المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
عِمادة البحث العلمي
رقم الإصدار (١٨٣)
سلسلة الكتب والبحوث المحكَّمة (٢٩)
زَوَائِدُ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ في
فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ
رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ جَمِيعًا
في كتاب: المطالب العالِية
للحافِظِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيّ (ت ٨٥٢ هـ)
على الأحاديث الواردة في فضائل الصحابة في الكتب التسعة ومسنديّ أبي بكر البزار
وأبي يَعلى الموصلي، والمعاجم الثلاثة لأبِي القاسم الطبراني والمستدرك عليها
جمع وَدِراسَة
تَأليفُ
أ. د سعود بن عيد بن عمير الصَّاعدي
عُضو هَيئَةِ التَّدريسِ بِالجَامِعَةِ الإسْلَاميَّةِ بِالمَدِينَةِ المنَوَّرَة
الطَّبعَة الأولى
١٤٣٦ - هـ / ٢٠١٥ م
стр. 2
مقدِّمة معالي مدير الجامعة الإسلاميَّة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
فإن العلم أشَرف ما رَغِب فيه الراغب، وأفضل ما طلب وجد فيه الطالب، وأنفع ما كسبه واقتناه الكاسب؛ لأن شرفه يثمر على صاحبه، وفضله يَنْمى عند طالبه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] فمنع سبحانه المساواة بين العالم والجاهل لما قد خص به العالم من فضيلة العلم، ومن هنا رغب الشرع وأكد على أهمية طلبه، ومما يدل على فضل العلم أن الله أمر نبيه ﷺ أن يسأله مزيدًا من العلم فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
وقال ﷺ : "مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ يهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ" (١)، وقال: "مَنْ يُرِدِ اللهُ يهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ" (٢).
فالعلم من أعظم منن الله تعالى على عباده، ومن أعظم العبادات التي يتعبد العبدُ بها ربَّه ﵎، وهو من أعظم ما ينفق العبد فيها وقته.
ولذلك كان نشر العلم المستمد من الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح وبذله هو الهدف الأسمى لمؤسس هذه الدولة المباركة الملك عبد العزيز ﵀ ولأبنائه كذلك من بعده، ففي عهد خادم الحرمين الشريفين
стр. 3
الملك عبد الله بن عبد العزيز -حفظه الله- شهد التعليم المزيد من المنجزات والقفزات العملاقة على امتداد الوطن بوصف التعليم ركيزة مهمة من الركائز التي تعتمد عليها الدولة في تحقيق التقدم ومواكبة التطورات العلمية في العالم، فازدهر التعليم العالي وارتقت الجامعات، وزادت أعدادها، ومن هذه الجامعات العملاقة، الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، فهي صرح شامخ، يضرف بأن يكون إحدى المؤسسات العلمية والثقافية والدعوية الرائدة، التي تعمل على هدي الشريعة الإسلامية السمحة، فقامت بتنفيذ السياسة التعليمية بتوفير التعليم الجامعي والدراسات العليا، والنهوض بالبحث العلمي والقيام بالتأليف والترجمة والنشر، وخدمة المجتمع في نطاق اختصاصها.
ومن هنا فعمادة البحث العلمي بالجامعة تهتم بالبحوث العلمية نضرًا وجمعًا وترجمةً وتحكيمًا داخل الجامعة وخارجها؛ من أجل النهوض بالبحث العلمي، والتشجيع والحث على التأليف والنَّشر، ومن ذلك: [زوائد الأحاديث الواردة في فضائل الصحابة ... ] تأليف: أ. د/ سعود بن عيد الصاعدي.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
مدير الجامعة الإسلاميَّة
أ. د/ عبد الرحمن بن عبد الله السند
стр. 4
المقدَّمَة
إن الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ آل عمران، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ النساء، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ الأحزاب (١).
أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهُدى هدى محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة (٢).
فإن الله -جل ثناؤه- قد بعث محمدًا ﷺ بالتوحيد رحمة للعالمين، هاديًا ومبشرًا، وداعيًا ونذيرًا، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن
стр. 5
عصاه دخل النار. قال -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾ [سورة الأحزاب].
ولم يمت ﷺ ويختر الرفيق الأعلى إلا بعد أن بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، قال الله -تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١)، ولم يترك خيرًا إلا وقد دلَّ الأمة عليه، ولا شرًّا إلا وقد حذّر الأمة منه؛ فقد روى مسلم (٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: اجتمعنا إلى رسول الله ﷺ فقال: (إنه لم يكن نبى قبلي إلّا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم)، وروى -أيضًا- (٣) من حديث عبد الرحمن بن يزيد أنه قيل لسلمان: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء، حتى الخراءة؟ قال: أجل.
وتواتر عنه ﷺ أمره أصحابه ﵃ أن
стр. 6
يبلغوا عنه، فقد قال لهم: (ليبلّغ الشاهد الغائب) (١)، وقد وعوا ما حدثهم النبي ﷺ به، وفقهوه، وأحسنوا العمل به، وتعليمه، ونشره، وصبروا على ذلك كله، لما أراده الله بهم من الخير، وحباهم به من حسن الفهم، وجودة الإدراك، وقوة الحفظ، وعمق العلم، وشدة الرغبة في الخير. قال ابن القيم ﵀ (٢): (كانوا أبرّ قلوبًا، وأعمق علمًا، وأقل تكلفًا، وأقرب إلى أن يوفقوا لما لم نوفق له نحن؛ لما خصهم الله -تعالى- به من توقد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحسن الإدراك، وسرعته ... وحسن القصد، وتقوى الرب -تعالى-؛ فالعربية طبيعتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم) ا هـ.
