← Акыда

Акыда · id 6465

المقصد الأسنى

أبو حامد الغزالي

Полный текст (153 стр.). Показаны 141–153 · переход к 146.

стр. 141

الْفَصْل الأول فِي بَيَان أَن أَسمَاء الله تَعَالَى من حَيْثُ التَّوْقِيف غير مَقْصُورَة على تِسْعَة وَتِسْعين بل ورد التَّوْقِيف بأسام سواهَا إِذْ فِي رِوَايَة أُخْرَى عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ إِبْدَال لبَعض هَذِه الْأَسَامِي بِمَا يقرب مِنْهَا وإبدال بِمَا لَا يقرب فَأَما الَّذِي يقرب فالأحد بدل الْوَاحِد والقاهر بدل القهار والشاكر بدل الشكُور وَالَّذِي لَا يقرب كالهادي وَالْكَافِي والدائم والبصير والنور والمبين والجميل والصادق وَالْمُحِيط والقريب وَالْقَدِيم وَالْوتر والفاطر والعلام وَالْملك والأكرم وَالْمُدبر والرفيع وَذي الطول وَذي المعارج وَذي الْفضل والخلاق وَقد ورد أَيْضا فِي الْقُرْآن مَا لَيْسَ مُتَّفقا عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا كالمولى والنصير وَالْغَالِب والقريب والرب والناصر وَمن المضافات كَقَوْلِه تَعَالَى شَدِيد الْعقَاب وقابل التوب وغافر الذَّنب ومولج اللَّيْل فِي النَّهَار ومولج النَّهَار فِي اللَّيْل ومخرج الْحَيّ من الْمَيِّت ومخرج الْمَيِّت من الْحَيّ وَقد ورد فِي الْخَبَر أَيْضا السَّيِّد إِذْ قَالَ رجل لرَسُول الله ﷺ يَا سيد فَقَالَ السَّيِّد هُوَ الله وَكَأَنَّهُ قصد الْمَنْع من الْمَدْح فِي الْوَجْه وَإِلَّا فقد قَالَ ﷺ أَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر وَالديَّان أَيْضا قد ورد وَكَذَا الحنان والمنان وَغير ذَلِك مِمَّا لَو تتبع فِي الْأَحَادِيث لوجد

стр. 142

وَلَو جوز اشتقاق الْأَسَامِي من الْأَفْعَال فستكثر هَذِه الْأَسَامِي المشتقة لِكَثْرَة الْأَفْعَال المنسوبة إِلَى الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن كَقَوْلِه تَعَالَى يكْشف السوء ٢٧ سُورَة النَّمْل الْآيَة ٦٢ ويقذف بِالْحَقِّ ٣٤ سُورَة سبأ الْآيَة ٣٨ ويفصل بَينهم ٢٢ سُورَة الْحَج الْآيَة ١٧ و ٣٢ سُورَة السَّجْدَة الْآيَة ٢٥ وقضينا إِلَى بني إِسْرَائِيل ١٧ سُورَة الْإِسْرَاء الْآيَة ٤ فيشتق لَهُ من ذَلِك الكاشف والقاذف بِالْحَقِّ والفاصل وَالْقَاضِي وَيخرج ذَلِك عَن الْحصْر وَفِيه نظر سَيَأْتِي وَالْغَرَض أَن نبين أَن الْأَسَامِي لَيست هِيَ التِّسْعَة وَالتسْعين الَّتِي عددناها وشرحناها وَلَكنَّا جرينا على الْعَادة فِي شرح تِلْكَ الْأَسَامِي فَإِنَّهَا هِيَ الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة وَلَيْسَت هَذِه التعديدات والتفصيلات المروية عَن أبي هُرَيْرَة فِي الصَّحِيحَيْنِ إِنَّمَا الَّذِي تشْتَمل عَلَيْهِ الصِّحَاح قَوْله ﷺ إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما من أحصاها دخل الْجنَّة أما بَيَان ذَلِك وتفصيله فَلَا وَمِمَّا وَقع عَلَيْهِ الِاتِّفَاق بَين الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء من الْأَسَامِي المريد والمتكلم وَالْمَوْجُود وَالشَّيْء والذات والأزلي والأبدي وَإِن ذَلِك مِمَّا يجوز إِطْلَاقه فِي حق الله وَورد فِي الحَدِيث لَا تَقولُوا جَاءَ رَمَضَان فَإِن رَمَضَان اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى لَكِن قُولُوا جَاءَ شهر رَمَضَان وَكَذَلِكَ ورد عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ مَا أصَاب أحدا هم وَلَا حزن فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبدك وَابْن عَبدك وَابْن أمتك ناصيتي بِيَدِك مَاض فِي حكمك عدل فِي قضاؤك أَسأَلك بِكُل اسْم هُوَ لَك سميت بِهِ نَفسك أَو أنزلته فِي كتابك أَو عَلمته أحدا من خلقك أَو استأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك أَن تجْعَل الْقُرْآن

