Полный текст (263 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَهِي قَول السَّائِل مَا الْحِكْمَة فَيكون عَذَاب الْقَبْر لم يذكر
فِي الْقُرْآن مَعَ شدَّة الْحَاجة إِلَى مَعْرفَته وَالْإِيمَان بِهِ ليحذر ويتقى فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن مُجمل ومفصل
أما الْمُجْمل فَهُوَ أَن الله أنزل على رَسُوله وحيين وَأوجب على عباده الْإِيمَان بهما وَالْعَمَل بِمَا فيهمَا وهما الْكتاب وَالْحكمَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأنزل الله عَلَيْك الْكتاب وَالْحكمَة﴾ وَقَالَ تَعَالَى هُوَ الذى بعث فِي الْأُمِّيين رَسُولا مِنْهُم يَتْلُو عَلَيْهِم آيَاته ويزكيهم ويعلهم الْكتاب وَالْحكمَة وَقَالَ تَعَالَى واذكرن مَا يُتْلَى فِي بُيُوتكُمْ من آيَات الله وَالْحكمَة
وَالْكتاب هُوَ الْقُرْآن وَالْحكمَة هى السّنة بانفاق السّلف وَمَا أخبر بِهِ الرَّسُول عَن الله فَهُوَ فِي وجوب تَصْدِيقه وَالْإِيمَان بِهِ كَمَا أخبر بِهِ الرب تَعَالَى على لِسَان رَسُوله هَذَا أصل مُتَّفق عَلَيْهِ بَين أهل الْإِسْلَام لَا يُنكره إِلَّا من لَيْسَ مِنْهُم وَقد قَالَ النَّبِي إنى أُوتيت الْكتاب وَمثله مَعَه
وَأما الْجَواب الْمفصل فَهُوَ أَن نعيم البرزخ وعذابه مَذْكُور فِي الْقُرْآن فِي غير مَوضِع فَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت وَالْمَلَائِكَة باسطو أَيْديهم أخرجُوا أَنفسكُم الْيَوْم تُجْزونَ عَذَاب الْهون بِمَا كُنْتُم تَقولُونَ على الله غير الْحق وكنتم عَن اياته تستكبرون وَهَذَا خطاب لَهُم عِنْد الْمَوْت وَقد أخْبرت الْمَلَائِكَة وهم الصادقون أَنهم حِينَئِذٍ يجزون عَذَاب الْهون وَلَو تَأَخّر عَنْهُم ذَلِك إِلَى انْقِضَاء الدُّنْيَا لما صَحَّ أَن يُقَال لَهُم الْيَوْم تُجْزونَ
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى فوقاه الله سيئات مَا مكروا وحاق بآل فِرْعَوْن سوء الْعَذَاب النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا وَيَوْم الْقِيَامَة تقوم السَّاعَة أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب فَذكر عَذَاب الدَّاريْنِ ذكرا صَرِيحًا لَا يحْتَمل غَيره
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى فذرهم حَتَّى يلاقوا يومهم الذى فِيهِ يصعقون يَوْم لَا يغنى عَنْهُم كيدهم شَيْئا وَلَا هم ينْصرُونَ وَإِن للَّذين ظلمُوا عذَابا دون وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ وَهَذَا يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ عَذَابهمْ بِالْقَتْلِ وَغَيره فِي الدُّنْيَا وَأَن يُرَاد بِهِ عَذَابهمْ فِي البرزخ وَهُوَ أظهر لِأَن كثيرا مِنْهُم مَاتَ وَلم يعذب فِي الدُّنْيَا وَقد يُقَال وَهُوَ أظهر أَن من مَاتَ مِنْهُم عذب فِي البرزخ وَمن بقى مِنْهُم عذب فِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ وَغَيره فَهُوَ وَعِيد بعذابهم فِي الدُّنْيَا وَفِي البرزخ
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿ولنذيقنهم من الْعَذَاب الْأَدْنَى دون الْعَذَاب الْأَكْبَر لَعَلَّهُم يرجعُونَ﴾
стр. 72
وَقد احْتج بِهَذِهِ الْآيَة جمَاعَة مِنْهُم عبد الله بن عَبَّاس على عَذَاب الْقَبْر وَفِي الِاحْتِجَاج بهَا شَيْء لِأَن هَذَا عَذَاب فِي الدُّنْيَا يستدعى بِهِ رجوعهم عَن الْكفْر وَلم يكن هَذَا مَا يخفي على حبر الْأمة وترجمان الْقُرْآن لَكِن من فقهه فِي الْقُرْآن ودقة فهمه فِيهِ فهم مِنْهَا عَذَاب الْقَبْر فانه سُبْحَانَهُ أخبر أَن لَهُ فيهم عذابين أدنى وأكبر فَأخْبر أَنه يذيقهم بعض الْأَدْنَى ليرجعوا فَدلَّ على أَنه بقى لَهُم من الْأَدْنَى بَقِيَّة يُعَذبُونَ بهَا بعد عَذَاب الدُّنْيَا وَلِهَذَا قَالَ من الْعَذَاب الْأَدْنَى وَلم يقل ولنذيقنهم الْعَذَاب الْأَدْنَى فَتَأَمّله
وَهَذَا نَظِير قَول النَّبِي فَيفتح لَهُ طَاقَة إِلَى النَّار فيأتيه من حرهَا وسمومها وَلم يقل فيأتيه حرهَا وسمومها فَإِن الذى وصل إِلَيْهِ بعض ذَلِك وبقى لَهُ أَكْثَره والذى ذاقه أَعدَاء الله فِي الدُّنْيَا بعض الْعَذَاب وبقى لَهُم مَا هُوَ أعظم مِنْهُ
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى فلولا إِذا بلغت الْحُلْقُوم وَأَنْتُم حِينَئِذٍ تنْظرُون وَنحن أقرب إِلَيْهِ مِنْكُم وَلَكِن لَا تبصرون فلولا إِن كُنْتُم غير مدينين ترجعونها إِن كُنْتُم صَادِقين فَأَما إِن كَانَ من المقربين فَروح وَرَيْحَان وجنة نعيم وَأما إِن كَانَ من أَصْحَاب الْيَمين فسلام لَك من أَصْحَاب الْيَمين وَأما إِن كَانَ من المكذبين الضَّالّين فَنزل من حميم وتصلية جحيم إِن هَذَا لَهو الْحق الْيَقِين فسبح باسم رَبك الْعَظِيم فَذكر هَاهُنَا أَحْكَام الْأَرْوَاح عِنْد الْمَوْت وَذكر فِي أول السُّورَة أَحْكَامهَا يَوْم الْمعَاد الْأَكْبَر وَقدم ذَلِك على هَذَا تَقْدِيم الْغَايَة للعناية إِن هى أهم وَأولى بِالذكر وجعلهم عِنْد الْمَوْت ثَلَاثَة أَقسَام كَمَا جعلهم فِي الْآخِرَة ثَلَاثَة أَقسَام
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعى إِلَى بك راضية مرضية فادخلى فِي عبادى وادخلى جنتى وَقد اخْتلف السّلف مَتى يُقَال لَهَا ذَلِك فَقَالَت طَائِفَة يُقَال لَهَا عِنْد الْمَوْت وَظَاهر اللَّفْظ مَعَ هَؤُلَاءِ فانه خطاب للنَّفس الَّتِي قد تجردت عَن الْبدن وَخرجت مِنْهُ وَقد فسر ذَلِك النَّبِي بقوله فِي حَدِيث الْبَراء وَغَيره فَيُقَال لَهَا اخرجى راضية مرضيا عَنْك وسيأتى تَمام تَقْرِير هَذَا فِي الْمَسْأَلَة الَّتِي يذكر فِيهَا مُسْتَقر الْأَرْوَاح فِي البرزخ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَوله تَعَالَى ﴿فادخلي فِي عبَادي﴾ مُطَابق لقَوْله اللَّهُمَّ الرفيق الْأَعْلَى
وَأَنت إِذا تَأَمَّلت أَحَادِيث عَذَاب الْقَبْر ونعيمه وَجدتهَا تَفْصِيلًا وتفسيرا لما دلّ عَلَيْهِ الْقُرْآن وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 73
الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَهِي قَول السَّائِل مَا الْأَسْبَاب الَّتِي يعذب بهَا أَصْحَاب الْقُبُور
جوابها من وَجْهَيْن مُجمل ومفصل أما الْمُجْمل فانهم يُعَذبُونَ على جهلهم بِاللَّه وإضاعتهم لأَمره وارتكابهم لمعاصيه فَلَا يعذب الله روحا عَرفته وأحبته وامتثلت أمره واجتنبت نَهْيه وَلَا بدنا كَانَت فِيهِ أبدا فان عَذَاب الْقَبْر وَعَذَاب الْآخِرَة أثر غضب الله وَسخطه على عَبده فَمن أغضب الله وأسخطه فِي هَذِه الدَّار ثمَّ لم يتب وَمَات على ذَلِك كَانَ لَهُ من عَذَاب البرزخ بِقدر غضب الله وَسخطه عَلَيْهِ فمستقل ومستكثر ومصدق ومكذب
وَأما الْجَواب الْمفصل فقد أخبر النَّبِي عَن الرجلَيْن الَّذين رآهما يعذبان فِي قبورهما يمشى أَحدهمَا بالنميمة بَين النَّاس وَيتْرك الآخر الِاسْتِبْرَاء من الْبَوْل فَهَذَا ترك الطَّهَارَة الْوَاجِبَة وَذَلِكَ ارْتكب السَّبَب الْموقع للعداوة بَين النَّاس بِلِسَانِهِ وَإِن كَانَ صَادِقا وَفِي هَذَا تَنْبِيه على أَن الْموقع بَينهم الْعَدَاوَة بِالْكَذِبِ والزور والبهتان أعظم عذَابا كَمَا أَن فِي ترك الِاسْتِبْرَاء من الْبَوْل تَنْبِيها على أَن من ترك الصَّلَاة الَّتِي الِاسْتِبْرَاء من الْبَوْل بعض واجباتها وشروطها فَهُوَ أَشد عذَابا وَفِي حَدِيث شُعْبَة أما أَحدهمَا فَكَانَ يَأْكُل لُحُوم النَّاس فَهَذَا مغتاب وَذَلِكَ نمام وَقد تقدم حَدِيث ابْن مَسْعُود رضى الله عَنهُ فِي الذى ضرب سَوْطًا امْتَلَأَ الْقَبْر عَلَيْهِ بِهِ نَارا لكَونه صلى صَلَاة وَاحِدَة بِغَيْر طهُور وَمر على مظلوم فَلم ينصره
وَقد تقدم حَدِيث سَمُرَة فِي صَحِيح البخارى فِي تَعْذِيب من يكذب الكذبة فتبلغ الْآفَاق وتعذيب من يقْرَأ الْقُرْآن ثمَّ ينَام عَنهُ بِاللَّيْلِ وَلَا يعْمل بِهِ بِالنَّهَارِ وتعذيب الزناة والزوانى وتعذيب آكل الرِّبَا كَمَا شاهدهم النَّبِي فِي البرزخ
وَتقدم حَدِيث أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ الذى فِيهِ رضخ رُءُوس أَقوام بالصخر لتثاقل رُءُوسهم عَن الصَّلَاة والذى يسرحون بَين الضريع والزقوم لتركهم زَكَاة أَمْوَالهم وَالَّذين يَأْكُلُون اللَّحْم المنتن الْخَبيث لزناهم وَالَّذين تقْرض شفاههم بمقاريض من حَدِيد لقيامهم فِي الْفِتَن بالْكلَام والخطب
وَتقدم حَدِيث أَبى سعيد وعقوبة أَرْبَاب تِلْكَ الجرائم فَمنهمْ من بطونهم أَمْثَال الْبيُوت وهم على سابلة آل فِرْعَوْن وهم أَكلَة الرِّبَا وَمِنْهُم من تفتح أَفْوَاههم فيلقمون الْجَمْر حَتَّى يخرج من أسافلهم وهم أَكلَة أَمْوَال الْيَتَامَى وَمِنْهُم المعلقات بثديهن وَهن الزوانى وَمِنْهُم من تقطع جنُوبهم ويطعمون لحومهم وهم المغتابون وَمِنْهُم من لَهُم أظفار من نُحَاس يخمشون وُجُوههم وصدورهم وهم الَّذين يغمتون أَعْرَاض النَّاس
стр. 74
وَقد أخبرنَا النَّبِي ﵌ عَن صَاحب الشملة الَّتِي غلها من الْمغنم انها تشتعل نَارا فِي قَبره هَذَا وَله فِيهَا حق فَكيف بِمن ظلم غَيره مَا لَا حق لَهُ فِيهِ فعذاب الْقَبْر عَن معاصي الْقلب وَالْعين والاذن والفم وَاللِّسَان والبطن والفرج وَالْيَد وَالرجل وَالْبدن كُله فالنمام والكذاب والمغتاب وَشَاهد الزُّور وقاذف الْمُحصن والموضع فِي الْفِتْنَة والداعي إِلَى الْبِدْعَة وَالْقَائِل على الله وَرَسُوله مَالا علم لَهُ بِهِ والمجازف فِي كَلَامه وآكل الرِّبَا آكل أَمْوَال الْيَتَامَى وآكل السُّحت من الرِّشْوَة والبرطيل وَنَحْوهمَا وآكل مَال أَخِيه الْمُسلم بِغَيْر حق أَو مَال الْمعَاهد وشارب الْمُسكر وآكل لقْمَة الشَّجَرَة الملعونة وَالزَّانِي واللوطي وَالسَّارِق والخائن والغادر والمخادع والماكر وآخذ الرِّبَا ومعطيه وكاتبه وشاهداه والمحلل والمحلل لَهُ والمحتال على إِسْقَاط فَرَائض الله وارتكاب مَحَارمه ومؤذي الْمُسلمين ومتتبع عَوْرَاتهمْ وَالْحَاكِم بِغَيْر مَا أنزل الله والمفتي بِغَيْر مَا شَرعه الله والمعين على الاثم والعدوان وَقَاتل النَّفس الَّتِي حرم الله والملحد فِي حرم الله والمعطل لحقائق أَسمَاء الله وَصِفَاته الملحد فِيهَا والمقدم رَأْيه وذوقه وسياسته على سنة رَسُول والنائحة والمستمع إِلَيْهَا ونواحوا جَهَنَّم وهم المغنون الْغناء الذى حرمه الله وَرَسُوله والمستمع إِلَيْهِم وَالَّذين يبنون الْمَسَاجِد على الْقُبُور ويوقدون عَلَيْهَا الْقَنَادِيل والسرج والمطففون فِي اسْتِيفَاء مَا لَهُم إِذا أَخَذُوهُ وهضم مَا عَلَيْهِم إِذا بذلوه والجبارون والمتكبرون والمراؤون والهمازون واللمازون والطاعنون على السّلف وَالَّذين يأْتونَ الكهنة والمنجمين والعرافين فيسألونهم ويصدقونهم وَأَعْوَان الظلمَة الَّذين قد باعوا آخرتهم بدنيا غَيرهم والذى إِذا خوفته بِاللَّه وذكرته بِهِ لم يرعو وَلم ينزجر فاذا خوفته بمخلوق مثله خَافَ وارعوى وكف عَمَّا هُوَ فِيهِ والذى يهدى بِكَلَام الله وَرَسُوله فَلَا يهتدى وَلَا يرفع بِهِ رَأْسا فاذا بلغه عَمَّن يحسن بِهِ الظَّن مِمَّن يُصِيب ويخطىء عض عَلَيْهِ بالنواجذ وَلم يُخَالِفهُ والذى يقْرَأ عَلَيْهِ الْقُرْآن فَلَا يُؤثر فِيهِ وَرُبمَا استثقل بِهِ فاذا سمع قُرْآن الشَّيْطَان ورقية الزِّنَا ومادة النِّفَاق طَابَ سره وتواجد وهاج من قلبه دواعى الطَّرب وود أَن المغنى لَا يسكت والذى يحلف بِاللَّه ويكذب فاذا حلف بالبندق أَو برِئ من شَيْخه أَو قَرِيبه أَو سَرَاوِيل الفتوة أَو حَيَاة من يُحِبهُ ويعظمه من المخلوقين لم يكذب وَلَو هدد وعوقب والذى يفتخر بالمعصية ويتكثر بهَا بَين اخوانه وَأَضْرَابه وَهُوَ المجاهر والذى لَا تأمنه على مَالك وحرمتك والفاحش اللِّسَان البذىء الذى تَركه الْخلق اتقاء شَره وفحشه والذى يُؤَخر الصَّلَاة إِلَى آخر وَقتهَا وينقرها وَلَا يذكر الله فِيهَا إِلَّا قَلِيلا وَلَا يُؤدى زَكَاة مَاله طيبَة بهَا نَفسه وَلَا يحجّ مَعَ قدرته على الْحَج وَلَا يُؤدى مَا عَلَيْهِ من الْحُقُوق مَعَ قدرته عَلَيْهَا وَلَا يتورع من لَحْظَة وَلَا لَفْظَة وَلَا أَكلَة وَلَا
стр. 75
خطْوَة وَلَا يبإلى بِمَا حصل من المَال من حَلَال أَو حرَام وَلَا يصل رَحمَه وَلَا يرحم الْمِسْكِين وَلَا الأرملة وَلَا الْيَتِيم وَلَا الْحَيَوَان البهيم بل يدع الْيَتِيم وَلَا يحض على طَعَام الْمِسْكِين ويرائى للْعَالمين وَيمْنَع الماعون ويشتغل بعيوب النَّاس عَن عَيبه وبذنوبهم عَن ذَنبه فَكل هَؤُلَاءِ وأمثالهم يُعَذبُونَ فِي قُبُورهم بِهَذِهِ الجرائم بِحَسب كثرتها وقلتها وصغيرها وكبيرها
وَلما كَانَ أَكثر النَّاس كَذَلِك كَانَ أَكثر أَصْحَاب الْقُبُور معذبين والفائز مِنْهُم قَلِيل فظواهر الْقُبُور تُرَاب وبواطنها حسرات وَعَذَاب ظواهرها بِالتُّرَابِ وَالْحِجَارَة المنقوشة مبنيات وَفِي بَاطِنهَا الدواهى والبليات تغلى بالحسرات كَمَا تغلى الْقُدُور بِمَا فِيهَا ويحق لَهَا وَقد حيل بَينهَا وَبَين شهواتها وأمانيها تالله لقد وعظت فَمَا تركت لواعظ مقَالا وَنَادَتْ يَا عمار الدُّنْيَا لقد عمرتم دَارا موشكة بكم زوالا وخربتم دَارا أَنْتُم مسرعونى إِلَيْهَا انتقالا عمرتم بُيُوتًا لغيركم مَنَافِعهَا وسكناها وخربتم بُيُوتًا لَيْسَ لكم مسَاكِن سواهَا هَذِه دَار الاستباق ومستودع الاعمال وبذر الزَّرْع وَهَذِه مَحل للعبر رياض من رياض الْجنَّة أَو حفر من حفر النَّار
الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة الْأَسْبَاب المنجية من عَذَاب الْقَبْر جوابها أَيْضا من وَجْهَيْن
مُجمل ومفصل
أما الْمُجْمل فَهُوَ تجنب تِلْكَ الْأَسْبَاب الَّتِي تقتضى عَذَاب الْقَبْر وَمن انفعها ان يجلس الرجل عِنْدَمَا يُرِيد النّوم لله سَاعَة يُحَاسب نَفسه فِيهَا على مَا خسره وَربحه فِي يَوْمه ثمَّ يجدد لَهُ تَوْبَة نصُوحًا بَينه وَبَين الله فينام على تِلْكَ التَّوْبَة ويعزم على أَن لَا يعاود الذَّنب إِذا اسْتَيْقَظَ وَيفْعل هَذَا كل لَيْلَة فَإِن مَاتَ من ليلته مَاتَ على تَوْبَة وَإِن اسْتَيْقَظَ اسْتَيْقَظَ مُسْتَقْبلا للْعَمَل مَسْرُورا بِتَأْخِير أَجله حَتَّى يسْتَقْبل ربه ويستدرك مَا فَاتَهُ وَلَيْسَ للْعَبد انفع من هَذِه النومة وَلَا سِيمَا إِذا عقب ذَلِك بِذكر الله وَاسْتِعْمَال السّنَن الَّتِي وَردت عَن رَسُول الله عِنْد النّوم حَتَّى يغله النّوم فَمن أَرَادَ الله بِهِ خيرا وَفقه لذَلِك وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأما الْجَواب الْمفصل فَنَذْكُر أَحَادِيث عَن رَسُول الله فِيمَا يُنجى من عَذَاب الْقَبْر
فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه عَن سلمَان رضى الله عَنهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله يَقُول رِبَاط يَوْم وَلَيْلَة خير من صِيَام شهر وقيامه وان مَاتَ اجرى عَلَيْهِ عمله الذى كَانَ يعمله واجرى عَلَيْهِ رزقه وَأمن الفتان
стр. 76
وَفِي جَامع الترمذى من حَدِيث فضَالة بن عبيد عَن رَسُول الله قَالَ كل ميت يخْتم على عمله إِلَّا الذى مَاتَ مرابطا فِي سَبِيل الله فَإِنَّهُ ينمى لَهُ عمله إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ويأمن من فتْنَة الْقَبْر قَالَ الترمذى هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح
وَفِي سنَن النسائى عَن رشدين بن سعد عَن رجل من اصحاب النَّبِي صلى الله أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله مَا بَال الْمُؤمنِينَ يفتنون فِي قُبُورهم إِلَّا الشَّهِيد قَالَ كفي ببارقة السيوف على رَأسه فتْنَة
وَعَن الْمِقْدَام بن معد يكرب قَالَ قَالَ رَسُول الله للشهيد عِنْد الله سِتّ خِصَال يغْفر لَهُ فِي أول دفْعَة من دَمه وبرى مَقْعَده من الْجنَّة ويجار من عَذَاب الْقَبْر ويأمن من الْفَزع الْأَكْبَر وَيُوضَع على رَأسه تَاج الْوَقار الياقوتة مِنْهُ خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ويزوج اثْنَتَيْنِ وَسبعين زَوْجَة من الْحور الْعين ويشفع فِي سبعين من اقاربه رَوَاهُ ابْن مَاجَه والترمذى وَهَذَا لَفظه وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح
وَعَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قَالَ ضرب رجل من أَصْحَاب رَسُول الله خباءه على قبر وَهُوَ لَا يحْسب أَنه قبر فَإِذا قبر قبر إِنْسَان يقْرَأ سُورَة الْملك حَتَّى خَتمهَا فاتى النَّبِي فَقَالَ يَا رَسُول الله ضربت خبائى على قبر وَأَنا لَا أَحسب أَنه قبر فَإِذا قبر إِنْسَان يقْرَأ سُورَة الْملك حَتَّى خَتمهَا فَقَالَ النَّبِي هى الْمَانِعَة هِيَ المنجية تنجيه من عَذَاب الْقَبْر قَالَ الترمذى هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب
وروينا فِي مُسْند بن حميد عَن إِبْرَاهِيم بن الحكم عَن ابيه عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا أَنه قَالَ لرجل أَلا أتحفك بِحَدِيث تفرح بِهِ قَالَ الرجل بلَى قَالَ اقْرَأ ﴿تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك وَهُوَ على كل شَيْء قدير﴾ احفظها وعلما أهلك وولدك وصبيان بَيْتك وَجِيرَانك فَإِنَّهَا المنجية والمجادلة تجَادل أَو تخاصم يَوْم الْقِيَامَة عِنْد رَبهَا لِقَارِئِهَا وتطلب لَهُ إِلَى رَبهَا أَن ينجيه من عَذَاب النَّار إِذا كَانَت فِي جَوْفه وينجى الله بهَا صَاحبهَا من عَذَاب الْقَبْر قَالَ رَسُول الله لودت أَنَّهَا فِي قلب كل إِنْسَان من أمتى
قَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر وَصَحَّ عَن رَسُول الله أَنه قَالَ إِن سُورَة ثَلَاثِينَ آيَة شفعت فِي صَاحبهَا حَتَّى غفر لَهُ ﴿تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك﴾
وَفِي سِنِين ابْن مَاجَه من حَدِيث أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ بِرَفْعِهِ من مَاتَ مبطونا مَاتَ شَهِيدا وَوُقِيَ فتْنَة الْقَبْر وغدى وريح عَلَيْهِ برزق من الْجنَّة
وَفِي سنَن النسائى عَن جَامع بن شَدَّاد قَالَ سَمِعت عبد الله بن يشْكر يَقُول كنت جَالِسا مَعَ سُلَيْمَان بن صره وخَالِد بن عرفطة فَذكرُوا أَن رجلا مَاتَ ببطنه فَإِذا هما يشتهيان أَن
стр. 77
يَكُونَا شَهدا جنَازَته فَقَالَ أَحدهمَا للْآخر ألم يقل رَسُول الله من قَتله بَطْنه لم يعذب فِي قَبره
وَقَالَ أَبُو دَاوُد الطيالسى فِي مُسْنده حَدثنَا شُعْبَة حَدَّثَنى أَحْمد بن جَامع بن شَدَّاد قَالَ أَبى فَذكره وَزَاد فَقَالَ الآخر بلَى
وَفِي الترمذى من حَدِيث ربيعَة بن سيف عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ قَالَ رَسُول الله مَا من مُسلم يَمُوت يَوْم الْجُمُعَة أَو لَيْلَة الْجُمُعَة إِلَّا وَقَاه الله فتْنَة الْقَبْر قَالَ الترمذى هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب وَلَيْسَ إِسْنَاده بِمُتَّصِل ربيعَة بن سيف إِنَّمَا يرْوى عَن أَبى عبد الرَّحْمَن الحبلى عَن عبد الله بن عَمْرو وَلَا يعرف لِرَبِيعَة بن سيف سَماع من عبد الله ابْن عَمْرو انْتهى
وَقد روى الترمذى الْحَكِيم من حَدِيث ربيعَة بن سيف هَذَا عَن عِيَاض بن عقبَة الفهرى عَن عبد الله بن عَمْرو
وَقد رَوَاهُ أَبُو نعيم الْحَافِظ عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر مَرْفُوعا وَلَفظه من مَاتَ لَيْلَة الْجُمُعَة أَو يَوْم الْجُمُعَة أجِير من عَذَاب الْقَبْر وَجَاء يَوْم الْقِيَامَة وَعَلِيهِ طَابع الشُّهَدَاء تفرد بِهِ عمر بن مُوسَى الوجيهى وَهُوَ مدنى ضَعِيف
وَقَوله كفي ببارقة السيوف على رَأسه فتْنَة مَعْنَاهُ وَالله أعلم قد امتحن نفَاقه من إيمَانه ببارقة السَّيْف على رَأسه فَلم يفر فَلَو كَانَ منافقا لما صَبر ببارقة السَّيْف على رَأسه فَدلَّ على أَن إيمَانه هُوَ الذى حمله على بذل نَفسه لله وتسليمها لَهُ وهاج من قلبه حمية الْغَضَب لله وَرَسُوله واظهار دينه وإعزاز كَلمته فَهَذَا قد أظهر صدق مَا فِي ضَمِيره حَيْثُ برز للْقَتْل فاستغنى بذلك عَن الامتحان فِي قَبره
قَالَ أَبُو عبد الله القرطبى إِذا كَانَ الشَّهِيد لَا يفتن فالصديق أجل خطرا وَأعظم أجرا أَن لَا يفتن لِأَنَّهُ مقدم ذكره فِي التَّنْزِيل على الشُّهَدَاء وَقد صَحَّ فِي المرابط الذى هُوَ دون الشَّهِيد أَنه لَا يفتن فَكيف بِمن هُوَ أَعلَى رُتْبَة مِنْهُ وَمن الشَّهِيد
وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ترد هَذَا القَوْل وَتبين أَن الصّديق يسْأَل فِي قَبره كَمَا يسْأَل غَيره وَهَذَا عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ رَأس الصديقين وَقد قَالَ النبيى لما أخبرهُ عَن سُؤال الْملك فِي قَبره فَقَالَ وَأَنا على مثل حالتي هَذِه فَقَالَ نعم وَذكر الحَدِيث
وَقد اخْتلف فِي الْأَنْبِيَاء هَل يسْأَلُون فِي قُبُورهم على قَوْلَيْنِ وهما وَجْهَان فِي مَذْهَب أَحْمد
стр. 78
وَغَيره وَلَا يلْزم من هَذِه الخاصية الَّتِي اخْتصَّ بهَا الشَّهِيد أَن يُشَارِكهُ الصّديق فِي حكمهَا وَإِن كَانَ أَعلَى مِنْهُ فخواص الشُّهَدَاء وَقد تَنْتفِي عَمَّن هُوَ أفضل مِنْهُم وَإِن كَانَ أَعلَى مِنْهُم دَرَجَة
وَأما حَدِيث ابْن مَاجَه من مَاتَ مَرِيضا مَاتَ شَهِيدا وَوقى فتْنَة الْقَبْر فَمن إِفْرَاد ابْن مَاجَه وَفِي إِفْرَاده غرائب ومنكرات وَمثل هَذَا الحَدِيث مِمَّا يتَوَقَّف فِيهِ وَلَا يشْهد بِهِ على رَسُول الله فان صَحَّ فَهُوَ مُقَيّد بِالْحَدِيثِ الآخر وَهُوَ الذى يقْتله بَطْنه فان صَحَّ عَنهُ أَنه قَالَ المبطون شَهِيد فَيحمل هَذَا الْمُطلق على ذَلِك الْمُقَيد وَالله أعلم
وَقد جَاءَ فِيمَا يُنجى من عَذَاب الْقَبْر حَدِيث فِيهِ الشِّفَاء رَوَاهُ أَبُو مُوسَى المدينى وَبَين علته فِي كِتَابه فِي التَّرْغِيب والترهيب وَجعله شرحا لَهُ رَوَاهُ من حَدِيث الْفرج بن فضَالة حَدثنَا هِلَال أَبُو جبلة عَن سعيد بن الْمسيب عَن عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة قَالَ خرج علينا رَسُول الله وَنحن فِي صفة بِالْمَدِينَةِ فَقَامَ علينا فَقَالَ إنى رَأَيْت البارحة عجبا رَأَيْت رجلا من أمتى أَتَاهُ ملك الْمَوْت ليقْبض روحه فَجَاءَهُ بره بِوَالِديهِ فَرد ملك الْمَوْت عَنهُ وَرَأَيْت رجلا من أمتى قد احتوشته الشَّيَاطِين فجَاء ذكر الله فطير الشَّيَاطِين عَنهُ وَرَأَيْت رجلا من أمتى قد احتوشته مَلَائِكَة الْعَذَاب فَجَاءَتْهُ صلَاته فاستنقذته من أَيْديهم وَرَأَيْت رجلا من أمتى يَلْهَث عطشا كلما دنا من حَوْض منع وطرد فَجَاءَهُ صِيَام شهر رَمَضَان فاسقاه وأرواه وَرَأَيْت رجلا من أمتى وَرَأَيْت النَّبِيين جُلُوسًا حلقا حلقا كلما دنا إِلَى حَلقَة طرد وَمنع فَجَاءَهُ غسله من الْجَنَابَة فَأخذ بِيَدِهِ فأقعده إِلَى جَنْبي وَرَأَيْت رجلا من أمتى من بَين يَدَيْهِ ظلمَة وَمن خَلفه وَعَن يَمِينه ظلمَة وَعَن يسَاره ظلمَة وَمن فَوْقه ظلمَة وَهُوَ متحير فِيهِ فَجَاءَهُ حجه وعمرته فاستخرجاه من الظلمَة وأدخلاه فِي النُّور وَرَأَيْت رجلا من أمتى يتقى وهج النَّار وشررها فَجَاءَتْهُ صدقته فَصَارَت سترا بَينه وَبَين النَّار وظلا على رَأسه وَرَأَيْت رجلا من أمتى يكلم الْمُؤمنِينَ وَلَا يكلمونه فَجَاءَتْهُ صلته لرحمه فَقَالَت يَا معشر الْمُؤمنِينَ انه كَانَ وصُولا لرحمه فكلموه الْمُؤْمِنُونَ وصافحوه وصافحهم وَرَأَيْت رجلا من أمتى قد احتوشته الزَّبَانِيَة فَجَاءَهُ أمره بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيه عَن الْمُنكر فاستنقذه من أَيْديهم وَأدْخلهُ فِي مَلَائِكَة الرَّحْمَة وَرَأَيْت رجلا من أمتى جاثيا على رُكْبَتَيْهِ وَبَينه وَبَين الله حجاب فَجَاءَهُ حسن خلقه فَأخذ بِيَدِهِ فَأدْخلهُ على الله وَرَأَيْت رجلا من أمتى قد ذهبت صَحِيفَته من قبل شِمَاله فَجَاءَهُ خَوفه من الله فَأخذ صَحِيفَته فوضعها فِي يَمِينه فوضعها فِي يَمِينه ورايت رجلا من أمتى خف مِيزَانه فَجَاءَهُ أفراطه فثقلوا مِيزَانه وَرَأَيْت رجلا من أمتى قَائِما على شَفير جَهَنَّم فَجَاءَهُ رجاؤه من الله فاستنقذه من ذَلِك وَمضى وَرَأَيْت رجلا من أمتى قد هوى
стр. 79
فِي النَّار فَجَاءَتْهُ دمعته الَّتِي قد بَكَى من خشيَة الله فاستنقذته من ذَلِك وَرَأَيْت رجلا من أمتى قَائِما على الصِّرَاط يرعد كَمَا ترْعد السعفة فِي ريح عاصف فَجَاءَهُ حسن ظَنّه بِاللَّه فسكن روعه وَمضى وَرَأَيْت رجلا من أمتى يزحف على الصِّرَاط يحبو أَحْيَانًا وَيتَعَلَّق أَحْيَانًا فَجَاءَتْهُ صلَاته فأقامته على قَدَمَيْهِ وأنقذته وَرَأَيْت رجلا من أمتى انْتهى إِلَى أَبْوَاب الْجنَّة فغلقت الْأَبْوَاب دونه فَجَاءَتْهُ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ففتحت لَهُ الْأَبْوَاب وأدخلته الْجنَّة قَالَ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى هَذَا حَدِيث حسن جدا رَوَاهُ عَن سعيد بن الْمسيب وَعمر بن ذَر وعَلى ابْن زيد بن جدعَان
وَنَحْو هَذَا الحَدِيث مِمَّا قيل فِيهِ أَن رُؤْيا الْأَنْبِيَاء وحى فَهُوَ على ظَاهرهَا لَا كنحو مَا روى عَنهُ أَنه قَالَ رَأَيْت كَأَن سَيفي انْقَطع فَأَوَّلْته كَذَا وَكَذَا وَرَأَيْت بقرًا تنحر وَرَأَيْت كأنا فِي دَار عقبَة بن رَافع
وَقد روى فِي رُؤْيَاهُ الطَّوِيلَة من حَدِيث سَمُرَة فِي الصَّحِيح وَمن حَدِيث على وأبى أُمَامَة وَرِوَايَات هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة قريب بَعْضهَا من بعض مُشْتَمِلَة على ذكر عقوبات جمَاعَة من الْمُعَذَّبين فِي البرزخ فَأَما فِي هَذِه الرِّوَايَة فَذكر الْعقُوبَة وأنبعها بِمَا يُنجى صَاحبهَا من الْعَمَل وراوى هَذَا الحَدِيث عَن ابْن الْمسيب هِلَال أَبُو جبلة مدنى لَا يعرف بِغَيْر هَذَا الحَدِيث ذكره ابْن أَبى حَاتِم عَن ابيه هَكَذَا ذكره الْحَاكِم أَبُو أَحْمد وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله أَبُو جبل بِلَا هَاء وحكياه عَن مُسلم وَرَوَاهُ عَنهُ الْفرج بن فضَالة وَهُوَ وسط فِي الرِّوَايَة لَيْسَ بالقوى وَلَا الْمَتْرُوك وَرَوَاهُ عَنهُ بشر ابْن الْوَلِيد الْفَقِيه الْمَعْرُوف بأبى الْخَطِيب كَانَ حسن الْمَذْهَب جميل الطَّرِيقَة وَسمعت شيخ الْإِسْلَام يعظم أَمر هَذَا الحَدِيث وَقَالَ أصُول السّنة تشهد لَهُ وَهُوَ من أحسن الْأَحَادِيث
الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشر
وهى أَن السُّؤَال فِي الْقَبْر هَل هُوَ عَام فِي حق الْمُسلمين وَالْمُنَافِقِينَ وَالْكفَّار أَو يخْتَص بِالْمُسلمِ وَالْمُنَافِق
قَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر فِي كتاب التَّمْهِيد والْآثَار الدَّالَّة تدل على أَن الْفِتْنَة فِي الْقَبْر لَا تكون إِلَّا لمُؤْمِن أَو مُنَافِق كَانَ مَنْسُوبا إِلَى أهل الْقبْلَة وَدين الْإِسْلَام بِظَاهِر الشَّهَادَة وَأما الْكَافِر الجاحد الْمُبْطل فَلَيْسَ مِمَّن يسْأَل عَن ربه وَدينه وَنبيه وَإِنَّمَا يسْأَل عَن هَذَا أهل الْإِسْلَام فَيثبت الله الَّذين آمنُوا ويرتاب المبطلون
стр. 80
وَالْقُرْآن وَالسّنة تدل على خلاف هَذَا القَوْل وَأَن السُّؤَال للْكَافِرِ وَالْمُسلم قَالَ الله تَعَالَى ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة ويضل الله الظَّالِمين وَيفْعل الله مَا يَشَاء﴾ وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَنَّهَا نزلت فِي عَذَاب الْقَبْر حِين يسْأَل من رَبك وَمَا دينك وَمن نبيك
وَفِي الصحيحن عَن أنس بن مَالك عَن النَّبِي أَنه قَالَ إِن العَبْد إِذا وضع فِي قَبره وَتَوَلَّى عَنهُ أَصْحَابه انه ليسمع قرع نعَالهمْ وَذكر الحَدِيث زَاد البخارى وَأما الْمُنَافِق وَالْكَافِر فَيُقَال لَهُ مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل فَيَقُول لَا أدرى كنت أَقُول مَا يَقُول النَّاس فَيُقَال لَا دَريت وَلَا تليت وَيضْرب بِمِطْرَقَةٍ من حَدِيد يَصِيح صَيْحَة يسْمعهَا من يَلِيهِ إِلَّا الثقلَيْن هَكَذَا فِي البخارى وَأما الْمُنَافِق وَالْكَافِر بِالْوَاو وَقد تقدم فِي حَدِيث أَبى سعيد الخدرى الذى رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْإِمَام أَحْمد كُنَّا فِي جَنَازَة مَعَ النَّبِي فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِن هَذِه الْأمة تبتلى فِي قبورها فاذا الْإِنْسَان دفن وَتَوَلَّى عَنهُ أَصْحَابه جَاءَ ملك وَفِي يَده مطراق فأقعده فَقَالَ مَا تَقول فِي هَذَا الرجل فَإِن كَانَ مُؤمنا قَالَ أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فَيَقُول لَهُ صدقت فَيفتح لَهُ بَاب إِلَى النَّار فَيَقُول هَذَا مَنْزِلك لَو كفرت بِرَبِّك وَأما الْكَافِر وَالْمُنَافِق فَيَقُول لَهُ مَا تَقول فِي هَذَا الرجل فَيَقُول لَا أدرى فَيُقَال لَا دَريت وَلَا اهتديت ثمَّ يفتح لَهُ بَاب إِلَى الْجنَّة فَيَقُول لَهُ هَذَا مَنْزِلك لَو آمَنت بِرَبِّك فَأَما إِذْ كفرت فان الله أبدلك بِهِ هَذَا ثمَّ يفتح لَهُ بَاب إِلَى النَّار ثمَّ يقمعه الْملك بالمطراق قمعة يسمعهُ خلق الله إِلَّا الثقلَيْن فَقَالَ بعض الصَّحَابَة يَا رَسُول الله مَا أحد يقوم على رَأسه ملك إِلَّا هيل عِنْد ذَلِك فَقَالَ رَسُول الله يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة ويضل الله الظَّالِمين وَيفْعل الله مَا يَشَاء
وَفِي حَدِيث الْبَراء بن عَازِب الطَّوِيل وَأما الْكَافِر إِذا كَانَ فِي قبل من الْآخِرَة وَانْقِطَاع من الدُّنْيَا نزل عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة من السَّمَاء مَعَهم مسوح وَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ ثمَّ تُعَاد روحه فِي جسده فِي قَبره وَذكر الحَدِيث وَفِي لفظ فاذا كَانَ كَافِر جَاءَهُ ملك الْمَوْت فَجَلَسَ عِنْد رَأسه فَذكر الحَدِيث إِلَى قَوْله مَا هَذِه الرّوح الخبيثة فَيَقُولُونَ فلَان بأسو أَسْمَائِهِ فاذا انْتهى بِهِ إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا أغلقت دونه قَالَ يرْمى بِهِ من السَّمَاء ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يُشْرك بِاللَّه فَكَأَنَّمَا خر من السَّمَاء فتخطفه الطير أَو تهوي بِهِ الرّيح فِي مَكَان سحيق﴾ قَالَ فتعاد روحه فِي جسده ويأتيه ملكان شَدِيدا الِانْتِهَار فيجلسانه وينتهرانه فَيَقُولَانِ من رَبك فَيَقُول هاه لَا أدرى فَيَقُولَانِ لَا دَريت فَيَقُولَانِ مَا هَذَا النَّبِي الذى بعث فِيكُم فَيَقُول سَمِعت
стр. 81
