من لذات الْجِسْم وَكثير من النَّاس يتَجَنَّب أعظم مَا يكون من اللَّذَّات الجسمانية خشيَة أَن يَنَالهُ فِي ذَلِك جَزَاء أَو حشمة من النَّاس
فَإِذا كَانَت حالتنا فِي هَذَا الْعَالم الجسماني هَكَذَا فناهيك بالعالم النفساني وَهُوَ الْعَالم المستقل الَّذِي تعقل أَنْفُسنَا من الْبَارِي فِيهِ مثل مَا تعقل الأجرام العلوية أَو أَكثر فَإِن تِلْكَ اللَّذَّة لَا تتجزأ وَلَا تتصف وَلَا يُوجد مثل تمثل تِلْكَ اللَّذَّة بل كَمَا قَالَ النَّبِي دَاوُد مُتَعَجِّبا من عظمتها مَا أَكثر وَمَا أجزل خيرك الَّذِي خبأته للصالحين الطائعين لأمرك وَهَكَذَا قَالَ الْعلمَاء الْعَالم الْمُسْتَقْبل لَيْسَ فِيهِ لَا أكل
стр. 15
وَلَا شرب وَلَا غسل وَلَا دهن وَلَا نِكَاح بل الصالحون باقون فِيهِ ويستلذون من نور الله تَعَالَى يُرِيدُونَ بذلك أَن تِلْكَ الْأَنْفس تستلذ بِمَا تعقل من الْبَارِي بِمَا تستلذ سَائِر طَبَقَات الْمَلَائِكَة بِمَا عقلوا من وجوده سُبْحَانَهُ فالسعادة والغاية القصوى هِيَ الْوُصُول إِلَى هَذَا الْمَلأ الْأَعْلَى والحصول فِي هَذَا الْحَد هُوَ بَقَاء النَّفس كَمَا وَصفنَا إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ بِبَقَاء الْبَارِي جلّ اسْمه وَهَذَا هُوَ الْخَيْر الْعَظِيم الَّذِي لَا خير يُقَاس بِهِ وَلَا لَذَّة يمثل بهَا وَكَيف تمثل الدَّائِم بِمَا لَا نِهَايَة لَهُ بالشَّيْء الْمُنْقَطع وَهُوَ قَوْله تَعَالَى فِي نَص التَّوْرَاة لكَي يطيب لَك فِي الْعَالم الَّذِي كُله طيب ويطيل أيامك فِي الْعَالم الَّذِي كُله طائل والشقاوة الْكَامِلَة هُوَ انْقِطَاع النَّفس وتلفها وَأَن لَا تحصل بَاقِيَة وَهُوَ الْقطع الْمَذْكُور فِي التَّوْرَاة كَمَا بَين وَقَالَ انْقِطَاعًا يَنْقَطِع من هَذَا الْعَالم وَيَنْقَطِع من الْعَالم الْمُسْتَقْبل فَكل من أخلد إِلَى اللَّذَّات الجسمانية ونبذ الْحق وآثر الْبَاطِل انْقَطع من ذَلِك الْبَقَاء والعلو وَبَقِي مَادَّة مُنْقَطِعَة فَقَط وَقد قَالَ النَّبِي أشعيا إِن الْعَالم الْمُسْتَقْبل لَيْسَ يدْرك بالحواس وَهُوَ قَوْله لَا عين تقدر ترَاهُ
وَأما الْوَعْد والوعيد الْمَذْكُور فِي التَّوْرَاة فِي لذات هَذَا الْعَالم فتأويله مَا أصف لَك وَذَلِكَ أَنه يَقُول لَك إِن امتثلت هَذِه الشَّرَائِع نعينك على امتثالها والكمال فِيهَا ونقطع عَنْك العلائق كلهَا لِأَن الْإِنْسَان لَا يُمكنهُ الْعِبَادَة لَا مَرِيض وَلَا جَائِع وَلَا عاطش وَلَا فِي فتْنَة فوعد بِزَوَال هَذِه كلهَا وَإِنَّهُم يصحون ويتذهنون حَتَّى يكمل لَهُم الْمعرفَة ويلتحقون بالعالم الْمُسْتَقْبل فَلَيْسَ غَايَة التَّوْرَاة إِلَّا أَن تخصب الأَرْض وتطول الْأَعْمَار وَتَصِح الْأَجْسَام وَإِنَّمَا يعان على امتثالها بِهَذِهِ الْأَشْيَاء كلهَا وَكَذَلِكَ إِن تعدوا كَانَ عقابهم أَن تحدث عَلَيْهِم تِلْكَ الْعَوَائِق كلهَا حَتَّى لَا يُمكن أَن يعملوا صَالِحَة فَإِذا تَأَمَّلت هَذَا التَّأَمُّل العجيب تَجدهُ كَأَنَّهُ يَقُول إِن فعلت بعض هَذِه الشَّرَائِع بمحبة وَفرض نعينك عَلَيْهَا كلهَا بِأَن نزيل عَنْك الْعَوَائِق والموانع وَإِن ضيعت مِنْهَا بَعْضهَا اسْتِخْفَافًا نجلب عَلَيْك مَوَانِع نَمْنَعك من جَمِيعهَا حَتَّى لَا يحصل لَك كَلَام وَلَا بَقَاء انْتهى
стр. 16
فَهَذَا خُلَاصَة كَلَام ابْن مَيْمُون الْيَهُودِيّ زنديق الْيَهُود فِي كِتَابه الْمَذْكُور سَابِقًا وَقد أوردنا لَك كَلَامه هَاهُنَا لتعلم أَنه لم يربطه شَيْء من كَلَام الله سُبْحَانَهُ يصلح دَلِيلا عَلَيْهِ بل هُوَ مُجَرّد زندقة والتوراة وَالزَّبُور وَالْإِنْجِيل وَكتب سَائِر الْأَنْبِيَاء منادية بِخِلَاف ذَلِك حَسْبَمَا قدمنَا لَك وهانحن نوضح لَك فَسَاد كَلَامه هَذَا فَنَقُول
أَولا إِن حصر هَذِه اللَّذَّات النفسانية الَّتِي ذكرهَا لَا يُنَافِي حُصُول اللَّذَّات الجسمانية الَّتِي وَردت فِي كتب الله
وَقَوله وَلَيْسَت بلذة طَعَام أَو شراب هَذَا مُسلم فَإِن اللَّذَّات النفسانية لَيست بلذة طَعَام وَلَا شراب وَلَكِن من أَيْن يلْزم أَنه لَا لَذَّة طَعَام وشراب وَنَحْوهمَا فِي تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة
فَإِن كَانَ بِالشَّرْعِ فَكتب الله جَمِيعهَا ناطقة بِخِلَاف ذَلِك كَمَا قدمنَا ذَلِك فِي كتب الله وَفِي الْقُرْآن الْعَظِيم مِمَّا يكثر تعداده وَيطول إِيرَاده وَهُوَ لَا يخفى مثله على أحد من الْمُسلمين الَّذِي يقرأون الْقُرْآن لبلوغه فِي الْكَثْرَة إِلَى غَايَة يشْتَرك فِي مَعْرفَتهَا المقصر والكامل وَإِن كَانَ بِالْعقلِ فَلَيْسَ فِي الْعقل مَا يَقْتَضِي إِثْبَات اللَّذَّة النفسانية وَنفي اللَّذَّة الجسمانية بل لَا مدْخل لِلْعَقْلِ هَاهُنَا وَلَا يتعول عَلَيْهِ أصلا
وَإِن كَانَ لَا يعْتَبر عقل وَلَا شرع بل لمُجَرّد الزندقة والمروق من الْأَدْيَان كلهَا والمخالفة لما ورد فِي كتب الله سُبْحَانَهُ فبطلان ذَلِك مستغن عَن الْبَيَان
وَأما قَوْله كَمَا قَالَ النَّبِي دَاوُد مُتَعَجِّبا من عظمتها مَا أَكثر
стр. 17
وَمَا أجزل خيرك الَّذِي خبأته للصالحين الطائعين لأمرك فَهَذَا عجب مِنْهُ ﵇ من كَثْرَة خير الله سُبْحَانَهُ وجزالة مَا خبأه للصالحين من عباده الطائعين لأَمره فِي الدَّار الْآخِرَة وَهُوَ دَلِيل على الملعون لَا لَهُ فَإِن كَلَامه هَذَا هُوَ ككلام سَائِر أَنْبيَاء الله فِي استعظام مَا أعده الله للصالحين من عباده كَمَا قَالَ نَبينَا ﷺ (فِي الْجنَّة مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر) وَمثله فِي الْقُرْآن الْكَرِيم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين﴾
وَأما قَوْله وَهَكَذَا قَالَ الْعلمَاء الْعَالم الْمُسْتَقْبل لَيْسَ فِيهِ لَا أكل وَلَا شرب إِلَى آخِره فَيُقَال لَهُ إِن أردْت عُلَمَاء الْملَّة الْيَهُودِيَّة فهم الَّذين لعنوك وكفروك بِسَبَب هَذِه الْمقَالة كَمَا قدمنَا وهم جَمِيعًا يخالفونك ويثبتون الْمعَاد الجسماني وَاللَّذَّات الجسمانية ويكفرون من لم يثبتها كَمَا كفروك ويلعنونه كَمَا يلعنوك وَإِن أردْت عُلَمَاء الْملَّة النَّصْرَانِيَّة فهم متفقون بأسرهم على إِثْبَات الْمعَاد الجسماني وَإِثْبَات اللَّذَّات الجسمانية والنفسانية فِيهِ وَكَيف يُخَالف مِنْهُم مُخَالف فِي ذَلِك والانجيل مُصَرح بِهَذَا الاثبات تَصْرِيحًا لَا يبْقى عِنْده ريب لمرتاب
وَإِن أردْت عُلَمَاء الْملَّة الإسلامية فَذَلِك كذب بحت وزور مَحْض فَإِنَّهُم مجمعون على ذَلِك لَا يُخَالف مِنْهُم فِيهِ مُخَالف ونصوص الْقُرْآن من فاتحته إِلَى خاتمته مصرحة بِإِثْبَات الْمعَاد الجسماني وَإِثْبَات تنعم الْأَجْسَام فِيهِ بالمطعم وَالْمشْرَب والمنكح وَغير ذَلِك أَو تعذيبها بِمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الْقُرْآن من تِلْكَ الْأَنْوَاع الْمَذْكُورَة فِيهِ وَهَكَذَا النُّصُوص النَّبَوِيَّة المحمدية مصرحة بذلك تَصْرِيحًا يفهمهُ كل عَاقل بِحَيْثُ لَو جمع مَا ورد فِي ذَلِك مِنْهَا لجاء مؤلفا بسيطا
