← Акыда

Акыда · id 6461

الحدائق في المطالب العالية الفلسفية العويصة

ابن السيد البطليوسي

Полный текст (102 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَهُوَ حسبي قَالَ عبد الله بن مُحَمَّد بن السَّيِّد البطليوسي رَحْمَة الله عَلَيْهِ سَأَلتنِي أبان الله لَك الخفيات وعصمك من الشُّبُهَات وأمدك بِنور من الْعقل يجلو عَن عين بصيرتك ظلم الْجَهْل حَتَّى ترى بِعَين لبك مَرَاتِب المعقولات كَمَا رَأَيْت بِعَين جسمك مَرَاتِب المحسوسات عَن معنى قَول الْحُكَمَاء إِن تَرْتِيب الموجودات عَن السَّبَب الأول يَحْكِي دَائِرَة وهمية تبدأ من نقطة وَترجع إِلَيْهَا ومرجعها فِي صُورَة الْإِنْسَان وَعَن قَوْلهم إِن الْإِنْسَان تبلغ ذَاته بعد مماته إِلَى حَيْثُ يبلغ علمه فِي حَيَاته وَإِن علمه يَحْكِي أَيْضا دَائِرَة وهمية وَعَن قَوْلهم إِن فِي قُوَّة الْعقل الجزئي أَن يتَصَوَّر بِصُورَة الْعقل الْكُلِّي وَعَن قَوْلهم إِن الْعدَد دَائِرَة وهمية كدائرة الْآحَاد والعشرات ودائرة المئات ودائرة الألوف

стр. 2

وَعَن قَوْلهم إِن صِفَات الْبَارِي تَعَالَى لَا يَصح أَن يُوصف بهَا إِلَّا عَن طَرِيق السَّلب وَعَن قَوْلهم إِن البارئ تَعَالَى لَا يعرف إِلَّا نَفسه وَمَا الْبُرْهَان على بَقَاء النَّفس الناطقة بعد الْمَوْت وَهَذِه أعزّك الله مطَالب ضيقَة المسالك وَكَثِيرًا مَا تُفْضِي بسالكها إِلَى المهالك وسأقول فِيهَا بِمَا انْتهى اليه علمي وأحاط بِهِ فهمي وَبِاللَّهِ أَعْتَصِم من الْخَطَأ والزلل وإياه أسأَل التَّوْفِيق إِلَى الصَّوَاب من القَوْل وَالْعَمَل لَا رب غَيره

стр. 3

الْبَاب الأول فِي شرح قَوْلهم إِن تَرْتِيب الموجودات عَن السَّبَب الأول يَحْكِي دَائِرَة وهمية مرجعها إِلَى مبدئها فِي صُورَة الْإِنْسَان أَقُول وَبِاللَّهِ أَعْتَصِم مخبرا عَن أغراضهم ومقاصدهم وَإِن كنت اسْتعْملت على جِهَة التَّقْرِيب ألفاظا غير ألفاظهم إِن البارئ تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي يسمونه السَّبَب الأول وَالْعلَّة الأولى وَعلة الْعِلَل لما كَانَ هُوَ الَّذِي أَفَاضَ الموجودات وَأعْطى كل مَوْجُود مِنْهَا قسطه من الْوُجُود وَلم ٠ يجز فِي الْحِكْمَة أَن تكون كلهَا فِي مرتبَة وَاحِدَة صَار بَعْضهَا أرفع من بعض وَبَعضهَا أحط من بعض وَصَارَ وجود أقربها مرتبَة مِنْهُ وساطة لوُجُود أبعدها فَلَا يُوجد أبعدها مِنْهُ إِلَّا بِوُجُود أقربها مِنْهُ وتوسطه وَلست أُرِيد بِذكر الْقرب والبعد إِثْبَات مَكَان لِأَن البارئ

стр. 4

عز وَجل لَا يُوصف بِالْمَكَانِ وَلَا بِالزَّمَانِ وَكَذَلِكَ كل مَعْقُول لَا مَادَّة لَهُ وَإِنَّمَا أُرِيد بِذكر الْقرب والبعد مراتبها فِي الْوُجُود وَأقرب مَا يمثل بِهِ وجود الموجودات عَنهُ تَعَالَى وجود الْأَعْدَاد عَن الْوَاحِد وَإِن كَانَ البارئ تَعَالَى لَا يجوز أَن يشبه بِشَيْء وَكَذَلِكَ صِفَاته وأفعاله وَلكنه على جِهَة التَّقْرِيب فَكَمَا أَن الثَّلَاثَة لَا تُوجد عَن الْوَاحِد إِلَّا بتوسط وجود الِاثْنَيْنِ كَذَلِك الْأَرْبَعَة لَا تُوجد إِلَّا بتوسط وجود الثَّلَاثَة والاثنين وَلَا تُوجد الْخَمْسَة إِلَّا بتوسط وجود الْأَرْبَعَة وَالثَّلَاثَة والاثنين وَكَذَلِكَ سَائِر الْأَعْدَاد وَلِهَذَا صَار وجود كل وَاحِد عِلّة لوُجُود مَا بعده مَعَ كَون الْوَاحِد عِلّة لوُجُود جَمِيعهَا إِذْ كَانَ لَا يَصح وجود الْأَبْعَد إِلَّا بوساطة وجود الْأَقْرَب فَكَذَلِك يمثل بالتقريب وجود الموجودات عَن البارئ تَعَالَى لَا على الْحَقِيقَة وَمَعْلُوم أَن الشَّيْء لَا يشبه بِغَيْرِهِ من جَمِيع جهاته إِنَّمَا يشبه بِهِ فِي بعض مَعَانِيه وَصِفَاته فَلَمَّا كَانَ وجود الموجودات عَنهُ تَعَالَى على هَذِه

стр. 5

الصّفة كَانَ كَمَال كل مَوْجُود على قدر مرتبته مِنْهُ فِي الْوُجُود فَكَانَ أكملها وجودا وأقلها نقصا الْمَوْجُود الَّذِي هُوَ فِي مرتبَة الِاثْنَيْنِ تمثيلا وتقريبا لما قدمْنَاهُ من الْعدَد فِي ذَلِك ثمَّ الثَّالِث أنقص من الثَّانِي ثمَّ الرَّابِع أنقص من الثَّالِث وَهَكَذَا لم تزل الموجودات تنقص مرتبَة مرتبَة على قدر بعْدهَا من الْمرتبَة الأولى حَتَّى انْتَهَت إِلَى أنقصها مرتبَة الَّذِي لَا أنقص مِنْهُ إِذْ كَانَت مَرَاتِب الموجودات متناهية وَكَانَ إِثْبَات مَالا نِهَايَة لَهُ بِالْفِعْلِ من الْمحَال وَإِنَّمَا يَصح إثْبَاته بِالْقُوَّةِ والإمكان ثمَّ تنعكس الموجودات متصاعدة من أدناها مرتبَة إِلَى أَعْلَاهَا إِلَى أَن تَنْتَهِي إِلَى أكمل الْمَرَاتِب الَّتِي جعل لَهَا بالطبع أَن تبلغها وتسلك فِي تصاعدها المسلك الَّذِي سلكته فِي تسافلها أَعنِي أَنَّهَا لَا تصعد إِلَى الْمرتبَة الثَّانِيَة إِلَى بعد الأولى وَلَا الرَّابِعَة إِلَّا بعد الثَّالِثَة وَبَيَان ذَلِك أَن البارئ تَعَالَى لَهُ الْمرتبَة الأولى من الْوُجُود وَهُوَ متوحد بِوُجُودِهِ لَا يشركهُ فِي وجوده شَيْء كَمَا لَا يشركهُ فِي شَيْء من صِفَاته