النَّاس يَقُولُونَ ذَلِك لَا ادرى فَيَقُولَانِ لَهُ لَا دَريت وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿ويضل الله الظَّالِمين وَيفْعل الله مَا يَشَاء﴾ وَذكر الحَدِيث
وَاسم الْفَاجِر فِي عرف الْقُرْآن وَالسّنة يتَنَاوَل الْكَافِر قطعا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن الْأَبْرَار لفي نعيم وَإِن الْفجار لفي جحيم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿كلا إِن كتاب الْفجار لفي سِجِّين﴾ وَفِي لفظ آخر فِي حَدِيث الْبَراء وَإِن الْكَافِر إِذا كَانَ فِي قبل من الْآخِرَة وَانْقِطَاع من الدُّنْيَا نزل اليه مَلَائِكَة شَدَّاد غضاب مَعَهم ثِيَاب من نَار وسرابيل من قطران فيحتوشونه فتنزع روحه كَمَا ينْزع السفود الْكثير الشّعب من الصُّوف المبتل فاذا أخرجت لَعنه كل ملك بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وكل ملك فِي السَّمَاء
وَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ انه ليسمع خَفق نعَالهمْ إِذا ولوا مُدبرين فَيُقَال يَا هَذَا من رَبك وَمَا دينك وَمن نبنيك فَيَقُول لَا أدرى فَيُقَال لَا دَريت وَذكر الحَدِيث رَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة عَن يُونُس بن خباب عَن الْمنْهَال بن عَمْرو عَن زَاذَان عَن الْبَراء
وَفِي حَدِيث عِيسَى بن الْمسيب عَن عدى بن ثَابت عَن الْبَراء خرجنَا مَعَ رَسُول فِي جَنَازَة رجل من الْأَنْصَار وَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ وَإِن الْكَافِر إِذا كَانَ فِي دبر من الدُّنْيَا وَقبل من الْآخِرَة وحضره الْمَوْت نزلت عَلَيْهِ مَلَائِكَة مَعَهم كفن من نارو وحنوط من نَار فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ فَترد روحه إِلَى مضجعه فيأتيه مُنكر وَنَكِير يثيران الأَرْض بأنيابهما ويفحصان الأَرْض بأشعارهما أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف فيجلسانه ثمَّ يَقُولَانِ يَا هَذَا من رَبك فَيَقُول لَا أدرى فينادى من جَانب الْقَبْر لادريت فيضربانه بمرزبة من حَدِيد لَو اجْتمع عَلَيْهَا من بَين الْخَافِقين لم تقل ويضيق عَلَيْهِ قَبره حَتَّى تخْتَلف أضلاعه وَذكر الحَدِيث
وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده عَن أَبى النّظر هَاشم بن الْقَاسِم حَدثنَا عِيسَى بن الْمسيب فَذكره
وَفِي حَدِيث مُحَمَّد بن سَلمَة عَن خصيف عَن مُجَاهِد عَن الْبَراء قَالَ كُنَّا فِي جَنَازَة رجل من الْأَنْصَار ومعنا رَسُول الله فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ وَقَالَ رَسُول الله وَإِذا وضع الْكَافِر أَتَاهُ مُنكر وَنَكِير فيجلسانه فَيَقُولَانِ لَهُ من رَبك فَيَقُول لَا أدرى فَيَقُولَانِ لَهُ لادريت الحَدِيث وَقد تقدم
وَبِالْجُمْلَةِ فعامة من روى حَدِيث الْبَراء بن عَازِب قَالَ فِيهِ وَأما الْكَافِر بِالْجَزْمِ وَبَعْضهمْ قَالَ وَأما الْفَاجِر وَبَعْضهمْ قَالَ وَأما الْمُنَافِق والمرتاب وَهَذِه اللَّفْظَة من شكّ بعض الروَاة هَكَذَا فِي الحَدِيث لَا أدرى أى ذَلِك قَالَ
стр. 82
وَأما من ذكر الْكَافِر والفاجر فَلم يشك وَرِوَايَة من لم يشك مَعَ كثرتهم أولى من رِوَايَة من شكّ مَعَ انْفِرَاده على أَنه لَا تنَاقض بَين الرِّوَايَتَيْنِ فان الْمُنَافِق يسْأَل كَمَا يسْأَل الْكَافِر وَالْمُؤمن فَيثبت الله أهل الْإِيمَان ويضل الله الظَّالِمين وهم الْكفَّار والمنافقون
وَقد جمع أَبُو سعيد الخدرى فِي حَدِيثه الذى رَوَاهُ أَبُو عَامر العقدى حَدثنَا عباد بن رَاشد عَن دَاوُد بن أَبى هِنْد عَن أَبى نَضرة عَن أَبى سعيد قَالَ شَهِدنَا مَعَ رَسُول الله جَنَازَة فَذكر الحَدِيث وَقَالَ وَإِن كَانَ كَافِرًا أَو منافقا يَقُول لَهُ مَا تَقول فِي هَذَا الرجل فَيَقُول لَا أدرى وَهَذَا صَرِيح فِي أَن السُّؤَال للْكَافِرِ وَالْمُنَافِق وَقَول أَبى عمر ﵀ وَأما الْكَافِر الجاحد الْمُبْطل فَلَيْسَ مِمَّن يسْأَل عَن ربه وَدينه فَيُقَال لَهُ لَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ من جملَة المسئولين وَأولى بالسؤال من غَيره
وَقد أخبر الله فِي كِتَابه أَنه يسْأَل الْكَافِر يَوْم الْقِيَامَة قَالَ تَعَالَى ﴿وَيَوْم يناديهم فَيَقُول مَاذَا أجبتم الْمُرْسلين﴾ وَقَالَ تَعَالَى فوربكم لنسألنهم أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فلنسألن الَّذين أرسل إِلَيْهِم ولنسألن الْمُرْسلين﴾ فَإِذا سئلوا يَوْم الْقِيَامَة فَكيف لَا يسْأَلُون فِي قُبُورهم فَلَيْسَ لما ذكره أَبُو عمر ﵀ وَجه
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشرَة وهى أَن سُؤال مُنكر وَنَكِير هَل هُوَ مُخْتَصّ بِهَذِهِ الْأمة أَو
يكون لَهَا ولغيرها
هَذَا مَوضِع تكلم فِيهِ النَّاس فَقَالَ أَبُو عبد الله الترمذى إِنَّمَا سُؤال الْمَيِّت فِي هَذِه الْأمة خَاصَّة لِأَن الْأُمَم قبلنَا كَانَت الرُّسُل تأتيهم بالرسالة فاذا أَبَوا كفت الرُّسُل واعتزلزهم وعولجو بِالْعَذَابِ فَلَمَّا بعث الله مُحَمَّدًا بِالرَّحْمَةِ إِمَامًا لِلْخلقِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة للْعَالمين﴾ أمسك عَنْهُم الْعَذَاب وَأعْطى السَّيْف حَتَّى يدْخل فِي دين الْإِسْلَام من دخل لمهابة السَّيْف ثمَّ يرسخ الْإِيمَان فِي قلبه فأمهلوا فَمن هَا هُنَا ظهر أَمر النِّفَاق وَكَانُوا يسرون الْكفْر ويعلنون الْإِيمَان فَكَانُوا بَين الْمُسلمين فِي ستر فَلَمَّا مَاتُوا قبض الله لَهُم فتانى الْقَبْر ليستخرجا سرهم بالسؤال وليميز الله الْخَبيث من الطّيب فَيثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة ويضل الله الظَّالِمين وَيفْعل الله مَا يَشَاء
وَخَالف فِي ذَلِك آخَرُونَ مِنْهُم عبد الْحق الأشبيلى والقرطبى وَقَالُوا السُّؤَال لهَذِهِ الْأمة ولغيرها
стр. 83
وَتوقف فِي ذَلِك آخَرُونَ مِنْهُم أَبُو عمر بن عبد الْبر فَقَالَ وَفِي حَدِيث زيد بن ثَابت عَن النَّبِي أَنه قَالَ إِن هَذِه الْأمة تبتلى فِي قبورها وَمِنْهُم من يرويهِ تسْأَل وعَلى هَذَا اللَّفْظ يحْتَمل أَن تكون هَذِه الْأمة خصت بذلك فَهَذَا أَمر لَا يقطع عَلَيْهِ
وَقد احْتج من خصّه بِهَذِهِ الْأمة بقوله إِن هَذِه الْأمة تبتلى فِي قبورها وَبِقَوْلِهِ أوحى إِلَى أَنكُمْ تفتنون فِي قبوركم وَهَذَا ظَاهر فِي الِاخْتِصَاص بِهَذِهِ الْأمة قَالُوا وَيدل عَلَيْهِ قَول الْملكَيْنِ لَهُ مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل الذى بعث فِيكُم فَيَقُول الْمُؤمن أشهد أَنه عبد الله وَرَسُوله فَهَذَا خَاص بِالنَّبِيِّ وَقَوله فِي الحَدِيث الآخر إِنَّكُم بِي تمتحنون وعني تسْأَلُون
وَقَالَ آخَرُونَ لَا يدل هَذَا على اخْتِصَاص السُّؤَال بِهَذِهِ الْأمة دون سَائِر الْأُمَم فَإِن قَوْله ان الْأمة اما ن يُرَاد بِهِ أمة النَّاس كَمَا قَالَ تَعَالَى وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض وَلَا طَائِر يطير بجناحيه إِلَّا أُمَم أمثالكم وكل جنس من أَجنَاس الْحَيَوَان يُسمى أمة وَفِي الحَدِيث لَوْلَا أَن الْكلاب أمة من الْأُمَم لأمرت بقتلها وَفِيه أَيْضا حَدِيث النَّبِي الَّذِي قرصته نملة فَأمر بقرية النَّمْل فأحرقت فَأوحى الله اليه من أجل أَن قرصتك نملة وَاحِدَة أحرقت أمة من الْأُمَم تسبح الله وَإِن كَانَ المُرَاد بِهِ أمته الَّذِي بعث فيهم لم يكن فِيهِ مَا يَنْفِي سُؤال غَيرهم من الْأُمَم بل قد يكون ذكرهم اخبارا بِأَنَّهُم مسئولون فِي قُبُورهم وَأَن ذَلِك لَا يخْتَص بِمن قبلهم لفضل هَذِه الْأمة وشرفها على سَائِر الْأُمَم
وَكَذَلِكَ قَوْله أوحى إِلَى أَنكُمْ تفتنون فِي قبوركم
وَكَذَلِكَ اخباره عَن قَول الْملكَيْنِ مَا هَذَا الرجل الَّذِي بعث فِيكُم هُوَ اخبار لأمته بِمَا تمتحن بِهِ فِي قبورها وَالظَّاهِر وَالله أعلم أَن كل نَبِي مَعَ أمته كَذَلِك وَأَنَّهُمْ معذبون فِي قُبُورهم بعد السُّؤَال لَهُم وَإِقَامَة الْحجَّة عَلَيْهِم كَمَا يُعَذبُونَ فِي الْآخِرَة بعد السُّؤَال وَإِقَامَة الْحجَّة وَالله أعلم
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة عشرَة وَهِي أَن الْأَطْفَال هَل يمْتَحنُونَ فِي قُبُورهم اخْتلف
النَّاس فِي ذَلِك على قَوْلَيْنِ هما وَجْهَان لأَصْحَاب أَحْمد
وَحجَّة من قَالَ أَنهم يسْأَلُون أَنه يشرع الصَّلَاة عَلَيْهِم وَالدُّعَاء لَهُم وسؤال الله أَن يقيهم عَذَاب الْقَبْر وفتنة الْقَبْر كَمَا ذكر مَالك فِي موطئِهِ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه على جَنَازَة صبي فَسمع من دُعَائِهِ اللَّهُمَّ قه عَذَاب الْقَبْر
стр. 84
وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ على بن معبد عَن عَائِشَة ﵂ أَنه مر عَلَيْهَا بِجنَازَة صبي صَغِير فَبَكَتْ فَقيل لَهَا مَا يبكيك يَا أم الْمُؤمنِينَ فَقَالَت هَذَا الصَّبِي بَكَيْت لَهُ شَفَقَة عَلَيْهِ من ضمة الْقَبْر
وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ هناد بن السرى حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن يحيى بن سعيد عَن سعيد ابْن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ إِنَّه كَانَ ليُصَلِّي على المنفوس وَمَا ان عمل خَطِيئَة قطّ فَيَقُول اللَّهُمَّ أجره من عَذَاب الْقَبْر
قَالُوا وَالله سُبْحَانَهُ يكمل لَهُم عُقُولهمْ ليعرفوا بذلك منزلهم ويلهمون الْجَواب عَمَّا يسْأَلُون عَنهُ
قَالُوا وَقد دلّ على ذَلِك الْأَحَادِيث الْكَثِيرَة الَّتِي فِيهَا أَنهم يمْتَحنُونَ فِي الْآخِرَة وَحَكَاهُ الْأَشْعَرِيّ عَن أهل السّنة والْحَدِيث فَإِذا امتحنوا فِي الْآخِرَة لم يمْتَنع امتحانهم فِي الْقُبُور
قَالَ الْآخرُونَ السُّؤَال أَنما يكون لمن عقل الرَّسُول والمرسل فَيسْأَل هَل آمن بالرسول وأطاعه أم لَا فَيُقَال لَهُ مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل الَّذِي بعث فِيكُم فَأَما الطِّفْل الَّذِي لَا تَمْيِيز لَهُ بِوَجْه مَا فَكيف يُقَال لَهُ مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل الَّذِي بعث فِيكُم وَلَو رد إِلَيْهِ عقله فِي الْقَبْر فَإِنَّهُ لَا يسْأَل عَمَّا لم يتَمَكَّن من مَعْرفَته وَالْعلم بِهِ وَلَا فَائِدَة فِي هَذَا السُّؤَال وَهَذَا بِخِلَاف امتحانهم فِي الْآخِرَة فَإِن الله سُبْحَانَهُ يُرْسل اليهم رَسُولا وَيَأْمُرهُمْ بِطَاعَة أمره وعقولهم مَعَهم فَمن أطاعه مِنْهُم نجا وَمن عَصَاهُ أدخلهُ النَّار فَذَلِك امتحان بِأَمْر يَأْمُرهُم بِهِ يَفْعَلُونَهُ ذَلِك الْوَقْت لَا أَنه سُؤال عَن أَمر مضى لَهُم فِي الدُّنْيَا من طَاعَة أَو عصيان كسؤال الْملكَيْنِ فِي الْقَبْر
وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ فَلَيْسَ المُرَاد بِعَذَاب الْقَبْر فِيهِ عُقُوبَة الطِّفْل على ترك طَاعَة أَو فعل مَعْصِيّة قطعا فان الله لَا يعذب أحدا بِلَا ذَنْب عمله بل عَذَاب الْقَبْر قد يُرَاد بِهِ الْأَلَم الَّذِي يحصل للْمَيت بِسَبَب غَيره وَإِن لم يكن عُقُوبَة على عمل عمله وَمِنْه قَوْله إِن الْمَيِّت ليعذب ببكاء أَهله عَلَيْهِ أَي يتألم بذلك ويتوجع مِنْهُ لَا أَنه يُعَاقب بذنب الْحَيّ وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى
وَهَذَا كَقَوْل النَّبِي السّفر قِطْعَة من الْعَذَاب فالعذاب أَعم من الْعقُوبَة وَلَا ريب أَن فِي الْقَبْر من الآلام والهموم والحسرات مَا قد يسرى أَثَره إِلَى الطِّفْل فيتألم بِهِ فيشرع الْمصلى عَلَيْهِ أَن يسْأَل الله تَعَالَى لَهُ أَن يَقِيه ذَلِك الْعَذَاب وَالله أعلم
стр. 85
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة عشرَة وَهِي قَوْله عَذَاب الْقَبْر دَائِم أم مُنْقَطع جوابها أَنه
نَوْعَانِ نوع دَائِم سوى مَا ورد فِي بعض الْأَحَادِيث أَنه يُخَفف عَنْهُم مَا بَين النفختين فَإِذا قَامُوا من قُبُورهم قَالُوا ﴿يَا ويلنا من بعثنَا من مرقدنا﴾ وَيدل على دَوَامه قَوْله تَعَالَى ﴿النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا﴾ وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا مَا تقدم فِي حَدِيث سَمُرَة الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي رُؤْيا النَّبِي وَفِيه فَهُوَ يفعل بِهِ ذَلِك إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي قصَّة الجريدتين لَعَلَّه يُخَفف عَنْهُمَا مَا لم تيبسا فَجعل التَّخْفِيف مُقَيّدا برطوبتهما فَقَط
وَفِي حَدِيث الرّبيع بن أنس عَن أبي الْعَالِيَة عَن أبي هُرَيْرَة ثمَّ أَتَى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر كلما رضخت عَادَتْ لَا يفتر عَنْهُم من ذَلِك شَيْء وَقد تقدم وَفِي الصَّحِيح فِي قصَّة الَّذِي لبس بردين وَجعل يمشي يتبختر فَخسفَ الله بِهِ الأَرْض فَهُوَ يتجلجل فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَفِي حَدِيث الْبَراء بن عَازِب فِي قصَّة الْكَافِر ثمَّ يفتح لَهُ بَاب إِلَى النَّار فَينْظر إِلَى مَقْعَده فِيهَا حَتَّى تقوم السَّاعَة رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَفِي بعض طرقه ثمَّ يخرق لَهُ خرقا إِلَى النَّار فيأتيه من غمها ودخانها إِلَى الْقِيَامَة
النَّوْع الثَّانِي إِلَى مُدَّة ثمَّ يَنْقَطِع وَهُوَ عَذَاب بعض العصاة الَّذين خفت جرائمهم فيعذب بِحَسب جرمه ثمَّ يُخَفف عَنهُ كَمَا يعذب فِي النَّار مُدَّة ثمَّ يَزُول عَنهُ الْعَذَاب
وَقد يَنْقَطِع عَنهُ الْعَذَاب بِدُعَاء أَو صَدَقَة أَو اسْتِغْفَار أَو ثَوَاب حج أَو قِرَاءَة تصل إِلَيْهِ من بعض أَقَاربه أَو غَيرهم وَهَذَا كَمَا يشفع الشافع فِي المعذب فِي الدُّنْيَا فيخلص من الْعَذَاب بِشَفَاعَتِهِ لَكِن هَذِه شَفَاعَة قد لَا تكون باذن الْمَشْفُوع عِنْده وَالله لَا يتَقَدَّم أحد بالشفاعة بَين يَدَيْهِ إِلَّا من بعد إِذْنه فَهُوَ الَّذِي يَأْذَن للشافع أَن يشفع إِذا أَرَادَ أَن يرحم الْمَشْفُوع لَهُ وَلَا تغتر بِغَيْر هَذَا فَإِنَّهُ شرك وباطل يتعالى الله عَنهُ من ذَا الذى يشفع عِنْده إِلَّا باذنه وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى مَا من شَفِيع إِلَّا من بعد إِذْنه وَلَا تَنْفَع الشَّفَاعَة عِنْده إِلَّا لمن أذن لَهُ قَالَ لله الشَّفَاعَة جَمِيعًا لَهُ ملك السَّمَوَات والارض
وَقد ذكر ابْن أَبى الدُّنْيَا حَدَّثَنى مُحَمَّد بن مُوسَى الصَّائِغ حَدثنَا عبد الله بن نَافِع قَالَ مَاتَ رجل من أهل الْمَدِينَة فَرَآهُ رجل كَأَنَّهُ من أهل النَّار فاغتنم لذَلِك ثمَّ أَنه بعد سَاعَة أَو
стр. 86
ثَانِيه رَآهُ كَأَنَّهُ من أهل الْجنَّة فَقَالَ ألم تكن قلت انك من أهل النَّار قَالَ قد كَانَ ذَلِك إِلَّا أَنه دفن مَعنا رجل من الصَّالِحين فشفع فِي اربعين من جِيرَانه فَكنت أَنا مِنْهُم
قَالَ ابْن أَبى الدُّنْيَا وَحدثنَا أَحْمد بن يحيى قَالَ حَدَّثَنى بعض أَصْحَابنَا قَالَ مَاتَ أخى فرأيته فِي النّوم فَقلت مَا كَانَ حالك حِين وضعت فِي قبرك قَالَ أتانى آتٍ بشهاب من نَار فلولا أَن دَاعيا دَعَا لى لرأيت أَنه سيضربنى بِهِ
وَقَالَ عَمْرو بن جرير إِذا دَعَا العَبْد لِأَخِيهِ الْمَيِّت أَتَاهُ بهَا ملك إِلَى قَبره فَقَالَ يَا صَاحب الْقَبْر الْغَرِيب هَدِيَّة من أَخ عَلَيْك شفيق