وقد كانوا على مشرب واحد، وعقيدة واحدة، تقيّضوا منهج النبي ﷺ ، واستنّوا بسنته، وتخلقوا بأخلاقه، وبلّغوا عنه ﷺ الدِّين الذي بعثه الله به، ونشروه في البلاد، ولم يكتموا منه شيئًا. ولهم في ذلك من السعي المشكور، والعمل المبرور ما كان من أسباب حفظ الدين وصيانته، وتبليغ الشرع وإذاعته، وردع الضّال وإهانته (٣).
والتأسي بهم، ولزوم طريقتهم لزوم للجماعة؛ لأنهم أساسها الذي تبنى
стр. 7
عليه، ومنارها الذي يُقتدى به، ومن لم يأخذ عنهم فقد ضل وابتدع، والضلالة وأهلها في النار (١).
وعلى منوالهم سار أهل الحديث، يسعون في طلبه، ويسهرون على كتبه وحفظه، ويجاهدون في تبليغه ونشره، حتى قال الإمام الشافعي ﵀: (إذا رأيتُ رجلًا من أصحاب الحديث فكأني رأيت النبي ﷺ حيًّا) ا هـ. وقال -مرَّة-: (إذا رأيتُ رجلًا من أهل الحديث فكأني رأيت رجلًا من أصحاب النبي ﷺ ) ا هـ. وإنما قال هذا لأنهم متبعون آثار النبي ﷺ ، مقتدون به، وفي مقام أصحابه ﵃ من تبليغ حديثه إلى الأمة، ونشره فيها (٢).
وحبُّ النبيّ ﷺ ، وأصحابه ﵃ دين واجب، وشريعة لازمة، تُرفع به الدرجات، وتُمحى به السيئات، ويُردّ به على من غرق في لجُج الظلمات، والأمور المبتدعات، فأبغضهم وآذاهم، وبغير الحق وصفهم ونعتهم، وبميزان الهوى والجور وزنهم وقدّرهم.
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ (٣) في جواب لمن سأله عن عقيدته: (وأؤمن بأن نبينا محمدًا ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته. وأن أفضل أمته: أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين،
стр. 8
ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة ﵃. وأتولى أصحاب رسول الله ﷺ ، وأذكر محاسنهم، وأترضى عنهم، وأستغفر لهم، وأكف عن مساوئهم، وأسكت عما شجر بينهم، وأعتقد فضلهم؛ عملًا بقوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١)، وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء) ا هـ.
ومن أبغض الصحابة ﵃ فهو من أهل الأهواء، الذين قدموا هوى النفوس على محبة الله، ومحبة رسوله ﷺ . والله -جل ثناؤه-، ورسوله ﷺ أحبوا الصحابة، ورضوا عنهم. ومن أحب الله، ورسوله ﷺ محبة صادقة من قلبه أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله، ورسوله ﷺ ، ويكره ما يكرهه الله ورسوله ﷺ ، ويرضي ما يرضي الله ورسوله ﷺ ، ويسخط ما يسخط الله ورسوله ﷺ ، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب (٢).
والمبغض فِعله ردٌّ على الله -سبحانه- في كتابه، وعلى رسوله ﷺ في سنته من الرضا عن الصحابة، وإثبات عدالتهم، وقوة
стр. 9
إيمانهم، وحُسن جهادهم، وعلو مكانتهم، وأنهم من أهل الجنان، والرياض الحسان، رحمةٌ للأبرار، وغيضٌ على الكفار، لا يجوز سبهم، ولا التنقّص منهم، لهم الأوصاف العالية، والمآثر الغالية ... قال البربهاري ﵀ (١): (واعلم أن الأهواء كلها رديئة، تدعو كلها إلى السيف (٢). وأردؤها، وأكفرها: الروافض، والمعتزلة، والجهمية، فإنهم يردون الناس على التعطيل، والزندقة. واعلم أن من تناول أحدًا من أصحاب محمد ﷺ فاعلم أنه إنما أراد محمدًا ﷺ ، وآذاه في قبره. وإذا ظهر لك من إنسان شيء من البدع فاحذره، فإن الذي أخفى عنك أكثر مما أظهر) اهـ.
وكنتُ -ولله الحمد- قد جمعت ودرست ما ورد في الكتب التسعة، ومسندي أبي بكر البزار، وأبي يعلى الموصلي، والمعاجم الثلاثة لأبي القاسم الطبراني من الأحاديث الواردة في سنة النبي ﷺ في فضائلهم العالية، ومناقبهم السامية في بحث مقدم لنيل الشهادة العالمية العالية الدكتوراه من قسم فقه السنة ومصادرها في كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وهو الآن تحت الطباعة في عمادة البحث العلمي فيها للمرة الثانية، وسوف يصدر قريبًا -إن شاء الله تعالى- في اثني عشر مجلدًا، اشتملت على (٢٠٢٢) ألفين واثنين
стр. 10
وعشرين حديثًا في فضائل الصحابة -من غير عدّ المكرر، والطرق، والشواهد، وهي كثيرة جدًّا، ولو عددتها لبلغ عددها أضعاف العدد المرقوم-.
وحيث إني -ولله الحمد- لم أنقطع عن خدمة هذا الموضوع الجليل، والباب النبيل استدكتُ على البحث المذكور من خلال المطالعة، والبحث ما فاتني من الأحاديث، وبلغت إلى حين وقت الكتابة (٥١) واحدًا وخمسين حديثًا، درستها وخرّجتها، وسوف أنشرها في الوقت المناسب -إن شاء الله تعالى-.
واستقرأتُ عددًا من المصنفات في الحديث والتأريخ، وجمعت منها عددًا كثيرًا في موضوعه، ومن ذلك أني قد سبرت واستقرأت المجلدات الغالية، الموسومة: بالمطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت / ٨٥٢ هـ)، فوقفت فيها على (٤٠) أربعين حديثًا من الزوائد على الأصل، والمستدرك عليه، فأفردتها في هذا البحث، ورتبتها، ودرستها على ضوء الخطة والمنهج العامّين للأصل؛ لما في ذلك من التشاكل والاتحاد، ودفع الاختلاف والتضاد.
