Полный текст (153 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الْفَنّ الثَّانِي فِي الْمَقَاصِد والغايات وَفِي فُصُول ثَلَاثَة
стр. 37
الْفَصْل الأول فِي شرح مَعَاني أَسمَاء الله التِّسْعَة وَالتسْعين
وَهِي الَّتِي اشْتَمَلت عَلَيْهَا رِوَايَة أبي هُرَيْرَة ﵁ إِذْ قَالَ قَالَ رَسُول ﷺ إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما مئة إِلَّا وَاحِدًا إِنَّه وتر يحب الْوتر من أحصاها دخل الْجنَّة
هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم الْملك القدوس السَّلَام الْمُؤمن الْمُهَيْمِن الْعَزِيز الْجَبَّار المتكبر الْخَالِق البارئ المصور الْغفار القهار الْوَهَّاب الرَّزَّاق الفتاح الْعَلِيم الْقَابِض الباسط الْخَافِض الرافع الْمعز المذل السَّمِيع الْبَصِير الحكم الْعدْل اللَّطِيف الْخَبِير الْحَلِيم الْعَظِيم الغفور الشكُور الْعلي الْكَبِير الحفيظ المقيت الحسيب الْجَلِيل الْكَرِيم الرَّقِيب الْمُجيب الْوَاسِع الْحَكِيم الْوَدُود الْمجِيد الْبَاعِث الشَّهِيد الْحق الْوَكِيل الْقوي المتين الْوَلِيّ الحميد المحصي المبدئ المعيد المحي المميت الْحَيّ القيوم الْوَاجِد الْمَاجِد الْوَاحِد الصَّمد الْقَادِر المقتدر الْمُقدم الْمُؤخر الأول الآخر الظَّاهِر الْبَاطِن الْوَالِي المتعالي الْبر التواب المنتقم الْعَفو الرؤوف مَالك الْملك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام المقسط الْجَامِع الْغَنِيّ الْمُغنِي الْمَانِع الضار النافع النُّور الْهَادِي البديع الْبَاقِي الْوَارِث الرشيد الصبور
стр. 38
فَأَما قَوْله الله فَهُوَ اسْم للموجود الْحق الْجَامِع لصفات الإلهية المنعوت بنعوت الربوبية المتفرد بالوجود الْحَقِيقِيّ فَإِن كل مَوْجُود سواهُ غير مُسْتَحقّ الْوُجُود بِذَاتِهِ وَإِنَّمَا اسْتَفَادَ الْوُجُود مِنْهُ فَهُوَ من حَيْثُ ذَاته هَالك وَمن الْجِهَة الَّتِي تليه مَوْجُود فَكل مَوْجُود هَالك إِلَّا وَجهه وَالْأَشْبَه أَنه جَار فِي الدّلَالَة على هَذَا الْمَعْنى مجْرى أَسمَاء الْأَعْلَام وكل مَا ذكر فِي اشتقاقه وتعريفه تعسف وتكلف فَائِدَة
اعْلَم أَن هَذَا الإسم أعظم أَسمَاء الله التِّسْعَة وَالتسْعين لِأَنَّهُ دَال على الذَّات الجامعة لصفات الإلهية كلهَا حَتَّى لَا يشذ مِنْهَا شَيْء وَسَائِر الْأَسْمَاء لَا يدل آحادها إِلَّا على آحَاد الْمعَانِي من علم أَو قدرَة أَو فعل أَو غَيره وَلِأَنَّهُ أخص الْأَسْمَاء إِذْ لَا يُطلقهُ أحد على غَيره لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا وَسَائِر الْأَسْمَاء قد يُسمى بِهِ غَيره كالقادر والعليم والرحيم وَغَيره فلهذين الْوَجْهَيْنِ يشبه أَن يكون هَذَا الِاسْم أعظم هَذِه الْأَسْمَاء دقيقة
مَعَاني سَائِر الْأَسْمَاء يتَصَوَّر أَن يَتَّصِف العَبْد بِشَيْء مِنْهَا حَتَّى ينْطَلق عَلَيْهِ الإسم كالرحيم والعليم والحليم والصبور والشكور وَغَيره وَإِن كَانَ إِطْلَاق الِاسْم عَلَيْهِ على وَجه آخر يباين إِطْلَاقه على الله وَأما معنى هَذَا الِاسْم فخاص خُصُوصا لَا يتَصَوَّر فِيهِ مُشَاركَة لَا بالمجاز وَلَا بِالْحَقِيقَةِ وَلأَجل هَذَا الْخُصُوص يُوصف سَائِر الْأَسْمَاء بِأَنَّهَا اسْم الله وَيعرف بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ فَيُقَال الصبور والشكور وَالْملك والجبار من أَسمَاء الله وَلَا يُقَال الله من أَسمَاء الشكُور والصبور لِأَن ذَلِك من حَيْثُ هُوَ أدل على كنه الْمعَانِي الإلهية وأخص بهَا فَكَانَ أشهر وَأظْهر فاستغني عَن التَّعْرِيف بِغَيْرِهِ وَعرف غَيره بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ
стр. 39
تَنْبِيه
يَنْبَغِي أَن يكون حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم التأله وأعني بِهِ أَن يكون مُسْتَغْرق الْقلب والهمة بِاللَّه لَا يرى غَيره وَلَا يلْتَفت إِلَى سواهُ وَلَا يَرْجُو وَلَا يخَاف إِلَّا إِيَّاه وَكَيف لَا يكون كَذَلِك وَقد فهم من هَذَا الإسم أَنه الْمَوْجُود الْحَقِيقِيّ الْحق وكل مَا سواهُ فان وهالك وباطل إِلَّا بِهِ فَيرى أَولا نَفسه أول هَالك وباطل كَمَا رَآهُ رَسُول الله ﷺ حَيْثُ قَالَ أصدق بَيت قالته الْعَرَب قَول لبيد
أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل ... وكل نعيم لَا محَالة زائل
الرَّحْمَن الرَّحِيم
اسمان مشتقان من الرَّحْمَة وَالرَّحْمَة تستدعي مرحوما وَلَا مَرْحُوم إِلَّا وَهُوَ مُحْتَاج وَالَّذِي يَنْقَضِي بِسَبَبِهِ حَاجَة الْمُحْتَاج من غير قصد وَإِرَادَة وعناية بالمحتاج لَا يُسمى رحِيما وَالَّذِي يُرِيد قَضَاء حَاجَة الْمُحْتَاج وَلَا يَقْضِيهَا فَإِن كَانَ قَادِرًا على قَضَائهَا لم يسم رحِيما إِذْ لَو تمت الْإِرَادَة لوفى بهَا وَإِن كَانَ عَاجِزا فقد يُسمى رحِيما بِاعْتِبَار مَا اعتوره من الرقة وَلكنه نَاقص وَإِنَّمَا الرَّحْمَة التَّامَّة إفَاضَة الْخَيْر على المحتاجين وإرادته لَهُم عناية بهم وَالرَّحْمَة الْعَامَّة هِيَ الَّتِي تتَنَاوَل الْمُسْتَحق وَغير الْمُسْتَحق وَرَحْمَة الله تَامَّة وَعَامة أما تَمامهَا فَمن حَيْثُ أَنه أَرَادَ قَضَاء حاجات المحتاجين وقضاها وَأما عمومها فَمن حَيْثُ شمولها الْمُسْتَحق وَغير الْمُسْتَحق وَعم الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَتَنَاول الضرورات والحاجات والمزايا الْخَارِجَة عَنْهُمَا فَهُوَ الرَّحِيم الْمُطلق حَقًا دقيقة
الرَّحْمَة لَا تَخْلُو عَن رقة مؤلمة تعتري الرَّحِيم فتحركه إِلَى قَضَاء حَاجَة المرحوم والرب منزة عَنْهَا فلعلك تظن أَن ذَلِك نُقْصَان فِي
стр. 40
معنى الرَّحْمَة فَاعْلَم أَن ذَلِك كَمَال وَلَيْسَ بِنُقْصَان فِي معنى الرَّحْمَة
أما أَنه لَيْسَ بِنُقْصَان فَمن حَيْثُ أَن كَمَال الرَّحْمَة بِكَمَال ثَمَرَتهَا وَمهما قضيت حَاجَة الْمُحْتَاج بكمالها لم يكن للمرحوم حَظّ فِي تألم الراحم وتفجعه وَإِنَّمَا تألم الراحم لضعف نَفسه ونقصانها وَلَا يزِيد ضعفها فِي غَرَض الْمُحْتَاج شَيْئا بعد أَن قضيت كَمَال حَاجته
وَأما أَنه كَمَال فِي معنى الرَّحْمَة فَهُوَ أَن الرَّحِيم عَن رقة وتألم يكَاد يقْصد بِفِعْلِهِ دفع ألم الرقة عَن نَفسه فَيكون قد نظر لنَفسِهِ وسعى فِي غَرَض نَفسه وَذَلِكَ ينقص عَن كَمَال معنى الرَّحْمَة بل كَمَال الرَّحْمَة أَن يكون نظره إِلَى المرحوم لأجل المرحوم لَا لأجل الاسْتِرَاحَة من ألم الرقة فَائِدَة
الرَّحْمَن أخص من الرَّحِيم وَلذَلِك لَا يُسمى بِهِ غير الله
والرحيم قد يُطلق على غَيره فَهُوَ من هَذَا الْوَجْه قريب من اسْم الله تعلى الْجَارِي مجْرى الْعلم وَإِن كَانَ هَذَا مشتقا من الرَّحْمَة قطعا وَلذَلِك جمع الله بَينهمَا فَقَالَ ﴿قل ادعوا الله أَو ادعوا الرَّحْمَن أيا مَا تدعوا فَلهُ الْأَسْمَاء الْحسنى﴾ ١٧ سُورَة الْإِسْرَاء / الْآيَة ١١٠ فَيلْزم من هَذَا الْوَجْه وَمن حَيْثُ منعنَا الترادف فِي الْأَسْمَاء المحصاة أَن يفرق بَين معنى الاسمين فبالحري أَن يكون الْمَفْهُوم من الرَّحْمَن نوعا من الرَّحْمَة هِيَ أبعد من مقدروات الْعباد وَهِي مَا يتَعَلَّق بالسعادة الأخروية فالرحمن هُوَ العطوف على الْعباد بالإيجاد أَولا وبالهداية إِلَى الْإِيمَان وَأَسْبَاب السَّعَادَة ثَانِيًا وبالإسعاد فِي الْآخِرَة ثَالِثا والإنعام بِالنّظرِ إِلَى وَجهه الْكَرِيم رَابِعا
стр. 41
تَنْبِيه
حَظّ العَبْد من اسْم الرَّحْمَن أَن يرحم عباد الله الغافلين فيصرفهم عَن طَرِيق الْغَفْلَة إِلَى الله بالوعظ والنصح بطرِيق اللطف دون العنف وَأَن ينظر إِلَى العصاة بِعَين الرَّحْمَة لَا بِعَين الإزراء وَأَن يكون كل مَعْصِيّة تجْرِي فِي الْعَالم كمصيبة لَهُ فِي نَفسه فَلَا يألو جهدا فِي إِزَالَتهَا بِقدر وَسعه رَحْمَة لذَلِك العَاصِي أَن يتَعَرَّض لسخط الله وَيسْتَحق الْبعد من جواره
وحظه من اسْم الرَّحِيم أَن لَا يدع فاقة لمحتاج إِلَّا يسدها بِقدر طاقته وَلَا يتْرك فَقِيرا فِي جواره وبلده إِلَّا وَيقوم بتعهده وَدفع فقره إِمَّا بِمَالِه أَو جاهه أَو السَّعْي فِي حَقه بالشفاعة إِلَى غَيره فَإِن عجز عَن جَمِيع ذَلِك فيعينه بِالدُّعَاءِ وَإِظْهَار الْحزن بِسَبَب حَاجته رقة عَلَيْهِ وعطفا حَتَّى كَأَنَّهُ مساهم لَهُ فِي ضره وَحَاجته سُؤال وَجَوَابه
لَعَلَّك تَقول مَا معنى كَونه تَعَالَى رحِيما وَكَونه أرْحم الرَّاحِمِينَ والرحيم لَا يرى مبتلى ومضرورا ومعذبا ومريضا وَهُوَ يقدر على إمَاطَة مَا بهم إِلَّا ويبادر إِلَى إماطته والرب قَادر على كِفَايَة كل بلية وَدفع كل فقر وغمة وإماطة كل مرض وَإِزَالَة كل ضَرَر وَالدُّنْيَا طافحة بالأمراض والمحن والبلايا وَهُوَ قَادر على إِزَالَة جَمِيعهَا وتارك عباده ممتحنين بالرزايا والمحن
فجوابك إِن الطِّفْل الصَّغِير قد ترق لَهُ أمه فتمنعه عَن الْحجامَة وَالْأَب الْعَاقِل يحملهُ عَلَيْهَا قهرا وَالْجَاهِل يظنّ أَن الرَّحِيم هِيَ الْأُم دون الْأَب والعاقل يعلم أَن إيلام الْأَب إِيَّاه بالحجامة من كَمَال رَحمته وَعطفه وَتَمام شفقته وَأَن الْأُم لَهُ عَدو فِي صُورَة صديق فَإِن الْأَلَم الْقَلِيل إِذا كَانَ سَببا للذة الْكَثِيرَة لم يكن شرا بل كَانَ خيرا