стр. 6

وَأول مَوْجُود أوجده وأبدعه تَعَالَى الموجودات الَّتِي يسمونها الثواني ويسمونها الْعُقُول الْمُجَرَّدَة عَن الْمَادَّة وَهِي تِسْعَة على عدد الْآحَاد التِّسْعَة ترتبت فِي الْوُجُود عَنهُ كمراتب الْأَعْدَاد أول وثان وثالث إِلَى التَّاسِع الَّذِي هُوَ نهايتها كَمَا صَار التَّاسِع من الْعدَد نِهَايَة الْآحَاد وَأول هَذِه الثواني بِالنِّسْبَةِ إِلَى الله تَعَالَى فِي مرتبَة الِاثْنَيْنِ على وَجه التَّقْرِيب وبالنسبة إِلَى الموجودات المبدعات فِي مرتبَة الْوَاحِد لِأَن البارئ تَعَالَى بَائِن عَن الموجودات غير مَوْصُوف بِشَيْء من صفاتها وكل وَاحِد من هَذِه التِّسْعَة مَوْجُود عَن البارئ تَعَالَى بتوسط وجود كل وَاحِد من هَذِه التِّسْعَة ثمَّ تلِي مرتبَة هَذِه الثواني التِّسْعَة فِي الْوُجُود مرتبَة الْعقل الْمُوكل بعالم العناصر وَهُوَ الَّذِي يسمونه الْعقل الفعال وَهُوَ يُوَافق الموجودات الثواني التِّسْعَة فِي أَنه عقل مُجَرّد من الْمَادَّة مثلهَا وَإِنَّمَا فصلوه مِنْهَا وجعلوه لَهَا مرتبَة عاشرة على حِدة لوَجْهَيْنِ

стр. 7

أَحدهمَا أَن الثواني التِّسْعَة موكلة بالأفلاك التِّسْعَة وَالْعقل الفعال مُوكل بعالم العناصر وَالْوَجْه الثَّانِي أَن هَذَا الْعقل الفعال تسري قوته فِي الأجرام الناطقة الَّتِي دون فلك الْقَمَر كَمَا يسري نور الشَّمْس وَعنهُ يحصل النُّطْق فِي كل مكون مستعد لقبُول الْقُوَّة الناطقة وكل مَا تجوهر من الموجودات الطبيعية فَهُوَ بِهِ مُلْحق وَهَذَا الْمَعْنى لَيْسَ بموجود فِي الثواني وَذكروا أَن فيض الْعُقُول الْمُجَرَّدَة انْقَطع عِنْد الْعقل الفعال فَلَيْسَ بعد مرتبته إِلَّا مرتبَة النَّفس الناطقة وَإِنَّمَا وَجب أَن يَنْقَطِع فيض الْعُقُول الْمُجَرَّدَة عِنْده لِأَنَّهُ اجْتمعت فِيهِ قوى الْعُقُول التِّسْعَة كلهَا فَصَارَ مبدأ لما دونه من الموجودات كَمَا اجْتمعت قوى الْآحَاد التِّسْعَة من الْعدَد فِي الْعشْرَة فَصَارَت بذلك مبدأ لما عَداهَا من العشرات وَلذَلِك جعلُوا هَذَا الْعقل الْمُجَرّد عَن الْمَادَّة فِي مرتبَة الْعشْرَة من الْعدَد أَلا ترى أَن الْعشْرَة فِي مرتبَة الْوَاحِد وَالْعِشْرين فِي مرتبَة الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثِينَ فِي مرتبَة الثَّلَاثَة حَتَّى تصير التِّسْعُونَ فِي مرتبَة التِّسْعَة فينتهي وجود العشرات فِي التسعين وَتصير المئة فِي مرتبَة الْوَاحِد

стр. 8

وسنزيد هَذَا بَيَانا عِنْد ذكرنَا دوائر الْعدَد الوهمية إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ تلِي مرتبَة الْعقل الفعال فِي الْوُجُود مرتبَة النَّفس وَهِي مُوَافقَة للعقول الْمُجَرَّدَة من الْمَادَّة فِي أَنَّهَا لَيست بجسم كَمَا أَن تِلْكَ لَيست أجساما وَهِي مُخَالفَة لَهَا فِي أَنَّهَا تُوجد مَعَ الْجِسْم وتقترن بِهِ فأكسبها ذَلِك كدرا وظلمة وَلذَلِك صَارَت نفس الْإِنْسَان تجْهَل ذَاتهَا وَلَا ترَاهَا حَتَّى تستضئ بِنور الْعقل وَهِي فِي ذَلِك بِمَنْزِلَة رجل حصل فِي ظلمَة فَهُوَ لَا يرى جِسْمه وَلَا غَيره فَإِذا أَضَاء لَهُ الجو وسرى فِي عَيْنَيْهِ نور الشَّمْس رأى حِينَئِذٍ جسده وَمَا حوله من الجسمان كَذَلِك النَّفس تمنعها ظلمَة الْجَهْل من رُؤْيَة ذَاتهَا ورؤية الصُّور الْعَقْلِيَّة الْمُجَرَّدَة فَإِذا أَفَاضَ الْعقل نوره رَأَتْ ذَاتهَا وَغَيرهَا من المعقولات وَلها مَرَاتِب كَثِيرَة كَمَا كَانَ للعقول الْمُجَرَّدَة الْمَذْكُورَة مَرَاتِب فَمن الْحُكَمَاء من رأى أَن مراتبها اثْنَتَا عشرَة تسع للأفلاك وَثَلَاث لما تَحت فلك الْقَمَر وَهِي