والحافظ ابن حجر ﵀ جمع في كتابه الحافل: زوائد ثمانية مسانيد عالية، وقعت له كاملة على الكتب الستة ومسند الإمام أحمد، وهي مسانيد: أبي داود الطيالسي (ت / ٢٠٤ هـ)، وعبد الله بن الزبير الحميدي (ت / ٢١٩ هـ)، ومسدد بن مسرهد (ت / ٢٢٨ هـ)، وأبي بكر بن أبي شيبة (ت / ٢٣٥ هـ)، وابن أبي عمر محمد بن يحيى (ت / ٢٤٣ هـ)، وأحمد بن منيع
стр. 11
(ت / ٢٤٤ هـ)، وعبد بن حميد (ت / ٢٤٩ هـ)، والحارث بن أبي أسامة (ت / ٢٨٢ هـ).
ووقع له قدر النصف من مسند إسحاق بن راهويه (ت / ٢٣٨ هـ) (١)، فتتبع ما فيه، فصارت جملة العدد: تسعة، مع نقص قدر النصف من مسند إسحاق، ورتب ما جمعه على أبواب الأحكام الفقهية، وشرطه فيه وضحه بقوله: (ذِكر كل حديث ورد عن صحابي لم يخرجه الأصول السبعة من حديثه، ولو أخرجوه أو بعضهم من حديث غيره، مع التنبيه عليه أحيانًا) (٢) ا هـ. وهو شرطي -كذلك- في هذا البحث.
والمسانيد المذكورة هي اليوم عندنا على خمسة أقسام:
الأول: ما وصل إلينا كاملًا، وهما مسندا: أبي داود الطيالسي، والحميدي.
وافاني: ما وصل إلينا بعض منه، وهما مسندا: أبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه.
والثالث: ما وصلت إلينا زوائده، وبعض أوراق منه (٣)، وهو مسند: الحارث ابن أبي أسامة. فقد جمع الهيثمي زوائده على الكتب الستة في بغية الباحث، وجمع الحافظ زوائده على الكتب المذكورة ومسند الإمام أحمد في
стр. 12
المطالب العالية.
والرابع: ما وصل إلينا منتخب منه، وهو مسند: عبد بن حميد.
والأخير: ما لم يصل إلينا -فيما أعلم-، وهي مسانيد: مسدد، وابن أبي عمر، وأحمد بن منيع.
стр. 13
خطة البحث
بعد استقراء كتاب المطالب العالية، وجمع أحاديث البحث منه، وتأمّلها بنَيتُ خطته معتمدًا على البناء العام لخطة الأصل، كما يلي:
كتبت البحث في مقدمة -بيّنت فيها خطته، ومنهجه-، وأربعة فصول، وخاتمة، وفهارس.
فأما الفصل الأول: فذكرت فيه ما ورد في فضل مَن آمن برسول الله ﷺ ، وصحبه ﵃.
وأما الفصل الثاني: فذكرت فيه الأحاديث الواردة في فضائلهم حسب القبائل، والطوائف، وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: ما ورد في فضائل قرابته ﷺ ، وأهل بيته.
المبحث الثاني: ما ورد في فضائل المهاجرين والأنصار، جميعًا.
المبحث الثالث: ما ورد في فضائل الأنصار -ولم يشركهم فيها أحد-، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: ما ورد في فضائلهم على وجه العموم.
المطلب الثاني: ما ورد في أيِّ دورهم خير.
المبحث الرابع: ما ورد في فضائل بكر بن وائل.
المبحث الخامس: ما ورد في فضائل مُزينة.
وأما الفصل الثالث: فذكرت فيه الأحاديث الواردة في فضائل
стр. 14
الصحابة من الرجال، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: ما ورد في ما اشترك فيه جماعة منهم، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: ما ورد في فضائل الخلفاء الأربعة الراشدين، وغيرهم.
المطلب الثاني: ما ورد في فضائل أبي بكر، وعمر، وغيرهما.
المطلب الثالث: ما ورد في فضائل الحسنين.
المبحث الثاني: ما ورد في تفصيل فضائلهم على الانفراد، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: من عرفوا بأعيانهم، وفيه واحد وعشرون قسمًا:
القسم الأول: ما ورد في فضائل أبي بكر الصديق ﵁.
القسم الثاني: ما ورد في فضائل عمر بن الخطاب ﵁.
القسم الثالث: ما ورد في فضائل عثمان بن عفان ﵁.
القسم الرابع: ما ورد في فضائل عليّ بن أبي طالب ﵁.
القسم الخامس: ما ورد في فضائل سعد بن أبي وقاص ﵁.
القسم السادس: ما ورد في فضائل عبد الرحمن بن عوف ﵁.
القسم السابع: ما ورد في فضائل جعفر بن أبي طالب ﵁.
القسم الثامن: ما ورد في فضائل جندب بن جنادة أبي ذر الغفاري ﵁.
القسم التاسع: ما ورد في فضائل حذيفة بن اليمان ﵁.
стр. 15
القسم العاشر: ما ورد في فضائل الحسن بن علي ﵄.
القسم الحادي عشر: ما ورد في فضائل الحسين بن علي ﵄.
القسم الثاني عشر: ما ورد في فضائل خزيمة بن ثابت ﵁.
القسم الثالث عشر: ما ورد في فضائل سلمان الفارسي ﵁.
القسم الرابع عشر: ما ورد في فضائل عبد الله بن الأرقم ﵁.
القسم الخامس عشر: ما ورد في فضائل عبد الله بن سلام الإسرائيلي ﵁.
القسم السادس عشر: ما ورد في فضائل عبد الله بن قيس الأنصاري ﵁.
القسم السابع عشر: ما ورد في فضائل عبد الله بن مسعود ﵁.
القسم الثامن عشر: ما ورد في فضائل عمرو بن العاص السهمي ﵁.