وَأما استدلاله بقوله فِي التَّوْرَاة لكَي يطيب لَك فِي الْعَالم الَّذِي كُله طيب ويطيل أيامك فِي الْعَالم الَّذِي كُله طائل فَهَذَا دَلِيل على الملعون لَا لَهُ
стр. 18
فَإِن الْخطاب فِي الدُّنْيَا لمجموع الشَّخْص الَّذِي هُوَ الْجِسْم وَالروح وَظَاهره أَنه يكون لَهُ هَذَا على الصّفة الَّتِي خُوطِبَ وَهُوَ عَلَيْهَا وَأَنه يحصل لَهُ جَمِيع مَا يتلذذ بِهِ من اللَّذَّات الجسمانية والنفسانية وَمن ادّعى التَّخْصِيص بِبَعْض الشَّخْص أَو بِبَعْض اللَّذَّات فَهُوَ يَدعِي خلاف الظَّاهِر وَلَكِن المحرف المتزندق لَا مقصد لَهُ إِلَّا التلبيس على أهل الْأَدْيَان
وَكَذَلِكَ قَوْله وَقد قَالَ النَّبِي أشعيا أَن الْعَالم الْمُسْتَقْبل لَيْسَ يدْرك بالحواس وَهُوَ قَوْله لَا عين تقدر ترَاهُ فَإِن هَذَا هُوَ مثل مَا قدمنَا من كَلَام الْأَنْبِيَاء فِي استعظام مَا عِنْد الله لِعِبَادِهِ الصَّالِحين فِي الدَّار الْآخِرَة
وَبِهَذَا تعرف أَنه لم يكن فِي كَلَام هَذَا الملعون الزنديق مَا يتَمَسَّك بِهِ متمسك أَو يغتر بِهِ مغتر بل هُوَ خلاف مَا فِي كتب الله جَمِيعًا كَمَا قدمنَا وَخلاف مَا عِنْد عُلَمَاء الْملَل بل خلاف مَا أقرّ بِهِ فِي كَلَامه السَّابِق إِقْرَارا مكررا
فيا عجبا لمن يتَمَسَّك بِمثل هَذَا الْكَلَام الَّذِي لم يجر على نمط مِلَّة من الْملَل وَلَا وَافق نصا من نُصُوص كتب الله سُبْحَانَهُ وَلَا نصا من نُصُوص رسل الله جمعيا ويجعله مَا وَردت بِهِ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل ويجزم بِهِ ويحرره فِي كتبه مظْهرا أَن الشَّرِيعَة المحمدية جَاءَت بِمَا لم يكن فِي الشَّرَائِع السَّابِقَة زاعما أَن ذَلِك دَلِيل على كمالها مبطئا مَا أبطنه هَذَا الزنديق ابْن مَيْمُون الْيَهُودِيّ كَمَا فعل ذَلِك ابْن سينا وَتَبعهُ بن أبي الْحَدِيد فِي شرح النهج بِكُل جاور مَا قَالَه هَذَا إِلَى مَا هُوَ شَرّ مِنْهُ فَقَالَ إِن التَّوْرَاة لم يَأْتِ فِيهَا وعد ووعيد يتَعَلَّق بِمَا بعد الْمَوْت وَهَذِه فِرْيَة على التَّوْرَاة وَجحد لما فِيهَا وتحريف لما صرحت بِهِ فِي غير مَوضِع كَمَا قدمنَا بعض ذَلِك وَكَذَلِكَ زعما أَن الْمَسِيح وَإِن صرح بالقيامة فقد جعل الْعَذَاب روحانيا وَكَذَلِكَ الثَّوَاب وَهَذَا أَيْضا كذب مَحْض وَقد قدمنَا مَا يفيدك ذَلِك ويطلعك على كذبهما وَالْعجب أَن ابْن مَيْمُون الْيَهُودِيّ
стр. 19
لم يتجاسر على مَا زعماه من أَن التَّوْرَاة لم يَأْتِ فِيهَا وعد ووعيد يتَعَلَّق بِمَا بعد الْمَوْت بل أثبت ذَلِك وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بِالتَّوْرَاةِ كَمَا عرفت من كَلَامه السَّابِق المتضمن لاعْتِرَافه ولمخالفته فِي إِثْبَات اللَّذَّات الجسمانية فَإِن قلت قد جَاءَ عَن الصابئة وَعَن جمَاعَة من المتعلقين بمذاهب الْحُكَمَاء مَا يُوَافق كَلَام ابْن مَيْمُون الْمَذْكُور قلت لسنا بصدد الرَّد على كل كَافِر ومتزندق بل بصدد الْكَلَام على مَا جَاءَت بِهِ رسل الله ونطقت بِهِ كتبه واتفقت عَلَيْهِ الْملَل المنتسبة إِلَى الْأَنْبِيَاء المقتدية بكتب الله وَرُسُله دفعا لما وَقع من الْكَذِب البحت والزور الْمَحْض مِمَّن يزْعم الْمُخَالفَة بَينهَا وَبَين مَا جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَة المحمدية فأوضحنا أَن ذَلِك مُخَالف للملة الْيَهُودِيَّة وَلما جَاءَت بِهِ التَّوْرَاة وَمَا قَالَه عُلَمَاء الْيَهُود ومخالف لما جَاءَت بِهِ الْملَّة النَّصْرَانِيَّة وَلما جَاءَ بِهِ الانجيل وَمَا قَالَه عُلَمَاء النَّصَارَى ومخالف أَيْضا لما جَاءَ بِهِ أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل وَمَا نطقت بِهِ كتبهمْ حَسْبَمَا قدمنَا ومخالف ملا كَانَ من الْأَنْبِيَاء الْمُتَقَدِّمين على بعثة مُوسَى كَمَا يَحْكِي ذَلِك مَا تضمنته التَّوْرَاة من حِكَايَة أَحْوَالهم وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ وَمَا كَانُوا يدينون بِهِ وكما يَحْكِي ذَلِك عَنْهُم الْقُرْآن الْكَرِيم فَإِن فِيهِ مَا يُفِيد مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَمَا كَانُوا يدينون بِهِ وَمَا قَالُوا لقومهم وَمَا وعدوهم بِهِ من خير وَشر بل فِيهِ مَا يُفِيد مَا كَانَ عَلَيْهِ أهل الْكتب الْمُتَأَخِّرَة من الْبعْثَة لمُوسَى وَمن بعده وَمَا كَانُوا يدينون بِهِ كَقَوْلِه سُبْحَانَهُ حاكيا عَن الْيَهُود ﴿وَقَالُوا لن يدْخل الْجنَّة إِلَّا من كَانَ هودا أَو نَصَارَى﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يَا بني إِسْرَائِيل اعبدوا الله رَبِّي وربكم إِنَّه من يُشْرك بِاللَّه فقد حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة ومأواه النَّار﴾ وَقَوله حاكيا عَن مُوسَى إِلَى فِرْعَوْن ﴿وَيَا قوم إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم يَوْم التناد﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَإِن الْآخِرَة هِيَ دَار الْقَرار﴾ إِلَى قَوْله ﴿فَأُولَئِك يدْخلُونَ الْجنَّة يرْزقُونَ فِيهَا بِغَيْر حِسَاب﴾
стр. 20
وَقَوله ﴿إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى إِنِّي متوفيك ورافعك إِلَيّ ومطهرك من الَّذين كفرُوا وجاعل الَّذين اتبعوك فَوق الَّذين كفرُوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ إِلَيّ مرجعكم فأحكم بَيْنكُم فِيمَا كُنْتُم فِيهِ تختلفون فَأَما الَّذين كفرُوا فأعذبهم عذَابا شَدِيدا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمَا لَهُم من ناصرين وَأما الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فيوفيهم أُجُورهم﴾
وَقَالَ ﴿بل تؤثرون الْحَيَاة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة خير وَأبقى إِن هَذَا لفي الصُّحُف الأولى صحف إِبْرَاهِيم ومُوسَى﴾
