← Акыда

Акыда · id 6462

الروح - ابن القيم - ط العلمية

ابن القيم

Полный текст (263 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَقَوله أَن أَرْوَاح السُّعَدَاء عَن يَمِين آدم وأرواح الْكفَّار الأشقياء عَن يسَاره حق كَمَا أخبر بِهِ النَّبِي وَقَوله إِن ذَلِك عِنْد مُنْقَطع العناصر لَا دَلِيل عَلَيْهِ من كتاب وَلَا سنة وَلَا يشبه أَقْوَال أهل الْإِسْلَام وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة تدل على أَن الْأَرْوَاح فَوق العناصر فِي الْجنَّة عِنْد الله وأدلة الْقُرْآن تدل على ذَلِك وَقد وَافق أَبُو مُحَمَّد على أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي الْجنَّة وَمَعْلُوم أَن الصديقين أفضل مِنْهُم فَكيف تكون روح أَبى بكر الصّديق وَعبد الله بن مَسْعُود وأبى الدَّرْدَاء وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان وأشباههم رضى الله عَنْهُم عِنْد مُنْقَطع العناصر وَذَلِكَ تَحت هَذَا الْفلك الْأَدْنَى وَتَحْت السَّمَاء الدُّنْيَا وَتَكون أَرْوَاح شُهَدَاء زَمَاننَا وَغَيرهم فَوق العناصر وَفَوق السَّمَوَات وَأما قَوْله قد ذكر مُحَمَّد بن نصر المروزى عَن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه أَنه ذكر هَذَا الَّذِي قُلْنَا بِعَيْنِه قَالَ وعَلى هَذَا جَمِيع أهل الْعلم وَهُوَ قَول جَمِيع أهل الْإِسْلَام قلت مُحَمَّد بن نصر المروزى ذكر فِي كتاب الرَّد على ابْن قُتَيْبَة فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم﴾ الْآثَار الَّتِي ذكرهَا السّلف من اسْتِخْرَاج ذُرِّيَّة آدم من صلبه ثمَّ أَخذ الْمِيثَاق عَلَيْهِم وردهم فِي صلبه وَأَنه أخرجهم مثل الذَّر وَأَنه سُبْحَانَهُ قسمهم إِذْ ذَاك إِلَى شقي وَسَعِيد وَكتب آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وَمَا يصيبهم من خير وَشر ثمَّ قَالَ قَالَ إِسْحَاق أجمع أهل الْعلم أَنَّهَا الْأَرْوَاح قبل الأجساد استنطقهم ﴿وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى شَهِدنَا أَن تَقولُوا يَوْم الْقِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غافلين أَو تَقولُوا إِنَّمَا أشرك آبَاؤُنَا من قبل﴾ هَذَا نَص كَلَامه وَهُوَ كَمَا ترى لَا يدل على أَن مُسْتَقر الْأَرْوَاح مَا ذكر أَبُو مُحَمَّد حَيْثُ تَنْقَطِع العناصر بِوَجْه من الْوُجُوه بل وَلَا يدل على أَن الْأَرْوَاح كائنة قبل خلق الأجساد بل إِنَّمَا يدل على أَنه سُبْحَانَهُ أخرجهَا حِينَئِذٍ فخاطبها ثمَّ ردهَا إِلَى صلب آدم وَهَذَا القَوْل وَإِن كَانَ قد قَالَه جمَاعَة من السّلف وَالْخلف فَالْقَوْل الصَّحِيح غَيره كَمَا ستقف عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله إِذْ لَيْسَ الْغَرَض فِي جَوَاب هَذِه الْمَسْأَلَة الْكَلَام فِي الْأَرْوَاح هَل هِيَ مخلوقة قبل الأجساد أم لَا حَتَّى لَو سلم لأبى مُحَمَّد هَذَا كُله لم يكن فِيهِ دَلِيل على أَن مستقرها حَيْثُ تَنْقَطِع العناصر وَلَا أَن ذَلِك الْموضع كَانَ مستقرها أَولا فصل وَأما قَول من قَالَ مستقرها الْعَدَم الْمَحْض فَهَذَا قَول من قَالَ إِنَّهَا عرض من أَعْرَاض الْبدن وَهُوَ الْحَيَاة وَهَذَا قَول ابْن الباقلانى وَمن تبعه وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْهُذيْل العلاف النَّفس عرض من الْأَعْرَاض وَلم يُعينهُ بِأَنَّهُ الْحَيَاة كَمَا عينه ابْن الباقلانى ثمَّ قَالَ هِيَ عرض كَسَائِر أَعْرَاض الْجِسْم

стр. 107

وَهَؤُلَاء عِنْدهم أَن الْجِسْم إِذا مَاتَ عدمت روحه كَمَا تقدم وَسَائِر أعراضه الْمَشْرُوطَة بِالْحَيَاةِ وَمن يَقُول مِنْهُم أَن الْعرض لَا يبْقى زمانين كَمَا يَقُوله أَكثر الأشعرية فَمن قَوْلهم إِن روح الْإِنْسَان الْآن هِيَ غير روحه قبل وَهُوَ لَا يَنْفَكّ يحدث لَهُ روح ثمَّ تغير ثمَّ روح ثمَّ تغير هَكَذَا أبدا فيبدل لَهُ ألف روح فَأكْثر فِي مِقْدَار سَاعَة من الزَّمَان فَمَا دونهَا فَإِذا مَاتَ فَلَا روح تصعد إِلَى السَّمَاء وتعود إِلَى الْقَبْر وتقبضها الْمَلَائِكَة ويستفتحون لَهَا أَبْوَاب السَّمَوَات وَلَا تنعم وَلَا تعذب وَإِنَّمَا ينعم ويعذب الْجَسَد إِذا شَاءَ الله تنعيمه أَو تعذيبه رد إِلَيْهِ الْحَيَاة فِي وَقت يُرِيد نعيمه أَو عَذَابه وَإِلَّا فَلَا أَرْوَاح هُنَاكَ قَائِمَة بِنَفسِهَا الْبَتَّةَ وَقَالَ بعض أَرْبَاب هَذَا القَوْل ترد الْحَيَاة إِلَى عجب الذَّنب فَهُوَ الَّذِي يعذب وينعم وَحسب وَهَذَا قَول يردهُ الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الصَّحَابَة وأدلة الْعُقُول والفطن والفطرة وَهُوَ قَول من لم يعرف روحه فضلا عَن روح غَيره وَقد خَاطب الله سُبْحَانَهُ النَّفس بِالرُّجُوعِ وَالدُّخُول وَالْخُرُوج ودلت النُّصُوص الصَّحِيحَة للصريحة على أَنَّهَا تصعد وتنزل وتقبض وَتمسك وَترسل وتستفتح لَهَا أَبْوَاب السَّمَاء وتسجد وتتكلم وَأَنَّهَا تخرج تسيل كَمَا تسيل القطرة وتكفن وتحنط فِي أكفان الْجنَّة وَالنَّار وَأَن ملك الْمَوْت يَأْخُذهَا بِيَدِهِ ثمَّ تتناولها الْمَلَائِكَة من يَده ويشم لَهَا كأطيب نفحة مسك أَو أنتن جيفة وتشيع من سَمَاء إِلَى سَمَاء ثمَّ تُعَاد إِلَى الأَرْض مَعَ الْمَلَائِكَة وَأَنَّهَا إِذا خرجت تبعها الْبَصَر بِحَيْثُ يَرَاهَا وَهِي خَارِجَة وَدلّ الْقُرْآن على أَنَّهَا تنْتَقل من مَكَان إِلَى مَكَان حَتَّى تبلغ الْحُلْقُوم فِي حركتها وَجَمِيع مَا ذكرنَا من جمع الْأَدِلَّة الدَّالَّة على تلاقى الْأَرْوَاح وتعارفها وَأَنَّهَا أجناد مجندة إِلَى غير ذَلِك تبطل هَذَا القَوْل وَقد شَاهد النَّبِي الْأَرْوَاح لَيْلَة الْإِسْرَاء عَن يَمِين آدم وشماله وَأخْبر النَّبِي إِن نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة وَأَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي حواصل طير خضر وَأخْبر تَعَالَى عَن أَرْوَاح آل فِرْعَوْن أَنَّهَا تعرض على النَّار غدوا وعشيا وَلما أورد ذَلِك على ابْن الباقلانى لج فِي الْجَواب وَقَالَ يخرج على هَذَا أحد وَجْهَيْن إِمَّا بِأَن يوضع عرض من الْحَيَاة فِي أول جُزْء من أَجزَاء الْجِسْم وَإِمَّا أَن يخلق لتِلْك الْحَيَاة وَالنَّعِيم وَالْعَذَاب جَسَد آخر وَهَذَا قَول فِي غَايَة الْفساد من وُجُوه كَثِيرَة أَي قَول أفسد من قَول من يَجْعَل روح الْإِنْسَان عرضا من الْأَعْرَاض تتبدل كل سَاعَة الوفا من المرات فَإِذا فَارقه هَذَا الْعرض لم يكن بعد الْمُفَارقَة روح تنعم وَلَا تعذب وَلَا تصعد وَلَا تنزل وَلَا تمسك وَلَا ترسل فَهَذَا قَول

стр. 108

مُخَالف لِلْعَقْلِ ونصوص الْكتاب وَالسّنة والفطرة وَهُوَ قَول من لم يعرف نَفسه وَسَيَأْتِي ذكر الْوُجُوه الدَّالَّة على بطلَان هَذَا القَوْل فِي مَوْضِعه من هَذَا الْجَواب إِن شَاءَ الله وَهُوَ قَول لم يقل بِهِ أحد من سلف الْأمة وَلَا من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَلَا أَئِمَّة الْإِسْلَام فصل وَأما قَول من قَالَ إِن مستقرها بعد الْمَوْت أبدان أخر غير هَذِه الْأَبدَان فَهَذَا القَوْل فِيهِ حق وباطل فَأَما الْحق فَمَا أخبر الصَّادِق المصدوق عَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء أَنَّهَا فِي حواصل طير خضر تأوي إِلَى قناديل معلقَة بالعرش هِيَ لَهَا كالأوكار للطائر وَقد صرح بذلك فِي قَوْله جعل الله أَرْوَاحهم فِي أَجْوَاف طير خضر وَأما قَوْله نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة يحْتَمل أَن يكون هَذَا الطَّائِر مركبا للروح كالبدن لَهَا وَيكون ذَلِك لبَعض الْمُؤمنِينَ وَالشُّهَدَاء وَيحْتَمل أَن يكون الرّوح فِي صُورَة طَائِر وَهَذَا اخْتِيَار أَبى مُحَمَّد بن حزم وأبى عمر بن عبد الْبر وَقد تقدم كَلَام أَبى عمر وَالْكَلَام عَلَيْهِ وَأما ابْن حزم فانه قَالَ معنى قَوْله نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق هُوَ على ظَاهِرَة لَا على ظن أهل الْجَهْل وَإِنَّمَا أخبر أَن نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق بِمَعْنى أَنَّهَا تطير فِي الْجنَّة لَا أَنَّهَا تمسخ فى صُورَة الطير قَالَ فَإِن قيل إِن النَّسمَة مُؤَنّثَة قُلْنَا قد صَحَّ عَن عَرَبِيّ فصيح أَنه قَالَ أتتك كتابي فاستخففت بهَا فَقيل لَهُ أتؤنث الْكتاب قَالَ أوليس صحيفَة وَكَذَلِكَ النَّسمَة تذكر كَذَلِك قَالَ وَأما الزِّيَادَة الَّتِي فِيهَا أَنَّهَا فِي حواصل طير خضر فَإِنَّهَا صفة تِلْكَ الْقَنَادِيل الَّتِي تأوي إِلَيْهَا وَالْحَدِيثَانِ مَعًا حَدِيث وَاحِد وَهَذَا الَّذِي قَالَه فِي غَايَة الْفساد لفظا وَمعنى فَإِن حَدِيث نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة غير حَدِيث أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي حواصل طير خضر وَالَّذِي ذكره مُحْتَمل فِي الحَدِيث الأول وَأما الحَدِيث الثَّانِي فَلَا يحْتَملهُ بِوَجْه فَإِنَّهُ أخبر أَن أَرْوَاحهم فِي حواصل طير وَفِي لفظ فِي أَجْوَاف طير خضر وَفِي لفظ بيض وان تِلْكَ الطير تسرح فِي الْجنَّة فتأكل من ثمارها وتشرب من أنهارها ثمَّ تأوي إِلَى قناديل تَحت الْعَرْش هِيَ لَهَا كالأوكار للطائر وَقَوله ان حواصل تِلْكَ الطير هِيَ صفة الْقَنَادِيل الَّتِي تأوي إِلَيْهَا خطأ قطعا بل تِلْكَ الْقَنَادِيل مأوى لتِلْك الطير فهاهنا ثَلَاثَة أُمُور صرح بهَا الحَدِيث أَرْوَاح وطير هِيَ فِي أجوافها وقناديل هِيَ مأوى لتِلْك الطير والقناديل مُسْتَقِرَّة تَحت الْعَرْش لَا تسرح وَالطير تسرح وَتذهب وتجيء والأرواح فِي أجوافها

стр. 109

فَإِن قيل يحْتَمل أَن تجْعَل نَفسهَا فِي صُورَة طير لَا أَنَّهَا تركب فِي بدن طير كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك﴾ وَيدل عَلَيْهِ قَوْله فِي اللَّفْظ الآخر أَرْوَاحهم كطير خضر كَذَلِك رَوَاهُ ابْن أَبى شيبَة حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن عبد الله بن مرّة عَن مَسْرُوق عَن عبد الله قَالَ أَبُو عمر وَالَّذِي يشبه عِنْدِي وَالله أعلم أَن يكون القَوْل قَول من قَالَ كطير أَو صُورَة طير لمطابقته لحديثنا الْمَذْكُور يعْنى حَدِيث كَعْب بن مَالك فِي نسمَة الْمُؤمن فَالْجَوَاب أَن هَذَا الحَدِيث قد روى بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ وَالَّذِي رَوَاهُ مُسلم فِي الصَّحِيح من حَدِيث الْأَعْمَش عَن مَسْرُوق فَلم يخْتَلف حَدِيثهمَا أَنَّهَا فِي أَجْوَاف طير خضر وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَقَالَ عُثْمَان بن أَبى شيبَة حَدثنَا عبد الله بن إِدْرِيس عَن مُحَمَّد ابْن إِسْحَاق عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله لما أُصِيب إخْوَانكُمْ يعْنى يَوْم أحد جعل الله أَرْوَاحهم فِي أَجْوَاف طير خضر ترد أَنهَار الْجنَّة وتأكل من ثمارها وتأوى إِلَى قناديل من ذهب مدلاة فِي ظلّ الْعَرْش فَلَمَّا وجدوا طيب مَأْكَلهمْ وَمَشْرَبهمْ وَمَقِيلهمْ قَالُوا من يبلغ إِخْوَاننَا عَنَّا أَنا أَحيَاء فِي الْجنَّة نرْزق لِئَلَّا ينكلُوا عَن الْحَرْب وَلَا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَاد فَقَالَ الله تَعَالَى أَنا أبلغهم عَنْكُم فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ﴾ وَأما حَدِيث كَعْب بن مَالك فَهُوَ فِي السّنَن الْأَرْبَعَة ومسند أَحْمد وَلَفظه لِلتِّرْمِذِي أَن رَسُول الله قَالَ إِن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي طير خضر تعلق من ثَمَر الْجنَّة أَو شجر الْجنَّة قَالَ الترمذى هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وَلَا مَحْذُور فِي هَذَا وَلَا يبطل قَاعِدَة من قَوَاعِد الشَّرْع وَلَا يُخَالف نصا من كتاب وَلَا سنة عَن رَسُول الله بل هَذَا من تَمام إكرام الله للشهداء أَن أعاضهم من أبدانهم الَّتِي مزقوها لله أبدانا خيرا مِنْهَا تكون مركبا لأرواحهم ليحصل بهَا كَمَال تنعمهم فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة رد أَرْوَاحهم إِلَى تِلْكَ الْأَبدَان الَّتِي كَانَت فِيهَا فِي الدُّنْيَا

стр. 110

فان قيل فَهَذَا هُوَ القَوْل بالتناسخ وحلول الْأَرْوَاح فِي أبدان غير أبدانها الَّتِي كَانَت فِيهَا قيل هَذَا الْمَعْنى الَّذِي دلّت عَلَيْهِ السّنة الصَّرِيحَة حق يجب اعْتِقَاده وَلَا يُبطلهُ تسميه الْمُسَمّى لَهُ تناسخا كَمَا أَن إِثْبَات مَا دلّ عَلَيْهِ الْعقل وَالنَّقْل من صِفَات الله وحقائق أَسْمَائِهِ الْحسنى حق لَا يُبطلهُ تَسْمِيَة المعطلين لَهَا تركيبا وتجسيما وَكَذَلِكَ مَا دلّ عَلَيْهِ الْعقل وَالنَّقْل من إِثْبَات أَفعاله وَكَلَامه بمشيئته ونزوله كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا ومجيئه يَوْم الْقِيَامَة للفصل بَين عباده حق لَا يُبطلهُ تَسْمِيَة المعطلين لَهُ حُلُول حوادث كَمَا أَن مَا دلّ عَلَيْهِ الْعقل وَالنَّقْل من علو الله على خلقه ومباينته لَهُم واستوائه على عَرْشه وعروج الْمَلَائِكَة وَالروح إِلَيْهِ ونزولها من عِنْده وصعود الْكَلم الطّيب إِلَيْهِ وعروج رَسُوله إِلَيْهِ ودنوه مِنْهُ حَتَّى صَار قاب قوسين أَو أدنى وَغير ذَلِك من الْأَدِلَّة حق لَا يُبطلهُ تَسْمِيَة الْجَهْمِية لَهُ حيزا وجهة وتجسيما قَالَ الإِمَام أَحْمد لَا نزيل عَن الله صفة من صِفَاته لأجل شناعة المشنعين فان هَذَا شَأْن أهل الْبدع يلقبون أهل السّنة وأقوالها بِالْأَلْقَابِ الَّتِي ينفرون مِنْهُ الْجُهَّال ويسمونها حَشْوًا وتركيبا وتجسيما ويسمون عرش الرب ﵎ حيزا وجهة ليتوصلوا بذلك إِلَى نفي علوه على خلقه واستوائه على عَرْشه كَمَا تسمى الرافضة مُوالَاة أَصْحَاب رَسُول الله كلهم ومحبتهم وَالدُّعَاء لَهُم نصا وكما تسمى الْقَدَرِيَّة الْمَجُوسِيَّة إِثْبَات الْقدر جبرا فَلَيْسَ الشَّأْن فِي الألقاب وَإِنَّمَا الشَّأْن فِي الْحَقَائِق وَالْمَقْصُود أَن تَسْمِيَة مَا دلّت عَلَيْهِ الصَّرِيحَة من جعل أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي أَجْوَاف طير خضر تناسخا لَا يبطل هَذَا الْمَعْنى وَإِنَّمَا التناسخ الْبَاطِل مَا تَقوله أَعدَاء الرُّسُل من الْمَلَاحِدَة وَغَيرهم الَّذين يُنكرُونَ الْمعَاد أَن الْأَرْوَاح تصير بعد مُفَارقَة الْأَبدَان إِلَى أَجنَاس الْحَيَوَان والحشرات والطيور الَّتِي تناسبها وتشاكلها فَإِذا فَارَقت هَذِه الْأَبدَان انْتَقَلت إِلَى أبدان تِلْكَ الْحَيَوَانَات فتنعم فِيهَا أَو تعذب ثمَّ تفارقها وَتحل فِي أبدان أخر تناسب أَعمالهَا وأخلاقها وَهَكَذَا أبدا فَهَذَا معادها عِنْدهم وَنَعِيمهَا وعذابها لَا معاد لَهَا عِنْدهم غير ذَلِك فَهَذَا هُوَ التناسخ الْبَاطِل الْمُخَالف لما اتّفقت عَلَيْهِ الرُّسُل والأنبياء من أَوَّلهمْ إِلَى آخِرهم وَهُوَ كفر بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَهَذِه الطَّائِفَة يَقُولُونَ أَن مُسْتَقر الْأَرْوَاح بعد الْمُفَارقَة أبدان الْحَيَوَانَات الَّتِي تناسبها وَهُوَ ابطل قَول وأخبثه ويليه قَول من قَالَ إِن الْأَرْوَاح تعدم جملَة بِالْمَوْتِ وَلَا تبقى هُنَاكَ روح تنعم وَلَا تعذب بل النَّعيم وَالْعَذَاب يَقع على أَجزَاء الْجَسَد أَو جُزْء مِنْهُ أما عجب أَو غَيره فيخلق الله فِيهِ الْأَلَم واللذة أما بِوَاسِطَة رد الْحَيَاة