стр. 9

النَّفس النباتية وَالنَّفس الحيوانية وَالنَّفس الناطقة وَمِنْهُم من جعلهَا خمس عشرَة مرتبَة تسع للأفلاك وَخمْس لما تَحت فلك الْقَمَر وَهِي النَّفس النباتية وَهِي أدناها مرتبَة وفوقها النَّفس الحيوانية وفوقها النَّفس الناطقة وفوقها النَّفس الفلسفية وفوقها النَّفس النَّبَوِيَّة فَهَذِهِ أَربع عشرَة مرتبَة وَالْخَامِسَة عشرَة مرتبَة النَّفس الْكُلية وَنحن نذْكر خَواص كل وَاحِدَة من هَذِه النُّفُوس وفصولها ليتبين صِحَة هَذَا التَّقْسِيم إِذا فَرغْنَا من هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَنَرْجِع إِلَى مَا كُنَّا فِيهِ من مَرَاتِب الموجودات فَنَقُول إِن الَّذِي يَلِي مرتبَة النَّفس فِي الْوُجُود مرتبَة الصُّورَة ثمَّ يَلِي مرتبَة الصُّورَة مرتبَة

стр. 10

الْجَوْهَر الْحَامِل للصورة وَإِنَّمَا جعلت مرتبَة الصُّورَة قبل مرتبَة الْجَوْهَر الْحَامِل للصورة بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنا بدأنا من أَعلَى مَرَاتِب الموجودات منحدرين إِلَى أدناها فَكَانَت الصُّورَة على هَذَا التَّرْتِيب قبل الْجَوْهَر الْحَامِل لَهَا وَلَو بدأنا من أدنى مَرَاتِب الموجودات متصاعدين إِلَى أَعْلَاهَا لَكَانَ الْجَوْهَر الْحَامِل للصورة قبل الصُّورَة فِي الرُّتْبَة وَهَذَا الْجَوْهَر الْحَامِل للصورة صنفان أرفعهما الْجَوْهَر الَّذِي يحمل صُورَة الأفلاك وَمَا فِيهَا وَأَدْنَاهَا الْجَوْهَر الَّذِي يحمل الصُّورَة الَّتِي تَحت فلك الْقَمَر وَهَذَا الْجَوْهَر الْحَامِل لصورة الموجودات الَّتِي دون فلك الْقَمَر يسمونه الهيولى وَإِنَّمَا فصل هَذَا الْجَوْهَر من الْجَوْهَر الْحَامِل لصورة الأفلاك وَمَا فِيهَا من

стр. 11

الْكَوَاكِب وَإِن كَانَا قد اتفقَا فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا جَوْهَر حَامِل للصور لِأَن صور الأفلاك وَالْكَوَاكِب ثَابِتَة فِي موضوعاتها وَهَذَا الْجَوْهَر الآخر صُورَة غير ثَابِتَة لِأَنَّهُ يلبس الصُّورَة تَارَة ويخلعها تَارَة فَهُوَ مُسْتَحِيل متغير بجملته وَذَلِكَ إِنَّمَا يتَغَيَّر ويستحيل بِالْمَكَانِ وَمَا فِيهِ من اخْتِلَاف النّسَب وَهَذِه الهيولى عِنْدهم أحط الموجودات وأنقصها مرتبَة وَمِنْهَا تبدأ الموجودات الطبيعية بالترقي صاعدة نَحْو أَعلَى مراتبها بعكس حَالهَا حِين انحدرت إِلَى أدنى مراتبها وَإِنَّمَا يكون ذَلِك لدوران الأفلاك حولهَا ولباسها للصور الَّتِي كَانَت فِيهَا بِالْقُوَّةِ ثمَّ تخرج بدوران الأفلاك إِلَى الْفِعْل كَمَا شَاءَ بارئها لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَأول صُورَة لبستها الهيولى صور الْأَركان الْأَرْبَعَة الَّتِي هِيَ

стр. 12

الأَرْض وَالْمَاء والهواء وَالنَّار فَكَانَ ذَلِك أول كَمَال لحقها ثمَّ لبست صور الْمَعَادِن بوساطة صور الْأَركان ثمَّ صور النَّبَات بوساطة صور الْمَعَادِن وصور الْأَركان ثمَّ صُورَة الْحَيَوَان غير النَّاطِق بوساطة صور النَّبَات وصور الْمَعَادِن وصور الْأَركان ثمَّ صُورَة الْإِنْسَان الَّذِي هُوَ حَيَوَان نَاطِق بتوسط صور الْحَيَوَان غير النَّاطِق وصور النَّبَات وصور الْمَعَادِن وصور الْأَركان فَكَانَت صُورَة الْإِنْسَان أكمل الصُّور الطبيعية وَلَا مرتبَة بعْدهَا إِلَّا أَن يتجوهر الْإِنْسَان بالمعارف فَيلْحق بمرتبة المعقولات الْمُجَرَّدَة من الهيولى والمادة الشبيهة بالهيولى أَعنِي مَوْضُوع صور الأفلاك وَمَا فِيهَا فَإِذا حصل بالتجوهر فِي مرتبَة المعقولات حصل فِي الْمرتبَة الَّتِي مِنْهَا انحطت النَّفس الناطقة إِلَى الأجرام وَهِي مرتبَة الْعقل الفعال فَصَارَت الموجودات بِهَذَا الِاعْتِبَار كدائرة استدارت حَتَّى التقى طرفاها وَصَارَ الْإِنْسَان آخر الدائرة الَّذِي يرجع على أَولهَا إِلَّا أَن الْإِنْسَان عِنْدهم لَا يلْحق عِنْد تجوهره بِأول الثواني الَّذِي هُوَ أَعْلَاهَا مرتبَة وَإِنَّمَا أقْصَى كَمَاله أَن يلْحق بالمرتبة الْعَاشِرَة وَهِي مرتبَة الْعقل الفعال

стр. 13

فَهَذَا مَذْهَب أرسطا طاليس وأفلاطون وسقراط وَغَيرهم من

стр. 14

مشاهير الفلاسفة وزعمائهم الْقَائِلين بِالتَّوْحِيدِ وَأما فلاسفة الْمَجُوس فزعموا أَن الْعُقُول الْمُفَارقَة للمادة يترقى بَعْضهَا إِلَى مرتبَة بعض حَتَّى يصير أَعْلَاهَا فِي مرتبَة البارئ تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الجاهلون علوا كَبِيرا وَهَذَا القَوْل كفر مَحْض عِنْد أرسطاطاليس وَجَمِيع من ذَكرْنَاهُ لِأَنَّهُ يُوجب اسْتِحَالَة البارئ تَعَالَى عَن قَوْلهم فَإِن قَالَ قَائِل فَكيف صَار كالدائرة وَإِنَّمَا لحق بمرتبة الْعقل الفعال على رَأْي أرسطو وَهِي الْمرتبَة الْعَاشِرَة وَإِنَّمَا كَانَ حكمه إِذا كَانَ كالدائرة أَن يرجع إِلَى الثَّانِي الَّذِي هُوَ أول مَوْجُود بَدَأَ مِنْهُ الْفَيْض فَالْجَوَاب عَن هَذَا من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن الْعقل الفعال هُوَ فِي الْمرتبَة الْعَاشِرَة عِنْدهم وَهُوَ

