Полный текст (263 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
أعجب من آثَار الْأَبدَان بل كل مَا فِي الْعَالم من الْآثَار الإنسانية فَإِنَّمَا هِيَ من تَأْثِير النُّفُوس بِوَاسِطَة الْبدن فالنفوس والأبدان يتعاونان على التَّأْثِير تعاون المشتركين فِي الْفِعْل وتنفره النَّفس بآثار لَا يشاركها فِيهَا الْبدن وَلَا يكون للبدن تَأْثِير لَا تشاركه فِيهِ النَّفس
فصل قَوْلكُم فِي التَّاسِع عشر لَو كَانَت النَّفس جسما لكَانَتْ ذَات طول وَعرض
وعمق وشكل وسطح وَهَذِه الْمَقَادِير لَا تقوم إِلَّا بمادة إِلَى آخِره
جَوَابه أَنا نقُول قَوْلكُم هَذِه الْمَقَادِير لَا تقوم إِلَّا بمادة قُلْنَا وَكَانَ مَاذَا وَالنَّفس لَهَا مَادَّة خلقت مِنْهَا وَجعلت على شكل معِين وَصُورَة مُعينَة
قَوْلكُم مادتها إِن كَانَت نفسا لزم اجْتِمَاع نفسين وَإِن كَانَت غير نفس كَانَت مركبة من بدن وَصُورَة
قُلْنَا مادتها لَيست نفسا كَمَا أَن مَادَّة الْإِنْسَان لَيست إنْسَانا ومادة الْجِنّ لَيست جنا ومادة الْحَيَوَان لَيست حَيَوَانا
قَوْلكُم يلْزم كَون النَّفس مركبة من بدن وَصُورَة مُقَدّمَة كَاذِبَة وَإِنَّمَا يلْزم كَون النَّفس مخلوقة من مَادَّة وَلها صُورَة مُعينَة وَهَكَذَا نقُول سَوَاء وَلم تَذكرُوا على بطلَان هَذِه شُبْهَة فضلا عَن حجَّة ظنية أَو قَطْعِيَّة
فصل قَوْلكُم فِي الْوَجْه الْعشْرين أَن خَاصَّة الْجِسْم أَن يقبل التجزيء وَأَن الْجُزْء
الصَّغِير مِنْهُ لَيْسَ كالكبير فَلَو قبلت التجزيء فَكل جُزْء مِنْهَا إِن كَانَ نفسا لزم أَن يكون للْإنْسَان نفوس كَثِيرَة وَإِن لم يكن نفسا لم يكن الْمَجْمُوع نفسا
جَوَابه إِن أردتم أَن كل جسم يقبل التجزيء فِي الْخَارِج فكذب ظَاهر فَإِن الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب لَا تقبل ذَلِك وَلَا يلْزم أَن كل جسم يَصح عَلَيْهِ التجزيء والتبعيض فِي الْخَارِج أما على قَول نفاة الْجَوْهَر الْفَرد فَظَاهر وَأما على قَول متبنيه فَإِنَّهُ عِنْدهم جَوْهَر متحيز لَا يَصح عَلَيْهِ قبُول الانقسام سلمنَا أَنَّهَا تقبل الانقسام فَأَي شَيْء يلْزم من ذَلِك
قَوْلكُم إِن كَانَ كل جُزْء من تِلْكَ الْأَجْزَاء نفسا لزم اجْتِمَاع نفوس كَثِيرَة فِي الْإِنْسَان
قُلْنَا إِنَّمَا يلْزم ذَلِك لَو انقسمت النَّفس بِالْفِعْلِ إِلَى نفوس كَثِيرَة وَهَذَا محَال
قَوْلكُم وَإِن لم يكن كل جُزْء نفسا لم يكن الْمَجْمُوع نفسا مُقَدّمَة كَاذِبَة منتقضة فكم مَاهِيَّة ثَبت لَهَا حكم عِنْد اجْتِمَاع أَجْزَائِهَا فَإِن ذَلِك الحكم كماهية الْبَيْت وَالْإِنْسَان وَالْعشرَة وَغَيرهَا
стр. 212
فصل قَوْلكُم فِي الْوَجْه الْحَادِي وَالْعِشْرين أَن الْجِسْم يحْتَاج فِي قوامه وبقائه
وَحفظه إِلَى نفس أُخْرَى وَيلْزم التسلسل
جَوَابه أَنه يلْزم من افتقار الْبدن إِلَى نفس تحفظه افتقار النَّفس إِلَى نفس تحفظها وَهل ذَلِك إِلَّا بِمُجَرَّد دَعْوَة كَاذِبَة مستندة إِلَى قِيَاس قد تبين بُطْلَانه فَإِن كل جسما لَا يصير إِلَى نفس تحفظه كأجسام الْمَعَادِن وجسم الْهَوَاء وَالْمَاء وَالنَّار وَالتُّرَاب وأجسام سَائِر الجمادات
فَإِن قُلْتُمْ إِن هَذِه لَيست أَحيَاء ناطقة بِخِلَاف النَّفس فَإِنَّهَا حَيَّة ناطقة
قُلْنَا فَحِينَئِذٍ يبْقى الدَّلِيل هَكَذَا أَي كل جسم حَيّ نَاطِق يحْتَاج فِي حفظه وقيامه إِلَى نفس نقوم بِهِ وَهَذِه دَعْوَى مُجَرّدَة وَهِي كَاذِبَة فَإِن الْجِنّ وَالْمَلَائِكَة أَحيَاء ناطقون وَلَيْسوا مفتقرين فِي قيامهم إِلَى أَرْوَاح أخر تقوم بهم
فَإِن قُلْتُمْ وكلامنا مَعكُمْ فِي الْجِنّ وَالْمَلَائِكَة فَإِنَّهُم لَيْسُوا بأجسام متحيزة
قُلْنَا الْكَلَام مَعَ من يُؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَأما من كفر بذلك فَالْكَلَام مَعَه فِي النَّفس ضائع وَقد كفر بفاطر النَّفس ومبدعها وَمَلَائِكَته وَمَا جَاءَت بِهِ رسله وَكَانَ تَارِكًا مَا دلّ عَلَيْهِ العيان مَعَ دَلِيل الْإِيمَان فَإِن الْآثَار المشهودة فِي الْعَالم من تأثيرات الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ بِإِذن رَبهم لَا يُمكن إنكارها وَهِي مَوْجُودَة بِنَفسِهَا وَلَا تقدر عَلَيْهَا القوى البشرية
فصل قَوْلكُم فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين لَو كَانَت جسما لَكَانَ اتصالها بِالْبدنِ إِن
كَانَ على سَبِيل المداخلة لزم تدَاخل الْأَجْسَام وَإِن كَانَ على سَبِيل الملاصقة والمجاورة كَانَ للْإنْسَان الْوَاحِد جسمان متلاصقان أَحدهمَا يرى وَالْآخر لَا يرى
جَوَابه من وُجُوه
أَحدهَا أَن تتداخل الْأَجْسَام الْمحَال أَن يتداخل جسمان كثيفان أَحدهمَا فِي الآخر بِحَيْثُ يكون حيزهما وَاحِدًا وَأما أَن يدْخل جسم لطيف فِي كثيف يسرى فِيهِ فَهَذَا لَيْسَ بمحال
الثَّانِي أَن هَذَا بَاطِل بصور كَثِيرَة مِنْهَا دُخُول المَاء فِي الْعود والسحاب وَدخُول النَّار فِي الْحَدِيد وَدخُول الْغذَاء فِي جَمِيع أَجزَاء الْبدن وَدخُول الْجِنّ فِي المصروع فالروح للطافتها لَا يمْتَنع عَلَيْهَا مشابكة الْبدن وَالدُّخُول فِي جَمِيع أَجْزَائِهِ
стр. 213
الثَّالِث أَن حيّز النَّفس الْبدن وحيزه مَكَانَهُ الْمُنْفَصِل عَنهُ وَهَذَا لَيْسَ بتداخل مُمْتَنع فَإِذا فارقته صَار لَهَا حيّز آخر غير حيزه وَحِينَئِذٍ فَلَا يتداخلان بل يصير لكل مِنْهُمَا حيّز يَخُصُّهُ وَبِالْجُمْلَةِ فدخول الرّوح فِي الْبدن الطف من دُخُول المَاء فِي الثرى والدهن فِي الْبدن فَهَذِهِ الشُّبْهَة الْفَاسِدَة لَا يُعَارض بهَا مَا دلّ عَلَيْهَا نُصُوص الْوَحْي والأدلة الْعَقْلِيَّة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
الْمَسْأَلَة الْعشْرُونَ وَهِي هَل النَّفس وَالروح شَيْء وَاحِد أَو شَيْئَانِ متغايران
فأختلف النَّاس فِي ذَلِك
فَمن قَائِل أَن مسماهما وَاحِد وهم الْجُمْهُور
وَمن قَائِل أَنَّهُمَا متغايران وَنحن نكشف سر الْمَسْأَلَة بحول الله وقوته فَنَقُول النَّفس تطلق على أُمُور
أَحدهَا الرّوح قَالَ الْجَوْهَرِي النَّفس الرّوح يُقَال خرجت نَفسه قَالَ أَبُو خرَاش
نجما سالما وَالنَّفس مِنْهُ بشدقه ... وَلم ينج إِلَّا جفن سيف ومئزر
أَي بجفن سيف ومئزر وَالنَّفس وَالدَّم قَالَ سَأَلت نَفسه وَفِي الحَدِيث مَالا نفس لَهُ سَائِلَة لَا ينجس المَاء إِذا مَاتَ فِيهِ وَالنَّفس الْجَسَد
قَالَ الشَّاعِر
نبئت أَن بني تَمِيم أدخلُوا ... أَبْنَاءَهُم تامور نفس الْمُنْذر
والتامور الدَّم وَالنَّفس الْعين يُقَال أَصَابَت فلَانا أَي عين
قلت لَيْسَ كَمَا قَالَ بل النَّفس هَا هُنَا الرّوح وَنسبَة الْإِضَافَة إِلَى الْعين توسع لِأَنَّهَا تكون بِوَاسِطَة النّظر الْمُصِيب وَالَّذِي أَصَابَهُ إِنَّمَا هُوَ نفس العائن كَمَا تقدم
قلت وَالنَّفس فِي الْقُرْآن تطلق على الذَّات بحملتها كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَسَلمُوا على أَنفسكُم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يَوْم تَأتي كل نفس تجَادل عَن نَفسهَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿كل نفس بِمَا كسبت رهينة﴾ وَتطلق على الرّوح وَحدهَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة﴾ وَقَوله تَعَالَى أخرجُوا أَنفسكُم وَقَوله تَعَالَى ﴿وَنهى النَّفس عَن الْهوى﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن النَّفس لأمارة بالسوء﴾
وَأما الرّوح فَلَا تطلق على الْبدن لَا بإنفراده وَلَا مَعَ النَّفس وَتطلق الرّوح على الْقُرْآن الَّذِي أوحاه الله تَعَالَى إِلَى رَسُوله قَالَ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك روحا من أمرنَا﴾
وعَلى الْوَحْي الَّذِي يوحيه إِلَى أنبيائه وَرُسُله قَالَ تَعَالَى ﴿يلقِي الرّوح من أمره على من﴾
стр. 214
يَشَاء من عباده لينذر يَوْم التلاق وَقَالَ تَعَالَى ﴿ينزل الْمَلَائِكَة بِالروحِ من أمره على من يَشَاء من عباده أَن أنذروا أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاتقون﴾ وسمى ذَلِك روحا لما يحصل بِهِ من الْحَيَاة النافعة فَإِن الْحَيَاة بِدُونِهِ لَا تَنْفَع صَاحبهَا الْبَتَّةَ بل حَيَاة الْحَيَوَان البهيم خير مِنْهَا وَأسلم عَاقِبَة
وَسميت الرّوح روحا لِأَن بهَا حَيَاة الْبدن وَكَذَلِكَ سميت الرّيح لما يحصل بهَا من الْحَيَاة وَهِي من ذَوَات الْوَاو وَلِهَذَا تجمع على أَرْوَاح قَالَ الشَّاعِر
إِذا ذهبت الْأَرْوَاح من نَحْو أَرْضكُم ... وجدت لمسرها على كَبِدِي بردا
وَمِنْهَا الرّوح وَالريحَان والاستراحة فسميت النَّفس روحا لحُصُول الْحَيَاة بهَا وَسميت نفسا إِمَّا من الشَّيْء النفيس لنفاستها وشرفها وَإِمَّا من تنفس الشَّيْء إِذا خرج فلكثرة خُرُوجهَا ودخولها فِي الْبدن سميت نفسا وَمِنْه النَّفس بِالتَّحْرِيكِ فَإِن العَبْد كلما نَام خرجت مِنْهُ فَإِذا اسْتَيْقَظَ رجعت إِلَيْهِ فَإِذا مَاتَ خرجت خُرُوجًا كليا فَإِذا دفن عَادَتْ إِلَيْهِ فَإِذا سُئِلَ خرجت فَإِذا بعث رجعت إِلَيْهِ
فَالْفرق بَين النَّفس وَالروح فرق بِالصِّفَاتِ لَا فرق بِالذَّاتِ وَإِنَّمَا سمي الدَّم نفسا لِأَن خُرُوجه الَّذِي يكون مَعَه الْمَوْت يلازم خُرُوج النَّفس وَإِن الْحَيَاة لَا تتمّ إِلَّا بِهِ كَمَا لَا تتمّ إِلَّا بِالنَّفسِ فَلهَذَا قَالَ
تسيل على حد الظباة نفوسنا ... وَلَيْسَت على غير الظباة تسيل
وَيُقَال فاضت نَفسه وَخرجت نَفسه وَفَارَقت نَفسه كَمَا يُقَال خرجت روحه وَفَارَقت وَلَكِن الْفَيْض الاندفاع وهلة وَاحِدَة وَمِنْه الْإِفَاضَة وَهِي الاندفاع بِكَثْرَة وَسُرْعَة لَكِن أَفَاضَ إِذا دفع بإختياره وإرادته إِذا انْدفع قسرا وقهرا فَالله سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يفيضها عِنْد الْمَوْت فتفيض هِيَ
فصل وَقَالَت فرقة أُخْرَى من أهل الحَدِيث وَالْفِقْه والتصوف الرّوح غير النَّفس
قَالَ مقَاتل بن سُلَيْمَان للْإنْسَان حَيَاة وروح وَنَفس فَإِذا نَام خرجت نَفسه الَّتِي يعقل بهَا الْأَشْيَاء وَلم تفارق الْجَسَد بل تخرج كحبل ممتد لَهُ شُعَاع فَيرى الرُّؤْيَا بِالنَّفسِ الَّتِي خرجت مِنْهُ وَتبقى الْحَيَاة وَالروح فِي الْجَسَد فِيهِ يتقلب ويتنفس فَإِذا حرك رجعت إِلَيْهِ أسْرع من طرفَة عين فَإِذا أَرَادَ الله أَن يميته فِي الْمَنَام أمسك تِلْكَ النَّفس الَّتِي خرجت وَقَالَ أَيْضا إِذا نَام خرجت نَفسه فَصَعدت إِلَى فَوق فَإِذا رَأَتْ الرُّؤْيَا رجعت فَأخْبرت الرّوح ويخبر الرّوح فَيُصْبِح يعلم أَنه قد رأى كَيْت وَكَيْت
стр. 215
قَالَ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه ثمَّ اخْتلفُوا فِي معرفَة الرّوح وَالنَّفس فَقَالَ بَعضهم النَّفس طينية نارية وَالروح نورية روحانية
وَقَالَ بَعضهم الرّوح لاهوتية وَالنَّفس ناسوتية وَأَن الْخلق بهَا ابتلى
وَقَالَت طَائِفَة وهم أهل الْأَثر أَن الرّوح غير النَّفس وَالنَّفس غير الرّوح وقوام النَّفس بِالروحِ وَالنَّفس صُورَة العَبْد والهوى والشهوة وَالْبَلَاء معجون فِيهَا وَلَا عَدو أعدى لِابْنِ آدم من نَفسه فَالنَّفْس لَا تُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا وَلَا تحب إِلَّا إِيَّاهَا وَالروح تَدْعُو إِلَى الْآخِرَة وتؤثرها وَجعل الْهوى تبعا للنَّفس والشيطان تبع النَّفس والهوى وَالْملك مَعَ الْعقل وَالروح وَالله تَعَالَى يمدهما بالهامة وتوفيقه
وَقَالَ بَعضهم الْأَرْوَاح من أَمر الله أخْفى حَقِيقَتهَا وَعلمهَا على الْخلق
وَقَالَ بَعضهم الْأَرْوَاح نور من نور الله وحياة من حَيَاة الله
ثمَّ اخْتلفُوا فِي الْأَرْوَاح هَل تَمُوت بِمَوْت الْأَبدَان والأنفس أَو لَا تَمُوت
فَقَالَت طَائِفَة الْأَرْوَاح لَا تَمُوت وَلَا تبلى
وَقَالَت الْجَمَاعَة الْأَرْوَاح على صور الْخلق لَهَا أيد وأرجل وأعين وَسمع وبصر ولسان
وَقَالَت طَائِفَة لِلْمُؤمنِ ثَلَاثَة أَرْوَاح وللمنافق وَالْكَافِر روح وَاحِدَة
وَقَالَ بَعضهم للأنبياء وَالصديقين خمس أَرْوَاح
وَقَالَ بَعضهم الْأَرْوَاح روحانية خلقت من الملكوت فَإِذا صفت رجعت إِلَى الملكوت
قلت أما الرّوح الَّتِي تتوفى وتقبض فَهِيَ روح وَاحِدَة وَهِي النَّفس
وَأما مَا يُؤَيّد الله بِهِ أولياءه من الرّوح فَهِيَ روح أُخْرَى غير هَذِه الرّوح كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان وأيدهم بِروح مِنْهُ﴾ وَكَذَلِكَ الرّوح الَّذِي أيد بهَا روحه الْمسْح ابْن مَرْيَم كَمَا قَالَ تَعَالَى إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم اذكر نعمتي عَلَيْك وعَلى والدتك إِذْ أيدك بِروح الْقُدس وَكَذَلِكَ الرّوح الَّتِي يلقيها على من يَشَاء من عباده هِيَ غير الرّوح الَّتِي فِي الْبدن
وَأما القوى الَّتِي فِي الْبدن فَإِنَّهَا تسمى أَيْضا أرواحا فَيُقَال الرّوح الباصر وَالروح السَّامع وَالروح الشَّام فَهَذِهِ الْأَرْوَاح قوى مودعة فِي الْبدن تَمُوت بِمَوْت الْأَبدَان وَهِي غير الرّوح الَّتِي لَا تَمُوت بِمَوْت الْبدن وَلَا تبلى كَمَا يبْلى وَيُطلق الرّوح على أخص من هَذَا كُله وَهُوَ قُوَّة
стр. 216
الْمعرفَة بِاللَّه والإنابة إِلَيْهِ ومحبته وانبعاث الهمة إِلَى طلبه وإرادته وَنسبَة هَذِه الرّوح إِلَى الرّوح كنسبة الرّوح إِلَى الْبدن فَإِذا فقدتها الرّوح كَانَت بِمَنْزِلَة الْبدن إِذا فقد روحه وَهِي الرّوح الَّتِي يُؤَيّد بهَا أهل ولَايَته وطاعته وَلِهَذَا يَقُول النَّاس فلَان فِيهِ روح وَفُلَان مَا فِيهِ روح وَهُوَ بو وَهُوَ قَصَبَة فارغة وَنَحْو ذَلِك
فللعلم روح وللإحسان روح وللإخلاص روح وللمحبة والإنابة روح وللتوكل والصدق روح وَالنَّاس متفاوتون فِي هَذِه الْأَرْوَاح أعظم تفَاوت فَمنهمْ من تغلب عَلَيْهِ هَذِه الْأَرْوَاح فَيصير روحانيا وَمِنْهُم من يفقدها أَو أَكْثَرهَا فَيصير أرضيا بهيميا وَالله الْمُسْتَعَان
الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالْعشْرُونَ وَهِي هَل النَّفس وَاحِدَة أم ثَلَاث فقد وَقع فِي
