Полный текст (90 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمد لله محيي الْأَمْوَات ومعيد الرفات ومجازيهم على الْمعاصِي ومثيبهم على الطَّاعَات وَالسَّامِع من الداعين خَفِي الْأَصْوَات الَّذِي لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء فِي الْأَرْضين وَالسَّمَوَات
وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على من كَانَ تكليم الجماد لَهُ إِحْدَى المعجزات وعَلى آله وَصَحبه أَصْحَاب الكرامات الباهرات
أما بعد فَإِنِّي فِي شهر رَمَضَان عَام خمس وثلثمائة وَألف من هِجْرَة من أنزل عَلَيْهِ الْقُرْآن تَفْصِيلًا لكل شئ وتبيانا ذكرت فِي مجْلِس درسي الْعَام مَا قالته الْأَئِمَّة الأحناف الْأَعْلَام فِي كتبهمْ الْفِقْهِيَّة وأحكامهم الشَّرْعِيَّة من عدم سَماع الْمَوْتَى كَلَام الْأَحْيَاء وَأَن من خلف لايكلم زيدا فَكَلمهُ وَهُوَ ميت لَا يَحْنَث وَعَلِيهِ فَتْوَى الْعلمَاء فأشاع بعض من انتسب إِلَى الْعلم من غير إِدْرَاك لما حرروه وَلَا فهم أَن هَذَا الْعزو غير صَحِيح وَأَنه قَول مُنكر مُغَاير للشَّرْع الرجيح وَأَنه لم يعْتَقد ذَلِك أحد من أَصْحَاب الإِمَام أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فَاتبعهُ أَتبَاع كل ناعق من أَفْرَاد الجهلة
стр. 2
والعوام والمرجفون فِي مَدِينَة السَّلَام فَأَحْبَبْت للنصيحة فِي الدّين ولتبيان مَا أَتَى فِي الْكتاب الْمُبين وَتَعْلِيم إخْوَانِي الْمُسلمين أَن أجمع فِي هَذِه الرسَالَة أَقْوَال أَصْحَابنَا الأحناف وَمَا قَالَه غَيرهم من الْأَئِمَّة وَالْفُقَهَاء الْأَشْرَاف وَأَن احرر مَا قَالُوهُ وأنقل من كتبهمْ مَا سطروه بعباراتهم المفصلة ونصوصهم المطولة وأدلتهم المحبرة وأجوبتهم المحررة ليتضح للعامة مَا جهلوه وَيظْهر للمعاندين صَوَاب مَا أخطأوه ورتبتها على ثَلَاثَة فُصُول وخاتمة جَامِعَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى للمعقول وَالْمَنْقُول وللنزاع حاسمة وسميتها الْآيَات الْبَينَات فِي عدم سَماع الْأَمْوَات عِنْد الْحَنَفِيَّة السادات وَالله سُبْحَانَهُ الْمَسْئُول أَن يوفقنا للصَّوَاب ويرزقنا اسْتِمَاع الْحق واتباعه فِي المبدأ والمآب أَمِين
стр. 3
الْفَصْل الأول
فِي نقل كَلَام الْأَئِمَّة الْحَنَفِيَّة فِي ذَلِك
قَالَ الْعَلامَة الحصكفي الْحَنَفِيّ فِي كِتَابه الشهير ب الدّرّ الْمُخْتَار شرح تنوير الْأَبْصَار فِي بَاب الْيَمين فِي الضَّرْب وَالْقَتْل وَغير ذَلِك مَا لَفظه
مَا شَارك الْمَيِّت فِيهِ الْحَيّ يَقع الْيَمين فِيهِ على الْحَالَتَيْنِ الْمَوْت والحياة وَمَا اخْتصَّ بِحَالَة الْحَيَاة وَهُوَ كل فعل يلذ ويؤلم ويغم وَيسر كشتم وتقبيل تقيد بهَا ثمَّ فرغ عَلَيْهِ فَلَو قَالَ إِن ضربتك أَو كسوتك أَو كلمتك أَو دخلت عَلَيْك أَو قبلتك تقيد كل مِنْهَا
стр. 4
بِالْحَيَاةِ حَتَّى لَو علق بهَا طَلَاقا أَو عتقا لم يَحْنَث بِفِعْلِهَا فِي ميت بِخِلَاف الْغسْل وَالْحمل والمس وإلباس الثَّوْب كحلفه لايغسله أَو لايحمله لَا تتقيد بِالْحَيَاةِ انْتهى
وَقَالَ محشيه الْعَلامَة الطَّحْطَاوِيّ مَا لَفظه قَوْله أَو كلمتك إِنَّمَا تقيد بِالْحَيَاةِ لِأَن الْمَقْصُود من الْكَلَام الإفهام وَالْمَوْت يُنَافِيهِ لِأَن الْمَيِّت لَا يسمع وَلَا يفهم وَأورد أَنه ﵊ قَالَ لأهل القليب قليب بدر هَل وجدْتُم مَا وَعدكُم ربكُم حَقًا فَقَالَ عمر يَا رَسُول الله مَا تكلم من أجساد لَا أَرْوَاح فِيهَا فَقَالَ النَّبِي ﷺ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُم بأسمع لما أَقُول مِنْهُم
стр. 5
وَأجِيب عَنهُ بِأَنَّهُ غير ثَابت يَعْنِي من جِهَة الْمَعْنى وَإِلَّا فَهُوَ فِي الصَّحِيح وَذَلِكَ أَن عَائِشَة ﵂ ردته بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا أَنْت بمسمع من فِي الْقُبُور﴾ ﴿إِنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى﴾ وَقَوله من جِهَة الْمَعْنى ينظر مَا المُرَاد بِهِ فَإِن ظَاهره يَقْتَضِي وُرُود اللَّفْظ عَن الشَّارِع ﷺ وَأَن الْمَعْنى لَا يَسْتَقِيم وَفِيه مَا فِيهِ