وَقَالَ بشار بن غَالب رَأَيْت رَابِعَة فِي منامى وَكنت كثير الدُّعَاء لَهَا فَقَالَت لى يَا بشار بن غَالب هداياك تَأْتِينَا على أطباق من نور مخمرة بمناديل الْحَرِير قلت كَيفَ ذَلِك قَالَت هَكَذَا دُعَاء الْمُؤمنِينَ الاحياء إِذا دعوا للموتى اسْتُجِيبَ لَهُم وَاجعَل ذَلِك الدُّعَاء على أطباق النُّور وخمر بمناديل الْحَرِير ثمَّ أَتَى بهَا الذى دعى لَهُ من الْمَوْتَى فَقيل هَذِه هَدِيَّة فلَان إِلَيْك
قَالَ ابْن أَبى الدُّنْيَا وحدثنى أَبُو عبيد بن بحير قَالَ حَدَّثَنى بعض أَصْحَابنَا قَالَ رَأَيْت أَخا لى فِي النّوم بعد مَوته فَقلت أيصل إِلَيْكُم دُعَاء الْأَحْيَاء قَالَ أى وَالله يترفرف مثل النُّور ثمَّ يلْبسهُ
وسيأتى إِن شَاءَ الله تَعَالَى تَمام لهَذِهِ فِي جَوَاب السُّؤَال عَن انْتِفَاع الْأَمْوَات بِمَا تهديه إِلَيْهِم الْأَحْيَاء المسالة الْخَامِسَة عشرَة
وهى أَيْن مُسْتَقر الْأَرْوَاح مَا بَين الْمَوْت إِلَى الْقِيَامَة هَل هى فِي السَّمَاء أم فِي الأَرْض وَهل هِيَ فِي الْجنَّة أم لَا وَهل تودع فِي أجساد غير أجسادها الَّتِي كَانَت فِيهَا فتنعم وتعذب فِيهَا أم تكون مُجَرّدَة
هَذِه مسالة عَظِيمَة تكلم فِيهَا للنَّاس وَاخْتلفُوا فِيهَا وهى إِنَّمَا تتلقى من السّمع فَقَط وَاخْتلف فِي ذَلِك فَقَالَ قَائِلُونَ أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ عِنْد الله فِي الْجنَّة شُهَدَاء كَانُوا أم غير شُهَدَاء إِذا لم يحبسهم عَن الْجنَّة كَبِيرَة وَلَا دين وتلقاهم رَبهم بِالْعَفو عَنْهُم وَالرَّحْمَة لَهُم وَهَذَا مَذْهَب أَبى هُرَيْرَة وَعبد الله بن عمر رضى الله عَنْهُم
وَقَالَت طَائِفَة هم بِفنَاء الْجنَّة على بَابهَا يَأْتِيهم من روحها وَنَعِيمهَا وَرِزْقهَا
وَقَالَت طَائِفَة الْأَرْوَاح على افنية قبورها
стр. 87
وَقَالَ مَالك بلغنى أَن الرّوح مُرْسلَة تذْهب حَيْثُ شَاءَت
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة ابْنه عبد الله أَرْوَاح للْكفَّار فِي النَّار وأرواح الْمُؤمنِينَ فِي الْجنَّة
وَقَالَ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه وَقَالَ طَائِفَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ عِنْد الله وَلم يزِيدُوا على ذَلِك قَالَ روى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ بالجابية وأرواح الْكفَّار ببرهوت بِئْر بحضرموت
وَقَالَ صَفْوَان بن عَمْرو سَأَلت عَامر بن عبد الله أَبَا الْيَمَان هَل لأنفس الْمُؤمنِينَ مُجْتَمع فَقَالَ إِن الأَرْض الَّتِي يَقُول الله تَعَالَى ﴿وَلَقَد كتبنَا فِي الزبُور من بعد الذّكر أَن الأَرْض يَرِثهَا عبَادي الصالحون﴾ قَالَ هى الأَرْض الَّتِي يجْتَمع إِلَيْهَا أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ حَتَّى يكون الْبَعْث وَقَالُوا هى الأَرْض الَّتِي يُورثهَا الله الْمُؤمنِينَ فِي الدُّنْيَا وَقَالَ كَعْب أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ عليين فِي السَّمَاء السَّابِعَة وأرواح الْكفَّار فِي سِجِّين فِي الأَرْض السَّابِعَة تَحت جند إِبْلِيس
وَقَالَت طَائِفَة أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ ببئر زَمْزَم وأرواح الْكفَّار ببئر برهوت
وَقَالَ سلمَان الفارسى أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فِي برزخ من الأَرْض تذْهب حَيْثُ شَاءَت وأرواح الْكفَّار فِي سِجِّين وَفِي لفظ عَنهُ نسمَة الْمُؤمن تذْهب فِي الأَرْض حَيْثُ شَاءَت
وَقَالَت طَائِفَة أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ عَن يَمِين آدم وأرواح الْكفَّار عَن شِمَاله
وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى مِنْهُم ابْن حزم مستقرها حَيْثُ كَانَت قبل خلق أجسادها
وَقَالَ والذى نقُول بِهِ فِي مُسْتَقر الْأَرْوَاح هُوَ مَا قَالَه الله وَنبيه لَا نتعداه فَهُوَ الْبُرْهَان الْوَاضِح وَهُوَ أَن الله قَالَ وَإِذا أَخذ رَبك من بنى آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى شَهِدنَا أَن تَقولُوا يَوْم الْقِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غافلين وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد خَلَقْنَاكُمْ ثمَّ صورناكم ثمَّ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم﴾ فصح أَن الله تَعَالَى خلق الْأَرْوَاح جملَة وَكَذَلِكَ أخبر أَن الْأَرْوَاح جنود مجندة فَمَا تعارف مِنْهَا ائتلف وَمَا تناكر مِنْهَا اخْتلف وَأخذ الله عهدها وشهادتها لَهُ بالربوبية وهى مخلوقة مصورة عَاقِلَة قبل أَن يَأْمر الْمَلَائِكَة بِالسُّجُود لآدَم وَقبل أَن يدخلهَا فِي الأجساد والأجساد يَوْمئِذٍ تُرَاب وَمَاء ثمَّ أقرها حَيْثُ شَاءَ وَهُوَ البرزخ الذى ترجع إِلَيْهِ عِنْد الْمَوْت ثمَّ لَا يزَال يبْعَث مِنْهَا الْجُمْلَة بعد الْجُمْلَة فينفخها فِي الأجساد المتولدة من المنى إِلَى أَن قَالَ فصح أَن الْأَرْوَاح أجساد حاملة لأغراضها من التعارف والتناكر وَأَنَّهَا عارفة مُمَيزَة فيبلوهم الله فِي الدُّنْيَا كَمَا يَشَاء ثمَّ يتوفاها فَيرجع إِلَى
стр. 88
البرزخ الذى رَآهَا فِيهِ رَسُول الله لَيْلَة أسرى بِهِ عِنْد سَمَاء الدُّنْيَا أَرْوَاح أهل السَّعَادَة عَن يَمِين آدم وأرواح أهل الشقاوة عَن يسَاره وَذَلِكَ عِنْد مُنْقَطع العناصر ويعجل أَرْوَاح الْأَنْبِيَاء وَالشُّهَدَاء إِلَى الْجنَّة
قَالَ وَقد ذكر مُحَمَّد بن نصر المروزى عَن اسحاق بن رَاهَوَيْه أَنه ذكر هَذَا الذى قُلْنَا بِعَيْنِه قَالَ وعَلى هَذَا أجمع أهل الْعلم
قَالَ ابْن حزم وَهُوَ قَول جَمِيع أهل الْإِسْلَام قَالَ وَهَذَا هُوَ قَول الله تَعَالَى فأصحاب الميمنة مَا أَصْحَاب الميمنة وَأَصْحَاب المشئمة مَا أَصْحَاب المشئمة وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المقربون فِي جنَّات النَّعيم ثلة من الْأَوَّلين وَقَلِيل من الآخرين وَقَوله تَعَالَى ﴿فَأَما إِن كَانَ من المقربين فَروح وَرَيْحَان وجنة نعيم﴾ إِلَى خرها فَلَا تزَال الْأَرْوَاح هُنَالك حَتَّى يتم عدد الْأَرْوَاح إِلَى أجسادها ثَانِيَة وهى الْحَيَاة الثَّانِيَة يُحَاسب الْخلق فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير مخلدين ابدا انْتهى
وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي الْجنَّة وأرواح عَامَّة الْمُؤمنِينَ على أفنية قُبُورهم وَنحن نذْكر كَلَامه وَمَا احْتج بِهِ ونبين مَا فِيهِ
وَقَالَ ابْن الْمُبَارك عَن ابْن جريج فِيمَا قرىء عَلَيْهِ من مُجَاهِد لَيْسَ هى فِي الْجنَّة وَلَكِن يَأْكُلُون من ثمارها ويجدون رِيحهَا
وَذكر مُعَاوِيَة بن صَالح عَن سعيد بن سُوَيْد أَنه سَأَلَ ابْن شهَاب عَن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فَقَالَ بلغنى أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء كطير خضر معلقَة بالعرش تَغْدُو وَتَروح إِلَى رياض الْجنَّة تأتى رَبهَا فِي كل يَوْم تسلم عَلَيْهِ
وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر فِي شرح حَدِيث ابْن عمر أَن أحدكُم إِذا مَاتَ عرض عَلَيْهِ مَقْعَده بِالْغَدَاةِ والعشى إِن كَانَ من أهل الْجنَّة فَمن أهل الْجنَّة وَإِن كَانَ من أهل النَّار فَمن أهل النَّار يُقَال لَهُ هَذَا مَقْعَدك حَتَّى يَبْعَثك الله إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ وَقد اسْتدلَّ بِهِ من ذهب إِلَى أَن الْأَرْوَاح على أفنية الْقُبُور وَهُوَ أصح مَا ذهب اليه فِي ذَلِك وَالله أعلم لِأَن الْأَحَادِيث بذلك أحسن مجيئا وَأثبت نقلا من غَيرهَا
قَالَ وَالْمعْنَى أَنَّهَا قد تكون على أفنية قبورها لَا على أَنَّهَا تلْزم وَلَا تفارق أفنية الْقُبُور كَمَا قَالَ مَالك ﵀ أَنه بلغنَا أَن الْأَرْوَاح تسرح حَيْثُ شَاءَت
قَالَ وَعَن مُجَاهِد أَنه قَالَ الْأَرْوَاح على أفنية الْقُبُور سَبْعَة أَيَّام من يَوْم دفن الْمَيِّت لَا تفارق ذَلِك وَالله أعلم
стр. 89
وَقَالَت فرقة مستقرها الْعَدَم الْمَحْض وَهَذَا قَول من يَقُول ان النَّفس عرض من أَعْرَاض الْبدن كحياته وإدراكه فتعدم بِمَوْت الْبدن كَمَا تعدم سَائِر الْأَعْرَاض الْمَشْرُوطَة بحياته وَهَذَا قَول مُخَالف لنصوص الْقُرْآن وَالسّنة وَإِجْمَاع الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ كَمَا سنذكر ذَلِك إِن شَاءَ الله وَالْمَقْصُود أَن عِنْد هَذِه الْفرْقَة المبطلة ان مُسْتَقر الْأَرْوَاح بعد الْمَوْت الْعَدَم الْمَحْض
وَقَالَت فرقة مستقرها بعد الْمَوْت أَرْوَاح أخر تناسب أخلاقها وصفاتها الَّتِي اكتسبتها فِي حَال حَيَاتهَا فَتَصِير كل روح إِلَى بدن حَيَوَان يشاكل تِلْكَ الْأَرْوَاح فَتَصِير النَّفس السبعية إِلَى ابدان السبَاع والكلبية إِلَى أبدان الْبَهَائِم والدنية والسفلية إِلَى أبدان الحشرات وَهَذَا قَول المتناسخة منكرى الْمعَاد وَهُوَ قَول خَارج عَن أَقْوَال أهل الْإِسْلَام كلهم
فَهَذَا مَا تلخص لى من جمع أَقْوَال النَّاس فِي مصير أَرْوَاحهم بعد الْمَوْت وَلَا تظفر بِهِ مجموعا فِي كتاب وَاحِد غير هَذَا الْبَتَّةَ وَنحن نذْكر مَأْخَذ هَذِه الْأَقْوَال وَمَا لكل قَول وَمَا عَلَيْهِ وَمَا هُوَ الصَّوَاب من ذَلِك الذى دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة على طريقتنا الَّتِي من الله بهَا وَهُوَ مرجو الْإِعَانَة والتوفيق فصل
فَأَما من قَالَ هى فِي الْجنَّة فاحتج بقوله تَعَالَى ﴿فَأَما إِن كَانَ من المقربين فَروح وَرَيْحَان وجنة نعيم﴾ قَالَ وَهَذَا ذكره سُبْحَانَهُ عقيب ذكر خُرُوجهَا من الْبدن بِالْمَوْتِ وَقسم الْأَرْوَاح إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام مقربين وَأخْبر أَنَّهَا فِي جنَّة النَّعيم وَأَصْحَاب يَمِين حكم لَهَا بِالْإِسْلَامِ وَهُوَ يتَضَمَّن سلامتها من الْعَذَاب ومكذبة ضَالَّة وَأخْبر أَن لَهَا نزلا من حميم وتصلية جحيم قَالُوا وَهَذَا بعد مفارقتها للبدن قطعا وَقد ذكر سُبْحَانَهُ حَالهَا يَوْم الْقِيَامَة فِي أول السُّورَة فَذكر حَالهَا بعد الْمَوْت وَبعد الْبَعْث وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية فادخلي فِي عبَادي وادخلي جنتي﴾ وَقد قَالَ غير وَاحِد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ان هَذَا يُقَال لَهَا عِنْد خُرُوجهَا من الدُّنْيَا يبشرها الْملك بذلك وَلَا يُنَافِي ذَلِك قَول من قَالَ ان هَذَا يُقَال لَهَا فِي الْآخِرَة فانه يُقَال لَهَا عِنْد الْمَوْت وَعند الْبَعْث وَهَذِه من الْبُشْرَى الَّتِي قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين قَالُوا رَبنَا الله ثمَّ استقاموا تتنزل عَلَيْهِم الْمَلَائِكَة أَلا تخافوا وَلَا تحزنوا وَأَبْشِرُوا بِالْجنَّةِ الَّتِي كُنْتُم توعدون﴾ وَهَذَا التنزل يكون عِنْد الْمَوْت وَيكون فِي الْقَبْر وَيكون عِنْد الْبَعْث وَأول بِشَارَة الْآخِرَة عِنْد الْمَوْت
وَقد تقدم فِي حَدِيث الْبَراء بن عَازِب أَن الْملك يَقُول لَهَا عِنْد قبضهَا أبشرى بِروح وَرَيْحَان وَهَذَا من ريحَان الْجنَّة
стр. 90
وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن ابْن شهَاب عَن عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك أخبرهُ أَن أَبَاهُ كَعْب بن مَالك كَانَ يحدث أَن رَسُول الله قَالَ إِنَّمَا نسمَة الْمُؤمن طَائِر تعلق فِي شجر الْجنَّة حَتَّى يرجعه الله إِلَى حَيَاة يَوْم يَبْعَثهُ قَالَ أَبُو عمر وَفِي رِوَايَة مَالك هَذِه بَيَان سَماع الزهرى لهَذَا الحَدِيث من عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يُونُس عَن الزهرى قَالَ سَمِعت عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك يحدث عَن أَبِيه وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الأوزاعى عَن الزهرى حَدَّثَنى عبد الرَّحْمَن بن كَعْب وَقد أعل مُحَمَّد بن يحيى الذهلى هَذَا الحَدِيث بِأَن شُعَيْب بن أَبى حَمْزَة وَمُحَمّد بن أخى الزهرى وَصَالح بن كيسَان رَوَوْهُ عَن الزهرى عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن كَعْب بن مَالك عَن جده كَعْب فَيكون مُنْقَطِعًا وَقَالَ صَالح بن كيسَان عَن ابْن شهَاب عَن عبد الرَّحْمَن انه بلغه أَن كَعْبًا بن مَالك كَانَ يحدث قَالَ الذهلى وَهَذَا الْمَحْفُوظ عندنَا وَهُوَ الذى يُشبههُ حَدِيث صَالح وَشُعَيْب وَابْن أخى الزهرى وَخَالفهُ فِي هَذَا غَيره من الْحفاظ فحكموا لمَالِك والأوزاعى قَالَ أَبُو عمر فاتفق مَالك وَيُونُس بن يزِيد والأوزاعى والْحَارث بن فُضَيْل على رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن الزهرى عَن عبد الرَّحْمَن ابْن كَعْب بن مَالك عَن أَبِيه وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره
قَالَ أَبُو عمر وَلَا وَجه عندى لما قَالَه مُحَمَّد بن يحيى من ذَلِك وَلَا دَلِيل عَلَيْهِ واتفاق مَالك وَيُونُس بن زيد والأوزاعى وَمُحَمّد بن إِسْحَاق أولى بِالصَّوَابِ وَالنَّفس إِلَى قَوْلهم وروايتهم أسكن وهم من الْحِفْظ والاتقان بِحَيْثُ لَا يُقَاس بهم من خالفهم فِي هَذَا الحَدِيث انْتهى وَقد قَالَ مُحَمَّد الذهلى سَمِعت على بن المدينى يَقُول ولد كَعْب خَمْسَة عبد الله وَعبيد الله ومعبد وَعبد الرَّحْمَن وَمُحَمّد قَالَ الذهلى فَسمع الزهرى من عبد الله بن كَعْب وَكَانَ قَائِد أَبِيه حِين عمى وَسمع من عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن كَعْب وروى عَن بشير بن عبد الرَّحْمَن بن كَعْب وَلَا أرَاهُ سمع مِنْهُ انْتهى فَالْحَدِيث ان كَانَ لعبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه كَعْب كَمَا قَالَ مَالك وَمن مَعَه فَظَاهر وَإِن كَانَ لعبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن كَعْب عَن جده كَمَا قَالَ شُعَيْب وَمن مَعَه فنهايته أَن يكون مُرْسلا من هَذَا الطَّرِيق وموصولا من الْأُخْرَى وَالَّذين وصلوه لَيْسُوا بِدُونِ الَّذين أَرْسلُوهُ قدرا وَلَا عددا فَالْحَدِيث من صِحَاح الْأَحَادِيث وَإِنَّمَا لم يُخرجهُ صاحبا الصَّحِيح لهَذِهِ الْعلَّة وَالله أعلم
قَالَ أَبُو عَمْرو أما قَوْله نسمَة الْمُؤمن فالنسمة هَا هُنَا الرّوح يدل على ذَلِك قَوْله فِي الحَدِيث نَفسه حَتَّى يرجعه الله إِلَى جسده يَوْم يَبْعَثهُ وَقيل النَّسمَة الرّوح وَالنَّفس وَالْبدن وأصل هَذِه اللَّفْظَة اعنى النَّسمَة الانسان بِعَيْنِه وَإِنَّمَا قيل للروح نسمَة وَالله أعلم لِأَن حَيَاة الانسان بِرُوحِهِ وَإِذا فَارقه عدم أَو صَار كَالْمَعْدُومِ وَالدَّلِيل على أَن النَّسمَة الانسان قَوْله من أعتق نسمَة مُؤمنَة وَقَول على رضى الله عَنهُ والذى فلق الْحبَّة وبرأ النَّسمَة وَقَالَ الشَّاعِر
فأعظم مِنْك تقى فِي الْحساب ... إِذا النسمات نفضن الغبارا
стр. 91
يعْنى إِذا بعث النَّاس من قُبُورهم يَوْم الْقِيَامَة وَقَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد النَّسمَة الْإِنْسَان قَالَ والنسمة الرّوح والنسيم هبوب الرّيح وَقَوله تَعَالَى فِي شجر الْجنَّة يرْوى بِفَتْح اللَّام وَهُوَ الْأَكْثَر ويروى بِضَم اللَّام وَالْمعْنَى وَاحِد وَهُوَ الْأكل والرعى يَقُول تَأْكُل من ثمار الْجنَّة وتسرح بَين أشجارها والعلوقة والعلوق الْأكل والرعى تَقول الْعَرَب مَا ذاق الْيَوْم علوقا أى طَعَاما قَالَ الرّبيع بن زِيَاد يصف الْخَيل