كَلَام كثير من النَّاس أَن لِابْنِ آدم ثَلَاث انفس نفس مطمئنة وَنَفس لوامة وَنَفس أَمارَة وَأَن مِنْهُم من تغلب عَلَيْهِ هَذِه وَمِنْهُم من تغلب عَلَيْهِ الْأُخْرَى ويحتجون على ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَا أقسم بِيَوْم الْقِيَامَة وَلَا أقسم بِالنَّفسِ اللوامة﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِن النَّفس لأمارة بالسوء﴾ وَالتَّحْقِيق أَنَّهَا نفس وَاحِدَة وَلَكِن لَهَا صِفَات فتسمى بإعتبار كل صفة بأسم فتسمى مطمئنة بإعتبار طمأنينتها إِلَى رَبهَا بعبوديته ومحبته والإنابة إِلَيْهِ والتوكل عَلَيْهِ وَالرِّضَا بِهِ والسكون إِلَيْهِ فَإِن سمة محبته وخوفه ورجائه مِنْهَا قطع النّظر عَن محبَّة غَيره وخوفه ورجائه فيستغني بمحبته عَن حب مَا سواهُ وبذكره عَن ذكر مَا سواهُ وبالشوق إِلَيْهِ وَإِلَى لِقَائِه عَن الشوق إِلَى مَا سواهُ فالطمأنينة إِلَى الله سُبْحَانَهُ حَقِيقَة ترد مِنْهُ سُبْحَانَهُ على قلب عَبده تجمعه عَلَيْهِ وَترد قلبه الشارد إِلَيْهِ حَتَّى كَأَنَّهُ جَالس بَين يَدَيْهِ يسمع بِهِ ويبصر بِهِ ويتحرك بِهِ ويبطش بِهِ فتسرى تِلْكَ الطُّمَأْنِينَة فِي نَفسه وَقَلبه ومفاصله وَقواهُ الظَّاهِرَة والباطنة تجذب روحه إِلَى الله ويلين جلده وَقَلبه ومفاصله إِلَى خدمته والتقرب إِلَيْهِ وَلَا يُمكن حُصُول الطُّمَأْنِينَة الْحَقِيقِيَّة إِلَّا بِاللَّه ونذكره وَهُوَ كَلَامه الَّذِي أنزلهُ على رَسُوله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين آمنُوا وتطمئن قُلُوبهم بِذكر الله أَلا بِذكر الله تطمئِن الْقُلُوب﴾ فَإِن طمأنينة الْقلب سكونه واستقراره بِزَوَال القلق والانزعاج وَالِاضْطِرَاب عَنهُ وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى بِشَيْء سوى الله تَعَالَى وَذكره الْبَتَّةَ وَأما مَا عداهُ فالطمأنينة إِلَيْهِ غرور والثقة بِهِ عجز قضى الله قَضَاء لَا مرد لَهُ أَن من اطْمَأَن إِلَى شَيْء سواهُ أَتَاهُ القلق
стр. 217
والانزعاج وَالِاضْطِرَاب من جِهَته كَائِنا من كَانَ بل لَو اطْمَأَن العَبْد إِلَى علمه وحاله وَعَمله سبله وزايله وَقد جعل سُبْحَانَهُ نفوس المطمئنين إِلَى سواهُ أغراضها بسهام الْبلَاء ليعلم عباده وأولياؤه أَن الْمُتَعَلّق بِغَيْرِهِ مَقْطُوع والمطمئن إِلَى سواهُ عَن مَصَالِحه ومقاصده مصدود وممنوع
وَحَقِيقَة الطُّمَأْنِينَة الَّتِي تصير بهَا النَّفس مطمئنة أَن تطمئِن فِي بَاب معرفَة أَسْمَائِهِ وَصِفَاته ونعوت كَمَا لَهُ إِلَى خَبره الَّذِي أخبر بِهِ عَن نَفسه وأخبرت بِهِ عَنهُ رسله فتتلقاه بِالْقبُولِ وَالتَّسْلِيم والإذعان وانشراح الصَّدْر لَهُ وَفَرح الْقلب بِهِ فَإِنَّهُ معرف من معرفات الرب سُبْحَانَهُ إِلَى عَبده على لِسَان رَسُوله فَلَا يزل الْقلب فِي أعظم القلق وَالِاضْطِرَاب فِي هَذَا الْبَاب حَتَّى يخالط الْإِيمَان بأسماء الرب تَعَالَى وَصِفَاته وتوحيده وعلوه على عَرْشه وتكلمه بِالْوَحْي بشاشة قلبه فَينزل ذَلِك عَلَيْهِ نزُول المَاء الزلَال على الْقلب الملتهب بالعطش فيطمئن إِلَيْهِ ويسكن إِلَيْهِ ويفرح بِهِ ويلين لَهُ قلبه ومفاصله حَتَّى كَأَنَّهُ شَاهد الْأَمر كَمَا أخْبرت بِهِ الرُّسُل بل يصير ذَلِك لِقَلْبِهِ بِمَنْزِلَة رُؤْيَة الشَّمْس فِي الظهيرة لعَينه فَلَو خَالفه فِي ذَلِك من بَين شَرق الأَرْض وغربها لم يلْتَفت إِلَى خلافهم وَقَالَ إِذا استوحش من الغربة قد كَانَ الصّديق الْأَكْبَر مطمئنا بِالْإِيمَان وَحده وَجَمِيع أهل الأَرْض يُخَالِفهُ وَمَا نقص ذَلِك من طمأنينة شَيْئا فَهَذَا أول دَرَجَات الطُّمَأْنِينَة ثمَّ لَا يزَال يقوى كلما سمع بِآيَة متضمنة لصفة من صِفَات ربه وَهَذَا أَمر لَا نِهَايَة لَهُ فَهَذِهِ الطُّمَأْنِينَة أصل أصُول الْإِيمَان الَّتِي قَامَ عَلَيْهِ بِنَاؤُه ثمَّ يطمئن إِلَى خَبره عَمَّا بعد الْمَوْت من أُمُور البرزخ وَمَا بعْدهَا من أَحْوَال الْقِيَامَة حَتَّى كَأَنَّهُ يُشَاهد ذَلِك كُله عيَانًا وَهَذَا حَقِيقَة الْيَقِين الَّذِي وصف بِهِ أهل الْإِيمَان حَيْثُ قَالَ ﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ فَلَا يحصل الْإِيمَان بِالآخِرَة حَتَّى يطمئن الْقلب إِلَى مَا أخبر الله سُبْحَانَهُ بِهِ عَنْهَا طمأنينته إِلَى الْأُمُور الَّتِي لَا يشك فِيهَا وَلَا يرتاب فَهَذَا هُوَ الْمُؤمن حَقًا بِالْيَوْمِ الآخر كَمَا فِي حَدِيث حَارِثَة أَصبَحت مُؤمنا فَقَالَ رَسُول الله إِن لكل حق حَقِيقَة فَمَا حَقِيقَة إيمانك قَالَ عزفت نَفسِي عَن الدُّنْيَا وَأَهْلهَا وَكَأَنِّي أنظر إِلَى عرش رَبِّي بارزا وَإِلَى أهل الْجنَّة يتزاورون فِيهَا وَأهل النَّار يُعَذبُونَ فِيهَا فَقَالَ عبد نور الله قلبه
فصل والطمأنينة إِلَى أَسمَاء الرب تَعَالَى وَصِفَاته نَوْعَانِ طمأنينة إِلَى
الْإِيمَان بهَا وإثباتها واعتقادها وطمأنينة إِلَى مَا تَقْتَضِيه وتوجبه من آثَار الْعُبُودِيَّة مِثَاله الطُّمَأْنِينَة إِلَى الْقدر وإثباته وَالْإِيمَان بِهِ يَقْتَضِي الطُّمَأْنِينَة إِلَى مَوَاضِع الأقدار الَّتِي لم يُؤمر العَبْد بدفعها وَلَا قدرَة لَهُ على دَفعهَا فَيسلم
стр. 218
لَهَا ويرضى بهَا وَلَا يسْخط وَلَا يشكو وَلَا يضطرب إيمَانه فَلَا يأسى على مَا فَاتَهُ وَلَا يفرح بِمَا أَتَاهُ لِأَن الْمُصِيبَة فِيهِ مقدرَة قبل أَن تصل إِلَيْهِ وَقبل أَن يخلق كَمَا قَالَ تَعَالَى مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها إِن ذَلِك على الله يسير لكيلا تأسوا على مَا فاتكم وَلَا تفرحوا بِمَا آتَاكُم قَالَ تَعَالَى ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة إِلَّا بِإِذن الله وَمن يُؤمن بِاللَّه يهد قلبه﴾ قَالَ غير وَاحِد من السّلف هُوَ العَبْد تصيبه الْمُصِيبَة فَيعلم أَنَّهَا من عِنْد الله فيرضى وَيسلم فَهَذِهِ طمأنينة إِلَى أَحْكَام الصِّفَات وموجباتها وآثارها فِي الْعَالم وهى قدر زَائِد على الطُّمَأْنِينَة بِمُجَرَّد الْعلم بهَا واعتقادها وَكَذَلِكَ سَائِر الصِّفَات وآثارها ومتعلقاتها كالسمع وَالْبَصَر وَالرِّضَا وَالْغَضَب والمحبة فَهَذِهِ طمأنينة الْإِيمَان
وَأما طمأنينة الْإِحْسَان فَهِيَ الطُّمَأْنِينَة إِلَى أمره امتثالا وإخلاصا وَنصحا فَلَا يقدم على أمره إِرَادَة وَلَا هوى وَلَا تقليدا فَلَا يساكن شُبْهَة تعَارض خَبره وَلَا شَهْوَة تعَارض أمره بل إِذا مرت بِهِ أنزلهَا منزلَة الوساوس الَّتِي لِأَن يخر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض أحب إِلَيْهِ من أَن يجدهَا فَهَذَا كَمَا النَّبِي صَرِيح الْإِيمَان وعلامة هَذِه الطُّمَأْنِينَة أَن يطمئن من قلق الْمعْصِيَة وانزعاجها إِلَى سُكُون التَّوْبَة وحلاوتها وفرحتها ويسهل عَلَيْهِ ذَلِك بِأَن يعلم أَن اللَّذَّة والحلاوة والفرحة فِي الظفر بِالتَّوْبَةِ وَهَذَا أَمر لَا يعرفهُ إِلَّا من ذاق الْأَمريْنِ وباشر قلبه آثارهما فللتوبة طمأنينة تقَابل مَا فِي الْمعْصِيَة من الانزعاج والقلق وَلَو فتش العَاصِي عَن قلبه لوجده حشْوَة المخاوف والانزعاج والقلق وَالِاضْطِرَاب وَإِنَّمَا يوارى عَنهُ شُهُود ذَلِك سكر الْغَفْلَة والشهوة فَإِن لكل شَهْوَة سكرا يزِيد على سكر الْخمر وَكَذَلِكَ الْغَضَب لَهُ سكر أعظم من سكر الشَّرَاب وَلِهَذَا ترى العاشق والغضبان يفعل مَالا يَفْعَله شَارِب الْخمر وَكَذَلِكَ يطمئن من قلق الْغَفْلَة والإعراض إِلَى سُكُون الإقبال على الله وحلاوة ذكره وَتعلق الرّوح بحبه ومعرفته فَلَا طمأنينة للروح بِدُونِ هَذَا أبدا وَلَو أنصفت نَفسهَا لرأتها إِذا فقدت ذَلِك فِي غَايَة الانزعاج والقلق وَالِاضْطِرَاب وَلَكِن يواريها السكر فَإِذا كشف الغطاء تبين لَهُ حَقِيقَة مَا كَانَ فِيهِ
فصل وَهَا هُنَا سر لطيف يجب التَّنْبِيه عَلَيْهِ والتنبه لَهُ والتوفيق لَهُ بيد
من أزمة التَّوْفِيق بِيَدِهِ وَهُوَ أَن الله سُبْحَانَهُ جعل لكل عُضْو من أَعْضَاء الْإِنْسَان كمالا إِن لم يحصل لَهُ فَهُوَ فِي قلق واضطراب وانزعاج بِسَبَب فقد كَمَاله الَّذِي جعل لَهُ مِثَالا كَمَال الْعين بالأبصار وَكَمَال الْأذن بِالسَّمْعِ وَكَمَال اللِّسَان بالنطق فَإِذا عدمت هَذِه الْأَعْضَاء القوى الَّتِي بهَا كمالها حصل الْأَلَم وَالنَّقْص بِحَسب فَوَات ذَلِك وَجعل كَمَال الْقلب ونعيمه وسروره ولذته وابتهاجه فِي مَعْرفَته سُبْحَانَهُ وإرادته ومحبته والإنابة
стр. 219
إِلَيْهِ والإقبال عَلَيْهِ والشوق إِلَيْهِ والأنس بِهِ فَإِذا عدم الْقلب ذَلِك كَانَ أَشد عذَابا واضطرابا من الْعين الَّتِي فقدت النُّور والباصر من اللِّسَان الَّذِي فقد قُوَّة الْكَلَام والذوق وَلَا سَبِيل لَهُ إِلَى الطُّمَأْنِينَة بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَو نَالَ من الدُّنْيَا وأسبابها وَمن الْعُلُوم مَا نَالَ إِلَّا بَان يكون الله وَحده هُوَ محبوبه وإلهه ومعبوده وَغَايَة مَطْلُوبه وَإِن يكون هُوَ وَحده مستعانه على تَحْصِيل ذَلِك فحقيقة الْأَمر أَنه لَا طمأنينه لَهُ بِدُونِ التحقق بإياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين وأقوال الْمُفَسّرين فِي الطُّمَأْنِينَة ترجع إِلَى ذَلِك قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ المطمئنة المصدقة وَقَالَ قَتَادَة هُوَ الْمُؤمن اطمأنت نَفسه إِلَى مَا وعد الله وَقَالَ الْحسن المصدقة بِمَا قَالَ الله تَعَالَى وَقَالَ مُجَاهِد هِيَ النَّفس الَّتِي أيقنت بِأَن الله رَبهَا الْمسلمَة لأمر فِيمَا هُوَ فَاعل بهَا وروى مَنْصُور عَنهُ قَالَ النَّفس الَّتِي أيقنت أَن الله رَبهَا وَضربت جاشا لأَمره وطاعته وَقَالَ ابْن أبي نجيح عَنهُ النَّفس المطمئنة المختة إِلَى الله وَقَالَ أَيْضا هِيَ الَّتِي أيقنت بلقاء الله فَكَلَام السّلف فِي المطمئنة يَدُور على هذَيْن الْأَصْلَيْنِ طمأنينة الْعلم وَالْإِيمَان وطمأنينة الْإِرَادَة وَالْعَمَل
فصل فَإِذا اطمأنت من الشَّك إِلَى الْيَقِين وَمن الْجَهْل إِلَى الْعلم وَمن الْغَفْلَة
إِلَى الذّكر وَمن الْخِيَانَة إِلَى التَّوْبَة وَمن الرثاء إِلَى الْإِخْلَاص وَمن الْكَذِب إِلَى الصدْق وَمن الْعَجز إِلَى الْكيس وَمن صولة الْعجب إِلَى ذلة الاخبات وَمن التيه إِلَى التَّوَاضُع وَمن الفتور إِلَى الْعَمَل فقد بإشرت روح الطُّمَأْنِينَة وأصل ذَلِك كُله ومنشؤه من الْيَقَظَة فَهِيَ أول مَفَاتِيح الْخَيْر فَإِن الغافل عَن الاستعداد للقاء ربه والتزود لمعاده بِمَنْزِلَة النَّائِم بل أَسْوَأ حَالا مِنْهُ فَإِن الْعَاقِل يعلم وعد الله ووعيده وَمَا تتقاضاه أوَامِر الرب تَعَالَى ونواهيه وَأَحْكَامه من الْحُقُوق لَكِن يَحْجُبهُ عَن حَقِيقَة الْإِدْرَاك ويقعده عَن الِاسْتِدْرَاك سنة الْقلب وَهِي غفلته الَّتِي رقد فِيهَا فطال رقوده وركد وأخلد إِلَى نوازع الشَّهَوَات فإشتد إخلاده وركوده وانغمس فِي غمار الشَّهَوَات واستولت عَلَيْهِ الْعَادَات ومخالطة أهل البطالات وَرَضي بالتشبه بِأَهْل إِضَاعَة الْأَوْقَات فَهُوَ فِي رقاده مَعَ النائمين وَفِي سكرته مَعَ المخمورين فَمَتَى انْكَشَفَ عَن قلبه سنة هَذِه الْغَفْلَة بزجرة من زواجر الْحق فِي قلبه اسْتَجَابَ فِيهَا لواعظ الله فِي قلب عَبده الْمُؤمن أَو همة عَلَيْهِ أثارها معول الْفِكر فِي الْمحل الْقَابِل فَضرب بمعول فكره وَكبر تَكْبِيرَة أَضَاءَت لَهُ مِنْهَا قُصُور الْجنَّة فَقَالَ
أَلا يَا نفس وَيحك ساعديني ... يسْعَى مِنْك فِي ظلم اللَّيَالِي
لَعَلَّك فِي الْقِيَامَة أَن تفوزي ... بِطيب الْعَيْش فِي تِلْكَ العلالي
стр. 220
فأثارت تِلْكَ الفكرة نورا رأى فِي ضوئه مَا خلق لَهُ وَمَا سيلقاه بَين يَدَيْهِ من حِين الْمَوْت إِلَى دُخُول دَار الْقَرار وَرَأى سرعَة انْقِضَاء الدُّنْيَا وَعدم وفائها لبنيها وقتلها لعشاقها وفعلها بهم أَنْوَاع المثلات فَنَهَضَ فِي ذَلِك الضَّوْء على سَاق عزمه قَائِلا ﴿يَا حسرتى على مَا فرطت فِي جنب الله﴾ فإستقبل بَقِيَّة عمره الَّتِي لَا قيمَة لَهَا مستدركا بهَا مَا فَاتَ محييا بهَا مَا أمات مُسْتَقْبلا بهَا مَا نقدم لَهُ من العثرات منتهزا فرْصَة إِلَّا مَكَان الَّتِي إِن فَأَتَت فأته جَمِيع الْخيرَات
ثمَّ يلحظ فِي نور تِلْكَ الْيَقَظَة وفور نعْمَة ربه عَلَيْهِ من حِين اسْتَقر فِي الرَّحِم إِلَى وقته وَهُوَ يتقلب فِيهَا ظَاهرا وَبَاطنا لَيْلًا وَنَهَارًا ويقظة ومناما سرا وَعَلَانِيَة فَلَو اجْتهد فِي إحصاء أَنْوَاعهَا لما قدر وَيَكْفِي أَن أدناها نعْمَة النَّفس وَللَّه عَلَيْهِ فِي كل يَوْم أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألف نعْمَة فَمَا ظَنك بغَيْرهَا
ثمَّ يرى فِي ضوء ذَلِك النُّور أَنه آيس من حصرها وإحصائها عَاجز عَن أَدَاء حَقّهَا وَإِن الْمُنعم بهَا إِن طَالبه بحقوقها استوعب جَمِيع أَعماله حق نعْمَة وَاحِدَة مِنْهَا فيتيقن حِينَئِذٍ أَنه لَا مطمع لَهُ فِي النجَاة إِلَّا بِعَفْو الله وَرَحمته وفضله
ثمَّ يرى فِي ضوء تِلْكَ الْيَقَظَة أَنه لَو عمل أَعمال الثقلَيْن من الْبر لاحتقرها بِالنِّسْبَةِ إِلَى جنب عَظمَة الرب تَعَالَى وَمَا يسْتَحقّهُ بحلال وَجهه وَعظم سُلْطَانه وَهَذَا لَو كَانَت أَعماله مِنْهُ فَكيف وَهِي مُجَرّد فضل الله ومنته وإحسانه حَيْثُ يسرها لَهُ وأعانه وهيأه لَهَا وشاءها مِنْهُ وَكَونهَا وَلَو لم يفعل ذَلِك لم يكن لَهُ سَبِيل إِلَيْهَا فَحِينَئِذٍ لَا يرى أَعماله مِنْهُ وَإِن الله سُبْحَانَهُ لن يقبل عملا يرَاهُ صَاحبه من نَفسه حَتَّى يرى عين توفيق الله لَهُ وفضله عَلَيْهِ ومنته وَأَنه من الله لَا من نَفسه وَأَنه لَيْسَ لَهُ من نَفسه إِلَّا الشَّرّ وأسبابه وَمَا بِهِ من نعْمَة فَمن الله وَحده صَدَقَة تصدق بهَا عَلَيْهِ وفضلا مِنْهُ سَاقه إِلَيْهِ من غير أَن يسْتَحقّهُ بِسَبَب ويستأهله بوسيلة فَيرى ربه ووليه ومعبوده أَهلا لكل خير وَيرى نَفسه أَهلا لكل شَرّ وَهَذَا أساس جَمِيع الْأَعْمَال الصَّالِحَة وَالظَّاهِرَة والباطنة وَهُوَ الَّذِي يرفعها ويجعلها فِي ديوَان أَصْحَاب الْيَمين
ثمَّ يَبْرق لَهُ فِي نور الْيَقَظَة بارقة أُخْرَى يرى فِي ضوئها عُيُوب نَفسه وآفات عمله وَمَا تقدم لَهُ من الْجِنَايَات والإساءات وهتك الحرمات والتقاعد عَن كثير من الْحُقُوق والواجبات فَإِذا انْضَمَّ ذَلِك إِلَى شُهُود نعم الله عَلَيْهِ وأياديه لَدَيْهِ رأى أَن حق الْمُنعم عَلَيْهِ فِي نعمه وأوامره لم يبْق لَهُ حَسَنَة وَاحِدَة يرفع بهَا رَأسه فيطمئن قلبه وانكسرت نَفسه وخشعت جوارحه وَسَار إِلَى الله ناكس الرَّأْس بَين مُشَاهدَة نعمه ومطالعة جناياته وعيوب نَفسه وآفات عمله قَائِلا أَبُوء لَك بنعمتك على وأبوء لَك بذنبي فَأغْفِر لى فَإِنَّهُ لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت فَلَا يرى لنَفسِهِ حَسَنَة وَلَا يَرَاهَا أَهلا لخير فَيُوجب لَهُ أَمريْن عظيمين
стр. 221
أَحدهَا استكثار مَا من الله عَلَيْهِ
وَالثَّانِي اسْتِقْلَال مَا مِنْهُ من الطَّاعَة كائنة مَا كَانَت ثمَّ تبرق لَهُ بارقة أُخْرَى يرى فِي ضوئها عزة وقته وخطره وشرفه وَأَنه رَأس مَال سعادته فيبخل بِهِ أَن يضيعه فَمَا يقربهُ إِلَى ربه فَإِن فِي إضاعته الخسران وَالْحَسْرَة والندامة وَفِي حفظه وعمارته الرِّبْح والسعادة فيشح بأنفاسه أَن يضيعها فِيمَا لَا يَنْفَعهُ يَوْم معاده
فصل ثمَّ يلحظ فِي ضوء تِلْكَ البارقة مَا تَقْتَضِيه يقظته من سنة غفلته
