← Акыда

Акыда · id 6462

الروح - ابن القيم - ط العلمية

ابن القيم

Полный текст (263 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الثَّانِي وصفهَا بِالدُّخُولِ الثَّالِث وصفهَا بِالرِّضَا وَاخْتلف السّلف هَل يُقَال لَهَا ذَلِك عِنْد الْمَوْت أَو عِنْد الْبَعْث أَو فِي الْمَوْضِعَيْنِ على ثَلَاثَة أَقْوَال وَقد روى فِي حَدِيث مَرْفُوع أَن النَّبِي قَالَ لأبي بكر الصّديق أما أَن الْملك سيقولها لَك عِنْد الْمَوْت قَالَ زيد بن أسلم بشرت بِالْجنَّةِ عِنْد الْمَوْت وَيَوْم الْجمع وَعند الْبَعْث وَقَالَ أَبُو صَالح ﴿ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية﴾ هَذَا عِنْد الْمَوْت فأدخلي عبَادي وادخلي جنتي قَالَ هَذَا يَوْم الْقِيَامَة فَهَذِهِ أَرْبَعَة عشر دَلِيلا الْخَامِس عشر قَوْله إِن الرّوح إِذا قبض تبعه الْبَصَر فَفِيهِ دليلان أَحدهمَا وَصفه بِأَنَّهُ يقبض الثَّانِي أَن الْبَصَر يرَاهُ السَّابِع عشر مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ حَدثنَا أَبُو دَاوُد عَن عَفَّان عَن حَمَّاد عَن أَبى جَعْفَر عَن عمَارَة بن خُزَيْمَة أَن أَبَاهُ قَالَ رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنِّي أَسجد على جبهة النَّبِي فَأَخْبَرته بذلك فَقَالَ إِن الرّوح ليلقى الرّوح فأقنع رَسُول الله هَكَذَا قَالَ عَفَّان بِرَأْسِهِ إِلَى حلقه فَوضع جَبهته على جبهة النَّبِي فَأخْبر أَن الْأَرْوَاح تتلاقى فِي الْمَنَام وَقد تقدم قَول ابْن عَبَّاس تلتقي أَرْوَاح الْأَحْيَاء والأموات فِي الْمَنَام فيتساءلون بَينهم فَيمسك الله أَرْوَاح الْمَوْتَى الثَّامِن عشر قَوْله فِي حَدِيث بِلَال إِن الله قبض أرواحكم وردهَا إِلَيْكُم حِين شَاءَ فَفِيهِ دليلان وصفهَا بِالْقَبْضِ وَالرَّدّ الْعشْرُونَ قَوْله نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة وَفِيه دليلان أَحدهمَا كَونهَا طائرا الثَّانِي تعلقهَا فِي شجر الْجنَّة وأكلها على اخْتِلَاف التفسيرين الثَّانِي وَالْعشْرُونَ قَوْله أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي حواصل طير خضر تسرح فِي الْجنَّة حَيْثُ

стр. 177

شَاءَت وتأوي إِلَى قناديل معلقَة بالعرش فَأطلع إِلَيْهِم رَبك اطلاعة فَقَالَ أَي شَيْء تُرِيدُونَ الحَدِيث وَقد تقدم وَفِيه سِتَّة أَدِلَّة أَحدهَا كَونهَا مودعة فِي جَوف طير الثَّانِي أَنَّهَا تسرح فِي الْجنَّة الثَّالِث أَنَّهَا تَأْكُل من ثمارها وتشرب من أنهارها الرَّابِع أَنَّهَا تأوي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيل أَي تسكن إِلَيْهَا الْخَامِس أَن الرب تَعَالَى خاطبها واستنطقها فأجابته وخاطبته السَّادِس أَنَّهَا طلبت الرُّجُوع إِلَى الدُّنْيَا فَعلم أَنَّهَا مِمَّا يقبل الرُّجُوع فَإِن قيل هَذَا كُله صفه الطير لَا صفة الرّوح قيل بل الرّوح المودعة فِي الطير قصد وعَلى الرِّوَايَة الَّتِي رجحها أَبُو عمر وَهِي قَوْله أَرْوَاح الشُّهَدَاء كطير يَنْفِي السُّؤَال بِالْكُلِّيَّةِ التَّاسِع وَالْعشْرُونَ قَوْله فِي حَدِيث طَلْحَة بن عبيد الله أردْت مَالِي بِالْغَابَةِ فأدركني اللَّيْل فأويت إِلَى قبر عبد الله بن عَمْرو بن حزَام فَسمِعت قِرَاءَة من الْقَبْر مَا سَمِعت أحسن مِنْهَا فَقَالَ رَسُول الله ذَاك عبد الله ألم تعلم أَن الله قبض أَرْوَاحهم فَجَعلهَا فِي قناديل من زبرجد وَيَاقُوت ثمَّ علقها وسط الْجنَّة فَإِذا كَانَ اللَّيْل ردَّتْ إِلَيْهِم أَرْوَاحهم فَلَا تزَال كَذَلِك حَتَّى إِذا طلع الْفجْر ردَّتْ أَرْوَاحهم إِلَى مَكَانهَا الَّتِي كَانَت وَفِيه أَرْبَعَة أَدِلَّة سوى مَا تقدم أَحدهَا جعلهَا فِي الْقَنَادِيل الثَّانِي انتقالها من حيّز إِلَى حيّز الثَّالِث تكلمها وقراءتها فِي الْقَبْر الرَّابِع وصفهَا بِأَنَّهَا فِي مَكَان الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ حَدِيث الْبَراء بن عَازِب وَقد تقدم سِيَاقه وَفِيه عشرُون دَلِيلا أَحدهَا قَول ملك الْمَوْت لنَفسِهِ ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية﴾ وَهَذَا الْخطاب لمن يفهم وَيعْقل الثَّانِي قَوْله اخْرُجِي إِلَى مغْفرَة من الله ورضوان الثَّالِث قَوْله فَتخرج تسيل كَمَا تسيل القطرة من فِي السقاء

стр. 178

الرَّابِع قَوْله فَلَا يدعونها فِي يَده طرفَة عين حَتَّى يأخذوها مِنْهُ الْخَامِس قَوْله حَتَّى يكفنوها فِي ذَلِك الْكَفَن ويحنطوها بذلك الحنوط فَأخْبر أَنه تكفن وتحنط السَّادِس قَوْله ثمَّ يصعد بِرُوحِهِ إِلَى السَّمَاء السَّابِع قَوْله وَيُوجد مِنْهَا كأطيب نفحة مسك وجدت الثَّامِن قَوْله فتفتح لَهُ أَبْوَاب السَّمَاء التَّاسِع قَوْله ويشيعه من كل سَمَاء مقربوها حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى الرب تَعَالَى الْعَاشِر قَوْله فَيَقُول تَعَالَى ردوا عَبدِي إِلَى الأَرْض الْحَادِي عشر قَوْله فَترد روحه فِي جسده الثَّانِي عشر قَوْله فِي روح الْكَافِر فَتفرق فِي جسده فيجذبها فتنقطع مِنْهَا الْعُرُوق والعصب الثَّالِث عشر قَوْله وَيُوجد لروحه كأنتن ريح وجدت على وَجه الأَرْض الرَّابِع عشر قَوْله فيقذف بِرُوحِهِ عَن السَّمَاء وتطرح طرحا فتهوى إِلَى الأَرْض الْخَامِس عشر قَوْله فَلَا يَمرونَ بهَا على مَلأ من الْمَلَائِكَة إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرّوح الطّيب وَمَا هَذَا الرّوح الْخَبيث السَّادِس عشر قَوْله فيجلسان ويقولان لَهُ مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل فَإِن كَانَ هَذَا للروح فَظَاهر وَإِن كَانَ للبدن فَهُوَ بعد رُجُوع الرّوح إِلَيْهِ من السَّمَاء السَّابِع عشر قَوْله فَإِذا صعد بِرُوحِهِ قيل أَي رب عَبدك فلَان الثَّامِن عشر قَوْله أرجعوه فأروه مَاذَا أَعدَدْت لَهُ من الْكَرَامَة فَيرى مَقْعَده من الْجنَّة أَو النَّار التَّاسِع عشر قَوْله فِي الحَدِيث إِذا خرجت روح الْمُؤمن صلى عَلَيْهَا كل ملك لله بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فالملائكة تصلى على روحه وَبني آدم يصلونَ على جسده الْعشْرُونَ قَوْله فَينْظر إِلَى مَقْعَده من الْجنَّة أَو النَّار حَتَّى تقوم السَّاعَة وَالْبدن قد تمزق وتلاشى وَإِنَّمَا الَّذِي يرى الْمَقْعَدَيْنِ الرّوح

стр. 179

فصل الرَّابِع وَالْخَمْسُونَ حَدِيث أبي مُوسَى تخرج نفس الْمُؤمن أطيب من ريح الْمسك فتنطلق بهَا الْمَلَائِكَة الَّذين يتوفونه فَتَلقاهُمْ مَلَائِكَة من دون السَّمَاء فَيَقُولُونَ هَذَا فلَان ابْن فلَان كَانَ يعْمل كَيْت وَكَيْت بمحاسن عمله فَيَقُولُونَ مرْحَبًا بكم وَبِه فيقبضونها مِنْهُم فيصعد بِهِ من الْبَاب الَّذِي كَانَ يصعد مِنْهُ عمله فيشرق فِي السَّمَوَات وَهُوَ كبرهان الشَّمْس حَتَّى يَنْتَهِي بهَا إِلَى الْعَرْش وَأما الْكَافِر فَإِذا قبض انْطلق بِرُوحِهِ فَيَقُولُونَ من هَذَا فَيَقُولُونَ فلَان ابْن فلَان كَانَ يعْمل كَيْت وَكَيْت لمساوي أَعماله فَيَقُولُونَ لَا مرْحَبًا لَا مرْحَبًا ردُّوهُ فَيرد إِلَى أَسْفَل الأَرْض إِلَى الثرى فَفِيهِ عشرَة أَدِلَّة أَحدهَا خُرُوج نَفسه الثَّانِي طيب رِيحهَا الثَّالِث انطلاق الْمَلَائِكَة بهَا الرَّابِع تَحِيَّة الْمَلَائِكَة لَهَا الْخَامِس قبضهم لَهَا السَّادِس صعودهم بهَا السَّابِع إشراق السَّمَوَات لضوئها الثَّامِن انتهاؤها إِلَى الْعَرْش التَّاسِع قَول الْمَلَائِكَة من هَذَا وَهَذَا سُؤال عَن عين وَذَات قَائِمَة بِنَفسِهَا الْعَاشِر قَوْله ردُّوهُ إِلَى أَسْفَل الْأَرْضين فصل الرَّابِع وَالسِّتُّونَ حَدِيث أبي هُرَيْرَة إِذا خرجت روح الْمُؤمن تَلقاهُ ملكان فيصعدانه إِلَى السَّمَاء فَيَقُول أهل السَّمَاء روح طيبَة جَاءَت من قبل الأَرْض صلى الله عَلَيْك وعَلى جَسَد كنت تعمرينه وَذكر الْمسك ثمَّ يصعد بِهِ إِلَى ربه فَيَقُول ردُّوهُ إِلَى آخر الْأَجَليْنِ فَفِيهِ سِتَّة أَدِلَّة أَحدهَا قَوْله تَلقاهُ ملكان الثَّانِي قَوْله فيصعدانه إِلَى السَّمَاء الثَّالِث قَول الْمَلَائِكَة روح طيبَة جَاءَت من قبل الأَرْض

стр. 180

الرَّابِع صلَاتهم عَلَيْهَا الْخَامِس طيب رِيحهَا السَّادِس الصعُود بهَا إِلَى الله فصل الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن الْمُؤمن تحضره الْمَلَائِكَة فَإِذا كَانَ الرجل الصَّالح قَالُوا أَخْرِجِي أيتها النَّفس الطّيبَة كَانَت فِي الْجَسَد الطّيب أَخْرِجِي حميدة وَأَبْشِرِي بِروح وَرَيْحَان وَرب غير غَضْبَان فَلَا يزَال يُقَال لَهَا ذَلِك حَتَّى تخرج فيعرج بهَا حَتَّى يَنْتَهِي بهَا إِلَى السَّمَاء فيستفتح لَهَا فَيُقَال من هَذَا فَيُقَال فلَان ابْن فلَان فَيُقَال مرْحَبًا بِالنَّفسِ الطّيبَة كَانَت فِي الْجَسَد الطّيب ادخلي حميدة وأبشرى بِروح وَرَيْحَان وَرب غير غَضْبَان فَلَا يزَال يُقَال لَهَا ذَلِك حَتَّى يَنْتَهِي بهَا إِلَى السَّمَاء الَّتِي فِيهَا الله وَإِذا كَانَ الرجل السوء قَالَ أَخْرِجِي أيتها النَّفس الخبيثة كَانَت فِي الْجَسَد الْخَبيث أَخْرِجِي ذميمة وَأَبْشِرِي بحميم وغساق وَآخر من شكله أَزوَاج فَلَا يزَال يُقَال لَهَا حَتَّى تخرج فينتهي بهَا إِلَى السَّمَاء فَيُقَال من هَذَا فَيُقَال فلَان ابْن فلَان فَيُقَال لَا مرْحَبًا بِالنَّفسِ الخبيثة كَانَت فِي الْجَسَد الْخَبيث ارجعي ذميمة فَإِنَّهُ لَا تفتح لَك أَبْوَاب السَّمَاء فترسل إِلَى الأَرْض ثمَّ تصير إِلَى الْقَبْر وَهُوَ حَدِيث صَحِيح وَفِيه عشرَة أَدِلَّة أَحدهَا قَوْله كَانَت فِي الْجَسَد الطّيب وَكَانَت فِي الْجَسَد الْخَبيث فها هُنَا حَال وَمحل الثَّانِي قَوْله أَخْرِجِي حميدة الثَّالِث قَوْله وَأَبْشِرِي بِروح وَرَيْحَان فَهَذَا بِشَارَة بِمَا تصير إِلَيْهِ بعد خُرُوجهَا الرَّابِع قَوْله فَلَا يزَال يُقَال لَهَا ذَلِك حَتَّى يَنْتَهِي بهَا إِلَى السَّمَاء الْخَامِس قَوْله فيستفتح لَهَا السَّادِس قَوْله أدخلي حميدة السَّابِع قَوْله حَتَّى يَنْتَهِي بهَا إِلَى السَّمَاء الَّتِي فِيهَا الله تَعَالَى الثَّامِن قَوْله لنَفس الْفَاجِر ارجعي ذميمة التَّاسِع فَإِنَّهُ لَا تفتح لَك أَبْوَاب السَّمَاء الْعَاشِر قَوْله فترسل إِلَى الأَرْض ثمَّ تصير إِلَى الْقَبْر

стр. 181

فصل الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ قَوْله الْأَرْوَاح جنود مجندة فَمَا تعارف مِنْهَا ائتلف وَمَا تناكر مِنْهَا اخْتلف فوصفها بِأَنَّهَا جنود مجندة والجنود ذَوَات قَائِمَة بِنَفسِهَا ووصفها بالتعارف والتناكر ومحال أَن تكون هَذِه الْجنُود أعراضا أَو تكون لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا بعض لَهَا وَلَا كل الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ قَوْله فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود ﵁ على الْأَرْوَاح تتلاقى وتتشامم كَمَا تشام الْخَيل وَقد تقدم الثَّالِث وَالثَّمَانُونَ قَوْله فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو ﵄ أَن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ تتلاقى على مسيرَة يَوْمَيْنِ وَمَا رَأْي أَحدهمَا صَاحبه الرَّابِع وَالثَّمَانُونَ الْآثَار الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي خلق آدم وَأَن الرّوح لما دخل فِي رَأسه عطس فَقَالَ الْحَمد لله فَلَمَّا وصل الرّوح إِلَى عَيْنَيْهِ نظر إِلَى ثمار الْجنَّة فَلَمَّا وصل إِلَى جَوْفه اشتهي الطَّعَام فَوَثَبَ قبل أَن يبلغ الرّوح رجلَيْهِ وَأَنَّهَا دخلت كارهة وَتخرج كارهة وَتخرج كارهة الْخَامِس وَالثَّمَانُونَ الْآثَار الَّتِي فِيهَا إِخْرَاج الرب تَعَالَى النسم وتمييز شقيهم من سعيدهم وتفاوتهم حِينَئِذٍ فِي الْإِشْرَاق والظلمة وأرواح الْأَنْبِيَاء فيهم مثل السرج وَقد تقدم السَّادِس وَالثَّمَانُونَ حَدِيث تَمِيم الدَّارِيّ أَن روح الْمُؤمن إِذا صعد بهَا إِلَى الله خر سَاجِدا بَين يَدَيْهِ وَأَن الْمَلَائِكَة تتلقى الرّوح بالبشرى وَأَن الله تَعَالَى يَقُول الْملك الْمَوْت انْطلق بِروح عبدى فضعه فِي مَكَان كَذَا وَكَذَا وَقد تقدم السَّابِع وَالثَّمَانُونَ الْآثَار الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي مُسْتَقر الْأَرْوَاح بعد الْمَوْت وَاخْتِلَاف النَّاس فِي ذَلِك وَفِي ضمن ذَلِك الِاخْتِلَاف إِجْمَاع السّلف على أَن للروح مُسْتَقرًّا بعد الْمَوْت وَإِن اخْتلف فِي تَعْيِينه الثَّامِن وَالثَّمَانُونَ مَا قد علم بِالضَّرُورَةِ أَن رَسُول الله جَاءَ بِهِ وَأخْبر بِهِ الْأمة أَنه تنْبت أَجْسَادهم فِي الْقُبُور فَإِذا نفخ فِي الصُّور رجعت كل روح إِلَى جَسدهَا فَدخلت فِيهِ فانشقت الأَرْض عَنهُ فَقَامَ من قَبره وَفِي حَدِيث الصُّور أَن إسْرَافيل ﵇ يَدْعُو الْأَرْوَاح فَتَأْتِيه جَمِيعًا أَرْوَاح الْمُسلمين نورا وَالْأُخْرَى مظْلمَة فيجمعها جَمِيعًا فيعلقها فِي الصُّور ثمَّ ينْفخ فِيهِ فَيَقُول الرب ﷻ وَعِزَّتِي ليرجعن كل روح إِلَى جسده فَتخرج الْأَرْوَاح من الصُّور مثل النَّحْل قد مَلَأت مَا بَين