ومجنبات مَا يذقن علوقة ... يمصعن بالمهرات والأمهار
وَقَالَ الْأَعْشَى
وفلاة كَأَنَّهَا ظهر ترس ... لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الرجيع علاق
قلت وَمِنْه قَول عَائِشَة وَالنِّسَاء إِذْ ذَاك خفاف لم يغشهن اللَّحْم إِنَّمَا يأكلن الْعلقَة من الطَّعَام وأصل اللَّفْظَة من التَّعَلُّق وَهُوَ مَا يعلق الْقلب وَالنَّفس من الْغذَاء
قَالَ وَاخْتلف الْعلمَاء فِي معنى هَذَا الحَدِيث فَقَالَ قَائِلُونَ مِنْهُم أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ عِنْد الله فِي الْجنَّة شُهَدَاء كَانُوا أم غير شُهَدَاء إِذا لم يحبسهم عَن الْجنَّة كَبِيرَة وَلَا دين وتلقاهم رَبهم بِالْعَفو عَنْهُم وَالرَّحْمَة لَهُم
قَالَ وَاحْتَجُّوا بِأَن هَذَا الحَدِيث لم يخص فِيهِ شَهِيدا من غير شَهِيد
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِمَا روى عَن أَبى هُرَيْرَة أَن أَرْوَاح الْأَبْرَار فِي عليين وأرواح الْفجار فِي سِجِّين وَعَن عبد الله بن عَمْرو مثل ذَلِك قَالَ أَبُو عمر وَهَذَا قَول يُعَارضهُ من السّنة مَا لَا مدفع فِي صِحَة نَقله وَهُوَ قَوْله إِذا مَاتَ أحدكُم عرض عَلَيْهِ مَقْعَده بِالْغَدَاةِ والعشى إِن كَانَ من أهل الْجنَّة فَمن أهل الْجنَّة وَإِن كَانَ من أهل النَّار فَمن أهل النَّار يُقَال لَهُ هَذَا مَقْعَدك حَتَّى يَبْعَثك الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة
وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّمَا معنى هَذَا الحَدِيث فِي الشُّهَدَاء دون غَيرهم لِأَن الْقُرْآن وَالسّنة إِنَّمَا يدلان على ذَلِك أما الْقُرْآن فَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ فرحين بِمَا آتَاهُم الله من فَضله﴾ الْآيَة
وَأما الْآثَار فَذكر حَدِيث أَبى سعيد الخدرى رضى الله عَنهُ من طَرِيق بقى بن مخلد مَرْفُوعا الشُّهَدَاء يَغْدُونَ وَيَرُوحُونَ ثمَّ يكون مأواهم إِلَى قناديل معلقَة بالعرش فَيَقُول لَهُم الرب ﵎ هَل تعلمُونَ كَرَامَة أفضل من كَرَامَة أكرمتكموها فَيَقُولُونَ لَا غير
стр. 92
أَنا وَدِدْنَا أَنَّك أعدت أَرْوَاحنَا فِي أَجْسَادنَا حَتَّى نُقَاتِل مرّة أُخْرَى فنقتل فِي سَبِيلك رَوَاهُ عَن هناد عَن اسماعيل بن الْمُخْتَار عَن عَطِيَّة عَنهُ
ثمَّ سَاق حَدِيث ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُول الله لما أُصِيب إخْوَانكُمْ يعْنى يَوْم أحد جعل الله أَرْوَاحهم فِي أَجْوَاف طير خضر ترد أَنهَار الْجنَّة وتأكل من ثمارها وتأوى إِلَى قناديل من ذهب مدلاة فِي ظلّ الْعَرْش فَلَمَّا وجدوا طيب مَأْكَلهمْ وَمَشْرَبهمْ وَمَقِيلهمْ قَالُوا من يبلغ إِخْوَاننَا أَنا أَحيَاء فِي الْجنَّة نرْزق لِئَلَّا ينكلُوا عَن الْحَرْب وَلَا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَاد قَالَ فَقَالَ الله أَنا أبلغهم عَنْكُم فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ﴾ والْحَدِيث فِي مُسْند أَحْمد وَسنَن أَبى دَاوُد
ثمَّ ذكر حَدِيث الْأَعْمَش عَن عبد الله بن مرّة عَن مَسْرُوق قَالَ سَأَلَ عِنْد الله بن مسود رضى الله عَنهُ عَن هَذِه الْآيَة ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ﴾ فَقَالَ أما أَنا قد سَأَلنَا عَن ذَلِك فَقَالَ أَرْوَاحهم فِي جَوف طير خضر تسرح فِي الْجنَّة فِي ايها شَاءَت ثمَّ تأوى إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيل فَاطلع اليهم رَبك إطلاعه فَقَالَ هَل تشتهون شَيْئا قَالُوا وأى شَيْء نشتهى وَنحن نَسْرَح من الْجنَّة حَيْثُ شِئْنَا فَفعل بهم ذَلِك ثَلَاث مَرَّات فَلَمَّا رَأَوْا أَنهم لم يتْركُوا من أَن يسْأَلُوا قَالُوا يَا رب نُرِيد أَن ترد أَرْوَاحنَا فِي أَجْسَادنَا حَتَّى نقْتل فِي سَبِيلك مرّة أُخْرَى فَلَمَّا رأى أَن لَيْسَ لَهُم حَاجَة تركُوا والْحَدِيث فِي صَحِيح مُسلم
قلت وَفِي صَحِيح البخارى عَن أنس أَن أم الرّبيع بنت الْبَراء وهى أم حَارِثَة بن سراقَة أَتَت النَّبِي فَقَالَت يَا نَبِي الله أَلا تحدثنى عَن حَارِثَة وَكَانَ قتل يود بدر أَصَابَهُ سهم غرب قان كَانَ فِي الْجنَّة صبرت وَإِن كَانَ فِي غير ذَلِك اجتهدت عَلَيْهِ فِي الْبكاء قَالَ يَا أم حَارِثَة إِنَّهَا جنان وَإِن ابْنك أصَاب الفردوس الْأَعْلَى
ثمَّ سَاق من طَرِيق بقى بن مخلد حَدثنَا يحيى بن عبد الحميد حَدثنَا ابْن عُيَيْنَة عَن عبيد الله ابْن أَبى يزِيد سمع ابْن عَبَّاس يَقُول أَرْوَاح الشُّهَدَاء تجول فِي أَجْوَاف طير خضر تعلق فِي تتمر الْجنَّة
ثمَّ ذكر عَن معمر عَن قَتَادَة قَالَ بلغنَا أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي صور طير بيض تَأْكُل من ثمار الْجنَّة
وَمن طَرِيق أَبى عَاصِم النَّبِيل عَن ثَوْر بن يزِيد عَن خَالِد بن معدان عَن عبد الله بن عَمْرو أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي طير كالزرازير يَتَعَارَفُونَ وَيُرْزَقُونَ من ثَمَر الْجنَّة
стр. 93
قَالَ أَبُو عمر هَذِه الْآثَار كلهَا تدل على أَنهم الشُّهَدَاء دون غَيرهم وَفِي بَعْضهَا فِي صور طير وَفِي بَعْضهَا فِي أَجْوَاف طير وَفِي بَعْضهَا كطير خضر قَالَ والذى يشبه عندى وَالله أعلم أَن يكون القَوْل قَول من قَالَ كطير أَو صور طير لمطابقته لحديثنا الْمَذْكُور يُرِيد حَدِيث كَعْب ابْن مَالك وَقَوله فِيهِ نسمَة الْمُؤمن كطائر وَلم يقل فِي جَوف طَائِر
قَالَ وروى عِيسَى بن يُونُس حَدِيث ابْن مَسْعُود عَن الْأَعْمَش عبد الله بن مرّة عَن مَسْرُوق عَن عبد الله كطير خضر
قلت والذى فِي صَحِيح مُسلم فِي أَجْوَاف طير خضر
قَالَ أَبُو عمر فعلى هَذَا التَّأْوِيل كَأَنَّهُ قَالَ إِنَّمَا نسمَة الْمُؤمن من الشُّهَدَاء طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة
قلت لَا تنَافِي بَين قَوْله نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة وَبَين قَوْله إِن أحدكُم إِذا مَاتَ عرض عَلَيْهِ مَقْعَده بِالْغَدَاةِ والعشى إِن كَانَ من أهل الْجنَّة فَمن أهل الْجنَّة وَإِن كَانَ من أهل النَّار فَمن أهل النَّار وَهَذَا الْخطاب يتَنَاوَل الْمَيِّت على فرَاشه والشهيد كَمَا أَن قَوْله نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة يتَنَاوَل الشَّهِيد وَغَيره وَمَعَ كَونه يعرض عَلَيْهِ مَقْعَده بِالْغَدَاةِ والعشى ترد روحه أَنهَار الْجنَّة وتأكل من ثمارها
وَأما المقعد الْخَاص بِهِ وَالْبَيْت الذى أعد لَهُ فانه إِنَّمَا يدْخلهُ يَوْم الْقِيَامَة وَيدل عَلَيْهِ أَن منَازِل الشُّهَدَاء ودورهم وقصورهم الَّتِي أعد الله لَهُم لَيست هِيَ تِلْكَ الْقَنَادِيل الَّتِي تأوى اليها أَرْوَاحهم فِي البرزخ قطعا فهم يرَوْنَ مَنَازِلهمْ ومقاعدهم من الْجنَّة وَيكون مستقرهم فِي تِلْكَ الْقَنَادِيل الْمُعَلقَة بالعرش فان الدُّخُول التَّام الْكَامِل إِنَّمَا يكون يَوْم الْقِيَامَة وَدخُول الْأَرْوَاح الْجنَّة فِي البرزخ أَمر دون ذَلِك
وَنَظِير هَذَا أهل الشَّقَاء تعرض أَرْوَاحهم على النَّار غدوا وعشيا فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة دخلُوا مَنَازِلهمْ ومقاعدهم الَّتِي كَانُوا يعرضون عَلَيْهَا فِي البرزخ فتنعم الْأَرْوَاح بِالْجنَّةِ فِي البرزخ شَيْء وتنعمها مَعَ الْأَبدَان يَوْم الْقِيَامَة بهَا شَيْء آخر فغذاه الرّوح من الْجنَّة فِي البرزخ دون غذائها مَعَ بدنهَا يَوْم الْبَعْث وَلِهَذَا قَالَ تعلق فِي شجر الْجنَّة أى تَأْكُل الْعلقَة وَقَامَ الْأكل وَالشرب واللبس والتمتع فَإِنَّمَا يكون إِذا ردَّتْ إِلَى أجسادها يَوْم الْقِيَامَة فَظهر أَنه لَا يُعَارض هَذَا القَوْل من السّنَن شَيْء وَإِنَّمَا تعاضده السّنة وتوافقه
وَأما قَول من قَالَ إِن حَدِيث كَعْب فِي الشُّهَدَاء دون غَيرهم فتخصيص لَيْسَ فِي اللَّفْظ مَا يدل عَلَيْهِ وَهُوَ حمل اللَّفْظ الْعَام على أقل مسمياته فَإِن الشُّهَدَاء بِالنِّسْبَةِ إِلَى عُمُوم الْمُؤمنِينَ
стр. 94
قَلِيل جدا وَالنَّبِيّ علق هَذَا الْجَزَاء بِوَصْف الْإِيمَان فَهُوَ الْمُقْتَضى لَهُ وَلم يعلقه بِوَصْف الشَّهَادَة أَلا ترى أَن الحكم الذى اخْتصَّ بِالشُّهَدَاءِ علق بِوَصْف الشَّهَادَة كَقَوْلِه فِي حَدِيث الْمِقْدَام بن معد يكرب للشهيد عِنْد الله سِتّ خِصَال يغْفر لَهُ فِي أول دفقة من دَمه وَيرى مَقْعَده من الْجنَّة ويحلى حلَّة الْإِيمَان ويزوج من الْحور الْعين ويجار من عَذَاب الْقَبْر ويأمن من الْفَزع الْأَكْبَر وَيُوضَع على رَأسه تَاج الْوَقار الياقوتة مِنْهُ خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ويزوج اثْنَتَيْنِ وَسبعين من الْحور الْعين ويشفع فِي سبعين إنْسَانا من أَقَاربه فَلَمَّا كَانَ هَذَا يخْتَص بالشهيد قَالَ إِن للشهيد وَلم يقل إِن لِلْمُؤمنِ وَكَذَلِكَ قَوْله فِي حَدِيث قيس الجذامى يعْطى الشَّهِيد سِتّ خِصَال وَكَذَلِكَ سَائِر الْأَحَادِيث والنصوص الَّتِي علق فِيهَا الْجَزَاء بِالشَّهَادَةِ
وَأما مَا علق فِيهِ الْجَزَاء بِالْإِيمَان فَإِنَّهُ يتَنَاوَل كل مُؤمن شَهِيدا كَانَ أَو غير شَهِيد
واما النُّصُوص والْآثَار الَّتِي ذكر فِي رزق الشُّهَدَاء وَكَون أَرْوَاحهم فِي الْجنَّة فَكلهَا حق وَهِي لَا تدل على انْتِفَاء دُخُول أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ الْجنَّة وَلَا سِيمَا الصديقين الَّذين هم أفضل من الشُّهَدَاء بِلَا نزاع بَين النَّاس فَيُقَال لهَؤُلَاء مَا تَقولُونَ فِي أَرْوَاح الصديقين هَل هى فِي الْجنَّة أم لَا
فَإِن قَالُوا أَنَّهَا فِي الْجنَّة وَلَا يسوغ لَهُم غير هَذَا القَوْل فَثَبت أَن هَذِه النُّصُوص لَا تدل على اخْتِصَاص أَرْوَاح الشُّهَدَاء بذلك وَإِن قَالُوا لَيست فِي الْجنَّة لَزِمَهُم من ذَلِك أَن تكون أَرْوَاح سَادَات الصَّحَابَة كابى بكر الصّديق وأبى بن كَعْب وَعبد الله بن مَسْعُود وأبى الدَّرْدَاء وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان وأشباههم رضى الله عَنْهُم لَيست فِي الْجنَّة وأرواح شُهَدَاء زَمَاننَا فِي الْجنَّة وَهَذَا مَعْلُوم الْبطلَان ضَرُورَة
فَإِن قيل فَإِن كَانَ هَذَا حكم يخْتَص بِالشُّهَدَاءِ فَمَا الْمُوجب لتخصيصهم بِالذكر فِي هَذِه النُّصُوص قلت التَّنْبِيه على فضل الشَّهَادَة وعلو درجتها وَأَن هَذَا مَضْمُون لأَهْلهَا وَلَا بُد وَأَن لَهُم مِنْهَا أوفر نصيب فَنصِيبهُمْ من هَذَا النَّعيم فِي البرزخ أكمل من نصيب غَيرهم من الْأَمْوَات على فراشهم وَإِن كَانَ الْمَيِّت على فرَاشه أَعلَى دَرَجَة مِنْهُم فَلهُ نعيم يخْتَص بِهِ لَا يُشَارِكهُ فِيهِ من هُوَ دونه
وَيدل على هَذَا أَن الله سُبْحَانَهُ جعل أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي أَجْوَاف اطير خضر فَإِنَّهُم لما بذلوا أنفسهم لله حَتَّى أتلفهَا أعداؤه فِيهِ أعاضهم مِنْهَا فِي البرزخ أبدانا خيرا مِنْهَا تكون فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَيكون نعيمها بِوَاسِطَة تِلْكَ الْأَبدَان أكمل من نعيم الْأَرْوَاح الْمُجَرَّدَة عَنْهَا وَلِهَذَا كَانَت نسمَة الْمُؤمن فِي صُورَة طير أَو كطير ونسمة الشَّهِيد فِي جَوف طير وَتَأمل لفظ الْحَدِيثين فانه قَالَ نسمَة الْمُؤمن طير فَهَذَا يعم الشَّهِيد وَغَيره ثمَّ خص للشهيد بِأَن قَالَ
стр. 95
هِيَ فِي جَوف طير وَمَعْلُوم أَنَّهَا إِذا كَانَت فِي جَوف طير صدق عَلَيْهَا أَنَّهَا طير فصلوات الله وَسَلَامه على من يصدق كَلَامه بعضه بَعْضًا وَيدل على أَنه حق من عِنْد الله وَهَذَا الْجمع أحسن من جمع أَبى عمر وترجيحه رِوَايَة من روى أَرْوَاحهم كطير خضر بل الرِّوَايَتَانِ حق وصواب فَهِيَ كطير خضر وَفِي أَجْوَاف طير خضر
فصل وَأما قَول مُجَاهِد لَيْسَ هِيَ فِي الْجنَّة وَلَكِن يَأْكُلُون من ثمارها ويجدون
رِيحهَا فقد يحْتَج لهَذَا القَوْل بِمَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث ابْن اسحق عَن عَاصِم بن عمر عَن مَحْمُود ابْن لبيد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الشُّهَدَاء على بارق نهر بِبَاب الْجنَّة فِي قبَّة خضراء يخرج عَلَيْهِم رزقهم من الْجنَّة بكرَة وَعَشِيَّة
وَهَذَا لَا يُنَافِي كَونهم فِي الْجنَّة فَإِن ذَلِك النَّهر من الْجنَّة ورزقهم يخرج عَلَيْهِم من الْجنَّة فهم فِي الْجنَّة وَإِن لم يصيروا إِلَى مَقَاعِدهمْ مِنْهَا فمجاهد نفي الدُّخُول الْكَامِل من كل وَجه وَالتَّعْبِير يقصر عَن الْإِحَاطَة بتمييز هَذَا وأكمل الْعبارَة ادلها على المُرَاد عبارَة رَسُول الله ثمَّ عبارَة أَصْحَابه وَكلما نزلت رَأَيْت الشِّفَاء وَالْهدى والنور وَكلما نزلت رَأَيْت الْحيرَة والدعاوى وَالْقَوْل بِلَا علم
قَالَ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه وروى مُوسَى بن عُبَيْدَة عَن عبد الله بن يزِيد عَن أم كَبْشَة بنت الْمَعْرُور قَالَت دخل علينا رَسُول الله فَسَأَلْنَاهُ عَن هَذِه الْأَرْوَاح فوصفها صفة أبكى أهل الْبَيْت فَقَالَ إِن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فِي حواصل الطير خضر ترعى فِي الْجنَّة وتأكل من ثمارها وتشرب من مَائِهَا وتأوى إِلَى قناديل من ذهب تَحت الْعَرْش يَقُولُونَ رَبنَا ألحق بِنَا إِخْوَاننَا وآتنا مَا وعدتنا وان أَرْوَاح الْكفَّار فِي حواصل طير سود تَأْكُل من النَّار وتشرب من النَّار وتأوى إِلَى جُحر فِي النَّار يَقُولُونَ رَبنَا لَا تلْحق بِنَا إِخْوَاننَا وَلَا تؤتنا مَا وعدتنا
وَقَالَ الطَّبَرَانِيّ حَدثنَا أَبُو زرْعَة الدِّمَشْقِي حَدثنَا عبد الله بن صَالح حَدثنِي مُعَاوِيَة ابْن صَالح عَن ضَمرَة بن حبيب قَالَ سُئِلَ النَّبِي عَن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فَقَالَ فِي طير خضر تسرح فِي الْجنَّة حَيْثُ شَاءَت قَالُوا يَا رَسُول الله وأرواح الْكفَّار قَالَ محبوسة فِي سِجِّين رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ عَن هِشَام بن يُونُس عَن عبد لله بن صَالح وَرَوَاهُ أَبُو الْمُغيرَة عَن أَبى بكر بن أَبى مَرْيَم عَن ضَمرَة بن حبيب
وَذكر أَبُو عبد الله بن مَنْدَه من حَدِيث غُنْجَار عَن الثورى عَن ثَوْر بن يزِيد عَن
стр. 96
خَالِد بن معدان عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ قَالَ رَسُول الله أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فِي طير خضر كالزرازير تَأْكُل من ثَمَر الْجنَّة وَرَوَاهُ غَيره مَوْقُوفا
وَذكر يزِيد الرقاشِي عَن أنس وَأَبُو عبد الله الشَّامي عَن تَمِيم الدارى عَن النَّبِي إِذا عرج ملك الْمَوْت بِروح الْمُؤمن إِلَى السَّمَاء استقبله جِبْرَائِيل فِي سبعين ألفا من الْمَلَائِكَة كل مِنْهُم يَأْتِيهِ بِبِشَارَة من السَّمَاء سوى بِشَارَة صَاحبه فَإِذا انتهي بِهِ إِلَى الْعَرْش خر سَاجِدا فَيَقُول الله لملك الْمَوْت انْطلق بِروح عبدى فضعه فِي سدر مخضود وطلح منضود وظل مَمْدُود وَمَاء مسكوب رَوَاهُ بكر بن خُنَيْس عَن ضرار بن عَمْرو عَن يزِيد وأبى عبد الله