من التَّوْبَة والمحاسبة والمراقبة والغيرة لرَبه أَن يُؤثر عَلَيْهِ غَيره وعَلى حَظه من رِضَاهُ وقربه وكرامته بِبيعِهِ بِثمن بخس فِي دَار سريعة الزَّوَال وعَلى نَفسه أَن يملك رقها لمعشوق أَو فكر فِي مُنْتَهى حسنه وَرَأى آخِره بِعَين بصيره لأنف لَهَا من محبته
فَهَذَا كُله من آثَار الْيَقَظَة وموجباتها وَهِي أول منَازِل النَّفس المطمئنة الَّتِي نَشأ مِنْهَا سفرها إِلَى الله وَالدَّار الْآخِرَة
فصل وَأما النَّفس اللوامة وَهِي الَّتِي أقسم بهَا سُبْحَانَهُ فِي قَوْله
﴿وَلَا أقسم بِالنَّفسِ اللوامة﴾ فَاخْتلف فِيهَا فَقَالَت طَائِفَة هِيَ الَّتِي لَا تثبت على حَال وَاحِدَة اخذوا اللَّفْظَة من التَّلَوُّم وَهُوَ التَّرَدُّد فَهِيَ كَثِيرَة التقلب والتلون وَهِي من أعظم آيَات الله فَإِنَّهَا مَخْلُوق من مخلوقاته تتقلب وتتلون فِي السَّاعَة الْوَاحِدَة فضلا عَن الْيَوْم والشهر وَالْعَام والعمر ألوانا متلونة فَتذكر وتغفل وَتقبل وَتعرض وتلطف وَتكشف وتنيب وتجفو وتحب وَتبْغض وتفرح وتحزن وترضى وتغضب وتطع وتنقى وتفجر إِلَى أَضْعَاف أَضْعَاف ذَلِك من حالاتها وتلونها فَهِيَ تتلون كل وَقت ألوانا كَثِيرَة فَهَذَا قَول
وَقَالَت طَائِفَة اللَّفْظَة مَأْخُوذَة من اللوم ثمَّ اخْتلفُوا فَقَالَت فرقة هِيَ نفس الْمُؤمن وَهَذَا من صفاتها الْمُجَرَّدَة قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ أَن الْمُؤمن لَا ترَاهُ إِلَّا يلوم نَفسه دَائِما يَقُول مَا أردْت بِهَذَا لم فعلت هَذَا كَانَ غير هَذَا أولى أَو نَحْو هَذَا من الْكَلَام
وَقَالَ غَيره هِيَ نفس الْمُؤمن توقعه فِي الذَّنب ثمَّ تلومه عَلَيْهِ فَهَذَا اللوم من الْإِيمَان بِخِلَاف الشقي فَإِنَّهُ لَا يلوم نَفسه على ذَنْب بل يلومها وتلومه على فَوَاته
وَقَالَت طَائِفَة بل هَذَا اللوم للنوعين فَإِن كل أحد يلوم نَفسه برا كَانَ أَو فَاجِرًا فالسعيد يلومها على ارْتِكَاب مَعْصِيّة الله وَترك طَاعَته والشقي لَا يلومها إِلَّا على فَوَات حظها وهواها
стр. 222
وَقَالَت فرقة أُخْرَى هَذَا اللوم يَوْم الْقِيَامَة فَإِن كل أحد يلوم نَفسه إِن كَانَ مسيئا على إساءته وَإِن كَانَ محسنا على تَقْصِيره
وَهَذِه الْأَقْوَال كلهَا حق وَلَا تنَافِي بَينهَا فَإِن النَّفس مَوْصُوفَة بِهَذَا كُله وبإعتباره سميت لوامة وَلَكِن اللوامة نَوْعَانِ
لوامة ملومة وَهِي النَّفس الجاهلة الظالمة الَّتِي يلومها الله وَمَلَائِكَته
ولوامة غير ملومة وَهِي الَّتِي لَا تزَال تلوم صَاحبهَا على تَقْصِيره فِي طَاعَة الله مَعَ بذله جهده فَهَذِهِ غير ملومة وأشرف النُّفُوس من لامت نَفسهَا فِي طَاعَة الله واحتملت ملام اللائمين فِي مرضاته فَلَا تأخذها فِيهِ لومة لائم فَهَذِهِ قد تخلصت من لوم الله وَأما من رضيت بأعمالها وَلم تلم نَفسهَا وَلم تحْتَمل فِي الله ملام اللوام فَهِيَ الَّتِي يلومها الله
فصل وَأما النَّفس الأمارة فَهِيَ المذمومة فَإِنَّهَا الَّتِي تَأمر بِكُل سوء وَهَذَا من
طبيعتها إِلَّا مَا وفقها الله وثبتها وأعانها فَمَا تخلص أحد من شَرّ نَفسه إِلَّا بِتَوْفِيق الله لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى حاكيا عَن امْرَأَة الْعَزِيز وَمَا أبرىء نَفسِي إِن النَّفس لأمارة بالسوء إِلَّا مَا رحم رَبِّي إِن رَبِّي غَفُور رَحِيم وَقَالَ تَعَالَى وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكا مِنْكُم من أحد أبدا وَقَالَ تَعَالَى لأكرم خلقه عَلَيْهِ وأحبهم إِلَيْهِ ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاك لقد كدت تركن إِلَيْهِم شَيْئا قَلِيلا﴾ وَكَانَ النَّبِي يعلمهُمْ خطْبَة الْحَاجة الْحَمد لله نحمده ونستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا من يهده الله فَلَا مضل لَهُ وَمن يضلله فَلَا هادي لَهُ فالشر كامن فِي لنَفس وَهُوَ يُوجب سيئات الْأَعْمَال فَإِن خلى الله بَين العَبْد وَبَين نَفسه هلك بَين شَرها وَمَا تَقْتَضِيه من سيئات الْأَعْمَال وَإِن وَفقه وأعانه نجاه من ذَلِك كُله فنسأل الله الْعَظِيم أَن يعيذنا من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا
وَقد امتحن الله سُبْحَانَهُ الْإِنْسَان بِهَاتَيْنِ النفسين الأمارة واللوامة كَمَا أكْرمه بالمطمئنة فَهِيَ نفس وَاحِدَة تكون أَمارَة ثمَّ لوامة مطمئنة وَهِي غَايَة كمالها وصلاحها وأيد المطمئنة بِجُنُود عديدة فَجعل الْملك قرينها وصاحبها الَّذِي يَليهَا ويسددها ويقذف فِيهَا الْحق ويرغبها فِيهِ ويريها حسن صورته ويزجرها عَن الْبَاطِل ويزهدها فِيهِ ويريها قبح صورته وأمدها بِمَا علمهَا من الْقُرْآن والأذكار وأعمال الْبر وَجعل وُفُود الْخيرَات ومداد التَّوْفِيق تنتابها وَتصل إِلَيْهَا من كل نَاحيَة وَكلما تلقتها بِالْقبُولِ وَالشُّكْر وَالْحَمْد لله ورؤية أوليته فِي ذَلِك كُله ازْدَادَ مددها فتقوى على محاربة الْإِمَارَة فَمن جندها وَهُوَ سُلْطَان عساكرها وملكها الْإِيمَان وَالْيَقِين
стр. 223
فالجيوش الإسلامية كلهَا تَحت لوائه ناظرة إِلَيْهِ إِن ثَبت ثبتَتْ وَإِن انهزم ولت على أدبارها ثمَّ أُمَرَاء هَذَا الْجَيْش ومقدمو عساكره شعب الْإِيمَان الْمُتَعَلّقَة بالجوارح على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج وَالْجهَاد وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر ونصيحة الْخلق وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم بأنواع الْإِحْسَان وشعبه الْبَاطِنَة الْمُتَعَلّقَة بِالْقَلْبِ كالإخلاص والتوكل والإنابة وَالتَّوْبَة والمراقبة وَالصَّبْر والحلم والتواضع والمسكنة وامتلاء الْقلب من محبَّة الله وَرَسُوله وتعظيم أوَامِر الله وحقوقه والغيرة لله وَفِي الله والشجاعة والعفة والصدق والشفقة وَالرَّحْمَة وملاك ذَلِك كُله الْإِخْلَاص والصدق فَلَا يتعب الصَّادِق المخلص فقد أقيم على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم فيسار بِهِ وَهُوَ رَاقِد وَلَا يتعب من حرم الصدْق وَالْإِخْلَاص فقد قطعت عَلَيْهِ الطَّرِيق واستهوته الشَّيَاطِين فِي الأَرْض حيران فَإِن شَاءَ فليعمل وَإِن شَاءَ فليترك فَلَا يزِيدهُ عمله من الله إِلَّا بعدا وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا كَانَ لله وَبِاللَّهِ فَهُوَ من جند النَّفس المطمئنة
وَأما النَّفس الأمارة فَجعل الشَّيْطَان قرينها وصاحبها الَّذِي يَليهَا فَهُوَ يعدها ويمنيها ويقذف فِيهَا الْبَاطِل ويأمرها بالسوء ويزينه لَهَا ويطيل فِي الأمل ويريها الْبَاطِل فِي صُورَة تقلبها وتستحسنها ويمدها بأنواع الْإِمْدَاد الْبَاطِل من الْأَمَانِي الكاذبة والشهوات الْمهْلكَة ويستعين عَلَيْهَا بهواها وإرادتها فَمِنْهُ يدْخل عَلَيْهَا كل مَكْرُوه فَمَا اسْتَعَانَ على النُّفُوس بِشَيْء هُوَ أبلغ من هَواهَا وإرادتها إِلَيْهِ وَقد علم ذَلِك إخوانه من شياطين الْإِنْس فَلَا يستعينون على الصُّور الممنوعة مِنْهُم بِشَيْء أبلغ من هواهم وإرادتهم فَإِذا أعيتهم صُورَة طلبُوا بجهدهم مَا تحبه وتهواه ثمَّ طلبُوا بجهدهم تَحْصِيله فاصطادوا تِلْكَ الصُّورَة فَإِذا فتحت لَهُم النَّفس بَاب الْهوى دخلُوا مِنْهُ فجلسوا خلال الديار فعاثوا وأفسدوا وفتكوا وَسبوا وفعلوا مَا يَفْعَله الْعَدو بِبِلَاد عدوه إِذا نحكم فِيهَا فهدموا معالم الْإِيمَان وَالْقُرْآن وَالذكر وَالصَّلَاة وخربوا الْمَسَاجِد وعمروا البيع وَالْكَنَائِس والحانات والمواخير وقصدوا إِلَى الْملك فأسروا وسلبوه ملكه ونقلوه من عبَادَة الرَّحْمَن إِلَى عبَادَة البغايا والأوثان وَمن عز الطَّاعَة إِلَى ذل الْمعْصِيَة وَمن السماع الرحماني إِلَى السماع الشيطاني وَمن الاستعداد للقاء رب الْعَالمين إِلَى الاستعداد للقاء إخْوَان الشَّيَاطِين فَبينا هُوَ يُرَاعى حُقُوق الله وَمَا أمره بِهِ إِذْ صَار يرْعَى الْخَنَازِير وَبينا هُوَ منتصب لخدمة الْعَزِيز الرَّحِيم إِذْ صَار منتصبا لخدمة كل شَيْطَان رجيم
وَالْمَقْصُود أَن الْملك قرين النَّفس المطمئنة والشيطان قرين الأمارة وَقد روى أَبُو الْأَحْوَص عَن عَطاء بن السَّائِب عَن مرّة عَن عبد الله قَالَ قَالَ رَسُول الله
стр. 224
أَن للشَّيْطَان لمة بأبن آدم وللملك لمة فَأَما الشَّيْطَان فيعاد بِالشَّرِّ وَتَكْذيب بِالْحَقِّ وَأما لمة الْملك فايعاد بِالْخَيرِ وتصديق بِالْحَقِّ فَمن وجد ذَلِك فَليعلم انه من الله وليحمد الله وَمن وجد الآخر فليتعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم ثمَّ قَرَأَ الشَّيْطَان يَعدكُم الْفقر ويأمركم الْفَحْشَاء وَقد رَوَاهُ عَمْرو عَن عَطاء بن السَّائِب وَزَاد فِيهِ عَمْرو قَالَ سمعنَا فِي هَذَا الحَدِيث أَنه كَانَ يُقَال إِذا أحس أحدكُم من لمة الْملك شَيْئا فليحمد الله وليسأله من فَضله وَإِذا أحس من لمة الشَّيْطَان شَيْئا فليستغفر الله وليتعوذ من الشَّيْطَان
فصل فَالنَّفْس المطمئنة وَالْملك وجنده من الْإِيمَان يقتضيان من النَّفس
المطمئنة التَّوْحِيد وَالْإِحْسَان وَالْبر وَالتَّقوى وَالصَّبْر والتوكل وَالتَّوْبَة والإنابة والإقبال على الله وَقصر الأمل والاستعداد للْمَوْت وَمَا بعده والشيطان وجنده من الْكفْر يقتضيان من النَّفس الأمارة ضد ذَلِك وَقد سلط الله سُبْحَانَهُ الشَّيْطَان على كل مَا لَيْسَ لَهُ وَلم يرد بِهِ وَجهه وَلَا هُوَ طَاعَة لَهُ وَجعل ذَلِك إقطاعه فَهُوَ يَسْتَنِيب النَّفس الأمارة على هَذَا الْعَمَل والإقطاع ويتقاضى أَن تَأْخُذ الْأَعْمَال من النَّفس المطمئنة فتجعلها قُوَّة لَهَا فَهِيَ أحرص شَيْء على تَخْلِيص الْأَعْمَال كلهَا وَأَن تصير من حظوظها فأصعب شَيْء على النَّفس المطمئنة تَخْلِيص الْأَعْمَال من الشَّيْطَان وَمن الأمارة لله فَلَو وصل مِنْهَا عمل وَاحِد كَمَا يَنْبَغِي لنجابه العَبْد وَلَكِن أَبَت الأمارة والشيطان ان يدعا لَهَا عملا وَاحِدًا يصل إِلَى الله كَمَا قَالَ بعض العارفين بِاللَّه وبنفسه وَالله لَو اعْلَم أَن لي عملا وَاحِدًا وصل إِلَى الله لَكُنْت أفرح بِالْمَوْتِ من الْغَائِب يقدم على أَهله وَقَالَ عبد الله بن عمر لَو أعلم أَن الله تقبل مني سَجْدَة وَاحِدَة لم يكن غَائِب أحب إِلَى من الْمَوْت ﴿إِنَّمَا يتَقَبَّل الله من الْمُتَّقِينَ﴾
فصل وَقد انتصبت الأمارة فِي مُقَابلَة المطمئنة فَكلما جَاءَت بِهِ تِلْكَ من خير
ضاهتها هَذِه وَجَاءَت من الشَّرّ بِمَا يُقَابله حَتَّى تفسده عَلَيْهَا فَإِذا جَاءَت بِالْإِيمَان والتوحيد جَاءَت هَذِه بِمَا يقْدَح فِي الْإِيمَان من الشَّك والنفاق وَمَا يقْدَح فِي التَّوْحِيد من الشّرك ومحبة غير الله وخوفه ورجائه وَلَا ترْضى حَتَّى تقدم محبَّة غَيره وخوفه ورجائه على محبته سُبْحَانَهُ وخوفه ورجائه فَيكون مَاله عِنْدهَا هُوَ الْمُؤخر وَمَا لِلْخلقِ هُوَ الْمُقدم وَهَذَا حَال أَكثر هَذَا الْخلق وَإِذا جَاءَت تِلْكَ بتجريد الْمُتَابَعَة للرسول جَاءَت هَذِه بتحكيم آراء الرِّجَال وأقوالهم على الْوَحْي وَأَتَتْ من الشّبَه المضلة بِمَا يمْنَعهَا من كَمَال الْمُتَابَعَة وتحكيم السّنة وَعدم الِالْتِفَات إِلَى آراء الرِّجَال
стр. 225
فتقوم الْحَرْب بَين هَاتين النفسين والمنصور من نَصره الله وَإِذا جَاءَت تِلْكَ بالإخلاص والصدق والتوكل والإنابة والمراقبة جَاءَت هَذِه بإضدادها وأخرجتها فِي عدَّة قوالب وتقسم بِاللَّه مَا مرادها إِلَّا الْإِحْسَان والتوفيق وَالله يعلم أَنَّهَا كَاذِبَة وَمَا مرادها إِلَّا مُجَرّد حظها وَاتِّبَاع هَواهَا والتفلت من سجن الْمُتَابَعَة والتحكيم الْمَحْض للسّنة إِلَى قَضَاء إرادتها وشهوتها وحظوظها ولعمرو الله مَا تخلصت إِلَّا من فضاء الْمُتَابَعَة وَالتَّسْلِيم إِلَى سجن الْهوى والإرادة وضيقة وظلمته ووحشته فَهِيَ مسجونة فِي هَذَا الْعَالم وَفِي البرزخ فِي أضيق مِنْهُ وَيَوْم الميعاد الثَّانِي فِي أضيق مِنْهُمَا
وَمن أعجب أمرهَا أَنَّهَا تسحر الْعقل وَالْقلب فتأتي إِلَى أشرف الْأَشْيَاء وأفضلها وأجلها فتخرجه فِي صُورَة مذمومة وَأكْثر الْخلق صبيان الْعُقُول أَطْفَال الأحلام لم يصلوا إِلَى حد الْفِطَام الأول عَن العوائد والمألوفات فضلا عَن الْبلُوغ الَّذِي يُمَيّز بِهِ الْعَاقِل الْبَالِغ بَين خير الخيرين فَيُؤْثِرُهُ وَشر الشرين فيجتنبه فتريه صُورَة تَجْرِيد التَّوْحِيد الَّتِي هِيَ أبهى من صُورَة الشَّمْس وَالْقَمَر فِي صُورَة التنقيص المذموم وهضم العظماء مَنَازِلهمْ وحطهم مِنْهَا إِلَى مرتبَة الْعُبُودِيَّة الْمَحْضَة والمسكنة والذل والفقر الْمَحْض الَّذِي لَا ملكة لَهُم مَعَه وَلَا إِرَادَة وَلَا شَفَاعَة إِلَّا من بعد إِذن الله فتريهم النَّفس السحارة هَذَا الْقدر غَايَة تنقيصهم وهضمهم ونزول أقدارهم وَعدم تمييزهم عَن الْمَسَاكِين الْفُقَرَاء فتنفر نُفُوسهم من تَجْرِيد التَّوْحِيد أَشد النفار وَيَقُولُونَ ﴿أجعَل الْآلهَة إِلَهًا وَاحِدًا إِن هَذَا لشَيْء عُجاب﴾ وتربهم تَجْرِيد الْمُتَابَعَة للرسول وَمَا جَاءَ بِهِ وتقديمه على آراء الرِّجَال فِي صُورَة تنقيص الْعلمَاء وَالرَّغْبَة عَن أَقْوَالهم وَمَا فهموه عَن الله وَرَسُوله وَإِن هَذَا إساءة أدب عَلَيْهِم وَتقدم بَين أَيْديهم وَهُوَ مفض إِلَى إساءة الظَّن بهم وانهم قد فاتهم الصَّوَاب وَكَيف لنا قُوَّة أَن نرد عَلَيْهِم ونفوز ونحظى بِالصَّوَابِ دونهم فتنفر من ذَلِك أَشد النفار وَتجْعَل كَلَامهم هُوَ الْمُحكم الْوَاجِب الِاتِّبَاع وَكَلَام الرَّسُول هُوَ الْمُتَشَابه الَّذِي يعرض على أَقْوَالهم فَمَا وافقها قبلناه وَمَا خالفها رددناه أَو أولناه أَو فوضناه وتقسم النَّفس السحارة بِاللَّه إِن أردنَا إِلَّا إحسانا وتوفيقا أُولَئِكَ الَّذين يعلم الله مَا فِي قُلُوبهم
فصل وتربة صُورَة الْإِخْلَاص فِي صُورَة ينفر مِنْهَا وَهِي الْخُرُوج عَن حكم الْعقل
المعيشي والمداراة والمداهنة الَّتِي بهَا اندراج حَال صَاحبهَا ومشيه بَين النَّاس فَمَتَى أخْلص أَعماله وَلم يعْمل لأحد شَيْئا تجنبوهم وتجنبوه وأبغضهم وأبغضوه وعاداهم وعادوه وَسَار على جادة فينفر من ذَلِك أَشد النفار وغايته أَن يخلص فِي الْقدر الْيَسِير من أَعماله الَّتِي لَا تتَعَلَّق بهم وَسَائِر أَعماله لغير الله
стр. 226
فصل وتربة صُورَة للصدق مَعَ الله وَجِهَاد من خرج عَن دينه وَأمره فِي
قالب الانتصاب لعداوة الْخلق وأذاهم وحربهم وَأَنه يعرض نَفسه من الْبلَاء لما لَا يُطيق وَأَنه يصير غَرضا لسهام الطاعنين وأمثال ذَلِك من الشّبَه الَّتِي تقيمها النَّفس السحارة والخيالات الَّتِي تخيلها وترية حَقِيقَة الْجِهَاد فِي صُورَة تقتل فِيهَا النَّفس وَتنْكح الْمَرْأَة وَيصير الْأَوْلَاد يتامى وَيقسم المَال وتربة حَقِيقَة الزَّكَاة وَالصَّدَََقَة فِي صُورَة مُفَارقَة المَال ونقصه وخلو الْيَد مِنْهُ واحتياجه إِلَى النَّاس ومساواته للْفَقِير وَعوده لمنزلته وتربه حَقِيقَة إِثْبَات صِفَات الْكَمَال لله فِي صُورَة التَّشْبِيه والتمثيل فينفر من التَّصْدِيق بهَا وينفر غَيره وتريه حَقِيقَة التعطيل والإلحاد فِيهَا فِي صُورَة التَّنْزِيه والتعظيم