ونصوص الْقُرْآن الحاكية عَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَسَائِر الْملَل مثل هَذَا كَثِيرَة جدا وَلَا يَتَّسِع الْمقَام لبسطها وَقد بعث النَّبِي ﷺ وَأهل الْملَّة الْيَهُودِيَّة والنصرانية فِي أَكثر بقاع الأَرْض وبلغهم مَا حَكَاهُ الْقُرْآن عَن أَنْبِيَائهمْ من إِثْبَات الْمعَاد وَإِثْبَات النَّعيم الجسماني والروحاني وَلم يسمع عَن أحد مِنْهُم أَنه أنكر ذَلِك أَو قَالَ هُوَ خلاف مَا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَقد نزل أَكثر الْقُرْآن على النَّبِي ﷺ فِي الْمَدِينَة وَكَانَ الْيَهُود متوافرين فِيهَا وَفِيمَا حولهَا من الْقرى الْمُتَّصِلَة بهَا وَكَانُوا يسمعُونَ مَا ينزل من الْقُرْآن وَلم يسمع أَن قَائِلا مِنْهُم قَالَ للنَّبِي ﷺ إِنَّك تحكي عَن التَّوْرَاة مَا لم يكن فِيهَا من الْبعْثَة وَمَا أعده الله فِي الدَّار الْآخِرَة من النَّعيم للمطيعين وَالْعَذَاب للعاصين وَقد كَانُوا يودون أَن يقدحوا فِي النُّبُوَّة المحمدية بِكُل مُمكن بل كَانُوا فِي بعض الْحَالَات يُنكرُونَ وجود مَا هُوَ مَوْجُود فِي التَّوْرَاة كالرجم فَكيف سكتوا عَن هَذَا الْأَمر الْعَظِيم وَهل كَانُوا يعجزون أَن يَقُولُوا عِنْد سماعهم لقَوْله تَعَالَى ﴿قَالُوا لن تمسنا النَّار إِلَّا أَيَّامًا معدودات﴾ مَا قُلْنَا هَذَا وَلَا نعتقده وَلَا جَاءَت بِهِ شَرِيعَة مُوسَى
وَهَكَذَا عِنْد سماعهم لقَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالُوا لن يدْخل الْجنَّة﴾
стр. 21
إِلَّا من كَانَ هودا أَو نَصَارَى) وَقد كَانَ أَمر الْمعَاد مشتهرا فِي أهل الْكتاب وَكَانُوا يتحدثون بِهِ وَاسْتمرّ ذَلِك فيهم استمرارا ظَاهرا وَعلم بِهِ غَيرهم من أهل الْأَوْثَان لما كَانُوا يسمعُونَ مِنْهُم وَمن ذَلِك مَا أخرجه ابْن اسحاق قَالَ حَدثنَا صَالح بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن مَحْمُود بن لبيد عَن سَلامَة بن سَلامَة بن وقش قَالَ كَانَ بَين أَبْيَاتنَا يَهُودِيّ فَخرج على نَادِي قومه بني عبد الْأَشْهَل ذَات غَدَاة فَذكر الْبَعْث وَالْقِيَامَة وَالْجنَّة وَالنَّار والحساب وَالْمِيزَان فَقَالَ ذَلِك لأَصْحَاب وثن لَا يرَوْنَ أَن بعثا كَائِن بعد الْمَوْت وَذَلِكَ قبل مبعث رَسُول الله ﷺ فَقَالُوا وَيحك يَا فلَان أَو وَيلك وَهَذَا كَائِن أَن النَّاس يبعثون بعد مَوْتهمْ إِلَى دَار فِيهَا جنَّة ونار يجزون من أَعْمَالهم قَالَ نعم وَالَّذِي يحلف بِهِ لَوَدِدْت أَن حظي من تِلْكَ النَّار أَن توقدوا أعظم تنور فِي داركم فتحمونه ثمَّ تقذفوني فِيهِ ثمَّ تطينون عَليّ وَإِنِّي أنجو من تِلْكَ النَّار غَدا
فَقيل يَا فلَان فَمَا عَلامَة ذَلِك فَقَالَ نَبِي يبْعَث من نَاحيَة هَذِه الْبِلَاد وَأَشَارَ إِلَى مَكَّة واليمن بِيَدِهِ قَالُوا فَمَتَى نرَاهُ فَرمى بطرفه فرآني وَأَنا مُضْطَجع بِفنَاء بَاب أَهلِي وَأَنا أحدث الْقَوْم فَقَالَ إِن
стр. 22
يستنفذ هَذَا الْغُلَام عمره يُدْرِكهُ ... إِلَى آخر الحَدِيث
وَأهل الْكتاب إِلَى عصرنا هَذَا يقرونَ بالمعاد وَالْجنَّة وَالنَّار والحساب وَالْعِقَاب وَالنَّعِيم وَالثَّوَاب وَلَا يُنكر ذَلِك مِنْهُم مُنكر وَلَا يُخَالف فِيهِ مُخَالف
وَإِذا قيل لَهُم قد قَالَ قَائِل إِنَّكُم لَا تثبتون ذَلِك أَنْكَرُوا أَشد إِنْكَار فَمن روى عَنْهُم مَا يُخَالف ذَلِك فقد افترى وَجَاء بِمَا ترده الْأَحْيَاء مِنْهُم والأموات وَبِمَا تبطله الرُّسُل الْمُرْسلَة إِلَيْهِم والكتب النَّازِلَة عَلَيْهِم حَسْبَمَا قد حكينا لَك فِي هَذَا الْمُخْتَصر
стр. 23
الْفَصْل الثَّالِث
فِي إِثْبَات النبوات
١ - تمهيد
اعْلَم أَن الْأَنْبِيَاء ﵈ على كَثْرَة عَددهمْ وَاخْتِلَاف أعصارهم وتباين أنسابهم وتباعد مساكنهم قد اتَّفقُوا جَمِيعًا على الدُّعَاء إِلَى الله وَصَارَ الآخر مِنْهُم يقر بنبوة من تقدمه وبصحة مَا جَاءَ بِهِ وَإِذا خَالفه فِي تَحْلِيل بعض مَا حرمه الله على لِسَان الأول أَو تَحْرِيم مَا أحله الله لَهُ ولأمته فَهُوَ مقرّ بِأَن الحكم الأول تحليلا اَوْ تَحْرِيمًا هُوَ حق وَهُوَ حكم الله وَأَنه الَّذِي تعبد الله بِهِ أهل تِلْكَ الْملَّة السَّابِقَة وَاخْتَارَهُ لَهُم كَمَا اخْتَار للملة اللاحقة مَا يُخَالِفهُ وَالْكل من عِنْد الله وَذَلِكَ جَائِز عقلا وَشرعا فِي مِلَّة وَاحِدَة فضلا عَن الْملَل الْمُخْتَلفَة
وَمَا رُوِيَ فِي بعض كتب أصُول الْفِقْه من أَن الْيَهُود يُنكرُونَ النّسخ فَتلك رِوَايَة غير صَحِيحَة وَقد نَسَبهَا من نَسَبهَا إِلَى طَائِفَة قَليلَة مِنْهُم وَمَا أَظُنهُ يَصح عَنْهُم ذَلِك فَإِن التَّوْرَاة مصرحة بنسخ كثير من الْأَحْكَام الَّتِي تعبدهم الله بهَا تَارَة تَخْفِيفًا وَتارَة تَغْلِيظًا وَتارَة إِيجَابا وَتارَة تَحْرِيمًا
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا شكّ وَلَا ريب أَن الْأَنْبِيَاء متفقون على تَصْدِيق بَعضهم بَعْضًا وَأَن مَا جَاءَ بِهِ كل وَاحِد مِنْهُم هُوَ من عِنْد الله وَقد عرفناك فِيمَا سبق أَن عَددهمْ بلغ إِلَى مائَة ألف وَأَرْبَعَة وَعشْرين ألفا وَلَا خلاف بَين أهل النّظر أَن اتِّفَاق مثل هَذَا الْعدَد يُفِيد الْعلم الضَّرُورِيّ
стр. 24
بِصدق مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ بل اتِّفَاق عشر هَذَا الْعدَد بل اتِّفَاق عشر عشره يُفِيد ذَلِك وَمن أنكر فِي هَذَا الِاتِّفَاق فَعَلَيهِ بمطالعة التَّوْرَاة فَإِنَّهَا قد اشْتَمَلت على حِكَايَة حَال الْأَنْبِيَاء من لدن آدم إِلَى بعثة مُوسَى وفيهَا التَّصْرِيح بِتَصْدِيق بَعضهم بَعْضًا وَلم يَقع من أحد مِنْهُم الْإِنْكَار لنبوة أحد مِمَّن تقدمه ثمَّ جَاءَ من بعد مُوسَى وَهَارُون أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل وكل وَاحِد مِنْهُم يقر بِمن تقدمه وَثَبت نبوته كَمَا اشْتَمَل على ذَلِك كتب نبواتهم وَكثير مِنْهُم كَانَ يُجَاهد من يعبد الْأَصْنَام من بني إِسْرَائِيل وَغَيرهم وَقد وَقعت لَهُم قصَص وحروب مَعَ من كَانَ يعبد الصَّنَم الْمَعْرُوف ببعل الَّذِي ذكر الله سُبْحَانَهُ فِي الْقُرْآن وَكَذَلِكَ كَانَ لَهُم قصَص وحروب مَعَ من كَانَ يعبد غَيره من الْأَصْنَام وَهَكَذَا دَاوُد وَسليمَان وهما من أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل وَمِمَّنْ يدين بِالتَّوْرَاةِ مَا زَالا فِي حَرْب مَعَ عباد الْأَصْنَام كَمَا يَحْكِي ذَلِك الزبُور وَكتاب دَاوُد وكما تحكيه وَصَايَا سُلَيْمَان وَهِي كتاب مُسْتَقل
وَهَكَذَا الْإِنْجِيل فَإِن الْمَسِيح ﵇ كَانَ يحْتَج على الْمُخَالفين لَهُ من الْيَهُود بِنَصّ التَّوْرَاة فِي غَالب فصوله الْمُشْتَملَة على حِكَايَة الْمسَائِل الَّتِي أنكرها عَلَيْهِ الْيَهُود وَمَعَ هَذَا فَلم يَقع اخْتِلَاف بَينهم قطّ فِي الدُّعَاء إِلَى تَوْحِيد الله وَإِثْبَات الْمعَاد وَصِحَّة نبوة كل وَاحِد مِنْهُم وَصدقه فِيمَا جَاءَ بِهِ من الشَّرْع وَفِيمَا حَكَاهُ عَن الله سُبْحَانَهُ وَهَذِه هِيَ الثَّلَاثَة الْمَقَاصِد الَّتِي جَمعنَا هَذَا الْمُخْتَصر لتقرير اتِّفَاقهم عَلَيْهَا وإثباتهم لَهَا وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَقع التبشير من السَّابِق مِنْهُم باللاحق كَمَا هُوَ مُصَرح بِهِ فِي التَّوْرَاة من تبشير مُوسَى بيوشع بن نون وكما هُوَ مُصَرح بِهِ فِي الزبُور من تبشير دَاوُد بِعِيسَى وَهُوَ الرَّابِع عشر من أَوْلَاده فَإِن بَين دَاوُد والمسيح أَرْبَعَة عشر ابا وَقيل أَكثر من ذَلِك حَسْبَمَا يحكيه مَا وَقع فِي بعض نسخ الْإِنْجِيل وكما وَقع من يحيى بن زَكَرِيَّا الْمُسَمّى عِنْدهم يوحنا فَإِنَّهُ بشر بالمسيح مَعَ اتِّصَال عصره بعصره فَإِن يحيى بن زَكَرِيَّا إِنَّمَا قتل بعد أَن بعث الله الْمَسِيح كَمَا يَحْكِي ذَلِك الْإِنْجِيل