стр. 143

ربيع قلبِي وَنور صَدْرِي وجلاء حزني وَذَهَاب همي إِلَّا أذهب الله همه وحزنه وأبدل مَكَانَهُ فَرحا وَقَوله استأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك يدل على أَن الْأَسْمَاء غير محصورة فِيمَا وَردت بِهِ الرِّوَايَات الْمَشْهُورَة وَعند هَذَا رُبمَا يخْطر ببالك طلب الْفَائِدَة فِي الْحصْر فِي تِسْعَة وَتِسْعين وَلَا بُد من ذكرهَا

стр. 144

الْفَصْل الثَّانِي فِي بَيَان فَائِدَة الإحصاء والتخصيص بِتِسْعَة وَتِسْعين وَفِي هَذَا الْفَصْل أنظار فِي أُمُور فلنوردها فِي معرض الأسئلة فَإِن قَالَ قَائِل أَسمَاء الله هَل تزيد على تِسْعَة وَتِسْعين أم لَا فَإِن زَادَت فَمَا معنى هَذَا التَّخْصِيص وَمن يملك ألف دِرْهَم لَا يجوز أَن يَقُول الْقَائِل إِن لَهُ تِسْعَة وَتِسْعين درهما لِأَن الْألف وَإِن اشْتَمَل على ذَلِك وَلَكِن تَخْصِيص الْعدَد بِالذكر يفهم نفي مَا وَرَاء الْمَعْدُود وَإِن كَانَت الْأَسَامِي غير زَائِدَة على هَذَا الْعدَد فَمَا معنى قَوْله ﷺ أَسأَلك بِكُل اسْم هُوَ لَك سميت بِهِ نَفسك أَو أنزلته فِي كتابك أَو عَلمته أحدا من خلقك أَو استأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك فَإِن هَذَا صَرِيح فِي أَنه اسْتَأْثر بِبَعْض الْأَسَامِي وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رَمَضَان إِنَّه من أَسمَاء الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ كَانَ السّلف يَقُولُونَ فلَان أُوتِيَ الِاسْم الْأَعْظَم وَكَانَ ينْسب ذَلِك إِلَى بعض الْأَنْبِيَاء والأولياء وَذَلِكَ يدل على أَنه خَارج عَن التِّسْعَة وَالتسْعين فَنَقُول إِن الْأَشْبَه أَن الْأَسَامِي زَائِدَة على تِسْعَة وَتِسْعين لهَذِهِ الْأَخْبَار وَأما الحَدِيث الْوَارِد فِي الْحصْر فَإِنَّهُ يشْتَمل على قَضِيَّة وَاحِدَة لَا على قضيتين وَهُوَ كالملك الَّذِي لَهُ ألف عبد مثلا فَيَقُول الْقَائِل إِن للْملك تِسْعَة وَتِسْعين عبدا من استظهر بهم لم يقاومه الْأَعْدَاء فَيكون التَّخْصِيص لأجل حُصُول الِاسْتِظْهَار بهم إِمَّا لمزيد قوتهم وَإِمَّا لكفاية ذَلِك الْعدَد فِي دفع الْأَعْدَاء من غير حَاجَة إِلَى زِيَادَة لَا لاخْتِصَاص الْوُجُود بهم