стр. 182

السَّمَاء وَالْأَرْض فَيَأْتِي كل روح إِلَى جسده فَيدْخل وَيَأْمُر الله الأَرْض فَتَنْشَق عَنْهُم فَيخْرجُونَ سرَاعًا إِلَى رَبهم يَنْسلونَ مهطعين إِلَى الدَّاعِي يسمعُونَ الْمُنَادِي من مَكَان قريب فَإِذا هم قيام ينظرُونَ وَهَذَا مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ أَن الرَّسُول أخبر بِهِ وَإِن الله سُبْحَانَهُ لَا ينشىء لَهُم أرواحا غير أَرْوَاحهم الَّتِي كَانَت فِي الدُّنْيَا بل هِيَ الْأَرْوَاح الَّتِي اكْتسبت الْخَيْر وَالشَّر أنشأ أبدانها نشأة أُخْرَى ثمَّ ردهَا إِلَيْهَا التَّاسِع وَالثَّمَانُونَ أَن الرّوح والجسد يختصمان بَين يَدي الرب يَوْم الْقِيَامَة قَالَ عَليّ بن عبد الْعَزِيز حَدثنَا أَحْمد بن يُونُس حَدثنَا أَبُو بكر بن عَيَّاش عَن أَبى سعيد الْبَقَّال عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ مَا تزَال الْخُصُومَة بَين النَّاس يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يُخَاصم الرّوح الْجَسَد فَيَقُول الرّوح يَا رب إِنَّمَا كنت روحا مِنْك جَعَلتني فِي هَذَا الْجَسَد فَلَا ذَنْب لي وَيَقُول الْجَسَد يَا رب كنت جسدا خلقتني وَدخل فِي هَذَا الرّوح مثل النَّار فِيهِ كنت أقوم وَبِه كنت أقعد وَبِه أذهب وَبِه أجىء لَا ذَنْب لي قَالَ فَيُقَال أَنا أَقْْضِي بَيْنكُمَا أخبراني عَن أعمى ومقعد دخلا حَائِطا فَقَالَ المقعد للأعمى إِنِّي أرى ثمرا فَلَو كَانَت لي رجلَانِ لتناولت فَقَالَ الْأَعْمَى أَنا أحملك على رقبتي فَحَمله فَتَنَاول من الثَّمر فأكلا جَمِيعًا فعلى من الذَّنب قَالَا عَلَيْهِمَا جَمِيعًا فَقَالَ قضيتما على أنفسكما التِّسْعُونَ الْأَحَادِيث والْآثَار الدَّالَّة على عَذَاب الْقَبْر ونعيمه إِلَى يَوْم الْبَعْث فمعلوم أَن الْجَسَد تلاشى واضمحل وَأَن الْعَذَاب وَالنَّعِيم المستمرين إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِنَّمَا هُوَ على الرّوح الْحَادِي وَالتِّسْعُونَ أَخْبَار الصَّادِق المصدوق فِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن الشُّهَدَاء إِنَّهُم لما سئلوا مَا تُرِيدُونَ قَالُوا نُرِيد أَن ترد أَرْوَاحنَا فِي أَجْسَادنَا حَتَّى نقْتل فِيك مرّة أُخْرَى فَهَذَا سُؤال وَجَوَاب من ذَات حَيَّة عَالِمَة ناطقة تقبل الرَّد إِلَى الدُّنْيَا وَالدُّخُول فِي أجساد خرجت مِنْهَا وَهَذِه الْأَرْوَاح سُئِلت وَهِي تسرح فِي الْجنَّة والأجساد قد مزقها البلى الثَّانِي وَالتِّسْعُونَ مَا ثَبت عَن سلمَان الْفَارِسِي وَغَيره من الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فِي برزخ تذْهب حَيْثُ شَاءَت وأرواح الْكفَّار فِي سِجِّين وَقد تقدم الثَّالِث وَالتِّسْعُونَ رُؤْيَة النَّبِي لأرواح النَّاس عَن يَمِين آدم ويساره لَيْلَة الْإِسْرَاء فرآها متحيزة بمَكَان معِين

стр. 183

الرَّابِع وَالتِّسْعُونَ رُؤْيَته أَرْوَاح الْأَنْبِيَاء فِي السَّمَوَات وسلامهم عَلَيْهِ وترحيبهم بِهِ كَمَا أخبر بِهِ وَأما أبدانهم فَفِي الأَرْض الْخَامِس وَالتِّسْعُونَ رُؤْيَته أَرْوَاح الْأَطْفَال حول إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ السَّادِس وَالتِّسْعُونَ رُؤْيَته أَرْوَاح الْمُعَذَّبين فِي البرزخ بأنواع الْعَذَاب فِي حَدِيث سَمُرَة الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَقد تلاشت أَجْسَادهم واضمحلت وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي رَآهُ أَرْوَاحهم ونسمهم يفعل بهَا ذَلِك السَّابِع وَالتِّسْعُونَ أخباره سُبْحَانَهُ عَن الَّذين قتلوا فِي سَبيله أَنهم أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ وَأَنَّهُمْ فَرِحُونَ مستبشرين بإخوانهم وَهَذَا للأرواح قطعا لِأَن الْأَبدَان فِي التُّرَاب تنظر عود أَرْوَاحهم إِلَيْهَا يَوْم الْبَعْث الثَّامِن وَالتِّسْعُونَ مَا تقدم من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ وَنحن نسوقه ليتبين كم فِيهِ من دَلِيل على بطلَان قَول الْمَلَاحِدَة وَأهل الْبدع فِي الرّوح وَقد ذكرنَا إِسْنَاده فِيمَا تقدم قَالَ بَيْنَمَا رَسُول الله ذَات يَوْم قَاعِدا تَلا هَذِه الْآيَة ﴿وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت﴾ الْآيَة ثمَّ قَالَ وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ مَا من نفس تفارق الدُّنْيَا حَتَّى ترى مقعدها من الْجنَّة أَو النَّار فَإِذا كَانَ عِنْد ذَلِك صف لَهُ سماطان من الْمَلَائِكَة ينتظمان مَا بَين الْخَافِقين كَأَن وُجُوههم الشَّمْس فَينْظر إِلَيْهِم مَا يرى غَيرهم وَإِن كُنْتُم ترَوْنَ أَنه ينظر إِلَيْكُم مَعَ كل ملك مِنْهُم أكفان وحنوط فَإِن كَانَ مُؤمنا بشروه بِالْجنَّةِ وَقَالُوا أَخْرِجِي أيتها النَّفس المطمئنة إِلَى رضوَان الله وجنته فقد أعد الله لَك من الْكَرَامَة مَا هُوَ خير لَك من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا فَلَا يزالون يُبَشِّرُونَهُ فهم ألطف بِهِ وأرأف من الوالدة بِوَلَدِهَا ثمَّ يسلون روحه من تَحت كل ظفر ومفصل يَمُوت الأول فَالْأول ويبرد كل عُضْو الأول فَالْأول ويهون عَلَيْهِم وَإِن كُنْتُم تَرَوْنَهُ شَدِيدا حَتَّى تبلغ ذقنه فلهي أَشد كَرَاهِيَة لِلْخُرُوجِ من الْجَسَد من الْوَلَد حِين يخرج من الرَّحِم فيبتدرونها كل ملك مِنْهُم أَيهمْ يقبضهَا فيتولى قبضهَا ملك ثمَّ تَلا رَسُول الله ﴿قل يتوفاكم ملك الْمَوْت الَّذِي وكل بكم ثمَّ إِلَى ربكُم ترجعون﴾ فيتلقاها بأكفان بيض ثمَّ يحتضنها إِلَيْهِ فَلَهو أَشد لُزُوما من الْمَرْأَة لولدها ثمَّ يفوح مِنْهَا ريح أطيب من الْمسك فيستنشقون ريحًا طيبا ويتباشرون بهَا وَيَقُولُونَ مرْحَبًا بِالرِّيحِ الطّيبَة وَالروح الطّيب اللَّهُمَّ صل عَلَيْهِ روحا وصل على جَسَد خرجت مِنْهُ قَالَ فيصعدون بهَا فتفوح لَهُم ريح أطيب من الْمسك فيصلون عَلَيْهَا ويتباشرون بهَا وتفتح لَهُم أَبْوَاب السَّمَاء وَيصلى عَلَيْهَا كل ملك فِي كل سَمَاء تمر بهم حَتَّى تَنْتَهِي بَين يَدي الْجَبَّار ﷻ فَيَقُول الْجَبَّار مرْحَبًا بِالنَّفسِ

стр. 184

الطّيبَة ادخلوها الْجنَّة وأروها مقعدها من الْجنَّة وأعرضوا عَلَيْهَا مَا أَعدَدْت لَهَا من الْكَرَامَة وَالنَّعِيم ثمَّ اذْهَبُوا بهَا إِلَى الأَرْض فَإِنِّي قضيت أَنِّي مِنْهَا خلقتهمْ وفيهَا أعيدهم وَمِنْهَا أخرجهم تَارَة أُخْرَى فوالذي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لهي أَشد كَرَاهِيَة لِلْخُرُوجِ مِنْهَا حِين كَانَت تخرج من الْجَسَد وَتقول أَيْن تذهبون بِي إِلَى ذَلِك الْجَسَد الَّذِي كنت فِيهِ فَيَقُولُونَ إِنَّا مأمورون بِهَذَا فَلَا بُد لَك مِنْهُ فيهبطون بِهِ على قدر فراغهم من غسله وأكفانه فَيدْخلُونَ ذَلِك الرّوح بَين الْجَسَد وأكفانه فَتَأمل كم فِي الحَدِيث من مَوضِع يشْهد بِبُطْلَان قَول المبطلين فِي الرّوح التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ مَا ذكره عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن زيد بن أسلم عَن عبد الرَّحْمَن ابْن الْبَيْلَمَانِي عَن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ إِذا توفّي الْمُؤمن بعث إِلَيْهِ ملكان بريحان من الْجنَّة وخرقة تقبض فِيهَا فَتخرج كأطيب رَائِحَة وجدهَا أحد قطّ بِأَنْفِهِ حَتَّى يُؤْتى بِهِ الرَّحْمَن ﷻ فتسجد الْمَلَائِكَة قبله وَيسْجد بعدهمْ ثمَّ يدعى مِيكَائِيل ﵇ فَيُقَال اذْهَبْ بِهَذِهِ النَّفس فإجلعها مَعَ أنفس الْمُؤمنِينَ حَتَّى أَسأَلك عَنْهَا يَوْم الْقِيَامَة وَقد تظاهرت الْآثَار عَن الصَّحَابَة أَن روح الْمُؤمن تسْجد بَين يَدي الْعَرْش فِي وَفَاة النّوم ووفاة الْمَوْت وَأما حِين قدومها على الله فَأحْسن تحيتها أَن تَقول اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام ومنك السَّلَام تَبَارَكت يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام وحَدثني القَاضِي نور الدّين بن الصَّائِغ قَالَ كَانَت لي خَالَة وَكَانَت من الصَّالِحَات العابدات قَالَ عدتهَا فِي مرض مَوتهَا فَقَالَت لي الرّوح إِذا قدمت على الله ووقفت بَين يَدَيْهِ مَا تكون تحيتها وَقَوْلها لَهُ قَالَ فعظمت على مسألتها وفكرت فِيهَا ثمَّ قلت تَقول اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام ومنك السَّلَام تَبَارَكت يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام قَالَ فَلَمَّا توفيت رَأَيْتهَا فِي الْمَنَام فَقَالَت لي جَزَاك الله خيرا لقد دهشت فَمَا أَدْرِي مَا أقوله ثمَّ ذكرت تِلْكَ الْكَلِمَة الَّتِي قلت لي فقلتها فصل الْمِائَة مَا قد اشْترك فِي الْعلم بِهِ عَامَّة أهل الأَرْض من لِقَاء أَرْوَاح الْمَوْتَى وسؤالهم لَهُم وإخبارهم إيَّاهُم بِأُمُور خفيت عَلَيْهِم فرأوها عيَانًا وَهَذَا أَكثر من أَن يتَكَلَّف إِيرَاده وأعجب من هَذَا الْوَجْه الْحَادِي وَالْمِائَة أَن روح النَّائِم يحصل لَهَا فِي الْمَنَام آثَار فَتُصْبِح يَرَاهَا على الْبدن عيَانًا وَهِي من تَأْثِير للروح فِي الرّوح كَمَا ذكر القيراوني فِي كتاب الْبُسْتَان

стр. 185

قَالَ كَانَ لي جَار يشْتم أَبَا بكر وَعمر ﵄ فَلَمَّا كَانَ ذَات يَوْم أَكثر من شتمهما فتناولته وتناولي فأنصرفت إِلَى منزلي وَأَنا مغموم حَزِين فَنمت وَتركت الْعشَاء فَرَأَيْت رَسُول الله فِي الْمَنَام فَقلت يَا رَسُول الله فلَان يسب أَصْحَابك قَالَ من أَصْحَابِي قلت أَبُو بكر وَعمر فَقَالَ خُذ هَذِه المدية فأذبحه بهَا فأخذتها فأضجعته وذبحته وَرَأَيْت كَأَن يَدي أَصَابَهَا من دَمه فألقيت المدية وأهويت بيَدي إِلَى الأَرْض لأمسحها فأنتبهت وَأَنا أسمع الصُّرَاخ من نَحْو دَاره فَقلت مَا هَذَا الصُّرَاخ قَالُوا فلَان مَاتَ فَجْأَة فَلَمَّا أصحنا جِئْت فَنَظَرت إِلَيْهِ فَإِذا خطّ مَوضِع الذّبْح وَفِي كتاب المنامات لِابْنِ أبي الدُّنْيَا عَن شيخ من قُرَيْش قَالَ رَأَيْت رجلا بِالشَّام قد أسود نصف وَجهه وَهُوَ يغطيه فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ قد جعلت لله على أَن لَا يسألني أحد عَن ذَلِك إِلَّا أخْبرته بِهِ كنت شَدِيد الوقيعة فِي عَليّ بن أبي طَالب ﵁ فَبينا أَنا ذَات لَيْلَة نَائِم إِذْ أَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي فَقَالَ لي أَنْت صَاحب الوقيعة فِي فَضرب شقّ وَجْهي فَأَصْبَحت وشق وَجْهي أسود كَمَا ترى وَذكر مسْعدَة عَن هِشَام بن حسان عَن وَاصل مولى أبي عُيَيْنَة عَن مُوسَى بن عُبَيْدَة عَن صَفِيَّة بنت شيبَة قَالَت كنت عِنْد عَائِشَة ﵂ فأتتها امْرَأَة مُشْتَمِلَة على يَدهَا فَجعل النِّسَاء يولعن بهَا فَقَالَت مَا أَتَيْتُك إِلَّا من أجل يَدي أَن أبي كَانَ رجلا سَمحا وَأَنِّي رَأَيْت فِي الْمَنَام حياضا عَلَيْهَا رجال مَعَهم آنِية يسقون من أَتَاهُم فَرَأَيْت أبي قلت أَيْن أُمِّي فَقَالَ انظري فَنَظَرت فَإِذا أُمِّي لَيْسَ عَلَيْهَا إِلَّا قِطْعَة خرقَة فَقَالَ أَنَّهَا لم تَتَصَدَّق قطّ إِلَّا بِتِلْكَ الْخِرْقَة وحمة من بقرة ذبحوها فَتلك الشحمة تذاب وتطرى بهَا وَهِي تَقول وأعطشاه قَالَت فَأخذت إِنَاء من الْآنِية فسقيتها فنوديت من فَوقِي من سَقَاهَا أيبس الله يَده فَأَصْبَحت يَدي كَمَا تَرين وَذكر الْحَارِث بن أَسد المحاسبي واصبغ وَخلف بن الْقَاسِم وَجَمَاعَة عَن سعيد بن مسلمة قَالَ بَيْنَمَا امْرَأَة عِنْد عَائِشَة إِذْ قَالَت بَايَعت رَسُول الله على أَن لَا أشرك بِاللَّه شَيْئا وَلَا أسرق وَلَا أزني وَلَا أقتل وَلَدي وَلَا آتِي بِبُهْتَان أفتريه من بَين يَدي ورجلي وَلَا أعصي فِي مَعْرُوف فوفيت لرَبي ووفا لي رَبِّي فوَاللَّه لَا يُعَذِّبنِي الله فَأَتَاهَا فِي الْمَنَام ملك فَقَالَ لَهَا كلا إِنَّك تتبرجين وزينتك تبدين وخيرك تكندين وجارك تؤذين وزوجك تعصين ثمَّ وضع أَصَابِعه الْخمس على وَجههَا وَقَالَ خمس بِخمْس وَلَو زِدْت زدناك فَأَصْبَحت وَأثر الْأَصَابِع فِي وَجههَا

стр. 186

وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم صَاحب مَالك سَمِعت مَالِكًا يَقُول إِن يَعْقُوب بن عبد الله بن الْأَشَج كَانَ من خِيَار هَذِه الْأمة نَام فِي الْيَوْم الَّذِي اسْتشْهد فِيهِ فَقَالَ لأَصْحَابه إِنِّي قد رَأَيْت أمرا ولأخبرنه أَنِّي رَأَيْت كَأَنِّي أدخلت الْجنَّة فسقيت لَبَنًا فأستبقاء فقاء اللَّبن وَاسْتشْهدَ بعد ذَلِك قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَكَانَ فِي غَزْوَة فِي الْبَحْر بِموضع لَا لبن فِيهِ وَقد سَمِعت غير مَالك يذكرهُ وَيذكر أَنه مَعْرُوف فَقَالَ أَنِّي رَأَيْت كَأَنِّي أَدخل الْجنَّة فسقيت فِيهَا لَبَنًا فَقَالَ لَهُ بعض الْقَوْم أَقْسَمت عَلَيْك لما تقيأت فقاء لَبَنًا يصلد أَي يَبْرق وَمَا فِي السَّفِينَة لبن وَلَا شَاة قَالَ ابْن قُتَيْبَة قَوْله يصلد أَي يَبْرق يُقَال صلد اللَّبن وَمِنْه يصلد وَمِنْه حَدِيث عمر أَن الطَّبِيب سقَاهُ لَبَنًا فَخرج من الطعنة أَبيض يصلد وَكَانَ نَافِع القارىء إِذا تكلم يشم من فِيهِ رَائِحَة الْمسك فَقيل لَهُ كلما قعدت تتطيب فَقَالَ مَا أمس طيبا وَلَا أقربه وَلَكِن رَأَيْت النَّبِي فِي الْمَنَام وَهُوَ يقْرَأ فِي فمي فَمن ذَلِك الْوَقْت يشم من فِي هَذِه الرَّائِحَة وَذكر مسْعدَة فِي كِتَابه فِي الرُّؤْيَا عَن ربيع بن الرقاشِي قَالَ أَتَانِي رجلَانِ فقعدا إِلَى فأغتابا رجلا فنهيتهما فَأَتَانِي أَحدهمَا بعد فَقَالَ إِنِّي رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَن زنجيا أَتَانِي بطبق عَلَيْهِ جنب خِنْزِير لم أر لَحْمًا قطّ اسمن مِنْهُ فَقَالَ لي كل فَقلت آكل لحم خِنْزِير فتهددني فَأكلت فَأَصْبَحت وَقد تغير فمي فَلم يزل يجد الرّيح فِي فَمه شَهْرَيْن وَكَانَ الْعَلَاء بن زِيَاد لَهُ وَقت يقوم فِيهِ فَقَالَ لأَهله تِلْكَ اللَّيْلَة إِنِّي أجد فَتْرَة فَإِذا كَانَ وَقت كَذَا فأيقظوني فَلم يَفْعَلُوا قَالَ فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي فَقَالَ قُم يَا عَلَاء بن زِيَاد اذكر الله يذكرك وَأخذ بشعرات فِي مقدم رَأْسِي فَقَامَتْ تِلْكَ الشعرات فِي مقدم رَأْسِي فَلم تزل قَائِمَة حَتَّى مَاتَ قَالَ يحيى بن بسطَام فَلَقَد غسلناه يَوْم مَاتَ وإنهن لقِيَام فِي رَأسه وَذكر ابْن أبي الدُّنْيَا عَن أبي حَاتِم الرَّازِيّ عَن مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ كُنَّا بِمَكَّة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام قعُودا فَقَامَ رجل نصف وَجهه أسود وَنصفه أَبيض فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس اعتبروا بِي فَإِنِّي كنت أتناول الشَّيْخَيْنِ وأشتمهما فَبَيْنَمَا أَنا ذَات لَيْلَة نَائِم إِذْ أَتَانِي آتٍ فَرفع يَده فلطم وَجْهي وَقَالَ لي يَا عَدو الله يَا فَاسق أَلَسْت تسب أَبَا بكر وَعمر ﵄ فَأَصْبَحت وَأَنا على هَذِه الْحَالة وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الله المهلبي رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنِّي فِي رحبة بني فلَان وَإِذا النَّبِي جَالس على أكمة وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر وَاقِف قدامه فَقَالَ لَهُ عمر