القسم التاسع عشر: ما ورد في فضائل عويمر بن قيس أبي الدرداء الأنصاري ﵁.
القسم العشرون: ما ورد في فضائل معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب ﵄.
القسم الحادي والعشرون: ما ورد في فضائل النابغة الجعدي -رضى الله عنه-.
стр. 16
المطلب الثاني: من لم يُسَم (المبهمون)، وفيه فرعان:
- الفرع الأول: من نسبوا إلى بعض البلاد أو الصفات، وفيه قسمان:
القسم الأول (وهو القسم الثاني والعشرون): ما ورد في فضائل شاب من أهل اليمن ﵁.
القسم الثاني (وهو القسم الثالث والعشرون): ما ورد في فضائل رجل كان مقعدًا ﵁، كان في زمن النبي ﷺ .
- الفرع الثاني: من لم ينسبوا.
وأما الفصل الرابع: فذكرت فيه الأحاديث الواردة في فضائل الصحابيات، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: ما ورد في ما اشترك فيه جماعة منهن، وفيه:
ما ورد في فضائل خديجة، وفاطمة جميعًا ﵄.
المبحث الثاني: ما ورد في تفصيل فضائل الصحابيات على الانفراد، وتحته قسمان:
القسم الأول: ما ورد في فضائل عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄.
القسم الثاني: ما ورد في فضائل فاطمة الزهراء ﵂ بنت رسول الله ﷺ .
ثم ذكرت خاتمة البحث.
ثم الفهارس العلمية، وهي على هذا النحو:
١ - فهرس الآيات القرآنية.
منهج كتابة البحث
سرتُ في جمع ودراسة أحاديث البحث على منهج الأصل، وقد قلت (١) فيه:
(سرت في إعداد البحث بعد التوكل على الله ﵎ والاعتماد عليه وحده لا شريك له على المنهج التالي:
* أولًا: نطاق مصدر الأحاديث الواردة في البحث
١ - أساس مصدر أحاديث البحث: المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية للحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀، معتمدًا الطبعة التي بضبط: أيمن أبو يماني، وأشرف صلاح، ونشر: مؤسسة قرطبة، والمكتبة المكية، الطبعة الأولى، سنة / ١٤١٨ هـ.
٢ - جمعت زوائد الأحاديث الواردة في فضائل الصحابة ﵃ من مصدر أحاديث البحث- من المظان، وغيرها- عن طريق السبر، والاستقراء.
٣ - جمعت ما وقفت عليه من طرق الأحاديث -المشار إليها-، وزيادات متونها، وشواهدها من سائر كتب السنة.
* ثانيًا: تراجم الرواة
١ - ترجمت للرواة المختلف فيهم، أو الضعفاء -على اختلاف
стр. 19
مراتبهم- فقط، من الكتب الأصيلة في التأريخ، والجرح والتعديل.
٢ - اخترت في مراتبهم ما يناسب أحوالهم جرحًا، أو تعديلًا بناءً على ما يقتضيه النظر في ما سار عليه جمهور أهل الحديث في قواعد الجرح والتعديل، وضوابطهما، مع الاستئناس بأحكام الحافظَيْن: الذهبي، وابن حجر، في كتبهما.
٣ - ترجمت لهم في أول موضع وردوا فيه، وإذا تكرر أحدهم مع الأصل فإني أذكر مرتبته، ولا أحيل على مكان ترجمته -اكتفاءً بفهرس أعلام الأصل؛ خشية التطويل-.
٤ - سميت من اتفقت مصادر الحديث على ذكره منهم بكنيته، أو لقبه، ونسبت من وقع احمه مهملًا، جاعلًا ذلك بين قوسين.
* ثالثًا: التخريج، والحكم على الأحاديث
١ - بدأت في تخريجها بالطريق الذي أورده الحافظ، ثم ذكرت ما وقفت عليه من طرقها، وشواهدها، مع الكلام عليها.
٢ - نبهت على اختلاف الألفاظ إذا كان هناك اختلاف، أو تعدد في الألفاظ بين ما أورده الحافظ ابن حجر وما هو مثبت في مصادر أحاديث كتابه، أو الكتب التي انتخب أصحابها منها، أو جمعوا فيها زوائدها على الكتب الستة.
٣ - نقلت في التخريج ما وقفت عليه من أقوال النقاد، وأحكامهم على الأحاديث، أو بعض طرقها وأسانيدها.
стр. 20
٤ - ذكرت ما ترجح لدي في الحكم على أسانيد الأحاديث ومتونها؛ بناء على ما يقتضيه النظر في ما سار عليه جمهور أهل الحديث، واختاروه من القواعد، والضوابط.
* رابعًا: عزو المادّة العلمية
أ- عزوت إلى الكتب التسعة، ونحوها من المصنفات الحديثية المشهورة بذكر أحماء أصحابها، لشهرة نسبتها إليهم، ومعرفة أهل العلم لها.
٢ - عزوت إلى سائر مصادر، ومراجع البحث بذكر أرقام: الأجزاء، والصحائف، وهذا إذا كان الكتاب متعدد الأجزاء، وإلّا فإني أعزو إلى أرقام الصحائف فحسب، وإذا رُقِمت نصوص أي منها سواء أكانت أحاديث أم تراجم أم نصوص فإني أذكر أرقامها.
٣ - عزوت الآيات الواردة في ثنايا البحث إلى مواضعها في القرآن الكريم، بذكر رقمها، واسم سورتها.
٤ - اختصرت أسماء بعض المصنفات المتداولة، المشهورة عند أهل العلم، أو ذكرتها باسم شهرتها من حيث موضوعها مع نسبتها لمصنفها اختصارًا، وذِكرًا لا يوقع القارئ في التباسها بغيرها -إن شاء الله تعالى- ... ومن ذلك: تفسير الطبري (واسمه: جامع البيان عن تأويل آي القرآن)، والفتح (أقصد به: فتح الباري للحافظ ابن حجر)، ونحو ذلك.