стр. 6
وَأجِيب أَيْضا بِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَه ﵊ على وَجه الموعظة للأحياء لَا لإفهام الْمَوْتَى كَمَا رُوِيَ عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَالَ السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين أما نِسَاؤُكُمْ فنكحت وَأما أَمْوَالكُم فقسمت وَأما دُوركُمْ فقد سكنت فَهَذَا خبركم عندنَا فَمَا خبرنَا عنْدكُمْ
وَيَردهُ أَن بعض الْأَمْوَات رد عَلَيْهِ بقوله الْجُلُود تمزقت والأحداق قد سَالَتْ مَا قدمنَا مَا لَقينَا وَمَا أكلنَا
стр. 7
ربحنا وَمَا خلفنا خسرنا أَو كلَاما هَذَا كَمَا فِي بعض شرَّاح الْجَامِع الصَّغِير وَأَيْضًا ورد عَنهُ ﵊ إِن الْمَيِّت ليسمع خَفق نعَالهمْ إِذا انصرفوا كَمَال وَفِي النَّهر أحسن مَا أُجِيب بِهِ أَنه كَانَ معْجزَة لَهُ ﷺ انْتهى
وَقَالَ شيخ مشائخنا الْعَلامَة ابْن عابدين فِي حَاشِيَته على الْكتاب الْمَذْكُور مَا لَفظه
стр. 8
وَأما الْكَلَام فَلِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ الإفهام وَالْمَوْت يُنَافِيهِ وَلَا يرد مَا فِي الصَّحِيح من قَوْله ﷺ لأهل قليب بدر هَل وجدْتُم مَا وَعدكُم ربكُم حَقًا فَقَالَ عمر ﵁ أَتكَلّم الْمَيِّت يَا رَسُول الله فَقَالَ ﵊ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُم بأسمع مِنْهُم أَو من هَؤُلَاءِ فقد أجَاب عَنهُ الْمَشَايِخ بِأَنَّهُ غير ثَابت يَعْنِي من جِهَة الْمَعْنى وَذَلِكَ لِأَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا ردته بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا أَنْت بمسمع من فِي الْقُبُور﴾ و ﴿إِنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى﴾ وَأَنه إِنَّمَا قَالَه على وَجه الموعظة للأحياء وَبِأَنَّهُ مَخْصُوص بأولئك تضعيفا للحسرة عَلَيْهِم وَبِأَنَّهُ خُصُوصِيَّة لَهُ ﵊ معْجزَة لَكِن يشكل عَلَيْهِم مَا فِي مُسلم إِن الْمَيِّت ليسمع قرع نعَالهمْ إِذا انصرفوا إِلَّا أَن يخصوا ذَلِك بِأول الْوَضع فِي الْقَبْر مُقَدّمَة للسؤال جمعا بَينه وَبَين الْآيَتَيْنِ فَإِنَّهُ
стр. 9
شبه فيهمَا الْكفَّار بالموتى لإِفَادَة بعد سماعهم وَهُوَ فرع عدم سَماع الْمَوْتَى هَذَا حَاصِل مَا ذكره فِي الْفَتْح هُنَا وَفِي الْجَنَائِز
وَمعنى الْجَواب الأول أَنه وَإِن صَحَّ سَنَده لكنه مَعْلُول من جِهَة الْمَعْنى بعلة تَقْتَضِي عدم ثُبُوته عَنهُ ﵊ وَهِي مُخَالفَته لِلْقُرْآنِ فَافْهَم انْتهى كَلَام ابْن عابدين عَلَيْهِ الرَّحْمَة
ولنذكر كَلَام إِمَام الْحَنَفِيَّة ابْن الْهمام فِي فتح
стр. 10
الْقَدِير حَاشِيَة الْهِدَايَة فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَاب الْجَنَائِز على قَوْله ولقن الشَّهَادَة لقَوْله ﵊ لقنوا مَوْتَاكُم شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَالْمرَاد الَّذِي قرب من الْمَوْت مَا نَصه
قَوْله وَالْمرَاد الَّذِي قرب من الْمَوْت مثل لفظ الْقَتِيل فِي قَوْله ﵊ من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه وَأما التَّلْقِين من بعد الْمَوْت وَهُوَ فِي الْقَبْر فَقيل يفعل لحقيقة مَا روينَا وَنسب لأهل السّنة وَالْجَمَاعَة وخلافه إِلَى الْمُعْتَزلَة وَقيل لَا يُؤمر بِهِ وَلَا ينْهَى عَنهُ
стр. 11