стр. 187

يَا رَسُول الله إِن هَذَا يَشْتمنِي ويشتم أَبَا بكر فَقَالَ جِيءَ بِهِ يَا أَبَا حَفْص فَأتى بِرَجُل فَإِذا هُوَ الْعمانِي وَكَانَ مَشْهُورا بسبهما فَقَالَ لَهُ النَّبِي أضجعه فأضجعه ثمَّ قَالَ اذبحه فذبحه قَالَ فَمَا نبهني إِلَّا صياحه فَقلت مَالِي لَا أخبرهُ عَسى أَن يَتُوب فَلَمَّا تقربت من منزله سَمِعت بكاء شَدِيدا فَقلت مَا هَذَا الْبكاء فَقَالُوا الْعمانِي ذبح البارحة على سَرِيره قَالَ فدنوت من عُنُقه فَإِذا من أُذُنه إِلَى أُذُنه طَريقَة حَمْرَاء كَالدَّمِ المحصور وَقَالَ القيرواني أَخْبرنِي شيخ لنا من أهل الْفضل قَالَ أَخْبرنِي أَبُو الْحسن المطلبي أَمَام مَسْجِد النَّبِي قَالَ رَأَيْت بِالْمَدِينَةِ عجبا كَانَ رجل يسب أَبَا بكر وَعمر ﵄ فَبينا نَحن يَوْمًا من الْأَيَّام بعد صَلَاة الصُّبْح إِذْ أقبل رجل وَقد خرجت عَيناهُ وسالتا على خديه فَسَأَلْنَاهُ مَا قصتك فَقَالَ رَأَيْت البارحة رَسُول الله وعَلى بَين يَدَيْهِ وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر فَقَالَا يَا رَسُول الله هَذَا الَّذِي يؤذينا ويسبنا فَقَالَ لي رَسُول الله من أَمرك بِهَذَا يَا أَبَا قيس فَقلت لَهُ على وأشرت عَلَيْهِ فَأقبل عَليّ بِوَجْهِهِ وَيَده وَقد ضم أَصَابِعه وَبسط السبابَة وَالْوُسْطَى وَقصد بهَا إِلَى عَيْني فَقلت إِن كنت كذبت ففقأ الله عَيْنَيْك وادخل أصبعيه فِي عَيْني فانتهت من نومي وَأَنا على هَذِه الْحَال فَكَانَ يبكي يخبر النَّاس وأعلن بِالتَّوْبَةِ قَالَ القيرواني وَأَخْبرنِي شيخ من أهل الْفضل قَالَ أَخْبرنِي فَقِيه قَالَ كَانَ عندنَا رجل يكثر الصَّوْم ويسرده وَلكنه كَانَ يُؤَخر الْفطر فرأي فِي الْمَنَام كَأَن أسودين آخذين بضبعيه وثيابه إِلَى تنور محمى ليلقياه قَالَ فَقلت لَهما على مَاذَا فَقَالَا على خِلافك لسنة رَسُول الله فَإِنَّهُ أَمر بتعجيل الْفطر وَأَنت تؤخره قَالَ فأصح وَجهه قد اسود من وهج النَّار فَكَانَ يمشي متبرقعا فِي النَّاس وأعجب من هَذَا الرجل يرى فِي الْمَنَام وَهُوَ شَدِيد الْعَطش والجوع والألم أَن غَيره قد سقَاهُ وأطعمه أَو داواه بدواء فيستيقظ وَقد زَالَ عَنهُ ذَلِك كُله وَقد رَأْي النَّاس من هَذَا عجائب وَقد ذكر مَالك عَن أبي الرِّجَال عَن عمْرَة عَن عَائِشَة أَن جَارِيَة لَهَا سحرتها وَأَن سنديا دخل عَلَيْهَا وَهِي مَرِيضَة فَقَالَ إِنَّك سحرت قَالَت وَمن سحرني قَالَ جَارِيَة فِي حجرها صبي قد بَال عَلَيْهَا فدعَتْ جاريتها فَقَالَت حَتَّى أغسل بولا فِي ثوبي فَقَالَت لَهَا أسحرتني قَالَت نعم قَالَت وَمَا دعَاك إِلَى ذَلِك قَالَت أردْت تَعْجِيل الْعتْق فَأمرت أخاها أَن يَبِيعهَا من الْأَعْرَاب مِمَّن يسئ ملكهَا فَبَاعَهَا ثمَّ إِن عَائِشَة رَأَتْ فِي منامها أَن اغْتَسِلِي من ثَلَاثَة آبار يمد بَعْضهَا بَعْضًا فأستسقى لَهَا فأغتسلت فبرأت

стр. 188

وَكَانَ سماك بن حَرْب قد ذهب بَصَره فرأي إِبْرَاهِيم الْخَلِيل فِي الْمَنَام فَمسح على عَيْنَيْهِ وَقَالَ اذْهَبْ إِلَى الْفُرَات فتنغمس فِيهِ ثَلَاثًا فَفعل فأبصر وَكَانَ إِسْمَاعِيل بن بِلَال الْحَضْرَمِيّ قد عمى فَأتى فِي الْمَنَام فَقيل لَهُ قل يَا قريب يَا مُجيب يَا سميع الدُّعَاء يَا لطيف بِمن يَشَاء رد على بَصرِي فَقَالَ اللَّيْث بن سعد أَنا رَأَيْته قد عمى ثمَّ أبْصر وَقَالَ عبيد الله بن أبي جَعْفَر اشتكيت شكوى فجهدت مِنْهَا فَكنت أَقرَأ آيَة الْكُرْسِيّ فَنمت فَإِذا رجلَانِ قائمان بَين يَدي فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه أَن يقْرَأ آيَة فِيهَا ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ رَحْمَة أَفلا يُصِيب هَذَا الْمِسْكِين فِيهَا رَحْمَة وَاحِدَة فأستيقظت فَوجدت خفَّة قَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا اعتلت امْرَأَة من أهل الْخَيْر وَالصَّلَاح بوجع المعده فرأت فِي الْمَنَام قَائِلا يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله المغلي وشراب الْورْد فَشَربته فَأذْهب الله عَنْهَا مَا كَانَت تَجِد قَالَ وَقَالَت أَيْضا رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنِّي أَقُول السناء وَالْعَسَل وَمَاء الحمص الْأسود شِفَاء لوجع الْأَوْرَاك فَلَمَّا استيقظت أَتَتْنِي امْرَأَة تَشْكُو وجعا بوركها فوصفت لَهَا ذَلِك فأستنفعت بِهِ وَقَالَ جالينوس السَّبَب الَّذِي دَعَاني إِلَى فصد الْعُرُوق الضوارب أَنِّي أمرت بِهِ فِي مَنَامِي مرَّتَيْنِ قَالَ كنت إِذْ ذَاك غُلَاما قَالَ وَأعرف إنْسَانا شفَاه الله من وجع كَانَ بِهِ فِي جنبه بفصد الْعرق الضَّارِب لرؤيا رَآهَا فِي مَنَامه وَقَالَ ابْن الخراز كنت أعالج رجلا ممعودا فَغَاب عني ثمَّ لَقيته فَسَأَلته عَن حَاله فَقَالَ رَأَيْت فِي الْمَنَام إنْسَانا فِي زِيّ ناسك متوكئا على عَصا وقف عَليّ وَقَالَ أَنْت رجل ممعود فَقلت نعم فَقَالَ عَلَيْك بالكباء والجلنجبين فَأَصْبَحت فَسَأَلت عَنْهُمَا فَقيل لي الكباء المصطكي والجلنجبين الْورْد المربي بالعسل فأستعملتهما أَيَّامًا فبرأت فَقلت لَهُ ذَلِك جالينوس والوقائع فِي هَذَا الْبَاب أَكثر من أَن تذكر قَالَ بعض النَّاس إِن أصل الطِّبّ من المنامات وَلَا ريب أَن كثيرا من أُصُوله مُسْتَند إِلَى الرُّؤْيَا كَمَا أَن بَعْضهَا عَن التجارب وَبَعضهَا عَن الْقيَاس وَبَعضهَا عَن الْهَام وَمن أَرَادَ الْوُقُوف على ذَلِك فَلْينْظر فِي تَارِيخ الْأَطِبَّاء وَفِي كتاب الْبُسْتَان للقيرواني وَغير ذَلِك فصل الْوَجْه الثَّانِي بعد الْمِائَة قَوْله تَعَالَى إِن الَّذين كسبوا بِآيَاتِنَا واستكبروا عَنْهَا لَا تفتح لَهُم أَبْوَاب السَّمَاء وَهَذَا دَلِيل على أَن الْمُؤمنِينَ تفتح لَهُم أَبْوَاب السَّمَاء وَهَذَا التفتيح هُوَ تفتيحها لأرواحهم

стр. 189

عِنْد الْمَوْت كَمَا تقدم فِي الْأَحَادِيث المستفيضة أَن السَّمَاء تفتح لروح الْمُؤمن حَتَّى يَنْتَهِي بهَا إِلَى بَين يَدي الرب تَعَالَى وَأما الْكَافِر فَلَا تفتح لروحه أَبْوَاب السَّمَاء وَلَا تفتح لجسده أَبْوَاب الْجنَّة فصل الْوَجْه الثَّالِث بعد الْمِائَة قَول النَّبِي يَا بِلَال مَا دخلت الْجنَّة إِلَّا سَمِعت خشخشتك بَين يَدي فَبِمَ ذَاك قَالَ مَا أحدثت فِي ليل أَو نَهَار إِلَّا تَوَضَّأت وَصليت رَكْعَتَيْنِ قَالَ بهما وَمَعْلُوم أَي الَّذِي سمع خشخشته بَين يَدَيْهِ هُوَ روح بِلَال وَإِلَّا فجسده لم ينْقل إِلَى الْجنَّة الْوَجْه الرَّابِع بعد الْمِائَة الْأَحَادِيث والْآثَار الَّتِي فِي زِيَارَة الْقُبُور وَالسَّلَام على أَهلهَا ومخاطبتهم وَالْأَخْبَار عَن معرفتهم بزوارهم وردهم ﵈ وَقد تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهَا الْوَجْه الْخَامِس بعد الْمِائَة شكاية كثير من أَرْوَاح الْمَوْتَى إِلَى أقاربهم وَغَيرهم أمورا مؤذية فيجدونها كَمَا شكوه فيزيلونها الْوَجْه السَّادِس بعد الْمِائَة لَو كَانَت الرّوح عبارَة عَن عرض من أَعْرَاض الْبدن أَو جَوْهَر مُجَرّد لَيْسَ بجسم وَلَا حَال فِيهِ لَكَانَ قَول الْقَائِل خرجت وَذَهَبت وَقمت وَجئْت وَقَعَدت وتحركت وَدخلت وَرجعت وَنَحْو ذَلِك كُله أقوالا بَاطِلَة لِأَن هَذِه الصِّفَات ممتنعة الثُّبُوت فِي حق الْأَعْرَاض والمجردات وكل عَاقل يعلم صدق قَوْله وَقَول غَيره ذَلِك فالقدح ذَلِك قدح فِي أظهر المعلومات من بَاب السفسطة لَا يُقَال حَاصِل هَذَا الدَّلِيل التَّمَسُّك بِأَلْفَاظ النَّاس وإطلاقاتهم وَهِي تحْتَمل الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فَلَعَلَّ مُرَادهم دخل جسمي وَخرج لأَنا إِنَّمَا استدللنا بِشَهَادَة الْعقل والفطرة بمعاني هَذِه الْأَلْفَاظ فَكل أحد يشْهد عقله وحسه بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي دخل وَخرج وانتقل لَا مُجَرّد بدنه فشهادة الْحس وَالْعقل بمعاني هَذِه الْأَلْفَاظ وإضافتها إِلَى الرّوح أصلا وَإِلَى الْبدن تبعا من أصدق الشَّهَادَات والاعتماد على ذَلِك مُجَرّد الْإِطْلَاق اللَّفْظِيّ الْوَجْه السَّابِع بعد الْمِائَة أَن الْبدن مركب وَمحل لتصرف النَّفس فَكَانَ دُخُول الْبدن وَخُرُوجه وانتقاله جَارِيا مجْرى دُخُول مركبه من فرسه ودابته فَلَو كَانَت النَّفس غير قابله للدخول وَالْخُرُوج والانتقال وَالْحَرَكَة والسكون لَكَانَ ذَلِك بِمَنْزِلَة دُخُول مركب الْإِنْسَان إِلَى الدَّار وَخُرُوجه مِنْهَا دون دُخُوله هُوَ وَهَذَا مَعْلُوم الْبطلَان بِالضَّرُورَةِ وكل أحد يعلم أَن نَفسه

стр. 190

وروحه هِيَ الَّتِي دخلت وَخرجت وانتقلت وصرفت الْبدن وَجَعَلته تبعا لَهَا فِي الدُّخُول وَالْخُرُوج فَهُوَ لَهَا بِالْأَصْلِ وللبدن بالتبع كلنه للبدن بِالْمُشَاهَدَةِ وللروح بِالْعلمِ وَالْعقل الْوَجْه الثَّامِن بعد الْمِائَة أَن النَّفس لَو كَانَت كَمَا يَقُوله أَنَّهَا عرض لَكَانَ الْإِنْسَان كل وَقت قد يُبدل مائَة ألف نفس أَو أَكثر وَالْإِنْسَان إِنَّمَا هُوَ إِنْسَان بِرُوحِهِ وَنَفسه لَا بِبدنِهِ وَكَانَ الْإِنْسَان الَّذِي هُوَ الْإِنْسَان غير الَّذِي قبله بلحظة وَبعده بلحظة وَهَذَا من نوع الهوس وَلَو كَانَت الرّوح مُجَرّدَة وتعلقها بِالْبدنِ بِالتَّدْبِيرِ فَقَط لَا بالمساكنة والمداخلة لم يمْتَنع أَن يَنْقَطِع تعلقهَا بِهَذَا الْبدن وتتعلق بِغَيْرِهِ كَمَا يجوز انْقِطَاع تَدْبِير الْمُدبر لبيت أَو مَدِينَة عَنْهَا وَيتَعَلَّق بتدبير غَيرهَا وعَلى هَذَا التَّدْبِير فنصير شاكين فِي أَن هَذِه النَّفس الَّتِي لزيد هِيَ النَّفس الأولى أَو غَيرهَا وَهل زيد هُوَ ذَلِك الرجل أم غَيره وعاقل لَا يجوز ذَلِك فَلَو كَانَت الرّوح عرضا أَو أمرا مُجَردا لحصل الشَّك الْمَذْكُور الْوَجْه التَّاسِع بعد الْمِائَة أَن كل أحد يقطع أَن نَفسه مَوْصُوفَة بِالْعلمِ والفكر وَالْحب والبغض وَالرِّضَا والسخط وَغَيرهَا من الْأَحْوَال النفسانية وَيعلم أَن الْمَوْصُوف لَيْسَ بذلك عرضا من أَعْرَاض بدنه وَلَا جوهرا مُجَردا مُنْفَصِلا عَن بدنه غير مجاور لَهُ وَيقطع ضَرُورَة بِأَن هَذِه الإدراكات لأمر دَاخل فِي بدنه كَمَا يقطع بِأَنَّهُ إِذا سمع وَأبْصر وشم وذاق ولمس وتحرك وَسكن فَتلك أُمُور قَائِمَة بِهِ مُضَافَة إِلَى نَفسه وَأَن جَوْهَر النَّفس هُوَ الَّذِي قَامَ بِهِ ذَلِك كُله لم يقم بِمُجَرَّد وَلَا بِعرْض بل قَامَ بمتحيز دَاخل الْعَالم منتقل من مَكَان إِلَى مَكَان يَتَحَرَّك ويسكن وَيخرج وَيدخل وَلَيْسَ إِلَّا هَذَا الْبدن والجسم الساري فِيهِ المشابك لَهُ الَّذِي لولاه لَكَانَ بِمَنْزِلَة الجماد الْوَجْه الْعَاشِر بعد الْمِائَة إِن النَّفس لَو كَانَت مُجَرّدَة وتعلقها بِالْبدنِ تعلق التَّدْبِير فَقَط كتعلق الملاح بالسفينة وَالْجمال بِحمْلِهِ لأمكنها ترك تَدْبِير هَذَا الْبدن واشتغالها بتدبير بدن آخر كَمَا يُمكن الملاح وَالْجمال ذَلِك وَفِي ذَلِك تَجْوِيز نقل النُّفُوس من أبدان إِلَى أبدان وَلَا يُقَال أَن النَّفس اتّحدت ببدنها فَامْتنعَ عَلَيْهَا الِانْتِقَال أَو أَنَّهَا لَهَا عشق طبيعي وشوق ذاتي إِلَى تَدْبِير هَذَا الْبدن فَلهَذَا السَّبَب امْتنع انتقالها لأَنا نقُول الِاتِّحَاد مَا لَا يتحيز بالمتحيز محَال وَلِأَنَّهَا لَو اتّحدت بِهِ لبطلت بِبُطْلَانِهِ وَلِأَنَّهَا بعد الِاتِّحَاد إِن بقيا فهما اثْنَان لَا وَاحِد وَإِن عدما مَعًا وَحدث ثَالِث فَلَيْسَ من الِاتِّحَاد فِي شَيْء وَإِن بَقِي أَحدهمَا وعد الآخر فَلَيْسَ باتحاد أَيْضا وَأما عشق النَّفس الطبيعي للبدن فَالنَّفْس إِنَّمَا تعشقه لِأَنَّهَا تتَنَاوَل اللَّذَّات بواسطته وَإِذا كَانَت الْأَبدَان مُتَسَاوِيَة فِي حُصُول مطلوبها كَانَت نسبتها إِلَيْهَا على السوَاء فقولكم أَن النَّفس

стр. 191

الْمعينَة عاشقة للبدن الْمعِين بَاطِل وَمِثَال ذَلِك العطشان إِذا صَادف آنِية مُتَسَاوِيَة كل مها يحصل غَرَضه امْتنع عَلَيْهِ أَن يعشق وَاحِدًا مِنْهَا بِعَيْنِه دون سائرها الْوَجْه الْحَادِي عشر بعد الْمِائَة أَن نفس الْإِنْسَان لَو كَانَت جوهرا مُجَردا لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا مُتَّصِلَة بالعالم وَلَا مُنْفَصِلَة عَنهُ وَلَا مباينة وَلَا مجانبة لَكَانَ يعلم بِالضَّرُورَةِ أَنه مَوْجُود بِهَذِهِ الصّفة لِأَن علم الْإِنْسَان بِنَفسِهِ وصفاتها أظهر من كل مَعْلُوم وَأَن علمه بِمَا عداهُ تَابع لعلمه بِنَفسِهِ وَمَعْلُوم قطعا أَن ذَلِك بَاطِل فَإِن جَمَاهِير أهل الأَرْض يعلمُونَ أَن إِثْبَات هَذَا الْوُجُود محَال فِي الْعُقُول شَاهدا وغائبا فَمن قَالَ ذَلِك فِي نَفسه وربه فَلَا نَفسه عرف وَلَا ربه عرف الْوَجْه الثَّانِي عشر بعد الْمِائَة أَن هَذَا الْبدن الْمشَاهد مَحل لجَمِيع صِفَات النَّفس وإدراكاتها الْكُلية والجزئية وَمحل للقردة على الحركات الإرادية فَوَجَبَ أَن يكون الْحَامِل لتِلْك الإدراكات وَالصِّفَات هُوَ الْبدن وَمَا سكن فِيهِ أما أَن يكون محلهَا جوهرا مُجَردا لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه فَبَاطِل بِالضَّرُورَةِ الْوَجْه الثَّالِث عشر بعد الْمِائَة أَن النَّفس لَو كَانَت مُجَرّدَة عَن الجسمية والتحيز لامتنع أَن يتَوَقَّف فعلهَا على مماسة مَحل الْفِعْل لِأَن مَا لَا يكون متحيزا يمْتَنع أَن يصير مماسا للمتحيز وَلَو كَانَ الْأَمر كَذَلِك لَكَانَ فعلهَا على سَبِيل الاختراع من غير حَاجَة إِلَى حُصُول مماسة وملاقاة بَين الْفَاعِل وَبَين مَحل الْفِعْل فَكَانَ الْوَاحِد منا يقدر على تَحْرِيك الْأَجْسَام من غير أَن يماسها أَو يماس شَيْئا يماسها فَإِن النَّفس عنْدكُمْ كَمَا كَانَت قادرة على تَحْرِيك الْبدن من غير أَن يكون بَينهَا وَبَينه مماسة كَذَلِك لَا تمنع قدرتها على تَحْرِيك جسم غَيره من غير مماسة لَهُ وَلَا لما يماسه وَذَلِكَ بَاطِل بِالضَّرُورَةِ فَعلم أَن النَّفس لَا تقوى على التحريك إِلَّا بِشَرْط أَن تماس مَحل الْحَرَكَة أَو تماس مَا يماسه وكل مَا كَانَ مماسه للجسم أَو لما يماسه فَهُوَ جسم فَإِن قيل يجوز أَن يكون تَأْثِير النَّفس فِي تَحْرِيك بدنهَا الْخَاص غير مَشْرُوط بالمماسة وتأثيرها فِي تَحْرِيك غَيره مَوْقُوف على حُصُول المماسة بَين بدنهَا وَبَين ذَلِك الْجِسْم فَالْجَوَاب أَنه لما كَانَ قبُول الْبدن لتصرفات النَّفس لَا يتَوَقَّف على حُصُول المماسة بَين النَّفس وَبَين الْبدن وَجب أَن تكون الْحَال كَذَلِك فِي غَيره من الْأَجْسَام لِأَن الْأَجْسَام مُتَسَاوِيَة فِي قبُول الْحَرَكَة وَنسبَة النَّفس إِلَى جَمِيعهَا سَوَاء لِأَنَّهَا إِذا كَانَت مُجَرّدَة عَن الحجمية وعلائق الحجمية كَانَت نِسْبَة ذَاتهَا إِلَى الْكل بِالسَّوِيَّةِ وَمَتى كَانَت ذَات الْفَاعِل نسبتها إِلَى الْكل بِالسَّوِيَّةِ والقوابل نسبتها إِلَى ذَلِك الْفَاعِل بِالسَّوِيَّةِ كَانَ التَّأْثِير بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكل على السوَاء فَإِذا اسْتغنى الْفَاعِل عَن مماسة مَحل الْفِعْل فِي حق الْبَعْض وَجب أَن يَسْتَغْنِي فِي حق الْجَمِيع وَإِن افْتقر إِلَى المماسة فِي الْبَعْض

