Полный текст (153 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الْوَكِيل
هُوَ الموكول إِلَيْهِ الْأُمُور وَلَكِن الموكول إِلَيْهِ يَنْقَسِم إِلَى من يُوكل إِلَيْهِ بعض الْأُمُور وَذَلِكَ نَاقص وَإِلَى من يُوكل إِلَيْهِ الْكل وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا الله والموكول إِلَيْهِ يَنْقَسِم إِلَى من يسْتَحق أَن يكون موكولا إِلَيْهِ لَا بِذَاتِهِ وَلَكِن بالتفويض وَالتَّوْكِيل وَهَذَا نَاقص لِأَنَّهُ فَقير إِلَى التَّفْوِيض وَالتَّوْلِيَة وَإِلَى من يسْتَحق بِذَاتِهِ أَن تكون الْأُمُور موكولة إِلَيْهِ والقلوب متوكلة عَلَيْهِ لَا بتولية وتفويض من جِهَة غَيره وَذَلِكَ هُوَ الْوَكِيل الْمُطلق وَالْوَكِيل أَيْضا يَنْقَسِم إِلَى من يَفِي بِمَا وكل إِلَيْهِ وَفَاء تَاما من غير قُصُور وَإِلَى من لَا يَفِي بِالْجَمِيعِ وَالْوَكِيل الْمُطلق هُوَ الَّذِي الْأُمُور موكولة إِلَيْهِ وَهُوَ ملي بِالْقيامِ بهَا وَفِي بإتمامها وَذَلِكَ هُوَ الله تَعَالَى فَقَط وَقد فهمت من هَذَا مِقْدَار مدْخل العَبْد فِي معنى هَذَا الِاسْم
الْقوي المتين
الْقُوَّة تدل على الْقُدْرَة التَّامَّة والمتانة تدل على شدَّة الْقُوَّة وَالله من حَيْثُ إِنَّه بَالغ الْقُدْرَة تامها قوي وَمن حَيْثُ إِنَّه شَدِيدَة الْقُوَّة متين وَذَلِكَ يرجع إِلَى مَعَاني الْقُدْرَة وَسَيَأْتِي ذَلِك
الْوَلِيّ
هُوَ الْمُحب النَّاصِر وَمعنى وده ومحبته قد سبق وَمعنى نصرته ظَاهر فَإِنَّهُ يقمع أَعدَاء الدّين وينصر أولياءه قَالَ الله الله ولي الَّذين آمنُوا وَقَالَ تَعَالَى ذَلِك بِأَن الله مولى الَّذين آمنُوا وَأَن الْكَافرين لَا مولى لَهُم
стр. 107
مُحَمَّد الْآيَة ١١ أَي لَا نَاصِر لَهُم وَقَالَ كتب الله لأغلبن أَنا ورسلي ٥٨ سُورَة المجادلة الْآيَة ٢١ تَنْبِيه
الْوَلِيّ من الْعباد من يحب الله وَيُحب أولياءه وينصره وينصر أولياءه ويعادي أعداءه وَمن أعدائه النَّفس والشيطان فَمن خذلهما وَنصر أَمر الله تَعَالَى ووالى أَوْلِيَاء الله وعادى أعداءه فَهُوَ الْوَلِيّ من الْعباد
الحميد
هُوَ الْمَحْمُود الْمثنى عَلَيْهِ وَالله هُوَ الحميد بِحَمْدِهِ لنَفسِهِ أزلا وبحمد عباده لَهُ أبدا وَيرجع هَذَا إِلَى صِفَات الْجلَال والعلو والكمال مَنْسُوبا إِلَى ذكر الذَّاكِرِينَ لَهُ فَإِن الْحَمد هُوَ ذكر أَوْصَاف الْكَمَال من حَيْثُ هُوَ كَمَال تَنْبِيه
الحميد من الْعباد من حمدت عقائده وأخلاقه وأعماله وأقواله كلهَا من غير مثنوية وَذَاكَ هُوَ مُحَمَّد ﷺ وَمن يقرب مِنْهُ من الْأَنْبِيَاء وَمن عداهم من الْأَوْلِيَاء وَالْعُلَمَاء وكل وَاحِد مِنْهُم حميد بِقدر مَا يحمد من عقائده وأخلاقه وأعماله وأقواله وَإِذا كَانَ لَا يَخْلُو أحد عَن مذمة وَنقص وَإِن كثرت محامده فالحميد الْمُطلق هُوَ الله تَعَالَى
المحصي
هُوَ الْعَالم وَلَكِن إِذا أضيف الْعلم إِلَى المعلومات من حَيْثُ يحصي
стр. 108
المعلومات ويعدها ويحيط بهَا سمي إحصاء والمحصي الْمُطلق هُوَ الَّذِي ينْكَشف فِي علمه حد كل مَعْلُوم وعدده ومبلغه
وَالْعَبْد وَإِن أمكنه أَن يحصي بِعِلْمِهِ بعض المعلومات فَإِنَّهُ يعجز عَن حصر أَكْثَرهَا فمدخله فِي هَذَا الِاسْم ضَعِيف كمدخله فِي أصل الْعلم
المبدئ المعيد
مَعْنَاهُ الموجد لَكِن الإيجاد إِذا لم يكن مَسْبُوقا بِمثلِهِ سمي إبداء وَإِذا كَانَ مَسْبُوقا بِمثلِهِ سمي إِعَادَة وَالله بَدَأَ خلق النَّاس ثمَّ هُوَ الَّذِي يعيدهم أَي يحشرهم والأشياء كلهَا مِنْهُ بدأت وَإِلَيْهِ تعود وَبِه بدأت وَبِه تعود
المحيي المميت
هَذَا أَيْضا يرجع إِلَى الإيجاد وَلَكِن الْمَوْجُود إِذْ كَانَ هُوَ الْحَيَ اة سمي فعله إحْيَاء وَإِذا كَانَ هُوَ الْمَوْت سمي فعله إماتة وَلَا خَالق للْمَوْت والحياة إِلَّا الله فَلَا مميت وَلَا محيي إِلَّا الله وَقد سبقت الْإِشَارَة إِلَى معنى الْحَيَاة فِي اسْم الْبَاعِث فَلَا نعيده
الْحَيّ
هُوَ الفعال الدراك حَتَّى إِن من لَا فعل لَهُ أصلا وَلَا إِدْرَاك فَهُوَ ميت وَأَقل دَرَجَات الْإِدْرَاك أَن يشْعر الْمدْرك بِنَفسِهِ فَمَا لَا يشْعر بِنَفسِهِ فَهُوَ الجماد وَالْمَيِّت فالحي الْكَامِل الْمُطلق هُوَ الَّذِي ينْدَرج جَمِيع المدركات تَحت إِدْرَاكه وَجَمِيع الموجودات تَحت فعله حَتَّى لَا يشذ عَن علمه مدرك وَلَا عَن فعله مفعول وَذَلِكَ الله فَهُوَ الْحَيّ الْمُطلق وكل حَيّ سواهُ
стр. 109
فحياته بِقدر إِدْرَاكه وَفعله وكل ذَلِك مَحْصُور فِي قلَّة ثمَّ إِن الْأَحْيَاء يتفاوتون فِيهِ فمراتبهم بِقدر تفاوتهم كَمَا سبقت الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي مَرَاتِب الْمَلَائِكَة وَالْإِنْس والبهائم
القيوم
اعْلَم أَن الْأَشْيَاء تَنْقَسِم إِلَى مَا يفْتَقر إِلَى مَحل كالأغراض والأوصاف فَيُقَال فِيهَا إِنَّهَا لَيست قَائِمَة بأنفسها وَإِلَى مَا يحْتَاج إِلَى مَحل فَيُقَال إِنَّه قَائِم بِنَفسِهِ كالجواهر إِلَّا أَن الْجَوْهَر وَإِن قَامَ بِنَفسِهِ مستغنيا عَن مَحل يقوم بِهِ فَلَيْسَ مستغنيا عَن أُمُور لَا بُد مِنْهَا لوُجُوده وَتَكون شرطا فِي وجوده فَلَا يكون قَائِما بِنَفسِهِ لِأَنَّهُ يحْتَاج فِي قوامه إِلَى وجود غَيره وَإِن لم يحْتَج إِلَى مَحل
فَإِن كَانَ فِي الْوُجُود مَوْجُود يَكْفِي ذَاته بِذَاتِهِ وَلَا قوام لَهُ بِغَيْرِهِ وَلَا يشْتَرط فِي دوَام وجوده وجود غَيره فَهُوَ الْقَائِم بِنَفسِهِ مُطلقًا فَإِن كَانَ مَعَ ذَلِك يقوم بِهِ كل مَوْجُود حَتَّى لَا يتَصَوَّر للأشياء وجود وَلَا دوَام وجود إِلَّا بِهِ فَهُوَ القيوم لِأَن قوامه بِذَاتِهِ وقوام كل شَيْء بِهِ وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا الله
ومدخل العَبْد فِي هَذَا الْوَصْف بِقدر استغنائه عَمَّا سوى الله تَعَالَى
الْوَاجِد
هُوَ الَّذِي لَا يعوزه شَيْء وَهُوَ فِي مُقَابلَة الفاقد وَلَعَلَّ من فَاتَهُ مَا لَا حَاجَة بِهِ إِلَى وجوده لَا يُسمى فاقدا وَالَّذِي يحضرهُ مَا لَا تعلق لَهُ بِذَاتِهِ وَلَا بِكَمَال ذَاته لَا يُسمى واجدا بل الْوَاجِد من لَا يعوزه شَيْء مِمَّا لَا بُد مِنْهُ وكل مَا لَا بُد مِنْهُ فِي صِفَات الإلهية وكمالها فَهُوَ مَوْجُود لله فَهُوَ بِهَذَا
стр. 110
الِاعْتِبَار وَاجِد وَهُوَ الْوَاجِد الْمُطلق وَمن عداهُ إِن كَانَ واجدا لشَيْء من صِفَات الْكَمَال وأسبابه فَهُوَ فَاقِد لِأَشْيَاء فَلَا يكون واجدا إِلَّا بِالْإِضَافَة
الْمَاجِد
بِمَعْنى الْمجِيد كالعالم بِمَعْنى الْعَلِيم لَكِن الفعيل أَكثر مُبَالغَة وَقد سبق مَعْنَاهُ
الْوَاحِد
هُوَ الَّذِي لَا يتجرأ وَلَا يثنى
أما الَّذِي لَا يتَجَزَّأ فكالجوهر الْوَاحِد الَّذِي لَا يَنْقَسِم فَيُقَال إِنَّه وَاحِد بِمَعْنى أَنه لَا جُزْء لَهُ وَكَذَا النقطة لَا جُزْء لَهَا وَالله تَعَالَى وَاحِد بِمَعْنى أَنه يَسْتَحِيل تَقْدِير الانقسام فِي ذَاته
وَأما الَّذِي لَا يتثنى فَهُوَ الَّذِي لَا نَظِير لَهُ كَالشَّمْسِ مثلا فَإِنَّهَا وَإِن كَانَت قَابِلَة للانقسام بالوهم متجزئة فِي ذَاتهَا لِأَنَّهَا من قبيل الْأَجْسَام فَهِيَ لَا نَظِير لَهَا إِلَّا أَنه يُمكن أَن يكون لَهَا نَظِير فَإِن كَانَ فِي الْوُجُود مَوْجُود يتفرد بِخُصُوص وجوده تفردا لَا يتَصَوَّر أَن يُشَارِكهُ غَيره فِيهِ أصلا فَهُوَ الْوَاحِد الْمُطلق أزلا وأبدا
وَالْعَبْد إِنَّمَا يكون وَاحِدًا إِذا لم يكن لَهُ فِي أَبنَاء جنسه نَظِير فِي خصْلَة من خِصَال الْخَيْر وَذَلِكَ بِالْإِضَافَة إِلَى أَبنَاء جنسه وبالإضافة إِلَى الْوَقْت إِذْ يُمكن أَن يظْهر فِي وَقت آخر مثله وبالإضافة إِلَى بعض الْخِصَال دون الْجَمِيع فَلَا وحدة على الْإِطْلَاق إِلَّا لله تَعَالَى
стр. 111
الصَّمد
هُوَ الَّذِي يصمد إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِج ويقصد إِلَيْهِ فِي الرغائب إِذْ يَنْتَهِي إِلَيْهِ مُنْتَهى السؤدد وَمن جعله الله تَعَالَى مقصد عباده فِي مهمات دينهم ودنياهم وأجرى على يَده وَلسَانه حوائج خلقه فقد أنعم عَلَيْهِ بحظ من معنى هَذَا الْوَصْف لَكِن الصَّمد الْمُطلق هُوَ الَّذِي يقْصد إِلَيْهِ فِي جَمِيع الْحَوَائِج وَهُوَ الله
الْقَادِر المقتدر