وإذا أشكل شيء من ذلك على القارئ الكريم فليعد إلى فهرس المصادر، والمراجع؛ فإنه سيجد -إن شاء الله- ما يعالج ما استشكله.
стр. 21
٥ - عزوت إلى البحث الذي جمعت هذه الأحاديث الزوائد عليه باسم: (الأصل).
* خامسًا: تنظيم النَّص
١ - ذكرت سياق الحديث كما ساقه الحافظ سندًا، ومتنًا، مع كلامه عليه -إن وجِد-، وقد اختصره إذا كان متنه فيه طول، ثم أتبعته بفاصل من الرموز، يفصل بين كلامه، وكلامي، ثم أتبعت ذلك بالدراسة، والتخريج، والحكم على الحديث، وفصلت بين كل حديث وآخر بسطر فارغ.
٢ - نظَّمت الأحاديث الواردة في موضوع البحث على الطريقة العامَّة نفسها التي سرت عليها في الأصل.
٣ - بدأت بما ورد من الأحاديث في فضائلهم على وجه الإجمال، ثم ما ورد في فضائلهم على وجه التخصيص، مع تقديم فضائل الرجال على فضائل النساء.
٤ - رتبت الأحاديث على فصول، ومباحث، ومطالب ذات عنوانات تميزها -على وفق ما تقدم توضيحه في الخطة-، وذكرت عقب كل منها خلاصة مختصرة إذا تعددت أحاديثها.
٥ - رتبت الأحاديث الواردة في فضائلهم على الانفراد على أقسام مرقمة ومسلسلة، كل فضائل صحابي منهم في قسم -مرتبون على حسب حروف المعجم-، ثم ذكرت من اختُلف في احمه اختلافًا شديدًا ولا مرجح، ثم ختمت بمن لم يسم منهم -كل في موضعه-، مرتبون على حسب
стр. 22
حروف المعجم كذلك.
٦ - بدأت في فضائل الرجال منهم على الانفراد بما ورد من الأحاديث في فضائل جماعة من العشرة المبشرين بالجنة، وبدأت في فضائل النساء على الانفراد بالأحاديث الواردة في فضائل بعض أزواج النبي ﷺ .
٧ - بدأت في كل فصل -وما كان في معناه- بالأحاديث المقبولة، ثم بالأحاديث المردودة.
٨ - راعيت تقديم الفضائل التي ورد فيها أكثر من حديث على ما ورد فيه حديث واحد عن رسول الله ﷺ .
٩ - إذا ورد متن الحديث الواحد، أو معناه عن أكثر من واحد عن النبي ﷺ فإني أذكر حديث كل واحد منهم على حده، وأجعله نصا مستقلًا، وقد أجمع بين حديثين -أو أكثر- لسبب يقتضيه التخريج.
١٠ - رتبت المتابعات، والشواهد على حسب وفيات مخرجيها، خاتمًا بمن لم أقف على سنة وفاته منهم.
* سادسًا: خدمة النَّص
١ - رقمت الأحاديث داخل فصولها، ومباحثها -ونحوهما- ترقيمًا يربط بعضها ببعض، وهو على ضربين: ترقيم عام للكتاب أجمع، وترقيم خاص لكل فصل، أو مبحث -أو نحوهما-.
стр. 23
٢ - ضبطت متونها بالشكل، كتبتها بخط عريض.
٣ - وضعت علامات الترقيم المناسبة، واهتممت بها.
٤ - إذا تكرر الحديث رقمته، وخرجته في الموضع الأنسب له، وأحلت عليه في المواضع الأخرى من غير ترقيم، مع ذكر الشاهد فيه، وعزوه إلى بعض من رواه، ودرجته من حيث الثبوتُ وعدمُه.
٥ - ضبطت الألفاظ المشكلة، وأسماء الرواة، وكناهم، وألقابهم المشتبهة، ونحوها، بالحروف -حسب الإمكان-.
وذلك عند أول ورود لها، ثم إذا تكرر شيء منها فأضبطه بالحركات، ولا أحيل على موضعها الأول.
٦ - شرحت الألفاظ الغريبة من كتب غريب الحديث، أو الشروح الحديثية، أو المعاجم اللغوية -على حسب ما يقتضيه المقام-، وذلك عند أول ورود لها، ثم إذا تكرر شيء منها فلا أشرحه، ولا أحيل على الموضع الأول لكل لفظ منها -اكتفاء بالفهارس الخاصة بها-.
٧ - عرّفت بالأماكن، والوقائع -غير المشهورة- من الكتب الأصيلة التي اعتنت ببيانها، والتعريف بها، سواء القديمة أم الحديثة، وذلك عند أول ورود لها، ثم إذا تكرر شيء من ذلك فلا أُعرف به، ولا أحيل على مكان التعريف به-؛ اكتفاء بالفهارس الخاصة بها، (وهذا المنهج في كل ما تكرر مما هو داخل في النقاط المتقدمة إنما وضعته، وسرت عليه خشية التكرار، والتطويل-) اهـ.
стр. 24
* سابعًا: الخاتمة
وذكرت فيها خُلاصة موجزة عن البحث، وأهم النتائج التي ظهرت لي منه، والتوصيات.
* ثامنًا: الفهارس
وذكرت فيها عددًا من الفهارس التي تمكِّن القارئ من الوصول إلى ما يبغيه من البحث بيسر، وسهولة).
والله أسأل أن أكون مع تقصيري (١) قد أديتُ شيئًا من حقِّ الأصحاب المفترض، وأن لا يجعل في ذلك للهوى والميل من غرض، ويسدّ الخلل، ويرفع الزلل، وينفع بهذا البحث، ويجزي خيرًا من نبّه على ملحوظة فيه؛ فإني طالب للحق مبتغيه.