стр. 192

وَجب افتقاره فِي الْجَمِيع فَإِن قيل النَّفس عاشقة لهَذَا الْبدن دون غَيره فَكَانَ تأثيرها فِيهِ أقوى من تأثيرها فِي غَيره قيل هَذَا الْعِشْق الشَّديد يَقْتَضِي أَن يكون تعلقهَا بِالْبدنِ أَكثر وتصرفها فِيهِ أقوى فَأَما أَن يتَغَيَّر مُقْتَضى ذَاتهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِه الْأَجْسَام فَذَلِك محَال وَهَذَا دَلِيل فِي غَايَة الْقُوَّة الْوَجْه الرَّابِع عشر بعد الْمِائَة أَن الْعُقَلَاء كلهم متفقون على أَن الْإِنْسَان هُوَ هَذَا الْحَيّ النَّاطِق المتغذي النامي الحساس المتحرك بالإرادة وَهَذِه الصِّفَات نَوْعَانِ صِفَات لبدنه وصفات لروحه وَنَفسه الناطقة فَلَو كَانَت الرّوح جوهرا مُجَردا لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا مُتَّصِلَة بِهِ وَلَا مُنْفَصِلَة عَنهُ لَكَانَ الْإِنْسَان لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا مُتَّصِلا بِهِ وَلَا مُنْفَصِلا عَنهُ أَو كَانَ بعضه فِي الْعَالم وَبَعضه لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه وكل عَاقل يعلم بِالضَّرُورَةِ بطلَان ذَلِك وَأَن الْإِنْسَان بجملته دَاخل الْعَالم بدنه وروحه وَهَذَا فِي الْبطلَان يضاهي قَول من قَالَ أَن نَفسه قديمَة غير مخلوقة فَجعلُوا نصف الْإِنْسَان مخلوقا وَنصفه غير مَخْلُوق فَإِن قيل نَحن نسلم أَن الْإِنْسَان كَمَا ذكرْتُمْ إِلَّا أَنا نثبت جوهرا مُجَردا يدبر الْإِنْسَان الْمَوْصُوف بِهَذِهِ الصِّفَات قُلْنَا فَذَلِك الْجَوْهَر الَّذِي أثبتموه مُغَاير للْإنْسَان أَو هُوَ حَقِيقَة الْإِنْسَان وَلَا بُد لكم من أحد الْأَمريْنِ فَإِن قُلْتُمْ هُوَ غير الْإِنْسَان رَجَعَ كلامكم إِلَى أَنكُمْ أثبتم للْإنْسَان مُدبرا غَيره سميتموه نَفسهَا وكلامنا الْآن إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِيقَة الْإِنْسَان لَا فِي مدبره فَإِن مُدبر الْإِنْسَان وَجَمِيع الْعَالم الْعلوِي والسفلي هُوَ الله الْوَاحِد القهار الْوَجْه الْخَامِس عشر بعد الْمِائَة أَن كل عَاقل إِذا قيل لَهُ مَا الْإِنْسَان فَإِنَّهُ يُشِير إِلَى هَذِه البنية وَمَا قَامَ بهَا لَا يخْطر بِبَالِهِ أَمر مُغَاير لَهَا مُجَرّد لَيْسَ فِي الْعَالم وَلَا خَارجه وَالْعلم بذلك ضَرُورِيّ لَا يقبل شكا وَلَا تشكيكا الْوَجْه السَّادِس عشر بعد الْمِائَة أَن عقول الْعَالمين قاضيه بِأَن الْخطاب مُتَوَجّه إِلَى هَذِه البنية وَمَا قَامَ بهَا وساكها وَكَذَلِكَ الْمَدْح والذم وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب وَالتَّرْغِيب والترهيب وَلَو أَن رجلا قَالَ الْمَأْمُور والمنهي والممدوح والمذموم والمخاطب والعاقل جَوْهَر مُجَرّد لَيْسَ فِي الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا مُتَّصِل بِهِ وَلَا مُنْفَصِل عَنهُ لأضحك الْعُقَلَاء على عقله ولأطبقوا على تَكْذِيبه وكل مَا شهِدت بدائه الْعُقُول وصرائحها بِبُطْلَانِهِ كَانَ الِاسْتِدْلَال على ثُبُوته اسْتِدْلَالا على صِحَة وجود الْمحَال وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

стр. 193

فصل فَإِن قيل قد ذكرْتُمْ الْأَدِلَّة الدَّالَّة على جسميتها وتحيزها فَمَا جوابكم عَن أَدِلَّة المنازعين لكم فِي ذَلِك فَإِنَّهُم استدلوا بِوُجُوه أَحدهَا اتِّفَاق الْعُقَلَاء على قَوْلهم الرّوح والجسم وَالنَّفس والجسم فيجعلونها شَيْئا غير الْجِسْم فَلَو كَانَت جسما لم يكن لهَذَا القَوْل معنى الثَّانِي وَهُوَ أقوى مَا يحتجون بِهِ أَنه من الْمَعْلُوم أَن فِي الموجودات مَا هُوَ قَابل للْقِسْمَة كالنقطة والجوهر الْفَرد بل ذَات وَاجِب الْوُجُود فَوَجَبَ أَن يكون الْعلم بذلك غير قَابل للْقِسْمَة فَوَجَبَ أَن يكون الْمَوْصُوف بذلك الْعلم وَهُوَ مَحَله غير قَابل للْقِسْمَة وَهُوَ النَّفس فَلَو كَانَت جسما لكَانَتْ قَابِلَة للْقِسْمَة ويقرر هَذَا الدَّلِيل على وَجه آخر وَهُوَ أَن مَحل الْعُلُوم الْكُلية لَو كَانَ جسما أَو جسمانيا لانقمست تِلْكَ الْعُلُوم لِأَن الْحَال فِي المنقسم وانقسام تِلْكَ الْعُلُوم مُسْتَحِيل الثَّالِث أَن الصُّور الْعَقْلِيَّة الْكُلية مُجَرّدَة بِلَا شكّ وتجردها إِمَّا أَن يكون بِسَبَب الْمَأْخُوذ عَنهُ أَو بِسَبَب الْأَخْذ وَالْأول بَاطِل لِأَن هَذِه الصُّور إِنَّمَا أخذت عَن الْأَشْخَاص الموصوفة بالمقادير الْمُخْتَلفَة والأوضاع الْمعينَة فَثَبت أَن تجردها إِنَّمَا هُوَ بِسَبَب الْأَخْذ لَهَا وَالْقُوَّة الْعَقْلِيَّة الْمُسَمَّاة بِالنَّفسِ الرَّابِع أَن الْقُوَّة الْعَاقِلَة تقوى على أَفعَال غير متناهية فَإِنَّهَا تقوى على إداراكات لَا تتناهي وَالْقُوَّة الجسمانية لَا تقوى على أَفعَال غير متناهية لِأَن الْقُوَّة الجسمانية تَنْقَسِم بانقسام محلهَا فَالَّذِي يقوى عَلَيْهِ بَعْضهَا يجب أَن يكون أقل من الَّذِي يقوى عَلَيْهِ الْكل فَالَّذِي يقوى عَلَيْهِ الْكل يزِيد على الَّذِي يقوى عَلَيْهِ الْبَعْض أضعافا متناهية وَالزَّائِد على المتناهي بمتناه متناه الْخَامِس أَن الْقُوَّة الْعَاقِلَة لَو كَانَت حَالَة فِي آلَة جسمانية لوَجَبَ أَن تكون الْقُوَّة الْعَاقِلَة دائمة الْإِدْرَاك لتِلْك الْآيَة أَو ممتنعة الْإِدْرَاك لَهَا بِالْكُلِّيَّةِ ولكلاهما بَاطِل لِأَن إِدْرَاك الْقُوَّة الْعَاقِلَة لتِلْك الْآلَة إِن كَانَ عين وجودهَا فَهُوَ محَال وَإِن كَانَ صُورَة مُسَاوِيَة لوجودها وَهِي حَالَة فِي الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة الْحَالة فِي تِلْكَ الْآلَة لزم اجْتِمَاع صُورَتَيْنِ متماثلتين وَهُوَ محَال وَإِذا بَطل هَذَا ثَبت أَن الْقُوَّة الْعَاقِلَة لَو أدْركْت آلتها لَكَانَ إِدْرَاكهَا عبارَة عَن نفس حُصُول تِلْكَ الْآلَة عِنْد الْقُوَّة الْعَاقِلَة فَيجب حُصُول الْإِدْرَاك دَائِما إِن كفي هَذَا الْقدر فِي حُصُول

стр. 194

الْإِدْرَاك وَإِن لم يكف امْتنع حُصُول الْإِدْرَاك فِي وَقت من الْأَوْقَات إِذْ لَو حصل فِي وَقت دون وَقت لَكَانَ بِسَبَب أَمر زَائِد على مُجَرّد حُضُور صُورَة الْآلَة السَّادِس أَن كل أحد يدْرك نَفسه وَإِدْرَاك الشَّيْء عبارَة عَن حُضُور مَاهِيَّة الْمَعْلُوم عِنْد الْعَالم فَإِذا علمنَا أَنْفُسنَا فَهُوَ إِمَّا أَن يكون لأجل حُضُور ذواتنا لذواتنا أَو لأجل حُضُور صُورَة مُسَاوِيَة لذواتنا فِي ذواتنا وَالْقسم الثَّانِي بَاطِل وَإِلَّا لزم اجْتِمَاع المثلين فَثَبت أَنه لَا معنى لعلمنا بذاتنا إِلَّا حُضُور ذاتنا عِنْد ذاتنا وَهَذَا إِنَّمَا يكون إِذا كَانَت ذاتا قَائِمَة بِالنَّفسِ غنية عَن الْمحل لِأَنَّهَا لَو كَانَت حَالَة فِي مَحل كَانَت حَاضِرَة عِنْد ذَلِك الْمحل فَثَبت أَن هَذَا الْمَعْنى إِنَّمَا يحصل إِذا كَانَت النَّفس قَائِمَة بِنَفسِهَا غنية عَن مَحل تحل فِيهِ السَّابِع مَا احْتج بِهِ أَبُو البركات الْبَغْدَادِيّ وأبطل مَا سواهُ فَقَالَ لَا نشك أَن الْوَاحِد منا يُمكنهُ أَن يتخيل بحرا من زئبق وجبلا من ياقوت وشموسا وأقمارا فَهَذِهِ الصُّور الخيالية لَا تكون مَعْدُومَة لِأَن قُوَّة المتخيل تُشِير إِلَى تِلْكَ الصُّور وتميز بَين كل صُورَة وَغَيرهَا وَقد يقوى ذَلِك المتخيل إِلَى أَن يصير كالمشاهد المحسوس وَمَعْلُوم أَن الْعَدَم الْمَحْض وَالنَّفْي الصّرْف لَا يثبت ذَلِك وَنحن نعلم بِالضَّرُورَةِ ان هَذِه الصُّور لَيست مَوْجُودَة فِي الْأَعْيَان فَثَبت أَنَّهَا مَوْجُودَة فِي الأذهان فَنَقُول مَحل هَذِه الصُّورَة إِمَّا أَن يكون جسما أَو حَالا فِي الْجِسْم أَو لَا جسما وَلَا حَالا فِي الْجِسْم والقسمان الْأَوَّلَانِ باطلان لِأَن صُورَة الْبَحْر والجبل صُورَة عَظِيمَة والدماغ وَالْقلب جسم صَغِير وانطباع الْعَظِيم فِي الصَّغِير محَال فَثَبت أَن مَحل هَذِه الصُّورَة الخيالية لَيْسَ بجسم وَلَا جسماني وَالثَّامِن لَو كَانَت الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة جسدانية لضعفت فِي زمَان الشيخوخة دَائِما وَلَيْسَ كَذَلِك التَّاسِع أَن الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة غنية فِي أفعالها عَن الْجِسْم وَمَا كَانَ غَنِيا فِي فعله عَن الْجِسْم وَجب أَن يكون غَنِيا فِي ذَاته عَن الْجِسْم بَيَان الأول أَن الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة تدْرك نَفسهَا وَمن الْمحَال أَن يحصل بَينهَا وَبَين نَفسهَا آلَة متوسطة أَيْضا وتدرك إِدْرَاكهَا لنَفسهَا وَلَيْسَ هَذَا الْإِدْرَاك بِآلَة وَأَيْضًا فَإِنَّهَا تدْرك الْجِسْم الَّذِي هُوَ آلتها وَلَيْسَ بَينهَا وَبَين آلتها آلَة أُخْرَى وَبَيَان للثَّانِي من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن القوى الجسمانية كالناظرة والسامعة والخيال وَالوهم لما كَانَت جسمانية يقدر عَلَيْهَا إِدْرَاك ذواتها وإدراكها لكَونهَا مدركة لذواتها وإدراكها الْأَجْسَام الحالمة لَهَا فَلَو كَانَت الْقُوَّة الْعَاقِلَة جسمانية لتعذر عَلَيْهَا هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة

стр. 195

الثَّانِي أَن مصدر الْفِعْل هُوَ النَّفس فَلَو كَانَت النَّفس مُتَعَلقَة فِي قوامها ووجودها بالجسم لم تحصل تِلْكَ الْأَفْعَال إِلَّا بشركة من الْجِسْم وَلما ثَبت أَنه لَيْسَ كَذَلِك ثَبت أَن الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة غنية عَن الْجِسْم الْعَاشِر أَن الْقُوَّة الجسمانية تكل بِكَثْرَة الْأَفْعَال وَلَا تقوى بعد الضعْف وَسَببه ظَاهر فَإِن القوى الجسمانية بِسَبَب مزاولة الْأَفْعَال تتعرض موادها للتحلل والذبول وَهُوَ يُوجب الضعْف وَأما الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة فَإِنَّهَا لَا تضعف بِسَبَب كَثْرَة الْأَفْعَال وتقوى على القوى بعد الضعْف فَوَجَبَ أَن لَا تكون جسمانية الْحَادِي عشر أَنا إِذا حكمنَا بِأَن السوَاد مضاد للبياض وَجب أَن يحصل فِي الذِّهْن مَاهِيَّة السوَاد وَالْبَيَاض والبداهة حاكمة بِأَن اجْتِمَاع السوَاد وَالْبَيَاض والحرارة والبرودة فِي الْأَجْسَام محَال فَلَمَّا حصل هَذَا الِاجْتِمَاع فِي الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة وَجب أَن لَا تكون قُوَّة جسمانية الثَّانِي عشر أَنه لَو كَانَ مَحل الإدراكات جسما وكل جسم منقسم لَا محَالة لم يمْنَع أَن يقوم بِبَعْض أَجزَاء الْجِسْم علم بالشَّيْء وبالبعض الآخر مِنْهُ جهل وَحِينَئِذٍ فَيكون الْإِنْسَان فِي الْحَال الْوَاحِد عَالما بالشَّيْء وجاهلا بِهِ الثَّالِث عشر أَن الْمَادَّة الجسمانية إِذا حصلت فِيهَا نقوش مَخْصُوصَة فَإِن وجود تِلْكَ النقوش فِيهَا يمْنَع من حُصُول نقوش غَيرهَا وَأما النقوش الْعَقْلِيَّة فالضد من ذَلِك لِأَن الْأَنْفس إِذا كَانَت خَالِيَة من جَمِيع الْعُلُوم والإدراكات فَإِنَّهُ يصعب عَلَيْهَا التَّعَلُّم فَإِذا تعلمت شَيْئا صَار حُصُول تِلْكَ الْعُلُوم معينا على سهولة غَيرهَا فالنقوش الجسمانية متغيرة متنافية والنقوش الْعَقْلِيَّة متعاونة متعاضدة الرَّابِع عشر أَن النَّفس لَو كَانَت جسما لَكَانَ بَين إِرَادَة العَبْد تَحْرِيك رجله وَبَين تحريكها زمَان على قدر حَرَكَة الْجِسْم وَثقله فَإِن النَّفس هِيَ المحركة لمجسد والممهد لحركته فَلَو كَانَ المحرك للرجل جسما فإمَّا أَن يكون حَاصِلا فِي هَذِه الْأَعْضَاء أَو جائيا إِلَيْهَا فَإِن كَانَ جائيا إِلَيْهَا احْتَاجَ إِلَى مُدَّة وَلَا بُد وَإِن كَانَ حَاصِلا فِيهَا فَنحْن إِذا قَطعنَا تِلْكَ العضلة الَّتِي تكون بهَا الْحَرَكَة لم يبْق مِنْهَا فِي الْعُضْو المتحرك شَيْء فَلَو كَانَ ذَلِك المتحرك حَاصِلا فِيهِ لبقي مِنْهُ شَيْء فِي ذَلِك الْعُضْو الْخَامِس عشر لَو كَانَت النَّفس جسما لكَانَتْ منقسمة ولصح عَلَيْهَا أَن يعلم بَعْضهَا كَمَا يعلم كلهَا فَيكون الْإِنْسَان عَالما بعض نَفسه جَاهِلا بِالْبَعْضِ الآخر وَذَلِكَ محَال السَّادِس عشر لَو كَانَت النَّفس لوَجَبَ أَن يثقل الْبدن بِدُخُولِهَا فِيهِ لِأَن شَأْن