стр. 111

إِلَيْهِ كَمَا قَالَه بعض أَرْبَاب هَذَا القَوْل أَو بِدُونِ رد الْحَيَاة كَمَا قَالَه آخَرُونَ مِنْهُم فَهَؤُلَاءِ عِنْدهم لَا عَذَاب فِي البرزخ إِلَّا على الأجساد ومقابلهم من يَقُول أَن الرّوح لَا تُعَاد إِلَى الْجَسَد بِوَجْه وَلَا تتصل بِهِ وَالْعَذَاب وَالنَّعِيم على الرّوح فَقَط وَالسّنة الصَّرِيحَة المتواترة ترد قَول هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء وَتبين أَن الْعَذَاب على الرّوح والجسد مُجْتَمعين ومنفردين فَإِن قيل فقد ذكرْتُمْ أَقْوَال النَّاس فِي مُسْتَقر الْأَرْوَاح ومأخذهم فَمَا هُوَ الرَّاجِح من هَذِه الْأَقْوَال حَتَّى نعتقده قيل الْأَرْوَاح مُتَفَاوِتَة فِي مستقرها فِي البرزخ أعظم تفَاوت فَمِنْهَا أَرْوَاح فِي أَعلَى عليين فِي الملا الْأَعْلَى وَهِي أَرْوَاح الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم وهم متفاوتون فِي مَنَازِلهمْ كَمَا رَآهُمْ النَّبِي لَيْلَة الْإِسْرَاء وَمِنْهَا أَرْوَاح فِي حواصل طير خضر تسرح فِي الْجنَّة حَيْثُ شَاءَت وَهِي أَرْوَاح بعض الشُّهَدَاء لَا جَمِيعهم بل من الشُّهَدَاء من تحبس روحه عَن دُخُول الْجنَّة لدين عَلَيْهِ أَو غَيره كَمَا فِي الْمسند عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن جحش أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي فَقَالَ يَا رَسُول الله مَالِي إِن قتلت فِي سَبِيل الله قَالَ الْجنَّة فَلَمَّا ولى قَالَ إِلَّا الَّذين سَارَّنِي بِهِ جِبْرِيل آنِفا وَمِنْهُم من يكون مَحْبُوسًا على بَاب الْجنَّة كَمَا فِي الحَدِيث الآخر رَأَيْت صَاحبكُم مَحْبُوسًا على بَاب الْجنَّة وَمِنْهُم من يكون مَحْبُوسًا فِي قَبره كَحَدِيث صَاحب الشملة الَّتِي غلها ثمَّ اسْتشْهد فَقَالَ النَّاس هَنِيئًا لَهُ الْجنَّة فَقَالَ النَّبِي وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن الشملة الَّتِي غلها لتشتعل عَلَيْهِ نَارا فِي قَبره وَمِنْهُم من يكون مقره بَاب الْجنَّة كَمَا فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس الشُّهَدَاء على بارق نهر بِبَاب الْجنَّة فِي قبَّة خضراء يخرج عَلَيْهِم رزقهم من الْجنَّة بكرَة وَعَشِيَّة رَوَاهُ أَحْمد وَهَذَا بِخِلَاف جَعْفَر بن أَبى طَالب حَيْثُ أبدله الله من يَدَيْهِ جناحين يطير بهما فِي الْجنَّة حَيْثُ شَاءَ وَمِنْهُم من يكون مَحْبُوسًا فِي الأَرْض لم لَعَلَّ روحه إِلَى الْمَلأ الْأَعْلَى فَإِنَّهَا كَانَت روحا سفلية أرضية فَإِن الْأَنْفس الأرضية لَا تجامع الْأَنْفس السماوية كَمَا لَا تجامعها فِي الدُّنْيَا وَالنَّفس الَّتِي لم تكتسب فِي الدُّنْيَا معرفَة رَبهَا ومحبته وَذكره والأنس بِهِ والتقرب إِلَيْهِ بل هِيَ أرضية سفلية لَا تكون بعد الْمُفَارقَة لبدنها إِلَّا هُنَاكَ كَمَا أَن النَّفس العلوية الَّتِي كَانَت فِي الدُّنْيَا عاكفة

стр. 112

على محبَّة الله وَذكره والقرب إِلَيْهِ والأنس بِهِ تكون بعد الْمُفَارقَة مَعَ الْأَرْوَاح العلوية الْمُنَاسبَة لَهَا فالمرء مَعَ من احب فِي البرزخ وَيَوْم الْقِيَامَة وَالله تَعَالَى يُزَوّج النُّفُوس بَعْضهَا بِبَعْض فِي البرزخ وَيَوْم الْمعَاد كَمَا تقدم فِي الحَدِيث وَيجْعَل روحه يعْنى الْمُؤمن مَعَ النسم الطّيب أَي الْأَرْوَاح الطّيبَة المشاكلة فالروح بعد الْمُفَارقَة تلْحق بأشكالها وَأَخَوَاتهَا وَأَصْحَاب عَملهَا فَتكون مَعَهم هُنَاكَ وَمِنْهَا أَرْوَاح تكون فِي تنور الزناة وَالزَّانِي وأرواح فِي نهر الدَّم تسبح فِيهِ وتلقم الْحِجَارَة فَلَيْسَ للأرواح سعيدها وشقيها مُسْتَقر وَاحِد بل روح فِي أَعلَى عليين وروح أرضية سفلية لَا تصعد عَن الأَرْض وَأَنت إِذا تَأَمَّلت السّنَن والْآثَار فِي هَذَا الْبَاب وَكَانَ لَك بهَا فضل اعتناء عرفت حجَّة ذَلِك وَلَا تظن أَن بَين الْآثَار الصَّحِيحَة فِي هَذَا الْبَاب تَعَارضا فَإِنَّهَا كلهَا حق يصدق بَعْضهَا بَعْضًا لَكِن الشَّأْن فِي فهمها وَمَعْرِفَة النَّفس وأحكامها وان لَهَا شانا غير شَأْن الْبدن وَأَنَّهَا مَعَ كَونهَا فِي الْجنَّة فَهِيَ فِي السَّمَاء وتتصل بِفنَاء الْقَبْر وبالبدن فِيهِ وَهِي أسْرع شَيْء حَرَكَة وانتقالا وصعودا وهبوطا وَأَنَّهَا تَنْقَسِم إِلَى مُرْسلَة ومحبوسة وعلوية وسفلية وَلها بعد الْمُفَارقَة صِحَة وَمرض وَلَذَّة ونعيم والم أعظم مِمَّا كَانَ لَهَا حَال اتصالها بِالْبدنِ بِكَثِير فهنالك الْحَبْس والألم وَالْعَذَاب وَالْمَرَض وَالْحَسْرَة وهنالك اللَّذَّة والراحة وَالنَّعِيم وَالْإِطْلَاق وَمَا أشبه حَالهَا فِي هَذَا الْبدن بِحَال ولد فِي بطن أمه وحالها بعد الْمُفَارقَة بِحَالهِ بعد خُرُوجه من الْبَطن إِلَى هَذِه الدَّار فلهذه الْأَنْفس أَربع دور كل دَار أعظم من الَّتِي قبلهَا الدَّار الأولى فِي بطن الْأُم وَذَلِكَ الْحصْر والضيق وَالْغَم والظلمات الثَّلَاث وَالدَّار الثَّانِيَة هِيَ الدَّار الَّتِي نشأت فِيهَا والفتها واكتسبت فِيهَا الْخَبَر وَالشَّر وَأَسْبَاب السَّعَادَة والشقاوة وَالدَّار الثَّالِثَة دَار البرزخ وَهِي أوسع من هَذِه الدَّار وَأعظم بل نسبتها إِلَيْهِ كنسبة هَذِه الدَّار إِلَى الأولى وَالدَّار الرَّابِعَة دَار الْقَرار وَهِي الْجنَّة أَو النَّار فَلَا دَار بعْدهَا وَالله ينقلها فِي هَذِه الدّور طبقًا بعد طبق حَتَّى يبلغهَا الدَّار الَّتِي لَا يصلح لَهَا غَيرهَا وَلَا يَلِيق بهَا سواهَا وَهِي الَّتِي خلقت لَهَا وهيئت للْعَمَل الْموصل لَهَا إِلَيْهَا وَلها فِي كل دَار من هَذِه الدّور حكم وشأن غير شَأْن الدَّار الْأُخْرَى فَتَبَارَكَ الله فاطرها ومنشئها ومميتها ومحييها ومسعدها ومشقيها الَّذِي فاوت بَينهَا فِي دَرَجَات سعادتها وشقاوتها كَمَا فاوت بَينهَا فِي مَرَاتِب علومها وأعمالها وقواها وأخلاقها فَمن

стр. 113

عرفهَا كَمَا يَنْبَغِي شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك كُله وَله الْحَمد كُله وَبِيَدِهِ الْخَيْر كُله وَإِلَيْهِ يرجع الْأَمر كُله وَله الْقُوَّة كلهَا وَالْقُدْرَة كلهَا والعز كُله وَالْحكمَة كلهَا والكمال الْمُطلق من جَمِيع الْوُجُوه وَعرف بِمَعْرِِفَة نَفسه صدق أنبيائه وَرُسُله وَأَن الَّذِي جَاءُوا بِهِ هُوَ الْحق الَّذِي تشهد بِهِ الْعُقُول وتقر بِهِ الْفطر وَمَا خَالفه هُوَ الْبَاطِل وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْمَسْأَلَة السَّادِسَة عشرَة وَهِي هَل تنْتَفع أَرْوَاح الْمَوْتَى بِشَيْء من سعى الْأَحْيَاء أم لَا فَالْجَوَاب أَنَّهَا تنْتَفع من سعى الْأَحْيَاء بأمرين مجمع عَلَيْهِمَا بَين أهل السّنة من الْفُقَهَاء وَأهل الحَدِيث وَالتَّفْسِير أَحدهمَا مَا تسبب إِلَيْهِ الْمَيِّت فِي حَيَاته وَالثَّانِي دُعَاء الْمُسلمين لَهُ واستغفارهم لَهُ وَالصَّدَََقَة وَالْحج على نزاع مَا الَّذِي يصل من ثَوَابه هَل ثَوَاب الْإِنْفَاق أَو ثَوَاب الْعَمَل فَعِنْدَ الْجُمْهُور يصل ثَوَاب الْعَمَل نَفسه وَعند بعض الْحَنَفِيَّة إِنَّمَا يصل ثَوَاب الْإِنْفَاق وَاخْتلفُوا فِي الْعِبَادَة الْبَدَنِيَّة كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاة وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَالذكر فمذهب الإِمَام أَحْمد وَجُمْهُور السّلف وصولها وَهُوَ قَول بعض أَصْحَاب أَبى حنيفَة نَص على هَذَا الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن يحيى الكحال قَالَ قيل لأبى عبد الله الرجل يعْمل الشَّيْء من الْخَيْر من صَلَاة أَو صَدَقَة أَو غير ذَلِك فَيجْعَل نصفه لِأَبِيهِ أَو لأمه قَالَ أَرْجُو أَو قَالَ الْمَيِّت يصل إِلَيْهِ كل شَيْء من صَدَقَة أَو غَيرهَا وَقَالَ أَيْضا اقْرَأ آيَة الْكُرْسِيّ ثَلَاث مَرَّات وَقل هُوَ الله أحد وَقل اللَّهُمَّ إِن فَضله لأهل الْمَقَابِر وَالْمَشْهُور من مَذْهَب الشَّافِعِي وَمَالك أَن ذَلِك لَا يصل وَذهب بعض أهل الْبدع من أهل الْكَلَام أَنه لَا يصل إِلَى الْمَيِّت شَيْء الْبَتَّةَ لادعاء وَلَا غَيره فالدليل على انتفاعه بِمَا تسبب إِلَيْهِ فِي حَيَاته مَا رَوَاهُ مُسلم فِي صحيه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ أَن رَسُول الله قَالَ إِذا مَاتَ الْإِنْسَان انْقَطع عَنهُ عمله إِلَّا من ثَلَاث صَدَقَة جَارِيَة أَو علم ينْتَفع بِهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ فاستثناء هَذِه الثَّلَاث من عمله يدل على أَنَّهَا مِنْهُ فانه هُوَ الَّذِي تسبب إِلَيْهَا وَفِي سنَن ابْن مَاجَه من حَدِيث أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله

стр. 114

إِنَّمَا يلْحق الْمُؤمن من عمله وحسناته بعد مَوته علما علمه ونشره أَو ولدا صَالحا تَركه أَو مُصحفا وَرثهُ أَو مَسْجِدا بناه أَو بَيْتا لِابْنِ السَّبِيل بناه أَو نَهرا إِكْرَاه أَو صَدَقَة أخرجهَا من مَاله فِي صِحَّته وحياته تلْحقهُ من بعد مَوته وَفِي صَحِيح مُسلم أَيْضا من حَدِيث جرير بن عبد الله قَالَ قَالَ رَسُول الله من سنّ فِي الْإِسْلَام سنة حَسَنَة فَلهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا من بعده من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْء وَمن سنّ فِي الْإِسْلَام سنة سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ وزرها ووزر من عمل بهَا من بعده من غير أَن ينقص من أوزارهم شَيْء وَهَذَا الْمَعْنى روى عَن النَّبِي من عدَّة وُجُوه صِحَاح وَحسان وَفِي الْمسند عَن حُذَيْفَة قَالَ سَأَلَ رجل على عهد رَسُول الله فامسك الْقَوْم ثمَّ أَن رجلا أعطَاهُ فَأعْطى الْقَوْم فَقَالَ النَّبِي من سنّ خيرا فاستن بِهِ كَانَ لَهُ أجره وَمن أجور من تبعه غير منتقص من أُجُورهم شَيْئا وَمن سنّ شرا فاستن بِهِ كَانَ عَلَيْهِ وزره وَمن أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شَيْئا وَقد دلّ على هَذَا قَوْله لَا تقتل نفس ظلما إِلَّا كَانَ على ابْن آدم الأول كفل من دَمهَا لِأَنَّهُ أول من سنّ الْقَتْل فَإِذا كَانَ هَذَا فِي الْعَذَاب وَالْعِقَاب فَفِي الْفضل وَالثَّوَاب أولى وَأَحْرَى فصل وَالدَّلِيل على انتفاعه بِغَيْر مَا تسبب فِيهِ الْقُرْآن وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وقواعد الشَّرْع أما الْقُرْآن فَقَوله تَعَالَى ﴿وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان﴾ فَأثْنى الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِم باستغفارهم للْمُؤْمِنين قبلهم فَدلَّ على انتفاعهم باستغفار الْأَحْيَاء وَقد يُمكن أَن يُقَال إِنَّمَا انتفعوا باستغفارهم لأَنهم سنوا لَهُم الْإِيمَان بسبقهم إِلَيْهِ فَلَمَّا اتَّبَعُوهُمْ فِيهِ كَانُوا كالمستنين فِي حُصُوله لَهُم لَكِن قد دلّ على انْتِفَاع الْمَيِّت بِالدُّعَاءِ إِجْمَاع الْأمة على الدُّعَاء لَهُ فِي صَلَاة الْجِنَازَة وَفِي السّنَن من حَدِيث أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله إِذا صليتم على الْمَيِّت فأخلصوا لَهُ الدُّعَاء وَفِي صَحِيح مُسلم مد حَدِيث عَوْف بن مَالك قَالَ على جَنَازَة فَحفِظت من دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُول اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وارحمه وعافه واعف عَنهُ وَأكْرم نزله وأوسع

стр. 115

مدخله واغسله بِالْمَاءِ والثلج وَالْبرد ونقه من الْخَطَايَا كَمَا نقيت الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس وأبدله دَارا خيرا من دَاره وَأهلا خيرا من أَهله وزوجا خيرا من زوجه وَأدْخلهُ الْجنَّة وأعذه من عَذَاب الْقَبْر وَعَذَاب النَّار وَفِي السّنَن عَن وائلة بن الْأَسْقَع قَالَ على رجل من الْمُسلمين فَسَمعته يَقُول اللَّهُمَّ إِن فلَانا ابْن فلَان فِي ذِمَّتك وحبل جوارك فقه من فتْنَة الْقَبْر وَعَذَاب النَّار وَأَنت أهل الْوَفَاء وَالْحق فَاغْفِر لَهُ وارحمه إِنَّك الغفور الرَّحِيم وَهَذَا كثير فِي الْأَحَادِيث بل هُوَ الْمَقْصُود بِالصَّلَاةِ على الْمَيِّت وَكَذَلِكَ الدُّعَاء لَهُ بعد الدّفن وَفِي السّنَن من حَدِيث عُثْمَان بن عَفَّان رضى الله عَنهُ قَالَ كَانَ النَّبِي إِذا فرغ من دفن الْمَيِّت وقف عَلَيْهِ فَقَالَ اسْتَغْفرُوا لأخيكم واسألوا لَهُ التثبيت فانه الْآن يسْأَل وَكَذَلِكَ الدُّعَاء لَهُم عِنْد زِيَارَة قُبُورهم كَمَا فِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث بُرَيْدَة بن الخصيب قَالَ كَانَ رَسُول الله يعلمهُمْ إِذا خَرجُوا إِلَى الْمَقَابِر أَن يَقُولُوا السَّلَام عَلَيْكُم أهل الديار من الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون نسْأَل الله لنا وَلكم الْعَافِيَة وَفِي صَحِيح مُسلم أَن عَائِشَة رضى الله عَنْهَا سَأَلت النَّبِي كَيفَ نقُول إِذا استغفرت لأهل الْقُبُور قَالَ قولي السَّلَام على أهل الديار من الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين وَيرْحَم الله الْمُسْتَقْدِمِينَ منا والمستأخرين وانا إِن شَاءَ الله بكم للاحقون وَفِي صَحِيحه عَنْهَا أَيْضا أَن رَسُول الله خرج فِي لَيْلَتهَا من آخر اللَّيْل إِلَى البقيع فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين وأتاكم مَا توعدون غَدا مؤجلون وانا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون اللَّهُمَّ اغْفِر لأهل بَقِيع الْغَرْقَد وَدُعَاء النَّبِي للأموات فعلا وتعليما وَدُعَاء الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْمُسْلِمين عصرا بعد عصر أَكثر من أَن يذكر وَأشهر من أَن يُنكر وَقد جَاءَ ان الله يرفع دَرَجَة العَبْد فِي الْجنَّة فَيَقُول أَنى لى هَذَا فَيُقَال بِدُعَاء ولدك لَك فصل وَأما وُصُول ثَوَاب الصَّدَقَة فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة رضى الله عَنْهَا أَن رجلا أَتَى النَّبِي فَقَالَ يَا رَسُول الله أَن أُمِّي افتلت نَفسهَا وَلم توص وأظنها لَو تَكَلَّمت تَصَدَّقت أفلها أجر إِن تَصَدَّقت عَنْهَا قَالَ نعم