وأعجب من ذَلِك أَنَّهَا تضاهى مَا يُحِبهُ الله وَرَسُوله من الصِّفَات والأخلاق وَالْأَفْعَال بِمَا يغضه مِنْهَا وتلبس على العَبْد أحد الْأَمريْنِ بِالْآخرِ وَلَا يخلص من هَذَا إِلَّا أَرْبَاب البصائر فَإِن الْأَفْعَال تصدر عَن الإرادات وَتظهر على الْأَركان من النفسين الأمارة والمطمئنة فيتباين الفعلان فِي الْبطلَان ويشتبهان فِي الظَّاهِر وَلذَلِك أَمْثِلَة كَثِيرَة مِنْهَا المداراة والمداهنة فَالْأول من المطمئنة وَالثَّانِي من الأمارة وخشوع الْإِيمَان وخشوع النِّفَاق وَشرف النَّفس والتيه وَالْحمية والجفاء والتواضع والمهانة وَالْقُوَّة فِي أَمر الله والعلو فِي الأَرْض وَالْحمية لله وَالْغَضَب لَهُ وَالْحمية للنَّفس وَالْغَضَب لَهَا والجود والسرف والمهابة وَالْكبر والصيانة والنكير والشجاعة والجرأة والحزم والجبن والاقتصاد وَالشح والاحتراز وَسُوء الظَّن والفراسة وَالظَّن والنصيحة والغيبة والهدية والرشوة وَالصَّبْر وَالْقَسْوَة وَالْعَفو والذل وسلامة الْقلب والبله والغفلة والثقة والغرة والرجاء وَالتَّمَنِّي والتحدث بنعم الله وَالْفَخْر بهَا وَفَرح الْقلب وَفَرح النَّفس ورقة الْقلب والجزع والموجدة والحقد والمنافسة والحسد وَحب الرياسة وَحب الْإِمَامَة والدعوة إِلَى الله وَالْحب لله وَالْحب مَعَ الله والتوكل وَالْعجز وَالِاحْتِيَاط الوسوسة وإلهام الْملك وإلهام الشَّيْطَان والأناة والتسويف والاقتصاد وَالتَّقْصِير وَالِاجْتِهَاد والغلو والنصيحة والتأنيب والمبادرة والعجلة والإخبار بِالْحَال عِنْد الْحَاجة والشكوى
فالشيء الْوَاحِد تكون صورته وَاحِدَة وَهُوَ منقسم إِلَى مَحْمُود ومذموم كالفرح والحزن والأسف وَالْغَضَب والغيرة وَالْخُيَلَاء والطمع والتجمل والخشوع والحسد وَالْغِبْطَة والجرأة
стр. 227
والتحسر والحرص والتنافس وَإِظْهَار النِّعْمَة وَالْحلف والمسكنة والصمت والزهد والورع والتخلي وَالْعُزْلَة والأنفة وَالْحمية والغيبة وَفِي الحَدِيث أَن من الْغيرَة مَا يُحِبهَا الله وَمِنْهَا مَا يكرههُ فالغيرة فالتي يُحِبهَا الله الْغيرَة فِي ربية والتى يكرهها الْغيرَة فِي غير ربية وَإِن من الْخُيَلَاء مَا يُحِبهُ الله وَمِنْهَا مَا يكرههُ فالتى يحب الْخُيَلَاء فِي الْحَرْب وَفِي الصَّحِيح أَيْضا لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رجل آتَاهُ الله مَالا وسلطة على هَلَكته فِي الْحق وَرجل آتَاهُ الله الْحِكْمَة فَهُوَ يقْضِي بهَا وَيعلمهَا وَفِي الصَّحِيح أَيْضا أَن الله رَفِيق يحب الرِّفْق وَيُعْطِي على الرِّفْق مَالا يعْطى على العنف وَفِيه أَيْضا من أعْطى حَظه من الرِّفْق فقد أعْطى حَظه من الْخَيْر فالرفق شَيْء والتواني والكسل شَيْء فَإِن التواني يتثاقل عَن مصْلحَته بعد إمكانها فيتقاعد عَنْهَا والرفيق يتلطف فِي تَحْصِيلهَا بِحَسب الْإِمْكَان مَعَ المطاوعة وَكَذَلِكَ المداراة صفة مدح والمداهنة صفة ذمّ وَالْفرق بَينهمَا أَن المدارى يتلطف بِصَاحِبِهِ حَتَّى يسْتَخْرج مِنْهُ الْحق أَو يردهُ عَن الْبَاطِل والمداهن يتلطف بِهِ ليقره على باطله ويتركه على هَوَاهُ فالمداراة لأهل الْإِيمَان والمداهنة لأهل النِّفَاق وَقد ضرب لذَلِك مثل مُطَابق وَهُوَ حَال رجل بِهِ قرحَة قد آلمته فَجَاءَهُ الطَّبِيب المداوي الرفيق فتعرف حَالهَا ثمَّ أَخذ فِي تليينها حَتَّى إِذا نَضِجَتْ أَخذ فِي بطها بِرِفْق وسهولة حَتَّى أخرج مَا فِيهَا ثمَّ وضع على مَكَانهَا من الدَّوَاء والمرهم مَا يمْنَع فَسَاده وَيقطع مادته ثمَّ تَابع عَلَيْهَا بالمراهم الَّتِي تنْبت اللَّحْم ثمَّ يذر عَلَيْهَا بعد نَبَات اللَّحْم مَا ينشف رطوبتها ثمَّ يشد عَلَيْهَا الرِّبَاط وَلم يزل يُتَابع ذَلِك حَتَّى صلحت والمداهن قَالَ لصَاحِبهَا لَا بَأْس عَلَيْك مِنْهَا وَهَذِه لَا شَيْء فاسترها عَن الْعُيُوب بِخرقَة ثمَّ اله عَنْهَا فَلَا تزَال مدَّتهَا تقوى وتستحكم حَتَّى عظم فَسَادهَا وَهَذَا الْمثل أَيْضا مُطَابق كل الْمُطَابقَة لحَال النَّفس الأمارة مَعَ المطمئنة فَتَأَمّله فَإِذا كَانَت هَذِه حَال قرحَة بِقدر الحمصة فَكيف بسقم هاج من نفس أَمارَة بالسوء هِيَ مَعْدن الشَّهَوَات ومأوى كل فسق وَقد قارنها شَيْطَان فِي غَايَة الْمَكْر وَالْخداع يعدها ويمنيها ويسحرها بِجَمِيعِ أَنْوَاع السحر حَتَّى يخيل إِلَيْهَا النافع ضارا والضار نَافِعًا وَالْحسن قبيحا والقبيح جميلا وَهَذَا لعَمْرو الله من أعظم أَنْوَاع السحر وَلِهَذَا يَقُول سُبْحَانَهُ فَأنى تسحرون وَالَّذِي نسبوا إِلَيْهِ الرُّسُل من كَونهم مسحورين هُوَ الَّذِي أَصَابَهُم بِعَيْنِه وهم أَهله لَا رسل الله صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ كَمَا أَنهم نسبوهم إِلَى الضلال وَالْفساد فِي الأَرْض وَالْجُنُون والسفه وَمَا استعاذت الْأَنْبِيَاء وَالرسل وأمراء الْأُمَم بالاستعاذة من شَرّ النَّفس الأمارة وصاحبها وقرينها الشَّيْطَان إِلَّا لِأَنَّهُمَا أصل كل شَرّ وقاعدته ومنبعه وهما متساعدان عَلَيْهِ متعاونان
رضيعي لبان ثدى أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لَا ننفرق
стр. 228
قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِذا قَرَأت الْقُرْآن فاستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم﴾ وَقَالَ ﴿وَإِمَّا يَنْزغَنك من الشَّيْطَان نَزغ فاستعذ بِاللَّه إِنَّه سميع عليم﴾ وَقَالَ ﴿وَقل رب أعوذ بك من همزات الشَّيَاطِين وَأَعُوذ بك رب أَن يحْضرُون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل أعوذ بِرَبّ الفلق من شَرّ مَا خلق وَمن شَرّ غَاسِق إِذا وَقب وَمن شَرّ النفاثات فِي العقد وَمن شَرّ حَاسِد إِذا حسد﴾ فَهَذَا استعاذة من شَرّ النَّفس وَقَالَ ﴿قل أعوذ بِرَبّ النَّاس ملك النَّاس إِلَه النَّاس من شَرّ الوسواس الخناس الَّذِي يوسوس فِي صُدُور النَّاس من الْجنَّة وَالنَّاس﴾ فَهَذَا استعاذة من قرينها وصاحبها وَبئسَ القرين والصاحب فَأمر الله سُبْحَانَهُ نبيه وَأَتْبَاعه بالاستعاذة بربوبيته التَّامَّة الْكَامِلَة من هذَيْن الخلقين الْعَظِيم شَأْنهمَا فِي الشَّرّ وَالْفساد وَالْقلب بَين هذَيْن العدوين لَا يزَال شرهما يطرقه وينتابه وَأول مَا يدب فِيهِ السقم من النَّفس الأمارة من الشَّهْوَة وَمَا يتبعهَا من الْحبّ والحرص والطلب وَالْغَضَب ويتبعه من الْكبر والحسد وَالظُّلم والتسلط فَيعلم الطَّبِيب الغاش الخائن بمرضه فيعوده ويصف لَهُ أَنْوَاع السمُوم والمؤذيات ويخيل إِلَيْهِ بسحره أَن شفاءه فِيهَا ويتفق ضعف الْقلب بِالْمرضِ وَقُوَّة النَّفس الأمارة والشيطان وتتابع إمدادهما وَأَنه نقد حَاضر وَلَذَّة عاجلة والداعي إِلَيْهِ يَدْعُو من كل نَاحيَة والهوى ينفذ والشهوة تهون والتأسي بِالْأَكْثَرِ والتشبه بهم وَالرِّضَا بِأَن يُصِيبهُ مَا أَصَابَهُم فَكيف يستجيب مَعَ هَذِه القواطع وأضعافها لداعي الْإِيمَان ومنادي الْجنَّة إِلَّا من أمده الله بإمداد التَّوْفِيق وأيده برحمته وتولي حفظه وحمايته وَفتح بَصِيرَة قلبه فَرَأى سرعَة انْقِطَاع الدُّنْيَا وزوالها وَتَقَلُّبهَا بِأَهْلِهَا وفعلها بهم وَأَنَّهَا فِي الْحَيَاة الدائمة كغمس إِصْبَع فِي الْبَحْر بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ
فصل وَالْفرق بَين خشوع الْإِيمَان وخشوع النِّفَاق أَن خشوع الْإِيمَان هُوَ خشوع
الْقلب لله بالتعظيم والإجلال وَالْوَقار والمهابة وَالْحيَاء فينكسر الْقلب لله كسرة ملتئمة من الوجل والخجل وَالْحب وَالْحيَاء وشهود نعم الله وجناياته هُوَ فيخشع الْقلب لَا محَالة فيتبعه خشوع الْجَوَارِح وَأما خشوع النِّفَاق فيبدو على الْجَوَارِح تصنعا وتكلفا وَالْقلب غير خاشع وَكَانَ بعض الصَّحَابَة يَقُول أعوذ بِاللَّه من خشوع النِّفَاق قيل لَهُ وَمَا خشوع النِّفَاق قَالَ أَن يرى الْجَسَد خَاشِعًا وَالْقلب غير خاشع فالخاشع لله عبد قد خمدت نيران شَهْوَته وَسكن دخانها عَن صَدره فإنجلى الصَّدْر وأشرق فِيهِ نور العظمة فَمَاتَتْ شهوات النَّفس للخوف وَالْوَقار الَّذِي حشي بِهِ وخمدت الْجَوَارِح وتوقر الْقلب وَاطْمَأَنَّ إِلَى الله وَذكره بِالسَّكِينَةِ الَّتِي نزلت عَلَيْهِ من ربه فَصَارَ مخبتا لَهُ والمخبت المطمئن فَإِن الخبت من الأَرْض مَا اطْمَأَن فإستنقع فِيهِ المَاء فَكَذَلِك الْقلب المخبت قد خشع وَاطْمَأَنَّ كالبقعة المطمئنة من الأَرْض الَّتِي يجْرِي إِلَيْهَا المَاء فيستقر فِيهَا وعلامته
стр. 229
أَن يسْجد بَين يَدي ربه إجلالا وذلا وانكسارا بَين يَدَيْهِ سَجْدَة لَا يرفع رَأسه عَنْهَا حَتَّى يلقاه وَأما الْقلب المتكبر فَإِنَّهُ قد اهتز بتكبره وَربا فَهُوَ كبقعة رابية من الأَرْض لَا يسْتَقرّ عَلَيْهَا المَاء فَهَذَا خشوع الْإِيمَان
وَأما التماوت وخشوع النِّفَاق فَهُوَ حَال عِنْد تكلّف إسكان الْجَوَارِح تصنعا ومراءاة وَنَفسه فِي الْبَاطِن شَابة طرية ذَات شهوات وإرادات فَهُوَ يخشع فِي الظَّاهِر وحية الْوَادي وَأسد الغابة رابض بَين جَنْبَيْهِ ينْتَظر الفريسة
فصل وَأما شرف النَّفس فَهُوَ صيانتها عَن الدنايا والرذائل والمطامع الَّتِي
تقطع أَعْنَاق الرِّجَال فيربأ بِنَفسِهِ عَن أَن يلقيها فِي ذَلِك بِخِلَاف التيه فَإِنَّهُ خلق متولد بَين أَمريْن إعجابه بِنَفسِهِ وازدرائه بِغَيْرِهِ فيتولد من بَين هذَيْن التيه وَالْأول يتَوَلَّد من بَين خلقين كريمين إعزاز النَّفس وإكرامها وتعظيم مَالِكهَا وسيدها أَن يكون عَبده دنيا وضيعا خسيسا فيتولد من بَين هذَيْن الخلقين شرف النَّفس وصيانتها وأصل هَذَا كُله استعداد وتهيؤها وإمداد وَليهَا ومولاها لَهَا فَإِذا فقد الاستعداد والإمداد فقد الْخَيْر كُله
فصل وَكَذَلِكَ الْفرق بَين الحمية والجفاء فالحمية فطام النَّفس عَن رضَاع اللوم
من ثدي هُوَ مصب الْخَبَائِث والرذائل والدنايا وَلَو غزر لبنه وتهالك النَّاس عَلَيْهِ فَإِن لَهُم فطاما تَنْقَطِع مَعَه الأكباد حسرات فَلَا بُد من الْفِطَام فَإِن شِئْت عجل وَأَنت مَحْمُود مشكور وَإِن شِئْت أخر وَأَنت غير مأجور بِخِلَاف الْجفَاء فَإِنَّهُ غلظة فِي النَّفس وقساوة فِي الْقلب وكثافة فِي الطَّبْع يتَوَلَّد عَنْهَا خلق يُسمى الْجفَاء
فصل وَالْفرق بَين التَّوَاضُع والمهانة أَن التَّوَاضُع يتَوَلَّد من بَين الْعلم بِاللَّه
سُبْحَانَهُ وَمَعْرِفَة أَسْمَائِهِ وَصِفَاته ونعوت جَلَاله وتعظيمه ومحبته وإجلاله وَمن مَعْرفَته بِنَفسِهِ وتفاصيلها وعيوب عَملهَا وآفاتها فيتولد من بَين ذَلِك كُله خلق هُوَ التَّوَاضُع وَهُوَ انكسار الْقلب لله وخفض جنَاح الذل وَالرَّحْمَة بعباده فَلَا يرى لَهُ على أحد فضلا وَلَا يرى لَهُ عِنْد أحد حَقًا بل يرى الْفضل للنَّاس عَلَيْهِ والحقوق لَهُم قبله وَهَذَا خلق إِنَّمَا يُعْطِيهِ الله من يُحِبهُ ويكرمه ويقربه
стр. 230
وَأما المهانة فَهِيَ الدناءة والخسة وبذل النَّفس وابتذالها فِي نيل حظوظها وشهواتها كتواضع السّفل فِي نيل شهواتهم وتواضع الْمَفْعُول بِهِ للْفَاعِل وتواضع طَالب كل حَظّ لمن يَرْجُو نيل حَظه مِنْهُ فَهَذَا كُله ضعة لَا تواضع وَالله سُبْحَانَهُ يحب التَّوَاضُع وَيبغض الضعة والمهانة وَفِي الصَّحِيح عَنهُ وَأوحى إِلَى أَن تواضعوا حَتَّى لَا يفخر أحد على أحد وَلَا يَبْغِي أحد على أحد والتواضع الْمَحْمُود على نَوْعَيْنِ
النَّوْع الأول تواضع العَبْد عِنْد أَمر الله امتثالا وَعند نَهْيه اجتنابا فَإِن النَّفس لطلب الرَّاحَة تتلكأ فِي أمره فيبدو مِنْهَا نوع إباء وشراد هربا من الْعُبُودِيَّة وَتثبت عِنْد نَهْيه طلبا للظفر بِمَا منع مِنْهُ فَإِذا وضع العَبْد نَفسه لأمر الله وَنَهْيه فقد تواضع للعبودية
وَالنَّوْع الثَّانِي تواضعه لِعَظَمَة الرب وجلاله وخضوعه لعزته وكبريائه فَكلما شمخت نَفسه ذكر عَظمَة الرب تَعَالَى وتفرده بذلك وغضبه الشَّديد على من نازعه ذَلِك فتواضعت إِلَيْهِ نَفسه وانكسر لِعَظَمَة الله قلبه وَاطْمَأَنَّ لهيبته وأخبت لسلطانه فَهَذَا غَايَة التَّوَاضُع وَهُوَ يسْتَلْزم الأول من غير عكس والمتواضع حَقِيقَة من رزق الْأَمريْنِ وَالله الْمُسْتَعَان
فصل وَكَذَلِكَ الْقُوَّة فِي أَمر الله هِيَ من تَعْظِيمه وتعظيم أوامره وحقوقه حَتَّى
يقيمها الله والعلو فِي الأَرْض هُوَ من تَعْظِيم نَفسه وَطلب تفردها بالرياسة ونفاذ الْكَلِمَة سَوَاء عز أَمر الله أَو هان بل إِذا عَارضه أَمر الله وحقوقه ومرضاته فِي طلب علوه لم يلْتَفت إِلَى ذَلِك وأهدره وأماته فِي تَحْصِيل علوه
وَكَذَلِكَ الحمية لله وَالْحمية للنَّفس فَالْأولى يثيرها تَعْظِيم الْأَمر والآمر وَالثَّانيَِة يثيرها تَعْظِيم النَّفس وَالْغَضَب لفَوَات حظوظها فالحمية لله أَن يحمى قلبه لَهُ من تَعْظِيم حُقُوقه وَهِي حَال عبد قد أشرق على قلبه نور سُلْطَان الله فَامْتَلَأَ قلبه بذلك النُّور فَإِذا غضب فَإِنَّمَا يغْضب من أجل نور ذَلِك السُّلْطَان الَّذِي ألْقى على قلبه وَكَانَ رَسُول الله إِذا غضب احْمَرَّتْ وجنتاه وبدا بَين عَيْنَيْهِ عرق يدره الْغَضَب وَلم يقم لغضبه شَيْء حَتَّى ينْتَقم لله وروى زيد بن أسلم عَن أَبِيه أَن مُوسَى بن عمرَان كَانَ إِذا غضب اشتعلت قلنسوته نَارا وَهَذَا بِخِلَاف الحمية للنَّفس فَإِنَّهَا حرارة تهيج من نَفسه لفَوَات حظها أَو طلبه فَإِن الْفِتْنَة فِي النَّفس والفتنة هِيَ الْحَرِيق وَالنَّفس متلظية بِنَار الشَّهْوَة وَالْغَضَب فَإِنَّمَا هما حرارتان تظهران على الْأَركان حرارة من قبل النَّفس المطمئنة أثارها تَعْظِيم حق الله وحرارة من قبل النَّفس الأمارة أثارها استشعار فَوت الْحَظ
стр. 231
فصل وَالْفرق بَين الْجُود والسرف أَن الْجواد حَكِيم يضع الْعَطاء موَاضعه
والمسرف مبذر وَقد يُصَادف عطاؤه مَوْضِعه وَكَثِيرًا لَا يصادفه وإيضاح ذَلِك أَن الله سُبْحَانَهُ بِحِكْمَتِهِ جعل فِي المَال حقوقا وَهِي نَوْعَانِ حُقُوق موظفة وَحُقُوق ثَانِيَة فالحقوق الموظفة كَالزَّكَاةِ والنفقات الْوَاجِبَة على من تلْزمهُ نَفَقَته