стр. 25
٢ - تبشير التَّوْرَاة بِمُحَمد
ﷺ
وَالْكَلَام فِي تبشير نَبينَا مُحَمَّد ﷺ بِمن تقدمه من الْأَنْبِيَاء حَتَّى يَتَّضِح لَك أَن هَذِه سنة الله فِي انبيائه ﵈
فَمن ذَلِك مَا ثَبت فِي التَّوْرَاة فِي الْفَصْل السَّابِع عشر من السّفر الأول مِنْهَا قَالَ الله سُبْحَانَهُ لإِبْرَاهِيم وَقد سَمِعت قَوْلك فِي إِسْمَاعِيل وَهَا أَنا مبارك فِيهِ وأثمره وَأَكْثَره بمأذ مأذ انْتهى قَوْله بمأذ مأذ هُوَ اسْم مُحَمَّد بالعبرانية وَهَذَا صَرِيح فِي الْبشَارَة بنبينا مُحَمَّد ﷺ
وَفِي الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ من السّفر الْخَامِس من التَّوْرَاة مَا لَفظه يَا الله الَّذِي تجلى نوره من طور سينا وأشرق نوره من جبل سيعير ولوح بِهِ من جبل فاران وأتى ربوة الْقُدس بشريعة نور من يَمِينه لَهُم انْتهى
هَذَا نَص التَّوْرَاة المعربة تعريبا صَحِيحا وَقد حكى هَذَا اللَّفْظ من نقل عَن التَّوْرَاة بمخالفة لما هُنَا يسيرَة هَكَذَا جَاءَ الله من طور سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من جبال فاران وَفِي لفظ تجلى الله من طور سيناء أَو مَجِيئه من طور سيناء الخ
قَالَ جمَاعَة من الْعلمَاء إِن معنى تجلى نور الله سُبْحَانَهُ من طور سيناء أَو مَجِيئه من طور سيناء هُوَ إنزاله التَّوْرَاة على مُوسَى بطور سيناء وَمعنى إشراقه من جبل سيعير إنزاله الْإِنْجِيل على الْمَسِيح وَكَانَ الْمَسِيح من سيعير أَو ساعير وَهِي أَرض الْخَلِيل من قَرْيَة مِنْهَا تدعى ناصرة وباسمها سمي اتِّبَاعه نَصَارَى وَمعنى لوح بِهِ من جبل فاران أَو استعلن من جبل فاران إنزاله الْقُرْآن على مُحَمَّد ﷺ وجبال فاران هِيَ جبال مَكَّة بِلَا خلاف بَين عُلَمَاء الْمُسلمين وَأهل
стр. 26
الْكتاب وَمِمَّا يُؤَيّد هَذَا مَا فِي التَّوْرَاة فِي السّفر الأول مِنْهَا مَا لَفظه وَغدا إِبْرَاهِيم فَأخذ الْغُلَام يَعْنِي إِسْمَاعِيل وَأخذ خبْزًا وسقاء من مَاء وَدفعه إِلَى هَاجر وَحمله عَلَيْهَا وَقَالَ لَهَا اذهبي فَانْطَلَقت هَاجر فظلت سبعا وَنفذ المَاء الَّذِي كَانَ مَعهَا فطرحت الْغُلَام تَحت شَجَرَة وَجَلَست مُقَابلَته على مِقْدَار رمية سهم لِئَلَّا تبصر الْغُلَام حِين يَمُوت وَرفعت صَوتهَا بالبكاء وَسمع الله صَوت الْغُلَام فَدَعَا ملك الله هَاجر وَقَالَ لَهَا مَالك يَا هَاجر لَا تخشي فَإِن الله قد سمع صَوت الْغُلَام حَيْثُ هُوَ فقومي فاحملي الْغُلَام وشدي يَديك بِهِ فَإِنِّي جاعله لأمة عَظِيمَة وَفتح الله عينيها فبصرت بِئْر مَاء فسقت الْغُلَام وملأت سَقَاهَا وَكَانَ الله مَعَ الْغُلَام فربي وَسكن فِي بَريَّة فاران انْتهى
وَلَا خلاف أَن إِسْمَاعِيل سكن أَرض مَكَّة فَعلم أَنَّهَا فاران وَقد حكى الله سُبْحَانَهُ فِي الْقُرْآن الْكَرِيم مَا يُفِيد هَذَا فَقَالَ حاكيا عَن إِبْرَاهِيم ﴿رَبنَا إِنِّي أسكنت من ذريتي بواد غير ذِي زرع عِنْد بَيْتك الْمحرم رَبنَا ليقيموا الصَّلَاة فَاجْعَلْ أَفْئِدَة من النَّاس تهوي إِلَيْهِم وارزقهم من الثمرات لَعَلَّهُم يشكرون﴾
وَلَا خلاف فِي ان المُرَاد بِهَذَا الْوَادي أَرض مَكَّة وَفِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الحاكية لقصة إِبْرَاهِيم مَعَ هَاجر وَوَلدهَا إِسْمَاعِيل مَا يُفِيد هَذَا ويوضحه
وَمِمَّا يُؤَيّد هَذِه الْبشَارَة الْمَذْكُور فِي كتاب نبوة النَّبِي شَمْعُون وَلَفظه جَاءَ الله من جبال فاران وامتلأت السَّمَوَات وَالْأَرْض من تسبيحه وتسبيح أمته
وَمثل ذَلِك الْبشَارَة الْمَذْكُورَة فِي نبوة النَّبِي حبقوق وَلَفظه جَاءَ الله من التَّيَمُّن وَظهر الْقُدس على جبال فاران وامتلأت الأَرْض من
стр. 27
تحميد أَحْمد وَملك يَمِينه رفات الْأُمَم وأنارت الأَرْض لنوره وحملت خيله فِي الْبَحْر انْتهى
وَفِي هَذَا التَّصْرِيح بجبال فاران مَعَ التَّصْرِيح باسم نَبينَا مُحَمَّد ﷺ بقوله وامتلأت الأَرْض من تحميد أَحْمد تَصْرِيحًا لَا يبْقى بعده ريب لمرتاب
وَمن البشارات بنبينا مُحَمَّد ﷺ فِي الزبُور لداود ﵇ مَا لَفظه إِن رَبنَا عَظِيم مَحْمُود جدا وَمُحَمّد قد عَم الأَرْض كلهَا فَرحا انْتهى
فَفِي هَذَا التَّصْرِيح باسمه ﷺ
وَمن ذَلِك قَوْله فِيهِ بَارك عَلَيْك إِلَى الْأَبَد ويقلد أَبونَا الْجَبَّار السَّيْف لِأَن الْبَهَاء لوجهك وَالْحَمْد الْغَالِب عَلَيْك اركب كلمة الْحق وسمت التأله فَإِن ناموسك وشرائعك مَعْرُوفَة بهيبة يَمِينك وسهامك مسنونة والأمم يخرون تَحْتك انْتهى
وَهَذِه صِفَات نَبينَا ﷺ فَإِنَّهُ لم يبْعَث نَبِي هَذِه صفته بعد دَاوُد سواهُ وَمثل هَذَا قَوْله فِي مَوضِع آخر وَيجوز من الْبَحْر إِلَى الْبَحْر وَمن لدن الْأَنْهَار إِلَى مُنْقَطع الأَرْض وتخزى أهل الجزائر بَين يَدَيْهِ ويلحس أعداؤه التُّرَاب وَيسْجد لَهُ مُلُوك الْفرس وَتَدين لَهُ الْأُمَم بِالطَّاعَةِ والانقياد ويخلص البائس المضطهد مِمَّن هُوَ أقوى مِنْهُ وينقذ الضَّعِيف الَّذِي لَا نَاصِر لَهُ ويرأف بالمساكين والضعفاء وَيُصلي عَلَيْهِ ويبارك فِي كل حِين انْتهى
وَهَذِه الصِّفَات أَيْضا لَيست لأحد من الْأَنْبِيَاء غَيره فَإِنَّهُ لم يملك أحد مِنْهُم من الْبَحْر إِلَى الْبَحْر وَمن لدن الْأَنْهَار إِلَى مُنْقَطع الأَرْض
стр. 28
كَمَا ذَلِك مَعْلُوم لكل أحد بل الَّذِي انتشرت شَرِيعَته وَبَلغت سيوف أمته إِلَى هَذَا الْمِقْدَار هُوَ نَبينَا ﷺ
وَهَكَذَا قَوْله وَيسْجد لَهُ مُلُوك الْفرس فَإِنَّهُ لم يفتح الْفرس ويستعبد أَهلهَا وَيضْرب عَلَيْهِم الْجِزْيَة إِلَّا أمة نَبينَا ﷺ وَهَكَذَا قَوْله وَتَدين لَهُ الْأُمَم بِالطَّاعَةِ والانقياد فَإِنَّهَا لم تدن الْأُمَم كلهَا لغيره وَهَكَذَا قَوْله وَيصلى عَلَيْهِ ويبارك فِي كل حِين فَإِن هَذَا يخْتَص بنبينا ﷺ لاستمرار ذَلِك لَهُ فِي كل وَقت وَوُقُوع الْأَمر القرآني بِهِ وَلم يكن ذَلِك لغيره من الْأَنْبِيَاء وَمن البشارات مَا ذكره أشعيا فِي كتاب نبوته من التبشير بِرَاكِب الْحمار وراكب الْجمل وَلَا شكّ أَن رَاكب الْحمار هُوَ الْمَسِيح وراكب الْجمل هُوَ نَبينَا ﷺ
وَفِي نبوة أشعيا أَيْضا قَوْله إِنِّي جعلت أَمرك يَا مُحَمَّد يَا قدوس الرب اسْمك مَوْجُود من الْأَبَد انْتهى