стр. 196

الْجِسْم الفارغ إِذا ملأَهُ غَيره أَن يثقل بِهِ كالزق الفارغ وَالْأَمر بِالْعَكْسِ فأخف مَا يكون الْبدن إِذا كَانَت فِيهِ النَّفس وأثقل مَا يكون إِذا فارقته السَّابِع عشر لَو كَانَت النَّفس جسما لكَانَتْ على صِفَات سَائِر الْأَجْسَام الَّتِي لَا يَخْلُو شَيْء مِنْهَا من الخفة والثقل والحرارة والبرودة والنعومة والخشونة والسواد وَالْبَيَاض وَغير ذَلِك من صِفَات الْأَجْسَام وكيفياتها وَمَعْلُوم أَن الكيفيات النفسانية إِنَّمَا هِيَ الْفَضَائِل والرذائل لَا تِلْكَ الكيفيات الجسمانية فَالنَّفْس لَيست جسما الثَّامِن عشر أَنَّهَا لَو كَانَت جسما لوَجَبَ أَن يَقع تَحت جَمِيع الْحَواس أَو تَحت حاسة مِنْهَا أَو حاستين أَو أَكثر فَإنَّا نرى الْأَجْسَام كَذَلِك مِنْهَا مَا يدْرك بِجَمِيعِ الْحَواس وَمِنْهَا مَا يدْرك بأكثرها وَمِنْهَا مَا يدْرك بحاستين مِنْهَا أَو وَاحِدَة وَالنَّفس بريئة من ذَلِك كُله وَهَذِه الْحجَّة الَّتِي احْتج بهَا جهم على طَائِفَة من الْمَلَاحِدَة حِين أَنْكَرُوا الْخَالِق سُبْحَانَهُ وَقَالُوا لَو كَانَ مَوْجُودا لوَجَبَ أَن يدْرك بحاسة من الْحَواس فعارضهم بِالنَّفسِ وأنى تتمّ الْمُعَارضَة إِذا كَانَت جسما وَإِلَّا لَو كَانَت جسما لجَاز إِدْرَاكهَا بِبَعْض الْحَواس التَّاسِع عشر لَو كَانَت جسما لكَانَتْ ذَات طول وَعرض وعمق وسطح وشكل وَهَذِه الْمَقَادِير والأبعاد لَا تقوم إِلَّا بمادة وَمحل فَإِن كَانَت مادتها ومحلها نفسا لزم اجْتِمَاع نفسين وَإِن كَانَ غير نفس كَانَت النَّفس مركبة من بدن وَصُورَة وَهِي فِي جَسَد مركب من بدن وَصُورَة فَيكون الْإِنْسَان إنسانين الْعشْرُونَ إِن من خَاصَّة الْجِسْم أَن يقبل التجزي والجزء الصَّغِير مِنْهُ لَيْسَ كالكبير وَلَو قبلت التجزي فَكل جُزْء مِنْهَا إِن كَانَ نفسا لزم أَن يكون للْإنْسَان نفوس كَثِيرَة لَا نفس وَاحِدَة وَإِن لم يكن نفسا لم يكن الْمَجْمُوع نفسا كَمَا أَن جُزْء المَاء إِن لم يكن مَاء لم يكن مَجْمُوعَة مَاء الْحَادِي وَالْعشْرُونَ أَن الْجِسْم مُحْتَاج فِي قوامه وَحفظه وبقائه إِلَى النَّفس وَلِهَذَا يضمحل ويتلاشى لما تُفَارِقهُ فَلَو كَانَت جسما لكَانَتْ محتاجة إِلَى نفس أُخْرَى وهلم جرا ويتسلسل الْأَمر وَهَذَا الْمحَال إِنَّمَا لزم من كَون النَّفس جسما الثَّانِي وَالْعشْرُونَ لَو كَانَت جسما لَكَانَ اتصالها بالجسم إِن كَانَ على سَبِيل المداخلة لزم تدَاخل الْأَجْسَام وَإِن كَانَ على سَبِيل الملاصقة والمجاورة كَانَ الْإِنْسَان الْوَاحِد جسمين متلاصقين أَحدهمَا يرى وَالْآخر لَا يرى فَهَذَا كل مَا موهت بِهِ هَذِه الطَّائِفَة المبطلة من منخنقة وموقوذة ومتردية وَنحن نجيهم عَن ذَلِك كُله فصلا بفصل بحول الله وقوته ومعونته

стр. 197

فصل فَأَما قَوْلهم أَن الْعُقَلَاء متفقون على قَوْلهم الرّوح والجسم وَالنَّفس والجسم وَهَذَا يدل على تغايرهما فَالْجَوَاب أَن يُقَال أَن مُسَمّى الْجِسْم فِي اصْطِلَاح المتفلسفة والمتكلمين أَعم من مُسَمَّاهُ فِي لُغَة الْعَرَب وَعرف أهل الْعرف فَإِن الفلاسفة يطلقون الْجِسْم على قَابل الأبعاد الثَّلَاثَة خَفِيفا كَانَ أَو ثقيلا مرئيا كَانَ أَو غير مرئي فيسمون الْهَوَاء جسما وَالنَّار جسما وَالْمَاء جسما وَكَذَلِكَ الدُّخان والبخار والكوكب وَلَا يعرف فِي لُغَة الْعَرَب تَسْمِيَة شَيْء من ذَلِك جسما التة فَهَذِهِ لغتهم وأشعارهم وَهَذِه النقول عَنْهُم فِي كتب اللُّغَة قَالَ الْجَوْهَرِي قَالَ أَبُو زيد الْجِسْم الْجَسَد وَكَذَلِكَ الجسمان والجثمان قَالَ الْأَصْمَعِي الْجِسْم والجسمان الْجَسَد والجثمان الشَّخْص وَقد جسم الشَّيْء أَي عظم فَهُوَ عَظِيم جسيم وجسام بِالضَّمِّ وَنحن إِذا سمينا النَّفس جسما فَإِنَّمَا هُوَ باصطلاحهم وَعرف خطابهم وَإِلَّا فَلَيْسَتْ جسما بِاعْتِبَار وضع اللُّغَة ومقصودنا بِكَوْنِهَا جسما إِثْبَات الصِّفَات وَالْأَفْعَال وَالْأَحْكَام الَّتِي دلّ عَلَيْهَا الشَّرْع وَالْعقل والحس من الْحَرَكَة والانتقال والصعود وبنزول ومباشرة النَّعيم وَالْعَذَاب واللذة والألم وَكَونهَا تحبس وَترسل وتقبض وَتدْخل وَتخرج فَلذَلِك أطلقنا عَلَيْهَا اسْم الْجِسْم تَحْقِيقا لهَذِهِ الْمعَانِي وَإِن لم يُطلق عَلَيْهَا أهل اللُّغَة اسْم الْجِسْم فَالْكَلَام مَعَ هَذِه الْفرْقَة المبطلة فِي الْمَعْنى لَا فِي اللَّفْظ فَقَوْل أهل التخاطب الرّوح والجسم هُوَ بِهَذَا الْمَعْنى فصل وَأما الشُّبْهَة الثَّانِيَة فَهِيَ أقوى شبههم الَّتِي بهَا يصلونَ وَعَلَيْهَا يعولون وَهِي مبلية على أَربع مُقَدمَات إِحْدَاهَا أَن فِي الْوُجُود مَا لَا يقبل الْقِسْمَة بِوَجْه من الْوُجُوه الثَّانِيَة أَنه يُمكن الْعلم بِهِ الثَّالِثَة أَن الْعلم بِهِ غير منقسم الرَّابِعَة أَنه يجب أَن يكون مَحل للْعلم بِهِ كَذَلِك إِذْ لَو كَانَ جسما لَكَانَ منقسما وَقد نازعهم فِي ذَلِك جُمْهُور الْعُقَلَاء وَقَالُوا لم تُقِيمُوا دَلِيلا على أَن فِي الْوُجُود مَا لَا يقبل الْقِسْمَة الْحِسْبَة وَلَا الوهمية وَإِنَّمَا بِأَيْدِيكُمْ دُعَاء لَا حَقِيقَة لَهَا وَإِنَّمَا أثبتموه من وَاجِب الْوُجُود وَهُوَ بِنَاء على أصلكم الْبَاطِل عِنْد جَمِيع الْعُقَلَاء من أهل الْملَل وَغَيرهم من انكار مَاهِيَّة الرب

стр. 198

تَعَالَى وَصِفَاته وَأَنه وجود مُجَرّد لَا صفة لَهُ وَلَا مَاهِيَّة وَهَذَا قَول باينتم بِهِ الْعُقُول وَجَمِيع الْكتب الْمنزلَة من السَّمَاء وَإِجْمَاع الرُّسُل ونفيتم بِهِ علم الله وَقدرته ومشيئته وسَمعه وبصره وعلوه على خلقه ونفيتم بِهِ خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام وسميتموه توحيدا وَهُوَ أصل كل تَعْطِيل قَالُوا والنقطة الَّتِي استدللتم بهَا هِيَ من أظهر مَا يبطل دليلكم فَإِنَّهَا غير منقسمة وَهِي حَالَة فِي الْجِسْم المنقسم فقد حل فِي المنقسم مَا لَيْسَ بمنقسم ثمَّ إِن مثبتي الْجَوْهَر الْفَرد وهم جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين ينازعونكم فِي هَذَا الأَصْل وَيَقُولُونَ الْجَوْهَر حَال فِي الْجِسْم بل هُوَ مركب مِنْهُ فقد حل فِي المنقسم مَا لَيْسَ بمنقسم وَلَا يُمكن تتميم دليلكم إِلَّا بِنَفْي الْجَوْهَر الْفَرد فَإِن قُلْتُمْ النقطة عبارَة عَن نِهَايَة الْخط وفنائه وَعَدَمه فَهِيَ أَمر عدمي بَطل استدلالكم بهَا وَإِن كَانَت أمرا وجوديا فقد حلت فِي المنقسم فَبَطل الدَّلِيل على التَّقْدِيرَيْنِ قَالُوا أَيْضا فَلم لَا يكون الْعلم حَالا فِي مَحَله لَا على وَجه النَّوْع والسريان فَإِن حُلُول كل شَيْء فِي مَحَله يحسبه فحلول الْحَيَوَان فِي الدَّار نوع وحلول الْعرض فِي الْجِسْم نوع وحلول الْخط فِي الْكتاب نوع وحلول الدّهن فِي السمسم نوع وحلول الْجِسْم فِي الْعرض نوع وحلول الرّوح فِي الْبدن نوع وحلول الْعُلُوم والمعارف فِي النَّفس نوع قَالُوا وَأَيْضًا فالوحدة حَاصِلَة فَإِن كَانَت جوهرا فقد ثَبت الْجَوْهَر الْفَرد بَطل دليلكم فَإِنَّهُ لَا يتم إِلَّا بنفيه وَإِن كَانَ عرضا وَجب أَن يكون لَهَا مَحل فمحلها إِن كَانَ منقسما فقد جَازَ قيام غير المنقسم بالمنقسم فَهُوَ الْجَوْهَر وَبَطل الدَّلِيل فَإِن قُلْتُمْ الواحده أَمر عدمي لَا وجود لَهُ فِي الْخَارِج فَكَذَلِك أثبتم بِهِ وجود مَالا يَنْقَسِم كلهَا أُمُور عدمية لَا وجود لَهَا فِي الْخَارِج فَإِن وَاجِب الْوُجُود الَّذِي أثبتموه أَمر عدمي بل مُسْتَحِيل الْوُجُود قَالُوا وَأَيْضًا فالإضافات عارضة لَا أَقسَام مثل الْفَوْقِيَّة والتحتية والمالكية والمملوكية فَلَو انقسم الْحَال بانقسام مَحَله لزم انقسام هَذِه الإضافات فَكَانَ يكون لحقيقة الْفَوْقِيَّة والتحتية ربع وَثمن وَهَذَا لَا يقبله الْعقل قَالُوا وَأَن الْقُوَّة الوهمية والفكرية جسمانية عِنْد زعيمكم ابْن سيناء فَيلْزم أَن يحصل لَهَا أَجزَاء وأبعاض وَذَلِكَ محَال لِأَنَّهَا لَو انقمست لَكَانَ كل وَاحِد من أبعاضها إِن كَانَ مثلهَا كَانَ الْجُزْء مُسَاوِيا للْكُلّ وَإِن لم يكن مثلهَا لم تكن تِلْكَ الْأَجْزَاء كَذَلِك وَأَيْضًا فَإِن الْوَهم لَا معنى لَهُ إِلَّا كَون هَذَا صديقا وَهَذَا عدوا وَذَلِكَ لَا يقبل الْقِسْمَة قَالُوا وَأَن الْوُجُود أَمر زَائِد على الماهيات عنْدكُمْ فَلَو لزم انقسام الْحَال لانقسام مَحَله

стр. 199

لزم انقسام ذَلِك الْوُجُود بانقسام مَحَله وَهَذَا الْوَجْه لَا يلْزم من جعل وجود الشَّيْء غير ماهيته قَالُوا وَأَيْضًا فطبائع الْأَعْدَاد ماهيات مُخْتَلفَة فالمفهوم من كَون الْعشْرَة عشرَة مَفْهُوم وَاحِد وماهية وَاحِدَة فَتلك الْمَاهِيّة أما أَن تكون عارضة لكل وَاحِد من تِلْكَ الْآحَاد وَهُوَ محَال وَأما أَن تَنْقَسِم بانقسام تِلْكَ الْآحَاد وَهُوَ محَال لِأَن الْمَفْهُوم من كَون الْعشْرَة عشرَة لَا يقبل الْقِسْمَة نعم الْعشْرَة تقبل الْقِسْمَة لَا عشريتها قَالُوا فقد قدم مَالا يَنْقَسِم بالمقسم قَالُوا وَأَيْضًا فالكيفيات المختصات بالكميات كالاستدارة والنقوش وَنَحْوهمَا عِنْد الفلاسفة أَعْرَاض مَوْجُودَة فِي شبه الاستدارة إِن كَانَ عرضا فَأَما أَن يكون بِتَمَامِهِ قَائِما وَإِمَّا أَن يكون بِكُل وَاحِد من الْأَجْزَاء وَهُوَ محَال وَأما أَن يَنْقَسِم ذَلِك الْعرض بانقسام الْأَجْزَاء وَيقوم بِكُل جُزْء من أَجزَاء الْخط جُزْء من أَجزَاء ذَلِك الْعرض وَهُوَ محَال لِأَن جزأه إِن كَانَ استدارة لزم أَن يكون جُزْء الدائرة دَائِرَة وَإِن لم يكن استدارة فَعِنْدَ اجْتِمَاع الْأَجْزَاء إِن لم يحدث أَمر زَائِد وَجب أَن لَا تحصل الاستدارة وَإِن حدث أَمر زَائِد وَجب أَن لَا تحصل الاستدارة وَإِن حدث أَمر زَائِد فَإِن كَانَ منقسما عَاد التَّقْسِيم وَإِن لم يَنْقَسِم كَانَ الْحَال غير منقسم وَمحله منقسما قلت وَهَذَا لَا يلْزمهُم فَإِن لَهُم أَن يَقُولُوا يَنْقَسِم بانقسام مَحَله تبعا لَهُ كَسَائِر الْأَعْرَاض الْقَائِمَة بمحالها من الْبيَاض والسواد وَأما مَالا يَنْقَسِم كالطول فَشرط حُصُوله اجْتِمَاع الْأَجْزَاء وَالْمُعَلّق على الشَّرْط مُنْتَفٍ بانتفائه قَالُوا وَإِن هَذِه الْأَجْسَام مُمكنَة بذواتها وَذَلِكَ صفة لَهَا خَارِجَة عَن ماهيتها فَإِن لم تَنْقَسِم بانقسام محلهَا بَطل الدَّلِيل وَإِن انقسمت عَاد الْمَحْذُور الْمَذْكُور من مُسَاوَاة الْجُزْء للْكُلّ والتسلسل قلت وَهَذِه أَيْضا لَا يلْزمهُم لِأَن الْإِمْكَان لَيْسَ أَمر يدل على قبُول الْمُمكن للوجود والعدم وَذَلِكَ الْقبُول من لَوَازِم ذَاته لَيْسَ صفة عارضة لم وَلَكِن الذِّهْن يجرد هَذَا الْقبُول عَن الْقَابِل فَيكون عروضه للماهية بتجريد الذِّهْن وَأما قَضِيَّة مُشَاركَة الْجُزْء للْكُلّ فَلَا امْتنَاع فِي ذَلِك كَسَائِر الماهيات البسيطة فَإِن جزأها مسَاوٍ لكلها فِي الْحَد والحقيقة كَالْمَاءِ وَالتُّرَاب والهواء وَإِنَّمَا الْمُمْتَنع أَن يُسَاوِي الْجُزْء للْكُلّ فِي الْكمّ لَا فِي نفس الْحَقِيقَة والمعول فِي إبِْطَال هَذِه الشُّبْهَة على أَن الْعلم لَيْسَ بِصُورَة حَالَة فِي النَّفس وَإِنَّمَا هُوَ نِسْبَة وَإِضَافَة بَين الْعلم والمعلوم كَمَا نقُول فِي الْأَبْصَار أَنه لَيْسَ بانطباع صُورَة مُسَاوِيَة للمبصر فِي الْقُوَّة الباصرة وَإِنَّمَا هُوَ نِسْبَة وَإِضَافَة بَين الْقُوَّة الباصرة والمبصر وَعَامة شبههم الَّتِي أوردوها

стр. 200

فِي هَذَا الْفَصْل مَبْنِيَّة على انطباع صُورَة الْمَعْلُوم فِي الْقُوَّة العالمة ثمَّ بنوا على ذَلِك أَن انقسام مَالا يَنْقَسِم فِي المنقسم محَال وَقَوْلهمْ مَحل الْعُلُوم الْكُلية لَو كَانَ جسما أَو جسمانيا لانقسمت تِلْكَ الْعُلُوم لِأَن الْحَال فِي المنقسم منقسم لم يذكرُوا جِسْمه هَذِه الْمُقدمَة دَلِيلا وَلَا شُبْهَة وَإِنَّمَا بِأَيْدِيهِم مُجَرّد الدَّعْوَى وَلَيْسَت بديهية حَتَّى تَسْتَغْنِي عَن الدَّلِيل وَهِي مَبْنِيَّة على الْعلم بالشَّيْء عَن حُصُول صُورَة مُسَاوِيَة لماهية الْمَعْلُوم فِي نفس الْعَالم وَهَذَا من أبطل الْبَاطِل للوجوه الَّتِي نذكرها هُنَاكَ وَأَيْضًا فَلَو سلمنَا لكم ذَلِك كَانَ من أظهر الْأَدِلَّة على بطلَان قَوْلكُم فَإِن هَذِه الصُّورَة إِذا كَانَت حَالَة فِي جَوْهَر النَّفس الناطقة فَهِيَ صُورَة جزئية حَالَة فِي نفس جزئية تقارنها سَائِر الْأَعْرَاض الْحَالة فِي تِلْكَ النَّفس الْجُزْئِيَّة فَإِذا اعْتبرنَا تِلْكَ الصُّورَة مَعَ جملَة هَذِه اللواحق لم تكن صُورَة مُجَرّدَة بل مقرونة بلواحق وعوارض وَذَلِكَ يمْنَع كليتها فَإِن قُلْتُمْ المُرَاد بِكَوْنِهَا كُلية إِنَّا إِذا حذفنا عَنْهَا تِلْكَ اللواحق واعتبرناها من حَيْثُ هى هِيَ كَانَت كُلية قُلْنَا لكم فَإِذا جَازَ هَذَا فَلم لَا يجوز أَن يُقَال هَذِه الصُّورَة حَالَة فِي مَادَّة جسمانية مَخْصُوصَة بِمِقْدَار معِين وَبِكُل معِين إِلَّا أَنا حذفنا عَنْهَا ذَلِك واعتبرناها من حَيْثُ هِيَ هِيَ كَانَت بِمَنْزِلَة تِلْكَ الصُّورَة الَّتِي فعلنَا بهَا ذَلِك فالمعين فِي مُقَابلَة الْمعِين الْمُطلق الْمَأْخُوذ من حَيْثُ هُوَ هُوَ فِي مُقَابلَة مَحَله الْمُطلق وَهَذَا هُوَ الْمَعْقُول الَّذِي شهِدت بِهِ الْعُقُول الصَّحِيحَة وَالْمِيزَان الصَّحِيح فَظهر أَن هَذِه الشُّبْهَة من أفسد الشّبَه وأبطلها وَإِنَّمَا أَتَى الْقَوْم من الكليات فَإِنَّهَا هِيَ الَّتِي خربَتْ دُورهمْ وأفسدت نظرهم ومناظرهم فَإِنَّهُم جردوا أمورا كُلية لَا وجود لَهَا فِي الْخَارِج ثمَّ حكمُوا عَلَيْهَا بِأَحْكَام الموجودات وجعلوها ميزانا وأصلا للموجودات فَإِذا جردوا صور المعلومات وجعلوها كُلية جردنا نَحن محلهَا وجعلناه كليا وَإِن أخذُوا جزئية مُعينَة فمحلها كَذَلِك فالكلى فِي مُقَابلَة الكلى والجزئي فِي مُقَابلَة الجزئي على أَنا نقُول لَيْسَ فِي الذِّهْن كلى وَإِنَّمَا فِي الذِّهْن صُورَة مُعينَة مشخصة منطبعة على سَائِر أفرادها فَإِن سميت كُلية بِهَذَا الِاعْتِبَار فَلَا مشاحة فِي الْأَلْفَاظ وَهِي كُلية وجزئية باعتبارين فصل قَوْلكُم فِي الْوَجْه الثَّالِث أَن الصُّور الْعَقْلِيَّة الْكُلية مُجَرّدَة وتجردها إِنَّمَا هُوَ بِسَبَب الْآخِذ لَهَا وَهُوَ الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة جَوَابه أَن يُقَال مَا الَّذِي تُرِيدُونَ بِهَذِهِ الصُّورَة الْعَقْلِيَّة الْكُلية أتريدون بِهِ أَن الْمَعْلُوم حصل فِي ذَات الْعَالم أَو أَن الْعلم بِهِ حصل فِي ذَات الْعَالم فَالْأول ظَاهر إِلَّا حَالَة