وأصلي وأسلم على نبينا محمد الأمين، وعلى آله المطهرين، وأصحابه الطيبين صلاة وسلامًا دائمين إلى يوم الدين، وأن يجعلني ربي وإياهم ممن قال فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ
الفصل الأول
ما ورد في فضل من آمن برسول الله ﷺ وصَحبِه
стр. 27
الفصل الأول: ما ورد في فصل من آمن برسول الله ﷺ وصَحبِه
١ - [١] قال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد العسقلاني، الضهير بابن حجر ﵀، وأثابه الجنة- في المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية (١):
وقال أبو بكر (٢): حدثنا زيد بن الحباب (٣) عن موسى بن عُبيدة عن محمد ابن كعب عن عوف بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يَاليتَني لَقِيتُ إِخوَاني). قالوا: يا رسول الله، ألسنا إخوانك وأصحابك؟ قال: (بلى، وَلكنَّ قَومًا يَجيئونَ مِنْ بَعدِكُمْ يؤمِنُونَ بِي إِيمانُكُمْ، وَيُصدِّقُوني تَصدِيقُكُمْ، وَيَنصرُوني نَصرُكُمْ، فيَالَيتَني قدْ لَقِيتُ إِخْوَاني).
* * *
وفي الإسناد: موسى بن عبيدة، وهو: أبو عبد العزيز الرّبذيّ (٤)، ضعفه
стр. 28
جماعة، وتركه آخرون، وقالوا إنه منكر الحديث. وبضعفه أعل حديثه البوصيري في الإتحاف (١). وسائر رواة الإسناد محتج بهم.
ولا أعلم أحدًا تابع الربذي على لفظ حديثه هذا. وقوله فيه: (يُؤمِنُونَ بي إِيمانُكُمْ، وَيُصدِّقُوني تَصدِيقُكُمْ، وَيَنصرُوني نَصرُكُمْ) منكر.
والمعروف: ما ورد عن النّبي ﷺ أنه قال: (وددت أنا قد رأينا إخواننا). قالوا: أولسنا إخوانك، يا رسول الله؟ قال: (أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد). ونحوه من الأحاديث (٢).
٢ - [٢] قال الحافظ ﵀ (٣):
وقال الطيالسي (٤): حدثنا موسى بن مُطير (٥) عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لَو أَنَّ لِرَجُلٍ أُحُدًا ذَهبًا فَأَنفَقَهُ في سَبيلِ اللهِ، وَفي الأَرَامِلِ، وَالمسَاكِينِ، وَاليتَامَى (٦) لِيُدرِكَ فَضْلَ رَجُلٍ مِنْ أَصحَابي سَاعَةً مِن النَّهارِ ما أَدرَكَهُ أَبَدًا).
стр. 29
وفي الإسناد: موسى بن مُطير، وهو كوفي متروك الحديث، كذبه يحيى ابن معين -وتقدم-. وأبوه هو: مطير بن أبي خالد، قال فيه أبو زرعة (١): (ضعيف الحديث) اهـ. وقال أبو حاتم (٢): (متروك الحديث) اهـ. وذكره العقيلي (٣)، وابن الجوزي (٤) في الضعفاء؛ فالإسناد: واه.
والمتن فيه نكارةٌ؛ لأن المعروف ما رواه: الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابي، فإنَّ أحدَكُمْ لَو أنفقَ مثلَ أُحُدٍ ذهبًا مَا أدركَ مُدَّ (٥) أحَدِهِمْ، ولَا نصيفَه (٦))، ونحوه من الأحاديث (٧)، وفيها كفاية، وغُنية.
стр. 30
٣ - [٣] قال الحافظ ﵀ (١):
وقال ابن أبي عمر: حدثنا عبد الله بن علي عن سالم الطويل عن زيد العمي (٢) عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (مثَلُ أَصحَابي في أُمَّتي مَثَلُ النُّجُومَ يَرشُدُونَ بِهَا، إذَا غَابَتْ تَحَيَّرُوا). إسناده ضعيف.
* * *
الإسناد فيه ثلاث علل، الأولى: فيه سالم الطويل، وهو الذي يقال له سلام، قدمت أنه متروك الحديث، متهم بالوضع. وافانية: فيه شيخه زيد العمّيّ، وهو: زيد بن الحَوَاري (٣) البصري، ضعيف. والأخيرة: فيه شيخه يزيد، وهو: ابن أبان الرقاشي، ضعيف -كذلك-. ومنه يتبيّن أن الإسناد ضعيف جدًا. ولا أعلم للمتن ما يصلح أن يشهد له. وانظر الحديث الآتي.
٤ - [٤] قال الحافظ ﵀ (٤):
стр. 31
وقال عبد بن حمُيد (١): أخبرني أحمد بن يونس: ثنا أبو شهاب عن حمزة الجزري عن نافع عن ابن عمر قال: إن رسول الله ﷺ قال: (مثَلُ أَصحَابي مَثَلُ النُّجُومَ يُهتَدَى بِهمْ، بِأَيِّهِمْ أَخَذتُم بِقَولهِ اهتَدَيتُمْ).
حمزة ضعيف جدًا.
* * *
الحديث رواه -أيضًا-: ابن عدي في الكامل (٢) بسنده عن عمرو بن عثمان الكلابي عن أبي شهاب (واسمه: عبد ربه بن نافع)، والدارقطني في الفضائل (٣)، وذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٤) عن أبي شهاب عن حمزة الجزري به، ثم قال: (وهذا إسناد لا يصح. ولا يرويه عن نافع من يحتج به) اهـ.