стр. 116

وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن عبد الله بن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا أَن سعد بن عبَادَة توفيت أمه وَهُوَ غَائِب عَنْهَا فَأتى النَّبِي فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن أُمِّي توفيت وَأَنا غَائِب عَنْهَا فَهَل ينفعها إِن تَصَدَّقت عَنهُ قَالَ نعم قَالَ فَإِنِّي أشهدك أَن حائطي المخراف صَدَقَة عَنْهَا وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ أَن رجلا قَالَ للنَّبِي ان أَبى مَاتَ وَترك مَالا وَلم يوص فَهَل يكفى عَنهُ أَن أَتصدق عَنهُ قَالَ نعم وَفِي السّنَن ومسند أَحْمد عَن سعد بن عبَادَة أَنه قَالَ يَا رَسُول الله ان أم سعد مَاتَت فأى الصَّدَقَة أفضل قَالَ المَاء فحفر بِئْر وَقَالَ هَذِه لأم سعد وَعَن عبد الله بن عَمْرو أَن الْعَاصِ بن وَائِل نذر فِي الْجَاهِلِيَّة أَن ينْحَر مائَة بَدَنَة وَإِن هِشَام بن الْعَاصِ نحر خَمْسَة وَخمسين وَأَن عمرا سَأَلَ النَّبِي عَن ذَلِك فَقَالَ أما أَبوك فَلَو أقرّ بِالتَّوْحِيدِ فَصمت وتصدقت عَنهُ نَفعه ذَلِك رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فصل وَأما وُصُول ثَوَاب الصَّوْم فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة رضى الله عَنْهَا أَن رَسُول الله قَالَ من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قلا جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي فَقَالَ يَا رَسُول الله أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم شهر أفأقضيه عَنْهَا قَالَ نعم فدين الله أَحَق أَن يقْضى وَفِي رِوَايَة جَاءَت امْرَأَة إِلَى رَسُول الله فَقَالَت يَا رَسُول الله إِن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم نذر أفأصوم عَنْهَا قَالَ أَفَرَأَيْت لَو كَانَ على أمك دين فقضيته أَكَانَ يُؤدى ذَلِك عَنْهَا قَالَت نعم قَالَ فصومي عَن أمك وَهَذَا اللَّفْظ للْبُخَارِيّ وَحده تَعْلِيقا وَعَن بُرَيْدَة رضى الله عَنهُ قَالَ بَينا أَنا جَالس عِنْد رَسُول الله إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَة فَقَالَت إِنِّي تَصَدَّقت على أُمِّي بِجَارِيَة وَأَنَّهَا مَاتَت فَقَالَ وَجب أجرك وردهَا عَلَيْك الْمِيرَاث فَقَالَت يَا رَسُول الله انه كَانَ عَلَيْهَا صَوْم شهر أفأصوم عَنْهَا قَالَ صومي عَنْهَا قَالَت إِنَّهَا لم تحج قطّ أفأحج عَنْهَا قَالَ حجى عَنْهَا رَوَاهُ مُسلم وَفِي لفظ صَوْم شَهْرَيْن وَعَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا أَن امْرَأَة ركبت الْبَحْر فنذرت إِن الله نجاها أَن تَصُوم شهرا فنجاها الله فَلم تصم حَتَّى مَاتَت فَجَاءَت بنتهَا أَو أُخْتهَا إِلَى رَسُول الله

стр. 117

فَأمرهَا أَن تَصُوم عَنْهَا رَوَاهُ أهل السّنَن وَالْإِمَام أَحْمد وَكَذَلِكَ روى عَنهُ وُصُول ثَوَاب بدل الصَّوْم وَهُوَ الاطعام فَفِي السّنَن عَن ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُول الله من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام شهر فليطعم عَنهُ لكل يَوْم مِسْكين رَوَاهُ الترمذى وَابْن مَاجَه قَالَ الترمذى وَلَا نعرفه مَرْفُوعا إِلَّا من هَذَا الْوَجْه وَالصَّحِيح عَن ابْن عمر من قَوْله مَوْقُوفا وَفِي سنَن أَبى دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قَالَ إِذا مرض الرجل فِي رَمَضَان وَلم يصم أطْعم عَنهُ وَلم يكن عَنهُ قَضَاء وَإِن نذر قضى عَنهُ وليه فصل وَأما وُصُول ثَوَاب الْحَج فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا أَن امْرَأَة من جُهَيْنَة جَاءَت إِلَى النَّبِي فَقَالَت إِن أُمِّي نذرت أَن تحج فَلم تحج حَتَّى مَاتَت أفأحج عَنْهَا قَالَ حجى عَنْهَا أَرَأَيْت لَو كَانَ على أمك دين أَكنت قاضيته اقضوا الله فَالله أَحَق بِالْقضَاءِ وَقد تقدم حَدِيث بُرَيْدَة وَفِيه أَن أُمِّي لم تحج قطّ أفأحج عَنْهَا قَالَ حجى عَنْهَا وَعَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قَالَ إِن امْرَأَة سِنَان بن سَلمَة الْجُهَنِيّ سَأَلت رَسُول الله أَن أمهَا مَاتَت وَلم تحج أفيجزىء أَن تحج عَنْهَا قَالَ نعم لَو كَانَ على أمهَا دين فقضته عَنْهَا ألم يكن يجزىء عَنْهَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وروى أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا أَن امْرَأَة سَأَلت النَّبِي عَن ابْنهَا مَاتَ وَلم يحجّ قَالَ حجى عَن ابْنك وروى أَيْضا عَنهُ قَالَ قَالَ رجل يَا نَبِي الله ان أَبى مَاتَ وَلم يحجّ أفأحج عَنهُ قَالَ أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين أَكنت قاضيه قَالَ نعم قَالَ فدين الله أَحَق وَأجْمع الْمُسلمُونَ على أَن قَضَاء الدّين يسْقطهُ من ذمَّته وَلَو كَانَ من أَجْنَبِي أَو من غير تركته وَقد دلّ عَلَيْهِ حَدِيث أَبى قَتَادَة حَيْثُ ضمن الدينارين عَن الْمَيِّت فَلَمَّا قضاهما قَالَ لَهُ النَّبِي الْآن بردت عَلَيْهِ جلدته وَأَجْمعُوا على أَن الْحَيّ إِذا كَانَ لَهُ فِي ذمَّة الْمَيِّت حق من الْحُقُوق فأحله مِنْهُ أَنه يَنْفَعهُ وَيبرأ مِنْهُ كَمَا يسْقط من ذمَّة الْحَيّ فَإِذا سقط من ذمَّة الْحَيّ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع مَعَ إِمْكَان أَدَائِهِ لَهُ بِنَفسِهِ وَلَو لم يرض بِهِ بل

стр. 118

رده فسقوطه من ذمَّة الْمَيِّت بالابراء حَيْثُ لَا يتَمَكَّن من أَدَائِهِ أولى وَأَحْرَى وَإِذا انْتفع بِالْإِبْرَاءِ والإسقاط فَكَذَلِك ينْتَفع بِالْهبةِ والإهداء وَلَا فرق بَينهمَا فَإِن ثَوَاب الْعَمَل حق المهدى الْوَاهِب فَإِذا جعله للْمَيت انْتقل إِلَيْهِ كَمَا أَن مَا على الْمَيِّت من الْحُقُوق من الدّين وَغَيره هُوَ مَحْض حق الْحَيّ فَإِذا أَبرَأَهُ وصل الْإِبْرَاء إِلَيْهِ وَسقط من ذمَّته فكلاهما حق للحى فَأَي نَص أَو قِيَاس أَو قَاعِدَة من قَوَاعِد الشَّرْع يُوجب وُصُول أَحدهمَا وَيمْنَع وُصُول الآخر هَذِه النُّصُوص متظاهرة على وُصُول ثَوَاب الْأَعْمَال إِلَى الْمَيِّت إِذا فعلهَا الْحَيّ عَنهُ وَهَذَا مَحْض للْقِيَاس فَإِن الثَّوَاب حق لِلْعَامِلِ فَإِذا وهبه لِأَخِيهِ الْمُسلم لم يمْنَع من ذَلِك كَمَا لم يمْنَع من هبة مَاله فِي حَيَاته وإبرائه لَهُ من بعد مَوته وَقد نبه النَّبِي بوصول ثَوَاب الصَّوْم الَّذِي هُوَ مُجَرّد ترك وَنِيَّة تقوم بِالْقَلْبِ لَا يطلع عَلَيْهِ إِلَّا الله وَلَيْسَ بِعَمَل الْجَوَارِح على وُصُول ثَوَاب الْقِرَاءَة الَّتِي هِيَ عمل بِاللِّسَانِ تسمعه الْأذن وتراه الْعين بطرِيق الأولى ويوضحه أَن الصَّوْم نِيَّة مَحْضَة وكف النَّفس عَن المفطرات وَقد أوصل الله ثَوَابه إِلَى الْمَيِّت فَكيف بِالْقِرَاءَةِ الَّتِي هِيَ عمل وَنِيَّة بل لَا تفْتَقر إِلَى النِّيَّة فوصول ثَوَاب الصَّوْم إِلَى الْمَيِّت فِيهِ تَنْبِيه على وُصُول سَائِر الْأَعْمَال والعبادات قِسْمَانِ مَالِيَّة وبدنية وَقد نبه الشَّارِع بوصول ثَوَاب الصَّدَقَة قَالَ على وُصُول ثَوَاب سَائِر الْعِبَادَات الْمَالِيَّة وَنبهَ بوصول ثَوَاب الصَّوْم على وُصُول ثَوَاب سَائِر الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة وَأخْبر بوصول ثَوَاب الْحَج الْمركب من الْمَالِيَّة والبدنية فالأنواع الثَّلَاثَة ثَابِتَة بِالنَّصِّ وَالِاعْتِبَار وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق قَالَ المانعون من الْوُصُول قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ وَقَالَ ﴿وَلَا تُجْزونَ إِلَّا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ وَقَالَ ﴿لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت﴾ وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ إِذا مَاتَ العَبْد انْقَطع عمله إِلَّا من ثَلَاث صَدَقَة جَارِيَة عَلَيْهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ أَو علم ينْتَفع بِهِ من بعد فَأخْبر أَنه إِنَّمَا ينْتَفع بِمَا كَانَ تسبب إِلَيْهِ فِي الْحَيَاة وَمَا لم يكن قد تسبب إِلَيْهِ فَهُوَ مُنْقَطع عَنهُ وَأَيْضًا فَحَدِيث أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ الْمُتَقَدّم وَهُوَ قَوْله إِن مِمَّا يلْحق الْمَيِّت من عمله وحسناته بعد مَوته علما نشره الحَدِيث يدل على أَنه إِنَّمَا ينْتَفع بِمَا كَانَ قد تسبب فِيهِ وَأَيْضًا فَحَدِيث أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ الْمُتَقَدّم وَهُوَ قَوْله إِن مِمَّا يلْحق الْمَيِّت من عمله وحسناته بعد مَوته علما نشره الحَدِيث يدل على أَنه إِنَّمَا ينْتَفع بِمَا كَانَ قد تسبب فِيهِ وَكَذَلِكَ حَدِيث أنس يرفعهُ سبع يجرى على العَبْد أجرهن وَهُوَ فِي قَبره بعد مَوته من علم

стр. 119

علما أَو أكرى نَهرا أَو حفر بِئْرا أَو غرس نخلا أَو بنى مَسْجِدا أَو ورث مُصحفا أَو ترك ولدا صَالحا يسْتَغْفر لَهُ بعد مَوته وَهَذَا يدل على أَن مَا عدا ذَلِك لَا يحصل لَهُ مِنْهُ ثَوَاب وَإِلَّا لم يكن للحصر معنى قَالُوا والإهداء حِوَالَة وَالْحوالَة إِنَّمَا تكون بِحَق لَازم والأعمال لَا توجب الثَّوَاب وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرّد تفضل الله وإحسانه فَكيف يحِيل العَبْد على مُجَرّد الْفضل الَّذِي لَا يجب على الله بل إِن شَاءَ آتَاهُ وَإِن لم يَشَأْ لم يؤته وَهُوَ نَظِير حِوَالَة الْفَقِير على من يَرْجُو أَن يتَصَدَّق عَلَيْهِ وَمثل هَذَا لَا يَصح إهداؤه وهبته كصلة ترجى من ملك لَا لتحَقّق حُصُولهَا قَالُوا وَأَيْضًا فالإيثار بِأَسْبَاب الثَّوَاب مَكْرُوه وَهُوَ الإيثار بِالْقربِ فَكيف الإيثار بِنَفس الثَّوَاب الَّذِي هُوَ غَايَة إِذا كره الإيثار بالوسيلة فالغاية أولى وَأَحْرَى وَكَذَلِكَ كره الإِمَام أَحْمد التَّأَخُّر عَن الصَّفّ الأول وإيثار الْغَيْر بِهِ لما فِيهِ من الرَّغْبَة عَن سَبَب الثَّوَاب قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة حَنْبَل وَقد سُئِلَ عَن الرجل يتَأَخَّر عَن الصَّفّ الأول وَيقدم أَبَاهُ فِي مَوْضِعه قَالَ مَا يُعجبنِي هُوَ يقدر أَن يبر أَبَاهُ بِغَيْر هَذَا قَالُوا أَيْضا لَو سَاغَ الإهداء إِلَى الْمَيِّت لساغ نقل الثَّوَاب والإهداء إِلَى الْحَيّ وَأَيْضًا لَو سَاغَ ذَلِك لساغ لهَذَا نصف الثَّوَاب وربعه وقيراط مِنْهُ وَأَيْضًا لَو سَاغَ ذَلِك لساغ إهداؤه بعد أَن يعمله لنَفسِهِ وَقد قُلْتُمْ أَنه لَا بُد أَن ينوى حَال الْفِعْل إهداءه إِلَى الْمَيِّت وَإِلَّا لم يصل إِلَيْهِ فَإِذا سَاغَ لَهُ نقل الثَّوَاب فَأَي فرق بَين أَن ينوى قبل الْفِعْل أَو بعده وَأَيْضًا لَو سَاغَ الإهداء لساغ إهداء ثَوَاب الْوَاجِبَات على الْحَيّ كَمَا يسوغ إهداء ثَوَاب التطوعات الَّتِي يتَطَوَّع بهَا قَالُوا وَإِن التكاليف امتحان وابتلاء لَا تقبل الْبَدَل فَإِن الْمَقْصُود مِنْهَا عين الْمُكَلف الْعَامِل الْمَأْمُور الْمنْهِي فَلَا يُبدل الْمُكَلف الممتحن بِغَيْرِهِ وَلَا يَنُوب غَيره عَنهُ فِي ذَلِك أَن الْمَقْصُود طَاعَته هُوَ نَفسه وعبوديته وَلَو كَانَ ينْتَفع بإهداء غَيره لَهُ من غير عمل مِنْهُ لَكَانَ أكْرم الأكرمين أولى بذلك وَقد حكم سُبْحَانَهُ أَنه لَا ينْتَفع إِلَّا بسعيه وَهَذِه سنته تَعَالَى فِي خلقه وقضاؤه كَمَا هِيَ سنته فِي أمره وشرعه فَإِن الْمَرِيض لَا يَنُوب عَنهُ غَيره فِي شرب الدَّوَاء والجائع والظمآن والعاري لَا يَنُوب عَنهُ غَيره فِي الْأكل وَالشرب واللباس قَالُوا وَلَو نَفعه عمل غَيره لنفعه تَوْبَته عَنهُ

стр. 120

قَالُوا وَلِهَذَا لَا يقبل الله إِسْلَام أحد وَلَا صلَاته عَن صلَاته فَإِذا كَانَ رَأس الْعِبَادَات لَا يَصح إهداء ثَوَابه فَكيف فروعها قَالُوا وَأما الدُّعَاء فَهُوَ سُؤال ورغبة إِلَى الله أَن يتفضل على الْمَيِّت ويسامحه وَيَعْفُو عَنهُ وَهَذَا إهداء ثَوَاب عمل الْحَيّ إِلَيْهِ قَالَ المقتصرون على وُصُول الْعِبَادَات الَّتِي تدْخلهَا النِّيَابَة كالصدقة وَالْحج والعبادات نَوْعَانِ نوع لَا تدخله النِّيَابَة بِحَال كالإسلام وَالصَّلَاة وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَالصِّيَام فَهَذَا النَّوْع يخْتَص ثَوَابه بفاعله لَا يتعداه وَلَا ينْقل عَنهُ كَمَا أَنه فِي الْحَيَاة لَا يَفْعَله أحد عَن أحد وَلَا يَنُوب فِيهِ عَن فَاعله غَيره وَنَوع تدخله النِّيَابَة كرد الودائع وَأَدَاء الدُّيُون وَإِخْرَاج الصَّدَقَة وَالْحج فَهَذَا يصل ثَوَابه إِلَى الْمَيِّت لِأَنَّهُ يقبل النِّيَابَة ويفعله العَبْد عَن غَيره فِي حَيَاته فَبعد مَوته بِالطَّرِيقِ الأولى والأحرى قَالُوا وَأما حَدِيث من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه فَجَوَابه من وُجُوه أَحدهَا مَا قَالَه مَالك فِي موطئِهِ قَالَ لَا يَصُوم أحد عَن أحد قَالَ وَهُوَ أَمر مجمع عَلَيْهِ عندنَا لَا خلاف فِيهِ الثَّانِي أَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا هُوَ الَّذِي روى حَدِيث الصَّوْم عَن الْمَيِّت وَقد روى عَنهُ النَّسَائِيّ أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع حَدثنَا حجاج الْأَحول حَدثنَا أَيُّوب بن مُوسَى عَن عَطاء بن أَبى رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قَالَ لَا يصلى أحد عَن أحد الثَّالِث أَنه حَدِيث اخْتلف فِي إِسْنَاده هَكَذَا قَالَ صَاحب الْمُفْهم فِي شرح مُسلم الرَّابِع أَنه معَارض بِنَصّ الْقُرْآن كَمَا تقدم من قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ الْخَامِس أَنه معَارض بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا عَن النَّبِي أَنه قَالَ لَا يصلى أحد عَن أحد وَلَا يَصُوم أحد عَن أحد وَلَكِن يطعم عَنهُ مَكَان كل يَوْم مدا من حِنْطَة السَّادِس أَنه معَارض بِحَدِيث مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أَبى ليلى عَن نَافِع عَن ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا عَن النَّبِي من مَاتَ وَعَلِيهِ صَوْم رَمَضَان يطعم عَنهُ

стр. 121

السَّابِع أَنه معَارض بِالْقِيَاسِ الْجَلِيّ على الصَّلَاة وَالْإِسْلَام وَالتَّوْبَة فان أحدا لَا يَفْعَلهَا عَن أحد قَالَ الشَّافِعِي فِيمَا تكلم بِهِ على خبر ابْن عَبَّاس لم يسم ابْن عَبَّاس مَا كَانَ نذر أم سعد فَاحْتمل أَن يكون نذر حج أَو عمْرَة أَو صَدَقَة فَأمره بِقَضَائِهِ عَنْهَا فَأَما من نذر صَلَاة أَو صياما ثمَّ مَاتَ فَإِنَّهُ يكفر عَنهُ فِي الصَّوْم وَلَا يصام عَنهُ وَلَا يصلى عَنهُ وَلَا يكفر عَنهُ فِي الصَّلَاة ثمَّ قَالَ فَإِن قيل أفأروى عَن رَسُول الله أَمر أحد أَن يَصُوم عَن أحد قيل نعم روى ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا عَن النَّبِي فَإِن قيل فَلم لَا تَأْخُذ بِهِ قيل حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا عَن النَّبِي نذرا وَلم يسمعهُ مَعَ حفظ الزُّهْرِيّ وَطول مجالسه عبيد الله لِابْنِ عَبَّاس فَلَمَّا جَاءَ غَيره عَن رجل عَن ابْن عَبَّاس بِغَيْر مَا فِي حَدِيث عبيد الله أشبه أَن لَا يكون مَحْفُوظًا فَإِن قيل فتعرف الرجل الَّذِي جَاءَ بِهَذَا الحَدِيث يغلط عَن ابْن عَبَّاس قيل نعم روى أَصْحَاب ابْن عَبَّاس عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ لِابْنِ الزبير أَن الزبير حل من مُتْعَة الْحَج فروى هَذَا عَن ابْن عَبَّاس أَنَّهَا مُتْعَة النِّسَاء وَهَذَا غلط فَاحش فَهَذَا الْجَواب عَن فعل الصَّوْم وَأما فعل الْحَج فَإِنَّمَا يصل مِنْهُ ثَوَاب الْإِنْفَاق وَأما أَفعَال الْمَنَاسِك فَهِيَ كأفعال الصَّلَاة إِنَّمَا تقع عَن فاعلها قَالَ أَصْحَاب الْوُصُول لَيْسَ فِي شَيْء مِمَّا ذكرْتُمْ مَا يُعَارض أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة واتفاق سلف الْأمة وَمُقْتَضى قَوَاعِد الشَّرْع وَنحن نجيب عَن كل مَا ذكرتموه بِالْعَدْلِ والإنصاف أما قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ فقد اخْتلفت طرق النَّاس فِي المُرَاد بِالْآيَةِ فَقَالَت طَائِفَة المُرَاد بالإنسان هَا هُنَا الْكَافِر وَأما الْمُؤمن فَلهُ مَا سعى وَمَا سعى لَهُ بالأدلة الَّتِي ذَكرنَاهَا قَالُوا وَغَايَة مَا فِي هَذَا التَّخْصِيص وَهُوَ جَائِز إِذا دلّ عَلَيْهِ الدَّلِيل وَهَذَا الْجَواب ضَعِيف جدا وَمثل هَذَا الْعَام لَا يُرَاد بِهِ الْكَافِر وَحده بل هُوَ للْمُسلمِ وَالْكَافِر وَهُوَ كالعام الَّذِي قبله وَهُوَ قَوْله تَعَالَى أَن لَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى والسياق كُله من أَوله إِلَى آخِره كَالصَّرِيحِ فِي إِرَادَة الْعُمُوم لقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن سَعْيه سَوف يرى ثمَّ يجزاه الْجَزَاء الأوفى﴾ وَهَذَا يعم الشَّرّ وَالْخَيْر قطعا ويتناول الْبر والفاجر وَالْمُؤمن وَالْكَافِر كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره﴾ وَكَقَوْلِه لَهُ فِي الحَدِيث الإلهي يَا عبَادي إِنَّمَا هِيَ أَعمالكُم أحصيها لكم ثمَّ أوفيكم إِيَّاهَا فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه وَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الْإِنْسَان إِنَّك كَادِح إِلَى رَبك كدحا فملاقيه﴾ وَلَا تغتر بقود كثير من الْمُفَسّرين فِي لفظ الْإِنْسَان فِي