стр. 15

آخر المعقولات الْمُفَارقَة عِنْد انحدار الْوُجُود وَهُوَ أَولهَا عِنْد تصاعد الْأَشْيَاء فَإِذا بلغ الْعقل الإنساني تِلْكَ الْمرتبَة كَانَ بِمَنْزِلَة رُجُوع أحد طرفِي الدائرة على الآخر وَالْوَجْه الثَّانِي أَن الْعقل الإنساني لَيْسَ مبدؤه من الثواني عِنْدهم إِنَّمَا مبدؤه من الْعقل الفعال فَإِذا عَاد إِلَيْهِ كَانَ بِمَنْزِلَة الدائرة وَقد وَجب علينا أَن نصل بِهَذَا الْبَاب ذكر خَواص النُّفُوس الْخمس الَّتِي قدمنَا ذكرهَا ليتبين الْفرق بَينهَا إِذْ كَانَت الخاصية قد تقوم مقَام الْفَصْل الْجَوْهَرِي فِيمَا يتَعَذَّر تحديده خَواص النَّفس النباتية وَتسَمى الشهوانية خَواص هَذِه النَّفس النزاع إِلَى الْغذَاء وَطَلَبه والالتذاذ بِوُجُودِهِ إِذا وجدته والاستضرار بفقده إِذا فقدته واستدعاء الْمُوَافق من الأغذية وَدفع الْمُخَالف وَحفظ الشَّيْء بشخصه ونوعه

стр. 16

أما حفظ شخصه فَإِنَّهُ يكون بالغذاء وَأما حفظ نَوعه فبالتوليد وَيُسمى هَذَا الْحِفْظ التَّقْوِيم الطبيعي وَلها الهياكل غير اللحمية والأعضاء المتشابهة الْأَجْزَاء وَلها سبع قوى جاذبة وممسكة وهاضمة ومغذية ودافعة ومنمية ومصورة وَلها، من الشُّعُور والإحساس تَمْيِيز الْجِهَات السِّت وإرسال الْعُرُوق نَحْو الْمَوَاضِع الندية وتوجيه الْفُرُوع والأغصان نَحْو الْمَوَاضِع المتسعة والانحراف عَن الْمَوَاضِع الضيقة

стр. 17

خَواص النَّفس الحيوانية وَتسَمى الغضبية خَواص هَذِه النَّفس شَهْوَة النِّكَاح وشهوة الانتقام وشهوة الرياسة وَالْغَلَبَة وَلها الهياكل اللحمية والدموية وَقد يُوجد من هياكلها مَا لَا دم لَهُ وَلها الْأَعْضَاء الآلية وَالْحَرَكَة الإرادية الاختيارية وَلها الْحَواس الْخمس وَمِنْهَا مَا ينقصهُ بعض الْحَواس وَلها اللَّذَّة والألم وَيُوجد لبعضها التخيل وَالوهم خَواص النَّفس الإنسانية وَهِي الناطقة خَواص هَذِه النَّفس الروية والفكر ومحبة الْعلم والمعرفة وَلها الهياكل المنتصبة وَالْعَمَل باليدين

стр. 18

خَواص النَّفس الْحكمِيَّة الفلسفية خَواص هَذِه النَّفس محبَّة الْعُلُوم النظرية الَّتِي لَا يُرَاد مِنْهَا أَكثر من الْوُقُوف على حقائقها فَقَط والحرص على معرفَة أَسبَاب الْأَشْيَاء وعللها وَالِاسْتِدْلَال بظواهر الْأُمُور على بواطنها وَمَعْرِفَة مَرَاتِب الموجودات فِي الْوُجُود وَكَيف انبعثت عَن البارئ وَكَيف انْبَعَثَ بَعْضهَا من بعض بِمَا سرى فِيهَا من وحدانية الله تَعَالَى الَّتِي حصلت لكل مَوْجُود ذَات ينْفَصل بهَا من ذَات مَوْجُود آخر وَبهَا يكون وجود الصُّور فِي الهيولى وَفِي الْمَوْضُوع الشبيه بالهيولى وَهُوَ الْجَوْهَر الْحَامِل لصور الأفلاك وَالْكَوَاكِب وَهل الْعَالم قديم أَو مُحدث وَمَا الْفرق بَين الأزلي والمحدث وَمَا الْفرق بَين الأزلي الْمُطلق والأزلي الْمُضَاف وَمَا الْفرق بَين الْمُبْدع والمكون وَكَيف صَار الْمُبْدع وَاسِطَة بَين الأزلي والمكون

стр. 19

وَهل خَالق الْعَالم وَاحِد أَو أَكثر من وَاحِد وَإِقَامَة الْبَرَاهِين على أَنه لَا يَصح أَن يكون إِلَّا وَاحِدًا لَا يشبه شَيْئا وَلَا يُشبههُ شَيْء وَمَا الْحِكْمَة فِي وجود الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ وَمَا المكون مِنْهَا وَمَا الْمُبْدع وَمَا الْفرق بَين الْفَاعِل على الْحَقِيقَة وَالْفَاعِل على الْمجَاز وَالْفَاعِل الْمُطلق وَمَا الْحِكْمَة فِي دوران الأفلاك حَرَكَة مستديرة غير مُسْتَقِيمَة وَمَا الْوَاجِب وَمَا الْمُمكن وَمَا الْمُمْتَنع وَكَيف صَار مَا فَوق الْأَرْبَعَة الْأَركان من حيّز الْوَاجِب وَمَا تَحت الْأَركان من حيّز الْمُمكن وَمَا الموجودات الَّتِي أُوتيت كمالها فِي جواهرها وأفعالها وَمَا الموجودات الَّتِي لم تؤت كمالها لَا فِي جواهرها وَلَا فِي أفعالها فهما طرفان

стр. 20

وَمَا الموجودات الَّتِي أُوتيت كمالها فِي جواهرها وَلم تؤت كمالها فِي أفعالها فَصَارَت متوسطة بَين الطَّرفَيْنِ وَلم سكن الصِّنْف الأول فَلم تكن لَهُ حَرَكَة وتحرك الصنفان الْآخرَانِ وَمَا الْحِكْمَة فِي وجود النواميس والنبوات فِي عَالم الْكَوْن وَالْفساد وَمَا الْفرق بَين النُّبُوَّة وَالسحر وَالْكهَانَة والفلسفة وَكَيف تفيض قُوَّة الْوَحْي على الْأَنْبِيَاء وَمَا الْفرق بَين الْإِنْسَان الَّذِي يُوحى إِلَيْهِ وَالَّذِي لَا يُوحى إِلَيْهِ وَلم صَار الْإِنْسَان مَأْمُورا مَنْهِيّا دون غَيره ومل سمي عَالما صَغِيرا وَسمي الْعَالم إنْسَانا كَبِيرا وَمَا السياسة وَكم أَنْوَاعهَا فَهَذِهِ الْأُمُور كلهَا من خَاصَّة النَّفس الفلسفية أَن تعرفها