وَهَذَا تَصْرِيح باسم نَبينَا ﷺ وَمثل هَذَا قَول حبقوق النَّبِي فِي كتاب نبوته أَضَاءَت السَّمَاء من بهاء مُحَمَّد وامتلأت الأَرْض من شُعَاع منظره وَكَذَا قَوْله فِي مَوضِع آخر من كتاب نبوته وتنزع فِي مسيك إعراقا ونزعا وترتوي السِّهَام بِأَمْرك يَا مُحَمَّد ارتواء فَإِن هَذَا تَصْرِيح أوضح من الشَّمْس وَأَن الله يظهركم عَلَيْكُم وباعث فيهم نَبيا وَينزل عَلَيْهِم كتابا ويملكهم رِقَابكُمْ فيقهرونكم ويذلونكم بِالْحَقِّ وَيخرج رجال بني قيذار فِي جماعات الشعوب مَعَهم مَلَائِكَة على خيل بيض انْتهى
فَفِي هَذَا التَّصْرِيح ببعثة نَبينَا ﷺ وقهر أمته للأمم فَإِن قيذار هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بِلَا خلاف وَلم يبْعَث الله فيهم نَبيا إِلَّا نَبينَا
стр. 29
مُحَمَّدًا ﷺ وَهَذَا مَعْلُوم لكل أحد لَا يُخَالف فِيهِ مُخَالف وَلَا يُنكره مُنكر
وَمن البشارات مَا فِي كتاب نبوة دانيال النَّبِي فَإِنَّهُ صرح فِيهَا باسم النَّبِي ﷺ بِمثل مَا تقدم فِي نبوة حبقوق فَقَالَ ستنزع فِي مسيك إعراقا وترتوي السِّهَام بِأَمْرك يَا مُحَمَّد ارتواء انْتهى
وَفِي مَوضِع آخر من كِتَابه هَذَا التَّصْرِيح ببعثة نَبينَا ﷺ فَقَالَ بعد ذكر التبشير بالمسيح مَا لَفظه حَتَّى أبْعث نَبِي بني إِسْمَاعِيل الَّذِي بشرت بِهِ هَاجر وَأرْسلت إِلَيْهَا مَلَائِكَة فبشروها فَأوحى إِلَى ذَلِك النَّبِي وأعلمه السَّمَاء وأزينه بالتقوى وَأَجْعَل الْبر شعاره وَالتَّقوى جهده والصدق قَوْله وَالْوَفَاء طَبِيعَته وَالْقَصْد سيرته والرشد سنته بِكِتَاب مُصدق لما بَين يَدَيْهِ من الْكتب وناسخ لبَعض مَا فِيهَا أسرِي بِهِ إِلَيّ وأرقيه من سَمَاء إِلَى سَمَاء حَتَّى يَعْلُو فأدنيه وَأسلم عَلَيْهِ وأوحي إِلَيْهِ ثمَّ أرده إِلَى عبَادي بالسرور وَالْغِبْطَة حَافِظًا لما استودع صادعا بِمَا أَمر
يَدْعُو إِلَى توحيدي باللين من القَوْل وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة لَا فظ وَلَا غليظ وَلَا صخاب فِي الْأَسْوَاق رؤوف بِمن وَالَاهُ رَحِيم بِمن آمن بِهِ حَتَّى على من عَادَاهُ انْتهى
وَلَا ريب أَن هَذِه صِفَات نَبينَا ﷺ وَأَنه لم يبْعَث الله نَبيا من بني إِسْمَاعِيل سواهُ
وَمثل هَذِه الصِّفَات مَا فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو عِنْد البُخَارِيّ وَغَيره أَنه قيل لَهُ أخبرنَا بِبَعْض صفة رَسُول الله ﷺ فِي التَّوْرَاة قَالَ إِنَّه لموصوف فِي التَّوْرَاة بِبَعْض صفته فِي الْقُرْآن يَا أَيهَا النَّبِي إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا وَمُبشرا وَنَذِيرا وحرزا للأميين أَنْت عَبدِي ورسولي سميتك المتَوَكل لست بِفَظٍّ وَلَا غليظ وَلَا صخاب بالأسواق
стр. 30
وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيئَة وَلَكِن يَجْزِي السَّيئَة بِالْحَسَنَة وَيَعْفُو وَيغْفر وَلنْ أقبضهُ حَتَّى أقيم بِهِ الْملَّة العوجاء فأفتح بِهِ أعينا عمياء وآذانا صمًّا وَقُلُوبًا غلفًا بِأَن يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله
قيل قد يُرَاد بِلَفْظ التَّوْرَاة جنس الْكتب الْمُتَقَدّمَة من التَّوْرَاة وَالزَّبُور وَالْإِنْجِيل وَسَائِر كتب أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل فعلى هَذَا يكون المُرَاد بقول عبد الله بن عَمْرو إِنَّه لموصوف فِي التَّوْرَاة هَذِه الصِّفَات الْمَذْكُورَة فِي نبوة دانيال
وَلَا مَانع من أَن تكون هَذِه الصِّفَات كَانَت مَوْجُودَة فِي التَّوْرَاة فحذفتها الْيَهُود فَمَا ذَلِك بِأول تَحْرِيف وتبديل وتغيير مِنْهُم
تبشير الْإِنْجِيل بِمُحَمد ﷺ
وَمن البشارات بِهِ فِي الْإِنْجِيل مَا فِي الْفَصْل الْخَامِس عشر من الْإِنْجِيل الَّذِي جمعه يوحنا أَن الفارقليط روح الْحق الَّذِي يُرْسِلهُ الله هُوَ يعلم كل شَيْء انْتهى وَفِي مَوضِع آخر مِنْهُ والفارقليط روح الْقُدس الَّذِي يُرْسِلهُ الله هُوَ يعلم كل شَيْء وَهُوَ يذكركم مَا قلت لكم وَفِي مَوضِع آخر مِنْهُ إِذا جَاءَ الفارقليط الَّذِي أرْسلهُ الله روح الْحق الَّذِي هُوَ يشْهد لي قلت لكم هَذَا حَتَّى إِذا كَانَ يُؤمنُونَ بِهِ وَلَا يَشكونَ فِيهِ
وَفِي الْفَصْل السَّادِس عشر مِنْهُ لكني أَقُول لكم الْحق إِنَّه خير لكم أَن أَنطلق لِأَنِّي إِن لم أَنطلق لم يأتكم الفارقليط فَإِذا انْطَلَقت أَرْسلتهُ إِلَيْكُم فَهُوَ يوبخ الْعَالم على الْخَطِيئَة وعَلى الْبر وعَلى الحكم
أما على الْخَطِيئَة فَإِنَّهُم لم يُؤمنُوا بِي وَأما على الْبر فَإِنِّي منطلق ولستم تروني وَأما على الحكم فَإِن رَئِيس هَذَا الْعَالم يدان وَأَن لي كلَاما كثيرا لَسْتُم تطيقون كُله الْآن
لَكِن إِذا جَاءَ روح الْحق ذَاك فَهُوَ يرشدكم إِلَى جَمِيع الْحق لِأَنَّهُ لَيْسَ ينْطق من عِنْده بل يتَكَلَّم بِمَا يسمع وَيُخْبِركُمْ بِكُل مَا يَأْتِي انْتهى
стр. 31
وَقد تكَرر ذكر الفارقليط فِي الْإِنْجِيل وأنذر بِهِ الْمَسِيح وَبشر بِهِ قومه فِي غير مَوضِع مِنْهُ وَقد اخْتلفُوا فِي المُرَاد فالفارقليط فِي لغتهم على أَقْوَال وَذهب الْأَكْثَر من النَّصَارَى إِنَّه المخلص وَقَالُوا هُوَ مُشْتَقّ من الْفَارُوق أَو من فَارق قَالُوا وَمعنى ليط كلمة تزاد كَمَا يُقَال رجل هُوَ وَحجر هُوَ وعالم هُوَ وجاهل هُوَ
وَقد تقرر أَنه لَا نَبِي بعد الْمَسِيح غير نَبينَا ﷺ وَهَذِه البشارات قد تَضَمَّنت أَنه سَيَأْتِي بعد الْمَسِيح نَبِي يخلص تِلْكَ الْأمة مِمَّا هم فِيهِ ويوبخهم على الخطية وَيتَكَلَّم بِمَا يسمع ويخبر بِكُل مَا يَأْتِي وَلم يكن هَذَا لأحد بعد الْمَسِيح غير نَبينَا ﷺ
وَمِمَّا يدل على أَن المُرَاد بالفارقليط هُوَ نَبينَا ﷺ أَنه وَقع الْحَذف بِهَذَا اللَّفْظ من بعض نسخ الْإِنْجِيل مَعَ ثُبُوته فِي غالبها وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا تغييرا وتبديلا من النَّصَارَى لما يعلمونه من أَن المُرَاد بِهَذَا اللَّفْظ هُوَ التبشير بِنَبِي يَأْتِي بعد الْمَسِيح وَأَنَّهَا ستقوم بذلك الْحجَّة عَلَيْهِم فحذفوا هَذَا اللَّفْظ لهَذِهِ الْعلَّة
وَقد حكى الله سُبْحَانَهُ فِي الْقُرْآن الْعَظِيم أَن الْمَسِيح بشر بنبينا مُحَمَّد ﷺ فَقَالَ ﴿وَإِذ قَالَ عِيسَى ابْن مَرْيَم يَا بني إِسْرَائِيل إِنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم مُصدقا لما بَين يَدي من التَّوْرَاة وَمُبشرا برَسُول يَأْتِي من بعدِي اسْمه أَحْمد﴾
وَفِي الْإِنْجِيل الَّذِي جمعه يوحنا أَن الْمَسِيح قَالَ أركون الْعَالم سَيَأْتِي وَلَيْسَ لي شَيْء وَهَذَا اللَّفْظ فِيهِ أعظم بِشَارَة بنبينا مُحَمَّد ﷺ فَإِن الأركون فِي لُغَة النَّصَارَى الْعَظِيم الْقدر وَلم يَأْتِ بعد الْمَسِيح من هُوَ بِهَذِهِ الصّفة إِلَّا نَبينَا ﷺ فَإِنَّهُ جعله أركون الْعَالم وَقَالَ عَن نَفسه لَيْسَ لَهُ من الْأَمر شَيْء فَدلَّ هَذَا على أَنه سَيَأْتِي بعده عَظِيم من عُظَمَاء الْعَالم يكون مِنْهُ الإصدار والإيراد والحل وَالْعقد فِي الدّين وَإِثْبَات الشَّرَائِع