стр. 122

الْقُرْآن الْإِنْسَان هَا هُنَا أَبُو جهل وَالْإِنْسَان هَا هُنَا عقبَة ابْن أَبى معيط وَالْإِنْسَان هَاهُنَا الْوَلِيد ابْن الْمُغيرَة فالقرآن أجل من ذَلِك بل الْإِنْسَان هُوَ الْإِنْسَان من حَيْثُ هُوَ من غير اخْتِصَاص بِوَاحِد بِعَيْنِه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن الْإِنْسَان لفي خسر﴾ و ﴿إِن الْإِنْسَان لرَبه لكنود﴾ و ﴿إِن الْإِنْسَان خلق هلوعا﴾ و ﴿إِن الْإِنْسَان ليطْغى أَن رَآهُ اسْتغنى﴾ و ﴿إِن الْإِنْسَان لظلوم كفار﴾ و ﴿وَحملهَا الْإِنْسَان إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا﴾ فَهَذَا شَأْن الْإِنْسَان من حَيْثُ ذَاته وَنَفسه وَخُرُوجه عَن هَذِه الصِّفَات بِفضل ربه وتوفيقه لَهُ ومنته عَلَيْهِ لَا من ذَاته فَلَيْسَ لَهُ من ذَاته إِلَّا هَذِه الصِّفَات وَمَا بِهِ من نعْمَة فَمن الله وَحده فَهُوَ الذى حبب إِلَى عَبده الْإِيمَان وزينه فِي قلبه وَكره إِلَيْهِ الْكفْر والفسوق والعصيان وَهُوَ الَّذِي كتب فِي قلبه الْإِيمَان وَهُوَ الَّذِي يثبت أنبياءه وَرُسُله وأولياءه على دينه وَهُوَ الَّذِي يصرف عَنْهُم السوء والفحشاء وَكَانَ يرتجز بَين يَدي النَّبِي وَالله لَوْلَا الله مَا اهتدينا ... وَلَا تصدقنا وَلَا صلينَا وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لنَفس أَن تؤمن إِلَّا بِإِذن الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يذكرُونَ إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ وَمَا تشاءون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين فَهُوَ رب جَمِيع الْعَالم ربوبية شَامِلَة لجَمِيع مَا فِي الْعَالم من ذَوَات وأفعال وأحوال وَقَالَت طَائِفَة الْآيَة أَخْبَار بشرع من قبلنَا وَقد دلّ شرعنا على أَنه لَهُ مَا سعى وَمَا سعى لَهُ وَهَذَا أَيْضا أَضْعَف من الأول أَو من جنسه فان الله سُبْحَانَهُ أخبر بذلك أَخْبَار مُقَرر لَهُ مُحْتَج بِهِ لَا أَخْبَار مُبْطل لَهُ وَلِهَذَا قَالَ ﴿أم لم ينبأ بِمَا فِي صحف مُوسَى﴾ فَلَو كَانَ هَذَا بَاطِلا فِي هَذِه الشَّرِيعَة لم يخبر بِهِ أَخْبَار مُقَرر لَهُ مُحْتَج بِهِ وَقَالَت طَائِفَة اللَّام بِمَعْنى على أَي وَلَيْسَ على الْإِنْسَان إِلَّا مَا سعى وَهَذَا أبطل من الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلين فَإِنَّهُ قَول مَوْضُوع الْكَلَام إِلَى ضد مَعْنَاهُ الْمَفْهُوم مِنْهُ وَلَا يسوغ مثل هَذَا وَلَا تحتمله اللُّغَة وَأما نَحْو وَلَهُم اللَّعْنَة فَهِيَ على بَابهَا أَي نصِيبهم وحظهم وَأما أَن الْعَرَب تعرف فِي لغاتها لي دِرْهَم بِمَعْنى على دِرْهَم فكلا وَقَالَت طَائِفَة فِي الْكَلَام حذف تَقْدِيره ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ أَو سعى لَهُ وَهَذَا أَيْضا من النمط الأول فَإِنَّهُ حذف مَالا يدل السِّيَاق عَلَيْهِ بِوَجْه وَقَول على الله وَكتابه بِلَا علم وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى الْآيَة مَنْسُوخَة بقوله تَعَالَى ﴿وَالَّذين آمنُوا وَاتَّبَعتهمْ ذُرِّيتهمْ بِإِيمَان ألحقنا بهم ذُرِّيتهمْ﴾ وَهَذَا مَنْقُول عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا وَهَذَا ضَعِيف أَيْضا

стр. 123

وَلَا يرفع حكم الْآيَة بِمُجَرَّد قَول ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا وَلَا غَيره أَنَّهَا مَنْسُوخَة والجميع بَين الْآيَتَيْنِ غير مُتَعَذر وَلَا مُمْتَنع فَإِن الْأَبْنَاء تبعوا الْآبَاء فِي الْآخِرَة كَمَا كَانُوا تبعا لَهُم فِي الدُّنْيَا وَهَذِه التّبعِيَّة هِيَ من كَرَامَة الْآبَاء وثوابهم الَّذِي نالوه بسعيهم وَأما كَون الْأَبْنَاء لَحِقُوا بهم فِي الدرجَة بِلَا سعى مِنْهُم فَهَذَا لَيْسَ هُوَ لَهُم وَإِنَّمَا هُوَ للآباء أقرّ الله أَعينهم بإلحاق ذُرِّيتهمْ بهم فِي الْجنَّة وتفضل على الْأَبْنَاء بِشَيْء لم يكن لَهُم كَمَا تفضل بذلك على الْوَالِدَان والحور الْعين والخلق ألذين ينشئهم للجنة بِغَيْر أَعمال وَالْقَوْم الَّذين يدخلهم الْجنَّة بِلَا خير قدموه وَلَا عمل عملوه فَقَوله تَعَالَى أَن لَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى وَقَوله ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ آيتان محكمتان يقتضيهما عدل الرب تَعَالَى وحكمته وكما لَهُ الْمُقَدّس وَالْعقل والفطرة شَاهِدَانِ بهما فَالْأول تَقْتَضِي أَنه لَا يُعَاقب بجرم غَيره وَالثَّانيَِة تَقْتَضِي أَنه لَا يفلح إِلَّا بِعَمَلِهِ وسعيه فَالْأولى تؤمن العَبْد من أَخذه بجريرة غَيره كَمَا يَفْعَله مُلُوك الدُّنْيَا وَالثَّانيَِة تقطع طمعه من نجاته بِعَمَل آبَائِهِ وسلفه ومشايخه كَمَا عَلَيْهِ أَصْحَاب الطمع الْكَاذِب فَتَأمل حسن اجْتِمَاع هَاتين الْآيَتَيْنِ وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى ﴿من اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لنَفسِهِ وَمن ضل فَإِنَّمَا يضل عَلَيْهَا وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ فَحكم سُبْحَانَهُ لأعدائه بأَرْبعَة أَحْكَام هِيَ غَايَة الْعدْل وَالْحكمَة أَحدهَا إِن هدى الْعباد بِالْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح لنَفسِهِ لَا لغيره الثَّانِي أَن ضلاله بِفَوَات ذَلِك وتخلفه عَنهُ على نَفسه لَا على غَيره الثَّالِث أَن أحدا لَا يُؤَاخذ بجريرة غَيره الرَّابِع أَنه لَا يعذب أحدا إِلَّا بعد إِقَامَة الْحجَّة عَلَيْهِ يُرْسِلهُ فَتَأمل مَا فِي ضمن هَذِه الْأَحْكَام الْأَرْبَعَة من حكمته تَعَالَى وعدله وفضله وَالرَّدّ على أهل الْغرُور والأطماع الكاذبة وعَلى أهل الْجَهْل بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى المُرَاد بالإنسان هَا هُنَا الْحَيّ دون الْمَيِّت وَهَذَا أَيْضا من النمط الأول فِي الْفساد وَهَذَا كُله من سوء التَّصَرُّف فِي اللَّفْظ الْعَام وَصَاحب هَذَا التَّصَرُّف لَا ينفذ تصرفه فِي دلالات الْأَلْفَاظ وَحملهَا على خلاف موضوعها وَمَا يتَبَادَر إِلَى الذِّهْن مِنْهَا وَهُوَ تصرف فَاسد قطعا يُبطلهُ السِّيَاق وَالِاعْتِبَار وقواعد الشَّرْع وأدلته وعرفه وَسبب هَذَا التَّصَرُّف السيىء أَن صَاحبه يعْتَقد قولا ثمَّ يرد كلما دلّ على خِلَافه بِأَيّ طَرِيق اتّفقت لَهُ فالأدلة الْمُخَالفَة لما

стр. 124

اعتقده عِنْده من بَاب الصَّائِل لَا يُبَالِي بِأَيّ شَيْء دَفعه وأدلة الْحق لَا تتعارض وَلَا تتناقض بل يصدق بَعْضهَا بَعْضًا وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى وَهُوَ جَوَاب أَبى الْوَفَاء بن عقيل قَالَ الْجَواب الْجيد عِنْدِي إِن يُقَال الْإِنْسَان بسعيه وَحسن عشرته اكْتسب الأصدقاء وأولد الْأَوْلَاد ونكح الْأزْوَاج وأسدى الْخَيْر وتودد إِلَى النَّاس فترحموا عَلَيْهِ وأهدوا لَهُ الْعِبَادَات وَكَانَ ذَلِك أثر سَعْيه كَمَا قَالَ إِن أطيب مَا أكل الرجل من كَسبه وان وَلَده من كَسبه وَيدل عَلَيْهِ قَوْله فِي الحَدِيث الآخر إِذا مَاتَ العَبْد انْقَطع عمله إِلَّا من ثَلَاث علم ينْتَفع بِهِ من بعده وَصدقَة جَارِيَة عَلَيْهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ وَمن هُنَا قَول الشَّافِعِي إِذا بذل لَهُ وَلَده طَاعَة الْحَج كَانَ ذَلِك سَببا لوُجُوب الْحَج عَلَيْهِ حَتَّى كَأَنَّهُ فِي مَاله زَاد وراحلة بِخِلَاف بذل الْأَجْنَبِيّ وَهَذَا جَوَاب متوسط يحْتَاج إِلَى تَمام فَإِن العَبْد بإيمانه وطاعته لله وَرَسُوله قد سعى فِي انتفاعه بِعَمَل إخوانه الْمُؤمنِينَ مَعَ عمله كَمَا ينْتَفع بعملهم فِي الْحَيَاة مَعَ عمله فَإِن الْمُؤمنِينَ ينْتَفع بَعضهم بِعَمَل بعض فِي الْأَعْمَال الَّتِي يشتركون فِيهَا كَالصَّلَاةِ فِي جمَاعَة فَإِن كل وَاحِد مِنْهُم تضَاعف صلَاته إِلَى سَبْعَة وَعشْرين ضعفا لمشاركة غَيره لَهُ فِي الصَّلَاة فَعمل غَيره كَانَ سَببا لزِيَادَة أجره كَمَا أَن عمله سَبَب لزِيَادَة أجر الآخر بل قد قيل إِن الصَّلَاة يُضَاعف ثَوَابهَا يعدد الْمُصَلِّين وَكَذَلِكَ اشتراكهم فِي الْجِهَاد وَالْحج وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر والتعاون على الْبر وَالتَّقوى وَقد قَالَ النَّبِي الْمُؤمن لِلْمُؤمنِ كالبنيان يشد بعضه بَعْضًا وَشَبك بَين أَصَابِعه وَمَعْلُوم أَن هَذَا بِأُمُور الدّين أولى مِنْهُ بِأُمُور الدُّنْيَا فدخول الْمُسلم مَعَ جملَة الْمُسلمين فِي عقد الْإِسْلَام من أعظم الْأَسْبَاب فِي وُصُول نفع كل من الْمُسلمين إِلَى صَاحبه فِي حَيَاته وَبعد مماته ودعوة الْمُسلمين تحيط من ورائهم وَقد أخبر الله سُبْحَانَهُ عَن حَملَة الْعَرْش وَمن حوله أَنهم يَسْتَغْفِرُونَ للْمُؤْمِنين وَيدعونَ لَهُم وَاخْبَرْ عَن دُعَاء رسله واستغفارهم للْمُؤْمِنين كنوح وَإِبْرَاهِيم وَمُحَمّد فَالْعَبْد بإيمانه قد تسبب إِلَى وُصُول هَذَا الدُّعَاء إِلَيْهِ فَكَأَنَّهُ من سَعْيه يُوضحهُ أَن الله سُبْحَانَهُ جعل الْإِيمَان سَببا لانتفاع صَاحبه بِدُعَاء إخوانه من الْمُؤمنِينَ وسعيهم فَإِذا أَتَى بِهِ فقد سعى فِي السَّبَب الَّذِي يُوصل إِلَيْهِ وَقد دلّ على ذَلِك قَول النَّبِي لعَمْرو بن الْعَاصِ إِن أَبَاك لَو كَانَ أقرّ بِالتَّوْحِيدِ نَفعه ذَلِك يعْنى الْعتْق الَّذِي فعل عَنهُ بعد مَوته فَلَو أَتَى بِالسَّبَبِ لَكَانَ قد سعى فِي يعْمل يُوصل إِلَيْهِ ثَوَاب الْعتْق وَهَذِه طَريقَة لَطِيفَة حَسَنَة جدا وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى الْقُرْآن لم ينف انْتِفَاع الرجل بسعي غَيره وَإِنَّمَا نفي ملكه لغير سَعْيه

стр. 125

وَبَين الْأَمريْنِ من الْفرق مَالا يخفي فَأخْبر تَعَالَى أَنه لَا يملك إِلَّا سَعْيه وَأما سعى غَيره فَهُوَ ملك لساعيه فَإِن شَاءَ أَن يبذله لغيره وَإِن شَاءَ أَن يبقيه لنَفسِهِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ لم يقل لَا ينْتَفع إِلَّا بِمَا سعى وَكَانَ شَيخنَا يخْتَار هَذِه الطَّرِيقَة ويرجحها فصل وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت﴾ وَقَوله ﴿وَلَا تُجْزونَ إِلَّا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ على أَن هَذِه الْآيَة أصرح فِي الدّلَالَة على أَن سياقها وَإِنَّمَا يَنْفِي عُقُوبَة العَبْد بِعَمَل غَيره وَأَخذه بجريرته فَإِن الله سُبْحَانَهُ قَالَ ﴿فاليوم لَا تظلم نفس شَيْئا وَلَا تُجْزونَ إِلَّا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ فنفي أَن يظلم بِأَن يُزَاد عَلَيْهِ فِي سيئاته أَو ينقص من حَسَنَاته أَو يُعَاقب بِعَمَل غَيره وَلم ينف أَن ينْتَفع بِعَمَل غَيره لَا على وَجه الْجَزَاء فَإِن انتفاعه بِمَا يهدى إِلَيْهِ لَيْسَ جَزَاء على عمله وَإِنَّمَا هُوَ صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْهِ وتفضل بهَا عَلَيْهِ من غير سعى مِنْهُ بل وهبه ذَلِك على يَد بعض عباده لَا على وَجه الْجَزَاء فصل وَأما استدلالكم بقوله إِذا مَاتَ العَبْد انْقَطع عمله فاستدلال سَاقِط فانه لم يقل انْقَطع انتفاعه وَإِنَّمَا أخبر عَن انْقِطَاع عمله وَأما عمل غَيره فَهُوَ لعامله فان وهبه لَهُ وصل إِلَيْهِ ثَوَاب عمل الْعَامِل لَا ثَوَاب عمله هُوَ فالمنقطع شَيْء والواصل إِلَيْهِ شَيْء آخر وَكَذَلِكَ الحَدِيث الآخر وَهُوَ قَوْله إِن مِمَّا يلْحق الْمَيِّت من حَسَنَاته وَعَمله فَلَا يَنْفِي أَن يلْحقهُ غير ذَلِك من عمل غَيره وحسناته فصل وَأما قَوْلكُم الإهداء حِوَالَة وَالْحوالَة إِنَّمَا تكون بِحَق لَازم فَهَذِهِ حِوَالَة الْمَخْلُوق على الْمَخْلُوق وَأما حِوَالَة الْمَخْلُوق على الْخَالِق فَأمر آخر لَا يَصح قياسها على حِوَالَة العبيد بَعضهم على بعض وَهل هَذَا إِلَّا من أبطل الْقيَاس وأفسده وَالَّذِي يُبطلهُ إِجْمَاع الْأمة على انتفاعه بأَدَاء دينه وَمَا عَلَيْهِ من الْحُقُوق وإبراء الْمُسْتَحق لذمته وَالصَّدَََقَة وَالْحج عَنهُ بِالنَّصِّ الَّذِي لَا سَبِيل إِلَى رده وَدفعه وَكَذَلِكَ الصَّوْم وَهَذِه الأقيسة الْفَاسِدَة لَا تعَارض نُصُوص الشَّرْع وقواعده فصل وَأما قَوْلكُم الإيثار بِسَبَب الثَّوَاب مَكْرُوه وَهُوَ مسالة الإيثار بِالْقربِ فَكيف الإيثار الثَّوَاب بِنَفس الَّذِي هُوَ الْغَايَة فقد أُجِيب عَنهُ بأجوبة