مَعْنَاهُمَا ذُو الْقُدْرَة لَكِن المقتدر أَكثر مُبَالغَة وَالْقُدْرَة عبارَة عَن الْمَعْنى الَّذِي بِهِ يُوجد الشَّيْء متقدرا بِتَقْدِير الْإِرَادَة وَالْعلم وَاقعا على وفقهما والقادر هُوَ الَّذِي إِن شَاءَ فعل وَإِن شَاءَ لم يفعل وَلَيْسَ من شَرطه أَن يَشَاء لَا محَالة فَإِن الله قَادر على إِقَامَة الْقِيَامَة الْآن لِأَنَّهُ لَو شَاءَ أَقَامَهَا فَإِن كَانَ لَا يقيمها لِأَنَّهُ لم يشأها وَلَا يشاؤها لما جرى فِي سَابق علمه من تَقْدِير أجلهَا ووقتها فَلذَلِك لَا يقْدَح فِي الْقُدْرَة والقادر الْمُطلق هُوَ الَّذِي يخترع كل مَوْجُود اختراعا يتفرد بِهِ ويستغني فِيهِ عَن معاونة غَيره وَهُوَ الله تَعَالَى
وَأما العَبْد فَلهُ قدرَة على الْجُمْلَة وَلكنهَا نَاقِصَة إِذْ لَا يتَنَاوَل إِلَّا بعض الممكنات وَلَا يصلح للاختراع بل الله تَعَالَى هُوَ المخترع لمقدورات العَبْد بِوَاسِطَة قدرته مهما هيأ لَهُ جَمِيع أَسبَاب الْوُجُود لمقدوره وَتَحْت هَذَا غور لَا يحْتَمل مثل هَذَا الْكتاب كشفه
الْمُقدم والمؤخر
هُوَ الَّذِي يقرب وَيبعد وَمن قربه فقد قدمه وَمن أبعده فقد أَخّرهُ وَقد قدم أنبياءه وأولياءه بتقريبهم وهدايتهم وَأخر أعداءه بإبعادهم وَضرب الْحجاب بَينه وَبينهمْ وَالْملك إِذا قرب شَخْصَيْنِ مثلا وَلَكِن جعل أَحدهمَا أقرب إِلَى نَفسه يُقَال قدمه أَي جعله قُدَّام غَيره
стр. 112
والقدام تَارَة يكون فِي الْمَكَان وَتارَة يكون فِي الرُّتْبَة وَهُوَ مُضَاف لَا محَالة إِلَى مُتَأَخّر عَنهُ وَلَا بُد فِيهِ من مقصد هُوَ الْغَايَة بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ يتَقَدَّم مَا يتَقَدَّم ويتأخر مَا يتَأَخَّر والمقصد هُوَ الله والمقدم عِنْد الله تَعَالَى هُوَ المقرب فقد قدم الْمَلَائِكَة ثمَّ الْأَنْبِيَاء ثمَّ الْأَوْلِيَاء ثمَّ الْعلمَاء وكل مُتَأَخّر فَهُوَ مُؤخر بِالْإِضَافَة إِلَى مَا قبله مقدم بِالْإِضَافَة إِلَى مَا بعده وَالله هُوَ الْمُقدم والمؤخر لِأَنَّك إِذا أحلّت تقدمهم وتأخرهم على توفيرهم وتقصيرهم وكمالهم فِي الصِّفَات ونقصهم فَمن الَّذِي حملهمْ على التوفير بِالْعلمِ وَالْعِبَادَة بإثارة دواعيهم وَمن الَّذِي حملهمْ على التَّقْصِير بِصَرْف دواعيهم إِلَى ضد الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَذَلِكَ كُله من الله تَعَالَى فَهُوَ الْمُقدم والمؤخر وَالْمرَاد هُوَ التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير فِي الرُّتْبَة وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَنه لم يتَقَدَّم من تقدم بِعِلْمِهِ وَعَمله بل بِتَقْدِيم الله إِيَّاه وَكَذَلِكَ الْمُتَأَخر وَقد صرح بذلك قَوْله تَعَالَى إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون ٢١ سُورَة الْأَنْبِيَاء الْآيَة ١٠١ وَقَوله تَعَالَى وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم ٣٢ سُورَة السَّجْدَة الْآيَة ١٣ تَنْبِيه
حَظّ العَبْد من صِفَات الْأَفْعَال ظَاهر فَلذَلِك قد لَا نشتغل بإعادته فِي كل اسْم حذرا من التَّطْوِيل إِذْ فِيمَا ذَكرْنَاهُ تَعْرِيف لطريق الْكَلَام
الأول وَالْآخر
اعْلَم أَن الأول يكون أَولا بِالْإِضَافَة إِلَى شَيْء وَالْآخر يكون آخرا بِالْإِضَافَة إِلَى شَيْء وهما متناقضان فَلَا يتَصَوَّر أَن يكون الشَّيْء الْوَاحِد من وَجه وَاحِد بِالْإِضَافَة إِلَى شَيْء وَاحِد أَولا وآخرا جَمِيعًا بل إِذا نظرت إِلَى
стр. 113
تَرْتِيب الْوُجُود ولاحظت سلسلة الموجودات المترتبة فَالله تَعَالَى بِالْإِضَافَة إِلَيْهَا أول إِذْ الموجودات كلهَا استفادت الْوُجُود مِنْهُ وَأما هُوَ فموجود بِذَاتِهِ وَمَا اسْتَفَادَ الْوُجُود من غَيره
وَمهما نظرت إِلَى تَرْتِيب السلوك ولاحظت مَرَاتِب منَازِل السائرين إِلَيْهِ فَهُوَ آخر إِذْ هُوَ آخر مَا يرتقي إِلَيْهِ دَرَجَات العارفين وكل معرفَة تحصل قبل مَعْرفَته فَهِيَ مرقاة إِلَى مَعْرفَته والمنزل الْأَقْصَى هُوَ معرفَة الله فَهُوَ آخر بِالْإِضَافَة إِلَى السلوك أول بِالْإِضَافَة إِلَى الْوُجُود فَمِنْهُ المبدأ أَولا وَإِلَيْهِ الْمرجع والمصير آخرا
الظَّاهِر الْبَاطِن
هَذَانِ الوصفان أَيْضا من المضافات فَإِن الظَّاهِر يكون ظَاهرا لشَيْء وَبَاطنا لشَيْء وَلَا يكون من وَجه وَاحِد ظَاهرا وَبَاطنا بل يكون ظَاهرا من وَجه بِالْإِضَافَة إِلَى إِدْرَاك وَبَاطنا من وَجه آخر فَإِن الظُّهُور والبطون إِنَّمَا يكون بِالْإِضَافَة إِلَى الإدراكات وَالله بَاطِن إِن طلب من إِدْرَاك الْحَواس وخزانة الخيال ظَاهر إِن طلب من خزانَة الْعقل بطرِيق الِاسْتِدْلَال فَإِن قلت أما كَونه بَاطِنا بِالْإِضَافَة إِلَى إِدْرَاك الْحَواس فَظَاهر وَأما كَونه ظَاهرا لِلْعَقْلِ فغامض إِذْ الظَّاهِر مَا لَا يتمارى فِيهِ وَلَا يخْتَلف النَّاس فِي إِدْرَاكه وَهَذَا مِمَّا قد وَقع فِيهِ الريب الْكثير لِلْخلقِ فَكيف يكون ظَاهرا فَاعْلَم أَنه إِنَّمَا خَفِي مَعَ ظُهُوره لشدَّة ظُهُوره فظهوره سَبَب بطونه ونوره هُوَ حجاب نوره وكل مَا جَاوز حَده انعكس على ضِدّه
ولعلك تتعجب من هَذَا الْكَلَام وتستبعده وَلَا تفهمه إِلَّا بمثال
فَأَقُول لَو نظرت إِلَى كلمة وَاحِدَة كتبهَا كَاتب لاستدللت بهَا على كَون الْكَاتِب عَالما قَادِرًا سميعا بَصيرًا واستفدت مِنْهُ الْيَقِين بِوُجُود هَذِه
стр. 114
الصِّفَات بل لَو رَأَيْت كلمة مَكْتُوبَة لحصل لَك يَقِين قَاطع بِوُجُود كَاتب لَهَا عَالم قَادر سميع بَصِير حَيّ وَلم يدل عَلَيْهِ إِلَّا صُورَة كلمة وَاحِدَة وكما تشهد هَذِه الْكَلِمَة شَهَادَة قَاطِعَة بِصِفَات الْكَاتِب فَمَا من ذرة فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض من فلك وكوكب وشمس وقمر وحيوان ونبات وَصفَة وموصوف إِلَّا وَهِي شاهدة على نَفسهَا بِالْحَاجةِ إِلَى مُدبر دبرهَا وقدرها وخصصها بِخُصُوص صفاتها بل لَا ينظر الْإِنْسَان إِلَى عُضْو من أَعْضَاء نَفسه وجزء من أَجْزَائِهِ ظَاهرا وَبَاطنا بل إِلَى صفة من صِفَاته وَحَالَة من حالاته الَّتِي تجْرِي عَلَيْهِ قهرا بِغَيْر اخْتِيَاره إِلَّا ويراها ناطقة بِالشَّهَادَةِ لخالقها وقاهرها ومدبرها وَكَذَلِكَ كل مَا يُدْرِكهُ بِجَمِيعِ حواسه فِي ذَاته وخارجا من ذَاته
وَلَو كَانَت الْأَشْيَاء مُخْتَلفَة فِي الشَّهَادَة يشْهد بَعْضهَا وَلَا يشْهد بَعْضهَا لَكَانَ الْيَقِين حَاصِلا للْجَمِيع وَلَكِن لما كثرت الشَّهَادَات حَتَّى اتّفقت خفيت وغمضت لشدَّة الظُّهُور ومثاله أَن أظهر الْأَشْيَاء مَا يدْرك بالحواس وأظهرها مَا يدْرك بحاسة الْبَصَر وَأظْهر مَا يدْرك بحاسة الْبَصَر نور الشَّمْس الْمشرق على الْأَجْسَام الَّذِي بِهِ يظْهر كل شَيْء فَمَا بِهِ يظْهر كل شَيْء كَيفَ لَا يكون ظَاهرا
وَقد أشكل ذَلِك على خلق كثير حَتَّى قَالُوا الْأَشْيَاء الملونة لَيْسَ فِيهَا إِلَّا ألوانها فَقَط من سَواد وَحُمرَة فَأَما أَن يكون فِيهَا مَعَ اللَّوْن ضوء وَنور مُقَارن للون فَلَا وَهَؤُلَاء إِنَّمَا نبهوا على قيام النُّور بالمتلونات بالتفرقة الَّتِي يدركونها بَين الظل وَمَوْضِع النُّور وَبَين اللَّيْل وَالنَّهَار فَإِن الشَّمْس لما تصور غيبتها بِاللَّيْلِ واحتجابها بالأجسام الْمظْلمَة بِالنَّهَارِ انْقَطع أَثَرهَا عَن المتلونات فأدركت التَّفْرِقَة بَين المتأثر المستضيء بهَا وَبَين المظلم المحجوب عَنْهَا فَعرف وجود النُّور بِعَدَمِ النُّور إِذا أضيف حَالَة الْعَدَم إِلَى حَالَة الْوُجُود فأدركت التَّفْرِقَة مَعَ بَقَاء الألوان فِي الْحَالَتَيْنِ وَلَو أطبق نور الشَّمْس كل الْأَجْسَام الظَّاهِرَة لشخص وَلم تغب الشَّمْس حَتَّى يدْرك التَّفْرِقَة لتعذر عَلَيْهِ معرفَة كَون النُّور
стр. 115
شَيْئا مَوْجُودا زَائِدا على الألوان مَعَ أَنه أظهر الْأَشْيَاء بل هُوَ الَّذِي بِهِ يظْهر جَمِيع الْأَشْيَاء
وَلَو تصور لله تَعَالَى وتقدس عدم أَو غيبَة عَن بعض الْأُمُور لانهدت السَّمَوَات وَالْأَرْض وكل مَا انْقَطع نوره عَنهُ ولأدركت التَّفْرِقَة بَين الْحَالَتَيْنِ وَعلم وجوده قطعا وَلَكِن لما كَانَت الْأَشْيَاء كلهَا متفقة فِي الشَّهَادَة وَالْأَحْوَال كلهَا مطردَة على نسق وَاحِد كَانَ ذَلِك سَببا لخفائه فسبحان من احتجب عَن الْخلق بنوره وخفي عَلَيْهِم بِشدَّة ظُهُوره فَهُوَ الظَّاهِر الَّذِي لَا أظهر مِنْهُ وَهُوَ الْبَاطِن الَّذِي لَا أبطن مِنْهُ تَنْبِيه