ورواه: الحافظ في الأمالي المطلقة (٥) بسنده عن عبد بن حمُيد به، وقال: (هذا حديث غريب تفرد به حمزة الجزري -ويقال: حمزة بن أبي حمزة النصيبي-) اهـ. وحمزة الجزري قال فيه البخاري (٦)، وأبو حاتم (٧): (منكر
стр. 32
الحديث) اهـ. وقال ابن عدي (١): (يضع الحديث) اهـ. ثم ساق عددًا من مناكيره قال عقبها (٢): (كل ما يرويه، أو عامته مناكير موضوعة. والبلاء منه ليس ممن يروي عنه، ولا ممن يروي هو عنهم) اهـ. وذكره سبط ابن العجمي (٣)، وابن عراق (٤)، والفتني (٥) في الوضاعين. وقال ابن حزم (٦) -وقد ذكر الحديث-: (باطل، مكذوب، من توليد أهل الفسق) اهـ. وذكره الذهي (٧) في منكير حمزة، وحكم الألباني (٨) بوضعه.
وللحديث طريق آخر عن ابن عمر ﵄، فقد أفاد ابن عبد البر (٩) ﵀ بسنده عن أبي بكر البزار أنه قال: (سألتم عما يروى عن النبي ﷺ مما في أيدي العامة، يروونه عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما مثل أصحابي كمثل النجوم -أو: أصحابي كالنجوم-، فأيها اقتدوا اهتدوا": هذا الكلام لا يصح عن النبي ﷺ ؛ رواه عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن المسيب
стр. 33
عن ابن عمر عن النبي ﷺ . وربما رواه عبد الرحيم عن أبيه عن ابن عمر، وأسقط سعيد بن المسيب بينهما. وإنما أُتى ضعف هذا الحديث من قِبل عبد الرحيم بن زيد، لأن أهل العلم قد سكتوا عن الرواية لحديثه، والكلام -أيضًا- منكر عن النبي ﷺ ... ) اهـ. ثم بين ﵀ وجه نكارته، وأنه مخالف لما جاء عن النبي ﷺ بإسناد صحيح أنه قال: (عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي، عضوا عليها بالنواجذ) (١)، ثم قال: (وهذا الكلام يعارض حديث عبد الرحيم لو ثبت، فكيف ولم يثبت؟ والنبي ﷺ لا يبيح الاختلاف بعده من أصحابه -والله أعلم-) اهـ.
وتعقبه ابن عبد البر بقوله: (وليس كلام البزار بصحيح على كل حال؛ لأن الإقتداء بأصحاب النبي ﷺ منفردين إنما هو لمن جهل ما يَسأل عنه، ومن كانت هذه حاله فالتقليد لازم له. ولم يأمر أصحابه أن يقتدي بعضهم ببعض إذا تأولوا تأويلًا سائغًا جائزًا ممكنًا في الأصول. وإنما كل واحد منهم نجم جائز أن يقتدي به العامي الجاهل بمعنى ما يحتاج إليه من دينه. وكذلك سائر العلماء مع العامة -والله أعلم-) اهـ.
وكان قد قال ﵀ (٢) في صدر كلامه على الحديث: (إن صح هذا الخبر فمعناه: في ما نقلوا عنه، وشهدوا به عليه، فكلهم ثقة مؤتمن على
стр. 34
ما جاء به، لايجوز عندي غير هذا. وأما ما قالوا فيه برأيهم فلو كانوا عند أنفسهم كذلك ما خطّأ بعضهم بعضًا، ولا أنكر بعضهم على بعض، ولا رجع منهم أحد إلى قول صاحبه، فتدبّر) اهـ (١).
وحديث عبد الرحيم بن زيد العمي الذي أشار إليه البزار ربما ساقه عبد الرحيم العمي عن أبيه عن ابن المسيب عن عمر بن الخطاب به، بدلًا من ابنه ... فقد رواه: الخطيب في الكفاية (٢) بسنده عن نعيم بن حماد عنه مرفوعًا به كذلك، وعبد الرحيم متروك الحديث، كذبه ابن معين -مرة- (٣). وابن المسيب حديثه عن عمر مرسل (٤)، والحديث ذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية (٥)، وأعله بأن نعيمًا مجروح، وبأن عبد الرحيم كذاب، وذكره الألباني في السلسلة الضعيفة (٦)، وعزاه إلى ابن بطة في الإبانة (٧)، والخطيب، ونظام الملك في الأمالي (٨)، والضياء في المنتقي عن مسموعاته بمرو (٩)، وابن
стр. 35
عساكر (١)، وحكم بوضعه.
وجاء نحو هذا الحديث في أحاديث أخرى: حديث جابر بن عبد الله، وحديث أبي هريرة، وحديث ابن عباس، وحديث جوّاب (٢) بن عبيد الله التيمي.
فأما حديث جابر فجاء من طريقي: محمد بن علي بن الحسين المعروف بالسجّاد، وأبي سفيان طلحة بن نافع الواسطي.
فأما حديث السجاد عنه فرواه: الدارقطني في غرائب مالك (٣)، والخطيب البغدادي في الرواة عن مالك (٤)، كلاهما من طريق جميل بن يزيد عن مالك (هو: ابن أنس) عن جعفر بن محمد عن أبيه به، في حديث مرفوع فيه: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) ... قال الدارقطني: (لا يثبت عن مالك، ورواته مجهولون) اهـ. وذكره الحافظ -أيضًا- في التلخيص الحبير (٥) عن الدارقطني، ثم قال: (وجميل لا يُعرف، ولا أصل له من حديث مالك، ولا من فوقه) اهـ.
стр. 36
وأما حديث أبي سفيان فرواه: الدارقطني في المؤتلف والمختلف (١)، وفي الفضائل (٢)، وابن منده في فوائده (٣)، وابن حزم في الإحكام (٤) بسنده عن الدارقطني، كلاهما من طريق عبد الله بن روح عن سلام بن سليمان عن الحارث بن غصين (٥) عن الأعمش عنه به، بنحوه ... وقال ابن حزم عقب حديثه: (أبو سفيان ضعيف، والحارث بن غصين هذا هو أبو وهب الثقفي، وسلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة، وهذا منها بلا شك. فهذا (٦) رواية ساقطة من طريق ضعيف إسنادها) اهـ.