стр. 126

الْجَواب الأول ان حَال الْحَيَاة حَال لَا يوثق فِيهَا بسلامة الْعَاقِبَة لجَوَاز إِن يرْتَد الْحَيّ فَيكون قد آثر بالقربة غير أَهلهَا وَهَذَا قد أَمن بِالْمَوْتِ فَإِن قيل والمهدى إِلَيْهِ أَيْضا قد لَا يكون مَاتَ على الْإِسْلَام بَاطِنا فَلَا ينْتَفع بِمَا يهدى إِلَيْهِ وَهَذَا سُؤال فِي غَايَة الْبطلَان فَإِن الإهداء لَهُ من جنس الصَّلَاة عَلَيْهِ وَالِاسْتِغْفَار لَهُ وَالدُّعَاء لَهُ فَإِن كَانَ أَهلا وَإِلَّا انْتفع بِهِ الدَّاعِي وَحده الْجَواب الثَّانِي أَن الإيثار بِالْقربِ يدل على قلَّة الرَّغْبَة فِيهَا والتأخر عَن فعلهَا فَلَو سَاغَ الإيثار بهَا لأفضى إِلَى التقاعد والتكاسل والتأخر بِخِلَاف إبداء ثَوَابهَا فَإِن الْعَامِل يحرص عَلَيْهَا لأجل ثَوَابهَا لينْتَفع بِهِ أَو ينفع بِهِ أَخَاهُ الْمُسلم فبينهما فرق ظَاهر الْجَواب الثَّالِث أَن الله يحب الْمُبَادرَة أَو المسارعة إِلَى خدمته والتنافس فِيهَا فَإِن ذَلِك ابلغ فِي الْعُبُودِيَّة فَإِن الْمُلُوك تحب المسارعة والمنافسة فِي طاعتها وَخدمتهَا فالإيثار بذلك منَاف لمقصود الْعُبُودِيَّة فَإِن الله سُبْحَانَهُ أَمر عَبده بِهَذِهِ الْقرْبَة أما إِيجَابا وَأما اسْتِحْبَابا فَإِذا أثر بهَا ترك مَا أمره وولاه غَيره بِخِلَاف مَا إِذا فعل مَا أَمر بِهِ طَاعَة وقربة ثمَّ أرسل ثَوَابه إِلَى أَخِيه الْمُسلم وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿سابقوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم وجنة عرضهَا كعرض السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ وَقَالَ فاستبقوا الْخيرَات وَمَعْلُوم أَن الإيثار بهَا يُنَافِي الاستباق إِلَيْهَا والمسارعة وَقد كَانَ الصَّحَابَة يسابق بَعضهم بَعْضًا بِالْقربِ وَلَا يُؤثر الرجل مِنْهُم غَيره بهَا قَالَ عمر وَالله مَا سابقني أَبُو بكر إِلَى خير إِلَّا سبقني إِلَيْهِ حَتَّى قَالَ وَالله لَا أسابقك إِلَى خير أبدا وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَفِي ذَلِك فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ﴾ يُقَال نافست فِي الشَّيْء مُنَافَسَة ونفاسا إِذا رغبت فِيهِ على وَجه المباراة وَمن هَذَا قَوْلهم شَيْء نَفِيس أَي هُوَ أهل أَن يتنافس فِيهِ ويرغب فِيهِ وَهَذَا أنفس مَالِي أَي أحبه إِلَى وأنفسني فلَان فِي كَذَا أَي أرغبني فِيهِ وَهَذَا كُله ضد الإيثار بِهِ وَالرَّغْبَة عَنهُ فصل وَأما قَوْلكُم لَو سَاغَ الإهداء إِلَى الْمَيِّت لساغ إِلَى الْحَيّ فَجَوَابه من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه قد ذهب إِلَى ذَلِك بعض الْفُقَهَاء من أَصْحَاب أَحْمد وَغَيرهم قَالَ القَاضِي وَكَلَام أَحْمد لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيص بِالْمَيتِ فانه قَالَ يفعل الْخَيْر وَيجْعَل نصفه لِأَبِيهِ وَأمه وَلم يفرق وَاعْترض عَلَيْهِ أَبُو الْوَفَاء بن عقيل وَقَالَ هَذَا فِيهِ بعد وَهُوَ تلاعب بِالشَّرْعِ وَتصرف فِي أَمَانَة الله واسجال على الله سُبْحَانَهُ بِثَوَاب على عمل يَفْعَله إِلَى غَيره وَبعد الْمَوْت قد جعل لنا طَرِيقا إِلَى إِيصَال النَّفْع كالاستغفار وَالصَّلَاة على الْمَيِّت

стр. 127

ثمَّ أورد على نَفسه سؤالا وَهُوَ فَإِن قيل أَلَيْسَ قَضَاء الدّين وَتحمل الْكل حَال الْحَيَاة كقضائه بعد الْمَوْت فقد اسْتَوَى ضَمَان الْحَيَاة وَضَمان الْمَوْت فِي أَنَّهُمَا يزيلان الْمُطَالبَة عَنهُ فَإِذا وصل قَضَاء الدُّيُون بعد الْمَوْت وَحَال الْحَيَاة فإجعلوا ثَوَاب الإهداء واصلا حَال الْحَيَاة وَبعد الْمَوْت وَأجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ لَو صَحَّ هَذَا وَجب أَن تكون الذُّنُوب تكفر عَن الْحَيّ بتوبة غَيره عَنهُ ويندفع عَنهُ مآثم الْآخِرَة بِعَمَل غَيره واستغفاره قلت وَهَذَا لَا يلْزم بل طرد ذَلِك انْتِفَاع الْحَيّ بِدُعَاء غَيره لَهُ واستغفاره لَهُ وَتصدقه عَنهُ وَقَضَاء دُيُونه وَهَذَا حق وَقد أذن النَّبِي فِي أَدَاء فَرِيضَة الْحَج عَن الْحَيّ المعضوب وَالْعَاجِز وهما حَيَّان وَقد أجَاب غَيره من الْأَصْحَاب بِأَن حَال الْحَيَاة لَا نثق بسلامة الْعَاقِبَة خوفًا أَن يرْتَد المهدى لَهُ فَلَا ينْتَفع بِمَا يهدى إِلَيْهِ قَالَ ابْن عقيل وَهَذَا عذر بَاطِل بإهداء الْحَيّ فَإِنَّهُ لَا يُؤمن أَن يرْتَد وَيَمُوت فيحبط عمله وَمن جملَته ثَوَاب مَا أهْدى إِلَى الْمَيِّت قلت هَذَا لَا يلْزمهُم وموارد النَّص وَالْإِجْمَاع تبطله وترده فان النَّبِي أذن فِي الْحَج وَالصَّوْم عَن الْمَيِّت وَأجْمع النَّاس على بَرَاءَة ذمَّته من الدّين إِذا قَضَاهُ عَنهُ الْحَيّ مَعَ وجود مَا ذكر من الِاحْتِمَال وَالْجَوَاب أَن يُقَال مَا أهداه من أَعمال الْبر إِلَى الْمَيِّت فقد صَار ملكا لَهُ فَلَا يبطل بردة فَاعله بعد خُرُوجه عَن ملكه كتصرفاته الَّتِي تصرفها قبل الرِّدَّة من عتق وَكَفَّارَة بل لَو حج عَن معضوب ثمَّ ارْتَدَّ بعد ذَلِك لم يلْزم المعضوب أَن يُقيم غَيره يحجّ عَنهُ فَإِنَّهُ لَا يُؤمن فِي الثَّانِي وَالثَّالِث ذَلِك على أَن الْفرق بَين الْحَيّ وَالْمَيِّت أَن الْحَيّ لَيْسَ بمحتاج كحاجة الْمَيِّت إِذْ يُمكنهُ أَن يُبَاشر ذَلِك الْعَمَل أَو نَظِيره فَعَلَيهِ اكْتِسَاب الثَّوَاب بِنَفسِهِ وسعيه بِخِلَاف الْمَيِّت وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يُفْضِي إِلَى اتكال بعض الْأَحْيَاء على بعض وَهَذِه مفْسدَة كَبِيرَة فان أَرْبَاب الْأَمْوَال إِذا فَهموا ذَلِك واستشعروه استأجروا من يفعل ذَلِك عَنْهُم فَتَصِير الطَّاعَات معاوضات وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى إِسْقَاط الْعِبَادَات والنوافل وَيصير مَا يتَقرَّب بِهِ إِلَى الله يتَقرَّب بِهِ إِلَى الْآدَمِيّين فَيخرج عَن الْإِخْلَاص فَلَا يحصل الثَّوَاب لوَاحِد مِنْهُمَا

стр. 128

وَنحن نمْنَع من أَخذ الْأُجْرَة على كل قربَة ونحبط بِأخذ الْأجر عَلَيْهَا كالقضاء والفتيا وَتَعْلِيم الْعلم وَالصَّلَاة وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَغَيرهَا فَلَا يثيب الله عَلَيْهَا إِلَّا لمخلص اخلص الْعَمَل لوجهه فَإِذا فعله للأجرة لم يثب عَلَيْهِ الْفَاعِل وَلَا الْمُسْتَأْجر فَلَا يَلِيق بمحاسن الشَّرْع أَن يَجْعَل الْعِبَادَات الْخَالِصَة لَهُ معاملات تقصد بهَا الْمُعَاوَضَات والإكساب الدُّنْيَوِيَّة وَفَارق قَضَاء الدُّيُون وضمانها فَإِنَّهَا حُقُوق الْآدَمِيّين يَنُوب بَعضهم فِيهَا عَن بعض فَلذَلِك جَازَت فِي الْحَيَاة وَبعد الْمَوْت فصل وَأما قَوْلكُم لَو سَاغَ إهداء نصف الثَّوَاب وربعه إِلَى الْمَيِّت فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن أَحدهمَا منع الْمُلَازمَة فَإِنَّكُم لم تَذكرُوا عَلَيْهَا دَلِيلا إِلَّا مُجَرّد الدَّعْوَى الثَّانِي الْتِزَام ذَلِك وَالْقَوْل بِهِ نَص عَلَيْهِ الإِمَام احْمَد فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن يحيى الكحال وَوجه هَذَا أَن الثَّوَاب ملك لَهُ فَلهُ أَن يهديه جَمِيعه وَله أَن يهدى بعضه يُوضحهُ أَنه لَو أهداه إِلَى أَرْبَعَة مثلا يحصل لكل مِنْهُم ربعه فَإِذا أهْدى الرّبع وَأبقى لنَفسِهِ الْبَاقِي جَازَ كَمَا لَو أهداه إِلَى غَيره فصل وَأما قَوْلكُم لَو سَاغَ ذَلِك لساغ إهداؤه بعد أَن يعمله لنَفسِهِ وَقد قُلْتُمْ انه لَا بُد أَن ينوى حَال الْفِعْل إهداءه إِلَى الْمَيِّت وَإِلَّا لم يصل فَالْجَوَاب ان هَذِه الْمَسْأَلَة غير منصوصة عَن أَحْمد وَلَا هَذَا الشَّرْط فِي كَلَام الْمُتَقَدِّمين من أَصْحَابه وَإِنَّمَا ذكره الْمُتَأَخّرُونَ كَالْقَاضِي وَأَتْبَاعه قَالَ ابْن عقيل إِذا فعل طَاعَة من صَلَاة وَصِيَام وَقِرَاءَة قُرْآن وأهداها بِأَن جعل ثَوَابهَا للْمَيت الْمُسلم فَإِنَّهُ يصل إِلَيْهِ ذَلِك وينفعه بِشَرْط أَن يتَقَدَّم نِيَّة الْهَدِيَّة على الطَّاعَة أَو تقارنها وَقَالَ أَبُو عبد الله بن حمدَان فِي رعايته وَمن تطوع بقربة من صَدَقَة وَصَلَاة وَصِيَام وَحج وَعمرَة وَقِرَاءَة وَعتق وَغير ذَلِك من عبَادَة بدنية تدْخلهَا النِّيَابَة وَعبادَة مَالِيَّة وَجعل جَمِيع ثَوَابهَا أَو بعضه لمَيت مُسلم حَتَّى النَّبِي ودعا لَهُ أَو اسْتغْفر لَهُ أَو قضى مَا عَلَيْهِ من حق شَرْعِي أَو وَاجِب تدخله النِّيَابَة نَفعه ذَلِك وَوصل إِلَيْهِ أجره وَقيل إِن نَوَاه حَال فعله أَو قبله وصل إِلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا وسر المسالة أَن أَو ان شَرط حُصُول الثَّوَاب أَن يَقع لمن أهْدى لَهُ أَولا وَيجوز أَن يَقع لِلْعَامِلِ ثمَّ ينْتَقل عَنهُ إِلَى غَيره فَمن شَرط أَن ينوى قبل الْفِعْل أَو الْفَرَاغ مِنْهُ وُصُوله قَالَ

стр. 129

لَو لم يُنَوّه وَقع الثَّوَاب لِلْعَامِلِ فَلَا يقبل انْتِقَاله عَنهُ إِلَى غَيره فَإِن الثَّوَاب يَتَرَتَّب على الْعَمَل ترَتّب الْأَثر على مؤثره وَلِهَذَا لَو أعتق عبدا عَن نَفسه كَانَ وَلَاؤُه لَهُ فَلَو نقل وَلَاؤُه إِلَى غَيره بعد الْعتْق لم ينْتَقل بِخِلَاف مَا لَو أعْتقهُ عَن الْغَيْر فَإِن ولاءه يكون للْمُعْتق عَنهُ وَكَذَلِكَ لَو أدّى دينا عَن نَفسه ثمَّ أَرَادَ بعد الْأَدَاء ان يَجعله عَن غَيره لم يكن لَهُ ذَلِك وَكَذَلِكَ لَو حج أَو صَامَ أَو صلى لنَفسِهِ ثمَّ بعد ذَلِك أَرَادَ أَن يَجْعَل ذَلِك عَن غَيره لم يملك ذَلِك وَيُؤَيّد هَذَا أَن الَّذين سَأَلُوا النَّبِي عَن ذَلِك لم يسألوه عَن إهداء ثَوَاب الْعَمَل بعده وَإِنَّمَا سَأَلُوهُ عَمَّا يَفْعَلُونَهُ عَن الْمَيِّت كَمَا قَالَ سعد أينفعها أَن أَتصدق عَنْهَا وَلم يقل أَن أهْدى لَهَا ثَوَاب مَا تَصَدَّقت بِهِ عَن نَفسِي وَكَذَلِكَ قَول الْمَرْأَة الْأُخْرَى أفأحج عَنْهَا وَقَول الرجل الآخر أفأحج عَن أَبى فأجابهم بِالْإِذْنِ فِي الْفِعْل عَن الْمَيِّت لَا بإهداء ثَوَاب مَا عملوه لأَنْفُسِهِمْ إِلَى موتاهم فَهَذَا لَا يعرف أَنه صلى سُئِلَ عَنهُ قطّ وَلَا يعرف عَن أحد من الصَّحَابَة أَنه فعله وَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَل لفُلَان ثَوَاب عَمَلي الْمُتَقَدّم أَو ثَوَاب مَا عملته لنَفْسي فَهَذَا سر الِاشْتِرَاط وَهُوَ افقه وَمن لم يشْتَرط ذَلِك يَقُول الثَّوَاب لِلْعَامِلِ فَإِذا تبرع بِهِ وأهداه إِلَى غَيره كَانَ بِمَنْزِلَة مَا يهديه إِلَيْهِ من مَاله فصل وَأما قَوْلكُم لَو سَاغَ الإهداء لساغ إهداء ثَوَاب الْوَاجِبَات الَّتِي تجب على الْحَيّ فَالْجَوَاب أَن هَذَا الْإِلْزَام محَال على أصل من شَرط فِي الْوُصُول نِيَّة الْفِعْل عَن الْمَيِّت فَإِن الْوَاجِب لَا يَصح أَن يَفْعَله عَن الْغَيْر فَإِن هَذَا وَاجِب على الْفَاعِل يجب عَلَيْهِ أَن ينوى بِهِ الْقرْبَة إِلَى الله وَأما من لم يشْتَرط نِيَّة الْفِعْل عَن الْغَيْر فَهَل يسوغ عِنْده أَن يَجْعَل للْمَيت ثَوَاب فرض من فروضه فِيهِ وَجْهَان قَالَ ابو عبد الله بن حمدَان وَقيل إِن جعل لَهُ ثَوَاب فرض من الصَّلَاة أَو صَوْم أَو غَيرهمَا جَازَ وأجزأ فَاعله قلت وَقد نقل عَن جمَاعَة أَنهم جعلُوا ثَوَاب أَعْمَالهم من فرض وَنقل للْمُسلمين وَقَالُوا نلقى الله بالفقر والإفلاس الْمُجَرّد والشريعة لَا تمنع من ذَلِك فالأجر ملك الْعَامِل فغن شَاءَ أَن يَجعله لغيره فَلَا حجر عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَالله أعلم فصل وَأما قَوْلكُم إِن التكاليف امتحان وابتلاء لَا تقبل الْبَدَل إِذْ الْمَقْصُود مِنْهَا عين الْمُكَلف الْعَامِل إِلَى آخِره

стр. 130

الْجَواب عَنهُ أَن ذَلِك لَا يمْنَع إِذن الشَّارِع للْمُسلمِ أَن ينفع أَخَاهُ بِشَيْء من عمله بل هَذَا من تَمام إِحْسَان الرب وَرَحمته لِعِبَادِهِ وَمن كَمَال هَذِه الشَّرِيعَة الَّتِي شرعها لَهُم الَّتِي مبناها على الْعدْل وَالْإِحْسَان والتعارف والرب تَعَالَى أَقَامَ مَلَائكَته وَحَملَة عَرْشه يدعونَ لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُم ويسألونه لَهُم أَن يقيهم السَّيِّئَات وَأمر خَاتم رسله أَن يسْتَغْفر للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات وبقيمة يَوْم الْقِيَامَة مقَاما مَحْمُودًا ليشفع فِي العصاة من أَتْبَاعه وَأهل سنته وَقد أمره تَعَالَى أَن يصلى على أَصْحَابه فِي حياتهم وَبعد مماتهم وَكَانَ يقوم على قُبُورهم فيدعو لَهُم وَلَقَد اسْتَقَرَّتْ الشَّرِيعَة على أَن المأثم الَّذِي على الْجَمِيع بترك فروض للكفايات يسْقط إِذا فعله من يحصل الْمَقْصُود بِفِعْلِهِ وَلَو وَاحِد وَأسْقط سُبْحَانَهُ الارتهان وحرارة الْجُلُود فِي الْقَبْر بِضَمَان الْحَيّ دين الْمَيِّت وأدائه عَنهُ وَإِن كَانَ ذَلِك الْوُجُوب امتحانا فِي حق الْمُكَلف وَأذن النَّبِي فِي الْحَج وَالصِّيَام عَن الْمَيِّت وَإِن كَانَ الْوُجُوب امتحانا فِي حَقه وَأسْقط عَن الْمَأْمُوم سُجُود السَّهْو بِصِحَّة صَلَاة الإِمَام وخلوها من السَّهْو وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة بتحمل الإِمَام لَهَا فَهُوَ يتَحَمَّل عَن الْمَأْمُوم سَهْوه وقراءته وسترته لقِرَاءَة الإِمَام وسترته قِرَاءَة لمن خَلفه وسترة لَهُ وَهل الْإِحْسَان إِلَى الْمُكَلف بإهداء الثَّوَاب إِلَيْهِ إِلَّا تأس بِإِحْسَان الرب تَعَالَى وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ والخلق عِيَال الله فأحبهم إِلَيْهِ أنفعهم لِعِيَالِهِ وَإِذ كَانَ سُبْحَانَهُ يحب من ينفع عِيَاله بِشَربَة مَاء ومذاقة لبن وكسرة خبز فَكيف من يَنْفَعهُمْ فِي حَال ضعفهم وفقرهم وَانْقِطَاع أَعْمَالهم وحاجتهم إِلَى شَيْء يهدى إِلَيْهِم أحْوج مَا كانونا اليه فَأحب الْخلق إِلَى الله من ينفع عِيَاله فِي هَذِه الْحَال وَلِهَذَا جَاءَ أثر عَن بعض السّلف أَنه من قَالَ كل يَوْم سبعين مرّة رب اغْفِر لي ولوالدي وللمسلمين وَالْمُسلمَات وَالْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات حصل لَهُ من الْأجر بِعَدَد كل مُسلم ومسلمة وَمُؤمن ومؤمنة وَلَا تستبعد هَذَا فَإِنَّهُ إِذا اسْتغْفر لإخوانه فقد أحسن إِلَيْهِم وَالله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ فصل وَأما قَوْلكُم انه لَو نَفعه عمل غَيره لنفعه تَوْبَته عَنهُ وإسلامه عَنهُ فَهَذِهِ الشُّبْهَة تورد على صُورَتَيْنِ صُورَة تلازم يدعى فِيهَا اللُّزُوم بَين الْأَمريْنِ ثمَّ يبين انْتِفَاء اللَّازِم فَيَنْتَفِي ملزومه وَصورتهَا هَكَذَا لَو نَفعه علم الْغَيْر عَنهُ لنفعه إِسْلَامه وتوبته عَنهُ لَكِن لَا يَنْفَعهُ ذَلِك فَلَا يَنْفَعهُ عمل الْغَيْر