فصل وَأما قَول من قَالَ الْأَرْوَاح على أفنية قبورها فان أَرَادَ أَن هَذَا
أَمر لَازم لَهَا لَا تفارق أفنية الْقُبُور أبدا فَهَذَا خطأ ترده نُصُوص الْكتاب وَالسّنة من وُجُوه كَثِيرَة قد ذكرنَا بَعْضهَا وَسَنذكر مِنْهَا مَا لم نذكرهُ إِن شَاءَ الله
وَإِن أَرَادَ أَنَّهَا تكون على أفنية الْقُبُور وقتا أَولهَا إشراف على قبورها وَهِي فِي مقرها فَهَذَا حق وَلَكِن لَا يُقَال مستقرها أفنية الْقُبُور
وَقد ذهب إِلَى هَذَا الْمَذْهَب جمَاعَة مِنْهُم أَبُو عمر بن عبد الْبر قَالَ فِي كِتَابه فِي شرح حَدِيث ابْن عمر إِن أحدكُم إِذا مَاتَ عرض عَلَيْهِ مَقْعَده بِالْغَدَاةِ والعشى وَقد استبدل بِهِ من ذهب إِلَى ان الْأَرْوَاح على أفنية الْقُبُور وَهُوَ أصح مَا ذهب إِلَيْهِ فِي ذَلِك من طَرِيق الْأَثر أَلا ترى أَن الْأَحَادِيث الدَّالَّة على ذَلِك ثَابِتَة متواترة وَكَذَلِكَ أَحَادِيث السَّلَام على الْقُبُور
قلت يُرِيد الْأَحَادِيث المتواترة مثل حَدِيث ابْن عمر هَذَا وَمثل حَدِيث الْبَراء ابْن عَازِب الَّذِي تقدم وَفِيه هَذَا مَقْعَدك حَتَّى يَبْعَثك الله يَوْم الْقِيَامَة وَمثل حَدِيث أنس أَن للْعَبد إِذا وضع فِي قَبره وَتَوَلَّى عَنهُ أَصْحَابه انه ليسمع قرع نعَالهمْ وَفِيه أَنه يرى مَقْعَده من الْجنَّة وَالنَّار وَأَنه يفسح لِلْمُؤمنِ فِي قَبره سبعين ذِرَاعا ويضيق على الْكَافِر وَمثل حَدِيث جَابر إِن هَذِه الْأمة تبلى فِي قبورها فَإِذا دخل الْمُؤمن من قَبره وَتَوَلَّى عَنهُ أَصْحَابه أَتَاهُ ملك الحَدِيث وَأَنه يرى مَقْعَده من الْجنَّة فَيَقُول دَعونِي أبشر أَهلِي فَيُقَال لَهُ أسكن فَهَذَا مَقْعَدك أبدا وَمثل سَائِر أَحَادِيث عَذَاب الْقَبْر ونعيمه الَّتِي تقدّمت وَمثل أَحَادِيث السَّلَام على أهل الْقُبُور وخطابهم ومعرفتهم بزيارة الْأَحْيَاء لَهُم وَقد تقدم ذكر ذَلِك كُله
وَهَذَا القَوْل ترده السّنة الصَّحِيحَة والْآثَار الَّتِي لَا مدفع لَهَا وَقد تقدم ذكرهَا وكل مَا ذكره
стр. 97
من الْأَدِلَّة فَهُوَ يتَنَاوَل الْأَرْوَاح الَّتِي هِيَ فِي الْجنَّة بِالنَّصِّ وَفِي الرفيق الْأَعْلَى وَقد بَينا أَن عرض مقْعد الْمَيِّت عَلَيْهِ من الْجنَّة وَالنَّار لَا يدل على أَن الرّوح فِي الْقَبْر وَلَا على فنائه دَائِما من جَمِيع الْوُجُوه بل لَهَا إشراف واتصال بالقبر وفنائه وَذَلِكَ الْقدر مِنْهَا يعرض عَلَيْهِ مَقْعَده فَإِن الرّوح شَأْنًا آخر تكون فِي الرفيق الْأَعْلَى فِي أَعلَى عليين وَلها اتِّصَال بِالْبدنِ بِحَيْثُ إِذا سلم الْمُسلم على الْمَيِّت رد الله عَلَيْهِ روحه فَيرد ﵇ وَهِي فِي الْمَلأ الْأَعْلَى وَإِنَّمَا يغلط أَكثر النَّاس فِي هَذَا الْموضع حَيْثُ يعْتَقد أَن الرّوح من جنس مَا يعْهَد من الْأَجْسَام الَّتِي إِذا شغلت مَكَانا لم يُمكن أَن تكون فِي غَيره وَهَذَا غلط مَحْض بل الرّوح تكون فَوق السَّمَوَات فِي أَعلَى عليين وَترد إِلَى الْقَبْر فَترد السَّلَام وَتعلم بِالْمُسلمِ وَهِي فِي مَكَانهَا هُنَاكَ وروح رَسُول الله فِي الرفيق الْأَعْلَى دَائِما ويردها الله سُبْحَانَهُ إِلَى الْقَبْر فَترد السَّلَام على من سلم عَلَيْهِ وَتسمع كَلَامه وَقد رأى رَسُول الله مُوسَى قَائِما يصلى فِي قبر وَرَآهُ فِي السَّمَاء السَّادِسَة وَالسَّابِعَة فإمَّا أَن تكون سريعة الْحَرَكَة والانتقال كلمح الْبَصَر وَإِمَّا أَن يكون الْمُتَّصِل مِنْهَا بالقبر وفنائه بِمَنْزِلَة شُعَاع الشَّمْس وجرمها فِي السَّمَاء وَقد ثَبت أَن روح النَّائِم تصعد حَتَّى تخترق السَّبع الطباق وتسجد لله بَين يَدي الْعَرْش ثمَّ ترد إِلَى جسده فِي أيسر زمَان وَكَذَلِكَ روح الْمَيِّت تصعد بهَا الْمَلَائِكَة حَتَّى تجَاوز السَّمَوَات السَّبع وتقف بَين يَدي الله فتسجد لَهُ وَيقْضى فِيهَا قَضَاء ويريها الْملك مَا أعد الله لَهَا فِي الْجنَّة ثمَّ تهبط فَتشهد غسله وَحمله وَدَفنه وَقد تقدم فِي حَدِيث الْبَراء بن عَازِب أَن النَّفس يصعد بهَا حَتَّى توقف بَين يَدي الله فَيَقُول تَعَالَى اكتبوا كتاب عبدى فِي عليين ثمَّ أعيدوه إِلَى الأَرْض فيعاد إِلَى الْقَبْر وَذَلِكَ فِي مِقْدَار تَجْهِيزه وتكفينه فقد صرح بِهِ فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس حَيْثُ قَالَ فيهبطون على قدر فَرَاغه من غسله وأكفانه فَيدْخلُونَ ذَلِك الرّوح بَين جسده وأكفانه
وَقد ذكر أَبُو عبد الله بن مَنْدَه من حَدِيث عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن حَدثنَا ابْن شهَاب حَدثنَا عَامر بن سعد عَن إِسْمَاعِيل بن طَلْحَة بن عبيد الله عَن أَبِيه قَالَ أردْت مَالِي بِالْغَابَةِ فأدركنى اللَّيْل فأويت إِلَى قبر عبد الله بن عمر بن حرَام فَسمِعت قِرَاءَة من الْقَبْر مَا سَمِعت أحسن مِنْهَا فَجئْت إِلَى رَسُول الله فَذكرت ذَلِك لَهُ فَقَالَ ذَلِك عبد الله ألم تعلم أَن الله قبض أَرْوَاحهم فَجَعلهَا فِي قناديل من زبرجد وَيَاقُوت ثمَّ علقها وسط الْجنَّة فَإِذا كَانَ اللَّيْل ردَّتْ إِلَيْهِم أَرْوَاحهم فَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى إِذا طلع الْفجْر ردَّتْ أَرْوَاحهم إِلَى مكانهم الَّذِي كَانَت بِهِ
فَفِي هَذَا الحَدِيث بَيَان سرعَة انْتِقَال أَرْوَاحهم من الْعَرْش إِلَى الثرى ثمَّ انتقالها من الثرى إِلَى مَكَانهَا وَلِهَذَا قَالَ مَالك وَغَيره من الْأَئِمَّة أَن الرّوح مُرْسلَة تذْهب حَيْثُ شَاءَت وَمَا
стр. 98
يرَاهُ النَّاس من أَرْوَاح الْمَوْتَى ومجيئهم إِلَيْهِم من الْمَكَان الْبعيد أَمر يُعلمهُ عَامَّة النَّاس وَلَا يَشكونَ فِيهِ وَالله أعلم
وَأما السَّلَام على أهل الْقُبُور وخطابهم فَلَا يدل على أَن أَرْوَاحهم لَيست فِي الْجنَّة وَأَنَّهَا على أفنية الْقُبُور فَهَذَا سيد ولد آدم الَّذِي روحه فِي أَعلَى عليين مَعَ الرفيق الْأَعْلَى عِنْد قَبره وَيرد سَلام الْمُسلم عَلَيْهِ وَقد وَافق أَبُو عمر ﵀ على أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي الْجنَّة وَيسلم عَلَيْهِم عِنْد قُبُورهم كَمَا يسلم على غَيرهم كَمَا علمنَا النَّبِي أَن نسلم عَلَيْهِم وكما كَانَ الصَّحَابَة يسلمُونَ على شُهَدَاء أحد وَقد ثَبت أَن أَرْوَاحهم فِي الْجنَّة تسرح حَيْثُ شَاءَت كَمَا تقدم وَلَا يضيق عقلك عَن كَون الرّوح فِي الْمَلأ الْأَعْلَى تسرح فِي الْجنَّة حَيْثُ شَاءَت وَتسمع سَلام الْمُسلم عَلَيْهَا عِنْد قبرها وتدنو حَتَّى ترد ﵇ وللروح شَأْن آخر غير شَأْن الْبدن وَهَذَا جِبْرِيل صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ رَآهُ النَّبِي وَله سِتّمائَة جنَاح مِنْهَا جَنَاحَانِ قد سد بهما مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب وَكَانَ من النَّبِي حَتَّى يضع رُكْبَتَيْهِ بَين رُكْبَتَيْهِ وَيَديه على فَخذيهِ وَمَا أَظُنك يَتَّسِع بظنك أَنه كَانَ حِينَئِذٍ فِي الْمَلأ الْأَعْلَى فَوق السَّمَوَات حَيْثُ هُوَ مستقره وَقد دنا من النَّبِي هَذَا الدنو فَإِن التَّصْدِيق بِهَذَا لَهُ قُلُوب خلقت لَهُ وأهلت لمعرفته وَمن لم يَتَّسِع بطانة لهَذَا فَهُوَ أضيق أَن يَتَّسِع للْإيمَان بالنزول الإلهي إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا كل لَيْلَة وَهُوَ فَوق سماواته على عَرْشه لَا يكون فَوْقه شَيْء الْبَتَّةَ بل هُوَ العالي على كل شَيْء وعلوه من لَوَازِم ذَاته وَكَذَلِكَ دنوه عَشِيَّة عَرَفَة من أهل الْموقف وَكَذَلِكَ مَجِيئه يَوْم الْقِيَامَة لمحاسبة خلقه وإشراق الأَرْض بنوره وَكَذَلِكَ مَجِيئه إِلَى الأَرْض حِين دحاها وسواها ومدها وبسطها وهيأها لما يُرَاد مِنْهَا وَكَذَلِكَ مَجِيئه يَوْم الْقِيَامَة حِين يقبض من عَلَيْهَا وَلَا يبْقى بهَا أحد كَمَا قَالَ النَّبِي فَأصْبح رَبك يطوف فِي الأَرْض وَقد خلت عَلَيْهِ الْبِلَاد هَذَا وَهُوَ فَوق سماواته على عَرْشه
فصل وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يعلم أَن مَا ذكرنَا من شَأْن الرّوح يخْتَلف بِحَسب
حَال الْأَرْوَاح من الْقُوَّة والضعف وَالْكبر والصغر فللروح الْعَظِيمَة الْكَبِيرَة من ذَلِك مَا لَيْسَ لمن هُوَ دونهَا وَأَنت ترى أَحْكَام الْأَرْوَاح فِي الدُّنْيَا كَيفَ تَتَفَاوَت أعظم تفَاوت بِحَسب تفارق الْأَرْوَاح فِي كيفياتها وقواها وإبطائها وإسراعها والمعاونة لَهَا فللروح الْمُطلقَة من أسر الْبدن وعلائقه وعوائقه من التَّصَرُّف وَالْقُوَّة والنفاذ والهمة وَسُرْعَة الصعُود إِلَى الله والتعلق بِاللَّه مَا لَيْسَ للروح المهينة المحبوسة فِي علائق الْبدن وعوائقه فَذا كَانَ هَذَا وَهِي محبوسة فِي بدنهَا فَكيف إِذا تجردت
стр. 99
وفارقته وَاجْتمعت فِيهَا قواها وَكَانَت فِي أصل شَأْنهَا روحا علية زكيه كَبِيرَة ذَات همة عالية فَهَذِهِ لَهَا بعد مُفَارقَة الْبدن شَأْن آخر وَفعل آخر
وَقد تَوَاتَرَتْ الرُّؤْيَا فِي أَصْنَاف بنى آدم على فعل الْأَرْوَاح بعد مَوتهَا مَا لَا تقدر على مثله حَال اتصالها بِالْبدنِ من هزيمَة الجيوش الْكَثِيرَة بِالْوَاحِدِ والاثنين وَالْعدَد الْقَلِيل وَنَحْو ذَلِك وَكم قد رئى النَّبِي وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر فِي النّوم قد هزمت أَرْوَاحهم عَسَاكِر الْكفْر وَالظُّلم فَإِذا بجيوشهم مغلوبة مَكْسُورَة مَعَ كَثْرَة عَددهمْ وعددهم وَضعف الْمُؤمنِينَ وقلتهم
وَمن الْعجب أَن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ المتحابين المتعارفين تتلاقى وَبَينهَا أعظم مَسَافَة وأبعدها فتتألم وتتعارف فَيعرف بَعْضهَا بَعْضًا كَأَنَّهُ جليسه وعشيرة فَإِذا رَآهُ طابق ذَلِك مَا كَانَ عَرفته روحه قبل رُؤْيَته
قَالَ عبد الله بن عَمْرو ان أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ تتلاقى على مسيرَة يَوْم وَمَا أرى أَحدهمَا صَاحبه قطّ وَرَفعه بَعضهم إِلَى النَّبِي
وَقَالَ عِكْرِمَة وَمُجاهد إِذا نَام الْإِنْسَان فان لَهُ سَببا يجرى فِيهِ الرّوح وَأَصله فِي الْجَسَد فتبلغ حَيْثُ شَاءَ الله مَا دَامَ ذَاهِبًا فالإنسان نَائِم فَإِذا رَجَعَ إِلَى الْبدن انتبه الْإِنْسَان وَكَانَ بِمَنْزِلَة شُعَاع الشَّمْس الَّذِي هُوَ سَاقِط بِالْأَرْضِ فأصله مُتَّصِل بالشمس وَقد ذكر أَبُو عبد الله بن مَنْدَه عَن بعض أهل الْعلم أَنه قَالَ إِن الرّوح يَمْتَد من منخر الْإِنْسَان ومركبه وَأَصله فِي بدنه فَلَو خرج الرّوح بِالْكُلِّيَّةِ لمات كَمَا أَن السراج لَو فرق بَينه وَبَين الفتيلة أَلا ترى أَن مركب النَّار فِي الفتيلة وضؤوها وشعاعها يمْلَأ الْبَيْت فَكَذَلِك الرّوح تمتد من منخر الْإِنْسَان فِي مَنَامه حَتَّى تأتى السَّمَاء وتجول فِي الْبلدَانِ وتلتقي مَعَ أَرْوَاح الْمَوْتَى فَإِذا أرَاهُ الْملك الْمُوكل بأرواح الْعباد مَا أحب أَن يرِيه وَكَانَ المرئي فِي الْيَقَظَة عَاقِلا ذكيا صَدُوقًا لَا يلْتَفت فِي يقظته إِلَى شَيْء من الْبَاطِل رَجَعَ إِلَيْهِ روحه فَأدى إِلَى قلبه الصدْق مِمَّا أرَاهُ الله على حسب خلقه وَإِن كَانَ خَفِيفا نزقا يحب الْبَاطِل وَالنَّظَر إِلَيْهِ فَإِذا نَام وَأرَاهُ الله أمرا من خيرا وَشر رجعت روحه إِلَيْهِ فَحَيْثُ مَا رَأْي شَيْئا من مخاريق الشَّيْطَان أَو الْبَاطِل وقفت روحه عَلَيْهِ كَمَا تقف فِي يقظته فَكَذَلِك لَا يُؤدى إِلَى قلبه فَلَا يعقل مَا رَأْي لِأَنَّهُ خلط الْحق بِالْبَاطِلِ فَلَا يُمكن معبر أَن يعبر لَهُ وَقد خلط الْحق بِالْبَاطِلِ
стр. 100
وَهَذَا من أحسن الْكَلَام وَهُوَ دَلِيل على معرفَة قَائِله وبصيرته بالأرواح وأحكامها
وَأَنت ترى الرجل يسمع الْعلم وَالْحكمَة وَمَا هُوَ أَنْفَع شَيْء لَهُ ثمَّ يمر بباطل وَلَهو من غناء أَو شُبْهَة أَو زور أَو غَيره فيصغي إِلَيْهِ وَيفتح لَهُ قلبه حَتَّى يتَأَدَّى إِلَيْهِ فيتخبط عَلَيْهِ ذَلِك الَّذِي سَمعه من الْعلم وَالْحكمَة ويلتبس عَلَيْهِ الْحق بِالْبَاطِلِ فَهَكَذَا شَأْن الْأَرْوَاح عِنْد النّوم وَأما بعد الْمُفَارقَة فَإِنَّهَا تعذب بِتِلْكَ الاعتقادات والشه الْبَاطِلَة الَّتِي كَانَت حظها حَال اتصالها بِالْبدنِ وينضاف إِلَى ذَلِك عَذَابهَا بِتِلْكَ الإرادات والشهوات الَّتِي حيل بَينهَا وَبَينهَا وينضاف إِلَى ذَلِك عَذَاب آخر ينشئه الله لَهَا ولبدنها من الْأَعْمَال الَّتِي اشتركت مَعَه فِيهَا وَهَذِه هِيَ الْمَعيشَة الضنك فِي البرزخ والزاد الَّذِي تزَود بِهِ إِلَيْهِ
وَالروح الزكيه العلوية المحقة الَّتِي لَا تحب الْبَاطِل وَلَا تألفه بضد ذَلِك كُله تنعم بِتِلْكَ الاعتقادات الصَّحِيحَة والعلوم والمعارف الَّتِي تلقتها من مشكاة النُّبُوَّة وَتلك الإرادات والهمم الزكية وينشئ الله سُبْحَانَهُ لَهَا من أَعمالهَا نعيما ينعمها بِهِ فِي البرزخ فَتَصِير لَهَا رَوْضَة من رياض الْجنَّة ولتلك حُفْرَة من حفر النَّار
فصل وَأما قَول من قَالَ أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ عِنْد الله تَعَالَى وَلم يزدْ على
ذَلِك فانه تأدب مَعَ لفظ الْقُرْآن حَيْثُ يَقُول الله ﴿بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ﴾
وَقد احْتج أَرْبَاب هَذَا القَوْل بحجج مِنْهَا مَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن إِسْحَاق الصغانى حَدثنَا يحيى بن أَبى بكير حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أَبى ذِئْب عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَطاء عَن سعيد بن يسَار عَن أَبى هُرَيْرَة عَن النَّبِي قَالَ إِن الْمَيِّت إِذا خرجت نَفسه يعرج بهَا إِلَى السَّمَاء حَتَّى يَنْتَهِي بهَا إِلَى السَّمَاء الَّتِي فِيهَا الله وَإِذا كَانَ الرجل السوء يعرج بهَا إِلَى السَّمَاء فانه لَا يفتح لَهَا أَبْوَاب السَّمَاء فترسل من السَّمَاء فَتَصِير إِلَى الْقَبْر
وَهَذَا إِسْنَاد لَا تسْأَل عَن صِحَّته وَهُوَ فِي مُسْنده أَحْمد وَغَيره
وَقَالَ أَبُو دَاوُد الطيالسى حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَاصِم بن بَهْدَلَة عَن أَبى وَائِل عَن مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَالَ تخرج روح الْمُؤمن أطيب من ريح الْمسك فتنطلق بهَا الْمَلَائِكَة من دون السَّمَاء فَيَقُولُونَ مَا هَذَا فَيَقُولُونَ هَذَا فلَان ابْن فلَان كَانَ يعْمل كَيْت وَكَيْت لمحاسن عمله فَيَقُولُونَ مرْحَبًا بكم وَبِه فيقبضونها مِنْهُم فيصعد بهَا من الْبَاب الَّذِي كَأَن يصعد مِنْهُ عمله فتشرق فِي السَّمَوَات وَلها برهَان برهَان كبرهان الشَّمْس حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى الْعَرْش وَأما الْكَافِر فَإِذا قبض انْطلق بِرُوحِهِ فَيَقُولُونَ مَا هَذَا فَيَقُولُونَ هَذَا فلَان ابْن فلَان كَانَ يعْمل كَيْت وَكَيْت لمساوى عمله فَيَقُولُونَ لَا مرْحَبًا لَا مرْحَبًا ردُّوهُ فَيرد إِلَى أَسْفَل الأَرْض إِلَى الثرى
стр. 101
وَقَالَ الملكي بن إِبْرَاهِيم عَن دَاوُد بن يزِيد الأودى قَالَ أرَاهُ عَن عَامر الشّعبِيّ عَن حُذَيْفَة ابْن الْيَمَان أَنه قَالَ الْأَرْوَاح مَوْقُوفَة عِنْد الرَّحْمَن تنْتَظر موعده حَتَّى ينْفخ فِيهَا