وَالثَّانيَِة كحق الضَّيْف ومكافأة المهدى وَمَا وقى بِهِ عرضه وَنَحْو ذَلِك فالجواد يتوخى بِمَالِه أَدَاء هَذِه الْحُقُوق على وَجه الْكَمَال طيبَة بذلك نَفسه راضية مؤملة للخلف فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَاب فِي العقبى فَهُوَ يخرج ذَلِك بسماحة قلب وسخاوة نفس وانشراح صدر بِخِلَاف المبذر فَإِنَّهُ يبسط يَده فِي مَاله بِحكم هَوَاهُ وشهوته جزَافا لَا على تَقْدِير وَلَا مُرَاعَاة مصلحَة وَإِن اتّفقت لَهُ فَالْأول بِمَنْزِلَة من بذر حَبَّة فِي الأَرْض تنْبت وتوخى ببذره مَوَاضِع الْمغل والإنبات فَهَذَا لَا يعد مبذرا وَلَا سَفِيها وَالثَّانِي بِمَنْزِلَة من بذر حَبَّة فِي سباخ وعزاز من الأَرْض وَإِن اتّفق بذره فِي مَحل النَّبَات بذر بذرا متراكما بعضه على بعض فَلذَلِك الْمَكَان الْبذر فِيهِ ضائع معطل وَهَذَا الْمَكَان بذر بذرا متراكما بعضه على بعض فَلذَلِك يحْتَاج أَن يقْلع بعض زرعه ليصلح الْبَاقِي وَلِئَلَّا تضعف الأَرْض عَن تَرْبِيَته وَالله سُبْحَانَهُ هُوَ الْجواد على الْإِطْلَاق بل كل جود فِي الْعَالم الْعلوِي والسفلي بِالنِّسْبَةِ إِلَى جوده أقل من قَطْرَة فِي بحار الدُّنْيَا وَهِي من جوده وَمَعَ هَذَا فَإِنَّمَا ينزل بِقدر مَا يَشَاء وجوده لَا يُنَاقض حكمته وَيَضَع عطاءه موَاضعه وَإِن خَفِي على أَكثر النَّاس أَن تِلْكَ موَاضعه فَالله يعلم حَيْثُ يضع فَضله وَأي الْمحَال أولى بِهِ
فصل وَالْفرق بَين المهابة وَالْكبر أَن المهابة أثر من آثَار امتلاء الْقلب
يعظمه الله ومحبته وإجلاله فَإِذا امْتَلَأَ الْقلب بذلك حل فِيهِ النُّور وَنزلت عَلَيْهِ السكينَة وألبس رِدَاء الهيبة فأكتسى وَجهه الْحَلَاوَة والمهابة فَأخذ بِمَجَامِع الْقُلُوب محبَّة ومهابة فحنت إِلَيْهِ الأفئدة وقرت بِهِ الْعُيُون وأنست بِهِ الْقُلُوب فَكَلَامه نور ومدخله نور ومخرجه نور وَعَمله نور وَإِن سكت علاهُ الْوَقار وَإِن تكلم أَخذ بالقلوب والأسماع
وَأما الْكبر فأثر من آثَار الْعجب وَالْبَغي من قلب قد امْتَلَأَ بِالْجَهْلِ وَالظُّلم ترحلت مِنْهُ الْعُبُودِيَّة وَنزل عَلَيْهِ المقت فنظره إِلَى النَّاس شزر ومشيه بَينهم تبختر ومعاملته لَهُم مُعَاملَة الاستئثار لَا الإيثار وَلَا الْإِنْصَاف ذَاهِب بِنَفسِهِ تيها لَا يبْدَأ من لقِيه بِالسَّلَامِ وَإِن رد عَلَيْهِ
стр. 232
رأى أَنه قد بَالغ فِي الإنعام عَلَيْهِ لَا ينْطَلق لَهُم وَجهه وَلَا يسعهم خلقه وَلَا يرى لأحد عَلَيْهِ حَقًا وَيرى حُقُوقه على النَّاس وَلَا يرى فَضلهمْ عَلَيْهِ وَيرى فَضله لَا يزْدَاد من الله إِلَّا بعدا وَمن النَّاس إِلَّا صغَارًا أَو بغضا
فصل وَالْفرق بَين الصيانة والتكبر أَن الصائن لنَفسِهِ بِمَنْزِلَة رجل قد لبس
ثوبا جَدِيدا نفى الْبيَاض ذَا ثمن فَهُوَ يدْخل بِهِ على الْمُلُوك فَمن دونهم فَهُوَ يصونه عَن الْوَسخ وَالْغُبَار والطبوع وأنواع الْآثَار إبْقَاء على بياضه ونقائه فتراه صَاحب تعزز وهروب من الْمَوَاضِع الَّتِي يخْشَى مِنْهَا عَلَيْهِ التلوث فَلَا يسمح بأثر وَلَا طبع وَلَا لوث يَعْلُو ثَوْبه وَإِن أَصَابَهُ شَيْء من ذَلِك على غرَّة بَادر إِلَى قلعة وإزالته ومحو أَثَره وَهَكَذَا الصائن لِقَلْبِهِ وَدينه ترَاهُ يجْتَنب طبوع الذُّنُوب وآثارها فَإِن لَهَا فِي الْقلب طبوعا وآثارا أعظم من الطبوع الْفَاحِشَة فِي الثَّوْب النقي للبياض وَلَكِن على الْعُيُون غشاوة أَن تدْرك تِلْكَ الطبوع فتراه يهرب من مظان التلوث ويحترس من الْخلق ويتباعد من تخالطهم مَخَافَة أَن يحصل لِقَلْبِهِ مَا يحصل للثوب الَّذِي يخالط الدباغين والذباحين والطباخين وَنَحْوهم
يخلاف صَاحب الْعُلُوّ فَإِنَّهُ وَإِن شابه هَذَا فِي تحرزه وتجنبه فَهُوَ يقْصد أَنِّي علو رقابهم ويجعلهم تَحت قدمه فَهَذَا لون وَذَاكَ لون
فصل وَالْفرق بَين الشجَاعَة والجرأة أَن الشجَاعَة من الْقلب وَهِي ثباته
واستقراره عِنْد المخاوف وَهُوَ خلق يتَوَلَّد من الصَّبْر وَحسن الظَّن فَإِنَّهُ مَتى ظن الظفر وساعده الصَّبْر ثَبت كَمَا أَن الْجُبْن يتَوَلَّد من سوء الظَّن وَعدم الصَّبْر فَلَا يظنّ الظفر وَلَا يساعده الصَّبْر وأصل الْجُبْن من سوء الظَّن ووسوسة النَّفس بالسوء وَهُوَ ينشأ من الرئة فَإِذا سَاءَ الظَّن ووسوست النَّفس بالسوء انتفخت الرئة فزاحمت الْقلب فِي مَكَانَهُ وضيقت عَلَيْهِ حَتَّى أزعجته عَن مستقره فَأَصَابَهُ الزلازل وَالِاضْطِرَاب لإزعاج الرئة لَهُ وتضييقها عَلَيْهِ وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمد وَغَيره عَن النَّبِي شَرّ مَا فِي الْمَرْء جبن خَالع وشح هَالِع فَسمى الْجُبْن خالعا لِأَنَّهُ يخلع الْقلب عَن مَكَانَهُ لانتفاخ السحر وَهُوَ الرئة كَمَا قلا أَبُو جهل لعتبة بن ربيعَة يَوْم بدر انتفخ سحرك فَإِذا زَالَ الْقلب عَن مَكَانَهُ ضَاعَ تَدْبِير الْعقل فَظهر الْفساد على الْجَوَارِح فَوضعت الْأُمُور على غير موَاضعهَا فالشجاعة حرارة الْقلب وغضبه وقيامه وانتصابه وثباته فَإِذا رَأَتْهُ الْأَعْضَاء كَذَلِك أعانته فَإِنَّهَا خدم لَهُ وجنود كَمَا أَنه إِذا ولى ولت سَائِر جُنُوده
стр. 233
وَأما الجرأة فَهِيَ إقدام سَببه قلَّة المبالاة وَعدم النّظر فِي الْعَاقِبَة بل تقدم النَّفس فِي غير مَوضِع الْإِقْدَام معرضة عَن مُلَاحظَة الْعَارِض فإمَّا عَلَيْهَا وَإِمَّا لَهَا
فصل وَأما الْفرق بَين الحزم والجبن فالحازم هُوَ الَّذِي قد جمع عَلَيْهِ همه
وإرادته وعقله وَوزن الْأُمُور بَعْضهَا بِبَعْض فأعد لكل مِنْهَا قرنة وَلَفْظَة الحزم تدل على الْقُوَّة وَالْإِجْمَاع وَمِنْه حزمة الْحَطب فحازم الرَّأْي هُوَ الَّذِي اجْتمعت لَهُ شئون رَأْيه وَعرف مِنْهَا خير الخيرين وَشر الشرين فأحجم فِي مَوضِع الإحجام رَأيا وعقلا لَا جبنا وَلَا ضعفا
الْعَاجِز الرَّأْي مضياع لفرصته ... حَتَّى إِذا فَاتَ أَمر عَاتب القدرا
فصل وَأما الْفرق بَين الاقتصاد وَالشح أَن الاقتصاد خلق مَحْمُود يتَوَلَّد من
خلقين عدل وَحِكْمَة فبالعدل يعتدل فِي الْمَنْع والبذل وبالحكمة يضع كل وَاحِد مِنْهُمَا مَوْضِعه الَّذِي يَلِيق بِهِ فيتولد من بَينهمَا الاقتصاد وَهُوَ وسط بَين طرفين مذمومين كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تجْعَل يدك مغلولة إِلَى عُنُقك وَلَا تبسطها كل الْبسط فتقعد ملوما محسورا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين إِذا أَنْفقُوا لم يُسْرِفُوا وَلم يقترُوا وَكَانَ بَين ذَلِك قواما﴾ وَقَالَ تَعَالَى كلوا وَاشْرَبُوا وَلَا تسرفوا
وَأما الشُّح فَهُوَ خلق ذميم يتَوَلَّد من سوء الظَّن وَضعف النَّفس ويمده وعد الشَّيْطَان حَتَّى يصير هلعا والهلع شدَّة الْحِرْص على الشَّيْء والشره بِهِ فتولد عَنهُ الْمَنْع لبذله والجزع لفقده كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الْإِنْسَان خلق هلوعا إِذا مَسّه الشَّرّ جزوعا وَإِذا مَسّه الْخَيْر منوعا﴾
فصل وَالْفرق بَين الِاحْتِرَاز وَسُوء الظَّن أَن المحترز بِمَنْزِلَة رجل قد خرج
بِمَالِه ومركوبه مُسَافِرًا فَهُوَ يحْتَرز بِجهْدِهِ من كل قَاطع للطريق وكل مَكَان يتَوَقَّع مِنْهُ الشَّرّ وَكَذَلِكَ يكون مَعَ التأهب والاستعداد وَأخذ الْأَسْبَاب الَّتِي بهَا ينجو من الْمَكْرُوه فالمحترز كالمتسلح المتطوع الَّذِي قد تأهب للقاء عدوه وَأعد لَهُ عدته فهمه فِي تهيئة أَسبَاب النجَاة ومحاربة عدوه قد أشغلته عَن سوء الظَّن بِهِ وَكلما سَاءَ بِهِ الظَّن أَخذ فِي أَنْوَاع الْعدة وَالتَّأَهُّب
стр. 234
وَأما سوء الظَّن فَهُوَ امتلاء قلبه بالظنون السَّيئَة بِالنَّاسِ حَتَّى يطفح على لِسَانه وجوارحه فهم مَعَه أبدا فِي الْهَمْز واللمز والطعن وَالْعَيْب والبغض ببغضهم ويبغضونه ويلعنهم ويلعنونه ويحذرهم ويحذرون مِنْهُ فَالْأول يخالطهم ويحترز مِنْهُم وَالثَّانِي يتجنبهم ويلحقه أذاهم الأول دَاخل فيهم بِالنَّصِيحَةِ وَالْإِحْسَان مَعَ الِاحْتِرَاز وَالثَّانِي خَارج مِنْهُم مَعَ الْغِشّ والدغل والبغض
فصل وَالْفرق بَين الفراسة وَالظَّن أَن الظَّن يخطىء ويصيب وَهُوَ يكون مَعَ ظلمَة
الْقلب ونوره وطهارته ونجاسته وَلِهَذَا أَمر تَعَالَى باجتناب كثير مِنْهُ وَأخْبر أَن بعضه إِثْم
وَأما الفراسة فَأثْنى على أَهلهَا ومدحهم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات للمتوسمين﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ وَغَيره أَي للمتفرسين وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَحْسبهُم الْجَاهِل أَغْنِيَاء من التعفف تعرفهم بِسِيمَاهُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى وَلَو نشَاء لأريناهم فَلَعَرَفْتهمْ بِسِيمَاهُمْ ولتعرفنهم فِي لحن القَوْل فالفراسة الصادقة لقلب قد تطهر وتصفى وتنزه من الأدناس وَقرب من الله فَهُوَ ينظر بِنور الله الَّذِي جعله فِي قلبه وَفِي التِّرْمِذِيّ وَغَيره من حَدِيث أبي سعيد قَالَ قَالَ رَسُول الله اتَّقوا فراسة الْمُؤمن فَإِنَّهُ ينظر بِنور الله وَهَذِه الفراسة نشأت لَهُ من قربه من الله فَإِن الْقلب إِذا قرب من الله انْقَطَعت عَنهُ معارضات السوء الْمَانِعَة من معرفَة الْحق وإدراكه وَكَانَ تلقيه من مشكاة قريبَة من الله بِحَسب قربه مِنْهُ وأضاء لَهُ النُّور بِقدر قربه فَرَأى فِي ذَلِك النُّور مَا لم يره الْبعيد والمحجوب كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي فِيمَا يرْوى عَن ربه أَنه قَالَ مَا تقرب إِلَى عَبدِي بِمثل مَا افترضت عَلَيْهِ وَلَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَى بالنوافل حَتَّى أحبه فَإِذا أحببته كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ وبصره الَّذِي يبصر بِهِ وَيَده الَّتِي يبطش بهَا وَرجله الَّتِي يمشي بهَا فِي يسمع وَبِي يبصر وَبِي يبطش وَبِي يمشي فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن تقرب عَبده مِنْهُ يفِيدهُ محبته لَهُ فَإِذا أحبه قرب من سَمعه وبصره وَيَده وَرجله فَسمع بِهِ وَأبْصر بِهِ وبطش بِهِ وَمَشى بِهِ فَصَارَ قلبه كالمرآة الصافية تبدو فِيهَا صور الْحَقَائِق على مَا هِيَ عَلَيْهِ فَلَا تكَاد تخطىء لَهُ فراسة فَإِن العَبْد إِذا أبْصر بِاللَّه أبْصر الْأَمر على مَا هُوَ عَلَيْهِ فَإِذا سمع بِاللَّه سَمعه على مَا هُوَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا من علم الْغَيْب بل علام الغيوب قذف الْحق فِي قلب قريب مُسْتَبْشِرٍ بنوره غير مَشْغُول بنقوش الأباطيل والخيالات والوساوس الَّتِي تَمنعهُ من حُصُول صورا الْحَقَائِق فِيهِ وَإِذا غلب على الْقلب النُّور فاض على الْأَركان وبادر من الْقلب إِلَى الْعين فكشف بِعَين بَصَره بِحَسب ذَلِك النُّور وَقد كَانَ رَسُول الله يرى أَصْحَابه فِي الصَّلَاة وهم خَلفه كَمَا يراهم أَمَامه وَرَأى بَيت الْمُقَدّس عيَانًا وَهُوَ
стр. 235
بِمَكَّة وَرَأى قُصُور الشَّام وأبواب صنعاء وَمَدَائِن كسْرَى وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ يحْفر الخَنْدَق وَرَأى أمراءه بمؤتة وَقد أصيبوا وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ وَرَأى النَّجَاشِيّ بِالْحَبَشَةِ لما مَاتَ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ فَخرج إِلَى المصل فصلى عَلَيْهِ وَرَأى عمر سَارِيَة بنهاوند من أَرض فَارس هُوَ وعساكر الْمُسلمين وهم يُقَاتلُون عدوهم فناداه يَا سَارِيَة الْجَبَل وَدخل عَلَيْهِ نفر من مذْحج فيهم الأشتر النَّخعِيّ فَصَعدَ فِيهِ الْبَصَر وَصَوَّبَهُ وَقَالَ أَيهمْ هَذَا قَالُوا مَالك بن الْحَارِث فَقَالَ مَاله قَاتله الله إِنِّي لأرى للْمُسلمين مِنْهُ يَوْمًا عصيبا
وَدخل عَمْرو بن عبيد على الْحسن فَقَالَ هَذَا سيد الفتيان إِن لم يحدث وَقيل أَن الشَّافِعِي وَمُحَمّد بن الْحسن جلسا فِي الْمَسْجِد الْحَرَام فَدخل رجل فَقَالَ مُحَمَّد أتفرس أَنه نجار فَقَالَ الشَّافِعِي أتفرس أَنه حداد فَسَأَلَاهُ فَقَالَ كنت حدادا وَأَنا الْيَوْم أنجر وَدخل أَبُو الْحسن البوشنجي وَالْحسن الْحداد على أبي الْقَاسِم المناوى يعودانه فاشتريا فِي طريقهما بِنصْف دِرْهَم تفاحا نَسِيئَة فَلَمَّا دخلا عَلَيْهِ قَالَ مَا هَذِه الظلمَة فَخَرَجَا وَقَالا مَا علمنَا لَعَلَّ هَذَا من قبل مِمَّن التفاح فأعطيا الثّمن ثمَّ عادا إِلَيْهِ وَوَقع بَصَره عَلَيْهِمَا فَقَالَ يُمكن الْإِنْسَان أَن يخرج من الظلمَة بِهَذِهِ السرعة أخبراني عَن شأنكما فَأَخْبَرَاهُ بالقصة فَقَالَ نعم كَانَ كل وَاحِد مِنْكُمَا يعْتَمد على صَاحبه فِي إِعْطَاء الثّمن وَالرجل مستح مِنْكُمَا فِي التقاضي وَكَانَ بَين زَكَرِيَّا النخشي وَبَين امْرَأَة سَبَب قبل تَوْبَته فَكَانَ يَوْمًا وَاقِفًا على رَأس أبي عُثْمَان الخيري فتفكر فِي شَأْنهَا فَرفع أَبُو عُثْمَان إِلَيْهِ رَأسه وَقَالَ أَلا تَسْتَحي وَكَانَ شاه الْكرْمَانِي جيد الفراسة لَا نخطىء فراسته وَكَانَ يَقُول من غض بَصَره عَن الْمَحَارِم وَأمْسك نَفسه عَن الشَّهَوَات وَعمر بَاطِنه بدوام المراقبة وظاهرة بإتباع السّنة وتعود أكل الْحَلَال لم تخطىء فراسته وَكَانَ شَاب يصحب الْجُنَيْد يتَكَلَّم على الخواطر فَذكر للجنيد فَقَالَ إيش هَذَا الَّذِي ذكر لي عَنْك فَقَالَ لَهُ اعْتقد شَيْئا فَقَالَ لَهُ الْجُنَيْد اعتقدت فَقَالَ الشَّاب اعتقدت كَذَا وَكَذَا فَقَالَ الْجُنَيْد لَا فَقَالَ فأعتقد ثَانِيًا قَالَ اعتقدت فَقَالَ الشَّاب اعتقدت كَذَا وَكَذَا فَقَالَ الْجُنَيْد لَا قَالَ فَاعْتقد ثَالِثا قَالَ اعتقدت قَالَ الشَّاب هُوَ كَذَا وَكَذَا قَالَ لَا فَقَالَ الشَّاب هَذَا عجب وَأَنت صَدُوق وَأَنا أعرف قلبِي فَقَالَ الْجُنَيْد صدقت فِي الأولى وَالثَّانيَِة وَالثَّالِثَة لَكِن أردْت أَن أمتحنك هَل يتَغَيَّر قَلْبك وَقَالَ أَبُو سعيد الخراز دخلت الْمَسْجِد الْحَرَام فَدخل فَقير عَلَيْهِ خرقتان يسْأَل شَيْئا فَقلت فِي نَفسِي مثل هَذَا كل على النَّاس فَنظر إِلَى وَقَالَ اعلموا أَن الله يعلم مَا فِي أَنفسكُم فَاحْذَرُوهُ قَالَ فأستغفرت فِي سري فناداني وَقَالَ ﴿وَهُوَ الَّذِي يقبل التَّوْبَة عَن عباده﴾ وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْخَواص كنت فِي الْجَامِع فَأقبل شَاب طيب الرَّائِحَة حسن الْوَجْه حسن
стр. 236
الْحُرْمَة فَقلت لِأَصْحَابِنَا يَقع لي أَنه يَهُودِيّ فكلهم كره ذَلِك فَخرجت وَخرج الشَّاب ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِم فَقَالَ إيش قَالَ الشَّيْخ فأحتشموه فألح عَلَيْهِم فَقَالُوا قَالَ إِنَّك يَهُودِيّ فجَاء فأكب على يَدي فَأسلم فَقلت مَا السَّبَب فَقَالَ نجد فِي كتَابنَا أَن الصّديق لَا تخطىء فراسته فَقلت امتحن الْمُسلمين فتأملتهم فَقلت إِن كَانَ فيهم صديق فَفِي هَذِه الطَّائِفَة فَلبِست عَلَيْكُم فَلَمَّا اطلع هَذَا الشَّيْخ على وتفرسني علمت أَنه صديق وَهَذَا عُثْمَان بن عَفَّان دخل عَلَيْهِ رجل من الصَّحَابَة وَقد رأى امْرَأَة فِي الطَّرِيق فَتَأمل محاسنها فَقَالَ لَهُ عُثْمَان يدْخل على أحدكُم واثر الزِّنَا ظَاهر على عَيْنَيْهِ فَقلت أوحى بعد رَسُول الله فَقَالَ لَا وَلَكِن تبصرة وبرهان وفراسة صَادِقَة