стр. 42
والرحيم يُرِيد الْخَيْر للمرحوم لَا محَالة وَلَيْسَ فِي الْوُجُود شَرّ إِلَّا وَفِي ضمنه خير لَو رفع ذَلِك الشَّرّ لبطل الْخَيْر الَّذِي فِي ضمنه وَحصل بِبُطْلَانِهِ شرا أعظم من الشَّرّ الَّذِي يتضمنه فاليد المتآكلة قطعهَا شَرّ فِي الظَّاهِر وَفِي ضمنه الْخَيْر الجزيل وَهُوَ سَلامَة الْبدن وَلَو ترك قطع الْيَد لحصل هَلَاك الْبدن ولكان الشَّرّ أعظم وَقطع الْيَد لأجل سَلامَة الْبدن شَرّ فِي ضمنه خير وَلَكِن المُرَاد الأول السَّابِق إِلَى نظر الْقَاطِع السَّلامَة الَّتِي هِيَ خير مَحْض ثمَّ لما كَانَ السَّبِيل إِلَيْهِ قطع الْيَد قصد قطع الْيَد لأَجله فَكَانَت السَّلامَة مَطْلُوبَة لذاتها أَولا وَالْقطع مَطْلُوبا لغيره ثَانِيًا لَا لذاته فهما داخلان تَحت الْإِرَادَة وَلَكِن أَحدهمَا مُرَاد لذاته وَالْآخر مُرَاد لغيره وَالْمرَاد لذاته قبل المُرَاد لغيره ولأجله قَالَ الله سبقت رَحْمَتي غَضَبي فغضبه إِرَادَته للشر وَالشَّر بإرادته وَرَحمته إِرَادَته للخير وَالْخَيْر بإرادته وَلَكِن إِذا أَرَادَ الْخَيْر للخير نَفسه وَأَرَادَ الشَّرّ لَا لذاته وَلَكِن لما فِي ضمنه من الْخَيْر فالخير مقضي بِالذَّاتِ وَالشَّر مقضي بِالْعرضِ وكل بِقدر وَلَيْسَ فِي ذَلِك مَا يُنَافِي الرَّحْمَة أصلا
فَالْآن إِن خطر لَك نوع من الشَّرّ لَا ترى تَحْتَهُ خيرا أَو خطر لَك أَنه كَانَ تَحْصِيل ذَلِك الْخَيْر مُمكنا لَا فِي ضمن الشَّرّ فاتهم عقلك الْقَاصِر فِي أحد الخاطرين
أما فِي قَوْلك إِن هَذَا الشَّرّ لَا خير تَحْتَهُ فَإِن هَذَا مِمَّا تقصر الْعُقُول عَن مَعْرفَته ولعلك فِيهِ مثل الصَّبِي الَّذِي يرى الْحجامَة شرا مَحْضا أَو مثل الغبي الَّذِي يرى الْقَتْل قصاصا شرا مَحْضا لِأَنَّهُ ينظر إِلَى خُصُوص شخص الْمَقْتُول لِأَنَّهُ فِي حَقه شَرّ مَحْض وَيذْهل عَن الْخَيْر الْعَام الْحَاصِل للنَّاس كَافَّة وَلَا يدْرِي أَن التَّوَصُّل بِالشَّرِّ الْخَاص إِلَى الْخَيْر الْعَام خير مَحْض لَا يَنْبَغِي للْغَيْر أَن يهمله
стр. 43
أَو اتهمَ عقلك فِي الخاطر الثَّانِي وَهُوَ قَوْلك إِن تَحْصِيل ذَلِك لَا فِي ضمن ذَلِك الشَّرّ مُمكن فَإِن هَذَا أَيْضا دَقِيق غامض فَلَيْسَ كل محَال وممكن مِمَّا يدْرك إِمْكَانه واستحالته بالبديهة وَلَا بِالنّظرِ الْقَرِيب بل رُبمَا عرف ذَلِك بِنَظَر غامض دَقِيق يقصر عَنهُ الْأَكْثَرُونَ
فاتهم عقلك فِي هذَيْن الطَّرفَيْنِ وَلَا تشكن أصلا فِي أَنه أرْحم الرَّاحِمِينَ وَفِي أَنه سبقت رَحمته غَضَبه وَلَا تستريبن فِي أَن مُرِيد الشَّرّ للشر لَا للخير غير مُسْتَحقّ لاسم الرَّحْمَة وَتَحْت هَذَا الغطاء سر منع الشَّرْع عَن إفشائه فاقنع بِالْإِيمَاءِ وَلَا تطمع فِي الإفشاء وَلَقَد نبهت بالرمز والإيماء إِن كنت من أَهله فَتَأمل
لقد أسمعت لَو ناديت حَيا ... وَلَكِن لَا حَيَاة لمن تنادي
هَذَا حكم الْأَكْثَرين وَأما أَنْت أَيهَا الْأَخ الْمَقْصُود بالشرح فَلَا أَظُنك إِلَّا مستبصرا بسر الله فِي الْقدر مستغنيا عَن هَذِه التحويمات والتنبيهات
الْملك هُوَ الَّذِي يَسْتَغْنِي فِي ذَاته وَصِفَاته عَن كل مَوْجُود وَيحْتَاج إِلَيْهِ كل مَوْجُود بل لَا يَسْتَغْنِي عَنهُ شَيْء فِي شَيْء لَا فِي ذَاته وَلَا فِي صِفَاته وَلَا فِي وجوده وَلَا فِي بَقَائِهِ بل كل شَيْء فوجوده مِنْهُ أَو مِمَّا هُوَ مِنْهُ فَكل شَيْء سواهُ هُوَ لَهُ مَمْلُوك فِي ذَاته وَصِفَاته وَهُوَ مستغن عَن كل شَيْء فَهَذَا هُوَ الْملك مُطلقًا تَنْبِيه
العَبْد لَا يتَصَوَّر أَن يكون ملكا مُطلقًا فَإِنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي عَن كل شَيْء فَإِنَّهُ أبدا فَقير
стр. 44
إِلَى الله تَعَالَى وَإِن اسْتغنى عَمَّن سواهُ وَلَا يتَصَوَّر أَن يحْتَاج إِلَيْهِ كل شَيْء بل يَسْتَغْنِي عَنهُ أَكثر الموجودات وَلَكِن لما تصور أَن يَسْتَغْنِي عَن بعض الْأَشْيَاء وَلَا يَسْتَغْنِي عَنهُ بعض الْأَشْيَاء كَانَ لَهُ شوب من الْملك
فالملك من الْعباد هُوَ الَّذِي لَا يملكهُ إِلَّا الله تَعَالَى بل يَسْتَغْنِي عَن كل شَيْء سوى الله وَهُوَ مَعَ ذَلِك يملك مَمْلَكَته بِحَيْثُ يطيعه فِيهَا جُنُوده ورعاياه وَإِنَّمَا مَمْلَكَته الْخَاصَّة بِهِ قلبه وقالبه وجنده شَهْوَته وغضبه وهواه ورعيته لِسَانه وَعَيناهُ ويداه وَسَائِر أَعْضَائِهِ فَإِذا ملكهَا وَلم تملكه وأطاعته وَلم يطعها فقد نَالَ دَرَجَة الْملك فِي عالمه فَإِن انْضَمَّ إِلَيْهِ استغناؤه عَن كل النَّاس وَاحْتَاجَ النَّاس كلهم إِلَيْهِ فِي حياتهم العاجلة والآجلة فَهُوَ الْملك فِي عَالم الأَرْض
وَتلك رُتْبَة الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فَإِنَّهُم استغنوا فِي الْهِدَايَة إِلَى الْحَيَاة الْآخِرَة عَن كل أحد إِلَّا عَن الله وَاحْتَاجَ إِلَيْهِم كل أحد ويليهم فِي هَذَا الْملك الْعلمَاء الَّذين هم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وَإِنَّمَا ملكهم بِقدر قدرتهم على إرشاد الْعباد واستغنائهم عَن الاسترشاد
وبهذه الصِّفَات يقرب العَبْد من الْمَلَائِكَة فِي الصِّفَات ويتقرب إِلَى الله تَعَالَى بهَا وَهَذَا الْملك عَطِيَّة للْعَبد من الْملك الْحق الَّذِي لَا مثنوية فِي ملكه
وَلَقَد صدق بعض العارفين لما قَالَ لَهُ بعض الْأُمَرَاء سلني حَاجَتك حَيْثُ قَالَ أوتقول لي هَذَا ولي عَبْدَانِ هما سيداك فَقَالَ وَمن هما قَالَ الْحِرْص والهوى فقد غلبتهما وغلباك وملكتهما وملكاك وَقَالَ بَعضهم لبَعض الشُّيُوخ أوصني فَقَالَ لَهُ كن ملكا فِي الدُّنْيَا تكن ملكا فِي الْآخِرَة قَالَ وَكَيف أفعل ذَلِك فَقَالَ ازهد فِي الدُّنْيَا تكن ملكا فِي الْآخِرَة مَعْنَاهُ اقْطَعْ حَاجَتك وشهوتك عَن الدُّنْيَا فَإِن الْملك فِي الْحُرِّيَّة والاستغناء
стр. 45
القدوس
هُوَ المنزه عَن كل وصف يُدْرِكهُ حس أَو يتصوره خيال أَو يسْبق إِلَيْهِ وهم أَو يختلج بِهِ ضمير أَو يقْضِي بِهِ تفكير وَلست أَقُول منزه عَن الْعُيُوب والنقائص فَإِن ذكر ذَلِك يكَاد يقرب من ترك الْأَدَب فَلَيْسَ من الْأَدَب أَن يَقُول الْقَائِل ملك الْبَلَد لَيْسَ بحائك ولاحجام فَإِن نفي الْوُجُود يكَاد يُوهم إِمْكَان الْوُجُود وَفِي ذَلِك الْإِيهَام نقص
بل أَقُول القدوس هُوَ المنزه عَن كل وصف من أَوْصَاف الْكَمَال الَّذِي يَظُنّهُ أَكثر الْخلق كمالا فِي حَقه لِأَن الْخلق أَولا نظرُوا إِلَى أنفسهم وَعرفُوا صفاتهم وأدركوا انقسامها إِلَى مَا هُوَ كَمَال وَلكنه فِي حَقهم مثل علمهمْ وقدرتهم وسمعهم وبصرهم وَكَلَامهم وإرادتهم واختيارهم وَوَضَعُوا هَذِه الْأَلْفَاظ بِإِزَاءِ هَذِه الْمعَانِي وَقَالُوا إِن هَذِه هِيَ أَسمَاء الْكَمَال وَإِلَى مَا هُوَ نقص فِي حَقهم مثل جهلهم وعجزهم وعماهم وصممهم وخرسهم فوضعوا بِإِزَاءِ هَذِه الْمعَانِي هَذِه الْأَلْفَاظ
ثمَّ كَانَ غايتهم فِي الثَّنَاء على الله تَعَالَى وَوَصفه أَن وصفوه بِمَا هُوَ أَوْصَاف كمالهم من علم وقدرة وَسمع وبصر وَكَلَام وَأَن نفوا عَنهُ مَا هُوَ أَوْصَاف نقصهم وَالله منزه عَن أَوْصَاف كمالهم كَمَا أَنه منزه عَن أَوْصَاف نقصهم بل كل صفة تتَصَوَّر لِلْخلقِ فَهُوَ منزه ومقدس عَنْهَا وَعَما يشبهها ويماثلها وَلَوْلَا وُرُود الرُّخْصَة وَالْإِذْن بإطلاقها لم يجز إِطْلَاق أَكْثَرهَا وَقد فهمت معنى هَذَا فِي الْفَصْل الرَّابِع من فُصُول الْمُقدمَات فَلَا حَاجَة إِلَى الْإِعَادَة تَنْبِيه
قدس العَبْد فِي أَن ينزه إِرَادَته وَعلمه أما علمه فينزهه عَن المتخيلات والمحسوسات والموهومات وكل مَا يُشَارِكهُ فِيهِ الْبَهَائِم من الإدراكات بل يكون تردد نظره وتطواف علمه حول الْأُمُور الأزلية الإلهية المنزهة عَن أَن تقرب فتدرك بالحس أَو تبعد فتغيب عَن الْحس بل يصير متجردا فِي نَفسه عَن المحسوسات
стр. 46
والمتخيلات كلهَا ويقتني من الْعُلُوم مَا لَو سلب آلَة حسه وتخيله بَقِي ريانا بالعلوم الشَّرِيفَة الْكُلية الإلهية الْمُتَعَلّقَة بالمعلومات الأزلية الأبدية دون الشخصيات المتغيرة المستحيلة
وَأما إِرَادَته فينزهها عَن أَن تَدور حول الحظوظ البشرية الَّتِي ترجع إِلَى لَذَّة الشَّهْوَة وَالْغَضَب ومتعة الْمطعم وَالْمشْرَب والمنكح والملبس والملمس والمنظر وَمَا لَا يصل إِلَيْهِ من اللَّذَّات إِلَّا بِوَاسِطَة الْحس وَالْقلب بل لَا يُرِيد إِلَّا الله وَلَا يبْقى لَهُ حَظّ إِلَّا فِيهِ وَلَا يكون لَهُ شوق إِلَّا إِلَى لِقَائِه وَلَا فَرح إِلَّا بِالْقربِ مِنْهُ وَلَو عرضت عَلَيْهِ الْجنَّة وَمَا فِيهَا من النَّعيم لم تلْتَفت همته إِلَيْهَا وَلم يقنع من الدَّار إِلَّا بِرَبّ الدَّار
وعَلى الْجُمْلَة الإدراكات الحسية والخيالية تشارك الْبَهَائِم فِيهَا فَيَنْبَغِي أَن يترقى عَنْهَا إِلَى مَا هُوَ من خَواص الإنسانية والحظوظ البشرية الشهوانية يزاحم الْبَهَائِم أَيْضا فِيهَا فَيَنْبَغِي أَن يتنزه عَنْهَا فجلالة المريد على قدر جلالة مُرَاده