وأبو سفيان قدمت أنه صدوق، لكنه مدلس، ولم يصرح بالتحديث. وسلام هو المدائني الطويل، متروك متهم بالوضع.
والحديث رواه: ابن عبد البر (٧) بسنده عن الدارقطني به، وقال عقبه: (هذا إسناد لا تقوم به حجة، لأن الحارث بن غصين مجهول) اهـ. وتعقبه الحافظ ابن حجر بقوله: (قد ذكره ابن حبان في الثقات (٨)، وقال: "روى
стр. 37
عنه حسين بن علي الجعفي". فهذا قد روى عنه اثنان (١)، فلا يقال فيه مجهول) ا هـ.
وما قاله ابن عبد البر أشبه؛ لأن الرجل لم يُوثّق من مُعتبر. والحارث هذا هو: أبو وهب الثقفي، من الشيعة (٢).
والحديث من هذا الوجه أورده الألباني في السلسلة الضعيفة (٣)، وحكم بوضعه، وحمّله سلّامًا، وتعقب ابن حزم في تضعيفه لأبي سفيان.
وأما حديث أبي هريرة فرواه: القضاعي في مسند الشهاب (٤) بسنده عن محمد بن جعفر بن محمد عن جعفر (قال: يعني ابن عبد الواحد) عن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن الأعمش عن أبي صالح عنه ينميه: (مثل أصحابي مثل النجوم، من اقتدي بشيء منها اهتدى) ... وجعفر بن عبد الواحد هو: الهاشمي القاضي، ترجمه الخطيب في تأريخه (٥)، وساق بسنده عن البرذعي أنه ذاكر أبا زرعة بأحاديث حمعها من جعفر، فأنكرها أبو زرعة، وقال: إلا أصل لها) اهـ. ثم ذكر له بعض أحاديثه، وحكم عليها بالوضع، والبطلان، ثم
стр. 38
ساق الخطيب (١) بسنده أن الدارقطني سئل عنه، فقال: (كذاب، يضع الحديث) اهـ. وترجمه ابن عدي في الكامل (٢)، وقال: (منكر الحديث عن الثقات، ويسرق الحديث) اهـ. وترجمه الذهبي في الميزان (٣)، وعدّ حديثه هذا من بلاياه.
وأما حديث ابن عباس فرواه: البيهقي في المدخل (٤)، والخطيب البغدادي في الكفاية (٥)، كلاهما من طريق بكر بن سهل الدمياطي عن عمرو بن هاشم البيروتي عن سليمان بن أبي كريمة (٦) عن جويبر عن الضحاك (هو: ابن مزاحم الهلالي) عنه به، مرفوعًا، بلفظ فيه قوله ﷺ : (إن أصحابي بمنزلة النجوم فأيما أخذتم به اهتديتم) ... وجويبر هو: ابن سعيد الأزدي أبو القاسم لا يشتغل بحديثه، تركه جماعة، وأحاديثه عن النبي ﷺ منكرة، وسليمان الراوي عنه هو: الشامي، ضعيف له أحاديث مناكير، وعمرو بن هاشم ضعفه
стр. 39
العقيلي، والذهبي. والضحاك بن مزاحم لم يسمع ابن عباس (١). والحديث من هذا الوجه ذكره الألباني في السلسلة الضعيفة (٢)، وحكم بوضعه، وأفاد عن السيوطي أنه ضعفه.
وللحديث طريق آخر عن جوير بن سعيد، وهو الآتي.
وأما حديث جوّاب بن عبيد الله فرواه: البيهقي في المدخل (٣) عقب حديث ابن عباس، بسنده عن أبي زرعة عن إبراهيم بن موسى عن يزيد بن هارون عن جويبر عنه به، مرفوعًا، بلفظ: (إن مثل أصحابي كمثل النجوم هاهنا وهاهنا، من أخذ بنجم منها اهتدى، وبأي قول أصحابي أخذتم فقد اهتديتم) ... وقال عقبه: (هذا حديث متنه مشهور، وأسانيده ضعيفة، لم يثبت في هذا إسناد -والله أعلم-) اهـ.
وجوير بن سعيد تقدم أنه متروك الحديث. وجواب بن عبيد الله هو التيمي الكوفي، من التابعين (٤)، فحديثه مرسل، وهذا الطريق عن جويبر أشبه مما رواه سليمان بن أبي كريمة عنه عن الضحاك عن ابن عباس.
فعرفت مما تقدم أن هذا الباب أحاديثه، واهية منكرة، أو موضوعة على رسول الله ﷺ ... والله تعالى أعلم.
стр. 40
٥، ٦ - [٥ - ٦] قال الحافظ ﵀ (١):
وقال الحارث: ثنا داود بن المحبر: ثنا ميسرة بن عبد ربه عن أبي عائشة السَّعدي عن يزيد بن عمر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وابن عباس قالا: خطبنا رسول الله ﷺ ، فأمر بلالًا، فنادي ... ، فذكر حديثًا فيه: فقال- يعني النبي ﷺ : (بَلْ أَنتُمْ أَفضَلُ مِنْ المَلائِكَةِ) -يعني: أصحابه ﵃.
* * *
هذا حديث مختصر من حديث طويل جدًّا، ساقه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، وأورده عنه الهيثمي في بغية الباحث (٢)، في كتاب الصلاة منه، وبوب عليه بقوله: (باب: في خطبة قد كذبها داود بن المحبر على رسول الله ﷺ ) اهـ. ثم ساقه بطوله، وقال عقبه: (هذا حديث موضوع، وإن كان بعضه في أحاديث حسنة بغير هذا الإسناد؛ فإن داود بن المحبر كذاب) اهـ. وداود كذبه الإمام أحمد، والبخاري، واتهمته جماعة أخرى من المحدثين بالوضع، وشيخه ميسرة بن عبد ربه هو: الفارسي، كذاب، متهم بالوضع مثله (٣)، وشيخه أبو عائشة السَّعدي لم أقف على ترجمة له بعد.