стр. 201

وَالثَّانِي حق إِلَّا أَنه يفيدكم شَيْئا لِأَن الْأَمر الْكُلِّي الْمُشْتَرك بَين الْأَشْخَاص الإنسانية هُوَ الإنسانية لَا الْعلم بهَا والإنسانية لَا وجود لَهَا فِي الْخَارِج كُلية والوجود فِي الْخراج للمعينات فَقَط وَالْعلم تَابع للمعلوم فَكَمَا أَن الْمَعْلُوم معِين فالعلم بِهِ معِين لكنه صُورَة منطبقة على أَفْرَاد كَثِيرَة فَلَيْسَ فِي الذِّهْن وَلَا فِي الْخَارِج صُورَة غير منقسمة الْبَتَّةَ وَكم قد غلط فِي هَذَا الْموضع طوائف من الْعُقَلَاء لَا يحصيهم إِلَّا الله تَعَالَى فالصورة الْكُلية الَّتِي يثبتونها ويزعمون أَنَّهَا حَالَة فِي النَّفس فَهِيَ صُورَة شخصية مَوْصُوفَة بعوارض شخصية فَهَب أَن هَذِه الصُّورَة الْعَقْلِيَّة حَالَة فِي جَوْهَر لَيْسَ بجسم وَلَا جسماني فَإِنَّهَا غير مُجَرّدَة عَن الْعَوَارِض فَإِن قُلْتُمْ مرادنا بِكَوْنِهَا مُجَرّدَة النّظر إِلَيْهَا من حَيْثُ هِيَ هِيَ مَعَ قطع النّظر عَن تِلْكَ الْعَوَارِض قيل لكم فَلم لَا يجوز أَن تكون الصُّورَة الْحَالة فِي الْمحل الجسماني منقسمة وَإِنَّمَا تكون مُجَرّدَة إِذا نَظرنَا إِلَيْهَا من حَيْثُ هِيَ هِيَ بِقطع النّظر عَن عوارضها فصل قَوْلكُم فِي الرَّابِع أَن الْعَقْلِيَّة تقوى على أَفعاله غير متناهية وَلَا شَيْء من القوى الجسمانية كَذَلِك فَجَوَابه أَنا لَا نسلم أَنَّهَا تقوى على أَفعَال غير متناهية وقولكم أَنَّهَا تقوى على إدراكات لَا تتناهي هِيَ والإدراكات أَفعَال مقدمتان كاذبتان فَإِن إدراكاتها وَلَو بلغت مَا بلغت فَهِيَ متناهية فَلَو كَانَ لَهَا بِكُل نفس ألف ألف إِدْرَاك لتناهت إدراكاتها فَهِيَ قطعا تَنْتَهِي فِي الإدراكات والمعارف إِلَى حد لَا يُمكنهَا أَن تزيد عَلَيْهِ شَيْئا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَفَوق كل ذِي علم عليم﴾ إِلَى أَن يَنْتَهِي الْعلم إِلَى من هُوَ بِكُل شَيْء عليم فَهُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَحده وَذَلِكَ من خَصَائِصه الَّتِي لَا يُشَارِكهُ فِيهَا سواهُ فَإِن قُلْتُمْ لَو انتهي إِدْرَاكهَا إِلَى حد لَا يُمكنهَا الْمَزِيد عَلَيْهِ لزم انقلاب الشَّيْء من الْإِمْكَان الذاتي قُلْنَا فَهَذَا بِعَيْنِه لَو صَحَّ دلّ على أَن الْقُوَّة الجسمانية تقوى على أَفعَال غير متناهية وَذَلِكَ يُوجب سُقُوط الشُّبْهَة وبطلانها وَأَيْضًا فَإِن قُوَّة التخيل والتفكر والتذكر تقوى على استحضار المخيلات والمذكرات إِلَى غير نِهَايَة مَعَ أَنَّهَا عنْدكُمْ قُوَّة جسمانية فَإِن قُلْتُمْ لَا نسلم أَنَّهَا تقوى على مَالا يتناهي قيل لكم هَكَذَا يَقُول خصومكم فِي الْقُوَّة الْعَاقِلَة سَوَاء وَأما كذب الْمُقدمَة الثَّانِيَة فَإِن الْإِدْرَاك لَيْسَ بِفعل فَلَا يلْزم من تناهي فعلهَا تناهي إِدْرَاكهَا وَقد صرحتم بِأَن الْجَوْهَر الْعقلِيّ قَابل لصورة الْمَعْلُوم لَا أَنَّهَا فَاعل لَهَا وَالشَّيْء الْوَاحِد لَا يكون

стр. 202

فَاعِلا وقابلا عنْدكُمْ وَقد صرحتم بِأَن الْأَجْسَام يمْتَنع عَلَيْهَا أَفعَال لَا نِهَايَة لَهَا وَلَا يمْتَنع عَلَيْهَا مجهولات وانفعالات لَا نتناهي وَقد أورد ابْن سيناء على هَذِه الشُّبْهَة سؤالا فَقَالَ أَلَيْسَ النَّفس الفلكية الْمُبَاشرَة لتحريك الْفلك قُوَّة جسمانية مَعَ أَن الحركات الفلكية غير متناهية وَأجَاب عَنهُ بِأَنَّهَا وَإِن كَانَت قُوَّة جسمانية إِلَّا أَنَّهَا تستمد الْكَمَال من الْعقل المفارق فَلهَذَا السَّبَب قدرت على أَفعَال غير متناهية فَنَقُول فَإِذا كَانَ الْأَمر عنْدك كَذَلِك فَلم لَا يجوز أَن يُقَال النَّفس الناطقة تستمد الْكَمَال وَالْقُوَّة من فاطرها ومنشئها الَّذِي لَهُ الْقُوَّة جَمِيعًا فَلَا جرم تقوى مَعَ كَونهَا جسمانية على مَالا يتناها فَإِذا قلت بذلك وَافَقت الرُّسُل وَالْعقل وَدخلت مَعَ زمرة الْمُسلمين وَفَارَقت الْعصبَة المبطلين فصل قَوْلكُم فِي الْخَامِس لَو كَانَت الْقُوَّة الْعَاقِلَة حَالَة فِي آلَة جسمانية لوَجَبَ أَن تكون دائمة الْإِدْرَاك لتِلْك الْآلَة أَو ممتنعة الْإِدْرَاك لَهَا فَهُوَ مبْنى على أصلكم الْفَاسِد أَن الْإِدْرَاك عبارَة عَن حُصُول صُورَة مُسَاوِيَة للمدرك فِي القرة المدركة ثمَّ لَو سلمنَا لكم ذَلِك الأَصْل لم يفدكم شَيْئا فَإِن حُصُول تِلْكَ الصُّورَة يكون شرطا لحُصُول الْإِدْرَاك فَأَما أَن يَقُول أَو يُقَال أَن الْإِدْرَاك عين حُصُول تِلْكَ الصُّورَة فَهَذَا لَا يَقُوله عَاقل فَلم لَا يجوز أَن يُقَال الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة حَالَة فِي جسم مَخْصُوص ثمَّ أَن الْقُوَّة الناطقة قد تحصل لَهَا حَالَة إضافية تسمى بالشعور والإدراك فَحِينَئِذٍ تصير الْقُوَّة الْعَاقِلَة مدركة لتِلْك الْآلَة وَقد لَا تُوجد تِلْكَ الْحَالة الإضافية فَتَصِير غافلة عَنْهَا وَإِذا كَانَ هَذَا مُمكنا سَقَطت تِلْكَ الشُّبْهَة رَأْسا ثمَّ نقُول أَتَدعُونَ أَنا إِذا عقلنا شَيْئا فَإِن الصُّورَة الْحَاضِرَة فِي الْعقل مُسَاوِيَة لذَلِك الْمَعْقُول من جَمِيع الْوُجُوه والاعتبارات أَو لَا يجب حُصُول هَذِه الْمُسَاوَاة من جَمِيع الْوُجُوه لم يلْزم من حُدُوث صُورَة أُخْرَى فِي الْقلب أَو الدِّمَاغ اجْتِمَاع المثلين وَأَيْضًا فالقوة الْعَاقِلَة حَالَة فِي جَوْهَر الْقلب أَو الدِّمَاغ وَالصُّورَة الْحَادِثَة حَالَة فِي الْقُوَّة الْعَاقِلَة فإحدى الصُّورَتَيْنِ مَحل للقوة الْعَاقِلَة وَأَيْضًا فَنحْن إِذا رَأينَا الْمسَافَة الطَّوِيلَة والبعد الممتد فَهَل يتَوَقَّف هَذَا الإبصار على ارتسام صُورَة المرئي فِي عين الرَّائِي أَو لَا يتَوَقَّف فَإِن توقف لزم اجْتِمَاع المثلين لِأَن الْقُوَّة الباصرة عنْدكُمْ جسمانية فَهِيَ فِي مَحل لَهُ حجم وَمِقْدَار فَإِذا حصل

стр. 203

فِيهِ حجم المرئي ومقداره لزم اجْتِمَاع المثلين وَإِذا جَازَ هُنَاكَ فَلم لَا يجوز مثله فِي مسئتنا وَإِن كَانَ إِدْرَاك الشَّيْء لَا يتَوَقَّف على حُصُول صُورَة المرئي فِي الرَّائِي بَطل قَوْلكُم أَن إِدْرَاك الْقلب والدماغ يتَوَقَّف على حُصُول صُورَة الْقلب والدماغ فِي الْقُوَّة الْعَاقِلَة وَأَيْضًا فقولكم لَو كَانَت الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة حَالَة فِي جسم لوَجَبَ أَن تكون دائمة الْإِدْرَاك لذَلِك الْجِسْم لَكِن إدراكنا لقلبنا ودماغنا غير دَائِم فَهَذَا إِنَّمَا يلْزم من يَقُول أَنَّهَا حَالَة فِي الْقلب أَو الدِّمَاغ وَأما من يَقُول أَنَّهَا حَالَة فِي جسم مَخْصُوص وَهُوَ النَّفس وَهِي مشابكة للبدن فَهَذَا الْإِلْزَام غير وَارِد عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَقُول النَّفس جسم مَخْصُوص وَالْإِنْسَان أبدا عَالم بِأَنَّهُ جسم مَخْصُوص وَلَا يَزُول ذَلِك عَن عقله إِلَّا إِذا عرضت لَهُ الْغَفْلَة فَسَقَطت الشُّبْهَة الَّتِي عولتم عَلَيْهَا على كل تَقْدِير فصل قَوْلكُم فِي السَّادِس ان كل أحد يدْرك نَفسه والإدراك عبارَة عَن حُصُول مَاهِيَّة الْمَعْلُوم عِنْد الْعَالم وَهَذَا إِنَّمَا يَصح إِذا كَانَت النَّفس غنية عَن الْمحل إِلَى آخِره جَوَابه أَن ذَلِك مبْنى على الأَصْل الْمُتَقَدّم وَهُوَ أَن الْعلم عبارَة عَن حُصُول صُورَة مُسَاوِيَة للمعلوم فِي نفس الْعَالم وَهَذَا بَاطِل من وُجُوه كَثِيرَة مَذْكُورَة فِي مَسْأَلَة الْعلم حَتَّى لَو سلم ذَلِك فالصورة الْمَذْكُورَة شرطا فِي حُصُول الْعلم لَا أَنَّهَا نفس الْعلم وَأَيْضًا فَهَذِهِ الشُّبْهَة مَعَ ركاكة ألفاظها وَفَسَاد مقدماتها منقوضة فَإنَّا إِذا أَخذنَا حجرا أَو خَشَبَة قُلْنَا هَذَا جَوْهَر قَائِم بِنَفسِهِ فذاته حَاضِرَة عِنْد ذَاته فَيجب فِي هَذِه الجمادات أَن تكون عَالِمَة بذواتها وَأَيْضًا فَجَمِيع الْحَيَوَانَات مدركة لذواتها فَلَو كَانَ كَون الشَّيْء مدْركا لذاته تَقْتَضِي كَون ذَاته جوهرا مُجَردا لزم كَون نفوس الْحَيَوَانَات بأسرها جَوَاهِر مُجَرّدَة وَأَنْتُم لَا تَقولُونَ بذلك فصل قَوْلكُم فِي السَّابِع الْوَاحِد منا يتخيل بحرا من زئبق وجبلا من ياقوت إِلَى آخِره وَهُوَ شُبْهَة أَبى البركات الْبَغْدَادِيّ فشبهة داحضة جدا فَإِنَّهَا مَبْنِيَّة على أَن تِلْكَ المتخيلات أُمُور مَوْجُودَة وَأَنَّهَا منطبعه فِي النَّفس فِي مَحَله وَمَعْلُوم قطعا أَن هَذِه المخيلات لَا حَقِيقَة لَهَا فِي ذَاتهَا وَغنما الذِّهْن يفرضها تَقْديرا وَلَيْسَت منطبعة فِي النَّفس فَإِن الْعُلُوم الخارجية لَا تنطبع صورها فِي النَّفس فَكيف بالخيالات المعدومة فَهَذِهِ مندحضة وَلَا يمْنَع من وُقُوع

стр. 204

التَّمْيِيز بَين الإعدام المضافة فَإِن الْعقل يُمَيّز بَين عدم السّمع وَعدم الْبَصَر وَعدم الشم وَغير ذَلِك وَلَا يلْزم من هَذَا التَّمْيِيز كَون هَذِه الإعدام مَوْجُودَة بل يُمَيّز بَين أَنْوَاع المستحيلات الَّتِي لَا يُمكن وجودهَا الْبَتَّةَ ثمَّ نقُول إِذا عقل حُلُول الأشكال والمقادير فِيمَا كَانَ مُجَردا عَن الحجمية والمقدار من كل الْوُجُوه أَفلا يعقل حُلُول الْعلم بالشكل الْعَظِيم والمقدار الْعَظِيم فِي الْجِسْم الصَّغِير وَأَيْضًا فَإِذا كَانَ عدم الانطباق من جَمِيع الْوُجُوه لَا يمْنَع من حُلُول الصُّورَة والشكل فِي الْجَوْهَر الْمُجَرّد فَعدم انطباق الْعَظِيم على الصَّغِير أولى أَن لَا يمْنَع من حُلُول الصُّورَة الْعَظِيمَة فِي الْمحل الصَّغِير وَأَيْضًا فَإِن سلفكم من الْأَوَائِل أَقَامُوا الدَّلِيل على أَن انطباع الصُّورَة الْحَالة فِي الْجَوْهَر الْمُجَرّد محَال وَذكروا لَهُ وُجُوهًا فصل قَوْلكُم فِي الثَّامِن لَو كَانَت الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة جسدانية لضعفت فِي زمن الشيخوخة وَلَيْسَ كَذَلِك جَوَابه من وُجُوه الْوَجْه الأول لم يجوز أَن يُقَال الْقدر الْمُحْتَاج إِلَيْهِ من صِحَة الْبدن فِي كَمَال الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة مِقْدَار معِين وَأما كَمَال حَال الْبدن فِي الصِّحَّة فَإِنَّهُ غير مُعْتَبر فِي كَمَال حَال الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة وَإِذا احْتمل ذَلِك لم يبعد أَن يُقَال ذَلِك الْقدر الْمُحْتَاج إِلَيْهِ بَاقٍ إِلَى آخر الشيخوخة فبقى الْعقل إِلَى آخرهَا الْوَجْه الثَّانِي أَن الشَّيْخ لَعَلَّه إِنَّمَا يُمكنهُ أَن يسْتَمر فِي الإدراكات الْعَقْلِيَّة على الصِّحَّة أَن عقله يبْقى بِبَعْض الْأَعْضَاء الَّتِي يتَأَخَّر الْفساد والاستحالة إِلَيْهَا فَإِذا انتهي إِلَيْهَا الْفساد والاستحالة فسد عقله وإدراكه الْوَجْه الثَّالِث أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون بعض الأمزجة أوفق لبَعض القوى فَلَعَلَّ مزاج الشَّيْخ أوفق للقوة الْعَقْلِيَّة فَلهَذَا السَّبَب تقوى فِيهِ الْقُوَّة الْعَاقِلَة الْوَجْه الرَّابِع أَن المزاج إِذا كَانَ فِي غَايَة الْقُوَّة والشدة كَانَت سَائِر القوى قَوِيَّة فَتكون الْقُوَّة الشهوانية والغضبية قَوِيَّة جدا وَقُوَّة هَذِه القوى تمنع الْعقل من الاستكمال فَإِذا حصلت الْقُوَّة الشيخوخة وَحصل الضعْف حصل بِسَبَب الضعْف ضعف فِي هَذِه القوى الْمَانِعَة لِلْعَقْلِ من الاستكمال وَحصل فِي الْعقل أَيْضا ضعف وَلَكِن بعد مَا حصل فِي الْعقل من الضعْف حصل ذَلِك فِي أضداده فينجبر النُّقْصَان من أحد الْجَانِبَيْنِ بِالنُّقْصَانِ من الْجَانِب الآخر فَيَقَع الِاعْتِدَال الْوَجْه الْخَامِس أَن الشَّيْخ حفظ الْعُلُوم والتجارب الْكَثِيرَة ومارس الْأُمُور ودربها

стр. 205

وَكَثُرت تجاربه وَهَذِه الْأَحْوَال تعينه على وُجُوه الْفِكر وَقُوَّة النّظر فَقَامَ النُّقْصَان الْحَاصِل بِسَبَب ضعف الْبدن والقوى الْوَجْه السَّادِس أَن كَثْرَة الْأَفْعَال بِسَبَب حُصُول الملكات الراسخة فَصَارَت الزِّيَادَة الْحَاصِلَة بِهَذَا الطَّرِيق جَابِرا للنقصان الْحَاصِل بِسَبَب اختلال الْبدن الْوَجْه السَّابِع أَنه قد ثَبت فِي الصَّحِيح عَنهُ أَنه قَالَ يهرم ابْن آدم وتشب فِيهِ خصلتان الْحِرْص وَطول الأمل وَالْوَاقِع شَاهد لهَذَا الحَدِيث مَعَ أَن الْحِرْص والأمل من القوى الجسمانية وَالصِّفَات الخيالية ثمَّ أَن ضعف الْبدن لم يُوجب ضعف هَاتين الصفتين فَعلم أَنه لَا يلْزم من اختلال الْبدن وَضَعفه ضعف الصِّفَات الْبَدَنِيَّة الْوَجْه الثَّامِن أَنا نرى كثيرا من الشُّيُوخ يصيرون إِلَى الخزف وَضعف الْعقل بل هَذَا هُوَ الْأَغْلَب وَيدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ومنكم من يرد إِلَى أرذل الْعُمر لكيلا يعْمل بعد علم شَيْئا فالشيخ فِي أرذل عمره يصير كالطفل أَو أَسْوَأ حَالا مِنْهُ وَأما من لم يحصل لَهُ ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يرد إِلَى أرذل الْعُمر الْوَجْه التَّاسِع أَنه لَا تلازم بَين قُوَّة الْبدن وَقُوَّة النَّفس وَلَا بَين ضعفه وضعفها فقد يكون الرجل قوي الْبدن ضَعِيف النَّفس جَبَانًا خوارا وَقد يكون ضَعِيف الْبدن قوي النَّفس فَيكون شجاعا مقداما على ضعف بدنه الْوَجْه الْعَاشِر أَنه لَو سلم لكم مَا ذكرْتُمْ لم يدل على كَون النَّفس جوهرا مُجَردا لَا داخلي الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا هِيَ فِي الْبدن وَلَا خَارِجَة عَنهُ لِأَنَّهَا إِذا كَانَت جسما صافيا مشرقا سماويا مُخَالفا للأجسام الأرضية لم تقبل الانحلال والذبول والتبدل كَمَا تقبله الْأَجْسَام المتحللة الأرضية فَلَا يلْزم من حُصُول الانحلال والذبول فِي هَذَا الْبدن حصولهما فِي جَوْهَر النَّفس فصل قَوْلكُم فِي التَّاسِع أَن الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة غنية فِي أفعالها عَن الْجِسْم وَمَا كَانَ غَنِيا عَن الْجِسْم فِي أَفعاله كَانَ غَنِيا عَنهُ فِي ذَاته إِلَى آخِره جَوَابه أَن يُقَال لَا يلْزم من ثُبُوت حكم فِي قُوَّة جسمانية ثُبُوت مثل ذَلِك الحكم فِي جَمِيع القوى الجسمانية وَلَيْسَ مَعكُمْ غير الدَّعْوَى الْمُجَرَّدَة وَالْقِيَاس الْفَاسِد