فَهَذَا شَأْن الفراسة وَهِي نور يقذفه الله فِي الْقلب فيخطر لَهُ الشَّيْء فَيكون كَمَا خطر لَهُ وَينفذ إِلَى الْعين فَيرى مَالا يرَاهُ غَيرهَا
فصل وَالْفرق بَين النَّصِيحَة والغيبة أَن النَّصِيحَة يكون الْقَصْد فِيهَا تحذير
الْمُسلم من مُبْتَدع أَو فتان أَو غاش أَو مُفسد فَتذكر مَا فِيهِ إِذا استشارك فِي صحبته ومعاملته والتعلق بِهِ كَمَا قَالَ النَّبِي لفاطمة بنت قيس وَقد استشارته فِي نِكَاح مُعَاوِيَة وَأبي جهم فَقَالَ أما مُعَاوِيَة فصعلوك وَأما أَبُو جهم فَلَا يضع عَصَاهُ عَن عَاتِقه وَقَالَ بعض أَصْحَابه لمن سَافر مَعَه إِذا هَبَطت عَن بِلَاد قومه فأحذروه
فَإِذا وَقعت الْغَيْبَة على وَجه النَّصِيحَة لله وَرَسُوله وعباده الْمُسلمين فَهِيَ قربَة إِلَى الله من جملَة الْحَسَنَات وَإِذا وَقعت على وَجه ذمّ أَخِيك وتمزيق عرضه والتفكه بِلَحْمِهِ والغض مِنْهُ لتَضَع مَنْزِلَته من قُلُوب النَّاس فَهِيَ الدَّاء العضال ونار الْحَسَنَات الَّتِي تأكلها كَمَا تَأْكُل النَّار الْحَطب
فصل وَالْفرق بَين الْهَدِيَّة والرشوة وَإِن اشتبها فِي الصُّورَة الْقَصْد فَإِن الراشي
قَصده بالرشوة التَّوَصُّل إِلَى إبِْطَال حق أَو تَحْقِيق بَاطِل فَهَذَا الراشي الملعون على لِسَان رَسُول الله فَإِن رشا لدفع الظُّلم عَن نَفسه اخْتصَّ المرتشي وَحده باللعنة
وَأما المهدى فقصده استجلاب الْمَوَدَّة والمعرفة وَالْإِحْسَان فَإِن قصد الْمُكَافَأَة فَهُوَ معاوض وَإِن قصد الرِّبْح فَهُوَ مستكثر
стр. 237
فصل وَالْفرق بَين الصَّبْر وَالْقَسْوَة أَن الصَّبْر خلق كسبى يتخلق بِهِ العَبْد وَهُوَ
حبس النَّفس عَن الْجزع والهلع والتشكي فَيحْبس النَّفس عَن التسخط وَاللِّسَان عَن الشكوى والجوراح عَمَّا لَا يَنْبَغِي فعله وَهُوَ ثبات الْقلب على الْأَحْكَام الْقَدَرِيَّة والشرعية
وَأما الْقَسْوَة فيبس فِي الْقلب يمنعهُ من الانفعال وغلظة تَمنعهُ من التَّأْثِير بالنوازل فَلَا يتأثر لغلظته وقساوته لَا لِصَبْرِهِ واحتماله
وَتَحْقِيق هَذَا أَن الْقُلُوب ثَلَاثَة
قلب قَاس غليظ بِمَنْزِلَة الْيَد الْيَابِسَة وقلب مَائِع رَقِيق جدا
فَالْأول لَا ينفعل بِمَنْزِلَة للحجر وَالثَّانِي بِمَنْزِلَة المَاء وَكِلَاهُمَا نَاقص وَأَصَح الْقُلُوب الْقلب الرَّقِيق الصافي الصلب فَهُوَ يرى الْحق من الْبَاطِل بصفائه وبقلبه ويؤثره برقته ويحفظه ويحارب عدوه بصلابته وَفِي الْأَثر الْقُلُوب آنِية الله فِي أرضه فأحبها إِلَيْهِ أرقها وأصلبها وأصفاها وَهَذَا الْقلب الزجاجي فَإِن الزجاجة جمعت الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة وابغض الْقُلُوب إِلَى الله الْقلب القاسي قَالَ تَعَالَى ﴿فويل للقاسية قُلُوبهم من ذكر الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ قست قُلُوبكُمْ من بعد ذَلِك فَهِيَ كالحجارة أَو أَشد قسوة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ليجعل مَا يلقِي الشَّيْطَان فتْنَة للَّذين فِي قُلُوبهم مرض والقاسية قُلُوبهم﴾ فَذكر القلبين المنحرفين عَن الِاعْتِدَال هَذَا بمرضه وَهَذَا بقسوته وَجعل إِلْقَاء الشَّيْطَان فتْنَة لأَصْحَاب هذَيْن القلبين وَرَحْمَة لأَصْحَاب الْقلب الثَّالِث وَهُوَ الْقلب الصافي الَّذِي ميز بَين إِلْقَاء الشَّيْطَان وإلقاء الْملك بصفائه وَقبل الْحق بإخباته ورقته وَحَارب النُّفُوس المبطلة بصلابته وقوته فَقَالَ تَعَالَى عقيب ذَلِك وليعلم الَّذين أُوتُوا الْعلم أَنه الْحق من رَبك فيؤمنوا بِهِ فتخبت لَهُ قُلُوبهم وَإِن الله لهادي الَّذين آمنُوا إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم
فصل وَالْفرق بَين الْعَفو والذل أَن الْعَفو إِسْقَاط حَقك جودا وكرما وإحسانا مَعَ
قدرتك على الانتقام فتؤثر التّرْك رَغْبَة فِي الْإِحْسَان وَمَكَارِم الْأَخْلَاق بِخِلَاف الذل فَإِن صَاحبه يتْرك
стр. 238
الانتقام عَجزا وخوفا ومهانة نفس فَهَذَا مَذْمُوم غير مَحْمُود وَلَعَلَّ المنتقم بِالْحَقِّ أحسن حَالا مِنْهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين إِذا أَصَابَهُم الْبَغي هم ينتصرون﴾
فمدحهم بقوتهم على الِانْتِصَار لنفوسهم وتقاضيهم مِنْهَا ذَلِك حَتَّى إِذا قدرُوا على من بغى عَلَيْهِم وتمكنوا من اسْتِيفَاء مَالهم عَلَيْهِ ندبهم إِلَى الْخلق الشريف من الْعَفو والصفح فَقَالَ ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا فَمن عَفا وَأصْلح فَأَجره على الله إِنَّه لَا يحب الظَّالِمين﴾ فَذكر المقامات الثَّلَاثَة الْعدْل وأباحه وَالْفضل وَندب إِلَيْهِ وَالظُّلم وَحرمه
فَإِن قيل فَكيف مدحهم على الِانْتِصَار وَالْعَفو وهما متنافيان
قيل لم يمدحهم على الِاسْتِيفَاء والانتقام وَإِنَّمَا مدحهم على الِانْتِصَار وَهُوَ الْقُدْرَة وَالْقُوَّة على اسْتِيفَاء حَقهم فَلَمَّا قدرُوا ندبهم إِلَى الْعَفو قَالَ بعض السّلف فِي هَذِه الْآيَة كَانُوا يكْرهُونَ أَن يستذلوا فَإِذا قدرُوا عفوا فمدحهم على عَفْو بعد قدرَة لَا على عَفْو ذل وَعجز ومهانة وَهَذَا هُوَ الْكَمَال الَّذِي مدح سُبْحَانَهُ بِهِ نَفسه فِي قَوْله وَكَانَ الله عفوا قَدِيرًا ﴿وَالله غَفُور رَحِيم﴾ وَفِي أثر مَعْرُوف حَملَة الْعَرْش أَرْبَعَة إثنان يَقُولَانِ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبنَا وَبِحَمْدِك لَك الْحَمد على حلمك بعد علمك وَاثْنَانِ يَقُولَانِ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبنَا وَبِحَمْدِك لَك الْحَمد على عفوك بعد قدرتك وَلِهَذَا قَالَ الْمَسِيح صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ ﴿إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي أَن غفرت لَهُم غفرت عَن عزة وَهِي كَمَال الْقُدْرَة وَحِكْمَة وَهِي كَمَال الْعلم فغفرت بعد أَن علمت مَا عمِلُوا وأحاطت بهم قدرتك إِذْ الْمَخْلُوق قد يغْفر بعجزه عَن الانتقام وجهله بِحَقِيقَة مَا صدر من الْمُسِيء وَالْعَفو من الْمَخْلُوق ظَاهره ضيم وذل وباطنه عز ومهانة وانتقام ظَاهره عز وباطنه ذل فَمَا زَاد الله بِعَفْو إِلَّا عزا لَا انتقم أحد لنَفسِهِ إِلَّا ذل وَلَو لم يكن إِلَّا بِفَوَات عز الْعَفو وَلِهَذَا مَا انتقم رَسُول الله لنَفسِهِ قطّ وَتَأمل قَوْله سُبْحَانَهُ وهم ينتصرون كَيفَ يفهم مِنْهُ أَن فيهم من الْقُوَّة مَا يكونُونَ هم بهَا المنتصرين لأَنْفُسِهِمْ لَا أَن غَيرهم هُوَ الَّذِي ينصرهم وَلما كَانَ الِانْتِصَار لَا تقف النُّفُوس فِيهِ على حد الْعدْل غَالِبا بل لَا بُد من الْمُجَاوزَة شرع فِيهِ سُبْحَانَهُ الْمُمَاثلَة والمساواة وَحرم الزِّيَادَة وَندب إِلَى الْعَفو
وَالْمَقْصُود أَن الْعَفو من أَخْلَاق النَّفس المطمئنة والذل من أَخْلَاق الْإِمَارَة ونكتة الْمَسْأَلَة أَن الانتقام شَيْء والانتصار شَيْء فالانتصار أَن ينتصر لحق الله وَمن أَجله وَلَا يقوى على ذَلِك إِلَّا من تخلص من ذل حَظه ورق هَوَاهُ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ ينَال حظا من الْعِزّ الَّذِي قسم الله الْمُؤمنِينَ فَإِذا بغى عَلَيْهِ انتصر من الْبَاغِي من أجل عز الله الَّذِي أعزه بِهِ غيرَة على ذَلِك الْعِزّ
стр. 239
أَن يستضام ويقهر وحمية للْعَبد الْمَنْسُوب إِلَى الْعَزِيز الحميد أَن يستذل فَهُوَ يُقَال للباغي عَلَيْهِ أَنا مَمْلُوك من لَا يذل مَمْلُوكه وَلَا يحب أَن يذله أحد وَإِذا كَانَت نَفسه الأمارة قَائِمَة على أُصُولهَا لم تحب بعد طلبه إِلَّا الانتقام والانتصار لحظها وظفرها بالباغي تشفيا فِيهِ وإذلالا لَهُ وَأما النَّفس الَّتِي خرجت من ذل حظها ورق هَواهَا إِلَى عز توحيدها وإنابتها إِلَى رَبهَا فَإِذا نالها الْبَغي قَامَت بالانتصار حمية ونصرة للعز الَّذِي أعزها الله بِهِ ونالته مِنْهُ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة حمية لِرَبِّهَا ومولاها وَقد ضرب لذَلِك مثلا بعبدين من عبيد الْغلَّة حراثين ضرب أَحدهمَا صَاحبه فنفا الْمَضْرُوب عَن الضَّارِب نصحا مِنْهُ لسَيِّده وشفقة على الضَّارِب أَنِّي عاقبه السَّيِّد فَلم يجشم سَيّده خلقه عُقُوبَته وإفساده بِالضَّرْبِ فَشكر الْعَافِي على عَفوه وَوَقع مِنْهُ بموقع وَعبد آخر قد أَقَامَهُ بَين يَدَيْهِ وجمله وَألبسهُ ثيابًا يقف بهَا بَين يَدَيْهِ فَعمد بعض سواس الدَّوَابّ وأضرابهم ولطخ تِلْكَ الثِّيَاب بالعذرة أَو مزقها فَلَو عَفا عَمَّن فعل بِهِ ذَلِك لم يُوَافق عَفوه رأى سَيّده وَلَا محبته وَكَانَ الِانْتِصَار أحب إِلَيْهِ وَوَافَقَ لمرضاته كَأَنَّهُ يَقُول إِنَّمَا فعل هَذَا بك جرْأَة عَليّ واستخفافا بسلطاني فَإِذا أمكنه من عُقُوبَته فأذله وقهره وَلم يبْق إِلَّا أَن يبطش بِهِ فذل وانكسر قلبه فَإِن سَيّده يحب مِنْهُ أَن لَا يُعَاقِبهُ لَحْظَة وَأَن يَأْخُذ مِنْهُ حق السَّيِّد فَيكون انتصاره حِينَئِذٍ لمحض حق سَيّده لَا لنَفسِهِ كَمَا روى عَن عَليّ رَضِي الله أَنه مر بِرَجُل فاستغاث بِهِ وَقَالَ هَذَا مَنَعَنِي حَقي وَلم يُعْطِنِي إِيَّاه فَقَالَ أعْطه حَقه فَلَمَّا جاوزهما لج الظَّالِم وَلَطم صَاحب الْحق فاستغاث بعلي فَرجع وَقَالَ أَتَاك الْغَوْث فَقَالَ لَهُ استقدمته فَقَالَ قد عَفَوْت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَضَربهُ على تسع دور وَقَالَ قد عَفا عَنْك من لطمته وَهَذَا حق السُّلْطَان فعاقبه على لما اجترأ على سُلْطَان الله وَلم يَدعه وَيُشبه هَذَا قصَّة الرجل الَّذِي جَاءَ إِلَى أبي بكر ﵁ فَقَالَ احملني فوَاللَّه لَا أَنا أَفرس مِنْك وَمن ابْنك وَعِنْده الْمُغيرَة بن شُعْبَة فحسر عَن ذراعه وصك بهَا أنف الرجل فَسَالَ الدَّم فجَاء قومه إِلَى أبي بكر ﵁ فَقَالُوا أقدنا من الْمُغيرَة فَقَالَ أَنا أقيدكم من وزعة الله لَا أقيدكم مِنْهُ فَرَأى أَبُو بكر أَن ذَلِك انتصار من المغير وحمية الله وللعز الَّذِي أعز بِهِ خَليفَة رَسُول الله ليتَمَكَّن بذلك الْعِزّ من حسن خِلَافَته وَإِقَامَة دينه فَترك قوده لاجترائه على عز الله وسلطانه الَّذِي أعز بِهِ رَسُوله وَدينه وخليفته فَهَذَا لون وَالضَّرْب حمية للنَّفس الأمارة لون
فصل وَالْفرق بَين سَلامَة الْقلب والبله والتغفل أَن سَلامَة الْقلب تكون من
عدم إِرَادَة الْبشر
стр. 240
بعد مَعْرفَته فَيسلم قلبه من إِرَادَته وقصده لَا من مَعْرفَته وَالْعلم بِهِ وَهَذَا بِخِلَاف البله والغفلة فَإِنَّهَا جهل وَقلة معرفَة وَهَذَا لَا يحمد إِذْ هُوَ نقص وَإِنَّمَا يحمد النَّاس من هُوَ كَذَلِك لسلامتهم مِنْهُ والكمال أَن يكون الْقلب عَارِفًا بتفاصيل الشَّرّ سليما من إِرَادَته قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ لست بخب وَلَا يخدعني الخب وَكَانَ عمر أَعقل من أَن يخدع وَأَوْرَع من أَن يخدع وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَوْم لَا ينفع مَال وَلَا بنُون إِلَّا من أَتَى الله بقلب سليم﴾ فَهَذَا هُوَ السَّلِيم من الْآفَات الَّتِي تعتري الْقُلُوب الْمَرِيضَة من مرض الشُّبْهَة الَّتِي توجب اتِّبَاع الظَّن وَمرض الشَّهْوَة الَّتِي توجب اتِّبَاع مَا تهوى الْأَنْفس فالقلب السَّلِيم الَّذِي سلم من هَذَا وَهَذَا
فصل وَالْفرق بَين الثِّقَة والغرة أَن الثِّقَة سُكُون يسْتَند إِلَى أَدِلَّة وإمارات
يسكن الْقلب إِلَيْهَا فَكلما قويت تِلْكَ الإمارات قويت الثِّقَة واستحكمت وَلَا سِيمَا على كَثْرَة التجارب وَصدق الفراسة واللفظة كَأَنَّهَا وَالله اعْلَم من الوثاق وَهُوَ الرِّبَاط فالقلب قد ارْتبط بِمن وثق بِهِ يوكلا عَلَيْهِ وَحسن ظن بِهِ فَصَارَ فِي وثاق محبته ومعاملته والاستناد إِلَيْهِ والاعتماد عَلَيْهِ فَهُوَ فِي وثَاقه بِقَلْبِه وروحه وبدنه فَإِذا صَار الْقلب إِلَى الله وَانْقطع إِلَيْهِ تقيد بحبه وَصَارَ فِي وثاق الْعُبُودِيَّة فَلم يبْق لَهُ مفزع فِي النوائب وَلَا ملْجأ غَيره وَيصير عدته وشدته وذخيرته فِي نوائبه وملجأه فِي نوازله ومستعانه فِي حَوَائِجه وضروراته
وَأما الْغرَّة فَهِيَ حَال المغتر الَّذِي غرته نَفسه وشيطانه وهواه وأمله الخائب الْكَاذِب بربه حَتَّى اتبع نَفسه هَواهَا وَتمنى على الله الْأَمَانِي والغرور ثقتك بِمن لَا يوثق بِهِ وسكونك إِلَى من لَا يسكن إِلَيْهِ ورجاؤك النَّفْع من الْمحل الَّذِي لَا يَأْتِي بِخَبَر كَحال المغتر بِالسَّرَابِ قَالَ تَعَالَى وَالَّذِي كفرُوا أَعْمَالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءا حَتَّى إِذا جَاءَهُ لم يجده شَيْئا وَوجد الله عَهده فوفاه حسابه وَالله سريع الْحساب وَقَالَ تَعَالَى فِي وصف المغترين ﴿قل هَل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا﴾ وَهَؤُلَاء إِذا انْكَشَفَ الغطاء وَثبتت حقائق الْأُمُور علمُوا انهم لم يَكُونُوا على شَيْء وبدا لَهُم من الله مَا لم يَكُونَا يحتسبون وَفِي اثر مَعْرُوف إِذا رَأَيْت الله سُبْحَانَهُ يزيدك من نعْمَة وَأَنت مُقيم عل مَعْصِيَته فأحذره فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاج يستدرجك بِهِ وَشَاهد هَذَا فِي الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى فَلَمَّا نسوا مَا ذكرُوا بِهِ فتحنا عَلَيْهِم أبوب كل شَيْء حَتَّى إِذا فرحوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَة فهم مبلسون وَهَذَا من أعظم الْغرَّة أَن ترَاهُ يُتَابع عَلَيْك نعمه وَأَنت مُقيم على مَا يكره فالشيطان وكل الْغرُور وطبع النَّفس الأمارة الاغترار فَإِذا اجْتمع الرَّأْي وَالْبَغي والرأي
стр. 241
الْمُحْتَاج والشيطان الْغرُور وَالنَّفس المغترة لم يَقع هُنَاكَ خلاف فالشياطين غروا المغترين بِاللَّه وأطمعوهم مَعَ إقامتهم على مَا يسْخط الله ويغضبه فِي عَفوه وتجاوزه وحدوثهم بِالتَّوْبَةِ لتسكن قُلُوبهم ثمَّ دافعوهم بالتسويف حَتَّى هجم الْأَجَل فَأخذُوا على أَسْوَأ أَحْوَالهم وَقَالَ تَعَالَى ﴿وغرتكم الْأَمَانِي حَتَّى جَاءَ أَمر الله وغركم بِاللَّه الْغرُور﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس إِن وعد الله حق فَلَا تغرنكم الْحَيَاة الدُّنْيَا وَلَا يَغُرنكُمْ بِاللَّه الْغرُور﴾ واعظم النَّاس غرُورًا بربه من إِذا مَسّه الله برحمة مِنْهُ وَفضل قَالَ هَذَا لي أَي أَنا أَهله وجدير بِهِ ومستحق لَهُ ثمَّ قَالَ ﴿وَمَا أَظن السَّاعَة قَائِمَة﴾ فَظن أَنه أهل لما أولاه من النعم مَعَ كفره بِاللَّه ثمَّ زَاد فِي غروره فَقَالَ ﴿وَلَئِن رجعت إِلَى رَبِّي إِن لي عِنْده للحسنى﴾ يَعْنِي الْجنَّة والكرامة وَهَكَذَا تكون الْغرَّة بِاللَّه فالمغتر بالشيطان مغتر بوعوده وأمانيه وَقد ساعد اغتراره بدنياه وَنَفسه فَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يتردى فِي آبار الْهَلَاك