لَا تتعجبن من هَذَا فِي صِفَات الله تَعَالَى وتقدس فَإِن الْمَعْنى الَّذِي بِهِ الْإِنْسَان إِنْسَان ظَاهر بَاطِن فَإِنَّهُ ظَاهر إِن اسْتدلَّ عَلَيْهِ بأفعاله الْمرتبَة المحكمة بَاطِن إِن طلب من إِدْرَاك الْحس فَإِن الْحس إِنَّمَا يتَعَلَّق بِظَاهِر بَشرته وَلَيْسَ الْإِنْسَان إنْسَانا بالبشرة المرئية مِنْهُ بل لَو تبدلت تِلْكَ الْبشرَة بل سَائِر أَجْزَائِهِ فَهُوَ هُوَ والأجزاء متبدلة وَلَعَلَّ أَجزَاء كل إِنْسَان بعد كبره غير الْأَجْزَاء الَّتِي كَانَت فِيهِ عِنْد صغره فَإِنَّهَا تحللت بطول الزَّمَان وتبدلت بأمثالها بطرِيق الاغتذاء وهويته لم تتبدل فَتلك الهوية باطنة عَن الْحَواس ظَاهِرَة لِلْعَقْلِ بطرِيق الِاسْتِدْلَال عَلَيْهَا بآثارها وأفعالها
الْبر
هُوَ المحسن وَالْبر الْمُطلق هُوَ الَّذِي مِنْهُ كل مبرة وإحسان وَالْعَبْد إِنَّمَا يكون برا بِقدر مَا يتعاطاه من الْبر وَلَا سِيمَا بِوَالِديهِ وأستاذه وشيوخه
رُوِيَ أَن مُوسَى ﵇ لما كَلمه ربه رأى رجلا قَائِما عِنْد سَاق
стр. 116
الْعَرْش فتعجب من علو مَكَانَهُ فَقَالَ يَا رب بِمَ بلغ هَذَا العَبْد هَذَا الْمحل فَقَالَ إِنَّه كَانَ لَا يحْسد عبدا من عبَادي على مَا آتيته وَكَانَ بارا بِوَالِديهِ هَذَا بر العَبْد فَأَما تَفْصِيل بر الله تَعَالَى وإحسانه إِلَى خلقه فَيطول شَرحه وَفِي بعض مَا ذَكرْنَاهُ مَا يُنَبه عَلَيْهِ
التواب
هُوَ الَّذِي يرجع إِلَى تيسير أَسبَاب التَّوْبَة لِعِبَادِهِ مرّة بعد أُخْرَى بِمَا يظْهر لَهُم من آيَاته ويسوق إِلَيْهِم من تنبيهاته ويطلعهم عَلَيْهِ من تخويفاته وتحذيراته حَتَّى إِذا اطلعوا بتعريفه على غوائل الذُّنُوب استشعروا الْخَوْف بتخويفه فَرَجَعُوا إِلَى التَّوْبَة فَرجع إِلَيْهِم فصل الله تَعَالَى بِالْقبُولِ تَنْبِيه
من قبل معاذير الْمُجْرمين من رعاياه وأصدقائه ومعارفه مرّة بعد أُخْرَى فقد تخلق بِهَذَا الْخلق وَأخذ مِنْهُ نَصِيبا
المنتقم
هُوَ الَّذِي يقصم ظُهُور العتاة وينكل بالجناة ويشدد الْعقَاب على الطغاة وَذَلِكَ بعد الْإِعْذَار والإنذار وَبعد التَّمْكِين والإمهال وَهُوَ أَشد للانتقام من المعاجلة بالعقوبة فَإِنَّهُ إِذا عوجل بالعقوبة لم يمعن فِي الْمعْصِيَة فَلم يسْتَوْجب غَايَة النكال فِي الْعقُوبَة تَنْبِيه
الْمَحْمُود من انتقام العَبْد أَن ينْتَقم من أَعدَاء الله تَعَالَى وأعدى الْأَعْدَاء
стр. 117
نَفسه وَحقه أَن ينْتَقم مِنْهَا مهما قارفت مَعْصِيّة أَو أخلت بِعبَادة كَمَا نقل عَن أبي يزِيد ﵀ أَنه قَالَ تكاسلت نَفسِي عَليّ فِي بعض اللَّيَالِي عَن بعض الأوراد فعاقبتها بِأَن منعتها المَاء سنة فَهَكَذَا يَنْبَغِي أَن يسْلك سَبِيل الانتقام
الْعَفو
هُوَ الَّذِي يمحو السَّيِّئَات ويتجاوز عَن الْمعاصِي وَهُوَ قريب من الغفور وَلكنه أبلغ مِنْهُ فَإِن الغفران يُنبئ عَن السّتْر وَالْعَفو يُنبئ عَن المحو والمحو أبلغ من السّتْر تَنْبِيه
وحظ العَبْد من ذَلِك لَا يخفى وَهُوَ أَن يعْفُو عَن كل من ظلمه بل يحسن إِلَيْهِ كَمَا يرى الله تَعَالَى محسنا فِي الدُّنْيَا إِلَى العصاة والكفرة غير معاجل لَهُم بالعقوبة بل رُبمَا يعْفُو عَنْهُم بِأَن يَتُوب عَلَيْهِم وَإِذا تَابَ عَلَيْهِم محا سيئاتهم إِذْ التائب من الذَّنب كمن لَا ذَنْب لَهُ وَهَذَا غَايَة المحو للجناية
الرؤوف
ذُو الرأفة والرأفة شدَّة الرَّحْمَة فَهُوَ بِمَعْنى الرَّحِيم مَعَ الْمُبَالغَة فِيهِ وَقد سبق الْكَلَام عَلَيْهِ
مَالك الْملك
هُوَ الَّذِي ينفذ مَشِيئَته فِي مَمْلَكَته كَيفَ شَاءَ وكما شَاءَ إيجادا وإعداما وإبقاء وإفناء وَالْملك هَاهُنَا بِمَعْنى المملكة وَالْمَالِك بِمَعْنى الْقَادِر التَّام
стр. 118
الْقُدْرَة والموجودات كلهَا مملكة وَاحِدَة وَهُوَ مَالِكهَا وقادرها وَإِنَّمَا كَانَت الموجودات كلهَا مملكة وَاحِدَة لِأَنَّهَا مرتبطة بَعْضهَا بِبَعْض فَإِنَّهَا وَإِن كَانَت كَثِيرَة من وَجه فلهَا وحدة من وَجه ومثاله بدن الْإِنْسَان فَإِنَّهُ مملكة لحقيقة الْإِنْسَان وَهِي أَعْضَاء كَثِيرَة مُخْتَلفَة وَلكنهَا كالمتعاونة على تَحْقِيق غَرَض مُدبر وَاحِد فَكَانَت مملكة وَاحِدَة فَكَذَلِك الْعَالم كُله كشخص وَاحِد وأجزاء الْعَالم كأعضائه وَهِي متعاونة على مَقْصُود وَاحِد وَهُوَ إتْمَام غَايَة الْخَيْر الْمُمكن وجوده على مَا اقْتَضَاهُ الْجُود الإلهي وَلأَجل انتظامها على تَرْتِيب متسق وارتباطها برابطة وَاحِدَة كَانَت مملكة وَاحِدَة وَالله تَعَالَى مَالِكهَا فَقَط
ومملكة كل عبد بدنه خَاصَّة فَإِذا نفذت مَشِيئَته فِي صِفَات قلبه وجوارحه فَهُوَ مَالك مملكة نَفسه بِقدر مَا أعطي من الْقُدْرَة عَلَيْهَا
ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام
هُوَ الَّذِي لَا جلال وَلَا كَمَال إِلَّا وَهُوَ لَهُ وَلَا كَرَامَة وَلَا مكرمَة إِلَّا وَهِي صادرة مِنْهُ فالجلال لَهُ فِي ذَاته والكرامة فائضة مِنْهُ على خلقه وفنون إكرامه خلقه لَا تكَاد تَنْحَصِر وتتناهى وَعَلِيهِ دلّ قَوْله تَعَالَى وَلَقَد كرمنا بني آدم ١٧ سُورَة الْإِسْرَاء الْآيَة ٧٠
الْوَالِي
هُوَ الَّذِي دبر أُمُور الْخلق ووليها أَي تولاها وَكَانَ مَلِيًّا بولايتها وَكَأن الْولَايَة تشعر بِالتَّدْبِيرِ وَالْقُدْرَة وَالْفِعْل وَمَا لم يجْتَمع جَمِيع ذَلِك فِيهِ لم ينْطَلق اسْم الْوَالِي عَلَيْهِ وَلَا وَالِي للأمور إِلَّا الله فَإِنَّهُ المتفرد بتدبيرها أَولا والمنفذ للتدبير بالتحقيق ثَانِيًا والقائم عَلَيْهَا بالإدامة والإبقاء ثَالِثا
стр. 119
المتعالي
بِمَعْنى الْعلي مَعَ نوع من الْمُبَالغَة وَقد سبق مَعْنَاهُ
المقسط
هُوَ الَّذِي ينتصف للمظلوم من الظَّالِم وكما لَهُ فِي أَن يضيف إِلَى إرضاء الْمَظْلُوم إرضاء الظَّالِم وَذَلِكَ غَايَة الْعدْل والإنصاف وَلَا يقدر عَلَيْهِ إِلَّا الله
ومثاله مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه بَيْنَمَا هُوَ جَالس إِذْ ضحك حَتَّى بَدَت ثناياه فَقَالَ عمر ﵁ بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله مَا الَّذِي أضْحكك قَالَ رجلَانِ من أمتِي جثيا بَين يَدي رب الْعِزَّة فَقَالَ أَحدهمَا يَا رب خُذ لي مظلمتي من هَذَا فَقَالَ الله رد على أَخِيك مظلمته فَقَالَ يَا رب لم يبْق لي من حسناتي شَيْء فَقَالَ للطَّالِب كَيفَ تصنع بأخيك لم يبْق من حَسَنَاته شَيْء فَقَالَ يَا رب فليحمل عني من أوزاري ثمَّ فاضت عينا رَسُول الله ﷺ بالبكاء وَقَالَ إِن ذَلِك ليَوْم عَظِيم يَوْم يحْتَاج النَّاس إِلَى أَن يحمل عَنْهُم من أوزارهم قَالَ فَيَقُول الله للمتظلم ارْفَعْ بَصرك فَانْظُر فِي الْجنان فَقَالَ يَا رب أرى مَدَائِن من فضَّة وقصورا من ذهب مكللة بِاللُّؤْلُؤِ لأي نَبِي هَذَا أَو لأي صديق أَو لأي شَهِيد قَالَ الله هَذَا لمن أعْطى الثّمن قَالَ يَا رب وَمن يملك ذَلِك قَالَ أَنْت تملكه قَالَ بِمَاذَا يَا رب قَالَ بعفوك عَن أَخِيك قَالَ يَا رب قد عَفَوْت عَنهُ قَالَ الله خُذ بيد أَخِيك فَأدْخلهُ الْجنَّة ثمَّ قَالَ ﷺ اتَّقوا الله وَأَصْلحُوا ذَات بَيْنكُم فَإِن الله ﵎ يصلح بَين الْمُؤمنِينَ يَوْم الْقِيَامَة
стр. 120
فَهَذَا سَبِيل الانتصاف والإنصاف وَلَا يقدر على مثله إِلَّا رب الأرباب وأوفر الْعباد حظا من هَذَا الِاسْم من ينتصف أَولا من نَفسه ثمَّ لغيره من غَيره وَلَا ينتصف لنَفسِهِ من غَيره
الْجَامِع
هُوَ الْمُؤلف بَين المتماثلات والمتباينات والمتضادات
أما جمع الله المتماثلات فكجمعه الْخلق الْكثير من الْإِنْس على ظهر الأَرْض وكحشره إيَّاهُم فِي صَعِيد الْقِيَامَة
وَأما المتباينات فكجمعه بَين السَّمَوَات وَالْكَوَاكِب والهواء وَالْأَرْض والبحار والحيوانات والنبات والمعادن الْمُخْتَلفَة كل ذَلِك متباين الأشكال والألوان والطعوم والأوصاف وَقد جمعهَا فِي الأَرْض وَجمع بَين الْكل فِي الْعَالم وَكَذَلِكَ جمعه بَين الْعظم والعصب والعرق والعضلة والمخ والبشرة وَالدَّم وَسَائِر الأخلاط فِي بدن الْحَيَوَان
وَأما المتضادات فكجمعه بَين الْحَرَارَة والبرودة والرطوبة واليبوسة فِي أمزجة الْحَيَوَانَات وَهِي متنافرات متعاديات وَذَلِكَ أبلغ وُجُوه الْجمع
وتفصيل جمعه لَا يعرفهُ إِلَّا من يعرف تَفْصِيل مجموعاته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وكل ذَلِك مِمَّا يطول شَرحه تَنْبِيه
الْجَامِع من الْعباد من جمع بَين الْآدَاب الظَّاهِرَة فِي الْجَوَارِح وَبَين الْحَقَائِق الْبَاطِنَة فِي الْقُلُوب فَمن كملت مَعْرفَته وَحسنت سيرته فَهُوَ الْجَامِع وَلذَلِك قيل الْكَامِل من لَا يُطْفِئ نور مَعْرفَته نور ورعه وَكَانَ الْجمع بَين الصَّبْر
стр. 121
والبصيرة مُتَعَذر لذَلِك ترى صبورا على الزّهْد والورع لَا بَصِيرَة لَهُ وَترى ذَا بَصِيرَة لَا صَبر لَهُ وَالْجَامِع من جمع بَين الصَّبْر والبصيرة وَالسَّلَام