стр. 145

وَيحْتَمل أَن تكون الْأَسَامِي غير زَائِدَة على هَذَا الْعدَد وَيكون لفظ الْخَبَر مُشْتَمِلًا على قضيتين إِحْدَاهمَا أَن لله تَعَالَى تِسْعَة وَتِسْعين اسْما وَالثَّانِي أَن من أحصاها دخل الْجنَّة حَتَّى لَو اقْتصر على ذكر الْقَضِيَّة الأولى كَانَ الْكَلَام تَاما وعَلى الْمَذْهَب الأول لَا يُمكن الِاقْتِصَار على ذكر الْقَضِيَّة الأولى وَذَا هُوَ الأسبق إِلَى الْفَهم من ظَاهر هَذَا الْحصْر وَلكنه بعيد من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن هَذَا يمْنَع أَن يكون من الْأَسَامِي مَا اسْتَأْثر الله بِهِ فِي علم الْغَيْب عِنْده وَفِي الحَدِيث إِثْبَات ذَلِك وَالثَّانِي أَنه يُؤَدِّي إِلَى أَن يخْتَص بالإحصاء نَبِي أَو ولي مِمَّن أُوتِيَ الِاسْم الْأَعْظَم حَتَّى يتم الْعدَد بِهِ وَإِلَّا فَيكون مَا أحصى وَرَاء ذَلِك نَاقِصا عَن الْعدَد أَو كَانَ الِاسْم خَارِجا عَن الْعدَد فَيبْطل بِهِ الْحصْر وَالْأَظْهَر أَن رَسُول الله ﷺ ذكر هَذَا فِي معرض التَّرْغِيب للجماهير فِي الإحصاء وَالِاسْم الْأَعْظَم لَا يعرفهُ الجماهير فَإِن قيل فَإِذا كَانَ الْأَظْهر أَن الْأَسَامِي زَائِدَة على تِسْعَة وَتِسْعين فَلَو قَدرنَا مثلا أَن الْأَسَامِي ألف وَأَن الْجنَّة تسْتَحقّ بإحصاء تِسْعَة وَتِسْعين مِنْهَا فَهِيَ تِسْعَة وَتسْعُونَ بِأَعْيَانِهَا أَو تِسْعَة وَتسْعُونَ أَيهَا كَانَ حَتَّى إِن من بلغ ذَلِك الْمبلغ فِي الإحصاء اسْتحق دُخُول الْجنَّة وَحَتَّى إِن من أحصى مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة مرّة دخل الْجنَّة وَلَو أحصى أَيْضا مَا اشْتَمَلت الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَلَيْهِ أَيْضا دخل الْجنَّة إِذا قَدرنَا أَن جَمِيع مَا فِي الرِّوَايَتَيْنِ من أَسمَاء الله تَعَالَى فَتَقول الْأَظْهر أَن المُرَاد بِهِ تِسْعَة وَتسْعُونَ بِأَعْيَانِهَا فَإِنَّهَا إِذا لم تتَعَيَّن لم تظهر فَائِدَة الْحصْر والتخصيص فَإِن قَول الْقَائِل إِن للْملك مئة عبد من استظهر بهم لم يقاومه عَدو إِنَّمَا يحسن مَعَ كَثْرَة عبيد الْملك إِذا اخْتصَّ مئة من