стр. 206

وَأَيْضًا فالصور والأعراض محتاجة إِلَى محلهَا وَلَيْسَ احتياجها إِلَى تِلْكَ الْمحَال إِلَّا لمُجَرّد ذواتها وَلَا يلْزم من استقلالها بِهَذَا الحكم استغناؤها فِي ذواتها عَن تِلْكَ الْمحَال فَلَا يلْزم من كَون الشَّيْء مُسْتقِلّا باقتضاء حكم من الْأَحْكَام أَن يكون مستغنيا فِي ذَاته عَن الْمحَال وَالله أعلم فصل قَوْلكُم فِي الْعَاشِر أَن الْقُوَّة الجسمانية تكل بِكَثْرَة الْأَفْعَال وَلَا تقوى على القوى بعد الضعْف إِلَى آخِره جَوَابه أَن الْقُوَّة الخيالية جسمانية ثمَّ إِنَّهَا تقوى على تخيل الْأَشْيَاء الْعَظِيمَة مَعَ تخيلها الْأَشْيَاء الحقيرة فَإِنَّهَا يُمكنهَا أَن تتخيل الشعلة الصَّغِيرَة حَال مَا تخيل الشَّمْس وَالْقَمَر وَأَيْضًا فَإِن الإبصار القوية الْقَاهِرَة تمنع إبصار الْأَشْيَاء الضعيفة فَكَذَلِك نقُول الْعُقُول الْعَظِيمَة الْعَالِيَة تمنع تعقل المعقولات الضعيفة فَإِن الْمُسْتَغْرق فِي معرفَة جلال رب الأَرْض وَالسَّمَوَات وأسمائه وَصِفَاته يمْتَنع عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَال الْفِكر فِي ثُبُوت الْجَوْهَر الْفَرد وَحَقِيقَته فصل قَوْلكُم فِي الْحَادِي عشر إِنَّا إِذا حكمنَا بِأَن السوَاد مضاد للبياض وَجب أَن يحصل فِي الذِّهْن مَاهِيَّة السوَاد وَالْبَيَاض مَعًا والبداهة حاكمة بِأَن اجْتِمَاعهمَا فِي الْجِسْم محَال جَوَابه أَن هَذَا مبْنى على أَن من أدْرك شَيْئا فقد حصل فِي ذَات الْمدْرك صُورَة مُسَاوِيَة للمدرك وَهَذَا بَاطِل واستدلالكم على صِحَّته بانطباع الصُّورَة فِي الْمرْآة بَاطِل فَإِن الْمرْآة لم ينطبع فِيهَا شَيْء الْبَتَّةَ كَمَا يَقُوله جُمْهُور الْعُقَلَاء من الفلاسفة والمتكلمين وَغَيرهم وَالْقَوْل بالانطباع بَاطِل من وُجُوه كَثِيرَة ثمَّ نقُول إِذا كُنْتُم قد قُلْتُمْ ان المتطبع فِي النَّفس عِنْد إِدْرَاك السوَاد وَالْبَيَاض رسومهما ومثالهما لَا حقيقتهما فَلم لَا يجوز حُصُول رسوم هَذِه الْأَشْيَاء فِي الْمَادَّة الجسمانية فصل قَوْلكُم فِي الثَّانِي عشر أَنه لَو كَانَ مَحل الإدراكات جسما وكل جسم منقسم لم يمْنَع أَن يقوم بِبَعْض أَجزَاء الْجِسْم علم بالشَّيْء وبالجزء الآخر مِنْهُ جهل بِهِ فَيكون الْإِنْسَان عَالما بالشَّيْء جَاهِلا بِهِ فِي وَقت وَاحِد جَوَابه أَن هَذِه الشُّبْهَة منتقضة على أصولكم فَإِن الشَّهْوَة وَالْغَضَب والتخيل من الْأَحْوَال الجسمانية عنْدكُمْ ومحلها منقسم فلزمكم أَن تجوزوا قيام الشَّهْوَة وَالْغَضَب بِأحد الجزأين وضدهما بالجزء الآخر فَيكون مشتهيا للشَّيْء نافرا عَنهُ غَضْبَان عَلَيْهِ غير غَضْبَان فِي وَقت وَاحِد

стр. 207

فصل قَوْلكُم فِي الثَّالِث عشر أَن الْمَادَّة الجسمانية إِذا حصلت فِيهَا نقوش مَخْصُوصَة امْتنع فِيهَا حُصُول مثلهَا والنفوس البشرية بضد ذَلِك إِلَى آخِره جَوَابه أَن غَايَة هَذَا أَن يكون قِيَاسا ممتازا بِغَيْر جَامع وَذَلِكَ لَا يُفِيد الظَّن فضلا عَن الْيَقِين فَإِن النقوش الْعَقْلِيَّة هِيَ الْعُلُوم والإدراكات والنقوش الجسمانية هِيَ الأشكال والصور وَلَا ريب أَن الْعُلُوم مُخَالفَة بحقائقها للصور والأشكال وَلَا يلْزم من ثُبُوت حكم فِي نوع من أَنْوَاع الماهيات ثُبُوته فِيمَا يُخَالف ذَلِك النَّوْع فصل قَوْلكُم فِي الرَّابِع عشر لَو كَانَت النَّفس جسما لَكَانَ بَين تَحْرِيك المحرك رجله وَبَين إِرَادَته للحركة زمَان إِلَى آخِره جَوَابه أَن النَّفس مَعَ الْجَسَد لَا تَخْلُو من ثَلَاثَة أَحْوَال إِمَّا أَن تكون لابسة لجميعه من خَارج كَالثَّوْبِ أَو تكون فِي مَوضِع وَاحِد كالقلب والدماغ أَو تكون سَارِيَة فِي جَمِيع أَجزَاء الْجَسَد وعَلى كل تَقْدِير من هَذِه التقادير فتحريكها لما تُرِيدُ تحريكه يكون مَعَ إرادتها لذَلِك بِلَا زمَان كإدراك الْبَصَر لما يلاقيه وَإِدْرَاك السّمع والشم والذوق وَإِذا قطع الْعُضْو لم يَنْقَطِع مَا كَانَ من جسم النَّفس متجللا لذَلِك الْعُضْو سَوَاء كَانَت لابسة لَهُ من دَاخل أَو من خَارج بل تفارق الْعُضْو الذى بَطل حسه فِي الْوَقْت وتتقلص عَنهُ بِلَا زمَان وَيكون مفارقتها لذَلِك الْعُضْو كمفارقة الْهَوَاء للإناء إِذا ملىء مَاء وَأما إِن كَانَت النَّفس سَاكِنة فِي مَوضِع وَاحِد من الْبدن لم يلْزم ان تبين مَعَ الْعُضْو الْمَقْطُوع وَأما إِن كَانَت لابسة للبدن من خَارج لم يلْزم أَن يكون بَين إرادتها لتحريكه وَنَفس التحريك زمَان بل يكون فعلهَا حِينَئِذٍ فِي تَحْرِيك الْأَعْضَاء كَفعل المغناطيس فِي الْحَدِيد وَإِن لم يلاصقه ثمَّ نقُول هَذَا الهذيان الَّذِي شغلتم بِهِ الزَّمَان وَارِد عَلَيْكُم بِعَيْنِه فَإِنَّهَا عنْدكُمْ غير مُتَّصِلَة بِالْبدنِ وَلَا مُنْفَصِلَة عَنهُ وَلَا دَاخِلَة فِيهِ وَلَا خَارِجَة عَنهُ فيلزمكم مثل ذَلِك فصل قَوْلكُم فِي الْخَامِس عشر لَو كَانَت جسما لكَانَتْ منقسمة ولصح عَلَيْهَا أَن تعلم بَعْضهَا وتجهل بَعْضهَا فَيكون الْإِنْسَان عَالما بِبَعْض نَفسه جَاهِلا بِالْبَعْضِ الآخر

стр. 208

جَوَابه أَن هَذِه الشُّبْهَة مركبة من مقدمتين تلازميه واستثنائية وَالْمَنْع وَاقع فِي كلا المقدمتين أَو إِحْدَاهمَا فَلَا نسلم أَنَّهَا لَو كَانَت جسما لصَحَّ أَن تعلم بَعْضهَا وتجهل بَعْضهَا فَإِن لنَفس بسيطة غير مركبة من هَذِه العناصر وَلَا من الْأَجْزَاء الْمُخْتَلفَة فَمَتَى شَعرت بذاتها شَعرت بجهلها فَهَذَا منع الْمُقدمَة التلازمية وَأما الاستثنائية فَلَا نسلم أَنَّهَا لَا يَصح أَن تعلم بَعْضهَا حَال غفلتها عَن الْبَعْض الآخر وَلم تَذكرُوا على بطلَان ذَلِك شُبْهَة فضلا عَن دَلِيل وَمن الْمَعْلُوم أَن الْإِنْسَان قد يشْعر بِنَفسِهِ من بعض الْوُجُوه دون كلهَا ويتفاوت النَّاس فِي ذَلِك فَمنهمْ من يكون شعوره بِنَفسِهِ أتم من غَيره بدرجات كَثِيرَة وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين نسوا الله فأنساهم أنفسهم﴾ فَهَؤُلَاءِ نسوا نُفُوسهم لَا من جَمِيع الْوُجُوه بل من الْوَجْه الَّذِي بِهِ مصالحها وكمالها وسعادتها وَإِن لم ينسوها من الْوَجْه الَّذِي مِنْهُ شهوتها وحظها وإرادتها فأنساهم مصَالح نُفُوسهم أَن يفعلوها ويطلبوها وعيوبها ونقائصها أَن يزيلوها ويجتنبوها وكمالها الَّذِي خلقت لَهُ أَن يعرفوه ويطلبوه فهم جاهلون بحقائق أنفسهم من هَذِه الْوُجُوه وَإِن كَانُوا عَالمين بهَا من وُجُوه أخر فصل قَوْلكُم فِي السَّادِس عشر لَو كَانَت النَّفس جسما لوَجَبَ ثقل الْبدن بِدُخُولِهَا فِيهِ لِأَن من شَأْن الْجِسْم إِذا زِدْت عَلَيْهِ جسما آخر أَن يثقل بِهِ فَهَذِهِ شُبْهَة فِي غَايَة الثقلة والمحتج بهَا أثقل وَلَيْسَ كل جسم زيد عَلَيْهِ جسم آخر ثقله فَهَذِهِ الْخَشَبَة تكون ثَقيلَة فَإِذا زيد عَلَيْهَا جسم النَّار خفت جدا وَهَذَا الظّرْف يكون ثقيلا فَإِذا دخله جسم الْهَوَاء خف وَهَذَا إِنَّمَا يكون فِي الْأَجْسَام الثقال الَّتِي تطلب المركز وَالْوسط بطبعها وَهِي تتحرك بالطبع إِلَيْهِ وَأما الْأَجْسَام الَّتِي تتحرك بطبعها إِلَى الْعُلُوّ فَلَا يعرض لَهَا ذَلِك بل الْأَمر فِيهَا بالضد من تِلْكَ الْأَجْسَام الثقال بل إِذا أضيفت إِلَى جسم ثقيل أكسبته الخفة وَقد أَخذ هَذَا الْمَعْنى بَعضهم فَقَالَ ثقلت زجاجات أتتنا فرغا ... حَتَّى إِذا ملئت بِصَرْف الراح خفت فَكَادَتْ أَن تطير بِمَا حوت ... وَكَذَا الجسوم تخف بالأرواح فصل قَوْلكُم فِي السَّابِع عشر لَو كَانَت النَّفس جسما لكَانَتْ على صِفَات سَائِر الْأَجْسَام الَّتِي لَا تَخْلُو مِنْهَا من الخفة والثقل والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والنعومة والخشونة

стр. 209

إِلَى آخِره شُبْهَة فَاسِدَة وَحجَّة داحضة فَإِنَّهُ لَا يجب اشْتِرَاك الْأَجْسَام فِي جَمِيع الكيفيات وَالصِّفَات وَقد فاوت الله سُبْحَانَهُ بَين صفاتها وكيفياتها وطبائعها مِنْهَا مَا يرى بالبصر ويلمس بِالْيَدِ وَمِنْهَا مَا لَا يرى وَلَا يلمس وَمنا مَاله لون وَمِنْهَا مَالا لون لَهُ وَمِنْهَا مَالا يقل الْحَرَارَة والبرودة وَمِنْهَا مَا يقبله على أَن للنَّفس من الكيفيات المختصة بهَا مَالا يشاركها فِيهَا الْبدن وَلها خفَّة وَثقل وحرارة وبرودة ويبس ولين يحسبها وَأَنت تَجِد الْإِنْسَان فِي غَايَة الثقالة وبدنه نحيل جدا وتجده فِي غَايَة الخفة وبدنه ثقيل وتجد نَفسهَا لينَة وَادعَة ونفسا يابسة قاسية وَمن لَهُ حس سليم يشم رَائِحَة بعض النُّفُوس كالجيفة المنتنة ورائحة بَعْضهَا أطيب من ريح الْمسك وَقد كَانَ رَسُول الله إِذا مر فِي طَرِيق بَقِي أثر رَائِحَته فِي الطَّرِيق وَيعرف أَنه مر بهَا وَتلك رَائِحَة نَفسه وَقَلبه وَكَانَت رَائِحَة عرقه من أطيب شَيْء وَذَلِكَ تَابع لطيب نَفسه وبدنه وَأخْبر وَهُوَ أصدق الْبشر أَن الرّوح عِنْد الْمُفَارقَة يُوجد لَهَا كأطيب نفحة مسك وجدت على وَجه الأَرْض أَو كأنتن ريح جيفة وجدت على وَجه الأَرْض وَلَوْلَا الزُّكَام الْغَالِب لشم الْحَاضِرُونَ ذَلِك على أَن كثيرا من النَّاس يجد ذَلِك وَقد أخبر بِهِ غير وَاحِد وَيَكْفِي فِيهِ خبر الصَّادِق المصدوق وَكَذَلِكَ أخبر بِأَن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ مشرقة وأرواح الْكفَّار سود وَبِالْجُمْلَةِ فكيفيات النُّفُوس أظهر من أَن ينكرها إِلَّا من هُوَ من أَجْهَل النَّاس بهَا فصل قَوْلكُم فِي الثَّامِن عشر لَو كَانَت النَّفس جسما لوَجَبَ أَن تقع تَحت جَمِيع الْحَواس أَو تَحت حاسة مِنْهَا إِلَى آخِره فَجَوَابه منع اللُّزُوم فَإِنَّكُم لم تَذكرُوا عَلَيْهِ شُبْهَة فضلا عَن دَلِيل وَمنع انْتِفَاء اللَّازِم فَإِن الرّوح تدْرك بالحواس فتلمس وَترى وتشم لَهَا الرَّائِحَة الطّيبَة والخبيثة كَمَا تقدم فِي النُّفُوس المستفيضة وَلَكِن لَا نشاهد نَحن ذَلِك وَهَذَا الدَّلِيل لَا يُمكن مِمَّن يصدق الرُّسُل أَن يحْتَج بِهِ فَإِن الْملك جسم وَلَا يَقع تَحت حاسة من حواسنا وَكَذَلِكَ الْجِنّ وَالشَّيَاطِين أجسام لطاف لَا تقع تَحت حاسة من حواسنا والأجسام مُتَفَاوِتَة فِي ذَلِك تَفَاوتا كثيرا فَمِنْهَا مَا يدْرك أَكثر الْحَواس وَمِنْهَا مَالا يدْرك بأكثرها وَمنا مَا يدْرك بحاسة وَاحِدَة وَمِنْهَا مَالا ندركه نَحن فِي الْغَالِب وَإِن أدْرك فِي بعض الْأَحْوَال لكَونه لم يخلق لنا إِدْرَاكه أَو لمَانع يمْنَع من إِدْرَاكه أَو للطفه عَن إِدْرَاك حواسنا فَمَا عدم اللَّوْن من الْأَجْسَام لم يدْرك بالبصر كالهواء وَالنَّار فِي عنصرها وَمَا عدم الرَّائِحَة لم يدْرك بالشم كالنار والحصا والزجاج وَمَا عدم المجسة لم يدْرك باللمس كالهواء السَّاكِن

стр. 210

وَأَيْضًا فالروح هِيَ المدركة لمدارك هَذِه الْحَواس بِوَاسِطَة آلاتها فَالنَّفْس هِيَ الحاسة المدركة وَإِن لم تكن محسوسة فالأجسام والأعراض محسوسة وَالنَّفس محسة بهَا وَهِي الْقَابِلَة لأعراضها المتعاقبة عَلَيْهَا من الْفَضَائِل والرذائل كقبول الأجرام لأعراضها المتعاقبة عَلَيْهَا وَهِي المتحركة بأختيارها المحركة للبدن قسرا وقهرا وَهِي مُؤثرَة فِي الْبدن متأثرة بِهِ تألم وتلذ وتفرح وتحزن وترضى وتغضب وتنعم وتبأس وتحب وَتكره وتذكر وتنسى وتصعد وتنزل وتعرف وتنكر وآثارها من أدل الدَّلَائِل على وجودهَا كَمَا أَن آثَار الْخَالِق سُبْحَانَهُ دَالَّة على وجوده وعَلى كَمَاله فَإِن دلَالَة الْأَثر على مؤثره ضَرُورِيَّة وتأثيرات النُّفُوس بَعْضهَا فِي بعض أَمر لَا يُنكره ذُو حس سليم وَلَا عقل مُسْتَقِيم وَلَا سِيمَا عِنْد تجردها نوع تجرد عَن العلائق والعوائق الْبَدَنِيَّة فَإِن قواها تتضاعف وتتزايد بِحَسب ذَلِك وَلَا سِيمَا عِنْد مُخَالفَة هَواهَا وَحملهَا على الْأَخْلَاق الْعَالِيَة من الْعِفَّة والشجاعة وَالْعدْل والسخاء وتجنبها سفساف الْأَخْلَاق ورذائلها وسافلها فَإِن تأثيرها فِي الْعَالم يُقَوي جدا تَأْثِيرا يعجز عَنهُ الْبدن وأعراضه أَن تنظر إِلَى حجر عَظِيم فتشقه أَو حَيَوَان كَبِير فتتلفه أَو إِلَى نعْمَة فتزيلها وَهَذَا أَمر قد شاهدته الْأُمَم على اخْتِلَاف أجناسها وأديانها وَهُوَ الَّذِي سمى إِصَابَة الْعين فيضيفون الْأَثر إِلَى الْعين وَلَيْسَ لَهَا فِي الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا هُوَ النَّفس المتكيفة بكيفية ردية سميَّة وَقد تكون بِوَاسِطَة نظر الْعين وَقد لَا نَكُون بل يُوصف لَهُ الشَّيْء من بعيد فتتكيف عَلَيْهِ نَفسه بِتِلْكَ الْكَيْفِيَّة فتفسده وَأَنت ترى تَأْثِير النَّفس فِي الْأَجْسَام صفرَة وَحُمرَة وارتعاشا بِمُجَرَّد مقابلتها لَهَا وقوتها وَهَذِه وأضعافها آثَار خَارِجَة عَن تَأْثِير الْبدن وأعراضه فَإِن الْبدن لَا يُؤثر إِلَّا فِيمَا لاقاه وماسه تَأْثِيرا مَخْصُوصًا وَلم تزل الْأُمَم تشهد تَأْثِير الهمم الفعالة فِي الْعَالم وتستعين بهَا وتحذر أَثَرهَا وَقد أَمر رَسُول الله أَن يغسل العائن مغابنه ومواضع القذر مِنْهُ ثمَّ يصب ذَلِك المَاء على الْمعِين فَإِنَّهُ يزِيل عَنهُ تَأْثِير نَفسه فِيهِ وَذَلِكَ بِسَبَب أَمر طبعي اقتضته حِكْمَة الله سُبْحَانَهُ فَإِن النَّفس الأمارة لَهَا بِهَذِهِ الْمَوَاضِع تعلق وَألف والأرواح الخبيثة الخارجية تساعدها وتألف هَذِه الْمَوَاضِع غَالِبا للمناسبة بَينهَا وَبَينهَا فَإِذا غسلت بِالْمَاءِ طفئت تِلْكَ النارية مِنْهَا كَمَا يطفأ الْحَدِيد المحمى بِالْمَاءِ فَإِذا صب ذَلِك المَاء على الْمُصَاب طفأ عَنهُ تِلْكَ النارية الَّتِي وصلت إِلَيْهِ من البعائن وَقد وصف الْأَطِبَّاء المَاء الَّذِي يطفأ فِيهِ الْحَدِيد لآلام وأوجاع مَعْرُوفَة وَقد جرب النَّاس من تَأْثِير الْأَرْوَاح بَعْضهَا فِي بعض عِنْد تجردها فِي الْمَنَام عجائب تفوت الْحصْر وَقد نبهنا على بَعْضهَا فِيمَا مضى فعالم الْأَرْوَاح عَالم آخر أعظم من عَالم الْأَبدَان وَأَحْكَامه وآثاره