стр. 21

بَعْضهَا على جِهَة التَّصَوُّر وَبَعضهَا على جِهَة التَّصْدِيق من غير تصور وَلَكِن لَيست كل نفس تتعاطى الفلسفة يتهيأ لَهَا أَن تعرف ذَلِك كُله وَلَكِن تعرف بعضه وَإِنَّمَا تتهيأ معرفَة هَذِه الْأُمُور على كمالها للنَّفس الَّتِي اتّفق لَهَا فِي فطرتها وَكَونهَا أَن فطرت وفيهَا استعداد لقبُول ذَلِك وَكَانَت هاجرة للذات مميتة للشهوات زاهدة فِي الدِّينَار وَالدِّرْهَم محبَّة للخير وَأَهله مبغضة للشر وَأَهله مرتبطة بالنواميس مكتسبة للفضائل مطرحة للرذائل قد اجْتمع لَهَا الْعلم وَالْعَمَل فَهَذَا هُوَ الفيلسوف الْحق عِنْد ارسطو وأفلاطون وزعماء الفلاسفة وَمن لم يكن عِنْدهم بِهَذِهِ الصّفة فَلَيْسَ بفيلسوف وَلذَلِك قَالَ أرسطو لَيْسَ الْغَرَض أَن تعلم فَقَط وَإِنَّمَا الْغَرَض أَن تعلم وتعمل وتكونوا أخيارا فضلاء مرتبطين بالنواميس

стр. 22

وَقَالَ اقْتُلُوا من لَا دين لَهُ وَقَالَ أفلاطون من أَرَادَ قِرَاءَة الفلسفة فليطهر أخلاقه من الرذائل فَإِنَّهُ لَا يتَعَلَّم الفلسفة الطاهرة من كَانَ نجسا كَمَا لَا يُمكن أحد أَن يرى وَجهه فِي مَاء كدر ومرآة صدئة خَواص النَّفس النَّبَوِيَّة خَواص هَذِه النَّفس الشَّرِيفَة تلقي الْوَحْي والإلهام والاتصال بِالْعقلِ الفعال وتقويم سَائِر النُّفُوس المنحرفة عَن الْحق وتسديد الْإِنْسَان حَتَّى يفعل مَا يَنْبَغِي على الْوَجْه الَّذِي يَنْبَغِي من الْوَجْه الَّذِي يَنْبَغِي من أجل مَا يَنْبَغِي فِي الْوَقْت الَّذِي يَنْبَغِي وإكمال الْفطر النَّاقِصَة بِوَضْع السّنَن والوعظ والتذكير وَالتَّرْغِيب والترهيب والإخبار بالأشياء الَّتِي لَيست فِي قُوَّة النَّفس الفلسفية أَن تعلمهَا لِأَن النَّفس الفلسفية إِنَّمَا تتعاطى النّظر فِي الكليات خَاصَّة وَلذَلِك قَالَ أفلاطون نَحن عاجزون عَن فهم مَا جَاءَت بِهِ الشَّرَائِع وَإِنَّمَا نعلم من ذَلِك يَسِيرا ونجهل كثيرا وَلذَلِك كَانَ أرسطو يَأْمُرنَا بِالتَّسْلِيمِ لما جَاءَت بِهِ الشَّرَائِع ويأمرنا بتأديب من تعرض لتعليل أوامرها ونواهيها وتعاطي الْخَوْض فِيهَا

стр. 23

وَهَذِه النَّفس أشرف النُّفُوس الَّتِي فِي عَالم الْأَركان وأعلاها وَهِي السائسة الْمُدبرَة لسياسة النُّفُوس وَلَا يتَّفق أَن تُوجد هَذِه النَّفس الشَّرِيفَة إِلَّا فِي ذَوي الْفطر الْكَامِلَة وَهَذِه النَّفس لَا تحْتَاج إِلَى اكْتِسَاب المعارف والعلوم بالمقاييس والمقدمات كَمَا تحْتَاج النَّفس الفلسفية لِأَن المقاييس العلمية إِنَّمَا هِيَ قوانين وَضعهَا ذَوُو الْفطر الْكَامِلَة تسديدا وتقويما لِذَوي الْفطر النَّاقِصَة فَإِذا اتّفق للْإنْسَان فِي أصل مولده أَن يعْطى فطْرَة كَامِلَة اسْتغنى عَن تِلْكَ المقاييس وَوجد الْأُمُور الْعَقْلِيَّة كَأَنَّهَا مصورة فِي نَفسه وكما أَنا نجد فِي الْفطر الإنسانية فطرا فِي نِهَايَة النَّقْص قريبَة من فطر الْبَهَائِم كَذَلِك لَا محَالة أَن نجد فِيهَا فطرا فِي نِهَايَة الْكَمَال قريبَة من فطر الْمَلَائِكَة فَتكون هَذِه الْفِكر لَا تحْتَاج إِلَى تَقْوِيم بالمقاييس العلمية كَمَا لَا تحْتَاج الْمَلَائِكَة بل يكفيها أقل إِشَارَة وأيسر عبارَة وَيكون الله ﵎ قد أكمل هَذِه الْفطر فِي أصل خلقتها لتسوس الْعَالم بوساطتها

стр. 24

وَهَذَا يُوجب أَن تكون النُّبُوَّة إلهاما لَا اكتسابا خَواص النَّفس الْكُلية مرتبَة هَذِه النَّفس الْكُلية عِنْد من أثبتها من الفلاسفة تَحت أفق الْعقل الفعال وَالْعقل مُحِيط بهَا من جَمِيع جهاتها وَهِي مُحِيطَة بكرَة الأفلاك وَلها فِيمَا زَعَمُوا دائرتان وَخط مُسْتَقِيم فالدائرة الأولى مُتَّصِلَة بالفلك الْمُحِيط وَهُوَ طرفها الْأَعْلَى والدائرة الثَّانِيَة هِيَ الطّرف الْأَدْنَى ومكانها مَرْكَز الأَرْض وَهَذَا تقريب لِأَن الْجَوَاهِر المعقولة لَا تُوصَف بالأمكنة وَلَا بالجهات السِّت وَزَعَمُوا أَن بَين طرفها الْأَعْلَى وطرفها الْأَدْنَى خطا يصل بَين الدائرتين يسمونه سلم الْمِعْرَاج وَبِه يتَّصل الْوَحْي بالأنفس