стр. 146

بَينهم بمزيد قُوَّة وشوكة فَأَما إِذا حصل ذَلِك بِأَيّ مئة كَانَ من جملَة العبيد لم يحسن نظم الْكَلَام فَإِن قيل فَمَا بَال تِسْعَة وَتِسْعين من الْأَسْمَاء اخْتصّت بِهَذِهِ الْقَضِيَّة مَعَ أَن الْكل أَسمَاء الله فَنَقُول الْأَسَامِي يجوز أَن تَتَفَاوَت فضيلتها لتَفَاوت مَعَانِيهَا فِي الْجَلالَة والشرف فَيكون تِسْعَة وَتسْعُونَ مِنْهَا تجمع أنواعا من الْمعَانِي المنبئة عَن الْجلَال لَا يجمع ذَلِك غَيرهَا فتختص بِزِيَادَة شرف فَإِن قيل فاسم الله الْأَعْظَم دَاخل فِيهَا أم لَا فَإِن لم يدْخل فَكيف يخْتَص مزِيد الشّرف بِمَا هُوَ خَارج عَنْهَا وَإِن كَانَ دَاخِلا فِيهَا فَكيف ذَلِك وَهِي مَشْهُورَة وَالِاسْم الْأَعْظَم يخْتَص بمعرفته نَبِي أَو ولي وَقد قيل إِن آصف إِنَّمَا جَاءَ بعرش بلقيس لِأَنَّهُ كَانَ قد أُوتِيَ الِاسْم الْأَعْظَم وَهُوَ سَبَب كرامات عَظِيمَة لمن عرفه فَنَقُول يحْتَمل أَن يُقَال إِن اسْم الله الْأَعْظَم خَارج عَن هَذَا الْعدَد الَّذِي رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ وَيكون شرف هَذِه الْأَسَامِي المعدودة بِالْإِضَافَة إِلَى جَمِيع الْأَسْمَاء الْمَشْهُورَة عِنْد الجماهير لَا بِالْإِضَافَة إِلَى الْأَسْمَاء الَّتِي يعرفهَا الْأَوْلِيَاء والأنبياء وَيحْتَمل أَن يُقَال إِنَّهَا تشْتَمل على اسْم الله الْأَعْظَم وَلكنه مُبْهَم فِيهَا لَا يعرفهُ بِعَيْنِه إِلَّا ولي إِذْ ورد فِي الْخَبَر عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ اسْم الله الْأَعْظَم فِي هَاتين الْآيَتَيْنِ وإلهكم إِلَه وَاحِد لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم ٢ سُورَة الْبَقَرَة الْآيَة ١٦٣ وفاتحة آل عمرَان آلم الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم ٣ سُورَة آل عمرَان الْآيَة ١ وَرُوِيَ أَن رَسُول الله ﷺ سمع رجلا يَدْعُو وَهُوَ يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِأَنِّي أشهد أَنَّك

стр. 147

أَنْت الله لَا إِلَه إِلَّا أَنْت الْأَحَد الصَّمد الَّذِي لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد فَقَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لقد سَأَلَ الله تَعَالَى باسمه الْأَعْظَم الَّذِي إِذا دعِي بِهِ أجَاب وَإِذا سُئِلَ بِهِ أعْطى فَإِن قيل فَمَا سَبَب تَخْصِيص هَذَا الْعدَد من بَين سَائِر الْأَعْدَاد وَلم لم يبلغ مئة وَقد قَارب ذَلِك قُلْنَا فِيهِ احْتِمَالَانِ أَحدهمَا أَن يُقَال لِأَن الْمعَانِي الشَّرِيفَة بلغت هَذَا الْمبلغ لَا لِأَن الْعدَد مَقْصُود وَلَكِن وَافَقت الْمعَانِي هَذَا الْعدَد كَمَا أَن الصِّفَات عِنْد أهل السّنة سبع وَهِي الْحَيَاة وَالْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام لَا لِأَنَّهَا سبع وَلَكِن صِفَات الربوبية لَا تتمّ إِلَّا بهَا وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَظْهر أَن السَّبَب فِيهِ بَيَان مَا ذكره رَسُول الله ﷺ حَيْثُ قَالَ مئة إِلَّا وَاحِدَة وَالله وتر يحب الْوتر وَإِلَّا أَن هَذَا يدل على أَن هَذِه الْأَسَامِي هِيَ بِالتَّسْمِيَةِ الإرادية الاختيارية لَا من حَيْثُ انحصار صِفَات الشّرف فِيهَا لِأَن ذَلِك يكون لذاته لَا بالإرادة وَلَا يَقُول أحد إِن صِفَات الله سبع لِأَنَّهُ وتر وَيُحب الْوتر بل ذَلِك لذاته وإلهيته وَالْعدَد فِيهِ غير مَقْصُود بل لَيْسَ وجود ذَلِك بِقصد قَاصد وَإِرَادَة مُرِيد حَتَّى يقْصد الْوتر دون غَيره وَهَذَا يكَاد يُؤَيّد الِاحْتِمَال الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَهُوَ أَن الْأَسَامِي الَّتِي سمى الله بهَا نَفسه هِيَ تِسْعَة وَتسْعُونَ لَا غير وَأَنه إِنَّمَا لم يَجْعَلهَا مئة لِأَنَّهُ يحب الْوتر وسنشير إِلَى مَا يُؤَيّد هَذَا الِاحْتِمَال