стр. 211

أعجب من آثَار الْأَبدَان بل كل مَا فِي الْعَالم من الْآثَار الإنسانية فَإِنَّمَا هِيَ من تَأْثِير النُّفُوس بِوَاسِطَة الْبدن فالنفوس والأبدان يتعاونان على التَّأْثِير تعاون المشتركين فِي الْفِعْل وتنفره النَّفس بآثار لَا يشاركها فِيهَا الْبدن وَلَا يكون للبدن تَأْثِير لَا تشاركه فِيهِ النَّفس فصل قَوْلكُم فِي التَّاسِع عشر لَو كَانَت النَّفس جسما لكَانَتْ ذَات طول وَعرض وعمق وشكل وسطح وَهَذِه الْمَقَادِير لَا تقوم إِلَّا بمادة إِلَى آخِره جَوَابه أَنا نقُول قَوْلكُم هَذِه الْمَقَادِير لَا تقوم إِلَّا بمادة قُلْنَا وَكَانَ مَاذَا وَالنَّفس لَهَا مَادَّة خلقت مِنْهَا وَجعلت على شكل معِين وَصُورَة مُعينَة قَوْلكُم مادتها إِن كَانَت نفسا لزم اجْتِمَاع نفسين وَإِن كَانَت غير نفس كَانَت مركبة من بدن وَصُورَة قُلْنَا مادتها لَيست نفسا كَمَا أَن مَادَّة الْإِنْسَان لَيست إنْسَانا ومادة الْجِنّ لَيست جنا ومادة الْحَيَوَان لَيست حَيَوَانا قَوْلكُم يلْزم كَون النَّفس مركبة من بدن وَصُورَة مُقَدّمَة كَاذِبَة وَإِنَّمَا يلْزم كَون النَّفس مخلوقة من مَادَّة وَلها صُورَة مُعينَة وَهَكَذَا نقُول سَوَاء وَلم تَذكرُوا على بطلَان هَذِه شُبْهَة فضلا عَن حجَّة ظنية أَو قَطْعِيَّة فصل قَوْلكُم فِي الْوَجْه الْعشْرين أَن خَاصَّة الْجِسْم أَن يقبل التجزيء وَأَن الْجُزْء الصَّغِير مِنْهُ لَيْسَ كالكبير فَلَو قبلت التجزيء فَكل جُزْء مِنْهَا إِن كَانَ نفسا لزم أَن يكون للْإنْسَان نفوس كَثِيرَة وَإِن لم يكن نفسا لم يكن الْمَجْمُوع نفسا جَوَابه إِن أردتم أَن كل جسم يقبل التجزيء فِي الْخَارِج فكذب ظَاهر فَإِن الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب لَا تقبل ذَلِك وَلَا يلْزم أَن كل جسم يَصح عَلَيْهِ التجزيء والتبعيض فِي الْخَارِج أما على قَول نفاة الْجَوْهَر الْفَرد فَظَاهر وَأما على قَول متبنيه فَإِنَّهُ عِنْدهم جَوْهَر متحيز لَا يَصح عَلَيْهِ قبُول الانقسام سلمنَا أَنَّهَا تقبل الانقسام فَأَي شَيْء يلْزم من ذَلِك قَوْلكُم إِن كَانَ كل جُزْء من تِلْكَ الْأَجْزَاء نفسا لزم اجْتِمَاع نفوس كَثِيرَة فِي الْإِنْسَان قُلْنَا إِنَّمَا يلْزم ذَلِك لَو انقسمت النَّفس بِالْفِعْلِ إِلَى نفوس كَثِيرَة وَهَذَا محَال قَوْلكُم وَإِن لم يكن كل جُزْء نفسا لم يكن الْمَجْمُوع نفسا مُقَدّمَة كَاذِبَة منتقضة فكم مَاهِيَّة ثَبت لَهَا حكم عِنْد اجْتِمَاع أَجْزَائِهَا فَإِن ذَلِك الحكم كماهية الْبَيْت وَالْإِنْسَان وَالْعشرَة وَغَيرهَا

стр. 212

فصل قَوْلكُم فِي الْوَجْه الْحَادِي وَالْعِشْرين أَن الْجِسْم يحْتَاج فِي قوامه وبقائه وَحفظه إِلَى نفس أُخْرَى وَيلْزم التسلسل جَوَابه أَنه يلْزم من افتقار الْبدن إِلَى نفس تحفظه افتقار النَّفس إِلَى نفس تحفظها وَهل ذَلِك إِلَّا بِمُجَرَّد دَعْوَة كَاذِبَة مستندة إِلَى قِيَاس قد تبين بُطْلَانه فَإِن كل جسما لَا يصير إِلَى نفس تحفظه كأجسام الْمَعَادِن وجسم الْهَوَاء وَالْمَاء وَالنَّار وَالتُّرَاب وأجسام سَائِر الجمادات فَإِن قُلْتُمْ إِن هَذِه لَيست أَحيَاء ناطقة بِخِلَاف النَّفس فَإِنَّهَا حَيَّة ناطقة قُلْنَا فَحِينَئِذٍ يبْقى الدَّلِيل هَكَذَا أَي كل جسم حَيّ نَاطِق يحْتَاج فِي حفظه وقيامه إِلَى نفس نقوم بِهِ وَهَذِه دَعْوَى مُجَرّدَة وَهِي كَاذِبَة فَإِن الْجِنّ وَالْمَلَائِكَة أَحيَاء ناطقون وَلَيْسوا مفتقرين فِي قيامهم إِلَى أَرْوَاح أخر تقوم بهم فَإِن قُلْتُمْ وكلامنا مَعكُمْ فِي الْجِنّ وَالْمَلَائِكَة فَإِنَّهُم لَيْسُوا بأجسام متحيزة قُلْنَا الْكَلَام مَعَ من يُؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَأما من كفر بذلك فَالْكَلَام مَعَه فِي النَّفس ضائع وَقد كفر بفاطر النَّفس ومبدعها وَمَلَائِكَته وَمَا جَاءَت بِهِ رسله وَكَانَ تَارِكًا مَا دلّ عَلَيْهِ العيان مَعَ دَلِيل الْإِيمَان فَإِن الْآثَار المشهودة فِي الْعَالم من تأثيرات الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ بِإِذن رَبهم لَا يُمكن إنكارها وَهِي مَوْجُودَة بِنَفسِهَا وَلَا تقدر عَلَيْهَا القوى البشرية فصل قَوْلكُم فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين لَو كَانَت جسما لَكَانَ اتصالها بِالْبدنِ إِن كَانَ على سَبِيل المداخلة لزم تدَاخل الْأَجْسَام وَإِن كَانَ على سَبِيل الملاصقة والمجاورة كَانَ للْإنْسَان الْوَاحِد جسمان متلاصقان أَحدهمَا يرى وَالْآخر لَا يرى جَوَابه من وُجُوه أَحدهَا أَن تتداخل الْأَجْسَام الْمحَال أَن يتداخل جسمان كثيفان أَحدهمَا فِي الآخر بِحَيْثُ يكون حيزهما وَاحِدًا وَأما أَن يدْخل جسم لطيف فِي كثيف يسرى فِيهِ فَهَذَا لَيْسَ بمحال الثَّانِي أَن هَذَا بَاطِل بصور كَثِيرَة مِنْهَا دُخُول المَاء فِي الْعود والسحاب وَدخُول النَّار فِي الْحَدِيد وَدخُول الْغذَاء فِي جَمِيع أَجزَاء الْبدن وَدخُول الْجِنّ فِي المصروع فالروح للطافتها لَا يمْتَنع عَلَيْهَا مشابكة الْبدن وَالدُّخُول فِي جَمِيع أَجْزَائِهِ

стр. 213

الثَّالِث أَن حيّز النَّفس الْبدن وحيزه مَكَانَهُ الْمُنْفَصِل عَنهُ وَهَذَا لَيْسَ بتداخل مُمْتَنع فَإِذا فارقته صَار لَهَا حيّز آخر غير حيزه وَحِينَئِذٍ فَلَا يتداخلان بل يصير لكل مِنْهُمَا حيّز يَخُصُّهُ وَبِالْجُمْلَةِ فدخول الرّوح فِي الْبدن الطف من دُخُول المَاء فِي الثرى والدهن فِي الْبدن فَهَذِهِ الشُّبْهَة الْفَاسِدَة لَا يُعَارض بهَا مَا دلّ عَلَيْهَا نُصُوص الْوَحْي والأدلة الْعَقْلِيَّة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْمَسْأَلَة الْعشْرُونَ وَهِي هَل النَّفس وَالروح شَيْء وَاحِد أَو شَيْئَانِ متغايران فأختلف النَّاس فِي ذَلِك فَمن قَائِل أَن مسماهما وَاحِد وهم الْجُمْهُور وَمن قَائِل أَنَّهُمَا متغايران وَنحن نكشف سر الْمَسْأَلَة بحول الله وقوته فَنَقُول النَّفس تطلق على أُمُور أَحدهَا الرّوح قَالَ الْجَوْهَرِي النَّفس الرّوح يُقَال خرجت نَفسه قَالَ أَبُو خرَاش نجما سالما وَالنَّفس مِنْهُ بشدقه ... وَلم ينج إِلَّا جفن سيف ومئزر أَي بجفن سيف ومئزر وَالنَّفس وَالدَّم قَالَ سَأَلت نَفسه وَفِي الحَدِيث مَالا نفس لَهُ سَائِلَة لَا ينجس المَاء إِذا مَاتَ فِيهِ وَالنَّفس الْجَسَد قَالَ الشَّاعِر نبئت أَن بني تَمِيم أدخلُوا ... أَبْنَاءَهُم تامور نفس الْمُنْذر والتامور الدَّم وَالنَّفس الْعين يُقَال أَصَابَت فلَانا أَي عين قلت لَيْسَ كَمَا قَالَ بل النَّفس هَا هُنَا الرّوح وَنسبَة الْإِضَافَة إِلَى الْعين توسع لِأَنَّهَا تكون بِوَاسِطَة النّظر الْمُصِيب وَالَّذِي أَصَابَهُ إِنَّمَا هُوَ نفس العائن كَمَا تقدم قلت وَالنَّفس فِي الْقُرْآن تطلق على الذَّات بحملتها كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَسَلمُوا على أَنفسكُم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يَوْم تَأتي كل نفس تجَادل عَن نَفسهَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿كل نفس بِمَا كسبت رهينة﴾ وَتطلق على الرّوح وَحدهَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة﴾ وَقَوله تَعَالَى أخرجُوا أَنفسكُم وَقَوله تَعَالَى ﴿وَنهى النَّفس عَن الْهوى﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن النَّفس لأمارة بالسوء﴾ وَأما الرّوح فَلَا تطلق على الْبدن لَا بإنفراده وَلَا مَعَ النَّفس وَتطلق الرّوح على الْقُرْآن الَّذِي أوحاه الله تَعَالَى إِلَى رَسُوله قَالَ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك روحا من أمرنَا﴾ وعَلى الْوَحْي الَّذِي يوحيه إِلَى أنبيائه وَرُسُله قَالَ تَعَالَى ﴿يلقِي الرّوح من أمره على من﴾

стр. 214

يَشَاء من عباده لينذر يَوْم التلاق وَقَالَ تَعَالَى ﴿ينزل الْمَلَائِكَة بِالروحِ من أمره على من يَشَاء من عباده أَن أنذروا أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاتقون﴾ وسمى ذَلِك روحا لما يحصل بِهِ من الْحَيَاة النافعة فَإِن الْحَيَاة بِدُونِهِ لَا تَنْفَع صَاحبهَا الْبَتَّةَ بل حَيَاة الْحَيَوَان البهيم خير مِنْهَا وَأسلم عَاقِبَة وَسميت الرّوح روحا لِأَن بهَا حَيَاة الْبدن وَكَذَلِكَ سميت الرّيح لما يحصل بهَا من الْحَيَاة وَهِي من ذَوَات الْوَاو وَلِهَذَا تجمع على أَرْوَاح قَالَ الشَّاعِر إِذا ذهبت الْأَرْوَاح من نَحْو أَرْضكُم ... وجدت لمسرها على كَبِدِي بردا وَمِنْهَا الرّوح وَالريحَان والاستراحة فسميت النَّفس روحا لحُصُول الْحَيَاة بهَا وَسميت نفسا إِمَّا من الشَّيْء النفيس لنفاستها وشرفها وَإِمَّا من تنفس الشَّيْء إِذا خرج فلكثرة خُرُوجهَا ودخولها فِي الْبدن سميت نفسا وَمِنْه النَّفس بِالتَّحْرِيكِ فَإِن العَبْد كلما نَام خرجت مِنْهُ فَإِذا اسْتَيْقَظَ رجعت إِلَيْهِ فَإِذا مَاتَ خرجت خُرُوجًا كليا فَإِذا دفن عَادَتْ إِلَيْهِ فَإِذا سُئِلَ خرجت فَإِذا بعث رجعت إِلَيْهِ فَالْفرق بَين النَّفس وَالروح فرق بِالصِّفَاتِ لَا فرق بِالذَّاتِ وَإِنَّمَا سمي الدَّم نفسا لِأَن خُرُوجه الَّذِي يكون مَعَه الْمَوْت يلازم خُرُوج النَّفس وَإِن الْحَيَاة لَا تتمّ إِلَّا بِهِ كَمَا لَا تتمّ إِلَّا بِالنَّفسِ فَلهَذَا قَالَ تسيل على حد الظباة نفوسنا ... وَلَيْسَت على غير الظباة تسيل وَيُقَال فاضت نَفسه وَخرجت نَفسه وَفَارَقت نَفسه كَمَا يُقَال خرجت روحه وَفَارَقت وَلَكِن الْفَيْض الاندفاع وهلة وَاحِدَة وَمِنْه الْإِفَاضَة وَهِي الاندفاع بِكَثْرَة وَسُرْعَة لَكِن أَفَاضَ إِذا دفع بإختياره وإرادته إِذا انْدفع قسرا وقهرا فَالله سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يفيضها عِنْد الْمَوْت فتفيض هِيَ فصل وَقَالَت فرقة أُخْرَى من أهل الحَدِيث وَالْفِقْه والتصوف الرّوح غير النَّفس قَالَ مقَاتل بن سُلَيْمَان للْإنْسَان حَيَاة وروح وَنَفس فَإِذا نَام خرجت نَفسه الَّتِي يعقل بهَا الْأَشْيَاء وَلم تفارق الْجَسَد بل تخرج كحبل ممتد لَهُ شُعَاع فَيرى الرُّؤْيَا بِالنَّفسِ الَّتِي خرجت مِنْهُ وَتبقى الْحَيَاة وَالروح فِي الْجَسَد فِيهِ يتقلب ويتنفس فَإِذا حرك رجعت إِلَيْهِ أسْرع من طرفَة عين فَإِذا أَرَادَ الله أَن يميته فِي الْمَنَام أمسك تِلْكَ النَّفس الَّتِي خرجت وَقَالَ أَيْضا إِذا نَام خرجت نَفسه فَصَعدت إِلَى فَوق فَإِذا رَأَتْ الرُّؤْيَا رجعت فَأخْبرت الرّوح ويخبر الرّوح فَيُصْبِح يعلم أَنه قد رأى كَيْت وَكَيْت

стр. 215

قَالَ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه ثمَّ اخْتلفُوا فِي معرفَة الرّوح وَالنَّفس فَقَالَ بَعضهم النَّفس طينية نارية وَالروح نورية روحانية وَقَالَ بَعضهم الرّوح لاهوتية وَالنَّفس ناسوتية وَأَن الْخلق بهَا ابتلى وَقَالَت طَائِفَة وهم أهل الْأَثر أَن الرّوح غير النَّفس وَالنَّفس غير الرّوح وقوام النَّفس بِالروحِ وَالنَّفس صُورَة العَبْد والهوى والشهوة وَالْبَلَاء معجون فِيهَا وَلَا عَدو أعدى لِابْنِ آدم من نَفسه فَالنَّفْس لَا تُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا وَلَا تحب إِلَّا إِيَّاهَا وَالروح تَدْعُو إِلَى الْآخِرَة وتؤثرها وَجعل الْهوى تبعا للنَّفس والشيطان تبع النَّفس والهوى وَالْملك مَعَ الْعقل وَالروح وَالله تَعَالَى يمدهما بالهامة وتوفيقه وَقَالَ بَعضهم الْأَرْوَاح من أَمر الله أخْفى حَقِيقَتهَا وَعلمهَا على الْخلق وَقَالَ بَعضهم الْأَرْوَاح نور من نور الله وحياة من حَيَاة الله ثمَّ اخْتلفُوا فِي الْأَرْوَاح هَل تَمُوت بِمَوْت الْأَبدَان والأنفس أَو لَا تَمُوت فَقَالَت طَائِفَة الْأَرْوَاح لَا تَمُوت وَلَا تبلى وَقَالَت الْجَمَاعَة الْأَرْوَاح على صور الْخلق لَهَا أيد وأرجل وأعين وَسمع وبصر ولسان وَقَالَت طَائِفَة لِلْمُؤمنِ ثَلَاثَة أَرْوَاح وللمنافق وَالْكَافِر روح وَاحِدَة وَقَالَ بَعضهم للأنبياء وَالصديقين خمس أَرْوَاح وَقَالَ بَعضهم الْأَرْوَاح روحانية خلقت من الملكوت فَإِذا صفت رجعت إِلَى الملكوت قلت أما الرّوح الَّتِي تتوفى وتقبض فَهِيَ روح وَاحِدَة وَهِي النَّفس وَأما مَا يُؤَيّد الله بِهِ أولياءه من الرّوح فَهِيَ روح أُخْرَى غير هَذِه الرّوح كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان وأيدهم بِروح مِنْهُ﴾ وَكَذَلِكَ الرّوح الَّذِي أيد بهَا روحه الْمسْح ابْن مَرْيَم كَمَا قَالَ تَعَالَى إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم اذكر نعمتي عَلَيْك وعَلى والدتك إِذْ أيدك بِروح الْقُدس وَكَذَلِكَ الرّوح الَّتِي يلقيها على من يَشَاء من عباده هِيَ غير الرّوح الَّتِي فِي الْبدن وَأما القوى الَّتِي فِي الْبدن فَإِنَّهَا تسمى أَيْضا أرواحا فَيُقَال الرّوح الباصر وَالروح السَّامع وَالروح الشَّام فَهَذِهِ الْأَرْوَاح قوى مودعة فِي الْبدن تَمُوت بِمَوْت الْأَبدَان وَهِي غير الرّوح الَّتِي لَا تَمُوت بِمَوْت الْبدن وَلَا تبلى كَمَا يبْلى وَيُطلق الرّوح على أخص من هَذَا كُله وَهُوَ قُوَّة
следующие страницы →