وَذكر سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مَنْصُور بن صَفِيَّة عَن أمه أَنه دخل ابْن عمر الْمَسْجِد بعد قتل ابْن الزبير وَهُوَ مصلوب فَأتى أَسمَاء يعزيها فَقَالَ لَهَا عَلَيْك بتقوى الله وَالصَّبْر فان هَذِه الجثث لَيست بِشَيْء وَإِنَّمَا الْأَرْوَاح عِنْد الله فَقَالَت وَمَا يَمْنعنِي من الصَّبْر وَقد أهْدى رَأس يحيى ابْن زَكَرِيَّا إِلَى بغى من بَغَايَا بنى إِسْرَائِيل
وَذكر جرير عَن الْأَعْمَش عَن شمر بن عَطِيَّة عَن هِلَال بن يسَاف قَالَ كُنَّا جُلُوسًا إِلَى كَعْب وَالربيع بن خَيْثَم وخَالِد بن عرْعرة فِي أنَاس فجَاء ابْن عَبَّاس فَقَالَ هَذَا ابْن عَم نَبِيكُم قَالَ فأوسع لَهُ فَجَلَسَ فَقَالَ يَا كَعْب كل مَا فِي الْقُرْآن قد عرفت غير أَرْبَعَة أَشْيَاء فَأَخْبرنِي عَنْهُن مَا سِجِّين وَمَا عليون وَمَا سِدْرَة المنتهي وَمَا قَول الله لإدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانا عليا﴾ قَالَ أما عليون فالسماء السَّابِعَة فِيهَا أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ وَأما سِجِّين فالأرض السَّابِعَة السُّفْلى وأرواح الْكفَّار تَحت جَسَد إِبْلِيس وَأما قَول الله سُبْحَانَهُ لإدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانا عليا﴾ فَأوحى الله إِلَيْهِ أَنى رَافع لَك كل يَوْم مثل أَعمال بنى آدم وكلم صديقا لَهُ من الْمَلَائِكَة أَن يكلم لَهُ ملك الْمَوْت فيؤخره حَتَّى يزْدَاد عملا فَحَمله بَين جناحيه فعرج بِهِ حَتَّى إِذا كَانَ فِي السَّمَاء الرَّابِعَة لقِيه ملك الْمَوْت فَكَلمهُ فِي حَاجته فَقَالَ وَأَيْنَ هُوَ قَالَ هُوَ ذَا بَين جناحي قَالَ فالعجب أَنى أمرت أَن أَقبض روحه فِي السَّمَاء الرَّابِعَة فَقبض روحه وَأما سِدْرَة المنتهي فَإِنَّهَا سِدْرَة على رُؤُوس حَملَة الْعَرْش يَنْتَهِي إِلَيْهَا علم الْخَلَائق ثمَّ لَيْسَ لأحد وَرَاءَهَا علم فَلذَلِك سميت سِدْرَة المنتهي
قَالَ ابْن مَنْدَه وَرَوَاهُ وهب بن جرير عَن أَبِيه وَرَوَاهُ يَعْقُوب القمى عَن شمر وَرَوَاهُ خَالِد بن عبد الله عَن الْعَوام بن حَوْشَب عَن الْقَاسِم بن عَوْف عَن الرّبيع بن خَيْثَم قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْد كَعْب فَذكره
وَذكر يعلى بن عبيد عَن الْأَجْلَح عَن الضَّحَّاك قَالَ إِذا قبض روح العَبْد الْمُؤمن عرج بِهِ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَينْطَلق مَعَه المقربون إِلَى السَّمَاء الثَّانِيَة ثمَّ الثَّالِثَة ثمَّ الرَّابِعَة ثمَّ الْخَامِسَة ثمَّ السَّادِسَة ثمَّ السَّابِعَة حَتَّى يَنْتَهِي بِهِ إِلَى سِدْرَة المنتهي قلت للضحاك لم سميت سِدْرَة المنتهي إِلَيْهَا كل شَيْء من أَمر الله لَا يعدوها فَيَقُول ربى عَبدك فلَان وَهُوَ أعلم بِهِ مِنْهُم فيبعث الله إِلَيْهِ بصك مختوم يُؤمنهُ من الْعَذَاب وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى كلا إِن كتاب الْأَبْرَار لفي عليين وَمَا أَدْرَاك مَا علييون كتاب مرقوم يشهده المقربون وَهَذَا القَوْل لَا يُنَافِي قَول من قَالَ
стр. 102
هم فِي الْجنَّة فَإِن الْجنَّة عِنْد سِدْرَة المنتهي وَالْجنَّة عِنْد الله وَكَأن قَائِله رَأْي أَن هَذِه الْعبارَة أسلم وأوفق وَقد أخبر الله سُبْحَانَهُ أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء عِنْده وَأخْبر النَّبِي أَنَّهَا تسرح فِي اللجنة حَيْثُ شَاءَت
فصل وَأما قَول من قَالَ إِن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ بالجابية وأرواح الْكفَّار
بحضرموت ببرهوت فَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم هَذَا من قَول الرافضة وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بل قد قَالَه جمَاعَة من أهل السّنة
وَقَالَ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه وروى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ أَن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ بالجابية ثمَّ قَالَ أخبرنَا مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن يُونُس حَدثنَا احْمَد بن عَاصِم حَدثنَا أَبُو دَاوُد سُلَيْمَان ابْن دَاوُد حَدثنَا همام حَدثنِي قَتَادَة حَدثنِي رجل عَن سعيد بن الْمسيب عَن عبد الله بن عَمْرو وَأَنه قَالَ إِن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ تَجْتَمِع بالجابية وان أَرْوَاح الْكفَّار تَجْتَمِع فِي سبخَة بحضرموت يُقَال لَهَا برهوت
ثمَّ سَاق من طَرِيق حَمَّاد بن سَلمَة عَن عبد الْجَلِيل بن عَطِيَّة عَن شهر بن حَوْشَب أَن كَعْبًا رأى عبد الله بن عَمْرو وَقد تكلب النَّاس عَلَيْهِ يسألونه فَقَالَ لرجل سَله أَيْن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ وأرواح الْكفَّار فَسَأَلَهُ فَقَالَ أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ بالجابية وأرواح الْكفَّار ببرهوت
قَالَ ابْن مَنْدَه وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره عَن عبد الْجَلِيل ثمَّ سَاق من حَدِيث سُفْيَان عَن فرات الْقَزاز عَن أَبى الطُّفَيْل عَن على قَالَ خير بِئْر فِي الأَرْض زَمْزَم وَشر بِئْر فِي الأَرْض برهوت فِي حَضرمَوْت وَخير وَاد فِي الأَرْض وَادي مَكَّة والوادي الَّذِي أهبط فِيهِ آدم بِالْهِنْدِ مِنْهُ طيبكم وَشر وَاد فِي الأَرْض الْأَحْقَاف وَهُوَ فِي حَضرمَوْت ترده أَرْوَاح الْكفَّار
قَالَ ابْن مَنْدَه وروى حَمَّاد بن سَلمَة عَن على بن زيد عَن يُوسُف بن مهْرَان عَن ابْن عَبَّاس عَن على أبْغض بقْعَة فِي الأَرْض وَاد بحضرموت يُقَال لَهُ برهوت فِيهِ أَرْوَاح الْكفَّار وَفِيه بِئْر مَاؤُهَا بِالنَّهَارِ أسود كَأَنَّهُ قيح تأوي إِلَيْهِ الْهَوَام
ثمَّ سَاق من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق القَاضِي حَدثنَا على بن عبد الله حَدثنَا سُفْيَان حَدثنَا إبان بن تغلب قَالَ قَالَ رجل بت فِيهِ يعْنى وَادي برهوت فَكَأَنَّمَا حشرت فِيهِ أصوات النَّاس وهم يَقُولُونَ يَا دومه يَا دومه قَالَ إبان فحدثنا رجل من أهل الْكتاب أَن دومة هُوَ الْملك الَّذِي على أَرْوَاح الْكفَّار
стр. 103
وَقَالَ سُفْيَان وَسَأَلنَا الحضرميين فَقَالُوا لَا يَسْتَطِيع أحد أَن يبيت فِيهِ بِاللَّيْلِ
فَهَذَا جملَة مَا عَلمته فِي هَذَا القَوْل فَإِن أَرَادَ عبد الله بن عَمْرو بالجابية التَّمْثِيل والتشبيه وَأَنَّهَا تجمع فِي مَكَان فسيح يشبه الجابيه لسعته وَطيب هوائه فَهَذَا قريب وَإِن أَرَادَ نفس الْجَابِيَة دون سَائِر الأَرْض فَهَذَا لَا يعلم إِلَّا بالتوقيت وَلَعَلَّه مِمَّا تَلقاهُ عَن بعض أهل الْكتاب
فصل وَأما قَول من قَالَ إِنَّهَا تَجْتَمِع فِي الأَرْض الَّتِي قَالَ الله فِيهَا
﴿وَلَقَد كتبنَا فِي الزبُور من بعد الذّكر أَن الأَرْض يَرِثهَا عبَادي الصالحون﴾ فَهَذَا إِن كَانَ قَالَه تَفْسِير الْآيَة فَلَيْسَ هُوَ تَفْسِيرا لَهَا
وَقد اخْتلف النَّاس فِي الأَرْض الْمَذْكُورَة هُنَا فَقَالَ سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس هِيَ أَرض الْجنَّة وَهَذَا قَول أَكثر الْمُفَسّرين وَعَن ابْن عَبَّاس قَول آخر أَنَّهَا الدُّنْيَا الَّتِي فتحهَا الله على أمة مُحَمَّد وَهَذَا القَوْل هُوَ الصَّحِيح وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى فِي سروة النُّور ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم﴾ وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي قَالَ زويت لي الأَرْض مشارقها وَمَغَارِبهَا وسيبلغ ملك أمتِي مَا زوى لي مِنْهَا
وَقَالَت طَائِفَة من الْمُفَسّرين المُرَاد بذلك أَرض بَيت الْمُقَدّس
وَهِي من الأَرْض الَّتِي أورثها الله عباده الصَّالِحين وَلَيْسَت الْآيَة مُخْتَصَّة بهَا
فصل وَأما قَول من قَالَ إِن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فِي عليين فِي السَّمَاء السَّابِعَة
وأرواح الْكفَّار فِي سِجِّين فِي الأَرْض السَّابِعَة فَهَذَا قَول قد قَالَه جمَاعَة من السّلف وَالْخلف وَيدل عَلَيْهِ قَول النَّبِي اللَّهُمَّ الرفيق الْأَعْلَى وَقد تقدم حَدِيث أَبى هُرَيْرَة أَن الْمَيِّت إِذا خرجت روحه عر ج بهَا إِلَى السَّمَاء حَتَّى يَنْتَهِي بهَا إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة الَّتِي فِيهَا الله وَتقدم قَول أَبى مُوسَى أَنَّهَا تصعد حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى الْعَرْش وَقَول حُذَيْفَة أَنَّهَا مَوْقُوفَة عِنْد الرَّحْمَن وَقَول عبد الله بن عمر إِن هَذِه الْأَرْوَاح عِنْد الله وَتقدم قَول النَّبِي أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء تأوي إِلَى قناديل تَحت الْعَرْش وَتقدم حَدِيث الْبَراء بن عَازِب أَنَّهَا تصعد من سَمَاء إِلَى سَمَاء ويشيعها من كل سَمَاء مقربوها حَتَّى يَنْتَهِي بهَا إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة وَفِي لفظ إِلَى السَّمَاء الَّتِي فِيهَا الله
وَلَكِن هَذَا لَا يدل على استقرارها هُنَاكَ بل يصعد بهَا إِلَى هُنَاكَ للعرض على رَبهَا فَيقْضى فِيهَا أمره وَيكْتب كِتَابه من أهل عليين أَو من أهل سِجِّين ثمَّ تعود إِلَى الْقَبْر للمسألة ثمَّ ترجع إِلَى مقرها الَّتِي أودعت فِيهِ فأرواح الْمُؤمنِينَ فِي عليين بِحَسب مَنَازِلهمْ وأرواح الْكفَّار فِي سِجِّين بِحَسب مَنَازِلهمْ
стр. 104
فصل وَأما قَول من قَالَ إِن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ تَجْتَمِع ببئر زَمْزَم فَلَا دَلِيل
على هَذَا القَوْل من كتاب وَلَا سنة يجب التَّسْلِيم لَهَا وَلَا قَول صَاحب يوثق بِهِ وَلَيْسَ بِصَحِيح فَإِن تِلْكَ الْبِئْر لَا تسع أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ جَمِيعهم وَهُوَ مُخَالف لما ثَبت بِهِ السّنة الصَّرِيحَة من أَن نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا من أبطل الْأَقْوَال وأفسدها وَهُوَ أفسد من قَول من قَالَ أَنَّهَا بالجابية فَإِن ذَلِك مَكَان متسع فضاء بِخِلَاف الْبِئْر الضيقة
فصل وَأما قَول من قَالَ إِن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فِي برزخ من الأَرْض تذْهب
حَيْثُ شَاءَت فَهَذَا مروى عَن سلمَان الْفَارِسِي والبرزخ هُوَ الحاجز بَين شَيْئَيْنِ وَكَأن سلمَان أَرَادَ بهَا فِي أَرض بَين الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مُرْسلَة هُنَاكَ تذْهب حَيْثُ شَاءَت وَهَذَا قَول قوى فَإِنَّهَا قد فَارَقت الدُّنْيَا وَلم تلج الْآخِرَة بل هِيَ فِي برزخ بَينهمَا فأرواح الْمُؤمنِينَ فِي برزخ وَاسع فِيهِ الرّوح وَالريحَان وَالنَّعِيم وأرواح الْكفَّار فِي برزخ ضيق فِيهِ الْغم وَالْعَذَاب قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن ورائهم برزخ إِلَى يَوْم يبعثون﴾ فالبرزخ هُنَا مَا بَين الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأَصله الحاجز بَين الشَّيْئَيْنِ
فصل وَأما قَول من قَالَ إِن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ عَن يَمِين آدم وأرواح الْكفَّار
عَن يسَاره فلعمر وَالله لقد قَالَ قولا يُؤَيّدهُ الحَدِيث الصَّحِيح وَهُوَ حَدِيث الْإِسْرَاء فان النَّبِي رَآهُمْ كَذَلِك وَلَكِن لَا يدل على تعادلهم فِي الْيَمين وَالشمَال بل يكون هَؤُلَاءِ عَن يَمِينه فِي الْعُلُوّ وَالسعَة وَهَؤُلَاء عَن يسَاره فِي السّفل والسجن
وَقد قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم ان ذَلِك البرزخ الَّذِي رَآهُ فِيهِ رَسُول الله لَيْلَة أسرى بِهِ عِنْد سَمَاء الدُّنْيَا قَالَ وَذَلِكَ عِنْد مُنْقَطع العناصر قَالَ وَهَذَا يدل على أَنَّهَا عِنْده تَحت السَّمَاء حَيْثُ تَنْقَطِع العناصر وَهِي المَاء وَالتُّرَاب وَالنَّار والهواء
وَهُوَ دَائِما يشنع على من قَالَ قولا لَا دَلِيل عَلَيْهِ فَأَي دَلِيل لَهُ على هَذَا القَوْل من كتاب وَسنة وَسَيَأْتِي إشباع الْكَلَام على قَوْله إِذا انتهينا إِلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فَإِن قيل فَإِذا كَانَت أَرْوَاح أهل السعاده عَن يَمِين آدم وآدَم فِي السَّمَاء الدُّنْيَا وَقد ثَبت أَن
стр. 105
أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي ظلّ الْعَرْش وَالْعرش فَوق السَّمَاء السَّابِعَة فَكيف تكون عَن يَمِينه وَكَيف يَرَاهَا النَّبِي هُنَاكَ فِي السَّمَاء الدُّنْيَا فَالْجَوَاب من وُجُوه
أَحدهَا أَنه لَا يمْتَنع كَونهَا عَن يَمِينه فِي جِهَة الْعُلُوّ كَمَا كَانَت أَرْوَاح الأشقياء عَن يسَاره فِي جِهَة السّفل
الثَّانِي أَنه غير مُمْتَنع أَن تعرض على النَّبِي فِي سَمَاء الدُّنْيَا وَإِن كَانَ مستقرها فَوق ذَلِك
الثَّالِث أَنه لم يخبر أَنه رأى أَرْوَاح السُّعَدَاء جَمِيعًا هُنَاكَ بل قَالَ فَإِذا عَن يَمِينه أَسْوِدَة وَعَن يسَاره أَسْوِدَة وَمَعْلُوم قطعا أَن روح إِبْرَاهِيم ومُوسَى فَوق ذَلِك فِي السَّمَاء السَّادِسَة وَالسَّابِعَة وَكَذَلِكَ الرفيق الْأَعْلَى أَرْوَاحهم فَوق ذَلِك وأرواح السُّعَدَاء بَعْضهَا أَعلَى من بعض بِحَسب مَنَازِلهمْ كَمَا أَن أَرْوَاح الْأَشْيَاء بَعْضهَا أَسْفَل من بعض بِحَسب مَنَازِلهمْ وَالله أعلم
فصل وَأما قَول أَبى مُحَمَّد بن حزم أَن مستقرها حَيْثُ كَانَت قبل خلق
أجسادها فَهَذَا بِنَاء مِنْهُ على مذْهبه الَّذِي اخْتَارَهُ وَهُوَ أَن الْأَرْوَاح مخلوقة قبل الأجساد وَهَذَا فِيهِ قَولَانِ للنَّاس وجمهورهم على أَن الْأَرْوَاح خلقت بعد الأجساد وَالَّذين قَالُوا أَنَّهَا خلقت قبل الأجساد لَيْسَ مَعَهم على ذَلِك دَلِيل من كتاب وَلَا سنة وَلَا إِجْمَاع إِلَّا مَا فهموه من نُصُوص لَا تدل على ذَلِك أَو أَحَادِيث لَا تصح كَمَا احْتج بِهِ أَبُو مُحَمَّد بن حزم من قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى شَهِدنَا﴾ الْآيَة وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَقَد خَلَقْنَاكُمْ ثمَّ صورناكم ثمَّ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم فسجدوا﴾ قَالَ فصح أَن الله خلق الْأَرْوَاح جملَة وَهِي الْأَنْفس وَكَذَلِكَ أخبر ﵇ أَن الْأَرْوَاح جنود مجندة فَمَا تعارف مِنْهَا ائتلف وَمَا تناكر مِنْهَا اخْتلف قَالَ وَأخذ عهدها وشهادتها وَهِي مخلوقة مصورة عَاقِلَة قبل أَن يَأْمر الْمَلَائِكَة بِالسُّجُود لآدَم وَقبل أَن يدخلهَا فِي الأجساد والأجساد يَوْمئِذٍ تُرَاب وَقَالَ لِأَن الله تَعَالَى خلق ذَلِك بِلَفْظَة ثمَّ الَّتِى توجب التعقيب والمهلة ثمَّ أقرها حَيْثُ شَاءَ وَهُوَ البرزخ الَّذِي ترجع إِلَيْهِ عِنْد الْمَوْت
وَسَنذكر مَا فِي هَذَا الِاسْتِدْلَال عِنْد جَوَاب سُؤال السَّائِل عَن الْأَرْوَاح هِيَ مخلوقة مَعَ الْأَبدَان أم قبلهَا إِذْ الْغَرَض هُنَا الْكَلَام على مُسْتَقر الْأَرْوَاح بعد الْمَوْت وَقَوله أَنَّهَا تَسْتَقِر فِي البرزخ الَّذِي كَانَت فِيهِ قبل خلق الأجساد مبْنى على هَذَا الِاعْتِقَاد الَّذِي اعتقده
стр. 106