стр. 25

الْجُزْئِيَّة الطاهرة وَبِه تنزل الْمَلَائِكَة وتصعد الْأَرْوَاح الزكية إِلَى الْعَالم الْأَعْلَى وَلَهُم فِيهَا كَلَام طَوِيل اقتصرنا مِنْهُ على هَذِه الْجُمْلَة لِأَن غرضنا فِي هَذَا الْكتاب غير ذَلِك

стр. 26

الْبَاب الثَّانِي فِي شرح قَوْلهم إِن الْإِنْسَان يَحْكِي دَائِرَة وهمية وَإِن ذَاته تبلغ بعد مماته إِلَى حَيْثُ يبلغ علمه فِي حَيَاته قد تَأَمَّلت أرشدنا الله وَإِيَّاك إِلَى صَوَاب القَوْل وَالْعَمَل وعصمنا من الْخَطَأ والزلل هَذَا الَّذِي قَالُوهُ واعتبرت مَا ذَكرُوهُ فَوَجَدته يحْتَمل تأويلين أَحدهمَا أَن الْإِنْسَان يفتح نظره بِشَيْء لَا مَادَّة لَهُ وَيَنْتَهِي نظره إِلَى شَيْء لَا مَادَّة لَهُ فَيكون مرجع علمه وَنَظره إِلَى مثل مبدئه كَمَا أَن مبدأ صُورَة الْإِنْسَان من شَيْء لَا مَادَّة لَهُ وغايته أَن يعود شَيْئا لَا مَادَّة لَهُ وَلست أَعنِي مبدأ صُورَة جِسْمه الَّتِي هِيَ شكل هيولاه لِأَن هَذِه مبدؤها الْمَادَّة وَإِنَّمَا الْمَادَّة وَإِنَّمَا أَعنِي مبدأ صورته الناطقة الَّتِي بهَا

стр. 27

صَار الْإِنْسَان إنْسَانا وانفصل عَن الْحَيَوَان الَّذِي لَا نطق لَهُ لِأَن هَذِه الصُّورَة مبدؤها من الْعقل الفعال ومرجعها إِلَيْهِ وَشرح هَذِه الْجُمْلَة أَن مبدأ علم الْإِنْسَان الْأَعْدَاد الَّتِي لَا تحْتَاج فِي تفهمها إِلَى مَادَّة ثمَّ يترقى مِنْهَا إِلَى النّظر فِي الأعظام الَّتِي تحْتَاج فِي تفهمها إِلَى الْمَادَّة غير أَن مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي بَعْضهَا من الْمَادَّة أقل مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي بعض لِأَن مبدأ الأعظام النقطة الَّتِي هِيَ مبدأ الْخط وَلَا بعد لَهَا ثمَّ الْخط الَّذِي هُوَ مبدأ السَّطْح ثمَّ السَّطْح الَّذِي هُوَ مبدأ الْجِسْم وَهَذِه يحْتَاج فِي تفهمها إِلَى مَادَّة يسيرَة فَإِذا انْتهى إِلَى النّظر فِي الْجِسْم استغرق فِي الْمَادَّة وَحصل بنظره فِي الْعلم الطبيعي ثمَّ يبْدَأ يَنْسَلِخ من الْمَادَّة قَلِيلا قَلِيلا على تدرج كَمَا ترقى إِلَيْهَا قَلِيلا قَلِيلا عِنْد نظره فِي النقطة والخط والسطح فَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يُفَارق الْمَادَّة قَلِيلا وَذَلِكَ أَنه إِذا نظر فِي العناصر والمعادن فَإِنَّمَا ينظر فِي أجسام غضة لَيْسَ فِيهَا مبدأ غير الطبيعة فَإِذا صَار إِلَى

стр. 28

النّظر فِي النَّبَات وجد فِيهِ مبدأ من مبادئ النَّفس وَتسَمى هَذِه النَّفس النباتية فَيكون قد ابْتَدَأَ بالانسلاخ من الْمَادَّة قَلِيلا قَلِيلا فَإِذا صَار إِلَى النّظر فِي الْحَيَوَان غير النَّاطِق وجد أَمر النَّفس فِيهِ أقوى وَتسَمى هَذِه النَّفس الحيوانية فَيكون قد انْسَلَخَ من الْمَادَّة أَكثر فَإِذا صَار إِلَى النّظر فِي الْحَيَوَان النَّاطِق وجد فِيهِ أَمر النَّفس أقوى وَوجد فِيهِ مبدأ آخر غير النَّفس الحيوانية وَهُوَ الاستعداد لقبُول الْأُمُور المعقولات ثمَّ يشرع بِالنّظرِ فِي أُمُور النَّفس فَيصير متوسطا بَين الْأُمُور الْعَقْلِيَّة الْمُجَرَّدَة من الْمَادَّة وَبَين الْأُمُور الجسمانية ذَوَات الْموَاد فَإِذا أمعن فِي النّظر فِي أَمر النَّفس الناطقة لاحت إِلَيْهِ المبادئ الْعَقْلِيَّة الَّتِي لَيست بمادة فَيكون قد انْسَلَخَ من الْمَادَّة كلهَا وَحصل فِي أول مَرَاتِب الْعلم الإلهي

стр. 29

ثمَّ يشرع بِالنّظرِ فِي الْأُمُور الْعَقْلِيَّة الْمُفَارقَة للمادة فَأول مَعْقُول يصادفه بِاعْتِبَارِهِ عِنْد صُعُوده الْعقل الفعال فَإِذا أكمل النّظر فِيهِ وَعلم مرتبته من المعقولات الْمُفَارقَة وَأَنه فِي الْمرتبَة الْعَاشِرَة صعد بِالِاعْتِبَارِ إِلَى النّظر فِي التَّاسِع ثمَّ إِلَى الثَّامِن ثمَّ إِلَى السَّابِع ثمَّ إِلَى السَّادِس حَتَّى يصير بفكره إِلَى الْمَعْقُول الأول الَّذِي هُوَ فِي مرتبَة الْوَاحِد فيجده نِهَايَة الموجودات الَّذِي أَفَادَ كل شَيْء الْوُجُود وكل مَوْجُود مفتقر إِلَيْهِ مقتبس الْوُجُود مِنْهُ فَيكون قد انْسَلَخَ من النّظر فِي الثواني التِّسْعَة وَالْعقل الفعال وَهَذِه هِيَ الَّتِي تسمى بِالْمَلَائِكَةِ المقربين والكروبيين وَيكون قد انْتهى بِاعْتِبَارِهِ وفكره إِلَى البارئ تَعَالَى فيشرع حِينَئِذٍ بِالنّظرِ فِي صِفَاته وَمَا يجوز أَن يُوصف بِهِ وَمَا لَا يجوز وَكَيف انبعثت الموجودات عَنهُ وعَلى أَي جِهَة يَصح أَن يُقَال إِنَّه فاعلها وعلتها حَتَّى لَا يلْحقهُ نقص وَكَيف دبر عَالم الأفلاك بتوسط الثواني وَالْعقل الفعال ودوران الأفلاك حول