стр. 32
وَأَن الْمَسِيح بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كمن لَيْسَ لَهُ شَيْء وَهَذَا إِنَّمَا يكون تبشيرا بِمن هُوَ أعظم من المبشر بِهِ أَعنِي الْمَسِيح ﵇ وَلَا يَصح حمله على رجل عَظِيم الْقدر فِي الدُّنْيَا أَو فِي الْملك أَو غير ذَلِك لِأَن الْأَنْبِيَاء لَا يبشرون بِمن هُوَ كَذَلِك ويجعلونه أركون الْعَالم ويجعلون الْأَمر إِلَيْهِ وينفون الْأَمر عَن أنفسهم فَإِن هَذَا لَا يكون أبدا من الْأَنْبِيَاء وَلَا يَصح نسبته إِلَيْهِم وَلَا صدوره مِنْهُم قطّ بِلَا خلاف بَين أهل الْملَل وَلَا يُمكن أَن يَدعِي مُدع أَنه جَاءَ بعد الْمَسِيح من هُوَ بِهَذِهِ الصّفة غير نَبينَا ﷺ
فَإِن الحواريين إِنَّمَا دانوا بِدِينِهِ ودعوا النَّاس إِلَى شَرِيعَته وَلم يسْتَقلّ أحد مِنْهُم بِشَيْء من جِهَة نَفسه قطّ وَمن جَاءَ بعدهمْ من أَتبَاع الْمَسِيح فَهُوَ دونهم بمراحل
٤ - إِشَارَة الْقُرْآن وَالسّنة إِلَى بشارات الْكتب السَّابِقَة
وَقد حكى الله سُبْحَانَهُ فِي الْقُرْآن الْكَرِيم مَا تتضمنه الْكتب الْمنزلَة وَالرسل الْمُرْسلَة من التبشير بنبينا مُحَمَّد ﷺ مَا يُغني عَن جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ من نُصُوص تِلْكَ الْكتب وَإِنَّمَا أردنَا بِالنَّقْلِ مِنْهَا إِلْزَام الْحجَّة وتكميل الْفَائِدَة لمن كَانَ فِي قلبه ريب وَفِي صَدره حرج
فَمن ذَلِك قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿الَّذين يتبعُون الرَّسُول النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر وَيحل لَهُم الطَّيِّبَات وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث﴾ وَقَالَ ﴿الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن الَّذين أُوتُوا الْكتاب ليعلمون أَنه الْحق من رَبهم وَمَا الله بغافل عَمَّا يعْملُونَ﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَكَانُوا من قبل يستفتحون على الَّذين كفرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَا عرفُوا كفرُوا بِهِ فلعنة الله على الْكَافرين﴾
стр. 33
وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَالَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعلمُونَ أَنه منزل من رَبك بِالْحَقِّ فَلَا تكونن من الممترين﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿قل كفى بِاللَّه شَهِيدا بيني وَبَيْنكُم وَمن عِنْده علم الْكتاب﴾ وَقَالَ ﵎ ﴿أَو لم يكن لَهُم آيَة أَن يُعلمهُ عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَإِذا سمعُوا مَا أنزل إِلَى الرَّسُول ترى أَعينهم تفيض من الدمع مِمَّا عرفُوا من الْحق يَقُولُونَ رَبنَا آمنا فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين أُوتُوا الْعلم من قبله إِذا يُتْلَى عَلَيْهِم يخرون للأذقان سجدا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبنَا إِن كَانَ وعد رَبنَا لمفعولا ويخرون للأذقان يَبْكُونَ ويزيدهم خشوعا﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿فَإِن كنت فِي شكّ مِمَّا أنزلنَا إِلَيْك فاسأل الَّذين يقرؤون الْكتاب من قبلك﴾
وَهَذَا بعض مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الْكتاب الْعَزِيز وَفِي الْأَحَادِيث مَا يُؤَيّد ذَلِك ويؤكده
فَمن ذَلِك مَا رَوَاهُ ابْن اسحاق قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن أبي مُحَمَّد عَن عِكْرِمَة أَو عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَن الْيَهُود كَانُوا يستفتحون على الْأَوْس والخزرج برَسُول الله ﷺ قبل بعثته فَلَمَّا بَعثه الله من الْعَرَب كفرُوا بِهِ وجحدوا مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِيهِ فَقَالَ معَاذ بن جبل وَبشر بن الْبَراء بن معْرور وَدَاوُد بن سلم يَا معشر الْيَهُود اتَّقوا الله وَأَسْلمُوا فقد كُنْتُم تستفتحون علينا بِمُحَمد ﷺ وَنحن أهل شرك وتخبرونا أَنه مَبْعُوث وتصفونه بِصفتِهِ فَقَالَ سَلام بن
стр. 34
مشْكم أحد بني النَّضِير مَا جَاءَنَا بِشَيْء نعرفه وَمَا هُوَ بِالَّذِي كُنَّا نذكرهُ لكم فَأنْزل الله ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَا عرفُوا كفرُوا بِهِ فلعنة الله على الْكَافرين﴾
وروى ابْن اسحاق نَحْو هَذِه الْقِصَّة الَّتِي هِيَ سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة من طرق وَمِنْهَا أَنه قَالَ حَدثنِي صَالح بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف عَن مَحْمُود بن لبيد حَدثنَا يحيى بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أسعد بن زُرَارَة الْأنْصَارِيّ قَالَ حَدثنِي من شِئْت من رجال قومِي عَن حسان بن ثَابت الْأنْصَارِيّ قَالَ وَالله إِنِّي لغلام يفعة ابْن سبع سِنِين أَو ثَمَان سِنِين أَعقل كلما سَمِعت إِذْ سَمِعت يَهُودِيّا يَقُول على أَطَم يثرب فَصَرَخَ يَا معشر الْيَهُود فَلَمَّا اجْتَمعُوا عَلَيْهِ قَالُوا مَالك وَتلك قَالَ طلع نجم أَحْمد الَّذِي يبْعَث اللَّيْلَة
وَمن ذَلِك مَا كَانَ من خُرُوج زيد بن عَمْرو بن نفَيْل وسؤاله لأهل الْكتاب وإخبارهم عَن أَن نَبيا يبْعَث فِي الْعَرَب فَرجع وَأدْركَ النَّبِي ﷺ قبل أَن يبْعَث وَمَات قبل الْبعْثَة وَهَذَا الحَدِيث فِي البُخَارِيّ وَغَيره
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح من حَدِيث أنس بن مَالك أَن غُلَاما يَهُودِيّا كَانَ يخْدم النَّبِي ﷺ فَمَرض فَأَتَاهُ النَّبِي ﷺ يعودهُ فَوجدَ أَبَاهُ عِنْد رَأسه يقْرَأ التَّوْرَاة فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ يَا يَهُودِيّ أنْشدك بِاللَّه الَّذِي أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى هَل تَجِد فِي التَّوْرَاة صِفَتي ومخرجي قَالَ لَا قَالَ الْفَتى بلَى وَالله يَا رَسُول الله إِنَّا نجد فِي التَّوْرَاة نعتك ومخرجك وَإِنِّي أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك رَسُول الله فَقَالَ ﷺ (أقِيمُوا هَذَا من عِنْد رَأسه ولوا أَخَاكُم)
وَثَبت فِي البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن
стр. 35
أبي سُفْيَان بن حَرْب لما سَأَلَهُ هِرقل ملك الرّوم عَن صِفَات رَسُول الله ﷺ فَأخْبرهُ فَقَالَ إِن يكن مَا تَقوله حَقًا إِنَّه نَبِي وَقد كنت أعلم أَنه خَارج وَلم أكن أَظُنهُ مِنْكُم وَلَو أعلم أَنِّي أخْلص إِلَيْهِ لأحسنت لقاءه وَلَو كنت عِنْده لغسلت عَن قَدَمَيْهِ