وَمن همته مَا يدْخل فِي بَطْنه فَقيمته مَا يخرج مِنْهُ وَمن لم يكن لَهُ همة سوى الله فدرجته على قدر همته وَمن رقى علمه عَن دَرَجَة المتخيلات والمحسوسات وَقدس إِرَادَته عَن مُقْتَضى الشَّهَوَات فقد نزل بحبوحة حَظِيرَة الْقُدس
السَّلَام
هُوَ الَّذِي تسلم ذَاته عَن الْعَيْب وَصِفَاته عَن النَّقْص وأفعاله عَن الشَّرّ حَتَّى إِذا كَانَ كَذَلِك لم يكن فِي الْوُجُود سَلامَة إِلَّا وَكَانَت معزية إِلَيْهِ صادرة مِنْهُ وَقد فهمت أَن أَفعاله تَعَالَى سَالِمَة عَن الشَّرّ أَعنِي الشَّرّ الْمُطلق المُرَاد لذاته لَا لخير حَاصِل فِي ضمنه أعظم مِنْهُ وَلَيْسَ فِي الْوُجُود شَرّ بِهَذِهِ الصّفة كَمَا سبق الْإِيمَاء إِلَيْهِ إِلَّا لله سُبْحَانَهُ
стр. 47
تَنْبِيه
كل عبد سلم عَن الْغِشّ والحقد والحسد وَإِرَادَة الشَّرّ قلبه وسلمت عَن الآثام والمحظورات جوارحه وَسلم عَن الانتكاس والانعكاس صِفَاته فَهُوَ الَّذِي يَأْتِي الله تَعَالَى بقلب سليم وَهُوَ السَّلَام من الْعباد الْقَرِيب فِي وَصفه من السَّلَام الْمُطلق الْحق الَّذِي لَا مثنوية فِي صفته
وأعني بالانتكاس فِي صِفَاته أَن يكون عقله أَسِير شَهْوَته وغضبه إِذْ الْحق عَكسه وَهُوَ أَن تكون الشَّهْوَة وَالْغَضَب أَسِير الْعقل وطوعه فَإِذا انعكس فقد انتكس وَلَا سَلامَة حَيْثُ يصير الْأَمِير مَأْمُورا وَالْملك عبدا وَلنْ يُوصف بِالسَّلَامِ وَالْإِسْلَام إِلَّا من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده فَكيف يُوصف بِهِ من لم يسلم هُوَ من نَفسه
الْمُؤمن
هُوَ الَّذِي يعزى إِلَيْهِ الْأَمْن والأمان بإفادته أَسبَابه وسده طرق المخاوف وَلَا يتَصَوَّر أَمن وأمان إِلَّا فِي مَحل الْخَوْف وَلَا خوف إِلَّا عِنْد إِمْكَان الْعَدَم وَالنَّقْص والهلاك وَالْمُؤمن الْمُطلق هُوَ الَّذِي لَا يتَصَوَّر أَمن وأمان إِلَّا وَيكون مستفادا من جِهَته وَهُوَ الله
وَلَيْسَ يخفى أَن الْأَعْمَى يخَاف أَن يَنَالهُ هَلَاك من حَيْثُ لَا يرى فعينه البصيرة تفيده أمنا مِنْهُ والأقطع يخَاف آفَة لَا تنْدَفع إِلَّا بِالْيَدِ فاليد السليمة أَمَان مِنْهَا وَهَكَذَا جَمِيع الْحَواس والأطراف وَالْمُؤمن خَالِقهَا ومصورها ومقويها
وَلَو قَدرنَا إنْسَانا وَحده مَطْلُوبا من جِهَة أعدائه وَهُوَ ملقى فِي مضيعة لَا تتحرك عَلَيْهِ أعضاؤه لضَعْفه وَإِن تحركت فَلَا سلَاح مَعَه وَإِن كَانَ مَعَه سلَاح لم يُقَاوم أعداءه وَحده وَإِن كَانَ لَهُ جنود لم يَأْمَن أَن تنكسر جُنُوده وَلَا يجد حصنا يأوي إِلَيْهِ فجَاء من عالج ضعفه فقواه وأمده بجُنُوده وأسلحته
стр. 48
وَبنى حوله حصنا حصينا فقد أَفَادَهُ أمنا وأمانا فالبحري أَن يُسمى مُؤمنا فِي حَقه
وَالْعَبْد ضَعِيف فِي أصل فطرته وَهُوَ عرضة الْأَمْرَاض والجوع والعطش من بَاطِنه وعرضة الْآفَات المحرقة والمغرقة والجارحة والكاسرة من ظَاهره وَلم يُؤمنهُ من هَذِه المخاوف إِلَّا الَّذِي أعد الْأَدْوِيَة نافعة ورافعة لأمراضه والأطعمة مزيلة لجوعه والأشربة مميطة لعطشه والأعضاء دافعة عَن بدنه والحواس جواسيس منذرة بِمَا يقرب من مهلكاته ثمَّ خَوفه الْأَعْظَم من هَلَاك الْآخِرَة وَلَا يحصنه عَنهُ إِلَّا كلمة التَّوْحِيد وَالله هاديه إِلَيْهَا ومرغبه فِيهَا حَيْثُ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله حصني فَمن دخل حصني أَمن عَذَابي فَلَا أَمن فِي الْعَالم إِلَّا وَهُوَ مُسْتَفَاد بِأَسْبَاب هُوَ متفرد بخلقها وَالْهِدَايَة إِلَى اسْتِعْمَالهَا فَهُوَ الَّذِي أعْطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى فَهُوَ الْمُؤمن الْمُطلق حَقًا تَنْبِيه حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم وَالْوَصْف أَن يَأْمَن الْخلق كلهم جَانِبه بل يَرْجُو كل خَائِف الاعتضاد بِهِ فِي دفع الْهَلَاك عَن نَفسه فِي دينه ودنياه كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فليأمن جَاره بوائقه وأحق الْعباد باسم الْمُؤمن من كَانَ سَببا لأمن الْخلق من عَذَاب الله بالهداية إِلَى طَرِيق الله والإرشاد إِلَى سَبِيل النجَاة وَهَذِه حِرْفَة الْأَنْبِيَاء وَالْعُلَمَاء
стр. 49
وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّكُم تتهافتون فِي النَّار تهافت الْفراش وَأَنا آخذ بِحُجزِكُمْ خيال وتنبيه
لَعَلَّك تَقول الْخَوْف على الْحَقِيقَة من الله تَعَالَى فَلَا مخوف إِلَّا إِيَّاه فَهُوَ الَّذِي خوف عباده وَهُوَ الَّذِي خلق أَسبَاب الْخَوْف فَكيف ينْسب إِلَيْهِ الْأَمْن
فجوابك إِن الْخَوْف مِنْهُ والأمن مِنْهُ وَهُوَ خَالق سَبَب الْأَمْن وَالْخَوْف جَمِيعًا وَكَونه مخوفا لَا يمْنَع كَونه مُؤمنا كَمَا أَن كَونه مذلا لم يمْنَع كَونه معزا بل هُوَ الْمعز والمذل وَكَونه خَافِضًا لم يمْنَع كَونه رَافعا بل هُوَ الْخَافِض الرافع فَكَذَلِك هُوَ الْمُؤمن الْمخوف لَكِن الْمُؤمن ورد التَّوْقِيف بِهِ خَاصَّة دون الْمخوف
الْمُهَيْمِن
مَعْنَاهُ فِي حق الله أَنه الْقَائِم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم وَإِنَّمَا قِيَامه عَلَيْهِم باطلاعه واستيلائه وَحفظه وكل مشرف على كنه الْأَمر مستول عَلَيْهِ حَافظ لَهُ فَهُوَ مهيمن عَلَيْهِ والإشراف يرجع إِلَى الْعلم والاستيلاء إِلَى كَمَال الْقُدْرَة وَالْحِفْظ إِلَى الْفِعْل فالجامع بَين هَذِه الْمعَانِي اسْمه المهين وَلنْ يجْتَمع ذَلِك على الْإِطْلَاق والكمال إِلَّا لله وَلذَلِك قيل إِنَّه من أَسمَاء الله تَعَالَى فِي الْكتب الْقَدِيمَة تَنْبِيه
كل عبد راقب قلبه حَتَّى أشرف على أغواره وأسراره وَاسْتولى مَعَ ذَلِك على
стр. 50
تَقْوِيم أَحْوَاله وأوصافه وَقَامَ بحفظها على الدَّوَام على مُقْتَضى تقويمه فَهُوَ مهيمن بِالْإِضَافَة إِلَى قلبه فَإِن اتَّسع إشرافه واستيلاؤه حَتَّى قَامَ بِحِفْظ بعض عباد الله على نهج السداد بعد اطِّلَاعه على بواطنهم وأسرارهم بطرِيق التفرس وَالِاسْتِدْلَال بظواهرهم كَانَ نصِيبه من هَذَا الْمَعْنى أوفر وحظه أَكثر
الْعَزِيز
هُوَ الخطير الَّذِي يقل وجود مثله وتشتد الْحَاجة إِلَيْهِ ويصعب الْوُصُول إِلَيْهِ فَمَا لم يجْتَمع عَلَيْهِ هَذِه الْمعَانِي الثَّلَاثَة لم يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْعَزِيز فكم من شَيْء يقل وجوده وَلَكِن إِذا لم يعظم خطره وَلم يكثر نَفعه لم يسم عَزِيزًا وَكم من شئ يعظم خطره وَيكثر نَفعه وَلَا يُوجد نَظِيره وَلَكِن إِذا لم يصعب الْوُصُول إِلَيْهِ لم يسم عَزِيزًا كَالشَّمْسِ مثلا فَإِنَّهُ لَا نَظِير لَهَا وَالْأَرْض كَذَلِك والنفع عَظِيم فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا وَالْحَاجة شَدِيدَة إِلَيْهِمَا وَلَكِن لَا يوصفان بِالْعِزَّةِ لِأَنَّهُ لَا يصعب الْوُصُول إِلَى مشاهدتهما فَلَا بُد من اجْتِمَاع الْمعَانِي الثَّلَاثَة
ثمَّ فِي كل وَاحِد من الْمعَانِي الثَّلَاثَة كَمَال ونقصان والكمال فِي قلَّة الْوُجُود أَن يرجع إِلَى وَاحِد إِذْ لَا أقل من الْوَاحِد وَيكون بِحَيْثُ يَسْتَحِيل وجود مثله وَلَيْسَ هَذَا إِلَّا الله تَعَالَى فَإِن الشَّمْس وَإِن كَانَت وَاحِدَة فِي الْوُجُود فَلَيْسَتْ وَاحِدَة فِي الْإِمْكَان فَيمكن وجود مثلهَا فِي الْكَمَال والنفاسة وَشدَّة الْحَاجة أَن يحْتَاج إِلَيْهِ كل شَيْء فِي كل شَيْء حَتَّى فِي وجوده وبقائه وَصِفَاته وَلَيْسَ ذَلِك على الْكَمَال إِلَّا لله والكمال فِي صعوبة المنال أَن يَسْتَحِيل الْوُصُول إِلَيْهِ على معنى الْإِحَاطَة بكنهه وَلَيْسَ ذَلِك على الْكَمَال إِلَّا لله فَإنَّا قد بَينا أَنه لَا يعرف الله إِلَّا الله فَهُوَ الْعَزِيز الْمُطلق الْحق لَا يوازيه فِيهِ غَيره
стр. 51
تَنْبِيه
الْعَزِيز من الْعباد من يحْتَاج إِلَيْهِ عباد الله فِي أهم أُمُورهم وَهِي الْحَيَاة الأخروية والسعادة الأبدية وَذَلِكَ مِمَّا يقل لَا محَالة وجوده ويصعب إِدْرَاكه وَهَذِه رُتْبَة الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ ويشاركهم فِي الْعِزّ من ينْفَرد بِالْقربِ من درجتهم فِي عصره كالخلفاء وورثتهم من الْعلمَاء وَعزة كل وَاحِد مِنْهُم بِقدر علو رتبته عَن سهولة النّيل والمشاركة وبقدر عنائه فِي إرشاد الْخلق
الْجَبَّار
هُوَ الَّذِي ينفذ مَشِيئَته على سَبِيل الْإِجْبَار فِي كل وَاحِد وَلَا تنفذ فِيهِ مَشِيئَة أحد الَّذِي لَا يخرج أحد من قَبضته وتقصر الْأَيْدِي دون حمى حَضرته فالجبار الْمُطلق هُوَ الله فَإِنَّهُ يجْبر كل أحد وَلَا يجْبرهُ أحد وَلَا مثنوية فِي حَقه فِي الطَّرفَيْنِ تَنْبِيه
الْجَبَّار من الْعباد من ارْتَفع عَن الأتباع ونال دَرَجَة الاستتباع وَتفرد بعلو رتبته بِحَيْثُ يجْبر الْخلق بهيئته وَصورته على الِاقْتِدَاء بِهِ ومتابعته فِي سمته وَسيرَته فَيُفِيد الْخلق وَلَا يَسْتَفِيد ويؤثر وَلَا يتأثر ويستتبع وَلَا يتبع وَلَا يُشَاهِدهُ أحد إِلَّا ويفنى عَن مُلَاحظَة نَفسه وَيصير متشوقا إِلَيْهِ غير ملتفت إِلَى ذَاته وَلَا يطْمع أحد فِي استدراجه واستتباعه وَإِنَّمَا حظي بِهَذَا الْوَصْف سيد الْبشر ﷺ حَيْثُ قَالَ لَو كَانَ مُوسَى بن عمرَان حَيا مَا وَسعه إِلَّا اتباعي وَأَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر
стр. 52
المتكبر
هُوَ الَّذِي يرى الْكل حَقِيرًا بِالْإِضَافَة إِلَى ذَاته وَلَا يرى العظمة والكبرياء إِلَّا لنَفسِهِ فَينْظر إِلَى غَيره نظر الْمُلُوك إِلَى العبيد فَإِن كَانَت هَذِه الرُّؤْيَة صَادِقَة كَانَ التكبر حَقًا وَكَانَ صَاحبهَا متكبرا حَقًا وَلَا يتَصَوَّر ذَلِك على الْإِطْلَاق إِلَّا لله وَإِن كَانَ ذَلِك التكبر والاستعظام بَاطِلا وَلم يكن مَا يرَاهُ من التفرد بالعظمة كَمَا يرَاهُ كَانَ التكبر بَاطِلا ومذموما وكل من رأى العظمة والكبرياء لنَفسِهِ على الْخُصُوص دون غَيره كَانَت رُؤْيَته كَاذِبَة وَنَظره بَاطِلا إِلَّا الله تَنْبِيه
المتكبر من الْعباد هُوَ الزَّاهِد الْعَارِف وَمعنى زهد الْعَارِف أَن يتنزه عَمَّا شغل سره عَن الْحق ويتكبر على كل شَيْء سوى الْحق فَيكون مستحقرا للدنيا وَالْآخِرَة جَمِيعًا مترفعا عَن أَن يشْغلهُ كِلَاهُمَا عَن الْحق تَعَالَى
وزهد غير الْعَارِف مُعَاملَة ومعاوضة فَإِنَّهُ يَشْتَرِي بمتاع الدُّنْيَا مَتَاع الْآخِرَة فَيتْرك الشَّيْء عَاجلا طَمَعا فِي أضعافه آجلا وَإِنَّمَا هُوَ سلم ومبايعة وَمن استعبدته شَهْوَة الْمطعم والمنكح فَهُوَ حقير وَإِن كَانَ ذَلِك دَائِما وَإِنَّمَا المتكبر من يستحقر كل شَهْوَة وحظ يتَصَوَّر أَن يساهمه الْبَهَائِم فِيهَا وَالله أعلم
الْخَالِق البارئ المصور
قد يظنّ أَن هَذِه الْأَسْمَاء مترادفة وَأَن الْكل يرجع إِلَى الْخلق والاختراع وَلَا يَنْبَغِي أَن يكون كَذَلِك بل كل مَا يخرج من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود فيفتقر إِلَى تَقْدِير أَولا وَإِلَى الإيجاد على وفْق التَّقْدِير ثَانِيًا وَإِلَى التَّصْوِير بعد الإيجاد ثَالِثا وَالله خَالق من حَيْثُ أَنه مُقَدّر وبارئ من حَيْثُ أَنه مخترع موجد ومصور من حَيْثُ أَنه مُرَتّب صور المخترعات أحسن تَرْتِيب
стр. 53
وَهَذَا كالبناء مثلا فَإِنَّهُ يحْتَاج إِلَى مُقَدّر يقدر مَا لَا بُد لَهُ مِنْهُ من الْخشب وَاللَّبن ومساحة الأَرْض وَعدد الْأَبْنِيَة وطولها وعرضها وَهَذَا يَتَوَلَّاهُ المهندس فيرسمه ويصوره ثمَّ يحْتَاج إِلَى بِنَاء يتَوَلَّى الْأَعْمَال الَّتِي عِنْدهَا يحدث أصُول الْأَبْنِيَة ثمَّ يحْتَاج إِلَى مزين ينقش ظَاهره ويزين صورته فيتولاه غير الْبناء هَذِه هِيَ الْعَادة فِي التَّقْدِير وَالْبناء والتصوير وَلَيْسَ كَذَلِك فِي أَفعَال الله بل هُوَ الْمُقدر والموجد والمزين فَهُوَ الْخَالِق البارئ المصور
ومثاله الْإِنْسَان وَهُوَ أحد مخلوقاته وَهُوَ مُحْتَاج فِي وجوده أَولا إِلَى أَن يقدر مَا مِنْهُ وجوده فَإِنَّهُ جسم مَخْصُوص فَلَا بُد من الْجِسْم أَولا حَتَّى يخصص بِالصِّفَاتِ كَمَا يحْتَاج الْبناء إِلَى آلَات حَتَّى يَبْنِي ثمَّ لَا يصلح لبنية الْإِنْسَان إِلَّا المَاء وَالتُّرَاب جَمِيعًا إِذْ التُّرَاب وَحده يَابِس مَحْض لَا ينثني وَلَا يَنْعَطِف فِي الحركات وَالْمَاء وَحده رطب مَحْض لَا يتماسك وَلَا ينْتَصب بل ينبسط فَلَا بُد أَن يمتزج الرطب باليابس حَتَّى يعتدل ويعبر عَنهُ بالطين ثمَّ لَا بُد من حرارة طابخة حَتَّى يستحكم مزج المَاء بِالتُّرَابِ وَلَا ينْفَصل فَلَا يتخلق الْإِنْسَان من الطين الْمَحْض بل من صلصال كالفخار والفخار هُوَ الطين المعجون بِالْمَاءِ الَّذِي قد عملت فِيهِ النَّار حَتَّى أحكمت مزاجه ثمَّ يحْتَاج إِلَى تَقْدِير المَاء والطين بِمِقْدَار مَخْصُوص فَإِنَّهُ إِن صغر مثلا لم تحصل مِنْهُ الْأَفْعَال الإنسانية بل كَانَ على قدر الذَّر والنمل فتسفيه الرِّيَاح ويهلكه أدنى شَيْء وَلَا يحْتَاج إِلَى مثل الْجَبَل من الطين فَإِن ذَلِك يزِيد على قدر الْحَاجة بل الْكَافِي من غير زِيَادَة ونقصان قدر مَعْلُوم يُعلمهُ الله
وكل ذَلِك يرجع إِلَى التَّقْدِير فَهُوَ بِاعْتِبَار تَقْدِير هَذِه الْأُمُور خَالق وَبِاعْتِبَار الإيجاد على وفْق التَّقْدِير مُصَور وَبِاعْتِبَار مُجَرّد الإيجاد والإخراج من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود بارئ والإيجاد الْمُجَرّد شئ والإيجاد على وفْق التَّقْدِير شَيْء آخر وَهَذَا يحْتَاج إِلَيْهِ من يبعد رد الْخلق إِلَى مُجَرّد التَّقْدِير مَعَ أَن لَهُ فِي اللُّغَة
стр. 54
وَجها إِذْ الْعَرَب تسمي الْحذاء خَالِقًا لتقديره بعض طاقات النَّعْل على بعض وَلذَلِك قَالَ الشَّاعِر
ولأنت تفري مَا خلقت وَبَعض ... الْقَوْم يخلق ثمَّ لَا يفري
فَأَما اسْم المصور فَهُوَ لَهُ من حَيْثُ رتب صور الْأَشْيَاء أحسن تَرْتِيب وصورها أحسن تَصْوِير وَهَذَا من أَوْصَاف الْفِعْل فَلَا يعلم حَقِيقَته إِلَّا من يعلم صُورَة الْعَالم على الْجُمْلَة ثمَّ على التَّفْصِيل فَإِن الْعَالم كُله فِي حكم شخص وَاحِد مركب من أَعْضَاء متعاونة على الْغَرَض الْمَطْلُوب مِنْهُ وَإِنَّمَا أعضاؤه وأجزاؤه السَّمَوَات وَالْكَوَاكِب والأرضون وَمَا بَينهمَا من المَاء والهواء وَغَيرهمَا وَقد رتبت أجزاؤه ترتيبا محكما لَو غير ذَلِك التَّرْتِيب لبطل النظام فخصص بِجِهَة الفوق مَا يَنْبَغِي أَن يَعْلُو وبجهة السّفل مَا يَنْبَغِي أَن يسفل وكما أَن الْبناء يضع الْحِجَارَة أَسْفَل الْحِيطَان والخشب فَوْقهَا لَا بالِاتِّفَاقِ بل بالحكمة وَالْقَصْد لإِرَادَة الإحكام وَلَو قلب ذَلِك فَوضع الْحِجَارَة فَوق الْحِيطَان والخشب أَسْفَلهَا لانهدم الْبناء وَلم تثبت صورته أصلا
فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن يفهم السَّبَب فِي علو الْكَوَاكِب وتسفل الأَرْض وَالْمَاء وَسَائِر أَنْوَاع التَّرْتِيب فِي الْأَجْزَاء الْعِظَام من أَجزَاء الْعَالم وَلَو ذَهَبْنَا نصف أَجزَاء الْعَالم ونحصيها ثمَّ نذْكر الْحِكْمَة فِي تركيبها لطال الْكَلَام وكل من كَانَ أوفر علما بِهَذَا التَّفْصِيل كَانَ أَكثر إحاطة بِمَعْنى اسْم المصور وَهَذَا التَّرْتِيب والتصوير مَوْجُود فِي كل جُزْء من أَجزَاء الْعَالم وَإِن صغر حَتَّى فِي النملة والذرة بل فِي كل عُضْو من أَعْضَاء النملة بل الْكَلَام يطول فِي شرح صُورَة الْعين الَّتِي هِيَ أَصْغَر عُضْو فِي الْحَيَوَان وَمن لم يعرف طَبَقَات الْعين وعددها وهيئاتها وشكلها ومقاديرها وألوانها وَوجه الْحِكْمَة فِيهَا فَلَنْ يعرف صورتهَا وَلم يعرف مصورها
стр. 55
إِلَّا بِالِاسْمِ الْمُجْمل وَهَكَذَا القَوْل فِي كل صُورَة لكل حَيَوَان ونبات بل لكل جُزْء من كل حَيَوَان ونبات تَنْبِيه
حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم أَن يحصل فِي نَفسه صُورَة الْوُجُود كُله على هَيئته وترتيبه حَتَّى يُحِيط بهيئة الْعَالم وترتيبه كُله كَأَنَّهُ ينظر إِلَيْهَا ثمَّ ينزل من الْكل إِلَى التفاصيل فيشرف على صُورَة الْإِنْسَان من حَيْثُ بدنه وأعضائه الجسمانية فَيعلم أَنْوَاعهَا وعددها وتركيبها وَالْحكمَة فِي خلقهَا وترتيبها ثمَّ يشرف على صفاتها المعنوية ومعانيها الشَّرِيفَة الَّتِي بهَا إدراكاته وإرادته وَكَذَلِكَ يعرف صُورَة الْحَيَوَانَات وَصُورَة النَّبَات ظَاهرا وَبَاطنا بِقدر مَا فِي وَسعه حَتَّى يحصل نقش الْجَمِيع وَصورته فِي قلبه وكل ذَلِك يرجع إِلَى معرفَة صُورَة الجسمانيات وَهِي معرفَة مختصرة بِالْإِضَافَة إِلَى معرفَة تَرْتِيب الروحانيات وَفِيه يدْخل معرفَة الْمَلَائِكَة وَمَعْرِفَة مَرَاتِبهمْ وَمَا وكل إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم من التَّصَرُّف فِي السَّمَوَات وَالْكَوَاكِب ثمَّ التَّصَرُّف فِي الْقُلُوب البشرية بالهداية والإرشاد ثمَّ التَّصَرُّف فِي الْحَيَوَانَات بالإلهامات الهادية لَهَا إِلَى مَظَنَّة الْحَاجَات
فَهَذَا حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم وَهُوَ اكْتِسَاب الصُّورَة العلمية الْمُطَابقَة للصورة الوجودية فَإِن الْعلم صُورَة فِي النَّفس مُطَابقَة للمعلوم وَعلم الله بالصور سَبَب لوُجُود الصُّور فِي الْأَعْيَان وَالصُّورَة الْمَوْجُودَة فِي الْأَعْيَان سَبَب لحُصُول الصُّور العلمية فِي قلب الْإِنْسَان وَبِذَلِك يَسْتَفِيد العَبْد الْعلم بِمَعْنى اسْم المصور من أَسمَاء الله وَيصير أَيْضا باكتساب الصُّورَة فِي نَفسه كَأَنَّهُ مُصَور وَإِن كَانَ ذَلِك على سَبِيل الْمجَاز فَإِن تِلْكَ الصُّور العلمية إِنَّمَا تحدث فِيهِ على التَّحْقِيق بِخلق الله تَعَالَى واختراعه لَا بِفعل العَبْد وَلَكِن العَبْد
стр. 56
يسْعَى فِي التَّعَرُّض لفيضان رَحْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِ ف ﴿إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾ ١٣ سُورَة الرَّعْد الْآيَة ١١ وَلذَلِك قَالَ ﷺ إِن لربكم فِي أَيَّام دهركم نفخات من رَحمته أَلا فتعرضوا لَهَا
وَأما الْخَالِق البارئ فَلَا مدْخل للْعَبد أَيْضا فِي هذَيْن الاسمين إِلَّا بِنَوْع من الْمجَاز بعيد وَوَجهه أَن الْخلق والإيجاد يرجع إِلَى اسْتِعْمَال الْقُدْرَة بِمُوجب الْعلم وَقد خلق الله تَعَالَى للْعَبد علما وقدرة وَله سَبِيل إِلَى تَحْصِيل مقدوراته على وفْق تَقْدِيره وَعلمه