стр. 148

فَإِن قيل فَهَذِهِ الْأَسْمَاء التِّسْعَة وَالتِّسْعُونَ هَل عدهَا رَسُول الله ﷺ وأحصاها قصدا إِلَى جمعهَا أَو ترك جمعهَا إِلَى من يلتقطها من الْكتاب وَالسّنة وَالْأَخْبَار الدَّالَّة عَلَيْهِ فَنَقُول الْأَظْهر وَهُوَ الْأَشْهر أَن ذَلِك مِمَّا أَحْصَاهُ رَسُول الله ﷺ وَجَمعهَا قصدا إِلَى جمعهَا وَتَعْلِيمهَا على مَا نَقله أَبُو هُرَيْرَة ﵁ إِذْ ظَاهر الْكَلَام هُوَ التَّرْغِيب فِي الإحصاء وَذَلِكَ مِمَّا يعسر على الجماهير إِذا لم يذكرهُ رَسُول الله على سَبِيل الْجمع وَهَذَا يدل على صِحَة رِوَايَة أبي هُرَيْرَة ﵁ وَقد قبل الجماهير رِوَايَته الْمَشْهُورَة الَّتِي أجرينا شرحنا على منوالها وَقد تكلم أَحْمد الْبَيْهَقِيّ على رِوَايَة أبي هُرَيْرَة وَذكر أَنَّهَا من رِوَايَة من فِيهِ ضعف وَأَشَارَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي مُسْنده إِلَى شَيْء من ذَلِك وَيدل على ضعف هَذِه الرِّوَايَة سوى مَا ذكره المحدثون ثَلَاثَة أُمُور أَحدهَا اضْطِرَاب الرِّوَايَة عَن أبي هُرَيْرَة إِذْ عَنهُ رِوَايَتَانِ وَبَينهمَا تبَاين ظَاهر فِي الْإِبْدَال والتغيير وَالثَّانِي أَن رِوَايَته لَيست تشْتَمل على ذكر الحنان والمنان ورمضان وَجُمْلَة من الْأَسَامِي الَّتِي وَردت الْأَخْبَار بهَا وَالثَّالِث أَن الَّذِي أورد فِي الصَّحِيح هَذَا الْقدر وَهُوَ قَوْله ﷺ إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما من أحصاها دخل الْجنَّة وَأما ذكر الْأَسَامِي فَلم تورد فِي الصَّحِيح بل وَردت بِهِ رِوَايَة غَرِيبَة وَفِي إسنادها ضعف وَهَذَا الْقدر الظَّاهِر يدل على أَن الْأَسَامِي لَا تزيد على هَذَا الْعدَد وَإِنَّمَا حملنَا على الْميل عَن الظَّاهِر خُرُوج بعض هَذِه الْأَسَامِي عَن رِوَايَة أبي

стр. 149

هُرَيْرَة فَإِن ضعفنا الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا عدد الْأَسَامِي انْدفع عَنْهَا جملَة من الإشكالات فَإنَّا نقُول الْأَسَامِي هِيَ تِسْعَة وَتسْعُونَ فَقَط سمى الله بهَا نَفسه وَلم يكملها مئة لِأَنَّهُ وتر يحب الْوتر وَيدخل فِي جُمْلَتهَا الحنان والمنان وَغَيرهمَا وَلَا يُمكن معرفَة جَمِيعهَا إِلَّا بالبحث فِي الْكتاب وَالسّنة إِذْ يَصح جملَة مِنْهَا فِي كتاب الله وَجُمْلَة فِي الْأَخْبَار وَلم أعرف أحدا من الْعلمَاء اعتنى بِطَلَب ذَلِك وَجمعه سوى رجل من حفاظ الْمغرب يُقَال لَهُ عَليّ بن حزم فَإِنَّهُ قَالَ ﵀ صَحَّ عِنْدِي قريب من ثَمَانِينَ اسْما يشْتَمل عَلَيْهَا الْكتاب والصحاح من الْأَخْبَار وَالْبَاقِي يَنْبَغِي أَن يطْلب من الْأَخْبَار بطرِيق الِاجْتِهَاد وأظن أَنه لم يبلغهُ الحَدِيث الَّذِي فِيهِ عدد الْأَسَامِي وَإِن كَانَ بلغه فَكَأَنَّهُ استضعف إِسْنَاده إِذْ عدل عَنهُ إِلَى الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي الصِّحَاح وَإِلَى الْتِقَاط ذَلِك مِنْهَا وعَلى هَذَا فَمن أحصاها أَي جمعهَا وحفظها نَالَ تعبا شَدِيدا فِي اجْتِهَاده فبالحري أَن يدْخل الْجنَّة وَإِلَّا فإحصاء مَا وَردت الرِّوَايَة بِهِ مرّة وَاحِدَة سهل على اللِّسَان نعم قد ورد فِي بعض الْأَلْفَاظ الصِّحَاح من حفظهَا دخل الْجنَّة وَالْحِفْظ يحوج إِلَى مزِيد تَعب فَهَذَا مَا يظْهر لي من الِاحْتِمَالَات فِي هَذَا الحَدِيث وَأكْثر ذَلِك مِمَّا لم يتَعَرَّض لَهُ وَهِي أُمُور اجتهادية لَا تعلم إِلَّا بتخمين فَإِنَّهَا خَارِجَة عَن مجاري الْعُقُول وَالله أعلم