وَفِي البُخَارِيّ حِكَايَة عَن هِرقل هَذَا إِنَّه كَانَ جَزَاء ينظر فِي النُّجُوم فَنظر فَقَالَ إِن ملك الْخِتَان قد ظهر فَمن يختتن من هَذِه الْأمة قَالُوا يختتن الْيَهُود فَلَا يهمك شَأْنهمْ وَابعث إِلَى من فِي مملكتك من الْيَهُود فيقتلونهم ثمَّ وجد إنْسَانا من الْعَرَب فَقَالَ انْظُرُوا أفختتن هُوَ فنظروا فَإِذا هُوَ مختتن وَسَأَلَهُ عَن الْعَرَب فَقَالَ يختتنون
وَفِيه أَيْضا وَكَانَ برومية صَاحب لهرقل كَانَ هِرقل نَظِيره فِي الْعلم فَأرْسل إِلَيْهِ وَسَار إِلَى حمص فَلم يرم حمص حَتَّى أَتَى كتاب من صَاحبه يُوَافق رَأْيه على خُرُوج النَّبِي ﷺ
وَمن هَذَا مَا ثَبت فِي كتب السّير والْحَدِيث من إِسْلَام النَّجَاشِيّ وتصديقه بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الْحَبَشَة لم يُشَاهد النَّبِي ﷺ وَإِنَّمَا وصل إِلَيْهِ بعض أَصْحَابه وَسمع مَا تلوه عَلَيْهِ من الْقُرْآن فَآمن وَصدق
وَثَبت فِي الصَّحِيح أَن ورقة بن نَوْفَل الَّذِي دَار فِي طلب الدّين وَسَأَلَ طوائف أهل الْكتاب لما أخبرهُ رَسُول الله ﷺ بِمَا رأى من نزُول جِبْرِيل عَلَيْهِ فِي غَار حراء وَمَا قَالَ لَهُ فَقَالَ ورقة هَذَا الناموس الَّذِي انْزِلْ الله على مُوسَى لَيْتَني كنت جذعا أدْرك إِذْ يخْرجك قَوْمك فَقَالَ النَّبِي ﷺ أَو مخرجي هم فَقَالَ ورقة لم يَأْتِ أحد بِمثل مَا جِئْت بِهِ إِلَّا عودي وَإِن يدركني يَوْمك أنصرك نصرا مؤزرا ثمَّ لم ينشب ورقة أَن توفّي
стр. 36
وَمن هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن إِسْحَاق قَالَ حَدثنِي عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة عَن شيخ من بني قُرَيْظَة قَالَ هَل تَدْرِي عَمَّا كَانَ إِسْلَام أسيد وثعلبة ابْني سعية وَأسد بن عبيد نفر من هُذَيْل لم يَكُونُوا من بني قُرَيْظَة وَلَا النَّضِير كَانُوا فَوق ذَلِك قلت لَا قَالَ فَإِنَّهُ قدم علينا رجل من الشَّام من يهود يُقَال لَهُ ابْن الهيبان فَأَقَامَ عندنَا وَالله مَا رَأينَا رجلا قطّ لَا يُصَلِّي الْخمس خيرا مِنْهُ فَقدم علينا قبل مبعث النَّبِي ﷺ بسنين وَكُنَّا إِذا قحطنا أَو فل علينا الْمَطَر نقُول يَا ابْن الهيبان أخرج فاستق لنا فَيَقُول لَا وَالله حَتَّى تقدمُوا أَمَام مخرجكم صَدَقَة فَنَقُول كم فَيَقُول صَاع من تمر أَو مَدين من شعير فنخرجه ثمَّ يخرج إِلَى ظَاهر حرتنا وَنحن مَعَه فيستقي فوَاللَّه مَا نقوم من مَجْلِسه حَتَّى تمر السَّحَاب وَقد فعل ذَلِك غير مرّة وَلَا مرَّتَيْنِ وَلَا ثَلَاثَة فحضرته الْوَفَاة فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ فَقَالَ يَا معشر يهود مَا تَرَوْنَهُ أخرجني من أَرض الْخمر والخمير إِلَى أَرض الْبُؤْس والجوع قَالُوا أَنْت أعلم قَالَ فَإِنَّهُ إِنَّمَا أخرجني أتوقع خُرُوج نَبِي قد أظل زَمَانه هَذِه الْبِلَاد مهاجره فَاتَّبعُوهُ وَلَا تسبقن إِلَيْهِ إِذا خرج يَا معشر يهود فَإِنَّهُ يبْعَث بسفك الدِّمَاء وَسبي الذَّرَارِي وَالنِّسَاء فَمن يُخَالِفهُ فَلَا يمنعكم ذَلِك مِنْهُ ثمَّ مَاتَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلَة الَّتِي فتحت فِيهَا قُرَيْظَة قَالَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَة الْفتية وَكَانُوا شبانا أحداثا يَا معشر يهود وَالله إِنَّه الَّذِي ذكر لكم ابْن الهيبان فَقَالُوا مَا هُوَ بِهِ قَالُوا بلَى وَالله إِنَّه بِصفتِهِ ثمَّ نزلُوا فأسلموا وخلوا أَمْوَالهم وَأَوْلَادهمْ وأهاليهم فَلَمَّا فتح الْحصن رد ذَلِك عَلَيْهِم
وَأخرج البُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَالْبَيْهَقِيّ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة عَن مُحَمَّد بن عمر بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم عَن أَبِيه قَالَ سَمِعت أبي جُبَير يَقُول لما بعث الله نبيه وَظهر أمره بِمَكَّة خرجت إِلَى الشَّام فَلَمَّا كنت ببصرى أَتَتْنِي جمَاعَة من النَّصَارَى فَقَالُوا لي أَمن الْحرم أَنْت قلت نعم قَالُوا تعرف هَذَا الَّذِي تنبأ فِيكُم قلت نعم قَالَ
стр. 37
فَأخذُوا بيَدي فأدخلوني ديرا لَهُم فِيهِ تماثيل وصور قَالُوا لي أنظر هَل ترى صُورَة هَذَا الَّذِي بعث فِيكُم فَنَظَرت فَلم أر صورته قلت لَا أرى صورته فأدخلوني ديرا أكبر من ذَلِك الدَّيْر الَّذِي فِيهِ صور أَكثر مِمَّا فِي ذَلِك الدَّيْر فَقَالُوا لي أنظر هَل ترى صورته فَنَظَرت فَإِذا أَنا بِصفة رَسُول الله ﷺ وَصورته وَإِذا أَنه بِصفة أبي بكر وَصورته وَهُوَ آخذ بعقب رَسُول الله ﷺ فَقَالُوا لي انْظُر هَل ترى صفته قلت نعم قَالُوا هُوَ هَذَا وأشاروا إِلَى صفة رَسُول الله ﷺ قلت اللَّهُمَّ نعم قَالُوا أتعرف هَذَا الَّذِي أَخذ بعقبه قلت نعم قَالُوا تشهد أَن هَذَا هُوَ صَاحبكُم وَأَن هَذَا الْخَلِيفَة من بعده
وَقَرِيب من هَذِه الْقِصَّة مَا رَوَاهُ مُوسَى بن عقبَة بن هِشَام بن الْعَاصِ ونعيم بن عبد الله وَرجل آخر قد سَمَّاهُ بعثوا إِلَى ملك الرّوم زمن أبي بكر قَالَ فَدَخَلْنَا على جبلة بن الْأَيْهَم وَهُوَ بالغوطة فَذكر الحَدِيث وَأَنه انْطلق بهم إِلَى الْملك وَأَنَّهُمْ وجدوا عِنْده شبه الربعة الْعَظِيمَة مذهبَة وَإِذا فِيهَا أَبْوَاب صغَار فَفتح فِيهَا بَابا فاستخرج مِنْهُ حريرة وفيهَا صُورَة نوح ثمَّ إِبْرَاهِيم ثمَّ حريرة فِيهَا صُورَة مُحَمَّد ﷺ وَقَالَ هَذَا آخر الْأَبْوَاب وَلَكِنِّي عجلته لأنظر مَا عنْدكُمْ
وأمثال هَذَا كَثِيرَة جدا يطول الْمقَام ببسط بَعْضهَا فضلا عَن كلهَا وَفِي الْقُرْآن الْكَرِيم من دَلَائِل إِثْبَات النبوات على الْعُمُوم وَإِثْبَات نبوة نَبينَا ﷺ على الْخُصُوص مَا لَا يخفى على من يعرف الْقُرْآن وَيفهم كَلَام الْعَرَب فَإِنَّهُ مُصَرح بِثُبُوت جَمِيع الْأَنْبِيَاء من لدن آدم إِلَى مُحَمَّد ﷺ وَفِيه ذكر كل وَاحِد مِنْهُم بِصفتِهِ والى من أرسل وَفِي أَي زمَان كَانَ مَعَ تَقْدِيم الْمُتَقَدّم وَتَأْخِير الْمُتَأَخر وَذكر مَا وَقع لكل وَاحِد مِنْهُم من إِجَابَة قومه لَهُ وامتناعهم عَلَيْهِ وردهم لما جَاءَ بِهِ وَمَا وَقع بَينه وَبينهمْ من المقاولة والمحاولة والمقاتلة
стр. 38
وَمن نظر فِي التَّوْرَاة وَمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من حِكَايَة حَال الْأَنْبِيَاء من لدن آدم إِلَى مُوسَى وجد الْقُرْآن مُوَافقا لما فِيهَا غير مُخَالف لَهَا وَهَكَذَا مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ التَّوْرَاة مِمَّا اتّفق الموسى وَبني إِسْرَائِيل فِي مصر مَعَ فِرْعَوْن وَمَا كَانَ من تِلْكَ الْحَوَادِث من الْآيَات الْبَينَات الَّتِي جَاءَ بهَا