стр. 131

وَالصُّورَة الثَّانِيَة إِن يُقَال لَا ينْتَفع بِإِسْلَام الْغَيْر وتوبته عَنهُ فَلَا ينْتَفع بِصَلَاتِهِ وصيامه وقراءته عَنهُ وَمَعْلُوم أَن هَذَا التلازم والإقران بَاطِل قطعا أما أَولا فُلَانُهُ قِيَاس مصادم لما تظاهرت بِهِ النُّصُوص وَاجْتمعت عَلَيْهِ الْأمة وَأما ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ جمع بَين مَا فرق الله بَينه فَإِن الله سُبْحَانَهُ فرق بَين إِسْلَام الْمَرْء عَن غَيره وَبَين صدقته وحجه وعتقه عَنهُ فَالْقِيَاس المسوى بَينهمَا من جنس قِيَاس الَّذين قاسوا الْميتَة على المذكى والربا على البيع وَأما ثَالِثا فَإِن الله سُبْحَانَهُ جعل الْإِسْلَام سَببا لنفع الْمُسلمين بَعضهم بَعْضًا فِي الْحَيَاة وَبعد الْمَوْت فَإِذا لم يَأْتِ بِسَبَب انتفاعه بِعَمَل الْمُسلمين لم يحصل لَهُ ذَلِك النَّفْع كَمَا قَالَ النَّبِي لعَمْرو إِن أَبَاك لَو كَانَ أقرّ بِالتَّوْحِيدِ فَصمت أَو تَصَدَّقت عَنهُ نَفعه ذَلِك وَهَذَا كَمَا جعل سُبْحَانَهُ الْإِسْلَام سَببا لانتفاع العَبْد مِمَّا عمل من خير فَإِذا فَاتَهُ هَذَا السَّبَب لم يَنْفَعهُ خير عمله وَلم يقبل مِنْهُ كَمَا جعل الْإِخْلَاص والمتابعة سَببا لقبُول الْأَعْمَال فَإِذا فقد لم تقبل الْأَعْمَال وكما جعل الْوضُوء وَسَائِر شُرُوط الصَّلَاة سَببا لصحتها فَإِذا فقدت فقدت الصِّحَّة وَهَذَا شَأْن سَائِر الْأَسْبَاب مَعَ مسبباتها الشَّرْعِيَّة والعقلية والحسية فَمن سوى بني حَالين وجود السَّبَب وَعَدَمه فَهُوَ مُبْطل وَنَظِير هَذَا الهوس أَن يُقَال لَو قبلت الشَّفَاعَة فِي العصاة لقبلت فِي الْمُشْركين وَلَو خرج أهل الْكَبَائِر من الْمُوَحِّدين من النَّار لخرج الْكفَّار مِنْهَا وأمثال ذَلِك من الأقيسة الَّتِي هِيَ من نجاسات معد أَصْحَابهَا ورجيع أَفْوَاههم وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأولى بِأَهْل الْعلم الْأَعْرَاض عَن الِاشْتِغَال بِدفع هَذِه الهذيانات لَوْلَا أَنهم قد سودوا بهَا صحف الْأَعْمَال والصحف الَّتِي بَين النَّاس فصل وَأما قَوْلكُم الْعِبَادَات نَوْعَانِ نوع تدخله النِّيَابَة فيصل ثَوَاب إهدائه إِلَى الْمَيِّت وَنَوع لَا تدخله فَلَا يصل ثَوَابه فَهَذَا هُوَ نفس الْمَذْهَب وَالدَّعْوَى فَكيف تحتجون بِهِ وَمن أَيْن لكم هَذَا الْفرق فَأَي كتاب أم أَي سنة أم أَي اعْتِبَار دلّ عَلَيْهِ حَتَّى يجب الْمصير إِلَيْهِ

стр. 132

وَقد شرع النَّبِي الصَّوْم عَن الْمَيِّت مَعَ أَن الصَّوْم لَا تدخله النِّيَابَة وَشرع للْأمة أَن يَنُوب بَعضهم عَن بعض فِي أَدَاء فرض الْكِفَايَة فَإِذا فعله وَاحِد نَاب عَن البَاقِينَ فِي فعله وَسقط عَنْهُم المأثم وَشرع لقيم الطِّفْل الَّذِي لَا يعقل أَن يَنُوب عَنهُ فِي الْإِحْرَام وأفعال الْمَنَاسِك وَحكم لَهُ بِالْأَجْرِ بِفعل نَائِبه وَقد قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ يحرم الرّفْقَة عَن الْمغمى عَلَيْهِ فَجعلُوا إِحْرَام رفقته بِمَنْزِلَة إِحْرَامه وَجعل الشَّارِع إِسْلَام الْأَبَوَيْنِ بِمَنْزِلَة إِسْلَام أطفالهما وَكَذَلِكَ إِسْلَام السابي وَالْمَالِك على القَوْل الْمَنْصُوص فقد رَأَيْت كَيفَ عدت هَذِه الشَّرِيعَة الْكَامِلَة أَفعَال الْبر من فاعلها إِلَى غَيرهم فَكيف يَلِيق بهَا أَن تحجر على العَبْد أَن ينفع وَالِديهِ ورحمه وإخوانه من الْمُسلمين فِي أعظم أَوْقَات حاجاتهم بِشَيْء من الْخَيْر عَلَيْهِ الشَّارِع فِي ثَوَاب عمله أَن يصرف مِنْهُ مَا شَاءَ إِلَى من شَاءَ من الْمُسلمين وَالَّذِي أوصل ثَوَاب الْحَج وَالصَّدَََقَة وَالْعِتْق هُوَ بِعَيْنِه الَّذِي يُوصل ثَوَاب الصّيام وَالصَّلَاة وَالْقِرَاءَة وَالِاعْتِكَاف وَهُوَ إِسْلَام المهدى وتبرع المهدى وإحسانه وَعدم حجر الشَّارِع عَلَيْهِ فِي الْإِحْسَان بل نَدبه إِلَى الْإِحْسَان بِكُل طَرِيق وَقد تواطأت رُؤْيا الْمُؤمنِينَ وتواترت أعظم تَوَاتر على أَخْبَار الْأَمْوَات لَهُم بوصول مَا يهدونه إِلَيْهِم من قِرَاءَة وَصَلَاة وَصدقَة وَحج وَغَيره وَلَو ذكرنَا مَا حكى لنا من أهل عصرنا وَمَا بلغنَا عَمَّن قبلنَا من ذَلِك لطال جدا وَقد قَالَ النَّبِي أرى رؤياكم قد تواطأت على أَنَّهَا فِي الْعشْر الْأَوَاخِر فأعتبر تواطؤ رُؤْيا الْمُؤمنِينَ وَهَذَا كَمَا يعْتَبر تواطؤ روايتهم لما شاهدوه فهم لَا يكذبُون فِي روايتهم وَلَا فِي رؤياهم إِذا تواطأت فصل وَأما رد حَدِيث رَسُول الله وَهُوَ قَوْله من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه بِتِلْكَ الْوُجُوه الَّتِي ذكرتموها فَنحْن ننتصر لحَدِيث رَسُول الله ونبين مُوَافَقَته للصحيح من تِلْكَ الْوُجُوه وَأما الْبَاطِل فيكفينا بُطْلَانه من معارضته للْحَدِيث الصَّحِيح الصَّرِيح الَّذِي لَا تغمز قناته وَلَا سَبِيل إِلَى مُقَابلَته إِلَّا بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة والإذعان وَالْقَبُول وَلَيْسَ لنا بعده الْخيرَة بل الْخيرَة وكل الْخيرَة فِي التَّسْلِيم لَهُ وَالْقَوْل بِهِ وَلَو خَالفه من بَين الْمشرق وَالْمغْرب فَأَما قَوْلكُم نرده بقول مَالك فِي موطئِهِ لَا يَصُوم أحد عَن أحد فمنازعوكم يَقُولُونَ بل نرد قَول مَالك هَذَا بقول النَّبِي فَأَي الْفَرِيقَيْنِ أَحَق بِالصَّوَابِ وَأحسن ردا

стр. 133

وَأما قَوْله وَهُوَ أَمر مجمع عَلَيْهِ عندنَا لَا خلاف فِيهِ فمالك ﵀ لم يحك إِجْمَاع الْأمة من شَرق الأَرْض وغربها وَإِنَّمَا حكى قَول أهل الْمَدِينَة فِيمَا بلغه وَلم يبلغهُ خلاف بَينهم وَعدم اطِّلَاعه ﵀ على الْخلاف فِي ذَلِك لَا يكون مسْقطًا لحَدِيث رَسُول الله بل لَو أجمع عَلَيْهِ أهل الْمَدِينَة كلهم لَكَانَ الْأَخْذ بِحَدِيث الْمَعْصُوم أولى من الْأَخْذ بقول أهل الْمَدِينَة الَّذين لم تضمن لنا الْعِصْمَة فِي قَوْلهم دون الْأمة وَلم يَجْعَل الله وَرَسُوله أَقْوَالهم حجَّة يجب الرَّد عِنْد التَّنَازُع إِلَيْهَا بل قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا﴾ وان كَانَ مَالك وَأهل الْمَدِينَة قد قَالُوا لَا يَصُوم أحد عَن أحد فقد روى الحكم بن عتيبة وَسَلَمَة بن كهيل عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَنه أفتى فِي قَضَاء رَمَضَان يطعم عَنهُ وَفِي النّذر يصام عَنهُ وَهَذَا مَذْهَب الإِمَام أَحْمد وَكثير من أهل الحَدِيث وَقَول أَبى عبيد وَقَالَ أَبُو ثَوْر يصام عَنهُ النّذر وَغَيره وَقَالَ الْحسن بن صَالح فِي النّذر يَصُوم عَنهُ وليه فصل أما قَوْلكُم ابْن عَبَّاس هُوَ رَاوِي حَدِيث الصَّوْم عَن الْمَيِّت وَقد قَالَ لَا يَصُوم أحد عَن أحد فغاية هَذَا أَن يكون الصَّحَابِيّ قد أفتى بِخِلَاف مَا رَوَاهُ وَهَذَا لَا يقْدَح فِي رِوَايَته فَإِن رِوَايَته معصومة وفتواه غير معصومة وَيجوز أَن يكون نسى الحَدِيث أَو تَأَوَّلَه أَو اعْتقد لَهُ مُعَارضا راجحا فِي ظَنّه أَو لغير ذَلِك من الْأَسْبَاب على أَن فَتْوَى ابْن عَبَّاس غير مُعَارضَة للْحَدِيث فَإِنَّهُ أفتى فِي رَمَضَان أَنه لَا يَصُوم أحد عَن أحد وَأفْتى فِي النّذر أَنه يصام عَنهُ وَلَيْسَ هَذَا بمخالف لروايته بل حمل الحَدِيث على النّذر ثمَّ إِن حَدِيث من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه هُوَ ثَابت من رِوَايَة عَائِشَة رضى الله عَنْهَا فَهَب أَن ابْن عَبَّاس خَالفه فَكَانَ مَاذَا فخلاف ابْن عَبَّاس لَا يقْدَح فِي رِوَايَة أم الْمُؤمنِينَ بل رد قَول ابْن عَبَّاس بِرِوَايَة عَائِشَة رضى الله عَنْهَا أولى من رد رِوَايَتهَا بقوله وَأَيْضًا فَإِن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قد اخْتلف عَنهُ فِي ذَلِك وَعنهُ رِوَايَتَانِ فَلَيْسَ إِسْقَاط الحَدِيث للرواية الْمُخَالفَة لَهُ عَنهُ أولى من إِسْقَاطهَا بالرواية الْأُخْرَى بِالْحَدِيثِ فصل وَأما قَوْلكُم انه حَدِيث اخْتلف فِي إِسْنَاده فَكَلَام مجازف لَا يقبل قَوْله فَالْحَدِيث صَحِيح ثَابت مُتَّفق على صِحَّته رَوَاهُ صاحبا الصَّحِيح وَلم يخْتَلف فِي إِسْنَاده

стр. 134

قَالَ ابْن الْبر ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه وَصَححهُ الإِمَام أَحْمد وَذهب إِلَيْهِ وعلق الشَّافِعِي القَوْل بِهِ على صِحَّته فَقَالَ وَقد روى عَن النَّبِي فِي الصَّوْم عَن الْمَيِّت شَيْء فَإِن كَانَ ثَابتا صيم عَنهُ كَمَا يحجّ عَنهُ وَقد ثَبت بِلَا شكّ فَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي كَذَلِك قَالَ غير وَاحِد من أَئِمَّة أَصْحَابه قَالَ البيهقى بعد حكايته هَذَا اللَّفْظ عَن الشَّافِعِي قد ثَبت جَوَاز الْقَضَاء عَن الْمَيِّت بِرِوَايَة سعيد بن جُبَير وَمُجاهد وَعَطَاء وَعَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس وَفِي رِوَايَة أَكْثَرهم إِن امْرَأَة سَأَلت فَأشبه أَن تكون غير قصَّة أم سعد وَفِي رِوَايَة بَعضهم صومي عَن أمك وَسَيَأْتِي تَقْرِير ذَلِك عِنْد الْجَواب عَن كَلَامه ﵀ وقولكم أَنه معَارض بِنَصّ الْقُرْآن وَهُوَ قَوْله ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ إساءة أدب فِي اللَّفْظ وَخطأ عَظِيم فِي الْمَعْنى وَقد أعاذ الله رَسُوله أَن تعَارض سنته لنصوص الْقُرْآن بل تعاضدها وتؤيدها ويالله مَا يصنع التعصب ونصرة التَّقْلِيد وَقد تقدم من الْكَلَام على الْآيَة مَا فِيهِ كِفَايَة وَبينا أَنَّهَا لَا تعَارض بَينهَا وَبَين سنة رَسُول الله بِوَجْه وَإِنَّمَا يظنّ التَّعَارُض من سوء الْفَهم وَهَذِه طَريقَة وخيمة ذميمة وَهِي رد السّنَن الثَّابِتَة بِمَا يفهم من ظَاهر الْقُرْآن وَالْعلم كل الْعلم تَنْزِيل السّنَن على الْقُرْآن فَإِنَّهَا مُشْتَقَّة مِنْهُ ومأخوذة عَمَّن جَاءَ بِهِ وَهِي بَيَان لَهُ لَا أَنَّهَا مناقضة لَهُ وقولكم أَنه معَارض بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن النَّبِي انه قَالَ لَا يصلى أحد عَن أحد وَلَا يَصُوم أحد عَن أحد وَلَكِن يطعم عَنهُ كل يَوْم مد من حِنْطَة فخطأ قَبِيح فَإِن النَّسَائِيّ رَوَاهُ هَكَذَا أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع حَدثنَا حجاج الْأَحول حَدثنَا أَيُّوب بن مُوسَى عَن عَطاء بن أَبى رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قَالَ لَا يصلى أحد عَن أحد وَلَا يَصُوم أحد عَن أحد وَلَكِن يطعم عَنهُ مَكَان كل يَوْم مد من حِنْطَة هَكَذَا رَوَاهُ قَول ابْن عَبَّاس لَا قَول رَسُول الله فَكيف يُعَارض قَول رَسُول الله بقول ابْن عَبَّاس ثمَّ يقدم عَلَيْهِ مَعَ ثُبُوت الْخلاف عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا وَرَسُول الله لم يقل هَذَا الْكَلَام قطّ وَكَيف يَقُوله وَقد ثَبت عَنهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه قَالَ من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه وَكَيف يَقُوله وَقد قَالَ فِي حَدِيث بُرَيْدَة الَّذِي رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه أَن امْرَأَة قَالَت لَهُ إِن أمى مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم شهر قَالَ صومي عَن أمك وَأما قَوْلكُم انه معَارض بِحَدِيث ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا من مَاتَ وَعَلِيهِ صَوْم رَمَضَان يطعم عَنهُ فَمن هَذَا النمط فَإِنَّهُ حَدِيث بَاطِل على رَسُول الله

стр. 135

قَالَ البيهقى حَدِيث مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أَبى ليلى عَن نَافِع عَن ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا عَن النَّبِي من مَاتَ وَعَلِيهِ صَوْم رَمَضَان يطعم عَنهُ لَا يَصح وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن كثير الْوَهم وَإِنَّمَا رَوَاهُ أَصْحَاب نَافِع عَنهُ نَافِع عَن ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا من قَوْله وَأما قَوْلكُم أَنه معَارض بِالْقِيَاسِ الْجَلِيّ على الصَّلَاة وَالْإِسْلَام وَالتَّوْبَة فَإِن أحدا لَا يَفْعَلهَا عَن أحد فلعمر الله انه لقياس جلى الْبطلَان وَالْفساد لرد سنة رَسُول الله الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة لَهُ وشهادتها بِبُطْلَانِهِ وَقد أوضحنا الْفرق بَين قبُول الْإِسْلَام عَن الْكَافِر بعد مَوته وَبَين انْتِفَاع الْمُسلم بِمَا يهديه إِلَيْهِ أَخُوهُ الْمُسلم من ثَوَاب صِيَام أَو صَدَقَة أَو صَلَاة ولعمر الله إِن الْفرق بَينهمَا أوضح من أَن يخفي وَهل فِي الْقيَاس أفسد من قِيَاس انْتِفَاع الْمُسلم بعد مَوته بِمَا يهديه إِلَيْهِ أَخُوهُ الْمُسلم من ثَوَاب عمله على قبُول الْإِسْلَام عَن الْكَافِر بعد مَوته أَو قبُول التَّوْبَة عَن المجرم بعد مَوته فصل وَأما كَلَام الشَّافِعِي ﵀ فِي تغليط رَاوِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا أَن نذر أم سعد كَانَ صوما فقد أجَاب عَنهُ أنْصر النَّاس لَهُ هُوَ البيهقى وَنحن نذْكر كَلَامه بِلَفْظِهِ قَالَ فِي كتاب الْمعرفَة بعد أَن حكى كَلَامه قد ثَبت جَوَاز الْقَضَاء عَن الْمَيِّت بِرِوَايَة سعيد ابْن جُبَير وَمُجاهد وَعَطَاء وَعِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا وَفِي رِوَايَة أَكْثَرهم أَن امْرَأَة سَأَلت فَأشبه أَن تكون غير قصَّة أم سعد وَفِي رِوَايَة بَعضهم صومي عَن أمك قَالَ وَتشهد لَهُ بِالصِّحَّةِ رِوَايَة عبد الله بن عَطاء الْمدنِي قَالَ حَدثنِي عبد الله بن بُرَيْدَة الأسلمى عَن أَبِيه قَالَ كنت عِنْد النَّبِي فَأَتَتْهُ امْرَأَة فَقَالَت يَا رَسُول الله إِنِّي كنت تَصَدَّقت بوليدة على أُمِّي فَمَاتَتْ وَبقيت الوليدة قَالَ قد وَجب أجرك وَرجعت إِلَيْك فِي الْمِيرَاث قَالَت فَإِنَّهَا مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم شهر قَالَ صومي عَن أمك قَالَت وَإِنَّهَا مَاتَت وَلم تحج قَالَ فحجى عَن أمك رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من أوجه عَن عبد الله بن عَطاء انتهي قلت وَقد روى أَبُو بكر بن أَبى شيبَة حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن مُسلم البطين عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صِيَام شهر أفأقضيه عَنْهَا فَقَالَ النَّبِي لَو كَانَ عَلَيْهَا دين أَكنت قاضيه عَنْهَا قَالَ نعم قَالَ فدين الله أَحَق أَن يقْضى