وَقَوله أَن أَرْوَاح السُّعَدَاء عَن يَمِين آدم وأرواح الْكفَّار الأشقياء عَن يسَاره حق كَمَا أخبر بِهِ النَّبِي وَقَوله إِن ذَلِك عِنْد مُنْقَطع العناصر لَا دَلِيل عَلَيْهِ من كتاب وَلَا سنة وَلَا يشبه أَقْوَال أهل الْإِسْلَام وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة تدل على أَن الْأَرْوَاح فَوق العناصر فِي الْجنَّة عِنْد الله وأدلة الْقُرْآن تدل على ذَلِك وَقد وَافق أَبُو مُحَمَّد على أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي الْجنَّة وَمَعْلُوم أَن الصديقين أفضل مِنْهُم فَكيف تكون روح أَبى بكر الصّديق وَعبد الله بن مَسْعُود وأبى الدَّرْدَاء وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان وأشباههم رضى الله عَنْهُم عِنْد مُنْقَطع العناصر وَذَلِكَ تَحت هَذَا الْفلك الْأَدْنَى وَتَحْت السَّمَاء الدُّنْيَا وَتَكون أَرْوَاح شُهَدَاء زَمَاننَا وَغَيرهم فَوق العناصر وَفَوق السَّمَوَات
وَأما قَوْله قد ذكر مُحَمَّد بن نصر المروزى عَن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه أَنه ذكر هَذَا الَّذِي قُلْنَا بِعَيْنِه قَالَ وعَلى هَذَا جَمِيع أهل الْعلم وَهُوَ قَول جَمِيع أهل الْإِسْلَام
قلت مُحَمَّد بن نصر المروزى ذكر فِي كتاب الرَّد على ابْن قُتَيْبَة فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم﴾ الْآثَار الَّتِي ذكرهَا السّلف من اسْتِخْرَاج ذُرِّيَّة آدم من صلبه ثمَّ أَخذ الْمِيثَاق عَلَيْهِم وردهم فِي صلبه وَأَنه أخرجهم مثل الذَّر وَأَنه سُبْحَانَهُ قسمهم إِذْ ذَاك إِلَى شقي وَسَعِيد وَكتب آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وَمَا يصيبهم من خير وَشر ثمَّ قَالَ قَالَ إِسْحَاق أجمع أهل الْعلم أَنَّهَا الْأَرْوَاح قبل الأجساد استنطقهم ﴿وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى شَهِدنَا أَن تَقولُوا يَوْم الْقِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غافلين أَو تَقولُوا إِنَّمَا أشرك آبَاؤُنَا من قبل﴾ هَذَا نَص كَلَامه وَهُوَ كَمَا ترى لَا يدل على أَن مُسْتَقر الْأَرْوَاح مَا ذكر أَبُو مُحَمَّد حَيْثُ تَنْقَطِع العناصر بِوَجْه من الْوُجُوه بل وَلَا يدل على أَن الْأَرْوَاح كائنة قبل خلق الأجساد بل إِنَّمَا يدل على أَنه سُبْحَانَهُ أخرجهَا حِينَئِذٍ فخاطبها ثمَّ ردهَا إِلَى صلب آدم وَهَذَا القَوْل وَإِن كَانَ قد قَالَه جمَاعَة من السّلف وَالْخلف فَالْقَوْل الصَّحِيح غَيره كَمَا ستقف عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله إِذْ لَيْسَ الْغَرَض فِي جَوَاب هَذِه الْمَسْأَلَة الْكَلَام فِي الْأَرْوَاح هَل هِيَ مخلوقة قبل الأجساد أم لَا حَتَّى لَو سلم لأبى مُحَمَّد هَذَا كُله لم يكن فِيهِ دَلِيل على أَن مستقرها حَيْثُ تَنْقَطِع العناصر وَلَا أَن ذَلِك الْموضع كَانَ مستقرها أَولا
فصل وَأما قَول من قَالَ مستقرها الْعَدَم الْمَحْض فَهَذَا قَول من قَالَ إِنَّهَا
عرض من أَعْرَاض الْبدن وَهُوَ الْحَيَاة وَهَذَا قَول ابْن الباقلانى وَمن تبعه وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْهُذيْل العلاف النَّفس عرض من الْأَعْرَاض وَلم يُعينهُ بِأَنَّهُ الْحَيَاة كَمَا عينه ابْن الباقلانى ثمَّ قَالَ هِيَ عرض كَسَائِر أَعْرَاض الْجِسْم
стр. 107
وَهَؤُلَاء عِنْدهم أَن الْجِسْم إِذا مَاتَ عدمت روحه كَمَا تقدم وَسَائِر أعراضه الْمَشْرُوطَة بِالْحَيَاةِ وَمن يَقُول مِنْهُم أَن الْعرض لَا يبْقى زمانين كَمَا يَقُوله أَكثر الأشعرية فَمن قَوْلهم إِن روح الْإِنْسَان الْآن هِيَ غير روحه قبل وَهُوَ لَا يَنْفَكّ يحدث لَهُ روح ثمَّ تغير ثمَّ روح ثمَّ تغير هَكَذَا أبدا فيبدل لَهُ ألف روح فَأكْثر فِي مِقْدَار سَاعَة من الزَّمَان فَمَا دونهَا فَإِذا مَاتَ فَلَا روح تصعد إِلَى السَّمَاء وتعود إِلَى الْقَبْر وتقبضها الْمَلَائِكَة ويستفتحون لَهَا أَبْوَاب السَّمَوَات وَلَا تنعم وَلَا تعذب وَإِنَّمَا ينعم ويعذب الْجَسَد إِذا شَاءَ الله تنعيمه أَو تعذيبه رد إِلَيْهِ الْحَيَاة فِي وَقت يُرِيد نعيمه أَو عَذَابه وَإِلَّا فَلَا أَرْوَاح هُنَاكَ قَائِمَة بِنَفسِهَا الْبَتَّةَ
وَقَالَ بعض أَرْبَاب هَذَا القَوْل ترد الْحَيَاة إِلَى عجب الذَّنب فَهُوَ الَّذِي يعذب وينعم وَحسب
وَهَذَا قَول يردهُ الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الصَّحَابَة وأدلة الْعُقُول والفطن والفطرة وَهُوَ قَول من لم يعرف روحه فضلا عَن روح غَيره وَقد خَاطب الله سُبْحَانَهُ النَّفس بِالرُّجُوعِ وَالدُّخُول وَالْخُرُوج ودلت النُّصُوص الصَّحِيحَة للصريحة على أَنَّهَا تصعد وتنزل وتقبض وَتمسك وَترسل وتستفتح لَهَا أَبْوَاب السَّمَاء وتسجد وتتكلم وَأَنَّهَا تخرج تسيل كَمَا تسيل القطرة وتكفن وتحنط فِي أكفان الْجنَّة وَالنَّار وَأَن ملك الْمَوْت يَأْخُذهَا بِيَدِهِ ثمَّ تتناولها الْمَلَائِكَة من يَده ويشم لَهَا كأطيب نفحة مسك أَو أنتن جيفة وتشيع من سَمَاء إِلَى سَمَاء ثمَّ تُعَاد إِلَى الأَرْض مَعَ الْمَلَائِكَة وَأَنَّهَا إِذا خرجت تبعها الْبَصَر بِحَيْثُ يَرَاهَا وَهِي خَارِجَة وَدلّ الْقُرْآن على أَنَّهَا تنْتَقل من مَكَان إِلَى مَكَان حَتَّى تبلغ الْحُلْقُوم فِي حركتها وَجَمِيع مَا ذكرنَا من جمع الْأَدِلَّة الدَّالَّة على تلاقى الْأَرْوَاح وتعارفها وَأَنَّهَا أجناد مجندة إِلَى غير ذَلِك تبطل هَذَا القَوْل وَقد شَاهد النَّبِي الْأَرْوَاح لَيْلَة الْإِسْرَاء عَن يَمِين آدم وشماله وَأخْبر النَّبِي إِن نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة وَأَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي حواصل طير خضر وَأخْبر تَعَالَى عَن أَرْوَاح آل فِرْعَوْن أَنَّهَا تعرض على النَّار غدوا وعشيا
وَلما أورد ذَلِك على ابْن الباقلانى لج فِي الْجَواب وَقَالَ يخرج على هَذَا أحد وَجْهَيْن إِمَّا بِأَن يوضع عرض من الْحَيَاة فِي أول جُزْء من أَجزَاء الْجِسْم وَإِمَّا أَن يخلق لتِلْك الْحَيَاة وَالنَّعِيم وَالْعَذَاب جَسَد آخر
وَهَذَا قَول فِي غَايَة الْفساد من وُجُوه كَثِيرَة أَي قَول أفسد من قَول من يَجْعَل روح الْإِنْسَان عرضا من الْأَعْرَاض تتبدل كل سَاعَة الوفا من المرات فَإِذا فَارقه هَذَا الْعرض لم يكن بعد الْمُفَارقَة روح تنعم وَلَا تعذب وَلَا تصعد وَلَا تنزل وَلَا تمسك وَلَا ترسل فَهَذَا قَول
стр. 108
مُخَالف لِلْعَقْلِ ونصوص الْكتاب وَالسّنة والفطرة وَهُوَ قَول من لم يعرف نَفسه وَسَيَأْتِي ذكر الْوُجُوه الدَّالَّة على بطلَان هَذَا القَوْل فِي مَوْضِعه من هَذَا الْجَواب إِن شَاءَ الله وَهُوَ قَول لم يقل بِهِ أحد من سلف الْأمة وَلَا من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَلَا أَئِمَّة الْإِسْلَام
فصل وَأما قَول من قَالَ إِن مستقرها بعد الْمَوْت أبدان أخر غير هَذِه
الْأَبدَان فَهَذَا القَوْل فِيهِ حق وباطل
فَأَما الْحق فَمَا أخبر الصَّادِق المصدوق عَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء أَنَّهَا فِي حواصل طير خضر تأوي إِلَى قناديل معلقَة بالعرش هِيَ لَهَا كالأوكار للطائر وَقد صرح بذلك فِي قَوْله جعل الله أَرْوَاحهم فِي أَجْوَاف طير خضر
وَأما قَوْله نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة يحْتَمل أَن يكون هَذَا الطَّائِر مركبا للروح كالبدن لَهَا وَيكون ذَلِك لبَعض الْمُؤمنِينَ وَالشُّهَدَاء وَيحْتَمل أَن يكون الرّوح فِي صُورَة طَائِر وَهَذَا اخْتِيَار أَبى مُحَمَّد بن حزم وأبى عمر بن عبد الْبر وَقد تقدم كَلَام أَبى عمر وَالْكَلَام عَلَيْهِ وَأما ابْن حزم فانه قَالَ معنى قَوْله نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق هُوَ على ظَاهِرَة لَا على ظن أهل الْجَهْل وَإِنَّمَا أخبر أَن نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق بِمَعْنى أَنَّهَا تطير فِي الْجنَّة لَا أَنَّهَا تمسخ فى صُورَة الطير قَالَ فَإِن قيل إِن النَّسمَة مُؤَنّثَة قُلْنَا قد صَحَّ عَن عَرَبِيّ فصيح أَنه قَالَ أتتك كتابي فاستخففت بهَا فَقيل لَهُ أتؤنث الْكتاب قَالَ أوليس صحيفَة وَكَذَلِكَ النَّسمَة تذكر كَذَلِك قَالَ وَأما الزِّيَادَة الَّتِي فِيهَا أَنَّهَا فِي حواصل طير خضر فَإِنَّهَا صفة تِلْكَ الْقَنَادِيل الَّتِي تأوي إِلَيْهَا وَالْحَدِيثَانِ مَعًا حَدِيث وَاحِد وَهَذَا الَّذِي قَالَه فِي غَايَة الْفساد لفظا وَمعنى فَإِن حَدِيث نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة غير حَدِيث أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي حواصل طير خضر وَالَّذِي ذكره مُحْتَمل فِي الحَدِيث الأول وَأما الحَدِيث الثَّانِي فَلَا يحْتَملهُ بِوَجْه فَإِنَّهُ أخبر أَن أَرْوَاحهم فِي حواصل طير وَفِي لفظ فِي أَجْوَاف طير خضر وَفِي لفظ بيض وان تِلْكَ الطير تسرح فِي الْجنَّة فتأكل من ثمارها وتشرب من أنهارها ثمَّ تأوي إِلَى قناديل تَحت الْعَرْش هِيَ لَهَا كالأوكار للطائر وَقَوله ان حواصل تِلْكَ الطير هِيَ صفة الْقَنَادِيل الَّتِي تأوي إِلَيْهَا خطأ قطعا بل تِلْكَ الْقَنَادِيل مأوى لتِلْك الطير فهاهنا ثَلَاثَة أُمُور صرح بهَا الحَدِيث أَرْوَاح وطير هِيَ فِي أجوافها وقناديل هِيَ مأوى لتِلْك الطير والقناديل مُسْتَقِرَّة تَحت الْعَرْش لَا تسرح وَالطير تسرح وَتذهب وتجيء والأرواح فِي أجوافها
стр. 109
فَإِن قيل يحْتَمل أَن تجْعَل نَفسهَا فِي صُورَة طير لَا أَنَّهَا تركب فِي بدن طير كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك﴾ وَيدل عَلَيْهِ قَوْله فِي اللَّفْظ الآخر أَرْوَاحهم كطير خضر كَذَلِك رَوَاهُ ابْن أَبى شيبَة حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن عبد الله بن مرّة عَن مَسْرُوق عَن عبد الله
قَالَ أَبُو عمر وَالَّذِي يشبه عِنْدِي وَالله أعلم أَن يكون القَوْل قَول من قَالَ كطير أَو صُورَة طير لمطابقته لحديثنا الْمَذْكُور يعْنى حَدِيث كَعْب بن مَالك فِي نسمَة الْمُؤمن
فَالْجَوَاب أَن هَذَا الحَدِيث قد روى بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ وَالَّذِي رَوَاهُ مُسلم فِي الصَّحِيح من حَدِيث الْأَعْمَش عَن مَسْرُوق فَلم يخْتَلف حَدِيثهمَا أَنَّهَا فِي أَجْوَاف طير خضر
وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَقَالَ عُثْمَان بن أَبى شيبَة حَدثنَا عبد الله بن إِدْرِيس عَن مُحَمَّد ابْن إِسْحَاق عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله لما أُصِيب إخْوَانكُمْ يعْنى يَوْم أحد جعل الله أَرْوَاحهم فِي أَجْوَاف طير خضر ترد أَنهَار الْجنَّة وتأكل من ثمارها وتأوى إِلَى قناديل من ذهب مدلاة فِي ظلّ الْعَرْش فَلَمَّا وجدوا طيب مَأْكَلهمْ وَمَشْرَبهمْ وَمَقِيلهمْ قَالُوا من يبلغ إِخْوَاننَا عَنَّا أَنا أَحيَاء فِي الْجنَّة نرْزق لِئَلَّا ينكلُوا عَن الْحَرْب وَلَا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَاد فَقَالَ الله تَعَالَى أَنا أبلغهم عَنْكُم فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ﴾
وَأما حَدِيث كَعْب بن مَالك فَهُوَ فِي السّنَن الْأَرْبَعَة ومسند أَحْمد وَلَفظه لِلتِّرْمِذِي أَن رَسُول الله قَالَ إِن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي طير خضر تعلق من ثَمَر الْجنَّة أَو شجر الْجنَّة قَالَ الترمذى هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وَلَا مَحْذُور فِي هَذَا وَلَا يبطل قَاعِدَة من قَوَاعِد الشَّرْع وَلَا يُخَالف نصا من كتاب وَلَا سنة عَن رَسُول الله بل هَذَا من تَمام إكرام الله للشهداء أَن أعاضهم من أبدانهم الَّتِي مزقوها لله أبدانا خيرا مِنْهَا تكون مركبا لأرواحهم ليحصل بهَا كَمَال تنعمهم فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة رد أَرْوَاحهم إِلَى تِلْكَ الْأَبدَان الَّتِي كَانَت فِيهَا فِي الدُّنْيَا
стр. 110
فان قيل فَهَذَا هُوَ القَوْل بالتناسخ وحلول الْأَرْوَاح فِي أبدان غير أبدانها الَّتِي كَانَت فِيهَا
قيل هَذَا الْمَعْنى الَّذِي دلّت عَلَيْهِ السّنة الصَّرِيحَة حق يجب اعْتِقَاده وَلَا يُبطلهُ تسميه الْمُسَمّى لَهُ تناسخا كَمَا أَن إِثْبَات مَا دلّ عَلَيْهِ الْعقل وَالنَّقْل من صِفَات الله وحقائق أَسْمَائِهِ الْحسنى حق لَا يُبطلهُ تَسْمِيَة المعطلين لَهَا تركيبا وتجسيما وَكَذَلِكَ مَا دلّ عَلَيْهِ الْعقل وَالنَّقْل من إِثْبَات أَفعاله وَكَلَامه بمشيئته ونزوله كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا ومجيئه يَوْم الْقِيَامَة للفصل بَين عباده حق لَا يُبطلهُ تَسْمِيَة المعطلين لَهُ حُلُول حوادث كَمَا أَن مَا دلّ عَلَيْهِ الْعقل وَالنَّقْل من علو الله على خلقه ومباينته لَهُم واستوائه على عَرْشه وعروج الْمَلَائِكَة وَالروح إِلَيْهِ ونزولها من عِنْده وصعود الْكَلم الطّيب إِلَيْهِ وعروج رَسُوله إِلَيْهِ ودنوه مِنْهُ حَتَّى صَار قاب قوسين أَو أدنى وَغير ذَلِك من الْأَدِلَّة حق لَا يُبطلهُ تَسْمِيَة الْجَهْمِية لَهُ حيزا وجهة وتجسيما
قَالَ الإِمَام أَحْمد لَا نزيل عَن الله صفة من صِفَاته لأجل شناعة المشنعين فان هَذَا شَأْن أهل الْبدع يلقبون أهل السّنة وأقوالها بِالْأَلْقَابِ الَّتِي ينفرون مِنْهُ الْجُهَّال ويسمونها حَشْوًا وتركيبا وتجسيما ويسمون عرش الرب ﵎ حيزا وجهة ليتوصلوا بذلك إِلَى نفي علوه على خلقه واستوائه على عَرْشه كَمَا تسمى الرافضة مُوالَاة أَصْحَاب رَسُول الله كلهم ومحبتهم وَالدُّعَاء لَهُم نصا وكما تسمى الْقَدَرِيَّة الْمَجُوسِيَّة إِثْبَات الْقدر جبرا فَلَيْسَ الشَّأْن فِي الألقاب وَإِنَّمَا الشَّأْن فِي الْحَقَائِق وَالْمَقْصُود أَن تَسْمِيَة مَا دلّت عَلَيْهِ الصَّرِيحَة من جعل أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي أَجْوَاف طير خضر تناسخا لَا يبطل هَذَا الْمَعْنى وَإِنَّمَا التناسخ الْبَاطِل مَا تَقوله أَعدَاء الرُّسُل من الْمَلَاحِدَة وَغَيرهم الَّذين يُنكرُونَ الْمعَاد أَن الْأَرْوَاح تصير بعد مُفَارقَة الْأَبدَان إِلَى أَجنَاس الْحَيَوَان والحشرات والطيور الَّتِي تناسبها وتشاكلها فَإِذا فَارَقت هَذِه الْأَبدَان انْتَقَلت إِلَى أبدان تِلْكَ الْحَيَوَانَات فتنعم فِيهَا أَو تعذب ثمَّ تفارقها وَتحل فِي أبدان أخر تناسب أَعمالهَا وأخلاقها وَهَكَذَا أبدا فَهَذَا معادها عِنْدهم وَنَعِيمهَا وعذابها لَا معاد لَهَا عِنْدهم غير ذَلِك فَهَذَا هُوَ التناسخ الْبَاطِل الْمُخَالف لما اتّفقت عَلَيْهِ الرُّسُل والأنبياء من أَوَّلهمْ إِلَى آخِرهم وَهُوَ كفر بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَهَذِه الطَّائِفَة يَقُولُونَ أَن مُسْتَقر الْأَرْوَاح بعد الْمُفَارقَة أبدان الْحَيَوَانَات الَّتِي تناسبها وَهُوَ ابطل قَول وأخبثه ويليه قَول من قَالَ إِن الْأَرْوَاح تعدم جملَة بِالْمَوْتِ وَلَا تبقى هُنَاكَ روح تنعم وَلَا تعذب بل النَّعيم وَالْعَذَاب يَقع على أَجزَاء الْجَسَد أَو جُزْء مِنْهُ أما عجب أَو غَيره فيخلق الله فِيهِ الْأَلَم واللذة أما بِوَاسِطَة رد الْحَيَاة
следующие страницы →