стр. 150

الْفَصْل الثَّالِث فِي أَن الْأَسَامِي وَالصِّفَات الْمُطلقَة على الله هَل تقف على التَّوْقِيف أم تجوز بطرِيق الْعقل وَالَّذِي مَال إِلَيْهِ القَاضِي أَبُو بكر أَن ذَلِك جَائِز إِلَّا مَا منع مِنْهُ الشَّرْع أَو أشعر بِمَا يَسْتَحِيل مَعْنَاهُ على الله فَأَما مَا لَا مَانع فِيهِ فَإِنَّهُ جَائِز وَالَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْأَشْعَرِيّ أَن ذَلِك مَوْقُوف على التَّوْقِيف فَلَا يجوز أَن يُطلق فِي حق الله تَعَالَى مَا هُوَ مَوْصُوف بِمَعْنَاهُ إِلَّا إِذا أذن فِيهِ وَالْمُخْتَار عندنَا أَن نفصل ونقول كل مَا يرجع إِلَى الِاسْم فَذَلِك مَوْقُوف على الْإِذْن وَمَا يرجع إِلَى الْوَصْف فَذَلِك لَا يقف على الْإِذْن بل الصَّادِق مِنْهُ مُبَاح دون الْكَاذِب وَلَا يفهم هَذَا إِلَّا بعد فهم الْفرق بَين الِاسْم وَالْوَصْف فَنَقُول الِاسْم هُوَ اللَّفْظ الْمَوْضُوع للدلالة على الْمُسَمّى فزيد مثلا اسْمه زيد وَهُوَ فِي نَفسه أَبيض وطويل فَلَو قَالَ لَهُ قَائِل يَا طَوِيل يَا أَبيض فقد دَعَاهُ بِمَا هُوَ مَوْصُوف بِهِ وَصدق وَلكنه عدل عَن اسْمه إِذْ اسْمه زيد دون الطَّوِيل والأبيض وَكَونه طَويلا أَبيض لَا يدل على أَن الطَّوِيل اسْمه بل تسميتنا الْوَلَد قاسما وجامعا لَا يدل على أَنه مَوْصُوف بمعاني هَذِه الْأَسْمَاء بل دلَالَة هَذِه الْأَسْمَاء وَإِن كَانَت معنوية عَلَيْهِ كدلالة قَوْلنَا زيد وَعِيسَى وَمَا لَا معنى لَهُ بل إِذا سميناه عبد الْملك فلسنا نعني بِهِ أَنه عبد الْملك وَلذَلِك نقُول عبد الْملك اسْم مُفْرد كعيسى وَزيد وَإِذا ذكر فِي معرض الْوَصْف كَانَ مركبا وَكَذَلِكَ عبد الله لذَلِك يجمع فَيُقَال عبادلة وَلَا يُقَال عباد الله