والأمور الْمَوْجُودَة تَنْقَسِم إِلَى مَا لَا يرتبط حُصُولهَا بقدرة الْعباد أصلا كالسماء وَالْكَوَاكِب وَالْأَرْض وَالْحَيَوَان والنبات وَغير ذَلِك وَإِلَى مَا لَا حُصُول لَهَا إِلَّا بقدرة الْعباد وَهِي الَّتِي ترجع إِلَى أَعمال الْعباد كالصناعات والسياسات والعبادات والمجاهدات فَإِذا بلغ العَبْد فِي مجاهدة نَفسه بطرِيق الرياضة فِي سياستها وسياسة الْخلق مبلغا ينْفَرد فِيهَا باستنباط أُمُور لم يسْبق إِلَيْهَا وَيقدر مَعَ ذَلِك على فعلهَا وَالتَّرْغِيب فِيهَا كَانَ كالمخترع لما لم يكن لَهُ وجود من قبل إِذْ يُقَال لواضع الشطرنج إِنَّه الَّذِي وَضعه واخترعه حَيْثُ وضع مَا لم يسْبق إِلَيْهِ إِلَّا أَن وضع مَا لَا خير فِيهِ لَا يكون من صِفَات الْمَدْح
وَكَذَلِكَ فِي الرياضات والمجاهدات والسياسات والصناعات الَّتِي هِيَ منبع الْخيرَات صور وترتيبات يتعلمها النَّاس بَعضهم من بعض ويرتقي لَا محَالة إِلَى أول مستنبط وَوَاضِع فَيكون ذَلِك الْوَاضِع كالمخترع لتِلْك الصُّورَة والخالق الْمُقدر لَهَا حَتَّى يجوز إِطْلَاق الِاسْم عَلَيْهِ مجَازًا
стр. 57
وَمن أَسمَاء الله تَعَالَى مَا يكون نقلهَا إِلَى العَبْد مجَازًا وَهُوَ الْأَكْثَر وَمِنْهَا مَا يكون فِي حق العَبْد حَقِيقَة وَفِي حق الله تَعَالَى مجَازًا كالصبور والشكور وَلَا يَنْبَغِي أَن تلاحظ الْمُشَاركَة فِي الِاسْم وتذهل عَن هَذَا التَّفَاوُت الْعَظِيم الَّذِي ذَكرْنَاهُ
الْغفار
هُوَ الَّذِي أظهر الْجَمِيل وَستر الْقَبِيح والذنُوب من جملَة القبائح الَّتِي سترهَا بإسبال السّتْر عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا والتجاوز عَن عقوبتها فِي الْآخِرَة والغفر هُوَ السّتْر
وَأول ستره على العَبْد أَن جعل مقابح بدنه الَّتِي تستقبحها الْأَعْين مستورة فِي بَاطِنه مغطاة بِجَمَال ظَاهره فكم بَين بَاطِن العَبْد وَظَاهره فِي النَّظَافَة والقذارة وَفِي الْقبْح وَالْجمال فَانْظُر مَا الَّذِي أظهره وَمَا الَّذِي ستره
وستره الثَّانِي أَن جعل مُسْتَقر خواطره المذمومة وإرادته القبيحة سر قلبه حَتَّى لَا يطلع أحد على سره وَلَو انْكَشَفَ لِلْخلقِ مَا يخْطر بِبَالِهِ فِي مجاري وسواسه وَمَا ينطوي عَلَيْهِ ضَمِيره من الْغِشّ والخيانة وَسُوء الظَّن بِالنَّاسِ لمقتوه بل سعوا فِي تلف روحه وأهلكوه فَانْظُر كَيفَ ستر عَن غَيره أسراره وعوراته
وستره الثَّالِث مغفرته ذنُوبه الَّتِي كَانَ يسْتَحق الافتضاح بهَا على مَلأ الْخلق وَقد وعد أَن يُبدل سيئاته حَسَنَات ليستر مقابح ذنُوبه بِثَوَاب حَسَنَاته مهما مَاتَ على الْإِيمَان تَنْبِيه
حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم أَن يستر من غَيره مَا يجب أَن يستر مِنْهُ فقد قَالَ
стр. 58
النَّبِي ﷺ من ستر على مُؤمن عَوْرَته ستر الله عَوْرَته يَوْم الْقِيَامَة والمغتاب والمتجسس والمكافئ على الْإِسَاءَة بمعزل عَن هَذَا الْوَصْف
وَإِنَّمَا المتصف بِهِ من لَا يفشى من خلق الله تَعَالَى إِلَّا أحسن مَا فِيهِ وَلَا يَنْفَكّ مَخْلُوق عَن كَمَال وَنقص وَعَن قبح وَحسن فَمن تغافل عَن المقابح وَذكر المحاسن فَهُوَ ذُو نصيب من هَذَا الْوَصْف كَمَا رُوِيَ عَن عِيسَى صلوَات الله عَلَيْهِ أَنه مر مَعَ الحواريين بكلب ميت قد غلب نَتنه فَقَالُوا مَا أنتن هَذِه الجيفة فَقَالَ عِيسَى ﵇ مَا أحسن بَيَاض أَسْنَانه تَنْبِيها على أَن الَّذِي يَنْبَغِي أَن يذكر من كل شَيْء مَا هُوَ أحسن
القهار هُوَ الَّذِي يقصم ظُهُور الْجَبَابِرَة من أعدائه فيقهرهم بالإماتة والإذلال بل الَّذِي لَا مَوْجُود إِلَّا وَهُوَ مسخر تَحت قهره ومقدرته عَاجز فِي قَبضته تَنْبِيه
القهار
من الْعباد من قهر أعداءه وأعدى عَدو الْإِنْسَان نَفسه الَّتِي بَين جَنْبَيْهِ فَهِيَ أعدى لَهُ من الشَّيْطَان الَّذِي قد حذر عداوته وَمهما قهر شهوات نَفسه فقد قهر الشَّيْطَان إِذْ الشَّيْطَان يستهويه إِلَى الْهَلَاك بِوَاسِطَة شهواته
وَإِحْدَى حبائك الشَّيْطَان النِّسَاء وَمن فقد شَهْوَة النِّسَاء لم يتَصَوَّر أَن ينعقل بِهَذِهِ الأحبولة فَكَذَلِك من قهر هَذِه الشَّهْوَة تَحت سطوة الدّين وَإِشَارَة الْعقل وَمهما قهر شهوات النَّفس فقد قهر النَّاس كَافَّة فَلم يقدر عَلَيْهِ أحد إِذْ غَايَة
стр. 59
أعدائه السَّعْي فِي إهلاك بدنه وَذَلِكَ إحْيَاء لروحه فَإِن من مَاتَ عَن شهواته فِي حَيَاته عَاشَ فِي مماته ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ فرحين﴾ ٣ سُورَة آل عمرَان الْآيَة ١٦٩ و ١٧٠
الْوَهَّاب
الْهِبَة هِيَ الْعَطِيَّة الخالية عَن الأعواض والأغراض فَإِذا كثرت العطايا بِهَذِهِ الصّفة سمي صَاحبهَا وهابا وجوادا وَلنْ يتَصَوَّر الْجُود وَالْهِبَة حَقِيقَة إِلَّا من الله تَعَالَى فَإِنَّهُ الَّذِي يُعْطي كل مُحْتَاج مَا يحْتَاج إِلَيْهِ لَا لعوض وَلَا لغَرَض عَاجل وَلَا آجل وَمن وهب وَله فِي هِبته غَرَض يَنَالهُ عَاجلا وآجلا من ثَنَاء أَو مدح أَو مَوَدَّة أَو تخلص من مذمة أَو اكْتِسَاب شرف وَذكر فَهُوَ معامل معتاض وَلَيْسَ بوهاب وَلَا جواد فَلَيْسَ الْعِوَض كُله عينا يتَنَاوَل بل كل مَا لَيْسَ بحاصل ويقصد الْوَاهِب حُصُوله بِالْهبةِ فَهُوَ عوض وَمن وهب وجاد ليشرف أَو ليثنى عَلَيْهِ أَو لِئَلَّا يذم فَهُوَ معامل وَإِنَّمَا الْجواد الْحق هُوَ الَّذِي يفِيض مِنْهُ الْفَوَائِد على المستفيد لَا لغَرَض يعود إِلَيْهِ بل الَّذِي يفعل شَيْئا لَو لم يفعل لَكَانَ يقبح بِهِ فَهُوَ بِمَا يَفْعَله متخلص وَذَلِكَ غَرَض وَعوض تَنْبِيه
لَا يتَصَوَّر من العَبْد الْجُود وَالْهِبَة فَإِنَّهُ مَا لم يكن الْفِعْل أولى بِهِ من التّرْك لم يقدم عَلَيْهِ فَيكون إقدامه لغَرَض نَفسه وَلَكِن الَّذِي يبْذل جَمِيع مَا يملكهُ حَتَّى الرّوح لوجه الله فَقَط لَا للوصول إِلَى نعيم الْجنَّة أَو الحذر من عَذَاب النَّار أَو لحظ عَاجل أَو آجل مِمَّا يعد من حظوظ البشرية فَهُوَ جدير بِأَن يُسمى وهابا وجوادا ودونه الَّذِي يجود لينال نعيم الْجنَّة ودونه من
стр. 60
يجود لينال حسن الأحدوثة وكل من لم يطْلب عوضا يتَنَاوَل سمي جوادا عِنْد من يظنّ أَن لَا عوض إِلَّا الْأَعْيَان
فَإِن قلت فَالَّذِي يجود بِكُل مَا يملكهُ خَالِصا لوجه الله تَعَالَى من غير توقع حَظّ عَاجل أَو آجل كَيفَ لَا يكون جوادا وَلَا حَظّ لَهُ أصلا فِيهِ
فَنَقُول حَظه هُوَ الله تَعَالَى ورضاؤه ولقاؤه والوصول إِلَيْهِ وَذَلِكَ هُوَ السَّعَادَة الَّتِي يكتسبها الْإِنْسَان بأفعاله الاختيارية وَهُوَ الْحَظ الَّذِي تستحقر سَائِر الحظوظ فِي مُقَابلَته
فَإِن قلت فَمَا معنى قَوْلهم إِن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى هُوَ الَّذِي يعبد الله خَالِصا لله لَا لحظ وَرَاءه فَإِن كَانَ لَا يَخْلُو فعل العَبْد عَن حَظّ فَمَا الْفرق بَين من يعبد الله تَعَالَى لله خَالِصا وَبَين من يعبده لحظ من الحظوظ فَاعْلَم أَن الْحَظ عبارَة عِنْد الجماهير عَن الْأَغْرَاض أَو الأعواض الْمَشْهُورَة عِنْدهم وَمن تنزه عَنْهَا وَلم يبْق لَهُ مقصد إِلَّا الله تَعَالَى فَيُقَال إِنَّه قد برِئ من الحظوظ أَي عَمَّا يعده النَّاس حظا وَهُوَ كَقَوْلِهِم إِن العَبْد يُرَاعِي سَيّده لَا لسَيِّده وَلَكِن لحظ يَنَالهُ من سَيّده من نعْمَة أَو إكرام وَالسَّيِّد يُرَاعِي عَبده لَا لعَبْدِهِ وَلَكِن لحظ يَنَالهُ مِنْهُ بخدمته وَأما الْوَالِد فَإِنَّهُ يُرَاعِي وَلَده لذاته لَا لحظ يَنَالهُ مِنْهُ بل لَو لم يكن مِنْهُ حَظّ أصلا لَكَانَ معنيا بمراعاته
وَمن طلب شَيْئا لغيره لَا لذاته فَكَأَنَّهُ لم يَطْلُبهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ غَايَة طلبه بل غَايَة طلب غَيره كمن يطْلب الذَّهَب فَإِنَّهُ لَا يَطْلُبهُ لذاته بل ليتوصل بِهِ إِلَى الْمطعم والملبس والمطعم والملبس لَا يرادان لذاتهما بل للتوصل بهما إِلَى جلب اللَّذَّة وَدفع الْأَلَم واللذة ترَاد لذاتها لَا لغاية أُخْرَى وَرَاءَهَا وَكَذَا دفع الْأَلَم فَيكون الذَّهَب وَاسِطَة إِلَى الطَّعَام وَالطَّعَام وَاسِطَة إِلَى اللَّذَّة واللذة هِيَ الْغَايَة وَلَيْسَت وَاسِطَة إِلَى غَيرهَا وَكَذَلِكَ الْوَلَد لَيْسَ وَاسِطَة فِي حق الْوَالِد بل مَطْلُوبه سَلامَة الْوَلَد لذات الْوَلَد لِأَن عين الْوَلَد حَظه
стр. 61
فَكَذَلِك من يعبد الله للجنة فقد جعل الله وَاسِطَة طلبه وَلم يَجعله غَايَة مطلبه وعلامة الْوَاسِطَة أَنه لَو حصلت الْفَائِدَة دونهَا لم تطلب كَمَا لَو حصلت الْمَقَاصِد دون الذَّهَب لم يكن الذَّهَب محبوبا وَلَا مَطْلُوبا فالمحبوب بِالْحَقِيقَةِ الْغَايَة الْمَطْلُوبَة دون الذَّهَب وَلَو حصلت الْجنَّة لمن يعبد الله لأَجلهَا دون عبَادَة الله لما عبد الله فمحبوبه ومطلوبه الْجنَّة إِذا لَا غير وَأما من لم يكن لَهُ مَحْبُوب سوى الله وَلَا مَطْلُوب سواهُ بل حَظه الابتهاج بلقاء الله تَعَالَى والقرب مِنْهُ والمرافقة مَعَ الْمَلأ الْأَعْلَى المقربين من حَضرته فَيُقَال إِنَّه يعبد الله تَعَالَى لله لَا على معنى أَنه غير طَالب للحظ بل على معنى أَن الله هُوَ حَظه وَلَيْسَ يَبْغِي وَرَاءه حظا