стр. 136

وَرَوَاهُ أَبُو خَيْثَمَة حَدثنَا مُعَاوِيَة بن عَمْرو حَدثنَا زَائِدَة عَن الْأَعْمَش فَذكره وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة بن سعيد حَدثنَا عَبْثَر عَن الْأَعْمَش فَذكره فَهَذَا غير حَدِيث أم سعد إِسْنَادًا ومتنا فان قصَّة أم سعد رَوَاهَا مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا أَن سعد بن عبَادَة استفتى رَسُول الله فَقَالَ إِن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا نذر فَقَالَ النَّبِي اقضه عَنْهَا هَكَذَا أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَهَب أَن هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ فِي هَذَا الحَدِيث أَنه نذر مُطلق لم يسم فَهَل يكون هَذَا فِي حَدِيث الْأَعْمَش عَن مُسلم البطين عَن سعيد بن جُبَير على أَن ترك استفصال النَّبِي لسعد فِي النّذر هَل كَانَ صَلَاة أَو صَدَقَة أَو صياما مَعَ أَن النَّاذِر قد ينذر هَذَا وَهَذَا يدل على أَنه لَا فرق بَين قَضَاء نذر الصّيام وَالصَّلَاة وَإِلَّا لقَالَ لَهُ مَا هُوَ النّذر فان النّذر إِذا انقسم إِلَى قسمَيْنِ نذر يقبل الْقَضَاء عَن الْمَيِّت وَنذر لَا يقبله لم يكن من الاستفصال فصل وَنحن نذْكر أَقْوَال أهل الْعلم فِي الصَّوْم عَن الْمَيِّت لِئَلَّا يتَوَهَّم أَن فِي الْمَسْأَلَة إِجْمَاعًا بِخِلَافِهِ قَالَ عبد الله بن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا يصام عَنهُ فِي النّذر وَيطْعم عَنهُ فِي قَضَاء رَمَضَان وَهَذَا مَذْهَب الإِمَام أَحْمد وَقَالَ أَبُو ثَوْر يصام عَنهُ النّذر وَالْفَرْض وَكَذَلِكَ قَالَ دَاوُد بن على وَأَصْحَابه يصام عَنهُ نذرا كَانَ أَو فرضا وَقَالَ الأوزاعى يَجْعَل وليه مَكَان الصَّوْم صَدَقَة فان لم يجد صَامَ عَنهُ وَهَذَا قَول سُفْيَان الثَّوْريّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ وَقَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام يصام عَنهُ النّذر وَيطْعم عَنهُ فِي الْفَرْض وَقَالَ الْحسن إِذا كَانَ عَلَيْهِ صِيَام شهر فصَام عَنهُ ثَلَاثُونَ رجلا يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ فصل وَأما قَوْلكُم أَنه يصل إِلَيْهِ فِي الْحَج ثَوَاب النَّفَقَة دون أَفعَال الْمَنَاسِك فدعوى مُجَرّدَة بِلَا برهَان وَالسّنة تردها فان النَّبِي قَالَ حج عَن أَبِيك وَقَالَ للْمَرْأَة حجى عَن أمك فَأخْبر أَن الْحَج نَفسه عَن الْمَيِّت وَلم يقل إِن الْإِنْفَاق هُوَ الَّذِي يَقع عَنهُ

стр. 137

وَكَذَلِكَ قَالَ للَّذي سَمعه يلبى عَن شبْرمَة حج عَن نَفسك ثمَّ حج عَن شبْرمَة وَلما سَأَلته الْمَرْأَة عَن الطِّفْل الَّذِي مَعهَا فَقَالَت أَلِهَذَا حج قَالَ نعم وَلم يقل إِنَّمَا لَهُ ثَوَاب الْإِنْفَاق بل أخبر أَن لَهُ حجا مَعَ أَنه لم يفعل شَيْئا بل وليه يَنُوب عَنهُ فِي أَفعَال الْمَنَاسِك ثمَّ إِن النَّائِب عَن الْمَيِّت قد لَا ينْفق شَيْئا فِي حجَّته غير نَفَقَة مقَامه فَمَا الَّذِي يَجْعَل نَفَقَة ثَوَاب نَفَقَة مقَامه للمحجوج عَنهُ وَهُوَ لم ينفقها على الْحَج بل تِلْكَ نَفَقَته أَقَامَ أم سَافر فَهَذَا القَوْل ترده السّنة وَالْقِيَاس وَالله أعلم فصل فَإِن قيل فَهَل تشترطون فِي وُصُول الثَّوَاب ان يهديه بِلَفْظِهِ أم يَكْفِي فِي وُصُوله مُجَرّد نيه الْعَامِل أَن يهديها إِلَى الْغَيْر قيل السّنة لم تشْتَرط التَّلَفُّظ بالإهداء فِي حَدِيث وَاحِد بل أطلق الْفِعْل عَن الْغَيْر كَالصَّوْمِ وَالْحج وَالصَّدَََقَة وَلم يقل لفاعل ذَلِك وَقل اللَّهُمَّ هَذَا عَن فلَان ابْن فلَان وَالله سُبْحَانَهُ يعلم نِيَّة العَبْد وقصده بِعَمَلِهِ فان ذكره جَازَ وَإِن ترك ذكره واكتفي بِالنِّيَّةِ وَالْقَصْد وصل إِلَيْهِ وَلَا يحْتَاج أَن يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي صَائِم غَدا عَن فلَان ابْن فلَان وَلِهَذَا وَالله أعلم اشْترط من اشْترط نِيَّة الْفِعْل عَن الْغَيْر قبله ليَكُون وَاقعا بِالْقَصْدِ عَن الْمَيِّت فَأَما إِذا فعله لنَفسِهِ ثمَّ نوى أَن يَجْعَل ثَوَابه للْغَيْر لم يصر الْغَيْر بِمُجَرَّد النِّيَّة كَمَا لَو نوى أَن يهب أَو يعْتق أَو يتَصَدَّق لم يحصل ذَلِك بِمُجَرَّد النِّيَّة وَبِمَا يُوضح ذَلِك أَنه لَو بنى مَكَانا بنية أَن يَجعله مَسْجِدا أَو مدرسة أَو ساقية وَنَحْو ذَلِك صَار وَقفا بِفِعْلِهِ مَعَ النِّيَّة وَلم يحْتَج إِلَى تلفظ وَكَذَلِكَ لَو أعْطى الْفَقِير مَالا بنية الزَّكَاة سَقَطت عَنهُ الزَّكَاة وَإِن لم يتَلَفَّظ بهَا وَكَذَلِكَ لَو أدّى عَن غَيره دينا حَيا كَانَ أَو مَيتا سقط من ذمَّته وَإِن لم يقل هَذَا عَن فلَان فَإِن قيل فَهَل يتَعَيَّن عَلَيْهِ تَعْلِيق الإهداء بِأَن يَقُول اللَّهُمَّ إِن كنت قبلت هَذَا الْعَمَل وأثبتنى عَلَيْهِ فَاجْعَلْ ثَوَابه لفُلَان أم لَا قيل لَا يتَعَيَّن ذَلِك لفظا وَلَا قصدا بل لَا فَائِدَة فِي هَذَا الشَّرْط فان الله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا يفعل هَذَا سَوَاء شَرطه أَو لم يشرطه فَلَو كَانَ سُبْحَانَهُ يفعل غير هَذَا بِدُونِ الشَّرْط كَانَ فِي الشَّرْط فَائِدَة وَأما قَوْله اللَّهُمَّ إِن كنت اثبتنى على هَذَا فَاجْعَلْ ثَوَابه لفُلَان فَهُوَ بِنَاء على ان الثَّوَاب يَقع لِلْعَامِلِ ثمَّ ينْتَقل مِنْهُ إِلَى من أهْدى لَهُ وَلَيْسَ كَذَلِك بل إِذا نوى حَال الْفِعْل

стр. 138

انه عَن فلَان وَقع الثَّوَاب أَولا عَن الْمَعْمُول لَهُ كَمَا لَو أعتق عَبده عَن غَيره لَا نقُول ان الْوَلَاء يَقع للْمُعْتق ثمَّ ينْتَقل عَنهُ إِلَى الْمُعْتق عَنهُ فَهَكَذَا هَذَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق فَإِن قيل فَمَا الْأَفْضَل انه يهدى إِلَى الْمَيِّت قيل الْأَفْضَل مَا كَانَ أَنْفَع فِي نَفسه فالعتق عَنهُ وَالصَّدَََقَة أفضل من الصّيام عَنهُ وَأفضل الصَّدَقَة مَا صادفت حَاجَة من الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ وَكَانَت دائمة مستمرة وَمِنْه قَول النَّبِي افضل الصَّدَقَة سقى المَاء وَهَذَا فِي مَوضِع يقل فِيهِ المَاء وَيكثر فِيهِ الْعَطش وَإِلَّا فسقى المَاء على الْأَنْهَار والقنى لَا يكون أفضل من إطْعَام الطَّعَام عِنْد الْحَاجة وَكَذَلِكَ الدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار لَهُ إِذا كَانَ بِصدق من الدَّاعِي وإخلاص وتضرع فَهُوَ فِي مَوْضِعه افضل من الصَّدَقَة عَنهُ كَالصَّلَاةِ على الْجِنَازَة وَالْوُقُوف للدُّعَاء على قَبره وَبِالْجُمْلَةِ فأفضل مَا يهدى إِلَى الْمَيِّت الْعتْق وَالصَّدَََقَة وَالِاسْتِغْفَار لَهُ وَالدُّعَاء لَهُ وَالْحج عَنهُ وَأما قِرَاءَة الْقُرْآن وإهداؤها لَهُ تَطَوّعا بِغَيْر أُجْرَة فَهَذَا يصل إِلَيْهِ كَمَا يصل ثَوَاب الصَّوْم وَالْحج فَإِن قيل فَهَذَا لم يكن مَعْرُوفا فِي السّلف وَلَا يُمكن نَقله عَن وَاحِد مِنْهُم مَعَ شدَّة حرصهم على الْخَيْر وَلَا أرشدهم النَّبِي وَقد أرشدهم إِلَى الدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار وَالصَّدَََقَة وَالْحج وَالصِّيَام فَلَو كَانَ ثَوَاب الْقِرَاءَة يصل لأرشدهم إِلَيْهِ ولكانوا يَفْعَلُونَهُ فَالْجَوَاب أَن مورد هَذَا السُّؤَال إِن كَانَ معترفا بوصول ثَوَاب الْحَج وَالصِّيَام وَالدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار قيل لَهُ مَا هَذِه الخاصية الَّتِي منعت بوصول ثَوَاب الْقُرْآن واقتضت وُصُول ثَوَاب الْقُرْآن واقتضت وُصُول ثَوَاب هَذِه الْأَعْمَال وَهل هَذَا إِلَّا تَفْرِيق بَين المتماثلات وان لم يعْتَرف بوصول تِلْكَ الْأَشْيَاء إِلَى الْمَيِّت فَهُوَ محجوج بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وقواعد الشَّرْع وَأما السَّبَب الَّذِي لأَجله يظْهر ذَلِك فِي السّلف فَهُوَ أَنهم لم يكن لَهُم أوقاف على من يقْرَأ ويهدى إِلَى الْمَوْتَى وَلَا كَانُوا يعْرفُونَ ذَلِك الْبَتَّةَ وَلَا كَانُوا يقصدون الْقَبْر للْقِرَاءَة عِنْده كَمَا يَفْعَله النَّاس الْيَوْم وَلَا كَانَ أحدهم يشْهد من حَضَره من النَّاس على أَن ثَوَاب هَذِه الْقِرَاءَة لفُلَان الْمَيِّت بل وَلَا ثَوَاب هَذِه الصَّدَقَة وَالصَّوْم

стр. 139

ثمَّ يُقَال لهَذَا الْقَائِل لَو كلفت أَن تنقل عَن وَاحِد من السّلف أَنه قَالَ اللَّهُمَّ ثَوَاب هَذَا الصَّوْم لفُلَان لعجزت فَإِن الْقَوْم كَانُوا أحرص شَيْء على كتمان أَعمال الْبر فَلم يَكُونُوا ليشهدوا على الله بإيصال ثَوَابهَا إِلَى أمواتهم فَإِن قيل فَرَسُول الله أرشدهم إِلَى الصَّوْم وَالصَّدَََقَة وَالْحج دون الْقِرَاءَة قيل هُوَ يبتدئهم بذلك بل خرج ذَلِك مِنْهُ مخرج الْجَواب لَهُم فَهَذَا سَأَلَهُ عَن الْحَج عَن ميته فَإِذن لَهُ وَهَذَا سَأَلَهُ عَن الصّيام عَنهُ فَإِذن لَهُ وَهَذَا سَأَلَهُ عَن الصَّدَقَة فَإِذن لَهُ وَلم يمنعهُم مِمَّا سوى ذَلِك وَأي فرق بَين وُصُول ثَوَاب الصَّوْم الَّذِي هُوَ مُجَرّد نِيَّة وإمساك بَين وُصُول ثَوَاب الْقِرَاءَة وَالذكر وَالْقَائِل أَن أحدا من السّلف لم يفعل ذَلِك قَائِل مَالا علم لَهُ بِهِ فَإِن هَذِه شَهَادَة على نفي مَا لم يعمله فَمَا يدريه أَن السّلف كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك وَلَا يشْهدُونَ من حضرهم عَلَيْهِ بل يَكْفِي اطلَاع علام الغيوب على نياتهم ومقاصدهم لَا سِيمَا والتلفظ بنية الإهداء لَا يشْتَرط كَمَا تقدم وسر الْمَسْأَلَة أَن الثَّوَاب ملك الْعَامِل فَإِذا تبرع بِهِ وأهداه إِلَى أَخِيه الْمُسلم أوصله الله إِلَيْهِ فَمَا الَّذِي خص من هَذَا ثَوَاب قِرَاءَة الْقُرْآن وَحجر على العَبْد أَن يوصله إِلَى أَخِيه وَهَذَا عمل سَائِر النَّاس حَتَّى المنكرين فِي سَائِر الإعصار والأمصار من غير نَكِير من الْعلمَاء فَإِن قيل فَمَا تَقولُونَ فِي الإهداء إِلَى رَسُول الله قيل من الْفُقَهَاء الْمُتَأَخِّرين من استحبه وَمِنْهُم من لم يستحبه وَرَآهُ بِدعَة فان الصَّحَابَة لم يَكُونُوا يَفْعَلُونَهُ وَأَن النَّبِي لَهُ أجر كل من عمل خيرا من أمته من غير أَن ينقص من أجر الْعَامِل شَيْء لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي دلّ أمته على كل خير وأرشدهم ودعاهم إِلَيْهِ وَمن دَعَا إِلَى هدى فَلهُ من الْأجر مثل أجور من تبعه من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْء وكل هدى وَعلم فَإِنَّمَا نالته أمته على يَده فَلهُ مثل أجر من اتبعهُ أهداه إِلَيْهِ أول لم يهده وَالله أعلم

стр. 140

الْمَسْأَلَة السَّابِعَة عشرَة وَهِي هَل الرّوح قديمَة أَو محدثة مخلوقة وَإِذا كَانَت محدثة مخلوقة وَهِي من أَمر الله فَكيف يكون أَمر الله مُحدثا مخلوقا وَقد أخبر سُبْحَانَهُ أَنه نفخ فِي آدم من روحه فَهَذِهِ الْإِضَافَة إِلَيْهِ هَل تدل على أَنَّهَا قديمَة أم لَا وَمَا حَقِيقَة هَذِه الْإِضَافَة فقد أخبر عَن آدم أَنه خلقه بِيَدِهِ وَنفخ فِيهِ من روحه فأضاف الْيَد وَالروح إِلَيْهِ إِضَافَة وَاحِدَة فَهَذِهِ مَسْأَلَة زل فِيهَا عَالم وضل فِيهَا طوائف من بنى آدم وَهدى الله اتِّبَاع رَسُوله فِيهَا للحق الْمُبين وَالصَّوَاب المستبين فأجمعت الرُّسُل صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم على أَنَّهَا محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مُدبرَة هَذَا مَعْلُوم بالاضطرار من دين الرُّسُل صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم كَمَا يعلم بالاضطرار من دينهم أَن الْعَالم حَادث وَأَن معاد الْأَبدَان وَاقع وَأَن الله وَحده الْخَالِق وكل مَا سواهُ مَخْلُوق لَهُ وَقد انطوى عصر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعيهم وهم الْقُرُون الْفَضِيلَة على ذَلِك من غير اخْتِلَاف بَينهم فِي حدوثها وَأَنَّهَا مخلوقة حَتَّى نبغت نَابِغَة مِمَّن قصر فهمه فِي الْكتاب وَالسّنة فَزعم أَنَّهَا قديمَة غير مخلوقة وَاحْتج بِأَنَّهَا من أَمر الله وَأمره غير مَخْلُوق وَبِأَن الله تَعَالَى أضافها إِلَيْهِ كَمَا أضَاف إِلَيْهِ علمه وَكتابه وَقدرته وسَمعه وبصره وَيَده وَتوقف آخَرُونَ فَقَالُوا لَا نقُول مخلوقة وَلَا غير مخلوقة وَسُئِلَ عَن ذَلِك حَافظ أَصْبَهَان أَبُو عبد الله بن مَنْدَه فَقَالَ أما بعد فَإِن سَائِلًا سَأَلَني عَن الرّوح الَّتِي جعلهَا الله سُبْحَانَهُ قوام نفس الْخلق وأبدانهم وَذكر أَن أَقْوَامًا تكلمُوا فِي الرّوح وَزَعَمُوا أَنَّهَا غير مخلوقة وَخص بَعضهم مِنْهَا أَرْوَاح الْقُدس وَأَنَّهَا من ذَات الله قَالَ وَأَنا أذكر اخْتِلَاف أقاويل متقدميهم وَأبين مَا يُخَالف أقاويلهم من الْكتاب والأثر وأقاويل الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَأهل الْعلم وأذكر بعد ذَلِك وُجُوه الرّوح من الْكتاب والأثر وأوضح خطأ الْمُتَكَلّم فِي الرّوح بِغَيْر علم وَأَن كَلَامهم يُوَافق قَول جهم وَأَصْحَابه فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق أَن النَّاس اخْتلفُوا فِي معرفَة الْأَرْوَاح ومحلها من النَّفس فَقَالَ بَعضهم الْأَرْوَاح كلهَا مخلوقة وَهَذَا مَذْهَب أهل الْجَمَاعَة والأثر وَاحْتَجُّوا بقول النَّبِي الْأَرْوَاح جنود مجنده فَمَا تعارف مِنْهَا ائتلف وَمَا تناكر مِنْهَا اخْتلف والجنود المجندة لَا تكون إِلَّا مخلوقة وَقَالَ بَعضهم الْأَرْوَاح من أَمر الله أُخْفِي الله حَقِيقَتهَا وَعلمهَا عَن الْخلق وَاحْتَجُّوا بقول الله تَعَالَى ﴿قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾

стр. 141

وَقَالَ بَعضهم الْأَرْوَاح نور من أنوار الله تَعَالَى وحياة من حَيَاته واحتجت بقول النَّبِي إِن الله خلق خلقه فِي ظلمَة وَألقى عَلَيْهِم من نوره ثمَّ ذكر الْخلاف فِي الْأَرْوَاح هَل تَمُوت أم لَا وَهل تعذب مَعَ الأجساد فِي البرزخ وَفِي مستقرها بعد الْمَوْت وَهل هِيَ النَّفس أَو غَيرهَا وَقَالَ مُحَمَّد بن نصر المروزى فِي كِتَابه تَأَول صنف من الزَّنَادِقَة وصنف من الروافض فِي روح آدم مَا تأولته النَّصَارَى فِي روح عِيسَى وَمَا تَأَوَّلَه قوم من أَن الرّوح انْفَصل من ذَات الله فَصَارَ فِي الْمُؤمن فعبد صنف من النَّصَارَى عِيسَى وَمَرْيَم جَمِيعًا لِأَن عِيسَى عِنْدهم روح من الله صَار فِي مَرْيَم فَهُوَ غير مَخْلُوق عِنْدهم وَقَالَ صنف من الزَّنَادِقَة وصنف من الروافض أَن روح آدم مثل ذَلِك أَنه غير مَخْلُوق وتأولوا قَوْله تَعَالَى ﴿ونفخت فِيهِ من روحي﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿ثمَّ سواهُ وَنفخ فِيهِ من روحه﴾ فزعموا إِن روح آدم لَيْسَ بمخلوق كَمَا تَأَول من قَالَ إِن النُّور من الرب غير مَخْلُوق قَالُوا ثمَّ صَارُوا بعد آدم فِي الْوَصِيّ بعده ثمَّ هُوَ فِي كل نَبِي ووصى إِلَى أَن صَار فِي على ثمَّ فِي الْحسن وَالْحُسَيْن ثمَّ فِي كل وصّى وَإِمَام فِيهِ يعلم الإِمَام كل شَيْء وَلَا يحْتَاج أَن يتَعَلَّم من أحد وَلَا خلاف بَين الْمُسلمين أَن الْأَرْوَاح الَّتِي فِي آدم وبنيه وَعِيسَى وَمن سواهُ من بنى آدم كلهَا مخلوقة لله خلقهَا وأنشأها وَكَونهَا واخترعها ثمَّ أضافها إِلَى نَفسه كَمَا أضَاف إِلَيْهِ سَائِر خلقه قَالَ تَعَالَى وسخر لكم مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية روح الْآدَمِيّ مخلوقة مبدعة بإتفاق سلف الْأمة وأئمتها وَسَائِر أهل السّنة وَقد حكى إِجْمَاع الْعلمَاء على أَنَّهَا مخلوقة غير وَاحِد من أَئِمَّة الْمُسلمين مثل مُحَمَّد ابْن نصر المروزى الإِمَام الْمَشْهُور الَّذِي هُوَ من أعلم أهل زَمَانه بِالْإِجْمَاع وَلَا اخْتِلَاف وَكَذَلِكَ أَبُو مُحَمَّد بن قُتَيْبَة قَالَ فِي كتاب اللَّفْظ لما تكلم على الرّوح قَالَ النسم الْأَرْوَاح قَالَ وَأجْمع النَّاس على أَن الله تَعَالَى هُوَ فالق الْحبَّة وبارىء النَّسمَة أَي خَالق الرّوح وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق ابْن شاقلا فِيمَا أجَاب بِهِ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة سَأَلت رَحِمك الله عَن الرّوح مخلوقة هِيَ أَو غير مخلوقة قَالَ وَهَذَا مِمَّا لَا يشك فِيهِ من وفْق للصَّوَاب أَن الرّوح من الْأَشْيَاء المخلوقة وَقد تكلم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة طوائف من أكَابِر الْعلمَاء والمشايخ وردوا على من يزْعم إِنَّهَا غير مخلوقة وصنف الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه فِي ذَلِك كتابا كَبِيرا وَقَبله الإِمَام مُحَمَّد بن نصر المروزى وَغَيره وَالشَّيْخ أَبُو سعيد الخراز وَأَبُو يَعْقُوب النَّهر جوري وَالْقَاضِي أَبُو يعلى وَقد نَص على ذَلِك الْأَئِمَّة الْكِبَار وَاشْتَدَّ نكيرهم على من يَقُول ذَلِك فِي روح عِيسَى ابْن مَرْيَم فَكيف بِروح

стр. 142

غَيره كَمَا ذكره الإِمَام أَحْمد فِيمَا كتبه فِي مَجْلِسه فِي الرَّد على الزَّنَادِقَة والجهمية ثمَّ أَن الجهمى ادّعى أمرا فَقَالَ أَنا أجد آيَة فِي كتاب الله مِمَّا يدل على أَن الْقُرْآن مَخْلُوق قَول الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ﴾ وَعِيسَى مَخْلُوق قُلْنَا لَهُ إِن الله تَعَالَى مَنعك الْفَهم لِلْقُرْآنِ ان عِيسَى تجرى عَلَيْهِ أَلْفَاظ لَا تجرى على الْقُرْآن لأَنا نُسَمِّيه مولودا وطفلا وصبيا وَغُلَامًا يَأْكُل وَيشْرب وَهُوَ مُخَاطب بِالْأَمر وَالنَّهْي يجرى عَلَيْهِ الْخطاب والوعد والوعيد ثمَّ هُوَ من ذُرِّيَّة نوح وَمن ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم فَلَا يحل لنا أَن نقُول فِي الْقُرْآن مَا نقُول فِي عِيسَى فَهَل سَمِعْتُمْ الله يَقُول فِي الْقُرْآن مَا قَالَ فِي عِيسَى وَلَكِن الْمَعْنى فِي قَوْله تَعَالَى إِن الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ فالكلمة الَّتِي أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم حِين قَالَ لَهُ كن فَكَانَ عِيسَى بكن وَلَيْسَ عِيسَى هُوَ كن وَلَكِن كَانَ بكن فَكُن من الله قَول وَلَيْسَ كن مخلوقا وكذبت النَّصَارَى والجهمية على الله فِي أَمر عِيسَى وَذَلِكَ أَن الْجَهْمِية قَالُوا روح هَذِه الْخِرْقَة من هَذَا الثَّوَاب قُلْنَا نَحن أَن عِيسَى بِالْكَلِمَةِ كَانَ وَلَيْسَ عِيسَى هُوَ الْكَلِمَة وَإِنَّمَا الْكَلِمَة قَول الله تَعَالَى كن وَقَوله ﴿وروح مِنْهُ﴾ يَقُول من أمره كَانَ الرّوح فِيهِ كَقَوْلِه تَعَالَى وسخر لكم مَا فِي السَّمَوَات وَمَا الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ يَقُول من أمره وَتَفْسِير روح الله إِنَّمَا مَعْنَاهَا بِكَلِمَة الله خلقهَا كَمَا يُقَال عبد الله وسماء الله وَأَرْض الله فقد صرح بِأَن روح الْمَسِيح مخلوقة فَكيف بِسَائِر الْأَرْوَاح وَقد أضَاف الله إِلَيْهِ الرّوح الَّذِي أرْسلهُ إِلَى مَرْيَم وَهُوَ عَبده وَرَسُوله وَلم يدل على ذَلِك أَنه قديم غير مَخْلُوق فَقَالَ تَعَالَى ﴿فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا فتمثل لَهَا بشرا سويا قَالَت إِنِّي أعوذ بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا قَالَ إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك لأهب لَك غُلَاما زكيا﴾ فَهَذَا الرّوح هُوَ روح الله وَهُوَ عَبده وَرَسُوله وَسَنذكر إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَقسَام الْمُضَاف إِلَى الله وأنى يكون الْمُضَاف صفة لَهُ قديمَة وَإِنِّي يكون مخلوقا وَمَا ضَابِط ذَلِك فصل وَالَّذِي يدل على خلقهَا وُجُوه الْوَجْه الأول قَول الله تَعَالَى ﴿الله خَالق كل شَيْء﴾ فَهَذَا اللَّفْظ عَام لَا تَخْصِيص فِيهِ بِوَجْه مَا وَلَا يدْخل فِي ذَلِك صِفَاته فَإِنَّهَا دَاخِلَة فِي مُسَمّى بإسمه فَالله سُبْحَانَهُ هُوَ الْإِلَه الْمَوْصُوف بِصِفَات الْكَمَال فَعلمه وَقدرته وحياته وإرادته وسَمعه وبصره وَسَائِر صِفَاته دَاخل فِي مُسَمّى اسْمه لَيْسَ دَاخِلا فِي الْأَشْيَاء المخلوقة كَمَا لم تدخل ذَاته فِيهَا فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَصِفَاته الْخَالِق وَمَا سواهُ مَخْلُوق

стр. 143

وَمَعْلُوم قطعا أَن الرّوح لَيست هِيَ الله وَلَا صفة من صِفَاته وَإِنَّمَا هِيَ مَصْنُوع من مصنوعاته فوقوع الْخلق عَلَيْهَا كوقوعه على الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ وَالْإِنْس الْوَجْه الثَّانِي قَوْله تَعَالَى زَكَرِيَّا ﴿وَقد خلقتك من قبل وَلم تَكُ شَيْئا﴾ وَهَذَا الْخطاب لروحه وبدنه لَيْسَ لبدنه فَقَط فَإِن الْبدن وَحده لَا يفهم وَلَا يُخَاطب وَلَا يعقل وَإِنَّمَا الَّذِي يفهم وَيعْقل ويخاطب هُوَ الرّوح الْوَجْه الثَّالِث قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ الْوَجْه الرَّابِع قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد خَلَقْنَاكُمْ ثمَّ صورناكم ثمَّ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم﴾ وَهَذَا الْإِخْبَار إِنَّمَا يتَنَاوَل أَرْوَاحنَا وأجسادنا كَمَا يَقُوله الْجُمْهُور واما أَن يكون وَاقعا على الْأَرْوَاح قبل خلق الأجساد كَمَا يَقُوله من يزْعم ذَلِك وعَلى التَّقْدِير فَهُوَ صَرِيح فِي خلق الْأَرْوَاح الْوَجْه الْخَامِس النُّصُوص الدَّالَّة على أَنه سُبْحَانَهُ رَبنَا وَرب آبَائِنَا الْأَوَّلين وَرب كل شَيْء وَهَذِه الربوبية شَامِلَة لأرواحنا وأبداننا فالأرواح مربوبة لَهُ مَمْلُوكَة كَمَا ان الْأَجْسَام كَذَلِك وكل مربوب مَمْلُوك فَهُوَ مَخْلُوق الْوَجْه السَّادِس أول سُورَة فِي الْقُرْآن وَهِي الْفَاتِحَة تدل على أَن الْأَرْوَاح مخلوقة من عدَّة أوجه أَحدهَا قَوْله تَعَالَى ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ والأرواح من جملَة الْعَالم فَهُوَ رَبهَا الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ فالأرواح عابدة لَهُ مستعينة وَلَو كَانَت غير مخلوقة لكَانَتْ معبودة مستعانا بهَا الثَّالِث إِنَّهَا فقيرة إِلَى هِدَايَة فاطرها وربها تسأله أَن يهديها صراطه الْمُسْتَقيم الرَّابِع أَنَّهَا منعم عَلَيْهَا مَرْحُومَة ومغضوب عَلَيْهَا وضالة شقية وَهَذَا شَأْن المربوب والمملوك لَا شَأْن الْقَدِيم غير الْمَخْلُوق الْوَجْه السَّابِع النُّصُوص الدَّالَّة على أَن الْإِنْسَان عبد بجملته وَلَيْسَت عبوديته وَاقعَة على بدنه دون روحه بل عبوديته الرّوح أصل وعبودية الْبدن تبع كَمَا أَنه تبع لَهَا فِي الْأَحْكَام وَهِي الَّتِي تحركه وتستعمله وَهُوَ تبع لَهَا فِي الْعُبُودِيَّة الْوَجْه الثَّامِن قَوْله تَعَالَى ﴿هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر لم يكن شَيْئا مَذْكُورا﴾ فَلَو كَانَت روحه قديمَة لَكَانَ الْإِنْسَان لم يزل شَيْئا مَذْكُورا فَإِنَّهُ إِنَّمَا هُوَ إِنْسَان بِرُوحِهِ لَا بِبدنِهِ فَقَط كَمَا قيل يَا خَادِم الْجِسْم كم تشقى بخدمته ... فَأَنت بِالروحِ لَا بالجسم إِنْسَان

стр. 144

الْوَجْه التَّاسِع النُّصُوص الدَّالَّة على أَن الله سُبْحَانَهُ كَانَ وَلم يكن شَيْء غَيره كَمَا ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث عمرَان حُصَيْن أَن أهل الْيمن قَالُوا يَا رَسُول الله جئْنَاك لنتفقه فِي الدّين ونسألك عَن أول هَذَا الْأَمر فَقَالَ كَانَ الله وَلم يكن شَيْء غَيره وَكَانَ عَرْشه على المَاء وَكتب فِي الذّكر كل شَيْء فَلم يكن مَعَ الله أَرْوَاح وَلَا نفوس قديمَة يساوى وجودهَا وجوده تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا بل هُوَ الأول وَحده لَا يُشَارِكهُ غَيره فِي أوليته بِوَجْه الْوَجْه الْعَاشِر النُّصُوص الدَّالَّة على خلق الْمَلَائِكَة وهم أَرْوَاح مستغنية عَن أجساد تقوم بهَا وهم مخلوقون قبل خلق الْإِنْسَان وروحه فَإِذا كَانَ الْملك الَّذِي يحدث الرّوح فِي جَسَد ابْن آدم بنفخته مخلوقا فَكيف تكون الرّوح الْحَادِثَة بنفخه قديمَة وَهَؤُلَاء الغالطون يظنون ان الْملك يُرْسل إِلَى الْجَنِين بِروح قديمَة أزلية ينفخها فِيهِ كَمَا يُرْسل الرَّسُول بِثَوْب إِلَى الْإِنْسَان يلْبسهُ إِيَّاه وَهَذَا ضلال وَخطأ وَإِنَّمَا يُرْسل الله سُبْحَانَهُ إِلَيْهِ الْملك فينفخ فِيهِ نفخة تحدث لَهُ الرّوح بِوَاسِطَة تِلْكَ النفخة فَتكون النفخة هِيَ سَبَب حُصُول الرّوح وحدوثها لَهُ كَمَا كَانَ الْوَطْء والإنزال سَبَب تكوين جِسْمه والغذاء سَبَب نموه فمادة الرّوح من نفخة الْملك ومادة الْجِسْم من صب المَاء فِي الرَّحِم فَهَذِهِ مَادَّة سَمَاوِيَّة وَهَذِه مَادَّة أرضية فَمن النَّاس من تغلب عَلَيْهِ الْمَادَّة السماوية فَتَصِير روحه علوِيَّة شريفة تناسب الْمَلَائِكَة وَمِنْهُم من تغلب عَلَيْهِ الْمَادَّة الأرضية فَتَصِير روحه سفلية ترابية مهينة تناسب الْأَرْوَاح السفلية فالملك أَب لروحه وَالتُّرَاب أَب لبدنه وجسمه الْوَجْه الْحَادِي عشر حَدِيث أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ الَّذِي فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَغَيره عَن النَّبِي الْأَرْوَاح جنود مجندة فَمَا تعارف مِنْهَا ائتلف وَمَا تناكر مِنْهَا اخْتلف والجنود المجندة لَا تكون إِلَّا مخلوقة وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ عَن النَّبِي أَبُو هُرَيْرَة وَعَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ وسلمان الْفَارِسِي وَعبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله ابْن مَسْعُود وَعبد الله بن عَمْرو وعَلى بن أَبى طَالب وَعَمْرو بن عبسة رضى الله عَنْهُم الْوَجْه الثَّانِي عشر أَن الرّوح تُوصَف بالوفاة وَالْقَبْض والإمساك والإرسال وَهَذَا شَأْن الْمَخْلُوق الْمُحدث المربوب قَالَ الله تَعَالَى ﴿الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا وَالَّتِي لم تمت فِي منامها فَيمسك الَّتِي قضى عَلَيْهَا الْمَوْت وَيُرْسل الْأُخْرَى إِلَى أجل مُسَمّى إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يتفكرون﴾ والأنفس هَا هُنَا هِيَ الْأَرْوَاح قطعا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عبد الله بن أَبى قَتَادَة الْأنْصَارِيّ عَن أَبِيه قَالَ سرنا مَعَ رَسُول الله فِي سفر ذَات لَيْلَة فَقُلْنَا يَا رَسُول الله لَو عرست بِنَا فَقَالَ إِنِّي أَخَاف أَن تناموا فَمن يوقظنا للصَّلَاة فَقَالَ بِلَال أَنا يَا رَسُول الله فعرس بالقوم فاضطجعوا واستند بِلَال إِلَى رَاحِلَته فغلبته عَيناهُ فَاسْتَيْقَظَ

стр. 145

رَسُول الله وَقد طلع جَانب الشَّمْس فَقَالَ يَا بِلَال أَيْن مَا قلت لنا فَقَالَ وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا ألقيت على نومَة مثلهَا فَقَالَ رَسُول الله ان الله قبض أرواحكم حِين شَاءَ وردهَا حِين شَاءَ فَهَذِهِ الرّوح المقبوضة هِيَ النَّفس الَّتِي يتوفاها الله حِين مَوتهَا وَفِي منامها الَّتِي يتوفاها ملك الْمَوْت وَهِي الَّتِي تتوفاها رسل الله سُبْحَانَهُ وَهِي الَّتِي يجلس الْملك عِنْد رَأس صَاحبهَا ويخرجها من بدنه كرها ويكفنها بكفن من الْجنَّة أَو النَّار ويصعد بهَا إِلَى السَّمَاء فتصلى عَلَيْهَا الْمَلَائِكَة أَو تلعنها وَتوقف بَين يَدي رَبهَا فَيقْضى فِيهَا أمره ثمَّ تُعَاد إِلَى الأَرْض فَتدخل بَين الْمَيِّت وأكفانه فَيسْأَل ويمتحن ويعاقب وينعم وَهِي الَّتِي تجْعَل فِي أَجْوَاف الطير الْخضر تَأْكُل وتشرب من الْجنَّة وَهِي الَّتِي تعرض على النَّار غدوا وعشيا وَهِي الَّتِي تؤمن وتكفر وتطيع وتعصى وَهِي الأمارة بالسوء وَهِي اللوامة وَهِي المطمئنة إِلَى رَبهَا وَأمره وَذكره وَهِي الَّتِي تعذب وتنعم وتسعد وتشقى وتحبس وَترسل وَتَصِح وتسقم وتلذ وتألم وَتخَاف وتحزن وَمَا ذَاك إِلَّا سمات مَخْلُوق مبدع وصفات منشأ مخترع وَأَحْكَام مربوب مُدبر مصرف تَحت مَشِيئَة خالقه وفاطره وبارئه وَكَانَ رَسُول الله يَقُول عِنْد نَومه اللَّهُمَّ أَنْت خلقت نَفسِي وَأَنت توفاها لَك مماتها ومحياها فَإِن أَمْسَكتهَا فإرحمها وَإِن أرسلتها فأحفظها بِمَا تحفظ بِهِ عِبَادك الصَّالِحين وَهُوَ تعلى بارىء النُّفُوس كَمَا هُوَ بارىء الأجساد قَالَ تَعَالَى ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها إِن ذَلِك على الله يسير﴾ قيل من قبل أَن نبرأ الْمُصِيبَة وَقيل من قبل أَن نبرأ الأَرْض وَقيل من قبل أَن نبرأ الْأَنْفس وَهُوَ أولى لِأَنَّهُ أقرب مَذْكُور إِلَى الضَّمِير وَلَو قيل يرجع إِلَى الثَّلَاثَة أَي من قبل أَن نبرأ الْمُصِيبَة وَالْأَرْض والأنفس لَكَانَ أوجه وَكَيف تكون قديمَة مستغنية عَن خَالق مُحدث مبدع لَهَا وشواهد الْفقر وَالْحَاجة والضرورة أعدل شَوَاهِد على أَنَّهَا مخلوقة مربوبة مصنوعة وَأَن وجود ذَاتهَا وصفاتها وأفعالها من رَبهَا وفاطرها لَيْسَ لَهَا من نَفسهَا إِلَّا الْعَدَم فَهِيَ لَا تملك لنَفسهَا ضرا وَلَا نفعا وَلَا موتا وَلَا حَيَاة وَلَا نشورا لَا تَسْتَطِيع أَن تَأْخُذ من الْخَيْر إِلَّا مَا أَعْطَاهَا وتتقى من الشَّرّ إِلَّا مَا وقاها وَلَا تهتدي إِلَى شَيْء من صَالح دنياها وأخراها إِلَّا بهداه وَتصْلح إِلَّا بتوفيقه لَهَا وإصلاحه إِيَّاهَا وَلَا تعلم إِلَّا مَا علمهَا وَلَا تتعدى مَا ألهمها فَهُوَ الَّذِي خلقهَا فسواها وألهمها فجورها وتقواها فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنه خَالِقهَا ومبدعها وخالق أفعالها من الْفُجُور وَالتَّقوى خلافًا لمن يَقُول إِنَّهَا لَيست مخلوقة وَلمن يَقُول إِنَّهَا وَإِن كَانَت مخلوقة فَلَيْسَ خَالِقًا لأفعالها بل هِيَ الَّتِي تخلق أفعالها وهما قَولَانِ لأهل الضلال والغي
следующие страницы →