стр. 30

الْأَركان الْأَرْبَعَة فَيَقَع فِي الْعلم السياسي والنواميس وَلَا يزَال ينحدر حَتَّى يرجع إِلَى الْأَشْخَاص المحسوسة الَّتِي مِنْهَا بَدَأَ بِالنّظرِ عِنْد صُعُوده بِالِاعْتِبَارِ فشبهت الْحُكَمَاء رُتْبَة هَذَا النّظر وَالِاعْتِبَار بالدائرة لِأَنَّهُ ينظر فِي الموجودات عِنْد انحداره غير النّظر الَّذِي ينظر فِيهَا فِي حِين صُعُوده كَمَا يبْدَأ خطّ الدائرة من نقطة ثمَّ يعود إِلَيْهَا على غير الْجِهَة الَّتِي ذهب مِنْهَا وَيُسمى النّظر الأول الإنساني وَالنَّظَر الثَّانِي الإلهي ويسمون النّظر الأول الطَّرِيق إِلَى الله تَعَالَى فَكَمَا أَن مبدأ الْإِنْسَان من مَعْقُول ومنتهاه إِلَى مَعْقُول وَهُوَ مَا بَين الطَّرفَيْنِ محسوس فَكَذَلِك علمه يبدا من مَعْقُول وَيَنْتَهِي إِلَى مَعْقُول بَينهمَا الْعلم المحسوس فَيكون مُنْتَهى علم الْإِنْسَان هُوَ مُنْتَهى

стр. 31

ذَاته فيصل إِلَى عَالم الْعقل فِي حَيَاته الأولى بِعِلْمِهِ وَنَظره وَفِي حَيَاته الثَّانِيَة بِذَاتِهِ وجوهره فَهَذَا هُوَ المُرَاد بقول من قَالَ إِن ذَات الْإِنْسَان تصل بعد مماته إِلَى حَيْثُ وصل علمه فِي حَيَاته إِلَّا أَنه لَا يتَجَاوَز مرتبَة الْعقل الفعال وَهِي الْمرتبَة الْعَاشِرَة من مرتبَة السَّبَب الأول وَقَالَ بَعضهم إِن غَايَته أَن يلْحق بمرتبة النَّفس الْكُلية ومرتبتها دون مرتبَة الْعقل الفعال كَمَا ذكرنَا فِيمَا تقدم فَهَذَا مَا ظهر إِلَيّ فِي شرح كَلَامهم الَّذِي سَأَلت عَنهُ وَهَاهُنَا وَجه آخر وَهُوَ أَن كل مَوْجُود يُوصف بالنطق فَإِن تجوهره لَا يكمل إِلَّا بِأَن يعقل السَّبَب الأول الَّذِي مِنْهُ انبعثت الموجودات إِلَّا أَن كل مَوْجُود تبعد مرتبته من مرتبته لَا يُمكن أَن يعقله حَتَّى يعقل مَا بَينه وَبَينه من الموجودات السَّابِقَة لَهُ بالمرتبة فالموجود الثَّانِي الَّذِي هُوَ أقرب الموجودات إِلَيْهِ بالمرتبة

стр. 32

لَا يحْتَاج فِي تَكْمِيل تجوهره إِلَى وَاسِطَة وَأما الْمَوْجُود الثَّالِث فَإِنَّهُ لَا يعقل الأول إِلَّا بتوسط الثَّانِي فَكَذَلِك الْمَوْجُود الرَّابِع لَا يُمكن أَن يعقله إِلَّا بتوسط الثَّالِث وَالثَّانِي وَكَذَلِكَ مَا بعد ذَلِك وَلَا يحْتَاج مَوْجُود من هَذِه الموجودات غير الناطقة فِي كَمَال تجوهره إِلَى أَن يعقل مَا دونه فِي مرتبته إِلَّا الْإِنْسَان وَحده فَإِنَّهُ يحْتَاج فِي كَمَال تجوهره إِلَى أَن يعقل مَا فَوْقه وَمَا دونه وَلذَلِك احْتَاجَ فِي كَمَال تجوهره إِلَى أَن يعقل جَمِيع الموجودات وَالْعلَّة فِي ذَلِك أَن مرتبته من الْوُجُود الفائض من السَّبَب الأول تَعَالَى آخر الْمَرَاتِب لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون بعد تقدم الْحَيَوَان غير النَّاطِق والنبات والمعادن والأركان والهيولى فَصَارَت هَذِه الْأَشْيَاء أسبق مِنْهُ بمرتبة

стр. 33

الْوُجُود وَإِن كَانَ هُوَ أفضل مِنْهَا لِأَن النَّفس الناطقة صُورَة فِي النَّفس الحيوانية وَالنَّفس الحيوانية صُورَة فِي النَّفس النباتية وَالنَّفس النباتية صُورَة فِي الْمَعَادِن والمعادن صُورَة فِي الْأَركان الْأَرْبَعَة والأركان الْأَرْبَعَة صُورَة فِي الهيولى فَلَمَّا كَانَت هَذِه الْأَشْيَاء كلهَا قبله فِي رُتْبَة الْوُجُود وَكَانَ لَا سَبِيل لَهُ إِلَى أَن يعقل السَّبَب الأول حَتَّى يعقل مَا بَينه وَبَينه من الموجودات احْتَاجَ إِلَى أَن يعقل مَا دونه كَمَا احْتَاجَ إِلَى أَن يعقل مَا فَوْقه وَلما كَانَت الموجودات الفائضة من السَّبَب الأول شكلها شكل دَائِرَة آخرهَا الْإِنْسَان كَمَا ذكرنَا فِي الْبَاب الأول احْتَاجَ الْإِنْسَان إِذا سلك على رُتْبَة وجوده أَن يعكس الدائرة عِنْد الِاعْتِبَار فينحط من مرتبته فِي الْوُجُود إِلَى مرتبَة الْحَيَوَان غير النَّاطِق الَّتِي هِيَ أدنى الْمَرَاتِب إِلَيْهِ ثمَّ إِلَى النَّبَات ثمَّ إِلَى الْمَعَادِن ثمَّ إِلَى الْأَركان ثمَّ إِلَى الهيولى فَإِذا بلغ إِلَى الهيولى كَانَ قد وصل إِلَى أحط الموجودات مرتبَة فِي