وَمن لم يُؤمن بلذة الْبَهْجَة بلقاء الله ومعرفته والمشاهدة لَهُ والقرب مِنْهُ لم يشتق إِلَيْهِ وَمن لم يشتق إِلَيْهِ لم يتَصَوَّر أَن يكون ذَلِك من حَظه فَلم يتَصَوَّر أَن يكون ذَلِك مقْصده أصلا فَلذَلِك لَا يكون فِي عبَادَة الله تَعَالَى إِلَّا كالأجير السوء لَا يعْمل إِلَّا بِأُجْرَة طمع فِيهَا وَأكْثر الْخلق لم يَذُوقُوا هَذِه اللَّذَّة وَلم يعرفوها وَلَا يفهمون لَذَّة النّظر إِلَى وَجه الله وَإِنَّمَا إِيمَانهم بذلك من حَيْثُ النُّطْق بِاللِّسَانِ فَأَما بواطنهم فَإِنَّهَا مائلة إِلَى التَّلَذُّذ بلقاء الْحور الْعين ومصدقة بِهِ فَقَط فَافْهَم من هَذَا أَن الْبَرَاءَة من الحظوظ محَال إِن كنت تجوز أَن يكون الله تَعَالَى أَي لقاءه والقرب مِنْهُ مِمَّا يُسمى حظا وَإِن كَانَ الْحَظ عبارَة عَمَّا يعرفهُ الجماهير وتميل إِلَيْهِ قُلُوبهم فَلَيْسَ هَذَا حظا وَإِن كَانَ عبارَة عَمَّا حُصُوله أوفى من عَدمه فِي حق العَبْد فَهُوَ حَظّ
الرَّزَّاق
هُوَ الَّذِي خلق الأرزاق والمرتزقة وأوصلها إِلَيْهِم وَخلق لَهُم أَسبَاب التَّمَتُّع بهَا
стр. 62
والرزق رزقان ظَاهر وَهِي الأقوات والأطعمة وَذَلِكَ للظواهر وَهِي الْأَبدَان وباطن وَهِي المعارف والمكاشفات وَذَلِكَ للقلوب والأسرار وَهَذَا أشرف الرزقين فَإِن ثَمَرَته حَيَاة الْأَبَد وَثَمَرَة الرزق الظَّاهِر قُوَّة الْجَسَد إِلَى مُدَّة قريبَة الأمد وَالله هُوَ الْمُتَوَلِي لخلق الرزقين والمتفضل بالإيصال إِلَى كلا الْفَرِيقَيْنِ وَلكنه يبسط الرزق لمن يَشَاء وَيقدر تَنْبِيه
غَايَة حَظّ العَبْد من هَذَا الْوَصْف أَمْرَانِ
أَحدهمَا أَن يعرف حَقِيقَة هَذَا الْوَصْف وَأَنه لَا يسْتَحقّهُ إِلَّا الله فَلَا ينْتَظر الرزق إِلَّا مِنْهُ وَلَا يتوكل فِيهِ إِلَّا عَلَيْهِ كَمَا رُوِيَ عَن حَاتِم الْأَصَم ﵀ أَنه قَالَ لَهُ رجل من أَيْن تَأْكُل فَقَالَ من خزانته فَقَالَ الرجل أيلقي عَلَيْك الرزق من السَّمَاء فَقَالَ لَو لم تكن الأَرْض لَهُ لَكَانَ يلقيه من السَّمَاء فَقَالَ الرجل إِنَّكُم تَقولُونَ الْكَلَام فَقَالَ لِأَنَّهُ لم ينزل من السَّمَاء إِلَّا الْكَلَام فَقَالَ الرجل إِنِّي لَا أقوى على مجادلتك فَقَالَ لِأَن الْبَاطِل لَا يقوى مَعَ الْحق
الثَّانِي أَن يرزقه علما هاديا وَلِسَانًا مرشدا معلما ويدا منفقة متصدقة وَيكون سَببا لوصول الأرزاق الشَّرِيفَة إِلَى الْقُلُوب بأقواله وأعماله ووصول الأرزاق إِلَى الْأَبدَان بأفعاله وأعماله وَإِذا أحب الله عبدا أَكثر حوائج الْخلق إِلَيْهِ وَمهما كَانَ وَاسِطَة بَين الله وَبَين الْعباد فِي وُصُول الأرزاق إِلَيْهِم فقد نَالَ حظا من هَذِه الصّفة قَالَ رَسُول لله ﷺ الخازن الْأمين الَّذِي يُعْطي مَا أَمر بِهِ طيبَة بِهِ نَفسه أحد المتصدقين وأيدي الْعباد خَزَائِن الله تَعَالَى
стр. 63
فَمن جعلت يَده خزانَة أرزاق الْأَبدَان وَلسَانه خزانَة أرزاق الْقُلُوب فقد أكْرم بشوب من هَذِه الصّفة
الفتاح
هُوَ الَّذِي ينفتح بعنايته كل منغلق وبهدايته ينْكَشف كل مُشكل فَتَارَة يفتح الممالك لأنبيائه ويخرجها من أَيدي أعدائه وَيَقُول ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا﴾ ٤٨ سُورَة الْفَتْح الْآيَة ١ وَتارَة يرفع الْحجاب عَن قُلُوب أوليائه وَيفتح لَهُم الْأَبْوَاب إِلَى ملكوت سمائه وجمال كبريائه وَيَقُول ﴿مَا يفتح الله للنَّاس من رَحْمَة فَلَا مُمْسك لَهَا﴾ ٣٥ سُورَة فاطر الْآيَة ٢ وَمن بِيَدِهِ مفاتح الْغَيْب ومفاتيح الرزق فبالحري أَن يكون فتاحا تَنْبِيه
يَنْبَغِي أَن يتعطش العَبْد إِلَى أَن يصير بِحَيْثُ ينفتح بِلِسَانِهِ مغاليق المشكلات الإلهية وَأَن يَتَيَسَّر بمعرفته مَا يتعسر على الْخلق من الْأُمُور الدِّينِيَّة والدنيوية ليَكُون لَهُ حَظّ من اسْم الفتاح
الْعَلِيم
مَعْنَاهُ ظَاهر وكماله أَن يُحِيط بِكُل شَيْء علما ظَاهره وباطنه دقيقه وجليله أَوله وَآخره عاقبته وفاتحته وَهَذَا من حَيْثُ كَثْرَة المعلومات وَهِي لَا نِهَايَة لَهَا ثمَّ يكون الْعلم فِي ذَاته من حَيْثُ الوضوح والكشف على أتم مَا يُمكن فِيهِ بِحَيْثُ لَا يتَصَوَّر مُشَاهدَة وكشف أظهر مِنْهُ ثمَّ لَا يكون مستفادا من المعلومات بل تكون المعلومات مستفادة مِنْهُ
стр. 64
تَنْبِيه
للْعَبد حَظّ من وصف الْعَلِيم لَا يكَاد يخفى وَلَكِن يُفَارق علمه علم الله تَعَالَى فِي الْخَواص الثَّلَاث
إِحْدَاهَا المعلومات فِي كثرتها فَإِن مَعْلُومَات العَبْد وَإِن اتسعت فَهِيَ محصورة فِي قلبه فَأنى يُنَاسب مَا لَا نِهَايَة لَهُ
وَالثَّانيَِة أَن كشفه وَإِن اتَّضَح فَلَا يبلغ الْغَايَة الَّتِي لَا يُمكن وَرَاءَهَا بل تكون مشاهدته للأشياء كَأَنَّهُ يَرَاهَا من وَرَاء ستر رَقِيق وَلَا تنكرن دَرَجَات الْكَشْف فَإِن البصيرة الْبَاطِنَة كالبصر الظَّاهِر وَفرق بَين مَا يَتَّضِح فِي وَقت الْإِسْفَار وَبَين مَا يَتَّضِح ضحوة النَّهَار
وَالثَّالِثَة أَن علم الله بالأشياء غير مُسْتَفَاد من الْأَشْيَاء بل الْأَشْيَاء مستفادة مِنْهُ وَعلم العَبْد بالأشياء تَابع للأشياء وَحَاصِل بهَا
وَإِن اعتاص عَلَيْك فهم هَذَا الْفرق فانسب علم متعلم الشطرنج إِلَى علم وَاضعه فَإِن علم الْوَاضِع هُوَ سَبَب وجود الشطرنج وَوُجُود الشطرنج هُوَ سَبَب علم المتعلم وَعلم الْوَاضِع سَابق على الشطرنج وَعلم المتعلم مَسْبُوق ومتأخر فَكَذَلِك علم الله بالأشياء سَابق عَلَيْهَا وَسبب لَهَا وَعلمنَا بِخِلَاف ذَلِك
وَشرف العَبْد بِسَبَب الْعلم من حَيْثُ أَنه من صِفَات الله وَلَكِن الْعلم الْأَشْرَف مَا معلومه أشرف وأشرف المعلومات هُوَ الله تَعَالَى فَلذَلِك كَانَت معرفَة الله تَعَالَى أفضل المعارف بل معرفَة سَائِر الْأَشْيَاء أَيْضا إِنَّمَا تشرف لِأَنَّهَا معرفَة لأفعال الله أَو معرفَة للطريق الَّذِي يقرب العَبْد من الله أَو الْأَمر الَّذِي يسهل بِهِ الْوُصُول إِلَى معرفَة الله تَعَالَى والقرب مِنْهُ وكل معرفَة خَارِجَة عَن ذَلِك فَلَيْسَ فِيهَا كثير شرف
стр. 65
الْقَابِض والباسط
هُوَ الَّذِي يقبض الْأَرْوَاح عَن الأشباح عِنْد الْمَمَات ويبسط الْأَرْوَاح فِي الأجساد عِنْد الْحَيَاة وَيقبض الصَّدقَات من الْأَغْنِيَاء ويبسط الأرزاق للضعفاء يبسط الرزق على الْأَغْنِيَاء حَتَّى لَا يبقي فاقة ويقبضه عَن الْفُقَرَاء حَتَّى لَا يبقي طَاقَة وَيقبض الْقُلُوب فيضيقها بِمَا يكْشف لَهَا من قلَّة مبالاته وتعاليه وجلاله ويبسطها بِمَا يتَقرَّب إِلَيْهَا من بره ولطفه وجماله تَنْبِيه
الْقَابِض الباسط
من الْعباد من ألهم بَدَائِع الحكم وأوتي جَوَامِع الْكَلم فَتَارَة يبسط قُلُوب الْعباد بِمَا يذكرهم من آلَاء الله ونعمائه وَتارَة يقبضهَا بِمَا ينذرهم بِهِ من جلال الله وكبريائه وفنون عَذَابه وبلائه وانتقامه من أعدائه كَمَا فعل رَسُول الله ﷺ حَيْثُ قبض قُلُوب الصَّحَابَة عَن الْحِرْص على الْعِبَادَة حَيْثُ ذكر لَهُم أَن الله يَقُول لآدَم ﵊ يَوْم الْقِيَامَة ابْعَثْ بعث النَّار فَيَقُول كم فَيَقُول من كل ألف تسع مئة وَتِسْعَة وَتسْعُونَ فَانْكَسَرت قُلُوبهم حَتَّى فتروا عَن الْعِبَادَة فَلَمَّا أصبح ورآهم على مَا هم عَلَيْهِ من الْقَبْض والفتور روح قُلُوبهم وبسطهم فَذكر أَنهم فِي سَائِر الْأُمَم قبلهم كشامة سَوْدَاء فِي مسك ثَوْر أَبيض
الْخَافِض الرافع
هُوَ الَّذِي يخْفض الْكفَّار بالإشقاء وَيرْفَع الْمُؤمنِينَ بالإسعاد يرفع أولياءه بالتقريب ويخفض أعداءه بالإبعاد وَمن رفع مشاهدته عَن المحسوسات والمتخيلات وإرادته عَن ذميم الشَّهَوَات فقد رَفعه إِلَى أفق الْمَلَائِكَة المقربين وَمن قصر مشاهدته على المحسوسات وهمته على مَا يُشَارك
стр. 66
فِيهِ الْبَهَائِم من الشَّهَوَات فقد خفضه إِلَى أَسْفَل السافلين وَلَا يفعل ذَلِك إِلَّا الله تَعَالَى فَهُوَ الْخَافِض الرافع تَنْبِيه
حَظّ العَبْد من ذَلِك أَن يرفع الْحق ويخفض الْبَاطِل وَذَلِكَ بِأَن ينصر المحق ويزجر الْمُبْطل فيعادي أَعدَاء الله ليخفضهم ويوالي أَوْلِيَاء الله ليرفعهم وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى لبَعض أوليائه أما زهدك فِي الدُّنْيَا فقد استعجلت بِهِ رَاحَة نَفسك وَأما ذكرك إيَّايَ فقد تشرفت بِي فَهَل واليت فِي وليا وَهل عاديت فِي عدوا
الْمعز المذل
هُوَ الَّذِي يُؤْتِي الْملك من يَشَاء ويسلبه مِمَّن يَشَاء وَالْملك الْحَقِيقِيّ إِنَّمَا هُوَ فِي الْخَلَاص من ذل الْحَاجة وقهر الشَّهْوَة ووصمة الْجَهْل فَمن رفع الْحجاب عَن قلبه حَتَّى شَاهد جمال حَضرته ورزقه القناعة حَتَّى اسْتغنى بهَا عَن خلقه وأمده بِالْقُوَّةِ والتأييد حَتَّى استولى بهَا على صِفَات نَفسه فقد أعزه وآتاه الْملك عَاجلا وسيعزه فِي الْآخِرَة بالتقريب ويناديه ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية فادخلي فِي عبَادي وادخلي جنتي﴾ ٨٩ سُورَة الْفجْر الْآيَات ٣٠٢٧