فصل وَالْفرق بَين الرَّجَاء وَالتَّمَنِّي أَن الرَّجَاء يكون مَعَ بذل الْجهد واستفراغ
الطَّاقَة فِي الْإِتْيَان بِأَسْبَاب الظفر والفوز وَالتَّمَنِّي حَدِيث النَّفس بِحُصُول ذَلِك مَعَ تَعْطِيل الْأَسْبَاب الموصلة إِلَيْهِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله أُولَئِكَ يرجون رَحْمَة الله﴾ فطوى سُبْحَانَهُ بِسَاط الرَّجَاء إِلَّا عَن هَؤُلَاءِ وَقَالَ المغترون إِن الَّذين ضيعوا أوامره وارتكبوا نواهيه وَاتبعُوا مَا أسخطه وتجنبوا مَا يرضيه أُولَئِكَ يرجون رَحمته وَلَيْسَ هَذَا ببدع من غرور النَّفس والشيطان لَهُم فالرجاء لعبد قد امْتَلَأَ قلبه من الْإِيمَان بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَمثل بَين عَيْنَيْهِ مَا وعده الله تَعَالَى من كرامته وجنته امْتَدَّ الْقلب مائلا إِلَى ذَلِك شوقا إِلَيْهِ وحرصا عَلَيْهِ فَهُوَ شَبيه بالماد عُنُقه إِلَى مَطْلُوب قد صَار نصب عَيْنَيْهِ وعلامة الرَّجَاء الصَّحِيح أَن الراجي يخَاف فَوت الْجنَّة وَذَهَاب حَظه مِنْهَا بترك مَا يخَاف أَن يحول بَينه وَبَين دُخُولهَا فَمثله مثل رجل خطب امْرَأَة كَرِيمَة فِي منصب شرف إِلَى أَهلهَا فَلَمَّا آن وَقت العقد واجتماع الْأَشْرَاف والأكابر وإتيان الرجل إِلَى الْحُضُور علم عَشِيَّة ذَلِك الْيَوْم ليتأهب الْحُضُور فتراه الْمَرْأَة وأكابر النَّاس فاخذ فِي التأهب والتزيين والتجميل فَأخذ من فضول شعره وتنظيف وتطيب وَلبس أجمل ثِيَابه وأتى إِلَى تِلْكَ الدَّار متقيا فِي طَرِيقه كل وسخ ودنس واثر يُصِيبهُ اشد تقوى حَتَّى الْغُبَار وَالدُّخَان وَمَا هُوَ دون ذَلِك فَلَمَّا وصل إِلَى الْبَاب رحب بِهِ رَبهَا وَمكن لَهُ فِي صدر الدَّار على الْفرش والوسائد ورمقته الْعُيُون وَقصد بالكرامة من كل نَاحيَة فَلَو أَنه ذهب بعد أَخذ
стр. 242
هَذِه الزِّينَة فَجَلَسَ فِي الْمَزَابِل وتمرغ عَلَيْهَا وتمعك بهَا وتلطخ فِي بدنه وثيابه بِمَا عَلَيْهَا من عذرة وقذر وَدخل ذَلِك فِي شعره وبشره وثيابه فجَاء على ذَلِك الْحَال إِلَى تِلْكَ الدَّار وَقصد دُخُولهَا للوعد الَّذِي سبق لَهُ لقام إِلَيْهِ البواب بِالضَّرْبِ والطرد والصياح عَلَيْهِ والإبعاد لَهُ من بَابهَا وطريقها فَرجع متحيزا خاسئا فَالْأول حَال الراجي وَهَذَا حَال المتمني وَإِن شِئْت مثلت حَال الرجلَيْن بِملك هُوَ من أغير النَّاس وأعظمهم أَمَانَة وَأَحْسَنهمْ مُعَاملَة لَا يضيع لَدَيْهِ حق أحد وَهُوَ يُعَامل النَّاس من وَرَاء ستر لَا يرَاهُ أحد وبضائعه وأمواله وتجارته وعبيده وإماؤه ظَاهر بارز فِي دَاره للعاملين فَدخل عَلَيْهِ رجلَانِ فَكَانَ أَحدهَا يعامله بِالصّدقِ وَالْأَمَانَة والنصيحة لم يجرب عَلَيْهِ غشا وَلَا خِيَانَة وَلَا مكرا فَبَاعَهُ بضائعه كلهَا وَاعْتمد مَعَ مماليكه وجواريه مَا يجب أَن يعْتَمد مَعَهم فَكَانَ إِذا دخل إِلَيْهِ ببضاعة تخير لَهُ احسن البضائع وأحبها إِلَيْهِ وَإِن صنعها بِيَدِهِ بذل جهده فِي تحسينها وتنميقها وَجعل مَا خَفِي مِنْهَا أحسن مِمَّا ظهر ويستلم الْمُؤْنَة مِمَّن أمره أَن يستلمها مِنْهُ وامتثل مَا أمره بِهِ السفير بَينه وَبَينه فِي مِقْدَار مَا يعمله صفته وهيئته وشكله ورقته وَسَائِر شئونه وَكَانَ الآخر إِذا دخل دخل بأخس بضَاعَة يجدهَا لم يخلصها من الْغِشّ وَلَا نصح فِيهَا وَلَا اعْتمد فِي أمرهَا مَا قَالَه المترجم عَن الْملك والسفير بَينه وَبَين الصناع والنجار بل كَانَ يعملها على مَا يهواه وَمَعَ ذَلِك فَكَانَ يخون الْملك دَاره إِذْ هُوَ غَائِب عَن عينه فَلَا يلوح لَهُ طمع إِلَّا خانة وَلَا حُرْمَة للْملك إِلَّا مد بَصَره إِلَيْهَا وحرص على إفسادها وَلَا شَيْء يسْخط الْملك إِلَّا ارْتَكَبهُ إِذا قدر عَلَيْهِ فمضيا على ذَلِك مُدَّة ثمَّ قيل إِن الْملك يبرز لمعامليه حَتَّى يحاسبهم ويعطيهم حُقُوقهم فَوقف الرّجلَانِ بَين يَدَيْهِ فعامل كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَا يسْتَحقّهُ فَتَأمل هذَيْن المثلين فَإِن الْوَاقِع مُطَابق لَهما فالراجي على الْحَقِيقَة لما صَارَت الْجنَّة نصب عينه ورجاءه وأمله امْتَدَّ إِلَيْهَا قلبه وسعى لَهَا سعيها فَإِن الرَّجَاء هُوَ امتداد الْقلب وميله وحقق رَجَاءَهُ كَمَال التأهب وَخَوف الْفَوْت وَالْأَخْذ بالحذر وَأَصله من التنحي وَرَجا الْبِئْر ناحيته وإرجاء السَّمَاء نَوَاحِيهَا وامتداد الْقلب إِلَى المحبوب مُنْقَطِعًا عَمَّا يقطعهُ عَنهُ هُوَ تَنَح عَن النَّفس الأمارة وأسبابها وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ وَهَذَا الامتداد والميل وَالْخَوْف من شَأْن النَّفس المطمئنة فَإِن الْقلب إِذا انفتحت بصيرته فَرَأى الْآخِرَة وَمَا أعد الله فِيهَا لأهل طَاعَته وَأهل مَعْصِيَته خَافَ وخف مرتحلا إِلَى الله وَالدَّار الْآخِرَة وَكَانَ قبل ذَلِك مطمئنا إِلَى النَّفس وَالنَّفس إِلَى الشَّهَوَات وَالدُّنْيَا فَلَمَّا انْكَشَفَ عَنهُ غطاء النَّفس خف وارتحل عَن جوارها طَالبا جوَار الْعَزِيز الرَّحِيم فِي جنَّات النَّعيم وَمن هُنَا صَار كل خَائِف راجيا وكل راج خَائفًا فَأطلق اسْم أَحدهمَا على الآخر فَإِن الراجي قلبه قريب الصّفة من قلب الْخَائِف هَذَا الراجي قد نجى قلبه عَن مجاورة النَّفس والشيطان مرتحلا إِلَى الله قد رفع لَهُ من الْجنَّة علم فشمر إِلَيْهِ وَله مَادًّا إِلَيْهِ قلبه كُله وَهَذَا الْخَائِف فار مِنْهُ
стр. 243
جوارهما ملتجئ إِلَى الله من حَبسه فِي سجنهما فِي الدُّنْيَا فَيحْبس مَعهَا بعد الْمَوْت وَيَوْم الْقِيَامَة فَإِن الْمَرْء مَعَ قرينه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَلَمَّا سمع الْوَعيد ارتحل من مجاورة جَار السوء فِي الدَّاريْنِ فَأعْطى اسْم الْخَائِف وَلما سمع الْوَعْد امْتَدَّ واستطار شوقا وفرحا بالظفر بِهِ فَأعْطى اسْم الراجي وحالاه متلازمان لَا يَنْفَكّ عَنْهُمَا فَكل راج خَائِف من فَوَات مَا يرجوه كَمَا أَن كل خَائِف راج أَمنه مِمَّا يخَاف فَلذَلِك تداول الاسمان عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى ﴿مَا لكم لَا ترجون لله وقارا﴾ قَالُوا فِي تَفْسِيرهَا لَا تخافون لله عَظمَة وَقد تقدم أَن سُبْحَانَهُ طوى الرَّجَاء إِلَّا عَن الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا وَقد فسر النَّبِي الْإِيمَان بِأَنَّهُ ذُو شعب وأعمال ظَاهِرَة وباطنة وَفسّر الْهِجْرَة بِأَنَّهَا هجر مَا نهى الله عَنهُ وَالْجهَاد بِأَنَّهُ جِهَاد النَّفس فِي ذَات الله فَقَالَ الْمُهَاجِرين من هجر مَا نهى الله عَنهُ والمجاهد من جَاهد نَفسه فِي ذَات الله وَالْمَقْصُود بِأَن الله سُبْحَانَهُ جعل أهل الرَّجَاء من آمن وَهَاجَر وجاهد وَأخرج من سواهُم من هَذِه الْأُمَم
وَأما الْأَمَانِي فَإِنَّهَا رُءُوس أَمْوَال المفاليس أخرجوها فِي قالب الرَّجَاء وَتلك أمانيهم وَهِي تصدر من قلب تزاحمت عَلَيْهِ وساوس النَّفس فاظلم من دخانها فَهُوَ يسْتَعْمل قلبه فِي شهواتها وَكلما فعل ذَلِك منته حسن الْعَاقِبَة والنجاة وإحالته على الْعَفو وَالْمَغْفِرَة وَالْفضل وَأَن الْكَرِيم لَا يَسْتَوْفِي حَقه وَلَا تضره الذُّنُوب وَلَا تنقصه الْمَغْفِرَة ويسمي ذَلِك رَجَاء وَإِنَّمَا هُوَ وسواس وأماني بَاطِلَة تقذف بهَا النَّفس إِلَى الْقلب الْجَاهِل فيستريح إِلَيْهَا قَالَ تَعَالَى ﴿لَيْسَ بأمانيكم وَلَا أماني أهل الْكتاب من يعْمل سوءا يجز بِهِ وَلَا يجد لَهُ من دون الله وليا وَلَا نَصِيرًا﴾ فَإِذا ترك العَبْد ولَايَة الْحق ونصرته ترك الله ولَايَته ونصرته وَلم يجد لَهُ من دون الله وليا وَلَا نَصِيرًا وَإِذا ترك ولَايَته ونصرته تولته نَفسه والشيطان فصارا وليين لَهُ ووكل نَفسه فَصَارَ انتصاره لَهَا بَدَلا من نصْرَة الله وَرَسُوله فاستبدل بِولَايَة الله ولَايَة نَفسه وشيطانه وبنصرته نصْرَة نَفسه هَوَاهُ فَلم يدع للرجاء موضعا فَإِذا قَالَت لَك النَّفس أَنا فِي مقَام الرَّجَاء فطالبها بالبرهان وَقل هَذِه أُمْنِية فهاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين فالكيس يعْمل أَعمال الْبر على الطمع والرجاء والأحمق الْعَاجِز يعطل أَعمال الْبر ويتكل على الْأَمَانِي الَّتِي يسميها رَجَاء وَالله الْمُوفق
فصل وَالْفرق بَين التحدث بنعم الله وَالْفَخْر بهَا أَن المتحدث بِالنعْمَةِ مخبر
عَن صِفَات وَلها ومحض جوده وإحسانه فَهُوَ مثن عَلَيْهِ بإظهارها والتحدث بهَا شاكرا لَهُ ناشرا لجَمِيع مَا أولاه مَقْصُود بذلك إِظْهَار صِفَات الله ومدحه وَالثنَاء وَبعث النَّفس على الطّلب مِنْهُ دون غَيره وعَلى محبته ورجائه فَيكون رَاغِبًا إِلَى الله بِإِظْهَار نعمه ونشرها والتحدث بهَا
стр. 244
وَأما الْفَخر بِالنعَم فَهُوَ أَن يستطيل بهَا على النَّاس وَيُرِيهمْ أَنه أعز مِنْهُم وأكبر فيركب أَعْنَاقهم ويستعبد قُلُوبهم ويستميلها إِلَيْهِ بالتعظيم والخدمة قَالَ النُّعْمَان بن بشير إِن للشَّيْطَان مصالي وفخوخا وَإِن من مصاليه وفخوخه الْبَطْش بنعم الله وَالْكبر على عباد الله وَالْفَخْر بعطية الله فِي غير ذَات الله
فصل وَالْفرق بَين فَرح الْقلب وَفَرح النَّفس ظَاهر فَإِن الْفَرح بِاللَّه ومعرفته
ومحبته وَكَلَامه من الْقلب قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يفرحون بِمَا أنزل إِلَيْك﴾ فَإِذا كَانَ أهل الْكتاب يفرحون بِالْوَحْي فأولياء الله وَأَتْبَاع رَسُوله أَحَق بالفرح بِهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا مَا أنزلت سُورَة فَمنهمْ من يَقُول أَيّكُم زادته هَذِه إِيمَانًا فَأَما الَّذين آمنُوا فزادتهم إِيمَانًا وهم يستبشرون﴾ وَقَالَ تَعَالَى قل بِفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هُوَ خير مِمَّا يجمعُونَ قَالَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ فضل الله الْقُرْآن وَرَحمته أَن جعلكُمْ من أَهله وَقَالَ هِلَال بن يسَاف فضل الله وَرَحمته الْإِسْلَام الَّذِي هدَاكُمْ إِلَيْهِ وَالْقُرْآن الَّذِي علمكُم هُوَ خير من الذَّهَب وَالْفِضَّة الَّذِي تجمعون وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَالْحسن وَقَتَادَة وَجُمْهُور الْمُفَسّرين فضل الله الْإِسْلَام وَرَحمته الْقُرْآن فَهَذَا فَرح الْقلب وَهُوَ من الْإِيمَان ويثاب عَلَيْهِ العَبْد فَإِن فرحه بِهِ يدل على رِضَاهُ بِهِ بل هُوَ فَوق الرِّضَا فالفرح بذلك على قدر محبته فَإِن الْفَرح إِنَّمَا يكون بالظفر بالمحبوب وعَلى قدر محبته يفرح بحصوله لَهُ فالفرح بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته وَرَسُوله وسنته وَكَلَامه مَحْض الْإِيمَان وصفوته ولبه وَله عبودية عَجِيبَة وَأثر الْقلب لَا يعبر عَنهُ فابتهاج الْقلب وسروره وفرحه بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته وَكَلَامه وَرَسُوله ولقائه أفضل مَا يعطاه بل هُوَ جلّ عطاياه والفرح فِي الْآخِرَة بِاللَّه ولقائه بِحَسب الْفَرح بِهِ ومحبته فِي الدُّنْيَا فالفرح بالوصول إِلَى المحبوب يكون على حسب قُوَّة الْمحبَّة وضعفها فَهَذَا شَأْن فَرح الْقلب وَله فَرح آخر وَهُوَ فرحه بِمَا من الله بِهِ عَلَيْهِ علمه من مُعَامَلَته وَالْإِخْلَاص لَهُ والتوكل عَلَيْهِ والثقة بِهِ وخوفه ورجائه بِهِ وَكلما تمكن فِي ذَلِك قوى فرحه وابتهاجه وَله فرحة أُخْرَى عَظِيمَة الوقع عَجِيبَة الشَّأْن وَهِي الفرحة الَّتِي تحصل لَهُ بِالتَّوْبَةِ فَإِن لَهَا فرحة عَجِيبَة لَا نِسْبَة لفرحة الْمعْصِيَة إِلَيْهَا الْبَتَّةَ فَلَو علم الْمعاصِي إِن لَذَّة التَّوْبَة وفرحتها يزِيد على لَذَّة الْمعْصِيَة وفرحتها أضعافا مضاعفة لبادر إِلَيْهَا أعظم من مبادرته إِلَى لَذَّة الْمعْصِيَة
стр. 245
وسر هَذَا الْفَرح إِنَّمَا يُعلمهُ من علم سر فَرح الرب تَعَالَى بتوبة عَبده أَشد فَرح يقدر وَلَقَد ضرب لَهُ رَسُول مثلا لَيْسَ فِي أَنْوَاع الْفَرح فِي الدُّنْيَا أعظم مِنْهُ وَهُوَ فَرح رجل قد خرج براحته الَّتِي عَلَيْهَا طَعَامه وَشَرَابه فِي سفر ففقدها فِي أَرض دوية مهلكة فاجتهد فِي طلبَهَا فَلم يجدهَا فيئس مِنْهُ فَجَلَسَ ينْتَظر الْمَوْت حَتَّى إِذا طلع الْبَدْر رَأْي فِي ضوئه رَاحِلَته وَقد تعلق زمامها بشجر فَقَالَ من شدَّة فرحه اللَّهُمَّ أَنْت عَبدِي وَأَنا رَبك أَخطَأ من شدَّة الْفَرح فَالله أفرح بتوبة عَبده من هَذَا براحلته
فَلَا يُنكر أَن يحصل للتائب نصيب وافر من الْفَرح بِالتَّوْبَةِ وَلَكِن هَاهُنَا أَمر يجب التَّنْبِيه عَلَيْهِ وَهُوَ أَن لَا يصل إِلَى ذَلِك إِلَّا بعد ترحات ومضض ومحن لَا تثبت لَهَا الْجبَال فَإِن صَبر لَهَا ظفر بلذة الْفَرح وَإِن ضعف عَن حملهَا وَلم يصبر لَهَا لم يظفر بِشَيْء وَآخر أمره فَوَات مَا آثره من فرحة الْمعْصِيَة ولذتها فيفوته الْأَمْرَانِ وَيحصل على ضد اللَّذَّة من الْأَلَم الْمركب من وجود المؤذي وفوت المحبوب فَالْحكم لله الْعلي الْكَبِير
فصل وَهَا هُنَا فرحة أعظم من هَذَا كُله وَهِي فرحته عِنْد مُفَارقَته الدُّنْيَا
إِلَى الله إِذا أرسل إِلَيْهِ الْمَلَائِكَة فبشروه بلقائه وَقَالَ لَهُ ملك الْمَوْت أَخْرِجِي أيتها الرّوح الطّيبَة كَانَت فِي الْجَسَد الطّيب ابشري بِروح وَرَيْحَان وَرب غير غَضْبَان اخْرُجِي راضية مرضيا عَنْك يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية فادخلي فِي عبَادي وادخلي جنتي فَلَو لم يكن بَين يَدي التائب إِلَّا هَذِه الفرحة وَحدهَا لَكَانَ الْعقل يَأْمر بآيثارها فَكيف وَمن بعْدهَا أَنْوَاع من الْفَرح مِنْهَا الْمَلَائِكَة الَّذين بَين السَّمَاء وَالْأَرْض على روحه وَمِنْه فتح أبوب السَّمَاء لَهَا وَصَلَاة مَلَائِكَة السَّمَاء عَلَيْهَا وتشييع مقربيها لَهَا إِلَى السَّمَاء الثَّانِيَة فتفتح وَيُصلي عَلَيْهَا أَهلهَا وشيعها مقربوها هَكَذَا إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة فَكيف يقدر فرحها استؤذن لَهَا على رَبهَا ووليها وحبيبها فوقفت بَين يَدَيْهِ وَأذن لَهَا بِالسُّجُود فسجدت ثمَّ سمعته سُبْحَانَهُ يَقُول اكتبوا كِتَابه فِي غلبين ثمَّ يذهب بِهِ فَيرى الْجنَّة ومقعده فِيهَا وَمَا أعد الله لَهُ ويلقي أَصْحَابه وَأَهله فيستبشرون بِهِ ويفرحون بِهِ ويفرح بهم فَرح الْغَائِب يقدم على أَهله فيجدهم على أحسن حَال وَيقدم عَلَيْهِم بِخَير مَا قدم بِهِ مُسَافر هَذَا كُله قبل الْفرج الْأَكْبَر يَوْم حشر الأجساد بجلوسه فِي ظلّ الْعَرْش وشربه من الْحَوْض وَأَخذه كِتَابه بِيَمِينِهِ وَثقل مِيزَانه وَبَيَاض وَجهه وإعطائه النُّور التَّام وَالنَّاس فِي الظلمَة وقطعه جسر جَهَنَّم بِلَا تعويق وانتهائه إِلَى بَاب الْجنَّة وَقد أزلفت لَهُ فِي لموقف وتلقي خزنتها لَهُ بالترحيب وَالسَّلَام والبشارة وقدومه على مَنَازِله وقصوره وأزواجه وسراريه