стр. 34

الْوُجُود فَيبْدَأ بالصعود مِنْهَا نَحْو المبدأ الْأَعْلَى فَيكون إِلَى الصُّورَة أول صُعُوده ثمَّ إِلَى النَّفس ثمَّ إِلَى الْعقل الفعال ثمَّ إِلَى الثواني التِّسْعَة ثمَّ إِلَى البارئ تَعَالَى غير أَنه اذا وصل إِلَى مرتبَة الْعقل الفعال وقف لِأَن قوته الناطقة مِنْهُ بدأت وَإِلَيْهِ تعود وَإِنَّمَا يحْتَاج إِلَى معرفَة مَا فَوق الْعقل لتكمل ذَاته وجوهره لَا لتكمل دَائِرَة علمه وَنَظره وَنحن نكمل هَذَا الْبَاب بِأَن ندير دَائِرَة نمثل بهَا مَا ذَكرْنَاهُ ونقسمها تِسْعَة أَقسَام على مَرَاتِب الْآحَاد التِّسْعَة ونجعل مبدأها الْعقل الفعال ونتلوه بِمَا يتَّصل بمرتبته فِي الْوُجُود ثمَّ مَا يَلِي منحدرا أَو صاعدا حَتَّى يَنْعَطِف آخر الموجودات عَلَيْهِ وَلَا نذْكر فِي هَذِه الدائرة أَشْيَاء مِمَّا فَوق الْعقل الفعال لنبين لمن رَآهَا أَن الْإِنْسَان مرجعه إِلَى الْعقل الفعال

стр. 35

وَهَذِه صُورَة الدائرة

стр. 36

الْبَاب الثَّالِث فِي شرح قَوْلهم إِن فِي قدرَة الْعقل الجزئي أَن يتَصَوَّر بِصُورَة الْعقل الْكُلِّي هَذَا أوضح الله لَك الخفيات وأعانك على فهم أسرار الموجودات فرع لطيف تَحْتَهُ معنى شرِيف ومرادهم بِهَذَا أَن الْإِنْسَان مُهَيَّأ بفطرته إِذا فاض عَلَيْهِ نور الْعقل فَخرجت قوته الناطقة إِلَى الْفِعْل لِأَن يتَصَوَّر جَمِيع الموجودات فيتحصل فِي عقله الجزئي الصُّور الَّتِي فِي الْعقل الْكُلِّي وَذَلِكَ أَن البارئ تَعَالَى لما أبدع الْعقل الْكُلِّي أَفَاضَ عَلَيْهِ صُورَة الْأَشْيَاء الَّتِي شَاءَ إيجادها دفْعَة بِلَا زمَان وَلَا حَرَكَة وأفاضها الْعقل الْكُلِّي على النَّفس الْكُلية على دَفعه أَيْضا بِلَا زمَان وإفاضتها النَّفس

стр. 37

الْكُلية على الهيولى بِالزَّمَانِ ووساطته حَرَكَة الْفلك إِذْ لم تكن فِي قُوَّة الهيولى أَن تقبلهَا كلهَا دفْعَة وَإِنَّمَا تقبلهَا على المعاقبة وَخلق الله ﵎ الْإِنْسَان آخر الْمَخْلُوقَات وَجمع فِي خلقته جَمِيع مَا فِي الْعَالم فَصَارَ مُخْتَصرا مِنْهُ وَلذَلِك سمي الْعَالم الْأَصْغَر وَقيل إِنَّه مُخْتَصر من اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَجعله حدا بَين عَالم الْحس وعالم الْعقل فَهُوَ آخر الموجودات الطبيعية وَأول الموجودات الْعَقْلِيَّة وَهُوَ معرض لِأَن يَعْلُو فَيلْحق بالعالم الْأَعْلَى أَو يسفل فَيلْحق بالعالم الْأَدْنَى وَقد قلت فِي ذَلِك أَنْت وسطى مَا بَين ضدين يَا إِنْسَان ركبت صُورَة فِي هيولى

стр. 38

(إِن عصيت الْهوى عَلَوْت علوا ... أَو أَطَعْت الْهوى سفلت سفولا) // من الْخَفِيف // فَمن أجل أَنه جمع فِي خلقه جَمِيع مَا فِي الْعَالم الْأَكْبَر صَار مُهَيَّأ بفطرته الفاضلة مستعدا بقوته الْعَاقِلَة لِأَن يتَصَوَّر جَمِيع مَا فِي الْعَالم الْأَكْبَر وَبَيَان ذَلِك أَن مدركات الْإِنْسَان صنفان محسوسات ومعقولات فالأشخاص هن محسوساته وأنواعها وأجناسها ومباديها هن معقولات وَله إدراكان إِدْرَاك بالحس للأشياء المحسوسات وَإِدْرَاك بِالْعقلِ للأشياء المعقولات لِأَن كل شَيْء إِنَّمَا يدْرك بشكله

стр. 39

فإدراكه المحسوسات يُسمى كَمَاله الأول وحياته الأولى وإدراكه المعقولات يُسمى كَمَاله الثَّانِي وحياته الْأُخْرَى فَإِذا كَانَ الْعَالم كُله صنفين محسوس ومعقول وَكَانَ كَمَال تجوهر الْإِنْسَان بإدراكهما مَعًا وَكَانَ مُهَيَّأ بفطرته لذَلِك صَار الْإِنْسَان إِذا أدْرك المحسوسات والمعقولات فقد تصور بِصُورَة الْعَالم الْأَكْبَر فالإنسان إِذن يسْتَحق أَن يُسمى عَالما صَغِيرا من جِهَتَيْنِ إِحْدَاهمَا خلقَة لَا عمل لَهُ فِيهَا وَالثَّانيَِة اكْتِسَاب يكتسبه إِلَّا أَن سعادته إِنَّمَا هِيَ بالاكتساب وَحُصُول الْعقل الْمُسْتَفَاد وَأما الخلقية فَإِنَّمَا هِيَ هَيْئَة واستعداد جعل معرضًا بهما لنيل السَّعَادَة إِن فهم ذَاته وَعلم مرتبته من الْعَالم أَي مرتبَة تَحْصِيل هِيَ نجا وَسعد وَإِن جهل ذَاته وَلم يعرف مَا الْغَرَض

стр. 40

بِكَوْنِهِ آخر الموجودات هلك وَطَالَ شقاؤه وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ (النَّاس نيام فَإِذا مَاتُوا انتبهوا وَقَالَ (أعلمكُم بِنَفسِهِ أعلمكُم بربه) وَقَالَ لعَلي ﵁ (تقرب إِلَى الله بعقلك إِذا تقرب النَّاس إِلَيْهِ بأعمالهم) وَلِهَذَا الَّذِي قدمْنَاهُ صَار الْعَالم خَمْسَة أَصْنَاف من الْوُجُود سوى وجوده فِي علم البارئ تَعَالَى وجود فِي الْعقل الفعال وَوُجُود فِي النَّفس الْكُلية وَوُجُود فِي الهيولى وَوُجُود فِي قُوَّة الْإِنْسَان المتخيلة
следующие страницы →