وَمن تِلْكَ الْعُقُوبَات الَّتِي عُوقِبَ بهَا فِرْعَوْن وَقَومه ثمَّ مَا كَانَ من بني إِسْرَائِيل مَعَ مُوسَى من بعد خُرُوجهمْ من مصر إِلَى عِنْد موت مُوسَى مَعَ طول تِلْكَ الْمدَّة وَكَثْرَة تِلْكَ الْحَوَادِث فَإِن الْقُرْآن حكى ذَلِك كَمَا هُوَ وَذكره بِصفتِهِ من غير مُخَالفَة ثمَّ مَا كَانَ من الْأَنْبِيَاء الَّذين جَاءُوا بعد مُوسَى إِلَى عِنْد قيام الْمَسِيح فَإِن الْقُرْآن الْكَرِيم حكى قصصهم وَمَا جرى لَهُم وَمَا قَالُوهُ لقومهم وَمَا قَالَه قَومهمْ لَهُم وَمَا وَقع بَينهم من الْحَوَادِث وَكَانَ مَا حَكَاهُ الْقُرْآن مُوَافقا لما فِي كتب نبوة أُولَئِكَ الْأَنْبِيَاء من غير مُخَالفَة
ثمَّ هَكَذَا مَا حَكَاهُ الْقُرْآن عَن نبوة الْمَسِيح وَمَا جرى لَهُ وأحواله وحوادثه فَإِنَّهُ مُوَافق لما اشْتَمَل عَلَيْهِ الْإِنْجِيل من غير مُخَالفَة
وَمَعْلُوم لكل عَاقل يعرف أَحْوَال نَبينَا ﷺ أَنه كَانَ أُمِّيا لَا يقْرَأ وَلَا يكْتب وَكَانَ مُنْذُ ولد إِلَى أَن بَعثه الله بَين قومه وهم قوم مشركون لَا يعْرفُونَ شَيْئا من أَحْوَال الْأَنْبِيَاء وَلَا يَدْرُونَ بِشَيْء من الشَّرَائِع وَلَا يخالطون أحدا من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَلَا يعْرفُونَ شَيْئا من شرائعهم وَإِن عرفُوا فَردا مِنْهَا فَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا فِي مثل مَا هُوَ متقرر بَينهم يعْملُونَ بِهِ فِي عباداتهم ومعاملاتهم بِاعْتِبَار مَا يشْتَهر عَنْهُم فِي ذَلِك كَمَا يبلغ بعض أَنْوَاع الْعَالم عَن الْبَعْض الآخر فَإِنَّهُ قد يبلغهم بعض مَا يتمسكون بِهِ فِي دينهم بِاعْتِبَار اشتهار ذَلِك عَنْهُم
وَأما الْعلم بأحوال الْأَنْبِيَاء وَمَا جَاءُوا بِهِ والى من بَعثهمْ الله وَمَا قَالُوا لقومهم وَمَا أجابوهم بِهِ وَمَا جرى بَينهم من الْحَوَادِث كلياتها وجزئياتها وَفِي أَي عصر كَانَ كل وَاحِد مِنْهُم والى من بَعثه الله وَكَون هَذَا النَّبِي كَانَ مُتَقَدما على هَذَا وَهَذَا كَانَ مُتَأَخِّرًا عَن هَذَا مَعَ كَثْرَة عَددهمْ وَطول مددهم وَاخْتِلَاف أَنْوَاع قَومهمْ وَاخْتِلَاف ألسنتهم وتباين
стр. 39
لغاتهم فَهَذَا أَمر لَا يُحِيط بِعِلْمِهِ إِلَّا الله وَلَوْلَا اشْتِمَال التَّوْرَاة على حِكَايَة أَحْوَال من قبل مُوسَى من الْأَنْبِيَاء لانقطع علم ذَلِك عَن الْبشر وَلم يبْق لأحد مِنْهُم طَرِيق إِلَيْهِ البته فَلَمَّا جَاءَنَا هَذَا النَّبِي الْعَرَبِيّ الْأُمِّي الْمَبْعُوث من بَين طَائِفَة مُشركَة تعبد الْأَوْثَان وتكفر بِجَمِيعِ الْأَدْيَان قد دبروا دنياهم بِأُمُور جَاهِلِيَّة تلقاها الآخر عَن الأول وسمعها اللَّاحِق من السَّابِق لَا يرجع شَيْء مِنْهَا إِلَى مِلَّة من الْملَل الدِّينِيَّة وَلَا إِلَى كتاب من الْكتب الْمنزلَة وَلَا إِلَى رَسُول من الْأَنْبِيَاء الْمُرْسلَة بل غَايَة علمهمْ وَنِهَايَة مَا لديهم مَا يجْرِي بَين أسلافهم من المقاولة والمقاتلة وَمَا يَحْفَظُونَهُ من شعر شعرائهم وخطب خطبائهم وبلاغات بلغائهم وجود أجوادهم وإقدام أهل الجرأة والجسارة مِنْهُم لَا يلتفتون مَعَ ذَلِك إِلَى دين وَلَا يقبلُونَ على شَيْء من أَعمال الْآخِرَة وَلَا يشتغلون بِأَمْر من الْأُمُور الَّتِي يشْتَغل بهَا أهل الْملَل فَإِن راموا مطلبا من مطَالب الدُّنْيَا وَرَغبُوا فِي أَمر من أمورها قصدُوا أصنامهم وطلبوا حُصُولهَا مِنْهَا وقربوا إِلَيْهَا بعض أَمْوَالهم ليبلغوا بذلك إِلَى مقاصدهم ومطالبهم
وَكَانَ هَذَا النَّبِي الْعَرَبِيّ الْأُمِّي لَا يعلم إِلَّا بِمَا يعلمُونَ وَلَا يدْرِي إِلَّا بِمَا يَدْرُونَ بل قد يعلم الْوَاحِد مِنْهُم المتمكن من قِرَاءَة الْكتب وَكِتَابَة المقروء بِغَيْر مَا يُعلمهُ هَذَا النَّبِي
فَبَيْنَمَا هُوَ على هَذِه الصّفة بَين هَؤُلَاءِ الْقَوْم الْبَالِغين فِي الْجَهَالَة إِلَى هَذَا الْحَد جَاءَنَا بِهَذَا الْكتاب الْعَظِيم الحاكي لما ذَكرْنَاهُ من تفاصيل أَحْوَال الْأَنْبِيَاء وقصصهم وَمَا جرى لَهُم مَعَ قَومهمْ على أكمل حَال وَأتم وَجه ووجدناه مُوَافقا لما فِي تِلْكَ الْكتب غير مُخَالف لشَيْء مِنْهَا كَانَ هَذَا من أعظم الْأَدِلَّة الدَّالَّة على ثُبُوت نبوته على الْخُصُوص وَثُبُوت نبوة من قبله من الْأَنْبِيَاء على الْعُمُوم
وَمثل دلَالَة هَذَا الدَّلِيل لَا يَتَيَسَّر لجاحد وَلَا لمكابر وَلَا لزنديق مارق أَن يقْدَح فِيهَا بقادح أَو يعارضها بِشُبْهَة من الشّبَه كائنة مَا كَانَت إِن
стр. 40
كَانَ مِمَّن يعقل وَيفهم ويدري بِمَا يُوجِبهُ الْعقل من قبُول الْأَدِلَّة الصَّحِيحَة الَّتِي لَا تقَابل بِالرَّدِّ وَلَا تدفع بالمعارضة وَلَا تقبل التشكيك وَلَا تحْتَمل الشُّبْهَة
وَمَعَ هَذَا فقد كَانَ النَّبِي ﷺ الْأُمِّي الْمَبْعُوث بَين هَؤُلَاءِ يُصَرح بَين ظهرانيهم بِبُطْلَان مَا هم عَلَيْهِ ويزيف مَا هم فِيهِ أبلغ تزييف ويقدح فِيهِ أعظم قدح وَيبين لَهُم أَنهم أَعدَاء الله وَأَنَّهُمْ مستحقون لغضبه وَسخطه وعقوبته وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا على شَيْء فَبِهَذَا السَّبَب صَارُوا جَمِيعًا أَعدَاء لَهُ يطعنون عَلَيْهِ بالمطاعن الَّتِي يعلمُونَ أَنه منزه عَنْهَا مبرأ مِنْهَا كَقَوْلِهِم إِنَّه كَذَّاب وَإنَّهُ مَجْنُون وَإنَّهُ سَاحر
فَلَو علمُوا أَنه تعلم من أحد من أهل الْكتاب أَو أَخذ عَن فَرد من أفرادهم لجاءوا بِهَذَا المطعن بادئ بَدْء وجعلوه عنوانا لتِلْك المطاعن الكاذبة بل لَو وجدوا إِلَى ذَلِك سَبِيلا لعولوا عَلَيْهِ وَلم يحتاجوا إِلَى غَيره فَلَمَّا لم يَأْتُوا بذلك وَلَا تكلمُوا بِهِ وَلَا وجدوا إِلَيْهِ سَبِيلا علم كل عَاقل أَنه لم يتَعَلَّم من أحد من الْيَهُود وَلَا من النَّصَارَى وَلَا من غير هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ إِذْ لم يطعن عَلَيْهِ بذلك هَؤُلَاءِ الَّذين هم قومه وَقد ولد بَينهم وعاش فِي دِيَارهمْ يخالطهم ويخالطونه ويواصلهم ويعرفون جَمِيع أَحْوَاله وَلَا سِيمَا من كَانَ من قرَابَته مِنْهُم الَّذين صَارُوا لَهُ بعد الْبعْثَة أَشد الْأَعْدَاء وَأعظم الْخُصُوم كَأبي لَهب وَأَمْثَاله فَإِنَّهُ لَا شكّ وَلَا ريب أَنه لَا يخفى عَلَيْهِم مَا هُوَ دون هَذَا من أَحْوَاله
وَأَيْضًا لَو كَانَ قد تعلم من أحد من أهل الْكتاب لم يخف ذَلِك على أهل الْكتاب الَّذين صرح لَهُم بِأَنَّهُم إِن لم يُؤمنُوا بِهِ فهم من أَعدَاء الله وَمن الْمُسْتَحقّين لسخطه وعقوبته وَأَنَّهُمْ على ضَلَالَة وَأَنَّهُمْ قد غيروا كِتَابهمْ وحرفوه وبدلوه وَأَنَّهُمْ أحقاء بلعنة الله وغضبه فَلَو كَانَ لَهُ معلم مِنْهُم أَو من أمثالهم من أهل الْكتاب لجعلوا هَذَا المطعن عَلَيْهِ مقدما على كل مطْعن يطعنونه بِهِ من تِلْكَ المطاعن الكاذبة بل كَانَ هَذَا
следующие страницы →