стр. 246
وَبعد ذَلِك فَرح آخر لَا يقدر قدره وَلَا يعبر عَنهُ تتلاشى هَذِه الأفراح كلهَا عِنْده وَإِنَّمَا يكون هَذَا لأهل السّنة المصدقين بِرُؤْيَة وَجه رَبهم ﵎ من فَوْقهم وَسَلَامه عَلَيْهِم وتكليمه إيَّاهُم ومحاضرته لَهُم
وَلَيْسَت هَذِه الفرحات إِلَّا ... لذى الترحات فِي دَار الرزايا
فشمر مَا اسْتَطَعْت السَّاق واجهد ... لَعَلَّك أَن تفوز بِذِي العطايا
وصم عَن لَذَّة حشيت بلَاء ... الذَّات خلصن من البلايا
ودع أُمْنِية إِن لم تنلها ... تعذب أَو تنَلْ كَانَت منايا
وَلَا تستبط وَعدا من رَسُول ... أَتَى بِالْحَقِّ من رب البرايا
فَهَذَا الْوَعْد أدنى من نعيم ... مضى بالْأَمْس لَو وفقت رايا
فصل وَالْفرق بَين رقة الْقلب والجزع أَن الْجزع ضعف فِي النَّفس وَخَوف فِي
الْقلب يمده شدَّة الطمع والحرص ويتولد من ضعف الْإِيمَان بِالْقدرِ وَإِلَّا فَمَتَى علم أَن الْمُقدر كَائِن وَلَا بُد كَانَ الْجزع عناء مَحْضا ومصيبة ثَانِيَة قَالَ تَعَالَى مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها إِن ذَلِك على الله يسير لكيلا تأسوا على مَا فاتكم وَلَا تفرحوا بِمَا آتَاكُم فَمَتَى آمن العَبْد بِالْقدرِ وَعلم أَن الْمُصِيبَة مقدرَة فِي الْحَاضِر وَالْغَائِب لم يجزع وَلم يفرح
وَلَا يُنَافِي هَذَا رقة الْقلب فَإِنَّهَا ناشئة من صفة الرَّحْمَة الَّتِي هِيَ كَمَال وَالله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا يرحم من عباده الرُّحَمَاء وَقد كَانَ رَسُول الله أرق النَّاس قلبا وأبعدهم من الْجزع فرقة الْقلب رأفة وَرَحْمَة وجزعه مرض وَضعف فالجزع حَال قلب مَرِيض بالدنيا قد غشيه دُخان النَّفس الأمارة فَأخذ بأنفاسه وضيق عَلَيْهِ مسالك الْآخِرَة وَصَارَ فِي سجن الْهوى وَالنَّفس وَهُوَ سجن ضيق الأرجاء مظلم المسلك فانحصار الْقلب وضيقه يجزع من أدنى مَا يُصِيبهُ وَلَا يحْتَملهُ فَإِذا أشرق فِيهِ نور الْإِيمَان وَالْيَقِين بالوعد وامتلأ من محبَّة الله وإجلاله رق وَصَارَت فِيهِ الرأفة وَالرَّحْمَة فتراه رحِيما رَفِيق الْقلب بِكُل ذِي قربى وَمُسلم يرحم النملة فِي حجرها وَالطير فِي وَكره فضلا عَن بني جنسه فَهَذَا أقرب الْقُلُوب من الله قَالَ أنس كَانَ رَسُول الله أرْحم النَّاس بالعيال وَالله سُبْحَانَهُ إِذا أَرَادَ أَن يرحم عبدا أسكن فِي قلبه الرأفة وَالرَّحْمَة وَإِذا أَرَادَ أَن يعذبه نزع من قلبه الرَّحْمَة والرأفة وأبدله بهما الغلظة وَالْقَسْوَة وَفِي الحَدِيث الثَّابِت لَا تنْزع الرَّحْمَة إِلَّا من شقي وَفِيه من لَا يرحم لَا يرحم وَفِيه ارحموا من فِي الأَرْض
стр. 247
يَرْحَمكُمْ من فِي السَّمَاء وَفِيه أهل الْجنَّة ثَلَاثَة ذُو سُلْطَان مقسط متصدق وَرجل رَحِيم رَقِيق الْقلب بِكُل ذِي قربى وَمُسلم عفيف متعفف ذُو عِيَال وَالصديق ﵁ إِنَّمَا فضل الْأمة بِمَا كَانَ فِي قلبه من الرَّحْمَة الْعَامَّة زِيَادَة على الصديقية وَلِهَذَا أظهر أَثَرهَا فِي جَمِيع مقدماته حَتَّى فِي الْأُسَارَى يَوْم بدر وَاسْتقر الْأَمر على مَا أَشَارَ بِهِ وَضرب لَهُ مثلا بِعِيسَى وَإِبْرَاهِيم والرب تَعَالَى هُوَ الرءوف الرَّحِيم وَأقرب الْخلق إِلَيْهِ وأعظمهم رأفة وَرَحْمَة كَمَا أَن أبعدهم مِنْهُ من اتّصف بضد صِفَاته وَهَذَا بَاب لَا يلجه إِلَّا الْأَفْرَاد فِي الْعَالم
فصل وَالْفرق بَين الموجدة والحقد أَن الوجد الإحساس بالمؤلم وَالْعلم بِهِ
وتحرك النَّفس فِي رَفعه فَهُوَ كَمَال وَأما الحقد فَهُوَ إِضْمَار الشَّرّ وتوقعه كل وَقت فِيمَن وجدت عَلَيْهِ فَلَا يزايل الْقلب أَثَره
وَفرق آخر وَهُوَ أَن الموجدة لما ينالك مِنْهُ والحقد لما يَنَالهُ مِنْك فالموجدة وجد مَا نالك من أَذَاهُ والحقد توقع وجود مَا يَنَالهُ من الْمُقَابلَة فالموجدة سريعة الزَّوَال والحقد بطيء الزَّوَال والحقد يَجِيء مَعَ ضيق الْقلب واستيلاء ظلمَة النَّفس ودخانها عَلَيْهِ بِخِلَاف الموجدة فَإِنَّهَا تكون مَعَ قوته وصلابته وَقُوَّة نوره وإحساسه
فصل وَالْفرق بَين المنافسة والحسد أَن المنافسة الْمُبَادرَة إِلَى الْكَمَال الَّذِي
تشاهد من غَيْرك فتنافسه فِيهِ حَتَّى تلْحقهُ أَو تجاوزه فَهِيَ من شرف النَّفس وعلو الهمة وَكبر الْقدر قَالَ تَعَالَى وَفِي ذَلِك فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ وَأَصلهَا من الشَّيْء النفيس الَّذِي تتَعَلَّق بِهِ النُّفُوس طلبا ورغبة فينافس فِيهِ كل من النفسين الْأُخْرَى وَرُبمَا فرحت إِذا شاركتها فِيهِ كَمَا كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله يتنافسون فِي الْخَيْر ويفرح بَعضهم بِبَعْض باشتراكهم فِيهِ بل يحض بَعضهم بَعْضًا عَلَيْهِ مَعَ تنافسهم فِيهِ وَهِي نوع من الْمُسَابقَة وَقد قَالَ تَعَالَى فاستبقوا الْخيرَات وَقَالَ تَعَالَى سابقوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم وجنة عرضهَا كعرض السَّمَاء وَكَانَ عمر بن الْخطاب يسابق أَبَا بكر ﵄ فَلم يظفر بسبقه أبدا فَلَمَّا علم أَنه قد استولى على الْإِمَامَة قَالَ وَالله لَا أسابقك إِلَى شَيْء أبدا وَقَالَ وَالله مَا سبقته إِلَى خير إِلَّا وجدته قد سبقني إِلَيْهِ والمتنافسان كعبدين بَين يَدي سيدهما يتباريان ويتنافسان فِي مرضاته ويتسابقان إِلَى محابه فسيدهما يُعجبهُ ذَلِك مِنْهُمَا ويحثهما عَلَيْهِ وكل مِنْهُمَا يحب الآخر ويحرضه على مرضاة سَيّده
стр. 248
والحسد خلق نفس ذميمة وضيعه سَاقِطَة لَيْسَ فِيهَا حرص على الْخَيْر فلعجزها ومهانتها تحسد من يكْسب الْخَيْر والمحامد ويفوز بهَا دونهَا وتتمنى أَن لوفاته كسبها حَتَّى يساويها فِي الْعَدَم كَمَا قَالَ تَعَالَى ودوا لَو تكفرون كَمَا كفرُوا فتكونون سَوَاء وَقَالَ تَعَالَى ود كثير من أهل الْكتاب لَو يردونكم من بعد إيمَانكُمْ كفَّارًا حسدا من عِنْد أنفسهم من بعد مَا تبين لَهُم الْحق فالحسود عَدو النِّعْمَة متمن زَوَالهَا عَن الْمَحْسُود كَمَا زَالَت عَنهُ هُوَ والمنافس مسابق النِّعْمَة متمن تَمامهَا عَلَيْهِ وعَلى من ينافسه فَهُوَ ينافس غَيره أَن يَعْلُو عَلَيْهِ وَيُحب لحاقه بِهِ أَو مجاوزته لَهُ فِي الْفضل والحسود يحب انحطاط غَيره حَتَّى يُسَاوِيه فِي النُّقْصَان وَأكْثر النُّفُوس الفاضلة الْخيرَة تنْتَفع بالمنافسة فَمن جعل نصب عَيْنَيْهِ شخصا من أهل الْفضل والسبق فنافسه انْتفع بِهِ كثيرا فَإِنَّهُ يتشبه بِهِ وَيطْلب اللحاق بِهِ والتقدم عَلَيْهِ وَهَذَا لَا نذمه وَقد يُطلق اسْم الْحَسَد على المنافسة المحمودة كَمَا فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رجل آتَاهُ الله الْقُرْآن فَهُوَ يقوم بِهِ أناء اللَّيْل وأطراف النَّهَار وَرجل آتَاهُ الله مَالا فَسَلَّطَهُ على هَلَكته فِي الْحق فَهَذَا حسد مُنَافَسَة وغبطة يدل على علو همة صَاحبه وَكبر نَفسه وطلبها للتشبه بِأَهْل الْفضل
فصل وَالْفرق بَين حب الرياسة وَحب الْإِمَارَة للدعوة إِلَى الله هُوَ الْفرق بَين
تَعْظِيم أَمر الله والنصح لَهُ وتعظيم النَّفس وَالسَّعْي فِي حظها فَإِن الناصح لله الْمُعظم لَهُ الْمُحب لَهُ يحب أَن يطاع ربه فَلَا يعْصى وَأَن تكون كَلمته هِيَ الْعليا وَأَن يكون الدّين كُله لله وَأَن يكون الْعباد ممتثلين أوامره مجتنبين نواهيه فقد نَاصح الله فِي عبوديته وناصح خلقه فِي الدعْوَة إِلَى الله فَهُوَ يحب الْإِمَامَة فِي الدّين بل يسْأَل ربه أَن يَجعله لِلْمُتقين أما مَا يَقْتَدِي بِهِ المتقون كَمَا اقْتدى هُوَ بالمتقين فَإِذا أحب هَذَا العَبْد الدَّاعِي إِلَى الله أَن يكون فِي أَعينهم جَلِيلًا وَفِي قُلُوبهم مهيبا وإليهم حبيبا وَأَن يكون فيهم مُطَاعًا لكَي يأتموا بِهِ ويقتفوا أثر الرَّسُول على يَده لم يضرّهُ ذَلِك بل يحمد عَلَيْهِ لِأَنَّهُ دَاع إِلَى الله يحب أَن يطاع ويعبد ويوحد فَهُوَ يحب مَا يكون عونا على ذَلِك موصلا إِلَيْهِ وَلِهَذَا ذكر سُبْحَانَهُ عباده الَّذين اختصهم لنَفسِهِ وَأثْنى عَلَيْهِم فِي تَنْزِيله وَأحسن جزاءهم يَوْم لِقَائِه فَذكرهمْ بِأَحْسَن أَعْمَالهم وأوصافهم ثمَّ قَالَ وَالَّذين يَقُولُونَ رَبنَا هَب لنا من أَزوَاجنَا وَذُرِّيَّاتنَا قُرَّة أعين واجعلنا لِلْمُتقين إِمَامًا فَسَأَلُوهُ أَن يقر أَعينهم بِطَاعَة أَزوَاجهم وذرياتهم لَهُ سُبْحَانَهُ وَأَن يسر قُلُوبهم بِاتِّبَاع الْمُتَّقِينَ لَهُم على طَاعَته وعبوديته فَإِن الإِمَام والمؤتم متعاونان على الطَّاعَة فَإِنَّمَا سَأَلُوهُ وَمَا يعانون بِهِ الْمُتَّقِينَ على مرضاته وطاعته وَهُوَ دعوتهم إِلَى الله بِالْإِمَامَةِ فِي الدّين الَّتِي أساسها الصَّبْر وَالْيَقِين كَمَا قَالَ تَعَالَى وجعلناهم أَئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا لما صَبَرُوا وَكَانُوا
стр. 249
بِآيَاتِنَا يوقنون وسؤالهم أَن يجعلهم أَئِمَّة لِلْمُتقين هُوَ سُؤال أَن يهْدِيهم ويوفقهم ويمن عَلَيْهِم بالعلوم النافعة والأعمال الصَّالِحَة ظَاهرا وَبَاطنا الَّتِي لَا تتمّ الْإِمَامَة إِلَى بهَا وَتَأمل كَيفَ نسبهم فِي هَذِه الْآيَات إِلَى اسْمه الرَّحْمَن جلا جَلَاله ليعلم خلقه أَن هَذَا إِنَّمَا نالوه بِفضل رَحمته ومحض جوده ومنته وَتَأمل كَيفَ جعل جزاءهم فِي هَذِه السُّورَة الغرف وَهِي الْمنَازل الْعَالِيَة فِي الْجنَّة لما كَانَت الْإِمَامَة فِي الدّين من الرتب الْعَالِيَة بل من أَعلَى مرتبَة يعطاها العَبْد فِي الدّين كَانَ جَزَاؤُهُ عَلَيْهَا الغرفة الْعَالِيَة فِي الْجنَّة
وَهَذَا بِخِلَاف طلب الرياسة فَإِن طلابها يسعون فِي تَحْصِيلهَا لينالوا بهَا أغراضهم من الْعُلُوّ فِي الأَرْض وَتعبد الْقُلُوب لَهُم وميلها إِلَيْهِم ومساعدتهم لَهُم على جَمِيع أغراضهم مَعَ كَونهم عالين عَلَيْهِم قاهرين لَهُم فترتب على هَذَا الْمطلب من الْمَفَاسِد مَالا يُعلمهُ إِلَّا الله من الْبَغي والحسد والطغيان والحقد وَالظُّلم والفتنة وَالْحمية للنَّفس دون حق الله وتعظيم من حقره الله واحتقار من أكْرمه الله وَلَا تتمّ الرياسة الدُّنْيَوِيَّة إِلَّا بذلك وَلَا تنَال إِلَّا بِهِ وبأضعافه من الْمَفَاسِد والرؤساء فِي عمى عَن هَذَا فَإِذا كشف الغطاء تبين لَهُم فَسَاد مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَلَا سِيمَا إِذا حشروا فِي صور الذَّر يطؤهم أهل الْموقف بأرجلهم إهانة لَهُم وتحقيرا وتصغيرا كَمَا صغروا أَمر الله وحقروا عباده
فصل وَالْفرق بَين الْحبّ فِي الله وَالْحب مَعَ الله وَهَذَا من أهم الفروق
وكل أحد مُحْتَاج بل مُضْطَر إِلَى الْفرق بَين هَذَا وَهَذَا فالحب فِي الله هُوَ من كَمَال الْإِيمَان وَالْحب مَعَ الله هُوَ عين الشّرك وَالْفرق بَينهمَا أَن الْمُحب فِي الْحبّ تَابع لمحبة الله فَإِذا تمكنت محبته من قلب العَبْد أوجبت تِلْكَ الْمحبَّة ان يحب مَا يُحِبهُ الله فَإِذا أحب مَا أحبه ربه ووليه كَانَ ذَلِك الْحبّ لَهُ وَفِيه كَمَا يحب رسله وأنبياءه وَمَلَائِكَته وأوليائه لكَونه تَعَالَى يُحِبهُمْ وَيبغض من يبغضهم لكَونه تَعَالَى ببغضهم وعلامة هَذَا الْحبّ والبغض فِي الله أَنه لَا يَنْقَلِب بغضه لبغيض الله حبا لإحسانه إِلَيْهِ وخدمته لَهُ وَقَضَاء حَوَائِجه وَلَا يَنْقَلِب حبه لحبيب الله بغضا إِذا وصل إِلَيْهِ من جِهَته من يكرههُ ويؤلمه إِمَّا خطأ وَإِمَّا عمدا مُطيعًا لله فِيهِ أَو متأولا أَو مُجْتَهدا أَو بَاغِيا نازعا تَائِبًا وَالدّين كُله يَدُور على أَربع قَوَاعِد حب وبغض وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِمَا فعل وَترك فَمن كَانَ حبه وبغضه وَفعله وَتَركه لله فقد اسْتكْمل الْإِيمَان بِحَيْثُ إِذا أحب أحب لله وَإِذا أبْغض أبْغض لله وَإِذا فعل فعل لله وَإِذا ترك ترك لله وَمَا نقص من أصنافه هَذِه الْأَرْبَعَة نقص من إيمَانه وَدينه بِحَسبِهِ وَهَذَا بِخِلَاف الْحبّ مَعَ الله فَهُوَ نَوْعَانِ يقْدَح فِي أصل التَّوْحِيد وَهُوَ شرك وَنَوع يقْدَح فِي كَمَال الْإِخْلَاص ومحبة الله وَلَا يخرج من الْإِسْلَام
стр. 250
فَالْأول كمحبة الْمُشْركين لأوثانهم وأندادهم قَالَ تَعَالَى وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وَهَؤُلَاء الْمُشْركُونَ يحبونَ أوثانهم وأصنامهم وآلهتهم مَعَ الله كَمَا يحبونَ الله فَهَذِهِ محبَّة تأله وموالاة يتبعهَا الْخَوْف والرجاء وَالْعِبَادَة وَالدُّعَاء وَهَذِه الْمحبَّة هِيَ مَحْض الشّرك الَّذِي لَا يغفره الله وَلَا يتم الْإِيمَان إِلَّا بمعاداة هَذِه الأنداد وَشدَّة بغضها وبغض أَهلهَا ومعاداتهم ومحاربتهم وَبِذَلِك أرسل الله جَمِيع رسله وَأنزل جَمِيع كتبه وَخلق النَّار لأهل هَذِه الْمحبَّة الشركية وَخلق الْجنَّة لمن حَارب أَهلهَا وعاداهم فِيهِ وَفِي مرضاته فَكل من عبد شَيْئا من لدن عَرْشه إِلَى قَرَار أرضه فقد اتخذ من دون الله إِلَهًا ووليا وأشرك بِهِ كَائِنا ذَلِك المعبود مَا كَانَ وَلَا بُد أَن يتبرأ مِنْهُ أحْوج مَا كَانَ إِلَيْهِ
وَالنَّوْع الثَّانِي محبَّة مَا زينه الله للنفوس من النِّسَاء والبنين وَالذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْخَيْل المسومة والأنعام والحرث فيحبها محبَّة شَهْوَة كمحبة الجائع للطعام والظمآن للْمَاء فَهَذِهِ الْمحبَّة ثَلَاثَة أَنْوَاع فَإِن أحبها لله توصلا بهَا إِلَيْهِ واستعانة على مرضاته وطاعته أثيب عَلَيْهَا وَكَانَت من قسم الْحبّ لله توصلا بهَا إِلَيْهِ ويلتذ بالتمتع بهَا وَهَذَا حَاله أكمل الْخلق الَّذِي حبب إِلَيْهِ من الدُّنْيَا النِّسَاء وَالطّيب وَكَانَت محبته لَهما عونا لَهُ على محبَّة الله وتبليغ رسَالَته وَالْقِيَام بأَمْره وَإِن أحبها لموافقة طبعه وهواه وإرادته وَلم يؤثرها على مَا يُحِبهُ الله ويرضاه بل نالها بِحكم الْميل الطبيعي كَانَت من قسم الْمُبَاحَات وَلم يُعَاقب على ذَلِك وَلَكِن ينقص من كَمَال محبته لله والمحبة فِيهِ وَإِن كَانَت هِيَ مَقْصُودَة وَمرَاده وسعيه فِي تَحْصِيلهَا وَالظفر بهَا وقدمها على مَا يُحِبهُ الله ويرضاه مِنْهُ كَانَ ظَالِما لنَفسِهِ مُتبعا لهواه
فَالْأولى محبَّة السَّابِقين
وَالثَّانيَِة محبَّة الْمُقْتَصِدِينَ
وَالثَّالِثَة محبَّة الظَّالِمين
فَتَأمل هَذَا الْموضع وَمَا فِيهِ من الْجمع وَالْفرق فَإِنَّهُ معترك النَّفس الأمارة والمطمئنة وَالْمهْدِي من هداه الله
فصل وَالْفرق بَين التَّوَكُّل وَالْعجز أَن التَّوَكُّل عمل الْقلب وعبوديته اعْتِمَادًا
على الله وثقة بِهِ والتجاء إِلَيْهِ وتفويضا إِلَيْهِ ورضا بِمَا يَقْضِيه لَهُ لعلمه بكفايته سُبْحَانَهُ وَحسن اخْتِيَاره لعَبْدِهِ إِذا فوض إِلَيْهِ مَعَ قِيَامه بالأسباب الْمَأْمُور بهَا واجتهاده فِي تَحْصِيلهَا فقد كَانَ رَسُول الله
следующие страницы →