الْغَنِيّ الْمُغنِي
الْغَنِيّ هُوَ الَّذِي لَا تعلق لَهُ بِغَيْرِهِ لَا فِي ذَاته وَلَا فِي صِفَات ذَاته بل يكون منزها عَن العلاقة مَعَ الأغيار فَمن تتَعَلَّق ذَاته أَو صِفَات ذَاته بِأَمْر خَارج من ذَاته يتَوَقَّف عَلَيْهِ وجوده أَو كَمَاله فَهُوَ فَقير مُحْتَاج إِلَى الْكسْب وَلَا يتَصَوَّر ذَلِك إِلَّا لله
وَالله هُوَ الْمُغنِي أَيْضا وَلَكِن الَّذِي أغناه لَا يتَصَوَّر أَن يصير بإغنائه غَنِيا مُطلقًا فَإِن أقل أُمُوره أَنه مُحْتَاج إِلَى الْمُغنِي فَلَا يكون غَنِيا بل يَسْتَغْنِي عَن غير الله بِأَن يمده بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ لَا بِأَن يقطع عَنهُ أصل الْحَاجة والغني الْحَقِيقِيّ هُوَ الَّذِي لَا حَاجَة لَهُ إِلَى أحد أصلا وَالَّذِي يحْتَاج وَمَعَهُ مَا يحْتَاج فَهُوَ غَنِي بالمجاز وَهُوَ غَايَة مَا يدْخل فِي الْإِمْكَان فِي حق غير الله
وَأما فقد الْحَاجة فَلَا وَلَكِن إِذا لم يبْق حَاجَة إِلَّا إِلَى الله تَعَالَى سمي غَنِيا وَلَو لم يبْق لَهُ أصل الْحَاجة لما صَحَّ قَوْله تَعَالَى وَالله الْغَنِيّ وَأَنْتُم الْفُقَرَاء ٤٧ سُورَة مُحَمَّد الْآيَة ٣٨ وَلَوْلَا أَنه يتَصَوَّر أَن يَسْتَغْنِي عَن كل شَيْء سوى الله لما صَحَّ لله تَعَالَى وصف الْمُغنِي
الْمَانِع
هُوَ الَّذِي يرد أَسبَاب الْهَلَاك وَالنُّقْصَان فِي الْأَدْيَان والأبدان بِمَا يخلقه من الْأَسْبَاب الْمعدة للْحِفْظ وَقد سبق معنى الحفيظ وكل حفظ فَمن ضَرُورَته
стр. 122
منع وَدفع فَمن فهم معنى الحفيظ فهم معنى الْمَانِع وَالْمَنْع إِضَافَة إِلَى السَّبَب المهلك وَالْحِفْظ إِضَافَة إِلَى المحروس عَن الْهَلَاك وَهُوَ مَقْصُود الْمَنْع وغايته إِذْ الْمَنْع يُرَاد للْحِفْظ وَالْحِفْظ لَا يُرَاد للْمَنْع فَكل حَافظ مَانع وَلَيْسَ كل مَانع حَافِظًا إِلَّا إِذا كَانَ مَانِعا مُطلقًا لجَمِيع أَسبَاب الْهَلَاك وَالنَّقْص حَتَّى يحصل الْحِفْظ من ضَرُورَته
الضار النافع
هُوَ الَّذِي يصدر مِنْهُ الْخَيْر وَالشَّر والنفع والضر وكل ذَلِك مَنْسُوب إِلَى الله تَعَالَى إِمَّا بِوَاسِطَة الْمَلَائِكَة وَالْإِنْس والجمادات أَو بِغَيْر وَاسِطَة فَلَا تَظنن أَن السم يقتل ويضر بِنَفسِهِ وَأَن الطَّعَام يشْبع وينفع بِنَفسِهِ وَأَن الْملك وَالْإِنْسَان والشيطان أَو شَيْئا من الْمَخْلُوقَات من فلك أَو كَوْكَب أَو غَيرهمَا يقدر على خير أَو شَرّ أَو نفع أَو ضرّ بِنَفسِهِ بل كل ذَلِك أَسبَاب مسخرة لَا يصدر مِنْهَا إِلَّا مَا سخرت لَهُ
وَجُمْلَة ذَلِك بِالْإِضَافَة إِلَى الْقُدْرَة الأزلية كالقلم بِالْإِضَافَة إِلَى الْكَاتِب فِي اعْتِقَاد الْعَاميّ وكما أَن السُّلْطَان إِذا وَقع بكرامة أَو عُقُوبَة لم ير ضَرَر ذَلِك وَلَا نَفعه من الْقَلَم بل من الَّذِي الْقَلَم مسخر لَهُ فَكَذَلِك سَائِر الوسائط والأسباب وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي اعْتِقَاد الْعَاميّ لِأَن الْجَاهِل هُوَ الَّذِي يرى الْقَلَم مسخرا لِلْكَاتِبِ والعارف يعلم أَنه مسخر فِي يَده لله وَهُوَ الَّذِي الْكَاتِب مسخر لَهُ فَإِنَّهُ مهما خلق الْكَاتِب وَخلق لَهُ الْقُدْرَة وسلط الْقُدْرَة وسلط عَلَيْهِ الداعية الجازمة الَّتِي لَا تردد فِيهَا صدر مِنْهُ حَرَكَة الْأَصَابِع والقلم لَا محَالة شَاءَ أم أَبى بل لَا يُمكنهُ أَن لَا يَشَاء فَإِذا الْكَاتِب بقلم الْإِنْسَان وَيَده هُوَ الله تَعَالَى وَإِذا عرفت هَذَا فِي الْحَيَوَان الْمُخْتَار فَهُوَ فِي الجماد أظهر
стр. 123
النُّور
هُوَ الظَّاهِر الَّذِي بِهِ كل ظُهُور فَإِن الظَّاهِر فِي نَفسه الْمظهر لغيره يُسمى نورا وَمهما قوبل الْوُجُود بِالْعدمِ كَانَ الظُّهُور لَا محَالة للوجود وَلَا ظلام أظلم من الْعَدَم فالبريء عَن ظلمَة الْعَدَم بل عَن إِمْكَان الْعَدَم الْمخْرج كل الْأَشْيَاء من ظلمَة الْعَدَم إِلَى ظُهُور الْوُجُود جدير بِأَن يُسمى نورا والوجود نور فائض على الْأَشْيَاء كلهَا من نور ذَاته فَهُوَ نور السَّمَوَات وَالْأَرْض وكما أَنه لَا ذرة من نور الشَّمْس إِلَّا وَهِي دَالَّة على وجود الشَّمْس المنورة فَلَا ذرة من موجودات السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا وَهِي بِجَوَاز وجودهَا دَالَّة على وجوب وجود موجدها وَمَا ذَكرْنَاهُ فِي معنى الظَّاهِر يفهمك معنى النُّور ويغنيك عَن التعسفات الْمَذْكُورَة فِي مَعْنَاهُ
الْهَادِي
هُوَ الَّذِي هدى خَواص عباده أَولا إِلَى معرفَة ذَاته حَتَّى اسْتشْهدُوا بهَا على الْأَشْيَاء وَهدى عوام عباده إِلَى مخلوقاته حَتَّى اسْتشْهدُوا بهَا على ذَاته وَهدى كل مَخْلُوق إِلَى مَا لَا بُد لَهُ مِنْهُ فِي قَضَاء حاجاته فهدى الطِّفْل إِلَى التقام الثدي عِنْد انْفِصَاله والفرخ إِلَى الْتِقَاط الْحبّ وَقت خُرُوجه والنحل إِلَى بِنَاء بَيته على شكل التسديس لكَونه أوفق الأشكال لبدنه وأحواها وأبعدها عَن أَن يتخللها فرج ضائعة وَشرح ذَلِك يطول وَعنهُ عبر قَوْله تَعَالَى الَّذِي أعْطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى ٢٠ سُورَة طه الْآيَة ٥٠ وَقَالَ تَعَالَى وَالَّذِي قدر فهدى ٨٧ سُورَة الْأَعْلَى الْآيَة ٣
والهداة من الْعباد الْأَنْبِيَاء وَالْعُلَمَاء الَّذين أرشدوا الْخلق إِلَى السَّعَادَة الأخروية وهدوهم إِلَى صِرَاط الله الْمُسْتَقيم بل الله الْهَادِي لَهُم على ألسنتهم وهم مسخرون تَحت قدرته وتدبيره
стр. 124
البديع
هُوَ الَّذِي لَا عهد بِمثلِهِ فَإِن لم يكن بِمثلِهِ عهد لَا فِي ذَاته وَلَا فِي صِفَاته وَلَا فِي أَفعاله وَلَا فِي كل أَمر رَاجع إِلَيْهِ فَهُوَ البديع الْمُطلق وَإِن كَانَ شَيْء من ذَلِك معهودا فَلَيْسَ ببديع مُطلق وَلَا يَلِيق هَذَا الِاسْم مُطلقًا إِلَّا بِاللَّه فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ قبل فَيكون مثله معهودا قبله وكل مَوْجُود بعده فحاصل بإيجاده وَهُوَ غير مُنَاسِب لموجده فَهُوَ بديع أزلا وأبدا
وكل عبد اخْتصَّ بخاصية فِي النُّبُوَّة أَو الْولَايَة أَو الْعلم لم يعْهَد مثلهَا إِمَّا فِي سَائِر الْأَوْقَات وَإِمَّا فِي عصره فَهُوَ بديع بِالْإِضَافَة إِلَى مَا هُوَ مُنْفَرد بِهِ وَفِي الْوَقْت الَّذِي هُوَ مُنْفَرد فِيهِ
الْبَاقِي
هُوَ الْمَوْجُود الْوَاجِب وجوده بِذَاتِهِ وَلكنه إِذا أضيف فِي الذِّهْن إِلَى الِاسْتِقْبَال سمي بَاقِيا وَإِذا أضيف إِلَى الْمَاضِي سمي قَدِيما وَالْبَاقِي الْمُطلق هُوَ الَّذِي لَا يَنْتَهِي تَقْدِير وجوده فِي الِاسْتِقْبَال إِلَى آخر ويعبر عَنهُ بِأَنَّهُ أبدي
وَالْقَدِيم الْمُطلق هُوَ الَّذِي لَا يَنْتَهِي تمادي وجوده فِي الْمَاضِي إِلَى أول ويعبر عَنهُ بِأَنَّهُ أزلي وقولك وَاجِب الْوُجُود بِذَاتِهِ مُتَضَمّن لجَمِيع ذَلِك وَإِنَّمَا هَذِه الْأَسَامِي بِحَسب إِضَافَة هَذَا الْوُجُود فِي الذِّهْن إِلَى الْمَاضِي والمستقبل
وَإِنَّمَا يدْخل فِي الْمَاضِي والمستقبل المتغيرات لِأَنَّهُمَا عبارتان عَن الزَّمَان وَلَا يدْخل فِي الزَّمَان إِلَّا التَّغَيُّر وَالْحَرَكَة إِذْ الْحَرَكَة إِنَّمَا تَنْقَسِم إِلَى مَاض ومستقبل والمتغير يدْخل فِي الزَّمَان بِوَاسِطَة التَّغَيُّر فَمَا جلّ عَن التَّغَيُّر وَالْحَرَكَة فَلَيْسَ فِي زمَان فَلَيْسَ فِيهِ مَاض ومستقبل فَلَا ينْفَصل فِيهِ الْقدَم عَن الْبَقَاء بل الْمَاضِي والمستقبل إِنَّمَا يكون لنا إِذْ مضى علينا وَفينَا أُمُور وستتجدد أُمُور وَلَا بُد من أُمُور تحدث شَيْئا بعد شَيْء حَتَّى تَنْقَسِم إِلَى مَاض قد انْعَدم وَانْقطع وَإِلَى رَاهن حَاضر وَإِلَى مَا يتَوَقَّع تجدده من بعد فَحَيْثُ لَا تجدّد وَلَا انْقِضَاء فَلَا زمَان
стр. 125
وَكَيف لَا وَالْحق قبل الزَّمَان وَحَيْثُ خلق الزَّمَان لم يتَغَيَّر من ذَاته شَيْء وَقبل خلق الزَّمَان لم يكن للزمان عَلَيْهِ جَرَيَان وَبَقِي بعد خلق الزَّمَان على مَا عَلَيْهِ كَانَ وَلَقَد أبعد من قَالَ الْبَقَاء صفة زَائِدَة على ذَات الْبَاقِي وَأبْعد مِنْهُ من قَالَ الْقدَم وصف زَائِد على ذَات الْقَدِيم وناهيك برهانا على فَسَاده مَا لزمَه من الْخبط فِي بَقَاء الْبَقَاء وَبَقَاء الصِّفَات وَقدم الْقدَم وَقدم الصِّفَات
الْوَارِث
هُوَ الَّذِي يرجع إِلَيْهِ الْأَمْلَاك بعد فنَاء الْملاك وَذَلِكَ هُوَ الله إِذْ هُوَ الْبَاقِي بعد فنَاء الْخلق وَإِلَيْهِ مرجع كل شَيْء ومصيره وَهُوَ الْقَائِل إِذْ ذَاك لمن الْملك الْيَوْم ٤٠ سُورَة غَافِر الْآيَة ١٦ وَهُوَ الْمُجيب لله الْوَاحِد القهار ٤٠ سُورَة غَافِر الْآيَة ١٦ وَهَذَا بِحَسب ظن الْأَكْثَرين إِذْ يظنون لأَنْفُسِهِمْ ملكا وملكا فينكشف لَهُم ذَلِك الْيَوْم حَقِيقَة الْحَال وَهَذَا النداء عبارَة عَن حَقِيقَة مَا ينْكَشف لَهُم فِي ذَلِك الْوَقْت
فَأَما أَرْبَاب البصائر فَإِنَّهُم أبدا مشاهدون لِمَعْنى هَذَا النداء سامعون لَهُ من غير صَوت وَلَا حرف موقنون بِأَن الْملك لله الْوَاحِد القهار فِي كل يَوْم وَفِي كل سَاعَة وَفِي كل لَحْظَة وَكَذَلِكَ كَانَ أزلا وأبدا وَهَذَا إِنَّمَا يُدْرِكهُ من أدْرك حَقِيقَة التَّوْحِيد فِي الْفِعْل وَعلم أَن الْمُنْفَرد بِالْفِعْلِ فِي الْملك والملكوت وَاحِد وَقد أَشَرنَا إِلَى ذَلِك فِي أول كتاب التَّوَكُّل من كتاب إحْيَاء عُلُوم الدّين فليطلب مِنْهُ فَإِن هَذَا الْكتاب لَا يحْتَملهُ
الرشيد
هُوَ الَّذِي تنساق تدبيراته إِلَى غاياتها على سنَن السداد من غير إِشَارَة مشير وتسديد مُسَدّد وإرشاد مرشد وَهُوَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
стр. 126
ورشد كل عبد بِقدر هدايته فِي تدابيره إِلَى مَا يشاكل الصَّوَاب من مقاصده وَدينه ودنياه
الصبور
هُوَ الَّذِي لَا تحمله العجلة على المسارعة إِلَى الْفِعْل قبل أَوَانه بل ينزل الْأُمُور بِقدر مَعْلُوم ويجريها على سنَن مَحْدُود لَا يؤخرها على آجالها المقدورة لَهَا تَأْخِير متكاسل وَلَا يقدمهَا على أَوْقَاتهَا تَقْدِيم مستعجل بل يودع كل شَيْء فِي أَوَانه على الْوَجْه الَّذِي يجب أَن يكون وكما يَنْبَغِي وكل ذَلِك من غير مقاساة دَاع على مضادة الْإِرَادَة
وَأما صَبر العَبْد فَلَا يَخْلُو عَن مقاساة لِأَن معنى صبره هُوَ ثبات دَاعِي الدّين أَو الْعقل فِي مُقَابلَة دَاعِي الشَّهْوَة أَو الْغَضَب فَإِذا تجاذبه داعيان متضادان فَدفع الدَّاعِي إِلَى الْإِقْدَام والمبادرة وَمَال إِلَى باعث التَّأْخِير سمي صبورا إِذْ جعل باعث العجلة مقهورا وباعث العجلة فِي حق الله سُبْحَانَهُ مَعْدُوم فَهُوَ أبعد عَن العجلة مِمَّن باعثه مَوْجُود وَلكنه مقهور فَهُوَ أَحَق بِهَذَا الِاسْم بعد أَن أخرجت عَن الِاعْتِبَار تنَاقض البواعث ومصابرتها بطرِيق المجاهدة
стр. 127
خَاتِمَة لهَذَا الْفَصْل واعتذار
اعْلَم أَنه إِنَّمَا حَملَنِي على ذكر هَذِه التَّنْبِيهَات ردف هَذِه الْأَسَامِي وَالصِّفَات قَول رَسُول الله ﷺ تخلقوا بأخلاق الله تَعَالَى وَقَوله ﵊ إِن لله كَذَا وَكَذَا خلقا من تخلق بِوَاحِد مِنْهَا دخل الْجنَّة وَمَا تداولته أَلْسِنَة الصُّوفِيَّة من كَلِمَات تُشِير إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ لَكِن على وَجه يُوهم عِنْد غير المحصل شَيْئا من معنى الْحُلُول والاتحاد وَذَلِكَ غير مظنون بعاقل فضلا عَن المتميزين بخصائص المكاشفات وَلَقَد سَمِعت الشَّيْخ أَبَا عَليّ الفارمذي يَحْكِي عَن شَيْخه أبي الْقَاسِم الكركاني قدس الله روحهما أَنه قَالَ إِن الْأَسْمَاء التِّسْعَة وَالتسْعين تصير أوصافا للْعَبد السالك وَهُوَ بعد فِي السلوك غير وَاصل وَهَذَا الَّذِي ذكره إِن أَرَادَ بِهِ شَيْئا يُنَاسب مَا أوردناه فَهُوَ صَحِيح وَلَا يظنّ بِهِ إِلَّا ذَلِك وَيكون فِي اللَّفْظ نوع من التَّوَسُّع والاستعارة فَإِن مَعَاني الْأَسْمَاء هِيَ صِفَات الله تَعَالَى وَصِفَاته لَا تصير صفة لغيره وَلَكِن مَعْنَاهُ أَنه يحصل لَهُ مَا يُنَاسب تِلْكَ الْأَوْصَاف كَمَا يُقَال فلَان حصل علم أستاذه وَعلم الْأُسْتَاذ لَا يحصل للتلميذ بل يحصل لَهُ مثل علمه
وَإِن ظن ظان أَن المُرَاد بِهِ لَيْسَ مَا ذَكرْنَاهُ فَهُوَ بَاطِل قطعا فَإِنِّي أَقُول قَول الْقَائِل إِن مَعَاني أَسمَاء الله صَارَت أوصافا لَهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَعْنِي بِهِ عين تِلْكَ الصِّفَات أَو مثلهَا فَإِن عَنى بِهِ مثلهَا فَلَا يَخْلُو إِمَّا عَنى بِهِ مثلهَا مُطلقًا من كل وَجه وَإِمَّا أَنه عَنى بِهِ مثلهَا من حَيْثُ الِاسْم والمشاركة فِي
стр. 128
عُمُوم الصِّفَات دون خَواص الْمعَانِي فهذان قِسْمَانِ وَإِن عَنى بِهِ عينهَا فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون بطرِيق انْتِقَال الصِّفَات من الرب إِلَى العَبْد أَو لَا انْتِقَال فَإِن لم يكن بالانتقال فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون باتحاد ذَات العَبْد بِذَات الرب حَتَّى يكون هُوَ هُوَ فَتكون صِفَاته وَإِمَّا أَن يكون بطرِيق الْحُلُول وَهَذِه أَقسَام ثَلَاثَة وَهُوَ الِانْتِقَال والاتحاد والحلول وقسمان مقدمان
فَهَذِهِ خَمْسَة أَقسَام الصَّحِيح مِنْهَا قسم وَاحِد وَهُوَ أَن يثبت للْعَبد من هَذِه الصِّفَات أُمُور تناسبها على الْجُمْلَة وتشاركها فِي الِاسْم وَلَكِن لَا تماثلها مماثلة تَامَّة كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي التَّنْبِيهَات
وَأما الْقسم الثَّانِي وَهُوَ أَن يثبت لَهُ أَمْثَالهَا على التَّحْقِيق فمحال فَإِن من جملَته أَن يكون لَهُ علم مُحِيط بِجَمِيعِ المعلومات حَتَّى لَا يعزب عَنهُ ذرة فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَوَات وَأَن يكون لَهُ قدرَة وَاحِدَة تَشْمَل جَمِيع الْمَخْلُوقَات حَتَّى يكون هُوَ بهَا خَالق الأَرْض وَالسَّمَوَات وَمَا بَينهمَا وَكَيف يتَصَوَّر هَذَا لغير الله تَعَالَى وَكَيف يكون العَبْد خَالق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهَا وَهُوَ من جملَة مَا بَينهمَا فَكيف يكون خَالق نَفسه ثمَّ إِن ثبتَتْ هَذِه الصِّفَات لعبدين يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا خَالق صَاحبه فَيكون كل وَاحِد خَالِقًا من خلقه وكل ذَلِك ترهات ومحالات
وَأما الْقسم الثَّالِث وَهُوَ انْتِقَال عين صِفَات الربوبية فَهُوَ أَيْضا محَال لِأَن الصِّفَات يَسْتَحِيل مفارقتها للموصوفات وَهَذَا لَا يخْتَص بِالذَّاتِ الْقَدِيمَة بل لَا يتَصَوَّر أَن ينْتَقل عين علم زيد إِلَى عَمْرو بل لَا قيام للصفات إِلَّا بِخُصُوص الموصوفات وَلِأَن الِانْتِقَال يُوجب فرَاغ الْمُنْتَقل عَنهُ فَيُوجب أَن تعرى الذَّات الَّتِي عَنْهَا انْتِقَال الصِّفَات الربوبية فتعرى عَن الربوبية وصفاتها وَذَلِكَ أَيْضا ظَاهر الاستحالة
стр. 129
وَأما الْقسم الرَّابِع وَهُوَ الِاتِّحَاد فَذَلِك أَيْضا أظهر بطلانا لِأَن قَول الْقَائِل إِن العَبْد صَار هُوَ الرب كَلَام متناقض فِي نَفسه بل يَنْبَغِي أَن ينزه الرب عَن أَن يجْرِي اللِّسَان فِي حَقه بأمثال هَذِه المحالات ونقول قولا مُطلقًا إِن قَول الْقَائِل إِن شَيْئا صَار شَيْئا آخر محَال على الْإِطْلَاق لأَنا نقُول إِذا عقل زيد وَحده وَعَمْرو وَحده ثمَّ قيل إِن زيدا صَار عمروا واتحد بِهِ فَلَا يَخْلُو عِنْد الِاتِّحَاد إِمَّا أَن يكون كِلَاهُمَا موجودين أَو كِلَاهُمَا معدومين أَو زيد مَوْجُودا وَعَمْرو مَعْدُوما أَو بِالْعَكْسِ وَلَا يُمكن قسم وَرَاء هَذِه الْأَرْبَعَة
فَإِن كَانَا موجودين فَلم يصر عين أَحدهمَا عين الآخر بل عين كل وَاحِد مِنْهُمَا مَوْجُود وَإِنَّمَا الْغَايَة أَن يتحد مكانهما وَذَلِكَ لَا يُوجب الِاتِّحَاد فَإِن الْعلم والإرادة وَالْقُدْرَة قد تَجْتَمِع فِي ذَات وَاحِدَة وَلَا تتباين محالها وَلَا تكون الْقُدْرَة هِيَ الْعلم وَلَا الْإِرَادَة وَلَا يكون قد اتَّحد الْبَعْض بِالْبَعْضِ
وَإِن كَانَ معدومين فَمَا اتحدا بل عدما وَلَعَلَّ الْحَادِث شَيْء ثَالِث
وَإِن كَانَ أَحدهمَا مَعْدُوما وَالْآخر مَوْجُودا فَلَا اتِّحَاد إِذْ لَا يتحد مَوْجُود بمعدوم
فالاتحاد بَين شَيْئَيْنِ مُطلقًا محَال وَهَذَا جَار فِي الذوات المتماثلة فضلا عَن الْمُخْتَلفَة فَإِنَّهُ يَسْتَحِيل أَن يصير هَذَا السوَاد ذَاك السوَاد كَمَا يَسْتَحِيل أَن يصير هَذَا السوَاد ذَلِك الْبيَاض أَو ذَلِك الْعلم والتباين بَين العَبْد والرب أعظم من التباين بَين السوَاد وَالْبَيَاض وَالْجهل وَالْعلم
فَأصل الِاتِّحَاد إِذا بَاطِل وَحَيْثُ يُطلق الِاتِّحَاد وَيُقَال هُوَ هُوَ لَا يكون إِلَّا بطرِيق التَّوَسُّع والتجوز اللَّائِق بعادة الصُّوفِيَّة وَالشعرَاء فَإِنَّهُم لأجل تَحْسِين موقع الْكَلَام من الإفهام يسلكون سَبِيل الِاسْتِعَارَة كَمَا يَقُول الشَّاعِر
стр. 130
أَنا من أَهْوى وَمن أَهْوى أَنا ... نَحن روحان حللنا بدنا
وَذَلِكَ مؤول عِنْد الشَّاعِر فَإِنَّهُ لَا يَعْنِي بِهِ أَنه هُوَ تَحْقِيقا بل كَأَنَّهُ هُوَ فَإِنَّهُ مُسْتَغْرق الْهم بِهِ كَمَا يكون هُوَ مُسْتَغْرق الْهم بِنَفسِهِ فيعبر عَن هَذِه الْحَالة بالاتحاد على سَبِيل التَّجَوُّز
وَعَلِيهِ يَنْبَغِي أَن يحمل قَول أبي يزِيد ﵀ حَيْثُ قَالَ انسلخت من نَفسِي كَمَا تنسلخ الْحَيَّة من جلدهَا فَنَظَرت فَإِذا أَنا هُوَ وَيكون مَعْنَاهُ أَن من يَنْسَلِخ من شهوات نَفسه وهواها وهمها فَلَا يبْقى فِيهِ متسع لغير الله وَلَا يكون لَهُ همة سوى الله وَإِذا لم يحل فِي الْقلب إِلَّا جلال الله وجماله حَتَّى صَار مُسْتَغْرقا بِهِ يصير كَأَنَّهُ هُوَ لَا أَنه هُوَ تَحْقِيقا وَفرق بَين قَوْلنَا كَأَنَّهُ هُوَ وَبَين قَوْلنَا هُوَ هُوَ لَكِن قد يعبر بقولنَا هُوَ هُوَ عَن قَوْلنَا كَأَنَّهُ هُوَ كَمَا أَن الشَّاعِر تَارَة يَقُول كَأَنِّي من أَهْوى وَتارَة يَقُول أَنا من أَهْوى وَهَذِه مزلة قدم فَإِن من لَيْسَ لَهُ قدم راسخ فِي المعقولات رُبمَا لم يتَمَيَّز لَهُ أَحدهمَا عَن الآخر فَينْظر إِلَى كَمَال ذَاته وَقد تزين بِمَا تلألأ فِيهِ من حلية الْحق فيظن أَنه هُوَ فَيَقُول أَنا الْحق
وَهُوَ غالط غلط النَّصَارَى حَيْثُ رَأَوْا ذَلِك فِي ذَات الْمَسِيح عِيسَى ﵇ فَقَالُوا هُوَ الْإِلَه بل هُوَ غلط من ينظر إِلَى مرْآة قد انطبع فِيهَا صُورَة متلونة بتلونه فيظن أَن تِلْكَ الصُّورَة هِيَ صُورَة الْمرْآة وَأَن ذَلِك اللَّوْن لون الْمرْآة وهيهات بل الْمرْآة فِي ذَاتهَا لَا لون لَهَا وشأنها قبُول صور الألوان على وَجه يتخايل إِلَى الناظرين إِلَى ظَاهر الْأُمُور أَن ذَلِك صُورَة الْمرْآة حَتَّى إِن الصَّبِي إِذا رأى إنْسَانا فِي الْمرْآة ظن أَن الْإِنْسَان فِي الْمرْآة فَكَذَلِك الْقلب خَال عَن الصُّور فِي نَفسه وَعَن الهيئات وَإِنَّمَا هيآته قبُول مَعَاني الهيئات والصور والحقائق فَمَا يحله يكون كالمتحد بِهِ لَا أَنه مُتحد بِهِ تَحْقِيقا وَمن لَا يعرف
стр. 131
الزّجاج وَالْخمر إِذا رأى زجاجة فِيهَا خمر لَا يدْرك تباينهما فَتَارَة يَقُول لَا خمر وَتارَة يَقُول لَا زجاجة كَمَا عبر عَنهُ الشَّاعِر حَيْثُ قَالَ
رق الزّجاج وراقت الْخمر ... فتشابها فتشاكل الْأَمر
فَكَأَنَّمَا خمر وَلَا قدح ... وكأنما قدح وَلَا خمر
وَقَول من قَالَ مِنْهُم أَنا الْحق فإمَّا أَن يكون مَعْنَاهُ معنى قَول الشَّاعِر
أَنا من أَهْوى وَمن أَهْوى أَنا ...
وَإِمَّا أَن يكون قد غلط فِي ذَلِك كَمَا غلط النَّصَارَى فِي ظنهم اتِّحَاد اللاهوت بالناسوت
وَقَول أبي يزِيد ﵀ إِن صَحَّ عَنهُ سبحاني مَا أعظم شأني إِمَّا أَن يكون ذَلِك جَارِيا على لِسَانه فِي معرض الْحِكَايَة عَن الله كَمَا لَو سمع وَهُوَ يَقُول لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني لَكَانَ يحمل على الْحِكَايَة وَإِمَّا أَن يكون قد شَاهد كَمَال حَظه من صفة الْقُدس على مَا ذكرنَا فِي الترقي بالمعرفة عَن الموهومات والمحسوسات وبالهمة عَن الحظوظ والشهوات فَأخْبر عَن قدس نَفسه وَقَالَ سبحاني وَرَأى عظم شَأْنه بِالْإِضَافَة إِلَى شَأْن عُمُوم الْخلق فَقَالَ مَا أعظم شأني وَهُوَ مَعَ ذَلِك يعلم أَن قدسه وَعظم شَأْنه بِالْإِضَافَة إِلَى الْخلق وَلَا نِسْبَة لَهُ إِلَى قدس الرب تَعَالَى وتقدس وَعظم شَأْنه وَيكون قد جرى هَذَا اللَّفْظ فِي سكره وغلبات حَاله فَإِن الرُّجُوع إِلَى الصحو واعتدال الْحَال يُوجب حفظ اللِّسَان عَن الْأَلْفَاظ الموهمة وَحَال السكر رُبمَا لَا يحْتَمل ذَلِك فَإِن جَاوَزت هذَيْن التَّأْويلَيْنِ إِلَى الِاتِّحَاد فَذَلِك محَال قطعا فَلَا ينظر إِلَى مناصب الرِّجَال حَتَّى يصدق بالمحال بل يَنْبَغِي أَن يعرف الرِّجَال بِالْحَقِّ لَا الْحق بِالرِّجَالِ
وَأما الْقسم الْخَامِس وَهُوَ الْحُلُول فَذَلِك يتَصَوَّر أَن يُقَال إِن الرب
стр. 132
تبَارك وَتَعَالَى حل فِي العَبْد أَو العَبْد حل فِي الرب تَعَالَى رب الأرباب عَن قَول الظَّالِمين وَهَذَا لَو صَحَّ لما أوجب الِاتِّحَاد وَلَا أَن يَتَّصِف العَبْد بِصِفَات الرب فَإِن صِفَات الْحَال لَا تصير صفة الْمحل بل تبقى صفة للْحَال كَمَا كَانَ وَوجه اسْتِحَالَة الْحُلُول لَا يفهم إِلَّا بعد فهم معنى الْحُلُول فَإِن الْمعَانِي المفردة إِذا لم تدْرك بطرِيق التَّصَوُّر لم يُمكن أَن يفهم نَفيهَا أَو إِثْبَاتهَا فَمن لَا يدْرِي معنى الْحُلُول فَمن أَيْن يدْرِي أَن الْحُلُول مَوْجُود أَو محَال
فَنَقُول الْمَفْهُوم من الْحُلُول أَمْرَانِ
أَحدهمَا النِّسْبَة الَّتِي بَين الْجِسْم وَبَين مَكَانَهُ الَّذِي يكون فِيهِ وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا بَين جسمين فالبريء عَن معنى الجسمية يَسْتَحِيل فِي حَقه ذَلِك
وَالثَّانِي النِّسْبَة الَّتِي بَين الْعرض والجوهر فَإِن الْعرض يكون قوامه بالجوهر فقد يعبر عَنهُ بِأَنَّهُ حَال فِيهِ وَذَلِكَ محَال على كل مَا قوامه بِنَفسِهِ فدع عَنْك ذكر الرب تَعَالَى وتقدس فِي هَذَا المعرض فَإِن كل مَا قوامه بِنَفسِهِ يَسْتَحِيل أَن يحل فِيمَا قوامه بِنَفسِهِ إِلَّا بطرِيق الْمُجَاورَة الْوَاقِعَة بَين الْأَجْسَام فَلَا يتَصَوَّر الْحُلُول بَين عَبْدَيْنِ فَكيف يتَصَوَّر بَين العَبْد والرب
وَإِذا بَطل الْحُلُول والانتقال والاتحاد والاتصاف بأمثال صِفَات الله على سَبِيل الْحَقِيقَة لم يبْق لقَولهم معنى إِلَّا مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي التَّنْبِيهَات وَذَلِكَ يمْنَع من إِطْلَاق القَوْل بِأَن مَعَاني أَسمَاء الله تَعَالَى تصير أوصافا للْعَبد إِلَّا على نوع من التَّقْيِيد خَال عَن الْإِيهَام وَإِلَّا فمطلق هَذَا اللَّفْظ موهم
فَإِن قلت فَمَا معنى قَوْله إِن العَبْد مَعَ الاتصاف بِجَمِيعِ ذَلِك سالك لَا وَاصل فَمَا معنى السلوك وَمَا معنى الْوُصُول على رَأْي هَذَا الْقَائِل فَاعْلَم أَن السلوك هُوَ تَهْذِيب الْأَخْلَاق والأعمال والمعارف وَذَلِكَ اشْتِغَال بعمارة الظَّاهِر وَالْبَاطِن وَالْعَبْد فِي جَمِيع ذَلِك مَشْغُول بِنَفسِهِ عَن ربه إِلَّا أَنه
стр. 133
مشتغل بتصفية بَاطِنه ليستعد للوصول وَإِنَّمَا الْوُصُول هُوَ أَن ينْكَشف لَهُ جلية الْحق وَيصير مُسْتَغْرقا بِهِ فَإِن نظر إِلَى مَعْرفَته فَلَا يعرف إِلَّا الله وَإِن نظر إِلَى همته فَلَا همة لَهُ سواهُ فَيكون كُله مَشْغُولًا بكله مُشَاهدَة وهما لَا يلْتَفت فِي ذَلِك إِلَى نَفسه ليعمر ظَاهره بِالْعبَادَة أَو بَاطِنه بتهذيب الْأَخْلَاق وكل ذَلِك طَهَارَة وَهِي الْبِدَايَة وَإِنَّمَا النِّهَايَة أَن يَنْسَلِخ من نَفسه بِالْكُلِّيَّةِ ويتجرد لَهُ فَيكون كَأَنَّهُ هُوَ وَذَلِكَ هُوَ الْوُصُول عِنْده
فَإِن قلت كَلِمَات الصُّوفِيَّة بِنَاء على مشاهدات انفتحت لَهُم فِي طور الْولَايَة وَالْعقل يقصر عَن دَرك ذَلِك وَمَا ذكرتموه تصرف ببضاعة الْعقل فَاعْلَم أَنه لَا يجوز أَن يظْهر فِي طور الْولَايَة مَا يقْضِي الْعقل باستحالته نعم يجوز أَن يظْهر مَا يقصر الْعقل عَنهُ بِمَعْنى أَنه لَا يُدْرِكهُ بِمُجَرَّد الْعقل مِثَاله أَنه يجوز أَن يكاشف الْوَلِيّ بِأَن فلَانا سيموت غَدا وَلَا يدْرك ذَلِك ببضاعة الْعقل بل يقصر الْعقل عَنهُ وَلَا يجوز أَن يكاشف بِأَن الله غَدا سيخلق مثل نَفسه فَإِن ذَلِك يحيله الْعقل لَا أَنه يقصر عَنهُ وَأبْعد من ذَلِك أَن يَقُول إِن الله ﵎ سيجعلني مثل نَفسه وَأبْعد مِنْهُ أَن يَقُول إِن الله سيصيرني نَفسه أَي أصير أَنا هُوَ لِأَن مَعْنَاهُ أَنِّي حَادث وَالله تَعَالَى وتقدس يَجْعَلنِي قَدِيما وَلست خَالق السَّمَوَات وَالْأَرضين وَالله يَجْعَلنِي خَالق السَّمَوَات وَالْأَرضين وَهَذَا معنى قَوْله نظرت فَإِذا أَنا هُوَ إِذا لم يؤول وَمن صدق بِمثل هَذَا فقد انخلع عَن غريزة الْعقل وَلم يتَمَيَّز عِنْده مَا يعلم عَمَّا لَا يعلم فليصدق بِأَنَّهُ يجوز أَن يكاشف ولي بِأَن الشَّرِيعَة بَاطِلَة وَأَنَّهَا إِن كَانَت حَقًا فقد قَلبهَا الله بَاطِلا وَأَنه جعل جَمِيع أقاويل الْأَنْبِيَاء كذبا وَإِن من قَالَ يَسْتَحِيل أَن يَنْقَلِب الصدْق كذبا فَإِنَّمَا يَقُوله ببضاعة الْعقل فَإِن انقلاب الصدْق كذبا لَيْسَ بأبعد من انقلاب الْحَادِث قَدِيما وَالْعَبْد رَبًّا وَمن لم يفرق بَين مَا أَحَالهُ الْعقل وَبَين مَا لَا يَنَالهُ الْعقل فَهُوَ أخس من أَن يُخَاطب فليترك وجهله
стр. 134
الْفَصْل الثَّانِي من الْمَقَاصِد والغايات فِي بَيَان وَجه رُجُوع هَذِه الْأَسَامِي الْكَثِيرَة إِلَى ذَات وَسبع صِفَات على مَذْهَب أهل السّنة
لَعَلَّك تَقول هَذِه أَسمَاء كَثِيرَة وَقد منعت الترادف فِيهَا وأوجبت أَن يتَضَمَّن كل وَاحِد معنى آخر فَكيف يرجع جَمِيعهَا إِلَى سبع صِفَات فَاعْلَم أَن الصِّفَات إِن كَانَت سبعا فالأفعال كَثِيرَة والإضافات كَثِيرَة والسلوب كَثِيرَة ويكاد يخرج جَمِيع ذَلِك عَن الْحصْر ثمَّ يُمكن التَّرْكِيب من مَجْمُوع صفتين أَو صفة وَإِضَافَة أَو صفة وسلب أَو سلب وَإِضَافَة وَيُوضَع بإزائه اسْم فتكثر الْأَسَامِي بذلك وَكَانَ مجموعها يرجع إِلَى مَا يدل مِنْهَا على الذَّات أَو على الذَّات مَعَ سلب أَو على الذَّات مَعَ إِضَافَة أَو على الذَّات مَعَ سلب وَإِضَافَة أَو على وَاحِد من الصِّفَات السَّبع أَو على صفة وسلب أَو على صفة وَإِضَافَة أَو على صفة فعل أَو على صفة فعل وَإِضَافَة أَو سلب فَهَذِهِ عشرَة أَقسَام
الأول مَا يدل على الذَّات كَقَوْلِك الله وَيقرب مِنْهُ اسْم الْحق إِذا أُرِيد بِهِ الذَّات من حَيْثُ هِيَ وَاجِبَة الْوُجُود
الثَّانِي مَا يدل على الذَّات مَعَ سلب مثل القدوس وَالسَّلَام والغني والأحد ونظائره فَإِن القدوس هُوَ المسلوب عَنهُ كل مَا يخْطر بالبال وَيدخل فِي الْوَهم وَالسَّلَام هُوَ المسلوب عَنهُ الْعُيُوب والغني هُوَ المسلوب عَنهُ الْحَاجة والأحد هُوَ المسلوب عَنهُ النظير وَالْقِسْمَة
стр. 135
الثَّالِث مَا يرجع إِلَى الذَّات مَعَ إِضَافَة كالعلي والعظيم وَالْأول وَالْآخر وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن ونظائره فَإِن الْعلي هُوَ الذَّات الَّتِي هِيَ فَوق سَائِر الذوات فِي الْمرتبَة فَهِيَ إِضَافَة والعظيم يدل على الذَّات من حَيْثُ تجَاوز حُدُود الإدراكات وَالْأول هُوَ السَّابِق على الموجودات وَالْآخر هُوَ الَّذِي إِلَيْهِ مصير الموجودات وَالظَّاهِر هُوَ الذَّات بِالْإِضَافَة إِلَى دلَالَة الْعقل وَالْبَاطِن هُوَ الذَّات مُضَافَة إِلَى إِدْرَاك الْحس وَالوهم وَقس على هَذَا غَيره
الرَّابِع مَا يرجع إِلَى الذَّات مَعَ سلب وَإِضَافَة كالملك والعزيز فَإِن الْملك يدل على ذَات لَا تحْتَاج إِلَى شَيْء وَيحْتَاج إِلَيْهِ كل شَيْء والعزيز هُوَ الَّذِي لَا نَظِير لَهُ وَهُوَ مَا يصعب نيله والوصول إِلَيْهِ
الْخَامِس مَا يرجع إِلَى صفة كالعليم والقادر والحي والسميع والبصير
السَّادِس مَا يرجع إِلَى الْعلم مَعَ إِضَافَة كالخبير والشهيد والحكيم والمحصي فَإِن الْخَبِير يدل على الْعلم مُضَافا إِلَى الْأُمُور الْبَاطِنَة والشهيد يدل على الْعلم مُضَافا إِلَى مَا يُشَاهد والحكيم يدل على الْعلم مُضَافا إِلَى أشرف المعلومات والمحصي يدل على الْعلم من حَيْثُ يُحِيط بمعلومات محصورة مَعْدُودَة التَّفْصِيل
السَّابِع مَا يرجع إِلَى الْقُدْرَة مَعَ زِيَادَة إِضَافَة كالقهار وَالْقَوِي والمقتدر والمتين فَإِن الْقُوَّة هِيَ تَمام الْقُدْرَة والمتانة شدتها والقهر تأثيرها فِي الْمَقْدُور بالغلبة
الثَّامِن مَا يرجع إِلَى الْإِرَادَة مَعَ إِضَافَة أَو مَعَ فعل كالرحمن والرحيم والرؤوف والودود فَإِن الرَّحْمَة ترجع إِلَى الْإِرَادَة مُضَافَة إِلَى قَضَاء حَاجَة الْمُحْتَاج الضَّعِيف والرأفة شدَّة الرَّحْمَة وَهِي مُبَالغَة فِي الرَّحْمَة والود يرجع إِلَى الْإِرَادَة مُضَافا إِلَى الْإِحْسَان والإنعام وَفعل الرَّحِيم يَسْتَدْعِي مُحْتَاجا وَفعل الْوَدُود
стр. 136
لَا يَسْتَدْعِي ذَلِك بل الإنعام على سَبِيل الِابْتِدَاء يرجع إِلَى الْإِرَادَة مُضَافا إِلَى الْإِحْسَان وَقَضَاء حَاجَة الضَّعِيف وَقد عرفت وَجه ذَلِك فِيمَا تقدم
التَّاسِع مَا يرجع إِلَى صِفَات الْفِعْل كالخالق والبارئ والمصور والوهاب والرزاق والفتاح والقابض والباسط والخافض والرافع والمعز والمذل وَالْعدْل والمغيث والمجيب والواسع والباعث والمبدئ والمعيد والمحيي والمميت والمقدم والمؤخر والوالي وَالْبر والتواب والمنتقم والمقسط وَالْجَامِع وَالْمَانِع وَالْمُغني وَالْهَادِي ونظائره
الْعَاشِر مَا يرجع إِلَى الدّلَالَة على الْفِعْل مَعَ زِيَادَة كالمجيد والكريم واللطيف فَإِن الْمجِيد يدل على سَعَة الْإِكْرَام مَعَ شرف الذَّات والكريم كَذَلِك واللطيف يدل على الرِّفْق فِي الْفِعْل
فَلَا تخرج هَذِه الْأَسَامِي وَغَيرهَا عَن مَجْمُوع هَذِه الْأَقْسَام الْعشْرَة فقس بِمَا أوردناه مَا لم نورده فَإِن ذَلِك يدل على وَجه خُرُوج الْأَسَامِي عَن الترادف مَعَ رُجُوعهَا إِلَى هَذِه الصِّفَات المحصورة الْمَشْهُورَة
стр. 137
الْفَصْل الثَّالِث فِي بَيَان كَيْفيَّة رُجُوع ذَلِك كُله إِلَى ذَات وَاحِدَة على مَذْهَب الْمُعْتَزلَة والفلاسفة
وَهَذَا الْفَصْل وَإِن كَانَ لَا يَلِيق بِهَذَا الْكتاب وَلَكِن أودعته هَذِه الْكَلِمَات على الإيجاز بِحكم الالتماس فَمن شَاءَ أَن لَا يُثبتهُ فِي الْكتاب فَلْيفْعَل فَإِنَّهُ غير مُهِمّ فِي هَذَا الْكتاب
فَأَقُول هَؤُلَاءِ وَإِن أَنْكَرُوا الصِّفَات وَلم يثبتوا إِلَّا ذاتا وَاحِدَة فَلم ينكروا الْأَفْعَال وَلَا كَثْرَة السلوب وَلَا كَثْرَة الإضافات فَمَا رددناه من الْأَسَامِي إِلَى هَذِه الْأَقْسَام فهم عَلَيْهَا مساعدون
أما الصِّفَات السَّبع الَّتِي هِيَ الْحَيَاة وَالْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام فَيرجع جَمِيع ذَلِك عِنْدهم إِلَى الْعلم ثمَّ الْعلم يرجع إِلَى الذَّات وَبَيَانه أَن السّمع عِنْدهم عبارَة عَن علمه التَّام الْمُتَعَلّق بالأصوات وَالْبَصَر عبارَة عَن علمه التَّام الْمُتَعَلّق بالألوان وَسَائِر المبصرات وَالْكَلَام عِنْدهم يرجع إِلَى فعله وَهُوَ مَا يخلقه من الْكَلَام فِي جسم من الجمادات عِنْد الْمُعْتَزلَة وَيرجع عِنْد الفلاسفة إِلَى سَماع يخلقه فِي ذَات النَّبِي ﷺ حَتَّى يسمع هُوَ كلَاما منظوما من غير أَن يكون لَهُ وجود من خَارج كَمَا يسمعهُ النَّائِم ويضاف ذَلِك إِلَى الله تَعَالَى على معنى أَنه لم يحصل ذَلِك فِيهِ بِفعل الْآدَمِيّين وأصواتهم وَأما الْحَيَاة فعبارة عِنْدهم عَن علمه بِذَاتِهِ لِأَن كل مَا يشْعر بِذَاتِهِ فَيُقَال إِنَّه حَيّ وَمَا لَا يشْعر بِذَاتِهِ لَا يُسمى حَيا
стр. 138
وَلم يبْق إِلَّا الْإِرَادَة وَالْقُدْرَة وَمعنى إِرَادَته عِنْدهم أَنه تَعَالَى وتقدس يعلم وَجه الْخَيْر ونظامه فيوجده كَمَا يُعلمهُ وَيكون علمه بالشَّيْء سَببا لوُجُود ذَلِك الشَّيْء وَإِذا علم وَجه الْخَيْر فِي شَيْء فَيحصل وَلم يكن فِيهِ كَرَاهَة كَانَ رَاضِيا والراضي قد يُسمى مرِيدا فَكَانَت الْإِرَادَة ترجع إِلَى الْعلم مَعَ عدم الْكَرَاهَة وَأما الْقُدْرَة فمعناها أَنه يفعل إِذا شَاءَ وَلَا يفعل إِذا شَاءَ وَفعله مَعْلُوم ومشيئته ترجع إِلَى علمه بِوَجْه الْخَيْر وَمَعْنَاهُ أَن مَا علم أَن الْخَيْر فِي وجوده فيوجد مِنْهُ وَمَا علم أَن الْخَيْر فِي أَن لَا يُوجد فَلَا يُوجد مِنْهُ وَلَا يحْتَاج وجود نظام الْخَيْر إِلَّا إِلَى علمه بِوَجْه الْخَيْر وَلَا يحْتَاج مَا لَا يُوجد فِي أَن لَا يُوجد إِلَّا عدم الْعلم بِكَوْن الْخَيْر فِيهِ فالنظام الْمَعْقُول هُوَ سَبَب النظام الْمَوْجُود والنظام الْمَوْجُود تبع النظام الْمَعْقُول
وَزَعَمُوا أَن علمنَا إِنَّمَا يحْتَاج فِي تَحْقِيق الْمَعْلُوم إِلَى الْقُدْرَة لِأَن فعلنَا إِنَّمَا يكون بجارحة فَلَا بُد أَن تكون الْجَارِحَة سليمَة وموصوفة بِالْقُوَّةِ وَأما هُوَ فَلَا يفعل بجارحة فَيَكْفِي علمه بِوُجُود الْمَعْلُوم فترجع الْقُدْرَة أَيْضا إِلَى الْعلم
ثمَّ زَعَمُوا أَن الْعلم أَيْضا يرجع إِلَى ذَاته لِأَنَّهُ يعلم ذَاته بِذَاتِهِ فَيكون الْعلم والعالم والمعلوم وَاحِدًا وَإِنَّمَا يعلم غَيره من ذَاته لِأَنَّهُ يعلم ذَاته مبدأ كل مَوْجُود فَيعلم سَائِر الموجودات من ذَاته على سَبِيل التّبعِيَّة فَلَا يُوجب ذَلِك كَثْرَة فِي ذَاته
وَزَعَمُوا أَن نِسْبَة علم الْوَاحِد وَهُوَ ذَاته إِلَى كَثْرَة المعلومات كنسبة علم الحاسب مثلا حَيْثُ يُقَال لَهُ مَا ضعف الِاثْنَيْنِ وَضعف ضعفه وَضعف ضعف ضعفه وَهَكَذَا مثلا عشر مَرَّات فَإِنَّهُ قبل أَن يفصل تِلْكَ الْأَضْعَاف فِي ذَاته فَلهُ يَقِين حَاصِل بِأَنَّهُ عَالم بِهِ وَذَلِكَ الْيَقِين هُوَ مبدأ التَّفْصِيل إِذا اشْتغل بتفصيله وَذَلِكَ الْيَقِين خطة وَاحِدَة لَهَا نِسْبَة إِلَى سَائِر أَضْعَاف الِاثْنَيْنِ بل إِلَى
стр. 139
تضعيفاته الَّتِي لَا نِهَايَة لَهَا من غير تَفْصِيل وكما أَن تَضْعِيف الِاثْنَيْنِ يسْتَمر إِلَى كَثْرَة على التدريج فَكَذَلِك الموجودات أَيْضا عِنْدهم فِيهَا تَرْتِيب وَلَا كَثْرَة فِي أَولهَا ثمَّ يتداعى إِلَى الْكَثْرَة على التدريج
وَشرح ذَلِك وإبطاله مِمَّا يطول وليستظهر فِي ذَلِك بِمَا ذَكرْنَاهُ فِي كتاب التهافت فَإِنَّهُ كالخارج عَن مَقْصُود هَذَا الْكتاب وَالله أعلم
стр. 140
الْفَنّ الثَّالِث فِي اللواحق والتكميلات وَفِيه فُصُول ثَلَاث
стр. 141
الْفَصْل الأول فِي بَيَان أَن أَسمَاء الله تَعَالَى من حَيْثُ التَّوْقِيف غير مَقْصُورَة على تِسْعَة وَتِسْعين
بل ورد التَّوْقِيف بأسام سواهَا إِذْ فِي رِوَايَة أُخْرَى عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ إِبْدَال لبَعض هَذِه الْأَسَامِي بِمَا يقرب مِنْهَا وإبدال بِمَا لَا يقرب فَأَما الَّذِي يقرب فالأحد بدل الْوَاحِد والقاهر بدل القهار والشاكر بدل الشكُور وَالَّذِي لَا يقرب كالهادي وَالْكَافِي والدائم والبصير والنور والمبين والجميل والصادق وَالْمُحِيط والقريب وَالْقَدِيم وَالْوتر والفاطر والعلام وَالْملك والأكرم وَالْمُدبر والرفيع وَذي الطول وَذي المعارج وَذي الْفضل والخلاق
وَقد ورد أَيْضا فِي الْقُرْآن مَا لَيْسَ مُتَّفقا عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا كالمولى والنصير وَالْغَالِب والقريب والرب والناصر وَمن المضافات كَقَوْلِه تَعَالَى شَدِيد الْعقَاب وقابل التوب وغافر الذَّنب ومولج اللَّيْل فِي النَّهَار ومولج النَّهَار فِي اللَّيْل ومخرج الْحَيّ من الْمَيِّت ومخرج الْمَيِّت من الْحَيّ
وَقد ورد فِي الْخَبَر أَيْضا السَّيِّد إِذْ قَالَ رجل لرَسُول الله ﷺ يَا سيد فَقَالَ السَّيِّد هُوَ الله وَكَأَنَّهُ قصد الْمَنْع من الْمَدْح فِي الْوَجْه وَإِلَّا فقد قَالَ ﷺ أَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر وَالديَّان أَيْضا قد ورد وَكَذَا الحنان والمنان وَغير ذَلِك مِمَّا لَو تتبع فِي الْأَحَادِيث لوجد
стр. 142
وَلَو جوز اشتقاق الْأَسَامِي من الْأَفْعَال فستكثر هَذِه الْأَسَامِي المشتقة لِكَثْرَة الْأَفْعَال المنسوبة إِلَى الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن كَقَوْلِه تَعَالَى يكْشف السوء ٢٧ سُورَة النَّمْل الْآيَة ٦٢ ويقذف بِالْحَقِّ ٣٤ سُورَة سبأ الْآيَة ٣٨ ويفصل بَينهم ٢٢ سُورَة الْحَج الْآيَة ١٧ و ٣٢ سُورَة السَّجْدَة الْآيَة ٢٥ وقضينا إِلَى بني إِسْرَائِيل ١٧ سُورَة الْإِسْرَاء الْآيَة ٤ فيشتق لَهُ من ذَلِك الكاشف والقاذف بِالْحَقِّ والفاصل وَالْقَاضِي
وَيخرج ذَلِك عَن الْحصْر وَفِيه نظر سَيَأْتِي
وَالْغَرَض أَن نبين أَن الْأَسَامِي لَيست هِيَ التِّسْعَة وَالتسْعين الَّتِي عددناها وشرحناها وَلَكنَّا جرينا على الْعَادة فِي شرح تِلْكَ الْأَسَامِي فَإِنَّهَا هِيَ الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة وَلَيْسَت هَذِه التعديدات والتفصيلات المروية عَن أبي هُرَيْرَة فِي الصَّحِيحَيْنِ إِنَّمَا الَّذِي تشْتَمل عَلَيْهِ الصِّحَاح قَوْله ﷺ إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما من أحصاها دخل الْجنَّة أما بَيَان ذَلِك وتفصيله فَلَا
وَمِمَّا وَقع عَلَيْهِ الِاتِّفَاق بَين الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء من الْأَسَامِي المريد والمتكلم وَالْمَوْجُود وَالشَّيْء والذات والأزلي والأبدي وَإِن ذَلِك مِمَّا يجوز إِطْلَاقه فِي حق الله وَورد فِي الحَدِيث لَا تَقولُوا جَاءَ رَمَضَان فَإِن رَمَضَان اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى لَكِن قُولُوا جَاءَ شهر رَمَضَان وَكَذَلِكَ ورد عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ مَا أصَاب أحدا هم وَلَا حزن فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبدك وَابْن عَبدك وَابْن أمتك ناصيتي بِيَدِك مَاض فِي حكمك عدل فِي قضاؤك أَسأَلك بِكُل اسْم هُوَ لَك سميت بِهِ نَفسك أَو أنزلته فِي كتابك أَو عَلمته أحدا من خلقك أَو استأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك أَن تجْعَل الْقُرْآن
стр. 143
ربيع قلبِي وَنور صَدْرِي وجلاء حزني وَذَهَاب همي إِلَّا أذهب الله همه وحزنه وأبدل مَكَانَهُ فَرحا وَقَوله استأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك يدل على أَن الْأَسْمَاء غير محصورة فِيمَا وَردت بِهِ الرِّوَايَات الْمَشْهُورَة وَعند هَذَا رُبمَا يخْطر ببالك طلب الْفَائِدَة فِي الْحصْر فِي تِسْعَة وَتِسْعين وَلَا بُد من ذكرهَا
стр. 144
الْفَصْل الثَّانِي فِي بَيَان فَائِدَة الإحصاء والتخصيص بِتِسْعَة وَتِسْعين
وَفِي هَذَا الْفَصْل أنظار فِي أُمُور فلنوردها فِي معرض الأسئلة
فَإِن قَالَ قَائِل أَسمَاء الله هَل تزيد على تِسْعَة وَتِسْعين أم لَا فَإِن زَادَت فَمَا معنى هَذَا التَّخْصِيص وَمن يملك ألف دِرْهَم لَا يجوز أَن يَقُول الْقَائِل إِن لَهُ تِسْعَة وَتِسْعين درهما لِأَن الْألف وَإِن اشْتَمَل على ذَلِك وَلَكِن تَخْصِيص الْعدَد بِالذكر يفهم نفي مَا وَرَاء الْمَعْدُود وَإِن كَانَت الْأَسَامِي غير زَائِدَة على هَذَا الْعدَد فَمَا معنى قَوْله ﷺ أَسأَلك بِكُل اسْم هُوَ لَك سميت بِهِ نَفسك أَو أنزلته فِي كتابك أَو عَلمته أحدا من خلقك أَو استأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك فَإِن هَذَا صَرِيح فِي أَنه اسْتَأْثر بِبَعْض الْأَسَامِي وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رَمَضَان إِنَّه من أَسمَاء الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ كَانَ السّلف يَقُولُونَ فلَان أُوتِيَ الِاسْم الْأَعْظَم وَكَانَ ينْسب ذَلِك إِلَى بعض الْأَنْبِيَاء والأولياء وَذَلِكَ يدل على أَنه خَارج عَن التِّسْعَة وَالتسْعين
فَنَقُول إِن الْأَشْبَه أَن الْأَسَامِي زَائِدَة على تِسْعَة وَتِسْعين لهَذِهِ الْأَخْبَار وَأما الحَدِيث الْوَارِد فِي الْحصْر فَإِنَّهُ يشْتَمل على قَضِيَّة وَاحِدَة لَا على قضيتين وَهُوَ كالملك الَّذِي لَهُ ألف عبد مثلا فَيَقُول الْقَائِل إِن للْملك تِسْعَة وَتِسْعين عبدا من استظهر بهم لم يقاومه الْأَعْدَاء فَيكون التَّخْصِيص لأجل حُصُول الِاسْتِظْهَار بهم إِمَّا لمزيد قوتهم وَإِمَّا لكفاية ذَلِك الْعدَد فِي دفع الْأَعْدَاء من غير حَاجَة إِلَى زِيَادَة لَا لاخْتِصَاص الْوُجُود بهم
стр. 145
وَيحْتَمل أَن تكون الْأَسَامِي غير زَائِدَة على هَذَا الْعدَد وَيكون لفظ الْخَبَر مُشْتَمِلًا على قضيتين إِحْدَاهمَا أَن لله تَعَالَى تِسْعَة وَتِسْعين اسْما وَالثَّانِي أَن من أحصاها دخل الْجنَّة حَتَّى لَو اقْتصر على ذكر الْقَضِيَّة الأولى كَانَ الْكَلَام تَاما وعَلى الْمَذْهَب الأول لَا يُمكن الِاقْتِصَار على ذكر الْقَضِيَّة الأولى
وَذَا هُوَ الأسبق إِلَى الْفَهم من ظَاهر هَذَا الْحصْر وَلكنه بعيد من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن هَذَا يمْنَع أَن يكون من الْأَسَامِي مَا اسْتَأْثر الله بِهِ فِي علم الْغَيْب عِنْده وَفِي الحَدِيث إِثْبَات ذَلِك
وَالثَّانِي أَنه يُؤَدِّي إِلَى أَن يخْتَص بالإحصاء نَبِي أَو ولي مِمَّن أُوتِيَ الِاسْم الْأَعْظَم حَتَّى يتم الْعدَد بِهِ وَإِلَّا فَيكون مَا أحصى وَرَاء ذَلِك نَاقِصا عَن الْعدَد أَو كَانَ الِاسْم خَارِجا عَن الْعدَد فَيبْطل بِهِ الْحصْر
وَالْأَظْهَر أَن رَسُول الله ﷺ ذكر هَذَا فِي معرض التَّرْغِيب للجماهير فِي الإحصاء وَالِاسْم الْأَعْظَم لَا يعرفهُ الجماهير
فَإِن قيل فَإِذا كَانَ الْأَظْهر أَن الْأَسَامِي زَائِدَة على تِسْعَة وَتِسْعين فَلَو قَدرنَا مثلا أَن الْأَسَامِي ألف وَأَن الْجنَّة تسْتَحقّ بإحصاء تِسْعَة وَتِسْعين مِنْهَا فَهِيَ تِسْعَة وَتسْعُونَ بِأَعْيَانِهَا أَو تِسْعَة وَتسْعُونَ أَيهَا كَانَ حَتَّى إِن من بلغ ذَلِك الْمبلغ فِي الإحصاء اسْتحق دُخُول الْجنَّة وَحَتَّى إِن من أحصى مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة مرّة دخل الْجنَّة وَلَو أحصى أَيْضا مَا اشْتَمَلت الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَلَيْهِ أَيْضا دخل الْجنَّة إِذا قَدرنَا أَن جَمِيع مَا فِي الرِّوَايَتَيْنِ من أَسمَاء الله تَعَالَى
فَتَقول الْأَظْهر أَن المُرَاد بِهِ تِسْعَة وَتسْعُونَ بِأَعْيَانِهَا فَإِنَّهَا إِذا لم تتَعَيَّن لم تظهر فَائِدَة الْحصْر والتخصيص فَإِن قَول الْقَائِل إِن للْملك مئة عبد من استظهر بهم لم يقاومه عَدو إِنَّمَا يحسن مَعَ كَثْرَة عبيد الْملك إِذا اخْتصَّ مئة من
следующие страницы →