وَمن مد عينه إِلَى الْخلق حَتَّى احْتَاجَ إِلَيْهِم وسلط عَلَيْهِ الْحِرْص حَتَّى لم يقنع بالكفاية واستدرجه بمكره حَتَّى اغْترَّ بِنَفسِهِ وَبَقِي فِي ظلمَة الْجَهْل فقد أذله وسلبه الْملك وَذَلِكَ صنع الله كَمَا يَشَاء حَيْثُ يَشَاء فَهُوَ الْمعز المذل يعز من يَشَاء ويذل من يَشَاء وَهَذَا الذَّلِيل هُوَ الَّذِي يُخَاطب وَيُقَال
стр. 67
لَهُ وَلَكِنَّكُمْ فتنتم أَنفسكُم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الْأَمَانِي حَتَّى جَاءَ أَمر الله وغركم بِاللَّه الْغرُور فاليوم لَا يُؤْخَذ مِنْكُم فديَة ٥٧ سُورَة الْحَدِيد الْآيَة ١٤ و ١٥ وَهَذَا غَايَة الذل وكل عبد اسْتعْمل فِي تيسير أَسبَاب الْعِزّ على يَده وَلسَانه فَهُوَ ذُو حَظّ من هَذَا الْوَصْف
السَّمِيع
هُوَ الَّذِي لَا يعزب عَن إِدْرَاكه مسموع وَإِن خَفِي فَيسمع السِّرّ والنجوى بل مَا هُوَ أدق من ذَلِك وأخفى وَيدْرك دَبِيب النملة السَّوْدَاء على الصَّخْرَة الصماء فِي اللَّيْلَة الظلماء يسمع حمد الحامدين فيجازيهم وَدُعَاء الداعين فيستجيب لَهُم وَيسمع بِغَيْر أَصْمِخَة وآذان كَمَا يفعل بِغَيْر جارحة وَيتَكَلَّم بِغَيْر لِسَان وسَمعه منزه عَن أَن يتَطَرَّق إِلَيْهِ الْحدثَان وَمهما نزهت السَّمِيع عَن تغير يَعْتَرِيه عِنْد حُدُوث المسموعات وقدسته عَن أَن يسمع بأذن أَو بِآلَة وأداة علمت أَن السّمع فِي حَقه عبارَة عَن صفة ينْكَشف بهَا كَمَال صِفَات المسموعات وَمن لم يدقق نظره فِيهِ وَقع بِالضَّرُورَةِ فِي مَحْض التَّشْبِيه فَخذ مِنْهُ حذرك ودقق فِيهِ نظرك تَنْبِيه
للْعَبد من حَيْثُ الْحس حَظّ فِي السّمع لكنه قَاصِر فَإِنَّهُ لَا يدْرك جَمِيع المسموعات بل مَا قرب من الْأَصْوَات ثمَّ إِن إِدْرَاكه بجارحة وأداة معرضة للآفات فَإِن خَفِي الصَّوْت قصر عَن الْإِدْرَاك وَإِن بعد لم يدْرك وَإِن عظم الصَّوْت رُبمَا بَطل السّمع واضمحل
وَإِنَّمَا حَظه الديني مِنْهُ أَمْرَانِ
أَحدهمَا أَن يعلم أَن الله سميع فيحفظ لِسَانه
стр. 68
وَالثَّانِي أَن يعلم أَنه لم يخلق لَهُ السّمع إِلَّا ليسمع كَلَام الله وَكتابه الَّذِي أنزلهُ وَحَدِيث رَسُول الله ﷺ فيستفيد بِهِ الْهِدَايَة إِلَى طَرِيق الله فَلَا يسْتَعْمل سَمعه إِلَّا فِيهِ
الْبَصِير
هُوَ الَّذِي يُشَاهد وَيرى حَتَّى لَا يعزب عَنهُ مَا تَحت الثرى وإبصاره أَيْضا منزه عَن أَن يكون بحدقة وأجفان ومقدس عَن أَن يرجع إِلَى انطباع الصُّور والألوان فِي ذَاته كَمَا ينطبع فِي حدقة الْإِنْسَان فَإِن ذَلِك من التَّغَيُّر والتأثر الْمُقْتَضِي للحدثان وَإِذا نزه عَن ذَلِك كَانَ الْبَصَر فِي حَقه عبارَة عَن الصّفة الَّتِي ينْكَشف بهَا كَمَال نعوت المبصرات وَذَلِكَ أوضح وَأجلى مِمَّا يفهم من إِدْرَاك الْبَصَر الْقَاصِر على ظواهر المرئيات تَنْبِيه
حَظّ العَبْد من حَيْثُ الْحس من وصف الْبَصَر ظَاهر وَلكنه ضَعِيف قَاصِر إِذْ لَا يَمْتَد إِلَى مَا بعد وَلَا يتغلغل إِلَى بَاطِن مَا قرب بل يتَنَاوَل الظَّوَاهِر وَيقصر عَن البواطن والسرائر
وَإِنَّمَا حَظه الديني مِنْهُ أَمْرَانِ
أَحدهمَا أَن يعلم أَنه خلق لَهُ الْبَصَر لينْظر إِلَى الْآيَات وَإِلَى عجائب الملكوت وَالسَّمَوَات فَلَا يكون نظرة إِلَّا عِبْرَة قيل لعيسى ﵇ هَل أحد من الْخلق مثلك فَقَالَ من كَانَ نظره عِبْرَة وصمته فكرة وَكَلَامه ذكرا فَهُوَ مثلي
وَالثَّانِي أَن يعلم أَنه بمرأى من الله ومسمع فَلَا يستهين بنظره
стр. 69
إِلَيْهِ واطلاعه عَلَيْهِ وَمن أخْفى عَن غير الله مَا لَا يخفيه عَن الله فقد استهان بِنَظَر الله والمراقبة إِحْدَى ثَمَرَات الْإِيمَان بِهَذِهِ الصّفة فَمن قارف مَعْصِيّة وَهُوَ يعلم أَن الله يرَاهُ فَمَا أجسره وَمَا أخسره وَمن ظن أَن الله تَعَالَى لَا يرَاهُ فَمَا أظلمه وأكفره
الحكم
وَهُوَ الْحَاكِم الْمُحكم وَالْقَاضِي الْمُسلم الَّذِي لَا راد لحكمه وَلَا معقب لقضائه وَمن حكمه فِي حق الْعباد أَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى وَأَن سَعْيه سَوف يرى وَأَن الْأَبْرَار لفي نعيم وَأَن الْفجار لفي جحيم وَمعنى حكمه للبر والفاجر بالسعادة والشقاوة أَنه جعل الْبر والفجور سَببا يَسُوق صَاحبهمَا إِلَى السَّعَادَة والشقاوة كَمَا جعل الْأَدْوِيَة والسموم أَسبَاب تَسوق متناوليها إِلَى الشَّقَاء والهلاك
وَإِذا كَانَ معنى الْحِكْمَة تَرْتِيب الْأَسْبَاب وتوجيهها إِلَى المسببات كَانَ المتصف بهَا على الْإِطْلَاق حكما مُطلقًا لِأَنَّهُ مسبب كل الْأَسْبَاب جُمْلَتهَا وتفصيلها
وَمن الحكم ينشعب الْقَضَاء وَالْقدر فتدبيره أصل وضع الْأَسْبَاب ليتوجه إِلَى المسببات حكمه ونصبه الْأَسْبَاب الْكُلية الْأَصْلِيَّة الثَّابِتَة المستقرة الَّتِي لَا تَزُول وَلَا تحول كالأرض وَالسَّمَوَات السَّبع وَالْكَوَاكِب والأفلاك وحركاتها المتناسبة الدائمة الَّتِي لَا تَتَغَيَّر وَلَا تنعدم إِلَى أَن يبلغ الْكتاب أَجله قَضَاؤُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى فقضاهن سبع سموات فِي يَوْمَيْنِ وَأوحى فِي كل سَمَاء أمرهَا ٤١ سُورَة فصلت الْآيَة ١٢ وتوجيه هَذِه الْأَسْبَاب بحركاتها المتناسبة المحدودة الْمقدرَة المحسوبة إِلَى المسببات الْحَادِثَة مِنْهَا لَحْظَة بعد لَحْظَة قدره فَالْحكم هُوَ التَّدْبِير الأول الْكُلِّي وَالْأَمر الأزلي الَّذِي هُوَ كلمح الْبَصَر وَالْقَضَاء هُوَ الْوَضع الْكُلِّي للأسباب الْكُلية الدائمة وَالْقدر هُوَ تَوْجِيه الْأَسْبَاب
стр. 70
الْكُلية بحركتها الْمقدرَة المحسوبة إِلَى مسبباتها المعدودة المحدودة بِقدر مَعْلُوم لَا يزِيد وَلَا ينقص وَلذَلِك لَا يخرج عَن قَضَائِهِ وَقدره شَيْء
وَلَا تفهم ذَلِك إِلَّا بمثال ولعلك شاهدت صندوق السَّاعَات الَّتِي بهَا يتعرف أَوْقَات الصَّلَوَات وَإِن لم تشاهده فجملة ذَلِك أَنه لَا بُد فِيهِ من آلَة على شكل أسطوانة تحوي مِقْدَارًا من المَاء مَعْلُوما وَآلَة أُخْرَى مجوفة مَوْضُوعَة فِيهَا فَوق المَاء وخيط مشدود أحد طَرفَيْهِ فِي هَذِه الْآلَة المجوفة وطرفه الآخر فِي أَسْفَل ظرف صَغِير مَوْضُوع فَوق الأسطوانة المجوفة وَفِيه كره وَتَحْته طاس بِحَيْثُ لَو سَقَطت الكرة وَقعت فِي الطاس وَسمع طنينها ثمَّ يثقب أَسْفَل الْآلَة الأسطوانية ثقب بِقدر مَعْلُوم ينزل المَاء مِنْهُ قَلِيلا قَلِيلا فَإِذا انخفض المَاء انخفضت الْآلَة المجوفة الْمَوْضُوعَة على وَجه المَاء فامتد الْخَيط المشدود بهَا فحرك الظّرْف الَّذِي فِيهِ الكره تحريكا يقربهُ من الانتكاس إِلَى أَن ينتكس فتتدحرج مِنْهُ الكرة وَتَقَع فِي الطاس وتطن وَعند انْقِضَاء كل سَاعَة تقع وَاحِدَة
وَإِنَّمَا يتَقَدَّر الْفَصْل بَين الوقعتين بِتَقْدِير خُرُوج المَاء وانخفاضه وَذَلِكَ بِتَقْدِير سَعَة الثقب الَّذِي يخرج مِنْهُ المَاء وَيعرف ذَلِك بطرِيق الْحساب
فَيكون نزل المَاء بِمِقْدَار مُقَدّر مَعْلُوم بِسَبَب تَقْدِير سَعَة الثقب بِقدر مَعْلُوم
وَيكون انخفاض أَعلَى المَاء بذلك الْمِقْدَار وَبِه يتَقَدَّر انخفاض الْآلَة المجوفة وانجرار الْخَيط المشدود بهَا وتولد الْحَرَكَة فِي الظّرْف الَّذِي فِيهِ الكرة وكل ذَلِك يتَقَدَّر بتقدر سَببه لَا يزِيد وَلَا ينقص وَيُمكن أَن يَجْعَل وُقُوع الكرة فِي الطاس سَببا لحركة أُخْرَى وَتَكون الْحَرَكَة الْأُخْرَى سَببا لحركة ثَالِثَة وَهَكَذَا إِلَى دَرَجَات كَثِيرَة حَتَّى تتولد مِنْهُ حركات عَجِيبَة مقدرَة بمقادير محدودة
وسببها الأول نزُول المَاء بِقدر مَعْلُوم
فَإِذا تصورت هَذِه الصُّورَة فَاعْلَم أَن واضعها يحْتَاج إِلَى ثَلَاثَة أُمُور
стр. 71
أَولهَا التَّدْبِير وَهُوَ الحكم بِأَنَّهُ مَا الَّذِي يَنْبَغِي أَن يكون من الْآلَات والأسباب والحركات حَتَّى يُؤَدِّي إِلَى حُصُول مَا يَنْبَغِي أَن يحصل وَذَلِكَ هُوَ الحكم
وَالثَّانِي إِيجَاد هَذِه الْآلَات الَّتِي هِيَ الْأُصُول وَهِي الْآلَة الأسطوانية لتحوي المَاء والآلة المجوفة لتوضع على وَجه المَاء وَالْخَيْط المشدود بِهِ والظرف الَّذِي فِيهِ الكرة والطاس الَّذِي يَقع فِيهِ الكرة وَذَلِكَ هُوَ الْقَضَاء
وَالثَّالِث نصب سَبَب يُوجب حَرَكَة مقدرَة محسوبة محدودة وَهُوَ ثقب أَسْفَل الْآلَة ثقبا مُقَدّر السعَة ليحدث بنزول المَاء مِنْهَا حَرَكَة فِي المَاء تُؤدِّي إِلَى حَرَكَة وَجه المَاء بنزوله ثمَّ إِلَى حَرَكَة الْآلَة المجوفة الْمَوْضُوعَة على وَجه المَاء ثمَّ إِلَى حَرَكَة الْخَيط ثمَّ إِلَى حَرَكَة الظّرْف الَّذِي فِيهِ الكرة ثمَّ إِلَى حَرَكَة الكرة ثمَّ إِلَى الصدمة بالطاس إِذا وَقعت فِيهِ ثمَّ إِلَى الطنين الْحَاصِل مِنْهَا ثمَّ إِلَى تَنْبِيه الْحَاضِرين وإسماعهم ثمَّ إِلَى حركاتهم فِي الِاشْتِغَال بالصلوات والأعمال عِنْد معرفتهم انْقِضَاء السَّاعَة وكل ذَلِك يكون بِقدر مَعْلُوم وَمِقْدَار مُقَدّر بِسَبَب تقدر جَمِيعهَا بِقدر الْحَرَكَة الأولى وَهِي حَرَكَة المَاء