стр. 151

وَإِذا فهمت معنى الِاسْم فاسم كل أحد مَا سمى بِهِ نَفسه أَو سَمَّاهُ بِهِ وليه من أَبِيه أَو سَيّده وَالتَّسْمِيَة أَعنِي وضع الِاسْم تصرف فِي الْمُسَمّى ويستدعي ذَلِك ولَايَة وَالْولَايَة للْإنْسَان على نَفسه أَو على عَبده أَو على وَلَده فَلذَلِك تكون التسميات إِلَى هَؤُلَاءِ وَلذَلِك لَو وضع غير هَؤُلَاءِ اسْما على مُسَمّى رُبمَا أنكرهُ الْمُسَمّى وَغَضب على المسمي وَإِذا لم يكن لنا أَن نسمي إنْسَانا أَي لَا نضع لَهُ اسْما فَكيف نضع لله تَعَالَى اسْما وَكَذَلِكَ أَسمَاء رَسُول الله ﷺ مَعْدُودَة وَقد عدهَا وَقَالَ إِن لي أَسمَاء أَحْمد وَمُحَمّد والمقفي والماحي وَالْعَاقِب وَنَبِي التَّوْبَة وَنَبِي الرَّحْمَة وَنَبِي الملحمة وَلَيْسَ لنا أَن نزيد على ذَلِك فِي معرض التَّسْمِيَة بل فِي معرض الْإِخْبَار عَن وَصفه فَيجوز أَن نقُول إِنَّه عَالم ومرشد ورشيد وهاد وَمَا يجْرِي مجْرَاه كَمَا نقُول لزيد إِنَّه أَبيض طَوِيل لَا فِي معرض التَّسْمِيَة بل فِي معرض الْإِخْبَار عَن وَصفه فَيجوز أَن نقُول إِنَّه عَالم ومرشد ورشيد وهاد وَمَا يجْرِي مجْرَاه كَمَا نقُول لزيد إِنَّه أَبيض وطويل لَا فِي معرض التَّسْمِيَة بل فِي معرض الْإِخْبَار عَن صفته وعَلى الْجُمْلَة فَهَذِهِ مَسْأَلَة فقهية إِذْ هُوَ نظر فِي إِبَاحَة لفظ وتحريمه فَنَقُول أما الدَّلِيل على الْمَنْع من وضع اسْم لله هُوَ الْمَنْع من وضع اسْم لرَسُول الله ﷺ لم يسم بِهِ نَفسه وَلَا سَمَّاهُ بِهِ ربه تَعَالَى وَلَا أَبَوَاهُ وَإِذا منع فِي حق الرَّسُول ﷺ بل فِي حق آحَاد الْخلق فَهُوَ فِي حق الله أولى وَهَذَا نوع قِيَاس فقهي تبنى على مثله الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَأما دَلِيل إِبَاحَة الْوَصْف فَهُوَ أَنه خبر عَن أَمر وَالْخَبَر يَنْقَسِم إِلَى صدق وَكذب وَالشَّرْع قد دلّ على تَحْرِيم الْكَذِب فِي الأَصْل فالكذب حرَام إِلَّا بِعَارِض وَدلّ على إِبَاحَة الصدْق فالصدق حَلَال إِلَّا بِعَارِض وكما أَنه يجوز لنا