وَيَقُول يَا فلَان بن فلَان اذكر دينك الَّذِي كنت عَلَيْهِ فِي دَار الدُّنْيَا شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَلَا شكّ أَن اللَّفْظ لَا يجوز إِخْرَاجه عَن حَقِيقَته إِلَّا بِدَلِيل فَيجب تَعْيِينه وَمَا فِي الْكَافِي من أَنه إِن كَانَ مَاتَ مُسلما لم يحْتَج إِلَيْهِ من بعد الْمَوْت وَإِلَّا لم يفد يُمكن جعله الصَّارِف يَعْنِي أَن الْمَقْصُود مِنْهُ التَّذْكِير فِي وَقت تعرض الشَّيْطَان وَهَذَا لَا يُفِيد بعد الْمَوْت وَقد يخْتَار الشق الأول والاحتياج إِلَيْهِ فِي حق التَّذْكِير لتثبت الْجنان للسؤال فنفي الْفَائِدَة مُطلقًا مَمْنُوع نعم الْفَائِدَة الْأَصْلِيَّة منتفية
стр. 12
وَعِنْدِي أَن مبْنى ارْتِكَاب هَذَا الْمجَاز هُنَا عِنْد أَكثر مَشَايِخنَا رَحِمهم الله تَعَالَى هُوَ أَن الْمَيِّت لَا يسمع عِنْدهم على مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كتاب الْإِيمَان فِي بَاب الْيَمين بِالضَّرْبِ لَو حلف لَا يكلمهُ فَكَلمهُ مَيتا لَا يَحْنَث لِأَنَّهَا تَنْعَقِد على مَا بِحَيْثُ يفهم وَالْمَيِّت لَيْسَ كَذَلِك لعدم السماع وَورد عَلَيْهِ قَوْله ﷺ فِي أهل القليب مَا أَنْتُم بأسمع مِنْهُم
وَأَجَابُوا تَارَة بِأَنَّهُ مَرْدُود من عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَت كَيفَ يَقُول ﵊ ذَلِك وَالله تَعَالَى يَقُول وَمَا أَنْت بمسمع من فِي الْقُبُور وَإنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى وَتارَة بِأَن تِلْكَ خُصُوصِيَّة لَهُ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ
стр. 13
وَسلم معْجزَة وَزِيَادَة حسرة على الْكَافرين وَتارَة بِأَنَّهُ من ضرب الْمثل كَمَا قَالَ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
стр. 14
وَيشكل عَلَيْهِم مَا فِي مُسلم إِن الْمَيِّت ليسمع قرع نعَالهمْ إِذا انصرفوا اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يخصوا ذَلِك بِأول الْوَضع فِي الْقَبْر مُقَدّمَة للسؤال جمعا بَينه وَبَين الْآيَتَيْنِ فَإِنَّهُمَا تفيدان تَحْقِيق عدم سماعهم فَإِنَّهُ تَعَالَى شبه الْكفَّار بالموتى لإِفَادَة تعذر سماعهم وَهُوَ فرع عدم سَماع الْمَوْتَى إِلَّا أَنه على هَذَا يَنْبَغِي التَّلْقِين من بعد الْمَوْت لِأَنَّهُ يكون حِين إرجاع الرّوح فَيكون حِينَئِذٍ لفظ مَوْتَاكُم فِي حَقِيقَته وَهُوَ قَول طَائِفَة من الْمَشَايِخ أَو هُوَ مجَاز بِاعْتِبَار مَا كَانَ نظرا إِلَى أَنه الْآن حَيّ إِذْ لَيْسَ معنى الحَدِيث إِلَّا من فِي بدنه الرّوح وعَلى كل حَال هُوَ مُحْتَاج إِلَى دَلِيل آخر فِي التَّلْقِين حَالَة الاحتضار إِذْ لَا يُرَاد الْحَقِيقِيّ والمجازي مَعًا وَلَا مجازيان وَلَيْسَ يظْهر معنى يعم الْحَقِيقِيّ والمجازي حَتَّى يعْتَبر مُسْتَعْملا فِيهِ ليَكُون من عُمُوم الْمجَاز للتضاد وَشرط إعماله فيهمَا أَن لَا يتضادا انْتهى كَلَام الْعَلامَة ابْن الْهمام
стр. 15
وَقَالَ أَيْضا الْعَلامَة الشَّيْخ أَحْمد الطَّحْطَاوِيّ فِي حَاشِيَته على مراقي الْفَلاح للشرنبلالي شرح نور الْإِيضَاح فِي بَاب أَحْكَام الْجَنَائِز على قَول الشَّارِح قَالَ الْمُحَقق ابْن همام وَحمل أَكثر مَشَايِخنَا إِيَّاه على الْمجَاز أَي من قرب من الْمَوْت مبناه على أَن الْمَيِّت لَا يسمع عِنْدهم مَا نَصه
قَوْله مبناه على أَن الْمَيِّت لَا يسمع عِنْدهم على مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كتاب الْإِيمَان لَو حلف لَا يكلمهُ فَكَلمهُ مَيتا لَا يَحْنَث لِأَنَّهَا تَنْعَقِد على من يفهم وَالْمَيِّت لَيْسَ كَذَلِك لعدم السماع قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا أَنْت بمسمع من فِي الْقُبُور﴾ ﴿إِنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى﴾ وَهُوَ يُفِيد تَحْقِيق عدم سَماع الْمَوْتَى إِذْ هُوَ فَرعه انْتهى كَلَام الشُّرُنْبُلَالِيّ والطحطاوي وَقَالَ الْعَلامَة الْعَيْنِيّ فِي شرح الْكَنْز فِي بَاب الْيَمين فِي الضَّرْب وَالْقَتْل وَغير ذَلِك بعد قَول الماتن وكلمتك تقيد بِالْحَيَاةِ مَا لَفظه
لِأَن الضَّرْب هُوَ الْفِعْل المؤلم وَلَا يتَحَقَّق فِي الْمَيِّت
стр. 16
وَالْمرَاد فِي الْكَلَام الإفهام وَأَنه يخْتَص بالحي انْتهى وَمثله فِي الْبَحْر وَنَصه
لِأَن الْمَقْصُود من الْكَلَام الإفهام وَالْمَوْت يُنَافِيهِ
وَقَالَ الْعَلامَة ابْن ملك فِي مبارق الأزهار شرح مَشَارِق الْأَنْوَار الْجَامِع بَين الصَّحِيحَيْنِ فِي قَوْله
стр. 17
عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِنَّه ليسمع قرع نعَالهمْ إِذا انصرفوا
وَفِيه دلَالَة على حَيَاة الْمَيِّت فِي الْقَبْر لِأَن الإحساس بِدُونِ الْحَيَاة مُمْتَنع عَادَة وَهل ذَلِك بِإِعَادَة الرّوح أَولا فَفِيهِ اخْتِلَاف الْعلمَاء فَمنهمْ من يَقُول بِتِلْكَ وَتوقف أَبُو حنيفَة فِي ذَلِك انْتهى بِلَفْظِهِ
فَتبين من تنوير الْأَبْصَار وَشَرحه الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته للطحطاوي وَلابْن عابدين وَمن فتح الْقَدِير وَالْهِدَايَة وَمن مراقي الْفَلاح وحاشيته وشروح الْكَنْز وَمن سَائِر الْمُتُون المبنية على الْمُفْتِي بِهِ من قَول الإِمَام أبي حنيفَة وصاحبيه ومشايخ الْمَذْهَب أَن الْمَيِّت لَا يسمع بعد خُرُوج روحه كَمَا قَالَت عَائِشَة وتبعها طَائِفَة من أهل الْعلم والمذاهب الْأُخْرَى وَأَن الْحَنَفِيَّة لم يحكوا خلافًا فِي حكمهم هَذَا عَن أحد من عُلَمَاء الْمَذْهَب وَلم يحنثوا الْحَالِف كَمَا فصلنا وَهُوَ الْمَطْلُوب وَللَّه الْحَمد
وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى مَا يُؤَيّد هَذِه الْأَقْوَال فِي الْفَصْل الثَّانِي وَالثَّالِث فانتظرهما وَلَا تغفل
стр. 18
تَتِمَّة فِي التَّلْقِين بعد الدّفن
اعْلَم أَن مَسْأَلَة التَّلْقِين قبل الْمَوْت لم نعلم فِيهَا خلافًا وَأما بعد الْمَوْت وَهِي الَّتِي تقدم ذكرهَا فِي الْهِدَايَة وَغَيرهَا فَاخْتلف الْأَئِمَّة وَالْعُلَمَاء فِيهَا فالحنفية لَهُم فِيهَا ثَلَاثَة أَقْوَال
الأول أَنه يلقن بعد الْمَوْت لعود الرّوح للسؤال
وَالثَّانِي لَا يلقن
وَالثَّالِث لَا يُؤمر بِهِ وَلَا ينْهَى عَنهُ
وَعند الشَّافِعِيَّة يلقن كَمَا قَالَ ابْن حجر فِي التُّحْفَة
стр. 19
وَيسْتَحب تلقين بَالغ عَاقل أَو مَجْنُون سبق لَهُ تَكْلِيف وَلَو شَهِيدا كَمَا اقْتَضَاهُ إِطْلَاقهم بعد تَمام الدّفن لخَبر فِيهِ وَضَعفه اعتضد بشواهد على أَنه من الْفَضَائِل فَانْدفع قَول ابْن عبد السَّلَام أَنه بِدعَة انْتهى
وَأما عِنْد الإِمَام مَالك نَفسه فمكروه قَالَ الشَّيْخ عَليّ الْمَالِكِي فِي كِتَابه كِفَايَة الطَّالِب الرباني لختم رِسَالَة ابْن أبي زيد القيرواني مَا لَفظه
وأرخص بِمَعْنى اسْتحبَّ بعض الْعلمَاء هُوَ ابْن
стр. 20
حبيب فِي الْقِرَاءَة عِنْد رَأسه أَو رجلَيْهِ أَو غَيرهمَا ذَلِك بِسُورَة يس لما رُوِيَ أَنه ﷺ قَالَ مَا من ميت يقْرَأ عِنْد رَأسه سُورَة يس إِلَّا هون الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَلم يكن ذَلِك أَي مَا ذكر من الْقِرَاءَة عِنْد المحتضر عِنْد مَالك رَحمَه الله تَعَالَى أمرا مَعْمُولا وَإِنَّمَا هُوَ مَكْرُوه عِنْده وَكَذَا يكره عِنْد تلقينه بعد وَضعه فِي قَبره انْتهى
وَأما الحنبلية فَعِنْدَ أَكْثَرهم يسْتَحبّ قَالَ الشَّيْخ عبد الْقَادِر بن عمر الشَّيْبَانِيّ الْحَنْبَلِيّ فِي شرح دَلِيل الطَّالِب مَا لَفظه
وَاسْتحبَّ الْأَكْثَر تلقينه بعد الدّفن انْتهى
واستفيد مِنْهُ أَن غير الْأَكْثَر من الْحَنَابِلَة يَقُول بِعَدَمِ التَّلْقِين بعد الْمَوْت أَيْضا
стр. 21
وَأما الظَّاهِرِيَّة فَالظَّاهِر من كَلَام أبي مُحَمَّد بن حزم الَّذِي هُوَ من أجل الْعلمَاء الظَّاهِرِيَّة عدم التَّلْقِين أَيْضا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَصْل الثَّالِث فَلَا تغفل
стр. 22
الْفَصْل الثَّانِي
فِي النَّقْل عَمَّن وَافق الْأَئِمَّة الْحَنَفِيَّة فِي عدم السماع من عُلَمَاء الْمذَاهب الثَّلَاثَة وَغَيرهم
قَالَ الإِمَام النَّوَوِيّ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى فِي شَرحه ل صَحِيح مُسلم فِي بَاب عرض مقْعد الْمَيِّت من الْجنَّة فِي الْكَلَام على قَوْله ﷺ فِي قَتْلَى بدر مَا أَنْتُم بأسمع لما أَقُول مِنْهُم مَا عِبَارَته
قَالَ الْمَازرِيّ قَالَ بعض النَّاس الْمَيِّت يسمع
стр. 23
عملا بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث ثمَّ أنكرهُ الْمَازرِيّ وَادّعى أَن هَذَا خَاص فِي هَؤُلَاءِ انْتهى الْمَقْصُود مِنْهُ بِلَفْظِهِ
وَأَنت تعلم أَن الْمَازرِيّ من أجل الْعلمَاء الْمَالِكِيَّة الْمُتَقَدِّمين وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الْفَصْل الثَّالِث نقل الزّرْقَانِيّ الْمَالِكِي عَن الْبَاجِيّ وَالْقَاضِي عِيَاض الْإِمَامَيْنِ المالكيين القَوْل أَيْضا بِعَدَمِ السماع فَلْيحْفَظ وَقَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد السفاريني الْحَنْبَلِيّ فِي كِتَابه البحور الزاخرة فِي أَحْوَال الْآخِرَة مَا عِبَارَته
وَأنْكرت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا سَماع الْمَوْتَى وَقَالَت مَا قَالَ رَسُول الله ﷺ
إِنَّهُم ليسمعون الْآن مَا أَقُول إِنَّمَا قَالَ ليعلمون الْآن مَا كنت أَقُول لَهُم أَنه حق ثمَّ قَرَأت قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى﴾
стр. 24
﴿وَمَا أَنْت بمسمع من فِي الْقُبُور﴾ قَالَ الْحَافِظ ابْن رَجَب وَقد وَافق عَائِشَة على نفي سَماع الْمَوْتَى كَلَام الْأَحْيَاء طَائِفَة من الْعلمَاء وَرجحه القَاضِي أَبُو يعلى من أكَابِر أَصْحَابنَا فِي كِتَابه الْجَامِع الْكَبِير وَاحْتَجُّوا بِمَا احتجت بِهِ وَأَجَابُوا عَن حَدِيث قليب بدر بِمَا أجابت بِهِ عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وَبِأَنَّهُ يجوز أَن يكون ذَلِك معْجزَة مُخْتَصَّة بِالنَّبِيِّ ﷺ دون غَيره وَهُوَ سَماع الْمَوْتَى لكَلَامه وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ قَالَ قَتَادَة أحياهم الله تَعَالَى يَعْنِي أهل القليب حَتَّى أسمعهم قَوْله ﷺ توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما وَذهب طوائف من أهل الْعلم إِلَى
стр. 25
سَماع الْمَوْتَى كَلَام الْأَحْيَاء فِي الْجُمْلَة انْتهى مَا هُوَ الْمَقْصُود مِنْهُ
فَتبين مِنْهُ أَن طَائِفَة من الْعلمَاء وافقوا عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَيْضا على عدم السماع وَأَن مِنْهُم القَاضِي أَبُو يعلى الَّذِي هُوَ من أكَابِر الْعلمَاء الحنبلية كَمَا هُوَ مَذْهَب ائمتنا الْحَنَفِيَّة رَحِمهم الله تَعَالَى
وَفِي روح الْمعَانِي
وَاحْتج من أجَاز السماع فِي الْجُمْلَة بِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَغَيرهمَا عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ وقف على مُصعب بن عُمَيْر وعَلى أَصْحَابه حِين رَجَعَ من أحد فَقَالَ أشهد أَنكُمْ أَحيَاء عِنْد الله تَعَالَى فزوروهم وسلموا عَلَيْهِم فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يسلم أحد عَلَيْهِم إِلَّا ردوا عَلَيْهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَأجَاب المانعون أَن تَصْحِيح الْحَاكِم غير مُعْتَبر
стр. 26
وَأَنا إِن سلمنَا صِحَّته نلتزم القَوْل بِأَن الْمَوْتَى الَّذين لَا يسمعُونَ هم من عدا الشُّهَدَاء لِأَن الشُّهَدَاء يسمعُونَ فِي الْجُمْلَة لامتيازهم على سَائِر الْمَوْتَى بِمَا أخبر عَنْهُم من أَنهم احياء عِنْد الله
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِحَدِيث مَا من أحد يمر بِقَبْر أَخِيه الْمُؤمن كَانَ يعرفهُ فِي الدُّنْيَا فَسلم عَلَيْهِ إِلَّا عرفه ورد عَلَيْهِ
وَأجَاب المانعون إِن الْحَافِظ ابْن رَجَب تعقبه وَقَالَ إِنَّه ضَعِيف بل مُنكر انْتهى باقتصار من تَفْسِير سُورَة الرّوم
стр. 27
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ فِي بَاب دُعَاء النَّبِي ﷺ على كفار قُرَيْش وهلاكهم يَوْم بدر من حَدِيث هِشَام عَن أَبِيه قَالَ ذكر عِنْد عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَن ابْن عمر رفع إِلَى النَّبِي ﷺ إِن الْمَيِّت ليعذب فِي قَبره ببكاء أَهله فَقَالَت وَهل إِنَّمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّه ليعذب بخطيئته وذنبه وَإِن أَهله ليبكون عَلَيْهِ الْآن قَالَت وَذَلِكَ مثل قَوْله إِن رَسُول الله ﷺ قَامَ على القليب وَفِيه قَتْلَى بدر من الْمُشْركين فَقَالَ لَهُم مَا قَالَ إِنَّهُم ليسمعون مَا أَقُول إِنَّمَا قَالَ إِنَّهُم الْآن ليعلمون أَن مَا كنت أَقُول أَقُول لَهُم حق ثمَّ قَرَأت إِنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى وَمَا أَنْت بمسمع من فِي الْقُبُور يَقُول حِين تبوأوا مَقَاعِدهمْ من النَّار انْتهى مَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ فَقَالَ الْحَافِظ ابْن حجر فِي شَرحه
стр. 28
وَقَالَ السُّهيْلي مَا محصله إِن فِي نفس الْخَبَر مَا يدل على خرق الْعَادة بذلك للنَّبِي ﷺ لقَوْل الصَّحَابَة لَهُ أتخاطب أَقْوَامًا قد جيفوا فأجابهم قَالَ وَإِذا جَازَ أَن يَكُونُوا فِي تِلْكَ الْحَالة عَالمين جَازَ أَن يَكُونُوا سَامِعين وَذَلِكَ إِمَّا بآذان رؤوسهم على قَول الْأَكْثَر أَو بآذان قُلُوبهم قَالَ وَقد تمسك بِهَذَا الحَدِيث من يَقُول إِن السُّؤَال يتَوَجَّه على الرّوح وَالْبدن ورده من قَالَ إِنَّمَا يتَوَجَّه على الرّوح فَقَط بِأَن الإسماع يحْتَمل أَن يكون لأذن الرَّأْس ولأذن الْقلب فَلم يبْق فِيهِ حجَّة
قلت إِذا كَانَ الَّذِي وَقع حِينَئِذٍ من خوارق الْعَادة للنَّبِي ﷺ لم يحسن التَّمَسُّك بِهِ فِي مَسْأَلَة السُّؤَال أصلا
وَقد اخْتلف أهل التَّأْوِيل فِي المُرَاد بالموتى فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى﴾ وَكَذَلِكَ المُرَاد ب ﴿من فِي الْقُبُور﴾ فَحَملته عَائِشَة على الْحَقِيقَة وَجَعَلته أصلا احْتَاجَت مَعَه إِلَى
стр. 29
تَأْوِيل قَوْله ﵊ مَا أَنْتُم بأسمع لما أَقُول مِنْهُم وَهَذَا قَول الْأَكْثَر وَقيل هُوَ مجَاز وَالْمرَاد ب الْمَوْتَى وب من فِي الْقُبُور الْكفَّار شبهوا بالموتى وهم أَحيَاء وَالْمعْنَى من هم فِي حَال الْمَوْتَى أَو فِي حَال من سكن الْقَبْر وعَلى هَذَا لَا يبْقى فِي الْآيَة دَلِيل على مانفته عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وَالله تَعَالَى أعلم انْتهى مَا قَالَه الْحَافِظ ابْن حجر بِلَفْظِهِ وَقَالَ أَيْضا فِي شرح البُخَارِيّ فِي بَاب مَا جَاءَ فِي عَذَاب الْقَبْر من كَلَام طَوِيل مَا نَصه
وَقَالَ ابْن التِّين لَا مُعَارضَة بَين حَدِيث ابْن عمر وَالْآيَة لِأَن الْمَوْتَى لَا يسمعُونَ بِلَا شكّ لَكِن إِذا أَرَادَ الله تَعَالَى إسماع مَا لَيْسَ من شانه السماع لم يمْتَنع كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة﴾ الْآيَة وَقَوله تَعَالَى ﴿فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا طَوْعًا أَو كرها﴾ الْآيَة وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي قَول قَتَادَة إِن الله تَعَالَى أحياهم حَتَّى سمعُوا كَلَام نبيه عَلَيْهِ
стр. 30
الصَّلَاة وَالسَّلَام توبيخا ونقمة انْتهى وَقد أَخذ ابْن جرير وَجَمَاعَة من الكرامية من هَذِه الْقِصَّة أَن السُّؤَال فِي الْقَبْر يَقع على الْبدن فَقَط وَأَن الله تَعَالَى يخلق فِيهِ إدراكا بِحَيْثُ يسمع وَيعلم ويلذ ويألم وَذهب ابْن حزم وَابْن هُبَيْرَة إِلَى أَن السُّؤَال يَقع على الرّوح فَقَط من غير عود إِلَى الْجَسَد وَخَالفهُم الْجُمْهُور فَقَالَ تُعَاد الرّوح إِلَى الْجَسَد أَو بعضه كَمَا ثَبت فِي الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ ابْن حجر
стр. 31
إِن المُصَنّف يَعْنِي البُخَارِيّ أَشَارَ إِلَى طَرِيق من طرق الْجمع بَين حَدِيثي ابْن عمر وَعَائِشَة بِحمْل حَدِيث ابْن عمر على أَن مُخَاطبَة أهل القليب وَقعت وَقت المسالة وَحِينَئِذٍ كَانَت الرّوح قد أُعِيدَت إِلَى الْجَسَد وَقد تبين من الْأَحَادِيث الْأُخْرَى أَن الْكَافِر المسؤول يعذب وَأما إِنْكَار عَائِشَة فَمَحْمُول على غير وَقت الْمَسْأَلَة فيتفق الخبران انْتهى بِلَفْظِهِ
стр. 32
وَقَالَ الشَّيْخ عبد الرؤوف الْمَنَاوِيّ الشَّافِعِي فِي شَرحه الْكَبِير للجامع الصَّغِير فِي الْكَلَام على قَوْله ﵊ إِن الْمَيِّت إِذا دفن يسمع خَفق نعَالهمْ إِذا ولوا منصرفين مَا نَصه
وعورض بقوله تَعَالَى وَمَا أَنْت بمسمع من فِي الْقُبُور وَأجِيب بِأَن السماع فِي حديثنا مَخْصُوص بِأول الْوَضع فِي الْقَبْر مُقَدّمَة للسؤال انْتهى بِلَفْظِهِ
وَفِي كتاب المفاتيح فِي حل المصابيح لشرف الدّين الْحُسَيْن بن مُحَمَّد قَوْله ﵊ إِنَّه ليسمع
стр. 33
قرع نعَالهمْ أَي لَو كَانَ حَيا فَإِن جسده قبل أَن يَأْتِيهِ الْملك ويقعده حَيْثُ لَا يحسن بِشَيْء وَقَوله فَيُقْعِدَانِهِ الأَصْل فِيهِ أَن يحمل على الْحَقِيقَة على حسب مَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِر وَيحْتَمل أَن يُرَاد بالإقعاد التَّنْبِيه لما يسْأَل عَنهُ والإيقاف عَمَّا هُوَ ﵊ بِإِعَادَة الرّوح إِلَيْهِ انْتهى
وَمِمَّا يُؤَيّد مَذْهَب الْحَنَفِيَّة والموافقين لَهُم بِعَدَمِ السماع أَن الْمَيِّت لَو كَانَ يسمع مُطلقًا لما ورد أَن الرّوح ترجع إِلَيْهِ وَقت الْمَسْأَلَة فِي الْقَبْر ثمَّ تذْهب فَافْهَم
وَالْعجب من بعض من لافهم لَهُ مِمَّن ينتسب إِلَى مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة يشيع عِنْد الْعَوام أَن السماع مجمع ﵊ وَأَنه أَيْضا مَذْهَب ذَلِك الإِمَام الْأَعْظَم وَأَصْحَابه مِمَّن تاخر وَتقدم بزعم أَنه ﵊ الرَّحْمَة قَالَ إِذا صَحَّ الحَدِيث فَهُوَ مذهبي وَأَن الحَدِيث فِي سماعهم قد صَحَّ وَلم يعلم أَن الْحَنَفِيَّة قد تمسكوا كعائشة وَغَيرهَا بالآيتين وَأولُوا مَا ورد بعد معرفتهم الْحَدِيثين وَلَعَلَّ هَذَا المتوهم يزْعم أَيْضا أَن النِّكَاح بِلَا ولي
стр. 34
بَاطِل فِي مَذْهَب أبي حنيفَة لوُرُود الحَدِيث الصَّحِيح فِيهِ وَأَن الصَّلَاة بِلَا فَاتِحَة الْكتاب خداج لِأَن الحَدِيث الصَّحِيح ورد أَن لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب وَأَن الْوضُوء بِلَا نِيَّة غير صَحِيح لوُرُود حَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَنَحْو ذَلِك مِمَّا ذهب الإِمَام إِلَى خِلَافه مَعَ وجود هَذِه الْأَحَادِيث الْمُغَايرَة لمذهبه الْوَارِدَة عَلَيْهِ وَلم يعلم هَذَا المنتسب أَن الإِمَام وَأَتْبَاعه رَأَوْا الْأَحَادِيث المصححة الْمُعَارضَة لمذهبه فِي كثير من الْمسَائِل فأولوها أَو حفظوها مَا يعارضها من الْآيَات وَالْأَحَادِيث أَو علمُوا نسخهَا أَو تخصيصها فَلم يعملوا بهَا لهَذِهِ الْعَوَارِض أَو نَحْوهَا مِمَّا هُوَ مفصل فِي مَحَله من الْكتب الْأُصُولِيَّة والحديثية الْفِقْهِيَّة ككتاب مُخْتَلف الْآثَار الطَّحَاوِيّ
стр. 35
الطَّحَاوِيّ وَالْإِمَام مُحَمَّد بن الْحسن وَشرح الْهِدَايَة وَكتاب الْعُقُود وَغير ذَلِك
وَكَيف يسوغ لمن شم رَائِحَة الْعلم وَأدْركَ شَيْئا من لوامع الْفَهم بعد اطِّلَاعه على عِبَارَات الْحَنَفِيَّة وَغَيرهم الَّتِي سردناها وأجوبتهم عَن الْآثَار الَّتِي رويناها أَن يَقُول ويشيع
стр. 36
إِن مَذْهَب الْحَنَفِيَّة كغيرهم سَماع الْمَوْتَى لقَوْل إمامنا الْأَعْظَم إِذا صَحَّ الحَدِيث فَهُوَ مذهبي وَيجْرِي ذَلِك على عُمُومه وَهل هَذَا إِلَّا مُكَابَرَة على الثَّابِت بالعيان وإخفاء لضوء الشَّمْس الَّذِي تجحده العينان أَو خِيَانَة فِي حمل عُلُوم الدّين لمآرب خبيثة يستخف بهَا ضعفاء الْمُسلمين (لقد أسمعت لَو ناديت حَيا ... وَلَكِن لَا حَيَاة لمن تنادي)
وَالله تَعَالَى والمستعان وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل
стр. 37
الْفَصْل الثَّالِث
فِي حَيَاة الْأَنْبِيَاء ﵈ البرزخية وَفِي أَن النَّعيم وَالْعَذَاب على الرّوح وَالْبدن كَمَا هُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور من أهل السّنة السّنيَّة وَأَن زِيَارَة الْقُبُور أَمر مَشْرُوع ايضا عِنْد أَئِمَّتنَا الْحَنَفِيَّة
فَاعْلَم إرشدنا الله وَإِيَّاك إِلَى الطَّرِيق الأسلم أَن الْمَشَايِخ الْحَنَفِيَّة وَإِن قَالُوا بِعَدَمِ سَماع الْأَمْوَات كَلَام الْأَحْيَاء إِلَّا أَنهم قَالُوا بِأَن النَّعيم وَالْعَذَاب للروح وَالْبدن وَأَن الزِّيَارَة أَمر مَشْرُوع ولننقل لَك من كَلَام الْعلمَاء فِي ذَلِك سالكين إِن شَاءَ الله تَعَالَى أقصر المسالك
حَيَاة الْأَنْبِيَاء البرزخية
أما حَيَاة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام الْحَيَاة البرزخية الَّتِي هِيَ فَوق حَيَاة الشُّهَدَاء الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فيهم ﴿بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ﴾ فَأمر ثَابت بالأحاديث الصَّحِيحَة قَالَ بخاري عصره شيخ مَشَايِخنَا الشَّيْخ عَليّ السويدي
стр. 38
الْبَغْدَادِيّ فِي كِتَابه العقد أخرج أَبُو يعلى وَالْبَيْهَقِيّ وَصَححهُ عَن انس ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْأَنْبِيَاء أَحيَاء فِي قُبُورهم يصلونَ وَأخرج الإِمَام أَحْمد وَمُسلم فِي صَحِيحه وَالنَّسَائِيّ عَن أنس بن
стр. 39
مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَرَرْت لَيْلَة أسرِي بِي على مُوسَى قَائِما يُصَلِّي فِي قَبره قَالَ الْمَنَاوِيّ أَي يَدْعُو ويثني عَلَيْهِ ويذكره فَالْمُرَاد الصَّلَاة اللُّغَوِيَّة وَهِي الدُّعَاء وَالثنَاء وَقيل المُرَاد الشَّرْعِيَّة وَعَلِيهِ القرضي وَلَا تدافع بَين هَذَا وَبَين رُؤْيَته إِيَّاه تِلْكَ اللَّيْلَة فِي السَّمَاء السَّادِسَة لِأَن للأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام مسارح أَو لِأَن أَرْوَاح الْأَنْبِيَاء بعد مُفَارقَة الْبدن فِي الرفيق الْأَعْلَى وَلها إشراف على الْبدن وَتعلق بِهِ وَبِهَذَا التَّعَلُّق رَآهُ يُصَلِّي فِي قَبره وَرَآهُ فِي السَّمَاء فَلَا يلْزم كَون مُوسَى ﵊ عرج بِهِ من قَبره ثمَّ رد إِلَيْهِ بل ذَلِك مقَام روحه واستقرارها وقبره مقَام بدنه واستقراره إِلَى يَوْم معاد الْأَرْوَاح إِلَى الأجساد كَمَا أَن روح نَبينَا ﷺ بالرفيق الْأَعْلَى وبدنه الشريف فِي ضريحه المكرم يرد السَّلَام على من يسلم ﵊ وَمن غلظ طبعه عَن إِدْرَاك هَذَا فَلْينْظر
стр. 40
إِلَى السَّمَاء فِي علوها وتعلقها وتاثيرها فِي الأَرْض وحياة النَّبَات وَالْحَيَوَان إِذا تَأَمَّلت فِي هَذِه الْكَلِمَات علمت أَن لَا حَاجَة الى التكلفات الْبَعِيدَة الَّتِي مِنْهَا أَن هَذَا كَانَ رُؤْيَة مَنَام أَو تمثيلا أَو اخبارا عَن وَحي لَا رُؤْيَة عين وَفِي الْمَوَاهِب اللدنية
اخْتلف فِي رُؤْيَة نَبينَا مُحَمَّد صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم لهَؤُلَاء الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام فَحمل ذَلِك بَعضهم على رُؤْيَة أَرْوَاحهم الا عِيسَى ﵇ فَيحْتَمل أَن يكون ﵊ عاين كل وَاحِد مِنْهُم فِي قَبره فِي الأَرْض على الصُّورَة الَّتِي أخبر بهَا من الْموضع الَّذِي ذكر أَنه عاينه فِيهِ فَيكون الله قد أعطَاهُ من الْقُوَّة فِي الْبَصَر والبصيرة مَا أدْرك بِهِ ذَلِك وَيشْهد لَهُ رُؤْيَته صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم الْجنَّة وَالنَّار فِي عرض الْحَائِط وَالْقُدْرَة صَالِحَة
следующие страницы →