فَإِذا فهمت أَن هَذِه الْآلَات أصُول لَا بُد مِنْهَا للحركة وَأَن الْحَرَكَة لَا بُد من تقدرها ليتقدر مَا يتَوَلَّد مِنْهَا فَكَذَلِك فَافْهَم حُصُول الْحَوَادِث الْمقدرَة الَّتِي لَا يتَقَدَّم مِنْهَا شَيْء وَلَا يتَأَخَّر إِذا جَاءَ أجلهَا أَي حضر سَببهَا وكل ذَلِك بِمِقْدَار مَعْلُوم وَأَن الله بَالغ أمره إِذْ جعل الله لكل شَيْء قدرا فالسموات والأفلاك وَالْكَوَاكِب وَالْأَرْض وَالْبَحْر والهواء وَهَذِه الْأَجْسَام الْعِظَام فِي الْعَالم كتلك الْآلَات وَالسَّبَب المحرك للأفلاك وَالْكَوَاكِب وَالشَّمْس وَالْقَمَر بِحِسَاب مَعْلُوم كتلك الثقبة الْمُوجبَة لنزول المَاء بِقدر مَعْلُوم وإفضاء حَرَكَة الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب إِلَى حُصُول الْحَوَادِث فِي الأَرْض كإفضاء حَرَكَة المَاء إِلَى حُصُول تِلْكَ الحركات المفضية إِلَى سُقُوط الكرة الْمعرفَة لانقضاء السَّاعَة
стр. 72
وَمِثَال تداعي حركات السَّمَاء إِلَى تغيرات الأَرْض هُوَ أَن الشَّمْس بحركتها إِذا بلغت إِلَى الْمشرق واستضاء الْعَالم وتيسر على النَّاس الإبصار فيتيسر عَلَيْهِم الانتشار فِي الأشغال وَإِذا بلغت الْمغرب تعذر عَلَيْهِم ذَلِك فَرَجَعُوا إِلَى المساكن وَإِذا قربت من وسط السَّمَاء وسمت رُؤُوس أهل الأقاليم حمي الْهَوَاء وَاشْتَدَّ القيظ وَحصل نضج الْفَوَاكِه وَإِذا بَعدت حصل الشتَاء وَاشْتَدَّ الْبرد وَإِذا توسطت حصل الِاعْتِدَال وَظهر الرّبيع وأنبتت الأَرْض وَظَهَرت الخضرة وَقس بِهَذِهِ الْأُمُور المشهورات الَّتِي تعرفها الغرائب الَّتِي لَا تعرفها
وَاخْتِلَاف هَذِه الْفُصُول كلهَا مُقَدّر بِقدر مَعْلُوم لِأَنَّهَا منوطة بحركات الشَّمْس وَالْقَمَر وَالشَّمْس وَالْقَمَر بحسبان ٥٥ سُورَة الرَّحْمَن / الْآيَة ٥ أَي حركتهما بِحِسَاب مَعْلُوم فَهَذَا هُوَ التَّقْدِير وَوضع الْأَسْبَاب الْكُلية هُوَ الْقَضَاء وَالتَّدْبِير الأول الَّذِي هُوَ كلمح الْبَصَر هُوَ الحكم وَالله تَعَالَى حكم عدل بِاعْتِبَار هَذِه الْأُمُور وكما أَن حَرَكَة الْآلَة وَالْخَيْط والكرة لَيست خَارِجَة عَن مَشِيئَة وَاضع الْآلَة بل ذَلِك هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ بِوَضْع الْآلَة فَكَذَلِك كل مَا يحدث فِي الْعَالم من الْحَوَادِث شَرها وَخَيرهَا نَفعهَا وضرها غير خَارج عَن مَشِيئَة الله بل ذَلِك مُرَاد الله تَعَالَى ولأجله دبر أَسبَابه وَهُوَ المعني بقوله وَلذَلِك خلقهمْ ١١ سُورَة هود / الْآيَة ١١٩
وتفهيم الْأُمُور الإلهية بالأمثلة الْعُرْفِيَّة عسير وَلَكِن الْمَقْصُود من الْأَمْثِلَة التَّنْبِيه فدع الْمِثَال وتنبه للغرض وَاحْذَرْ من التَّمْثِيل والتشبيه تَنْبِيه
قد فهمت من الْمِثَال الْمَذْكُور مَا إِلَى العَبْد من الحكم وَالتَّدْبِير وَالْقَضَاء وَالتَّقْدِير وَذَلِكَ أَمر يسير وَإِنَّمَا الخطير مِنْهُ مَا إِلَيْهِ فِي تَدْبِير الرياضيات
стр. 73
والمجاهدات وَتَقْدِير السياسات الَّتِي تُفْضِي إِلَى مصَالح الدّين وَالدُّنْيَا وَبِذَلِك اسْتخْلف الله عباده فِي الأَرْض واستعمرهم فِيهَا لينْظر كَيفَ يعْملُونَ
وَإِنَّمَا الْحَظ الديني من مُشَاهدَة هَذَا الْوَصْف لله تَعَالَى أَن يعلم أَن الْأَمر مفروغ مِنْهُ وَلَيْسَ بالأنف وَقد جف الْقَلَم بِمَا هُوَ كَائِن وَأَن الْأَسْبَاب قد تَوَجَّهت إِلَى مسبباتها وانسياقها إِلَيْهَا فِي أحيانها وأجالها حتم وَاجِب فَكل مَا يدْخل فِي الْوُجُود فَإِنَّمَا يدْخل بِالْوُجُوب فَهُوَ وَاجِب أَن يُوجد وَإِن لم يكن وَاجِبا لذاته وَلَكِن وَاجِب بِالْقضَاءِ الأزلي الَّذِي لَا مرد لَهُ فَيعلم أَن الْمَقْدُور كَائِن وَأَن الْهم فضل فَيكون العَبْد فِي رزقه مُجملا فِي الطّلب مطمئن النَّفس سَاكن الجأش غير مُضْطَرب الْقلب
فَإِن قلت فَيلْزم مِنْهُ إشْكَالَانِ
أَحدهمَا أَن الْهم كَيفَ يكون فضلا وَهُوَ أَيْضا مَقْدُور لِأَنَّهُ قدر لَهُ سَبَب إِذا جرى سَببه كَانَ حُصُول الْهم وَاجِبا
وَالثَّانِي أَن الْأَمر إِذا كَانَ مفروغا مِنْهُ فَفِيمَ الْعَمَل وَقد فرغ هُوَ عَن سَبَب السَّعَادَة والشقاوة
فَالْجَوَاب عَن الأول أَن قَوْلهم الْمَقْدُور كَائِن والهم فضل لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه فضل على الْمَقْدُور خَارج عَنهُ بل أَنه فضل أَي لَغْو لَا فَائِدَة فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يدْفع الْمَقْدُور وَلِأَن سَبَب الْهم بِمَا يتَوَقَّع كَونه هُوَ الْجَهْل الْمَحْض لِأَن ذَلِك إِن قدر كَونه فالحذر والهم لَا يَدْفَعهُ وَهُوَ استعجال نوع من الْأَلَم خوفًا من وُقُوع الْأَلَم وَإِن لم يقدر كَونه فَلَا معنى للهم بِهِ فبهذين الْوَجْهَيْنِ كَانَ الْهم فضلا
وَأما الْعَمَل فَجَوَابه قَوْله ﷺ اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ
стр. 74
وَمَعْنَاهُ أَن من قدرت لَهُ السَّعَادَة قدرت بِسَبَب فيتيسر لَهُ أَسبَابهَا وَهُوَ الطَّاعَة وَمن قدرت لَهُ الشقاوة وَالْعِيَاذ بِاللَّه قدرت بِسَبَب وَهُوَ بطالته عَن مُبَاشرَة أَسبَابهَا
وَقد يكون سَبَب بطالته أَن يسْتَقرّ فِي خاطره إِنِّي إِن كنت سعيدا فَلَا أحتاج إِلَى الْعَمَل وَإِن كنت شقيا فَلَا يَنْفَعنِي الْعَمَل وَهَذَا جهل فَإِنَّهُ لَا يدْرِي أَنه إِن كَانَ سعيدا فَإِنَّمَا يكون سعيدا لِأَنَّهُ يجْرِي عَلَيْهِ أَسبَاب السَّعَادَة من الْعلم وَالْعَمَل وَإِن لم يَتَيَسَّر لَهُ ذَلِك وَلم يجر عَلَيْهِ فَهُوَ أَمارَة شقاوته
ومثاله الَّذِي يتَمَنَّى أَن يكون فَقِيها بَالغا دَرَجَة الْإِمَامَة فَيُقَال لَهُ اجْتهد وَتعلم وواظب فَيَقُول إِن قضى الله لي فِي الْأَزَل بِالْإِمَامَةِ فَلَا أحتاج إِلَى الْجهد وَإِن قضى لي بِالْجَهْلِ فَلَا يَنْفَعنِي الْجهد فَيُقَال لَهُ إِن سلط عَلَيْك هَذَا الخاطر فَهَذَا يدل على أَنه قضى لَك بِالْجَهْلِ فَإِن من قضى لَهُ فِي الْأَزَل بِالْإِمَامَةِ فَإِنَّمَا يَقْضِيهَا بأسبابها فَيجْرِي عَلَيْهِ الْأَسْبَاب ويستعمله بهَا وَيدْفَع عَنهُ الخواطر الَّتِي تَدعُوهُ إِلَى الكسل والبطالة بل الَّذِي لَا يجْتَهد لَا ينَال دَرَجَة الْإِمَامَة قطعا وَالَّذِي يجْتَهد ويتيسر لَهُ أَسبَابهَا يصدق رجاؤه فِي بُلُوغهَا إِن استقام على جهده إِلَى آخر أمره وَلم يستقبله عائق يقطع عَلَيْهِ الطَّرِيق فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن يفهم أَن السَّعَادَة لَا ينالها إِلَّا من أَتَى الله بقلب سليم وسلامة الْقلب صفة تكتسب بالسعي كفقه النَّفس وَصفَة الْإِمَامَة من غير فرق
نعم الْعباد فِي مُشَاهدَة الحكم على دَرَجَات فَمن نَاظر إِلَى الخاتمة أَنه بِمَاذَا يخْتم لَهُ وَمن نَاظر إِلَى السَّابِقَة أَنه بِمَا قضى لَهُ فِي الْأَزَل وَهُوَ أَعلَى لِأَن الخاتمة تبع السَّابِقَة وَمن تَارِك للماضي والمستقبل هُوَ ابْن وقته فَهُوَ نَاظر إِلَيْهِ رَاض بمواقع قدر الله وَمَا يظْهر مِنْهُ وَهُوَ أَعلَى مِمَّا قبله وَمن تَارِك للْحَال والماضي والمستقبل مُسْتَغْرق الْقلب بالحكم ملازم فِي الشُّهُود وَهَذِه هِيَ الدرجَة الْعليا
стр. 75
الْعدْل
مَعْنَاهُ الْعَادِل وَهُوَ الَّذِي يصدر مِنْهُ فعل الْعدْل المضاد للجور وَالظُّلم وَلنْ يعرف الْعَادِل من لم يعرف عدله وَلَا يعرف عدله من لم يعرف فعله فَمن أَرَادَ أَن يفهم هَذَا الْوَصْف فَيَنْبَغِي أَن يُحِيط علما بِأَفْعَال الله تَعَالَى من ملكوت السَّمَوَات إِلَى مُنْتَهى الثرى حَتَّى إِذا لم ير فِي خلق الرَّحْمَن من تفَاوت ثمَّ رَجَعَ الْبَصَر فَمَا رأى من فطور ثمَّ رَجَعَ مرّة أُخْرَى فَانْقَلَبَ إِلَيْهِ الْبَصَر خاسئا وَهُوَ حسير وَقد بهره جمال الحضرة الربوبية وحيره اعتدالها وانتظامها فَعِنْدَ ذَلِك يعبق بفهمه شَيْء من مَعَاني عدله تَعَالَى وتقدس
وَقد خلق أَقسَام الموجودات جسمانيها وروحانيها كاملها وناقصها وَأعْطى كل شَيْء خلقه وَهُوَ بذلك جواد ورتبها فِي موَاضعهَا اللائقة بهَا وَهُوَ بذلك عدل فَمن الْأَجْسَام الْعِظَام فِي الْعَالم الأَرْض وَالْمَاء والهواء وَالسَّمَوَات وَالْكَوَاكِب وَقد خلقهَا ورتبها فَوضع الأَرْض فِي أَسْفَل السافلين وَجعل المَاء فَوْقهَا والهواء فَوق المَاء وَالسَّمَوَات فَوق الْهَوَاء وَلَو عكس هَذَا التَّرْتِيب لبطل النظام
وَلَعَلَّ شرح وَجه اسْتِحْقَاق هَذَا التَّرْتِيب فِي الْعدْل والنظام مِمَّا يصعب على أَكثر الأفهام فلننزل إِلَى دَرَجَة الْعَوام ونقول لينْظر الْإِنْسَان إِلَى بدنه فَإِنَّهُ مركب من أَعْضَاء مُخْتَلفَة كَمَا أَن الْعَالم مركب من أجسام مُخْتَلفَة فَأول اختلافه أَنه رَكبه من الْعظم وَاللَّحم وَالْجَلد وَجعل الْعظم عمادا مستبطنا وَاللَّحم صوانا لَهُ مكتنفا إِيَّاه وَالْجَلد صوانا للحم فَلَو عكس هَذَا التَّرْتِيب وَأظْهر مَا أبطن لبطل النظام
وَإِن خَفِي عَلَيْك هَذَا فقد خلق للْإنْسَان أَعْضَاء مُخْتَلفَة مثل الْيَد وَالرجل وَالْعين وَالْأنف وَالْأُذن فَهُوَ بِخلق هَذِه الْأَعْضَاء جواد وبوضعها موَاضعهَا الْخَاصَّة عدل لِأَنَّهُ وضع الْعين فِي أولى الْمَوَاضِع بهَا من الْبدن إِذْ لَو خلقهَا على الْقَفَا أَو على الرجل أَو على الْيَد أَو على قمة الرَّأْس لم يخف مَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ من
следующие страницы →