стр. 152

أَن نقُول فِي زيد إِنَّه مَوْجُود فَكَذَلِك فِي حق الله تَعَالَى ورد بِهِ الشَّرْع أَو لم يرد ونقول إِنَّه قديم وَإِن قَدرنَا أَن الشَّرْع لم يرد بِهِ وكما أَنا لَا نقُول لزيد إِنَّه طَوِيل أشقر لِأَن ذَلِك رُبمَا يبلغ زيدا فيكرهه لِأَن فِيهِ إِيهَام نقص فَكَذَلِك لَا نقُول فِي حق الله مَا يُوهم نقصا الْبَتَّةَ فَأَما مَا لَا يُوهم نقصا أَو يدل على مدح فَذَلِك مُطلق ومباح بِالدَّلِيلِ الَّذِي أَبَاحَ الصدْق مَعَ السَّلامَة عَن الْعَوَارِض الْمُحرمَة وَلذَلِك قد يمْنَع من إِطْلَاق لفظ فَإِذا قرن بِهِ قرينَة جوزناه فَلَا يجوز أَن يُقَال لله يَا زارع يَا حَارِث وَيجوز أَن يُقَال من وطئ فأمنى فَلَيْسَ هُوَ الْحَارِث وَإِنَّمَا الله تَعَالَى وتقدس هُوَ الْحَارِث وَمن بَث الْبذر فَلَيْسَ هُوَ الزَّارِع إِنَّمَا الله هُوَ الزَّارِع وَمن رمى فَلَيْسَ هُوَ الرَّامِي وَإِنَّمَا الله هُوَ الرَّامِي كَمَا قَالَ تَعَالَى وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى ٨ سُورَة الْأَنْفَال الْآيَة ١٧ وَلَا نقُول لله يَا مذل ونقول يَا معز يَا مذل فَإِنَّهُ إِذا جمع بَينهمَا كَانَ وصف الْمَدْح إِذْ يدل على أَن طرفِي الْأُمُور بيدَيْهِ وَكَذَلِكَ فِي الدُّعَاء نَدْعُو الله بأسمائه الْحسنى كَمَا أمرنَا بِهِ وَإِذا جاوزنا الْأَسَامِي دعوناه بِصِفَات الْمَدْح والجلال فَلَا نقُول يَا مَوْجُود يَا محرك يَا مسكن بل نقُول يَا مقيل العثرات يَا منزل البركات يَا ميسر كل عسير وَمَا يجْرِي مجْرَاه كَمَا أَنا إِذا نادينا إنْسَانا فإمَّا أَن نناديه باسمه أَو بِصفة من صِفَات الْمَدْح كَمَا نقُول يَا شرِيف يَا فَقِيه وَلَا نقُول يَا طَوِيل يَا أَبيض إِلَّا إِذا قصدنا الاستحقار وَأما إِذا استخبرنا عَن صِفَاته أخبرنَا بِأَنَّهُ أَبيض اللَّوْن أسود الشّعْر وَلَا يذكر مَا يكرههُ إِذا بلغه وَإِن كَانَ صدقا لعَارض الْكَرَاهَة وَإِنَّمَا يكره مَا يقدر فِيهِ نقصا

стр. 153

فَكَذَلِك إِذا استخبرنا عَن محرك الْأَشْيَاء ومسكنها ومسودها ومبيضها قُلْنَا هُوَ الله وَلَا نتوقف فِي نِسْبَة الْأَفْعَال والأوصاف إِلَيْهِ إِلَى إِذن وَارِد فِيهِ على الْخُصُوص بل الْإِذْن قد ورد شرعا فِي الصدْق إِلَّا مَا يسْتَثْنى عَنهُ بِعَارِض وَالله تَعَالَى هُوَ الْمَوْجُود والموجد والمظهر والمخفي والمسعد والمشقي والمبقي والمفني وكل ذَلِك يجوز إِطْلَاقه وَإِن لم يرد فِيهِ تَوْقِيف فَإِن قيل فَلم لَا يجوز أَن يُقَال لَهُ الْعَارِف والعاقل والفطن والذكي وَمَا يجْرِي مجْرَاه قُلْنَا إِنَّمَا الْمَانِع من هَذَا وَأَمْثَاله مَا فِيهِ من إيهامات وَمَا فِيهِ إِيهَام لَا يجوز إِلَّا بِالْإِذْنِ كالصبور والحليم والرحيم فَإِن فِيهِ إيهاما وَلَكِن الْإِذْن قد ورد بِهِ وَأما هَذَا فَلم يرد بِهِ الْإِذْن وَالْإِيهَام فِيهِ أَن الْعَاقِل هُوَ الَّذِي لَهُ معرفَة تعقله أَي تَمنعهُ إِذْ يُقَال عقله عقله والفطنة والذكاء يشعران بِسُرْعَة الْإِدْرَاك لما غَابَ عَن الْمدْرك والمعرفة قد تشعر بسبق نكرَة فَلَا يمْنَع عَن إِطْلَاق شَيْء مِنْهُ إِلَّا شَيْء مِمَّا ذَكرْنَاهُ فَإِن حقق لفظ لَا يُوهم أصلا بَين المتفاهمين وَلم يرد الشَّرْع بِالْمَنْعِ مِنْهُ فَإنَّا نجوز إِطْلَاقه قطعا وَالله أعلم بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآب