← Акыда

Акыда · id 6465

المقصد الأسنى

أبو حامد الغزالي

Полный текст (153 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أَولهَا التَّدْبِير وَهُوَ الحكم بِأَنَّهُ مَا الَّذِي يَنْبَغِي أَن يكون من الْآلَات والأسباب والحركات حَتَّى يُؤَدِّي إِلَى حُصُول مَا يَنْبَغِي أَن يحصل وَذَلِكَ هُوَ الحكم وَالثَّانِي إِيجَاد هَذِه الْآلَات الَّتِي هِيَ الْأُصُول وَهِي الْآلَة الأسطوانية لتحوي المَاء والآلة المجوفة لتوضع على وَجه المَاء وَالْخَيْط المشدود بِهِ والظرف الَّذِي فِيهِ الكرة والطاس الَّذِي يَقع فِيهِ الكرة وَذَلِكَ هُوَ الْقَضَاء وَالثَّالِث نصب سَبَب يُوجب حَرَكَة مقدرَة محسوبة محدودة وَهُوَ ثقب أَسْفَل الْآلَة ثقبا مُقَدّر السعَة ليحدث بنزول المَاء مِنْهَا حَرَكَة فِي المَاء تُؤدِّي إِلَى حَرَكَة وَجه المَاء بنزوله ثمَّ إِلَى حَرَكَة الْآلَة المجوفة الْمَوْضُوعَة على وَجه المَاء ثمَّ إِلَى حَرَكَة الْخَيط ثمَّ إِلَى حَرَكَة الظّرْف الَّذِي فِيهِ الكرة ثمَّ إِلَى حَرَكَة الكرة ثمَّ إِلَى الصدمة بالطاس إِذا وَقعت فِيهِ ثمَّ إِلَى الطنين الْحَاصِل مِنْهَا ثمَّ إِلَى تَنْبِيه الْحَاضِرين وإسماعهم ثمَّ إِلَى حركاتهم فِي الِاشْتِغَال بالصلوات والأعمال عِنْد معرفتهم انْقِضَاء السَّاعَة وكل ذَلِك يكون بِقدر مَعْلُوم وَمِقْدَار مُقَدّر بِسَبَب تقدر جَمِيعهَا بِقدر الْحَرَكَة الأولى وَهِي حَرَكَة المَاء فَإِذا فهمت أَن هَذِه الْآلَات أصُول لَا بُد مِنْهَا للحركة وَأَن الْحَرَكَة لَا بُد من تقدرها ليتقدر مَا يتَوَلَّد مِنْهَا فَكَذَلِك فَافْهَم حُصُول الْحَوَادِث الْمقدرَة الَّتِي لَا يتَقَدَّم مِنْهَا شَيْء وَلَا يتَأَخَّر إِذا جَاءَ أجلهَا أَي حضر سَببهَا وكل ذَلِك بِمِقْدَار مَعْلُوم وَأَن الله بَالغ أمره إِذْ جعل الله لكل شَيْء قدرا فالسموات والأفلاك وَالْكَوَاكِب وَالْأَرْض وَالْبَحْر والهواء وَهَذِه الْأَجْسَام الْعِظَام فِي الْعَالم كتلك الْآلَات وَالسَّبَب المحرك للأفلاك وَالْكَوَاكِب وَالشَّمْس وَالْقَمَر بِحِسَاب مَعْلُوم كتلك الثقبة الْمُوجبَة لنزول المَاء بِقدر مَعْلُوم وإفضاء حَرَكَة الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب إِلَى حُصُول الْحَوَادِث فِي الأَرْض كإفضاء حَرَكَة المَاء إِلَى حُصُول تِلْكَ الحركات المفضية إِلَى سُقُوط الكرة الْمعرفَة لانقضاء السَّاعَة

стр. 72

وَمِثَال تداعي حركات السَّمَاء إِلَى تغيرات الأَرْض هُوَ أَن الشَّمْس بحركتها إِذا بلغت إِلَى الْمشرق واستضاء الْعَالم وتيسر على النَّاس الإبصار فيتيسر عَلَيْهِم الانتشار فِي الأشغال وَإِذا بلغت الْمغرب تعذر عَلَيْهِم ذَلِك فَرَجَعُوا إِلَى المساكن وَإِذا قربت من وسط السَّمَاء وسمت رُؤُوس أهل الأقاليم حمي الْهَوَاء وَاشْتَدَّ القيظ وَحصل نضج الْفَوَاكِه وَإِذا بَعدت حصل الشتَاء وَاشْتَدَّ الْبرد وَإِذا توسطت حصل الِاعْتِدَال وَظهر الرّبيع وأنبتت الأَرْض وَظَهَرت الخضرة وَقس بِهَذِهِ الْأُمُور المشهورات الَّتِي تعرفها الغرائب الَّتِي لَا تعرفها وَاخْتِلَاف هَذِه الْفُصُول كلهَا مُقَدّر بِقدر مَعْلُوم لِأَنَّهَا منوطة بحركات الشَّمْس وَالْقَمَر وَالشَّمْس وَالْقَمَر بحسبان ٥٥ سُورَة الرَّحْمَن / الْآيَة ٥ أَي حركتهما بِحِسَاب مَعْلُوم فَهَذَا هُوَ التَّقْدِير وَوضع الْأَسْبَاب الْكُلية هُوَ الْقَضَاء وَالتَّدْبِير الأول الَّذِي هُوَ كلمح الْبَصَر هُوَ الحكم وَالله تَعَالَى حكم عدل بِاعْتِبَار هَذِه الْأُمُور وكما أَن حَرَكَة الْآلَة وَالْخَيْط والكرة لَيست خَارِجَة عَن مَشِيئَة وَاضع الْآلَة بل ذَلِك هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ بِوَضْع الْآلَة فَكَذَلِك كل مَا يحدث فِي الْعَالم من الْحَوَادِث شَرها وَخَيرهَا نَفعهَا وضرها غير خَارج عَن مَشِيئَة الله بل ذَلِك مُرَاد الله تَعَالَى ولأجله دبر أَسبَابه وَهُوَ المعني بقوله وَلذَلِك خلقهمْ ١١ سُورَة هود / الْآيَة ١١٩ وتفهيم الْأُمُور الإلهية بالأمثلة الْعُرْفِيَّة عسير وَلَكِن الْمَقْصُود من الْأَمْثِلَة التَّنْبِيه فدع الْمِثَال وتنبه للغرض وَاحْذَرْ من التَّمْثِيل والتشبيه تَنْبِيه قد فهمت من الْمِثَال الْمَذْكُور مَا إِلَى العَبْد من الحكم وَالتَّدْبِير وَالْقَضَاء وَالتَّقْدِير وَذَلِكَ أَمر يسير وَإِنَّمَا الخطير مِنْهُ مَا إِلَيْهِ فِي تَدْبِير الرياضيات

стр. 73

والمجاهدات وَتَقْدِير السياسات الَّتِي تُفْضِي إِلَى مصَالح الدّين وَالدُّنْيَا وَبِذَلِك اسْتخْلف الله عباده فِي الأَرْض واستعمرهم فِيهَا لينْظر كَيفَ يعْملُونَ وَإِنَّمَا الْحَظ الديني من مُشَاهدَة هَذَا الْوَصْف لله تَعَالَى أَن يعلم أَن الْأَمر مفروغ مِنْهُ وَلَيْسَ بالأنف وَقد جف الْقَلَم بِمَا هُوَ كَائِن وَأَن الْأَسْبَاب قد تَوَجَّهت إِلَى مسبباتها وانسياقها إِلَيْهَا فِي أحيانها وأجالها حتم وَاجِب فَكل مَا يدْخل فِي الْوُجُود فَإِنَّمَا يدْخل بِالْوُجُوب فَهُوَ وَاجِب أَن يُوجد وَإِن لم يكن وَاجِبا لذاته وَلَكِن وَاجِب بِالْقضَاءِ الأزلي الَّذِي لَا مرد لَهُ فَيعلم أَن الْمَقْدُور كَائِن وَأَن الْهم فضل فَيكون العَبْد فِي رزقه مُجملا فِي الطّلب مطمئن النَّفس سَاكن الجأش غير مُضْطَرب الْقلب فَإِن قلت فَيلْزم مِنْهُ إشْكَالَانِ أَحدهمَا أَن الْهم كَيفَ يكون فضلا وَهُوَ أَيْضا مَقْدُور لِأَنَّهُ قدر لَهُ سَبَب إِذا جرى سَببه كَانَ حُصُول الْهم وَاجِبا وَالثَّانِي أَن الْأَمر إِذا كَانَ مفروغا مِنْهُ فَفِيمَ الْعَمَل وَقد فرغ هُوَ عَن سَبَب السَّعَادَة والشقاوة فَالْجَوَاب عَن الأول أَن قَوْلهم الْمَقْدُور كَائِن والهم فضل لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه فضل على الْمَقْدُور خَارج عَنهُ بل أَنه فضل أَي لَغْو لَا فَائِدَة فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يدْفع الْمَقْدُور وَلِأَن سَبَب الْهم بِمَا يتَوَقَّع كَونه هُوَ الْجَهْل الْمَحْض لِأَن ذَلِك إِن قدر كَونه فالحذر والهم لَا يَدْفَعهُ وَهُوَ استعجال نوع من الْأَلَم خوفًا من وُقُوع الْأَلَم وَإِن لم يقدر كَونه فَلَا معنى للهم بِهِ فبهذين الْوَجْهَيْنِ كَانَ الْهم فضلا وَأما الْعَمَل فَجَوَابه قَوْله ﷺ اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ

стр. 74

وَمَعْنَاهُ أَن من قدرت لَهُ السَّعَادَة قدرت بِسَبَب فيتيسر لَهُ أَسبَابهَا وَهُوَ الطَّاعَة وَمن قدرت لَهُ الشقاوة وَالْعِيَاذ بِاللَّه قدرت بِسَبَب وَهُوَ بطالته عَن مُبَاشرَة أَسبَابهَا وَقد يكون سَبَب بطالته أَن يسْتَقرّ فِي خاطره إِنِّي إِن كنت سعيدا فَلَا أحتاج إِلَى الْعَمَل وَإِن كنت شقيا فَلَا يَنْفَعنِي الْعَمَل وَهَذَا جهل فَإِنَّهُ لَا يدْرِي أَنه إِن كَانَ سعيدا فَإِنَّمَا يكون سعيدا لِأَنَّهُ يجْرِي عَلَيْهِ أَسبَاب السَّعَادَة من الْعلم وَالْعَمَل وَإِن لم يَتَيَسَّر لَهُ ذَلِك وَلم يجر عَلَيْهِ فَهُوَ أَمارَة شقاوته ومثاله الَّذِي يتَمَنَّى أَن يكون فَقِيها بَالغا دَرَجَة الْإِمَامَة فَيُقَال لَهُ اجْتهد وَتعلم وواظب فَيَقُول إِن قضى الله لي فِي الْأَزَل بِالْإِمَامَةِ فَلَا أحتاج إِلَى الْجهد وَإِن قضى لي بِالْجَهْلِ فَلَا يَنْفَعنِي الْجهد فَيُقَال لَهُ إِن سلط عَلَيْك هَذَا الخاطر فَهَذَا يدل على أَنه قضى لَك بِالْجَهْلِ فَإِن من قضى لَهُ فِي الْأَزَل بِالْإِمَامَةِ فَإِنَّمَا يَقْضِيهَا بأسبابها فَيجْرِي عَلَيْهِ الْأَسْبَاب ويستعمله بهَا وَيدْفَع عَنهُ الخواطر الَّتِي تَدعُوهُ إِلَى الكسل والبطالة بل الَّذِي لَا يجْتَهد لَا ينَال دَرَجَة الْإِمَامَة قطعا وَالَّذِي يجْتَهد ويتيسر لَهُ أَسبَابهَا يصدق رجاؤه فِي بُلُوغهَا إِن استقام على جهده إِلَى آخر أمره وَلم يستقبله عائق يقطع عَلَيْهِ الطَّرِيق فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن يفهم أَن السَّعَادَة لَا ينالها إِلَّا من أَتَى الله بقلب سليم وسلامة الْقلب صفة تكتسب بالسعي كفقه النَّفس وَصفَة الْإِمَامَة من غير فرق نعم الْعباد فِي مُشَاهدَة الحكم على دَرَجَات فَمن نَاظر إِلَى الخاتمة أَنه بِمَاذَا يخْتم لَهُ وَمن نَاظر إِلَى السَّابِقَة أَنه بِمَا قضى لَهُ فِي الْأَزَل وَهُوَ أَعلَى لِأَن الخاتمة تبع السَّابِقَة وَمن تَارِك للماضي والمستقبل هُوَ ابْن وقته فَهُوَ نَاظر إِلَيْهِ رَاض بمواقع قدر الله وَمَا يظْهر مِنْهُ وَهُوَ أَعلَى مِمَّا قبله وَمن تَارِك للْحَال والماضي والمستقبل مُسْتَغْرق الْقلب بالحكم ملازم فِي الشُّهُود وَهَذِه هِيَ الدرجَة الْعليا

стр. 75

الْعدْل مَعْنَاهُ الْعَادِل وَهُوَ الَّذِي يصدر مِنْهُ فعل الْعدْل المضاد للجور وَالظُّلم وَلنْ يعرف الْعَادِل من لم يعرف عدله وَلَا يعرف عدله من لم يعرف فعله فَمن أَرَادَ أَن يفهم هَذَا الْوَصْف فَيَنْبَغِي أَن يُحِيط علما بِأَفْعَال الله تَعَالَى من ملكوت السَّمَوَات إِلَى مُنْتَهى الثرى حَتَّى إِذا لم ير فِي خلق الرَّحْمَن من تفَاوت ثمَّ رَجَعَ الْبَصَر فَمَا رأى من فطور ثمَّ رَجَعَ مرّة أُخْرَى فَانْقَلَبَ إِلَيْهِ الْبَصَر خاسئا وَهُوَ حسير وَقد بهره جمال الحضرة الربوبية وحيره اعتدالها وانتظامها فَعِنْدَ ذَلِك يعبق بفهمه شَيْء من مَعَاني عدله تَعَالَى وتقدس وَقد خلق أَقسَام الموجودات جسمانيها وروحانيها كاملها وناقصها وَأعْطى كل شَيْء خلقه وَهُوَ بذلك جواد ورتبها فِي موَاضعهَا اللائقة بهَا وَهُوَ بذلك عدل فَمن الْأَجْسَام الْعِظَام فِي الْعَالم الأَرْض وَالْمَاء والهواء وَالسَّمَوَات وَالْكَوَاكِب وَقد خلقهَا ورتبها فَوضع الأَرْض فِي أَسْفَل السافلين وَجعل المَاء فَوْقهَا والهواء فَوق المَاء وَالسَّمَوَات فَوق الْهَوَاء وَلَو عكس هَذَا التَّرْتِيب لبطل النظام وَلَعَلَّ شرح وَجه اسْتِحْقَاق هَذَا التَّرْتِيب فِي الْعدْل والنظام مِمَّا يصعب على أَكثر الأفهام فلننزل إِلَى دَرَجَة الْعَوام ونقول لينْظر الْإِنْسَان إِلَى بدنه فَإِنَّهُ مركب من أَعْضَاء مُخْتَلفَة كَمَا أَن الْعَالم مركب من أجسام مُخْتَلفَة فَأول اختلافه أَنه رَكبه من الْعظم وَاللَّحم وَالْجَلد وَجعل الْعظم عمادا مستبطنا وَاللَّحم صوانا لَهُ مكتنفا إِيَّاه وَالْجَلد صوانا للحم فَلَو عكس هَذَا التَّرْتِيب وَأظْهر مَا أبطن لبطل النظام وَإِن خَفِي عَلَيْك هَذَا فقد خلق للْإنْسَان أَعْضَاء مُخْتَلفَة مثل الْيَد وَالرجل وَالْعين وَالْأنف وَالْأُذن فَهُوَ بِخلق هَذِه الْأَعْضَاء جواد وبوضعها موَاضعهَا الْخَاصَّة عدل لِأَنَّهُ وضع الْعين فِي أولى الْمَوَاضِع بهَا من الْبدن إِذْ لَو خلقهَا على الْقَفَا أَو على الرجل أَو على الْيَد أَو على قمة الرَّأْس لم يخف مَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ من

стр. 76

النُّقْصَان والتعرض للآفات وَكَذَلِكَ علق الْيَدَيْنِ من الْمَنْكِبَيْنِ وَلَو علقهما من الرَّأْس أَو من الحقو أَو من الرُّكْبَتَيْنِ لم يخف مَا يتَوَلَّد مِنْهُ من الْخلَل وَكَذَلِكَ وضع جَمِيع الْحَواس فِي الرَّأْس فَإِنَّهَا جواسيس لتَكون مشرفة على جَمِيع الْبدن فَلَو وَضعهَا فِي الرجل اخْتَلَّ نظامها قطعا وَشرح ذَلِك فِي كل عُضْو يطول وَبِالْجُمْلَةِ فَيَنْبَغِي أَن تعلم أَنه لم يخلق شَيْء فِي مَوضِع إِلَّا لِأَنَّهُ مُتَعَيّن لَهُ وَلَو تيامن عَنهُ أَو تياسر أَو تسفل أَو تعلى لَكَانَ نَاقِصا أَو بَاطِلا أَو قبيحا أَو خَارِجا عَن المتناسب كريها فِي المنظر وكما أَن الْأنف خلق على وسط الْوَجْه وَلَو خلق على الْجَبْهَة أَو على الخد لتطرق نُقْصَان إِلَى فَوَائده وَإِذا قوي فهمك على إِدْرَاك حكمته فَاعْلَم أَن الشَّمْس أَيْضا لم يخلقها فِي السَّمَاء الرَّابِعَة وَهِي وَاسِطَة السَّمَوَات السَّبع هزلا بل مَا خلقهَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا وَضعهَا إِلَّا موضعهَا الْمُسْتَحق لَهَا لحُصُول مقاصده مِنْهَا إِلَّا أَنَّك رُبمَا تعجز عَن دَرك الْحِكْمَة فِيهِ لِأَنَّك قَلِيل التفكر فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وعجائبها وَلَو نظرت فِيهَا لرأيت من عجائبها مَا تستحقر فِيهِ عجائب بدنك وَكَيف لَا وَخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض أكبر من خلق النَّاس وليتك وفيت بِمَعْرِِفَة عجائب نَفسك وتفرغت للتأمل فِيهَا وَفِيمَا يكتنفها من الْأَجْسَام فَتكون مِمَّن قَالَ الله فيهم سنريهم آيَاتنَا فِي الْآفَاق وَفِي أنفسهم ٤١ سُورَة فصلت الْآيَة ٥٣ وَمن أَيْن لَك أَن تكون مِمَّن قَالَ فيهم وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيم ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض ٦ سُورَة الْأَنْعَام الْآيَة ٧٥ وأنى تفتح أَبْوَاب السَّمَاء لمن استغرقه هم الدُّنْيَا واستعبده الْحِرْص والهوى فَهَذَا هُوَ الرَّمْز إِلَى تفهيم مبدأ الطَّرِيق إِلَى معرفَة هَذَا الِاسْم الْوَاحِد وَشَرحه يفْتَقر إِلَى مجلدات وَكَذَا شرح معنى كل اسْم من الْأَسَامِي فَإِن الْأَسَامِي المشتقة من الْأَفْعَال لَا تفهم إِلَّا بعد فهم الْأَفْعَال وكل مَا فِي الْوُجُود من أَفعَال الله تَعَالَى

стр. 77

وَمن لم يحط علما بتفاصيلها وَلَا بجملتها فَلَا يكون مَعَه مِنْهَا إِلَّا مَحْض التَّفْسِير واللغة وَلَا مطمع فِي الْعلم بتفصيلها فَإِنَّهُ لَا نِهَايَة لَهُ وَأما الْجُمْلَة فللعبد طَرِيق إِلَى مَعْرفَتهَا وبقدر اتساع مَعْرفَته فِيهَا يكون حَظه من معرفَة الْأَسْمَاء وَذَلِكَ يسْتَغْرق الْعُلُوم كلهَا وَإِنَّمَا غَايَة مثل هَذَا الْكتاب الْإِيمَاء إِلَى مفاتحها ومعاقد جملها فَقَط تَنْبِيه حَظّ العَبْد من الْعدْل لَا يخفى فَأول مَا عَلَيْهِ من الْعدْل فِي صِفَات نَفسه وَهُوَ أَن يَجْعَل الشَّهْوَة وَالْغَضَب أسيرين تَحت إِشَارَة الْعقل وَالدّين وَمهما جعل الْعقل خَادِمًا للشهوة وَالْغَضَب فقد ظلم هَذَا جملَة عدله فِي نَفسه وتفصيله مُرَاعَاة حُدُود الشَّرْع كلهَا وعدله فِي كل عُضْو أَن يَسْتَعْمِلهُ على الْوَجْه الَّذِي أذن الشَّرْع فِيهِ وَأما عدله فِي أَهله وَذَوِيهِ ثمَّ فِي رَعيته إِن كَانَ من أهل الْولَايَة فَلَا يخفى وَرُبمَا يظنّ أَن الظُّلم هُوَ الْإِيذَاء وَالْعدْل هُوَ إِيصَال النَّفْع إِلَى النَّاس وَلَيْسَ كَذَلِك بل لَو فتح الْملك خزانته الْمُشْتَملَة على الأسلحة والكتب وفنون الْأَمْوَال وَلَكِن فرق الْأَمْوَال على الْأَغْنِيَاء ووهب الأسلحة للْعُلَمَاء وَسلم إِلَيْهِم القلاع ووهب الْكتب للأجناد وَأهل الْقِتَال وَسلم إِلَيْهِم الْمَسَاجِد والمدارس فقد نفع وَلكنه قد ظلم وَعدل عَن الْعدْل إِذْ وضع كل شَيْء فِي غير مَوْضِعه اللَّائِق بِهِ وَلَو آذَى المرضى بسقي الْأَدْوِيَة والفصد والحجامة وبالإجبار على ذَلِك وآذى الجناة بالعقوبة قتلا وقطعا وَضَربا كَانَ عدلا لِأَنَّهُ وَضعهَا فِي موَاضعهَا وحظ العَبْد دينا من مُشَاهدَة هَذَا الْوَصْف الْإِيمَان بِأَن الله عدل أَن لَا يعْتَرض عَلَيْهِ فِي تَدْبيره وَحكمه وَسَائِر أَفعاله وَافق مُرَاده أَو لم

стр. 78

يُوَافق لِأَن كل ذَلِك عدل وَهُوَ كَمَا يَنْبَغِي وعَلى مَا يَنْبَغِي وَلَو لم يفعل مَا فعله لحصل مِنْهُ أَمر آخر هُوَ أعظم ضَرَرا مِمَّا حصل كَمَا أَن الْمَرِيض لَو لم يحتجم لتضرر ضَرَرا يزِيد على ألم الْحجامَة وَبِهَذَا يكون الله تَعَالَى عدلا وَالْإِيمَان بِهِ يقطع الْإِنْكَار والاعتراض ظَاهرا وَبَاطنا وَتَمَامه أَن لَا يسب الدَّهْر وَلَا ينْسب الْأَشْيَاء إِلَى الْفلك وَلَا يعْتَرض عَلَيْهِ كَمَا جرت بِهِ الْعَادة بل يعلم أَن كل ذَلِك أَسبَاب مسخرة وَأَنَّهَا رتبت ووجهت إِلَى المسببات أحسن تَرْتِيب وتوجيه بأقصى وُجُوه الْعدْل واللطف اللَّطِيف إِنَّمَا يسْتَحق هَذَا الِاسْم من يعلم دقائق الْمصَالح وغوامضها وَمَا دق مِنْهَا وَمَا لطف ثمَّ يسْلك فِي إيصالها إِلَى المستصلح سَبِيل الرِّفْق دون العنف فَإِذا اجْتمع الرِّفْق فِي الْفِعْل واللطف فِي الْإِدْرَاك تمّ معنى اللطف وَلَا يتَصَوَّر كَمَال ذَلِك فِي الْعلم وَالْفِعْل إِلَّا لله فَأَما إحاطته بالدقائق والخفايا فَلَا يُمكن تَفْصِيل ذَلِك بل الْخَفي مَكْشُوف فِي علمه كالجلي من غير فرق وَأما رفقه فِي الْأَفْعَال ولطفه فِيهَا فَلَا يدْخل أَيْضا تَحت الْحصْر إِذْ لَا يعرف اللطف فِي الْفِعْل إِلَّا من عرف تفاصيل أَفعاله وَعرف دقائق الرِّفْق فِيهَا وبقدر اتساع الْمعرفَة فِيهَا تتسع الْمعرفَة لِمَعْنى اسْم اللَّطِيف وَشرح ذَلِك يَسْتَدْعِي تَطْوِيلًا ثمَّ لَا يتَصَوَّر أَن يَفِي بِعشر عشيره مجلدات كَثِيرَة وَإِنَّمَا يُمكن التَّنْبِيه على بعض جمله فَمن لطفه خلقه الْجَنِين فِي بطن أمه فِي ظلمات ثَلَاث وَحفظه فِيهَا وتغذيته بِوَاسِطَة السُّرَّة إِلَى أَن ينْفَصل فيستقل بالتناول بالفم ثمَّ إلهامه إِيَّاه عِنْد الِانْفِصَال التقام الثدي وامتصاصه وَلَو فِي ظلام اللَّيْل من غير تَعْلِيم ومشاهدة بل يتفقأ الْبَيْضَة عَن الفرخ وَقد ألهمه الْتِقَاط الْحبّ فِي الْحَال ثمَّ تَأْخِير خلق السن عَن أول الْخلقَة إِلَى وَقت الْحَاجة للاستغناء فِي الاغتذاء بِاللَّبنِ

стр. 79

عَن السن ثمَّ إنباته السن بعد ذَلِك عِنْد الْحَاجة إِلَى طحن الطَّعَام ثمَّ تَقْسِيم الْأَسْنَان إِلَى عريضة للطحن وَإِلَى أَنْيَاب للكسر وَإِلَى ثنايا حادة الْأَطْرَاف للْقطع ثمَّ اسْتِعْمَال اللِّسَان الَّذِي الْغَرَض الْأَظْهر مِنْهُ النُّطْق فِي رد الطَّعَام إِلَى المطحن كالمجرفة وَلَو ذكر لطفه فِي تيسير لقْمَة يَتَنَاوَلهَا العَبْد من غير كلفة يتجشمها وَقد تعاون على إصلاحها خلق لَا يُحْصى عَددهمْ من مصلح الأَرْض وزارعها وساقيها وحاصدها ومنقيها وطاحنها وعاجنها وخابزها إِلَى غير ذَلِك لَكَانَ لَا يَسْتَوْفِي شَرحه وعَلى الْجُمْلَة فَهُوَ من حَيْثُ دبر الْأُمُور حكم وَمن حَيْثُ أوجدها جواد وَمن حَيْثُ رتبها مُصَور وَمن حَيْثُ وضع كل شَيْء مَوْضِعه عدل وَمن حَيْثُ لم يتْرك فِيهَا دقائق وُجُوه الرِّفْق لطيف وَلنْ يعرف حَقِيقَة هَذِه الْأَسْمَاء من لم يعرف حَقِيقَة هَذِه الْأَفْعَال وَمن لطفه بعباده أَنه أَعْطَاهُم فَوق الْكِفَايَة وكلفهم دون الطَّاقَة وَمن لطفه أَنه يسر لَهُم الْوُصُول إِلَى سَعَادَة الْأَبَد بسعي خَفِيف فِي مُدَّة قَصِيرَة وَهِي الْعُمر فَإِنَّهُ لَا نِسْبَة لَهَا بِالْإِضَافَة إِلَى الْأَبَد وَمن لطفه إِخْرَاج اللَّبن الصافي من بَين الفرث وَالدَّم وَإِخْرَاج الْجَوَاهِر النفيسة من الْأَحْجَار الصلبة وَإِخْرَاج الْعَسَل من النَّحْل والإبريسم من الدُّود والدر من الصدف وأعجب من ذَلِك خلقه من النُّطْفَة القذرة مستودعا لمعرفته وحاملا لأمانته ومشاهدا لملكوت سمواته وَهَذَا أَيْضا لَا يُمكن إحصاؤه تَنْبِيه حَظّ العَبْد من هَذَا الْوَصْف الرِّفْق بعباد الله والتلطف بهم فِي الدعْوَة إِلَى الله تَعَالَى وَالْهِدَايَة إِلَى سَعَادَة الْآخِرَة من غير إزراء وعنف وَمن

стр. 80

غير تعصب وخصام وَأحسن وُجُوه اللطف فِيهِ الجذب إِلَى قبُول الْحق بالشمائل والسيرة المرضية والأعمال الصَّالِحَة فَإِنَّهَا أوقع وألطف من الْأَلْفَاظ المزينة الْخَبِير هُوَ الَّذِي لَا تعزب عَنهُ الْأَخْبَار الْبَاطِنَة فَلَا يجْرِي فِي الْملك والملكوت شَيْء وَلَا تتحرك ذرة وَلَا تسكن وَلَا تضطرب نفس وَلَا تطمئِن إِلَّا وَيكون عِنْده خَبَرهَا وَهُوَ بِمَعْنى الْعَلِيم وَلَكِن الْعلم إِذا أضيف إِلَى الخفايا الْبَاطِنَة سمي خبْرَة وَيُسمى صَاحبهَا خَبِيرا تَنْبِيه حَظّ العَبْد من ذَلِك أَن يكون خَبِيرا بِمَا يجْرِي فِي عالمه وعالمه قلبه وبدنه والخفايا الَّتِي يَتَّصِف الْقلب بهَا من الْغِشّ والخيانة والتطواف حول العاجلة وإضمار الشَّرّ وَإِظْهَار الْخَيْر والتجمل بِإِظْهَار الْإِخْلَاص مَعَ الإفلاس عَنهُ لَا يعرفهَا إِلَّا ذُو خبْرَة بَالِغَة قد خبر نَفسه ومارسها وَعرف مكْرها وتلبيسها وخدعها فحاذرها وتشمر لمعاداتها وَأخذ الحذر مِنْهَا فَذَلِك من الْعباد جدير بِأَن يُسمى خَبِيرا الْحَلِيم هُوَ الَّذِي يُشَاهد مَعْصِيّة العصاة وَيرى مُخَالفَة الْأَمر ثمَّ لَا يستفزه غضب وَلَا يَعْتَرِيه غيظ وَلَا يحملهُ على المسارعة إِلَى الانتقام مَعَ غَايَة الاقتدار عجلة وطيش كَمَا قَالَ تَعَالَى وَلَو يُؤَاخذ الله النَّاس بظلمهم مَا ترك عَلَيْهَا من دَابَّة ١٦ سُورَة النَّحْل الْآيَة ٦١

стр. 81

تَنْبِيه حَظّ العَبْد من وصف الْحَلِيم ظَاهر فالحلم من محَاسِن خِصَال الْعباد وَذَلِكَ مستغن عَن الشَّرْح والإطناب الْعَظِيم اعْلَم أَن اسْم الْعَظِيم فِي أول الْوَضع إِنَّمَا أطلق على الْأَجْسَام يُقَال هَذَا جسم عَظِيم وَهَذَا الْجِسْم أعظم من ذَلِك الْجِسْم إِذا كَانَ امتداد مساحته فِي الطول وَالْعرض والعمق أَكثر مِنْهُ ثمَّ هُوَ يَنْقَسِم إِلَى عَظِيم يمْلَأ الْعين وَيَأْخُذ مِنْهَا مأخذا وَإِلَى مَا لَا يتَصَوَّر أَن يُحِيط الْبَصَر بِجَمِيعِ أَطْرَافه كالأرض وَالسَّمَاء فَإِن الْفِيل عَظِيم وَلَكِن الْبَصَر قد يُحِيط بأطرافه فَهُوَ عَظِيم بِالْإِضَافَة إِلَى مَا دونه وَأما الأَرْض فَلَا يتَصَوَّر أَن يُحِيط الْبَصَر بأطرافها وَكَذَا السَّمَاء فَذَلِك هُوَ الْعَظِيم الْمُطلق فِي مدركات الْبَصَر فَافْهَم أَن فِي مدركات البصائر أَيْضا تَفَاوتا فَمِنْهَا مَا تحيط الْعُقُول بكنه حَقِيقَته وَمِنْهَا مَا تقصر الْعُقُول عَنهُ وَمَا تقصر الْعُقُول عَنهُ يَنْقَسِم إِلَى مَا يتَصَوَّر أَن يُحِيط بِهِ بعض الْعُقُول وَإِن قصر عَنهُ أَكْثَرهَا وَإِلَى مَا لَا يتَصَوَّر أَن يُحِيط الْعقل أصلا بكنه حَقِيقَته وَذَلِكَ هُوَ الْعَظِيم الْمُطلق الَّذِي جَاوز جَمِيع حُدُود الْعُقُول حَتَّى لَا تتَصَوَّر الْإِحَاطَة بكنهه وَذَلِكَ هُوَ الله تَعَالَى وَقد سبق بَيَان ذَلِك فِي الْفَنّ الأول تَنْبِيه الْعَظِيم من الْعباد الْأَنْبِيَاء وَالْعُلَمَاء الَّذين إِذا عرف الْعَاقِل شَيْئا من صفاتهم امْتَلَأَ بالهيبة صَدره وَصَارَ مُسْتَوفى بالهيبة قلبه حَتَّى لَا يبْقى فِيهِ متسع

стр. 82

فالنبي عَظِيم فِي حق أمته وَالشَّيْخ فِي حق مريده والأستاذ فِي حق تِلْمِيذه إِذْ يقصر عقله عَن الْإِحَاطَة بكنه صِفَاته فَإِن ساواه أَو جاوزه لم يكن عَظِيما بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ وكل عَظِيم يفْرض غير الله فَهُوَ نَاقص وَلَيْسَ بعظيم مُطلق لِأَنَّهُ إِنَّمَا يظْهر بِالْإِضَافَة إِلَى شَيْء دون شَيْء سوى عَظمَة الله تَعَالَى فَإِنَّهُ الْعَظِيم الْمُطلق لَا بطرِيق الْإِضَافَة الغفور بِمَعْنى الْغفار وَلكنه بِشَيْء يُنبئ عَن نوع مُبَالغَة لَا يُنبئ عَنْهَا الْغفار فَإِن الْغفار مُبَالغَة فِي الْمَغْفِرَة بِالْإِضَافَة إِلَى مغْفرَة متكررة مرّة بعد أُخْرَى فالفعال يُنبئ عَن كَثْرَة الْفِعْل والفعول يُنبئ عَن جودته وكماله وشموله فَهُوَ غَفُور بِمَعْنى أَنه تَامّ الْمَغْفِرَة والغفران كاملها حَتَّى يبلغ أقْصَى دَرَجَات الْمَغْفِرَة وَالْكَلَام عَلَيْهِ قد سبق الشكُور هُوَ الَّذِي يجازي بِيَسِير الطَّاعَات كثير الدَّرَجَات وَيُعْطِي بِالْعَمَلِ فِي أَيَّام مَعْدُودَة نعيما فِي الْآخِرَة غير مَحْدُود وَمن جازى الْحَسَنَة بأضعافها يُقَال إِنَّه شكر تِلْكَ الْحَسَنَة وَمن أثنى على المحسن أَيْضا يُقَال إِنَّه شكر فَإِن نظرت إِلَى معنى الزِّيَادَة فِي المجازاة لم يكن الشكُور الْمُطلق إِلَّا الله لِأَن زياداته فِي المجازاة غير محصورة وَلَا محدودة فَإِن نعيم الْجنَّة لَا آخر لَهُ وَالله يَقُول كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أسلفتم فِي الْأَيَّام الخالية ٦٩ سُورَة الحاقة الْآيَة ٢٤ وَإِن نظرت إِلَى معنى الثَّنَاء فثناء كل مثن على فعل غَيره والرب إِذا أثنى على أَعمال عباده فقد أثنى على فعل نَفسه لِأَن أَعْمَالهم من خلقه فَإِن كَانَ الَّذِي أعْطى فَأثْنى شكُورًا فَالَّذِي

стр. 83

أعْطى وَأثْنى على الْمُعْطِي أَحَق بِأَن يكون شكُورًا وثناء الله تَعَالَى على عباده كَقَوْلِه والذاكرين الله كثيرا وَالذَّاكِرَات ٣٣ سُورَة الْأَحْزَاب الْآيَة ٣٥ وَكَقَوْلِه نعم العَبْد إِنَّه أواب ٣٨ سُورَة ص الْآيَة ٣٠ وَمَا يجْرِي مجْرَاه فَكل ذَلِك عَطِيَّة مِنْهُ تَنْبِيه العَبْد يتَصَوَّر أَن يكون شاكرا فِي حق عبد آخر مرّة بالثناء عَلَيْهِ بإحسانه إِلَيْهِ وَأُخْرَى بمجازاته بِأَكْثَرَ مِمَّا صنعه إِلَيْهِ وَذَلِكَ من الْخِصَال الحميدة قَالَ رَسُول الله ﷺ من لم يشْكر النَّاس لم يشْكر الله وَأما شكره لله فَلَا يكون إِلَّا بِنَوْع من الْمجَاز والتوسع فَإِنَّهُ إِن أثنى فثناؤه قَاصِر لِأَنَّهُ لَا يحصي ثَنَاء عَلَيْهِ وَإِن أطَاع فطاعته نعْمَة أُخْرَى من الله عَلَيْهِ بل عين شكره نعْمَة أُخْرَى وَرَاء النِّعْمَة المشكورة وَإِنَّمَا أحسن وُجُوه الشُّكْر لنعم الله أَن لَا يستعملها فِي مَعَاصيه بل فِي طَاعَته وَذَلِكَ أَيْضا بِتَوْفِيق الله وتيسيره فِي كَون العَبْد شاكرا لرَبه وتصور ذَلِك كَلَام دَقِيق ذَكرْنَاهُ فِي كتاب الشُّكْر من كتاب إحْيَاء عُلُوم الدّين فليطلب مِنْهُ فَإِن هَذَا الْكتاب لَا يحْتَملهُ الْعلي هُوَ الَّذِي لَا رُتْبَة فَوق رتبته وَجَمِيع الْمَرَاتِب منحطة عَنهُ وَذَلِكَ لِأَن الْعلي مُشْتَقّ من الْعُلُوّ والعلو مَأْخُوذ من الْعُلُوّ الْمُقَابل للسفل وَذَلِكَ إِمَّا فِي

стр. 84

دَرَجَات محسوسة كالدرج والمراقي وَجَمِيع الْأَجْسَام الْمَوْضُوعَة بَعْضهَا فَوق بعض وَإِمَّا فِي الرتب المعقولة للموجودات الْمرتبَة نوعا من التَّرْتِيب الْعقلِيّ فَكل مَا لَهُ الْفَوْقِيَّة فِي الْمَكَان فَلهُ الْعُلُوّ المكاني وكل مَا لَهُ الْفَوْقِيَّة فِي الرُّتْبَة فَلهُ الْعُلُوّ فِي الرُّتْبَة والتدريجات الْعَقْلِيَّة مفهومة كالتدريجات الحسية وَمِثَال الدَّرَجَات الْعَقْلِيَّة هُوَ التَّفَاوُت الَّذِي بَين السَّبَب والمسبب وَالْعلَّة والمعلول وَالْفَاعِل والقابل والكامل والناقص فَإِذا قدرت شَيْئا فَهُوَ سَبَب لشَيْء ثَان وَذَلِكَ الثَّانِي سَبَب لثالث وَالثَّالِث لرابع إِلَى عشر دَرَجَات مثلا فالعاشر وَاقع فِي الرُّتْبَة الْأَخِيرَة فَهُوَ الْأَسْفَل الْأَدْنَى وَالْأول وَاقع فِي الدرجَة الأولى من السَّبَبِيَّة فَهُوَ الْأَعْلَى وَيكون الأول فَوق الثَّانِي فوقية بِالْمَعْنَى لَا بِالْمَكَانِ والعلو عبارَة عَن الْفَوْقِيَّة فَإِذا فهمت معنى التدريج الْعقلِيّ فَاعْلَم أَن الموجودات لَا يُمكن قسمتهَا إِلَى دَرَجَات مُتَفَاوِتَة فِي الْعقل إِلَّا وَيكون الْحق فِي الدرجَة الْعليا من دَرَجَات أقسامها حَتَّى لَا يتَصَوَّر أَن يكون فَوْقه دَرَجَة وَذَلِكَ هُوَ الْعلي الْمُطلق وكل مَا سواهُ فَيكون عليا بِالْإِضَافَة إِلَى مَا دونه وَيكون دنيا أَو سافلا بِالْإِضَافَة إِلَى مَا فَوْقه وَمِثَال قسْمَة الْعقل أَن الموجودات تَنْقَسِم إِلَى مَا هُوَ سَبَب وَإِلَى مَا هُوَ مسبب وَالسَّبَب فَوق الْمُسَبّب فوقية بالرتبة فالفوقية الْمُطلقَة لَيست إِلَّا لمسبب الْأَسْبَاب وَكَذَلِكَ يَنْقَسِم الْمَوْجُود إِلَى ميت وَحي والحي يَنْقَسِم إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا الْإِدْرَاك الْحسي وَهُوَ الْبَهِيمَة وَإِلَى مَا لَهُ مَعَ الْإِدْرَاك الْحسي الْإِدْرَاك الْعقلِيّ وَالَّذِي لَهُ الْإِدْرَاك الْعقلِيّ يَنْقَسِم إِلَى مَا يُعَارضهُ فِي معلوماته الشَّهْوَة وَالْغَضَب وَهُوَ الْإِنْسَان وَإِلَى مَا يسلم إِدْرَاكه عَن مُعَارضَة المكدرات وَالَّذِي يسلم يَنْقَسِم إِلَى مَا يُمكن أَن يبتلى بِهِ وَلَكِن رزق السَّلامَة كالملائكة وَإِلَى مَا يَسْتَحِيل ذَلِك فِي حَقه وَهُوَ الله وَلَيْسَ يخفى عَلَيْك فِي هَذَا

стр. 85

التَّقْسِيم والتدريج أَن الْملك فَوق الْإِنْسَان وَالْإِنْسَان فَوق الْبَهِيمَة وَأَن الله فَوق الْكل فَهُوَ الْعلي الْمُطلق فَإِنَّهُ الْحَيّ المحيي الْعَالم الْمُطلق الْخَالِق لعلوم الْعلمَاء المنزه الْمُقَدّس عَن جَمِيع أَنْوَاع النَّقْص فقد وَقع الْمَيِّت فِي الدرجَة السُّفْلى من دَرَجَات الْكَمَال وَلم يَقع فِي الطّرف الآخر إِلَّا الله تَعَالَى فَهَكَذَا يَنْبَغِي أَن تفهم فوقيته وعلوه فَإِن هَذِه الْأَسَامِي وضعت أَولا بِالْإِضَافَة إِلَى إِدْرَاك الْبَصَر وَهُوَ دَرَجَة الْعَوام ثمَّ لما تنبه الْخَواص لإدراك البصائر ووجدوا بَينهَا وَبَين الْأَبْصَار موازنات استعاروا مِنْهَا الْأَلْفَاظ الْمُطلقَة وفهمها الْخَواص وأدركوها وأنكرها الْعَوام الَّذين لم يُجَاوز إدراكهم عَن الْحَواس الَّتِي هِيَ رُتْبَة الْبَهَائِم فَلم يفهموا عَظمَة إِلَّا بالمساحة وَلَا علوا إِلَّا بِالْمَكَانِ وَلَا فوقية إِلَّا بِهِ فَإِذا فهمت هَذَا فقد فهمت معنى كَونه فَوق الْعَرْش لِأَن الْعَرْش أعظم الْأَجْسَام وَهُوَ فَوق جَمِيع الْأَجْسَام وَالْمَوْجُود المنزه عَن التَّحْدِيد والتقدر بحدود الْأَجْسَام ومقاديرها فَوق الْأَجْسَام كلهَا فِي الرُّتْبَة وَلَكِن خص الْعَرْش بِالذكر لِأَنَّهُ فَوق جَمِيع الْأَجْسَام فَلَمَّا كَانَ فَوْقهَا كَانَ فَوق جَمِيعهَا وَهُوَ كَقَوْل الْقَائِل الْخَلِيفَة فَوق السُّلْطَان تَنْبِيها بِهِ على أَنه إِذا كَانَ فَوْقه كَانَ فَوق جَمِيع النَّاس الَّذين هم دون السُّلْطَان وَالْعجب من الحشوي الَّذِي لَا يفهم من فَوق إِلَّا الْمَكَان وَمَعَ ذَلِك إِذا سُئِلَ عَن شَخْصَيْنِ من الأكابر وَقيل لَهُ كَيفَ يجلسان فِي الصَّدْر والمحافل فَيَقُول هَذَا يجلس فَوق ذَاك وَهُوَ يعلم أَنه لَيْسَ يجلس إِلَّا بجنبه وَإِنَّمَا يكون جَالِسا فَوْقه لَو جلس على رَأسه أَو مَكَان مَبْنِيّ فَوق رَأسه وَلَو قيل لَهُ كذبت مَا جلس فَوْقه وَلَا تَحْتَهُ وَلكنه جلس بجنبه اشمأزت نَفسه من هَذَا الْإِنْكَار وَقَالَ إِنَّمَا أَعنِي بِهِ فوقية الرُّتْبَة والقرب من الصَّدْر فَإِن الْأَقْرَب إِلَى الصَّدْر الَّذِي هُوَ الْمُنْتَهى فَوق بِالْإِضَافَة إِلَى الْأَبْعَد ثمَّ لَا يفهم من هَذَا أَن كل تَرْتِيب لَهُ

стр. 86

طرفان يجوز أَن يُطلق على أحد طَرفَيْهِ اسْم الفوق والعلو وعَلى الطّرف الآخر مَا يُقَابله تَنْبِيه العَبْد لَا يتَصَوَّر أَن يكون عليا مُطلقًا إِذْ لَا ينَال دَرَجَة إِلَّا وَيكون فِي الْوُجُود مَا هُوَ فَوْقهَا وَهُوَ دَرَجَات الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة نعم يتَصَوَّر أَن ينَال دَرَجَة لَا يكون فِي جنس الْإِنْس من يفوقه وَهِي دَرَجَة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ وَلكنه قَاصِر بِالْإِضَافَة إِلَى الْعُلُوّ الْمُطلق من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه علو بِالْإِضَافَة إِلَى بعض الموجودات وَالْآخر أَنه علو بِالْإِضَافَة إِلَى الْوُجُود لَا بطرِيق الْوُجُوب بل يقارنه إِمْكَان وجود إِنْسَان فَوْقه فالعلي الْمُطلق هُوَ الَّذِي لَهُ الْفَوْقِيَّة لَا بِالْإِضَافَة وبحسب الْوُجُوب لَا بِحَسب الْوُجُود الَّذِي يقارنه إِمْكَان نقيضه الْكَبِير هُوَ ذُو الْكِبْرِيَاء والكبرياء عبارَة عَن كَمَال الذَّات وأعني بِكَمَال الذَّات كَمَال الْوُجُود وَكَمَال الْوُجُود يرجع إِلَى شَيْئَيْنِ أَحدهمَا دَوَامه أزلا وأبدا فَكل وجود مَقْطُوع بِعَدَمِ سَابق أَو لَاحق فَهُوَ نَاقص وَلذَلِك يُقَال للْإنْسَان إِذا طَالَتْ مُدَّة وجوده إِنَّه كَبِير أَي كَبِير السن طَوِيل مُدَّة الْبَقَاء وَلَا يُقَال عَظِيم السن فالكبير يسْتَعْمل فِيمَا لَا يسْتَعْمل فِيهِ الْعَظِيم فَإِن كَانَ مَا طَال مُدَّة وجوده مَعَ كَونه مَحْدُود مُدَّة الْبَقَاء كَبِيرا فالدائم الأزلي الأبدي الَّذِي يَسْتَحِيل عَلَيْهِ الْعَدَم أولى أَن يكون كَبِيرا وَالثَّانِي أَن وجوده هُوَ الْوُجُود الَّذِي يصدر عَنهُ وجود كل مَوْجُود فَإِن

стр. 87

كَانَ الَّذِي تمّ وجوده فِي نَفسه كَامِلا وكبيرا فَالَّذِي حصل مِنْهُ الْوُجُود لجَمِيع الموجودات أولى أَن يكون كَامِلا وكبيرا تَنْبِيه الْكَبِير من الْعباد هُوَ الْكَامِل الَّذِي لَا تقتصر عَلَيْهِ صِفَات كَمَاله بل تسري إِلَى غَيره فَلَا يجالسه أحد إِلَّا وَيفِيض عَلَيْهِ شَيْئا من كَمَاله وَكَمَال العَبْد فِي عقله وورعه وَعلمه فالكبير من عباده هُوَ الْعَالم التقي المرشد لِلْخلقِ الصَّالح لِأَن يكون قدوة يقتبس من أنواره وعلومه وَلذَلِك قَالَ عِيسَى ﵇ من علم وَعمل فَذَلِك يدعى عَظِيما فِي ملكوت السَّمَاء الحفيظ هُوَ الْحَافِظ جدا وَلنْ يفهم ذَلِك إِلَّا بعد فهم معنى الْحِفْظ وَهُوَ على وَجْهَيْن أَحدهمَا إدامة وجود الموجودات وإبقاؤها ويضاده الإعدام وَالله تَعَالَى هُوَ الْحَافِظ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْض وَالْمَلَائِكَة والموجودات الَّتِي يطول أمد بَقَائِهَا وَالَّتِي لَا يطول أمد بَقَائِهَا مثل الْحَيَوَانَات والنبات وَغَيرهمَا وَالْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ أظهر الْمَعْنيين أَن الْحِفْظ صِيَانة المتعاديات والمتضادات بَعْضهَا عَن بعض وأعني بِهَذَا التعادي مَا بَين المَاء وَالنَّار فَإِنَّهُمَا يتعاديان بطباعهما فإمَّا أَن يُطْفِئ المَاء النَّار وَإِمَّا أَن تحيل النَّار المَاء إِن غلبت المَاء بخارا ثمَّ هَوَاء والتضاد والتعادي ظَاهر بَين الْحَرَارَة والبرودة إِذْ تقهر إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى وَكَذَلِكَ بَين الرُّطُوبَة واليبوسة وَسَائِر الْأَجْسَام الأرضية مركبة من هَذِه الْأُصُول المتعادية إِذْ لَا بُد للحيوان من حرارة غريزية لَو بطلت لبطلت حَيَاته وَلَا بُد لَهُ من رُطُوبَة تكون غذَاء لبدنه كَالدَّمِ وَمَا يجْرِي مجْرَاه وَلَا بُد

стр. 88

من يبوسة بهَا تتماسك أعضاؤه خُصُوصا مَا صلب مِنْهَا كالعظام وَلَا بُد من برودة تكسر سُورَة الْحَرَارَة حَتَّى تعتدل وَلَا تحرق وَلَا تحلل الرطوبات الْبَاطِنَة بِسُرْعَة وَهَذِه متعاديات متنازعات وَقد جمع الله بَين هَذِه المتضادات المتنازعة فِي إهَاب الْإِنْسَان وبدن الْحَيَوَانَات والنبات وَسَائِر المركبات وَلَوْلَا حفظه تَعَالَى إِيَّاهَا لتنافرت وَتَبَاعَدَتْ وَبَطل امتزاجها واضمحل تركيبها وَبَطل الْمَعْنى الَّذِي صَارَت مستعدة لقبوله بالتركيب والمزاج وَحفظ الله تَعَالَى إِيَّاهَا بتعديل قواها مرّة وبإمداد المغلوب مِنْهَا ثَانِيًا أما التَّعْدِيل فَهُوَ أَن يكون مبلغ قُوَّة الْبَارِد مثل مبلغ قُوَّة الْحَار فَإِذا اجْتمعَا لم يغلب أَحدهمَا الآخر بل يتدافعان إِذْ لَيْسَ أَحدهمَا بِأَن يغلب أولى من أَن يغلب فيتقاومان وَيبقى قوام الْمركب بتقاومهما وتعادلهما وَهُوَ الَّذِي يعبر عَنهُ باعتدال المزاج وَالثَّانِي إمداد المغلوب مِنْهُمَا بِمَا يُعِيد قوته حَتَّى يُقَاوم الْغَالِب ومثاله أَن الْحَرَارَة تفني الرُّطُوبَة وتجففها لَا محَالة فَإِذا غلبت ضعفت الْبُرُودَة والرطوبة وغلبت الْحَرَارَة واليبوسة وَيكون إمداد الضَّعِيف بالجسم الْبَارِد الرطب وَهُوَ المَاء وَمعنى الْعَطش هُوَ الْحَاجة إِلَى الْبَارِد الرطب فخلق الله تَعَالَى الْبَارِد الرطب مدَدا للبرودة والرطوبة إِذا غلبتا وَخلق الْأَطْعِمَة والأدوية وَسَائِر الْجَوَاهِر المتضادة حَتَّى إِذا غلب شَيْء عورض بضده فانقهر وَهَذَا هُوَ الْإِمْدَاد وَإِنَّمَا تمّ ذَلِك بِخلق الْأَطْعِمَة والأدوية وَخلق الْآلَات الْمصلحَة لَهَا وَخلق الْمعرفَة الهادية إِلَى اسْتِعْمَالهَا وكل ذَلِك لحفظ الله أبدان الْحَيَوَانَات والمركبات من المتضادات وَهَذِه هِيَ الْأَسْبَاب الَّتِي تحفظ الْإِنْسَان من الْهَلَاك الدَّاخِل وَهُوَ متعرض

стр. 89

للهلاك من أَسبَاب خَارِجَة كسباع ضارية وأعداء متنازعة فحفظه من ذَلِك بِمَا خلق لَهُ من الجواسيس المنذرة بِقرب الْعَدو وَهِي طلائعه كَالْعَيْنِ وَالْأُذن وَغَيرهمَا ثمَّ خلق لَهُ الْيَد الباطشة والأسلحة الدافعة كالدرع والترس والقاضية كالسيف والسكين ثمَّ رُبمَا يعجز مَعَ ذَلِك عَن الدّفع فأمده بِآلَة الْهَرَب وَهِي الرجل للحيوان الْمَاشِي والجناح للطائر وَكَذَلِكَ شَمل حفظه جلت قدرته كل ذرة فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض حَتَّى الْحَشِيش الَّذِي ينْبت فِي الأَرْض يحفظ لبابه بالقشر الصلب وطراوته بالرطوبة وَمَا لَا يحفظ بِمُجَرَّد القشر يحفظه بالشوك النَّابِت مِنْهُ ليندفع بِهِ بعض الْحَيَوَانَات المتلفة لَهُ فالشوك سلَاح النَّبَات كالقرون والمخالب والأنياب للحيوانات بل كل قَطْرَة من مَاء فمعها ملك حَافظ يحفظها عَن الْهَوَاء المضاد لَهَا فَإِن المَاء إِذا جعل فِي إِنَاء وَترك مُدَّة اسْتَحَالَ هَوَاء وسلب الْهَوَاء المضاد لَهُ صفة المائية عَنهُ وَلَو غمست الإصبع فِي مَاء ورفعتها ونكستها تدلت مِنْهَا قَطْرَة مَاء تبقى منكسة لَا تنفصل مَعَ أَن من شَأْنهَا الْهَوِي إِلَى أَسْفَل وَلكنهَا لَو انفصلت وَهِي صَغِيرَة استولى الْهَوَاء عَلَيْهَا وأحالها وَلَا تزَال تمكث متدلية حَتَّى يجْتَمع إِلَيْهَا بَقِيَّة البلل فتكبر القطرة فتستجري على خرق الْهَوَاء بِسُرْعَة وَلَا يستولي الْهَوَاء على إحالتها وَلَيْسَ ذَلِك حفظا مِنْهَا لنَفسهَا عَن معرفَة بضعفها وَقُوَّة ضدها وحاجة استمدادها من بَقِيَّة البلل وَإِنَّمَا ذَلِك حفظ من ملك مُوكل بهَا بِوَاسِطَة معنى مُتَمَكن من ذَاتهَا وَقد ورد فِي الْخَبَر أَنه لَا تنزل قَطْرَة من الْمَطَر إِلَّا وَمَعَهَا ملك يحفظها إِلَى أَن تصل إِلَى مستقرها من الأَرْض وَذَلِكَ حق والمشاهدة الْبَاطِنَة لأرباب البصائر قد دلّت عَلَيْهِ وأرشدت إِلَيْهِ فآمنوا بالْخبر لَا عَن تَقْلِيد بل عَن بَصِيرَة وَالْكَلَام أَيْضا فِي شرح حفظ الله تَعَالَى السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا طَوِيل

стр. 90

كَمَا فِي سَائِر الْأَفْعَال وَبِه يعرف هَذَا الِاسْم لَا بِمَعْرِِفَة الِاشْتِقَاق فِي اللُّغَة وتوهم معنى الْحِفْظ على الْإِجْمَال تَنْبِيه الحفيظ من الْعباد من يحفظ جوارحه وَقَلبه ويحفظ دينه عَن سطوة الْغَضَب وخلابة الشَّهْوَة وخداع النَّفس وغرور الشَّيْطَان فَإِنَّهُ على شفا جرف هار وَقد اكتنفته هَذِه المهلكات المفضية إِلَى الْبَوَار المقيت مَعْنَاهُ خَالق الأقوات وموصلها إِلَى الْأَبدَان وَهِي الْأَطْعِمَة وَإِلَى الْقُلُوب وَهِي الْمعرفَة فَيكون بِمَعْنى الرَّزَّاق إِلَّا أَنه أخص مِنْهُ إِذْ الرزق يتَنَاوَل الْقُوت وَغير الْقُوت والقوت مَا يكْتَفى بِهِ فِي قوام الْبدن وَإِمَّا أَن يكون مَعْنَاهُ المستولي على الشَّيْء الْقَادِر عَلَيْهِ والاستيلاء يتم بِالْقُدْرَةِ وَالْعلم وَعَلِيهِ يدل قَوْله وَكَانَ الله على كل شَيْء مقيتا ٤ سُورَة النِّسَاء الْآيَة ٨٥ أَي مطلعا قَادِرًا فَيكون مَعْنَاهُ رَاجعا إِلَى الْقُدْرَة وَالْعلم أما الْعلم فقد سبق وَأما الْقُدْرَة فستأتي وَيكون بِهَذَا الْمَعْنى وَصفه بالمقيت أتم من وَصفه بالقادر وَحده وبالعالم وَحده لِأَنَّهُ دَال على اجْتِمَاع الْمَعْنيين وَبِذَلِك يخرج هَذَا الِاسْم عَن الترادف الحسيب هُوَ الْكَافِي وَهُوَ الَّذِي من كَانَ لَهُ كَانَ حَسبه وَالله سُبْحَانَهُ

стр. 91

وَتَعَالَى حسيب كل أحد وكافيه وَهَذَا وصف لَا تتَصَوَّر حَقِيقَته لغيره فَإِن الْكِفَايَة إِنَّمَا يحْتَاج إِلَيْهَا المكفي لوُجُوده ولدوام وجوده ولكمال وجوده وَلَيْسَ فِي الْوُجُود شَيْء هُوَ وَحده كَاف لشَيْء إِلَّا الله فَإِنَّهُ وَحده كَاف لكل شَيْء لَا لبَعض الْأَشْيَاء أَي هُوَ وَحده كَاف ليحصل بِهِ وجود الْأَشْيَاء ويدوم بِهِ وجودهَا ويكمل بِهِ وجودهَا وَلَا تَظنن أَنَّك إِذا احتجت إِلَى طَعَام وشراب وَأَرْض وسماء وشمس وَغير ذَلِك فقد احتجت إِلَى غَيره وَلم يكن هُوَ حَسبك فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي كَفاك بِخلق الطَّعَام وَالشرَاب وَالْأَرْض وَالسَّمَاء فَهُوَ حَسبك وَلَا تَظنن أَن الطِّفْل الَّذِي يحْتَاج إِلَى أم ترْضِعه وتتعهده فَلَيْسَ الله حسيبه وكافيه بل الله حسيبه وكافيه إِذْ خلق أمه وَخلق اللَّبن فِي ثديها وَخلق لَهُ الْهِدَايَة إِلَى التقامه وَخلق الشَّفَقَة والمودة فِي قلب الْأُم حَتَّى مكنته من الالتقام ودعته إِلَيْهِ وَحَمَلته عَلَيْهِ فالكفاية إِنَّمَا حصلت بِهَذِهِ الْأَسْبَاب وَالله تَعَالَى وَحده هُوَ المتفرد بخلقها لأَجله وَلَو قيل لَك إِن الْأُم وَحدهَا كَافِيَة للطفل وَهِي حَسبه لصدقت بِهِ وَلم تقل إِنَّهَا لَا تكفيه لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى اللَّبن فَمن أَيْن تكفيه الْأُم إِذا لم يكن لبن وَلَكِنَّك تَقول نعم يحْتَاج إِلَى اللَّبن وَلَكِن اللَّبن أَيْضا من الْأُم فَلَيْسَ مُحْتَاجا إِلَى غير الْأُم فَاعْلَم أَن اللَّبن لَيْسَ من الْأُم بل هُوَ وَالأُم من الله وَمن فَضله وجوده فَهُوَ وَحده حسب كل أحد وَلَيْسَ فِي الْوُجُود شَيْء وَحده هُوَ حسب شَيْء سواهُ بل الْأَشْيَاء يتَعَلَّق بَعْضهَا بِبَعْض وَكلهَا تتَعَلَّق بقدرة الله تَنْبِيه لَيْسَ للْعَبد مدْخل فِي هَذَا الْوَصْف إِلَّا بِنَوْع من الْمجَاز بعيد وبالإضافة إِلَى بادئ الرَّأْي وسابق الظَّن الْعَاميّ أما كَونه مجَازًا فَهُوَ أَنه إِن كَانَ كَافِيا لطفله

стр. 92

فِي الْقيام بتعهده أَو لتلميذه فِي تَعْلِيمه حَتَّى لم يفْتَقر إِلَى الِاسْتِعَانَة بِغَيْرِهِ كَانَ وَاسِطَة فِي الْكِفَايَة وَلم يكن كَافِيا لِأَن الله هُوَ الْكَافِي إِذْ لَا قوام لَهُ بِنَفسِهِ وَلَا كِفَايَة لَهُ بِنَفسِهِ فَكيف يكون هُوَ كِفَايَة غَيره وَأما كَونه بِالْإِضَافَة إِلَى سَابق الظَّن هُوَ أَنه وَإِن قدر أَنه مُسْتَقل بالكفاية وَلَيْسَ بِوَاسِطَة فَهُوَ وَحده لَا يَكْفِي إِذْ يحْتَاج إِلَى مَحل قَابل لفعله وكفايته وَهَذَا أقل الْأُمُور فالقلب الَّذِي هُوَ مَحل الْعلم لَا بُد مِنْهُ أَولا ليَكُون هُوَ كَافِيا فِي التَّعْلِيم والمعدة الَّتِي هِيَ مُسْتَقر الطَّعَام لَا بُد مِنْهَا لتَكون كَافِيَة بإيصال الطَّعَام إِلَى بدنه وَهَذَا مَعَ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من أُمُور كَثِيرَة لَا يحصيها وَلَا يدْخل شَيْء مِنْهَا فِي اخْتِيَاره فَأَقل دَرَجَات الْفِعْل حَاجته إِلَى فَاعل وقابل فالفاعل لَا يَكْفِي دون الْقَابِل أصلا وَإِنَّمَا صَحَّ هَذَا فِي حق الله لِأَنَّهُ خَالق الْفِعْل وخالق الْمحل الْقَابِل وخالق شَرَائِط قبُوله وَمَا يكتنفه وَلَكِن بادئ الرَّأْي رُبمَا يسْبق إِلَى الْفَاعِل وَلَا يخْطر بالبال غَيره فيظن أَن الْفَاعِل حَسبه وَحده وَلَيْسَ كَذَلِك نعم الْحَظ الَّذِي مِنْهُ للْعَبد أَن يكون الله وَحده حَسبه بِالْإِضَافَة إِلَى همته وإرادته وَهُوَ أَنه لَا يُرِيد إِلَّا الله فَلَا يُرِيد الْجنَّة وَلَا يشغل قلبه بالنَّار ليحذر مِنْهَا بل يكون مُسْتَغْرق الْهم بِاللَّه تَعَالَى وَحده وَإِذا كاشفه بجلاله قَالَ ذَلِك حسبي فلست أُرِيد غَيره وَلَا أُبَالِي فَاتَنِي غَيره أم لم يفت الْجَلِيل هُوَ الْمَوْصُوف بنعوت الْجلَال ونعوت الْجلَال هِيَ الْعِزّ وَالْملك والتقدس وَالْعلم والغنى وَالْقُدْرَة وَغَيرهَا من الصِّفَات الَّتِي ذَكرنَاهَا فالجامع لجميعها هُوَ الْجَلِيل الْمُطلق والموصوف بِبَعْضِهَا جلالته بِقدر مَا نَالَ من هَذِه النعوت فالجليل الْمُطلق هُوَ الله فَقَط فَكَأَن الْكَبِير يرجع إِلَى كَمَال الذَّات

стр. 93

والجليل إِلَى كَمَال الصِّفَات والعظيم يرجع إِلَى كَمَال الذَّات وَالصِّفَات جَمِيعًا مَنْسُوبا إِلَى إِدْرَاك البصيرة إِذا كَانَ بِحَيْثُ يسْتَغْرق البصيرة وَلَا تستغرقه البصيرة ثمَّ صِفَات الْجلَال إِذا نسبت إِلَى البصيرة المدركة لَهَا سميت جمالا وَسمي المتصف بِهِ جميلا وَاسم الْجَمِيل فِي الأَصْل وضع للصورة الظَّاهِرَة المدركة بالبصر مهما كَانَت بِحَيْثُ تلائم الْبَصَر وتوافقه ثمَّ نقل إِلَى الصُّورَة الْبَاطِنَة الَّتِي تدْرك بالبصائر حَتَّى يُقَال سيرة حَسَنَة جميلَة وَيُقَال خلق جميل وَذَلِكَ يدْرك بالبصائر لَا بالأبصار وَالصُّورَة الْبَاطِنَة إِذا كَانَت كَامِلَة متناسبة جَامِعَة جَمِيع كمالاتها اللائقة بهَا كَمَا يَنْبَغِي وعَلى مَا يَنْبَغِي فَهِيَ جميلَة بِالْإِضَافَة إِلَى البصيرة الْبَاطِنَة المدركة لَهَا وملائمة لَهَا ملاءمة يدْرك صَاحبهَا عِنْد مطالعتها من اللَّذَّة والبهجة والاهتزاز أَكثر مِمَّا يُدْرِكهُ النَّاظر بالبصر الظَّاهِر إِلَى الصُّورَة الجميلة فالجميل الْحق الْمُطلق هُوَ الله فَقَط لِأَن كل مَا فِي الْعَالم من جمال وَكَمَال وبهاء وَحسن فَهُوَ من أنوار ذَاته وآثار صِفَاته وَلَيْسَ فِي الْوُجُود مَوْجُود لَهُ الْكَمَال الْمُطلق الَّذِي لَا مثنوية فِيهِ لَا وجوبا وَلَا إمكانا سواهُ وَلذَلِك يدْرك عارفه والناظر إِلَى جماله من الْبَهْجَة وَالسُّرُور واللذة وَالْغِبْطَة مَا يستحقر مَعَه نعيم الْجنَّة وجمال الصُّورَة المبصرة بل لَا مُنَاسبَة بَين جمال الصُّورَة الظَّاهِرَة وَبَين جمال الْمعَانِي الْبَاطِنَة المدركة بالبصائر وَهَذَا الْمَعْنى كشفنا عَنهُ الغطاء فِي كتاب الْمحبَّة من كتب إحْيَاء عُلُوم الدّين فَإِذا ثَبت أَنه جليل وَجَمِيل فَكل جميل فَهُوَ مَحْبُوب ومعشوق عِنْد مدرك جماله فَلذَلِك كَانَ الله محبوبا وَلَكِن عِنْد العارفين كَمَا تكون الصُّورَة الجميلة الظَّاهِرَة محبوبة وَلَكِن عِنْد المبصرين لَا عِنْد العميان

стр. 94

تَنْبِيه الْجَلِيل الْجَمِيل من الْعباد من حسنت صِفَاته الْبَاطِنَة الَّتِي تستلذها الْقُلُوب البصيرة فَأَما جمال الظَّاهِر فنازل الْقدر الْكَرِيم هُوَ الَّذِي إِذا قدر عَفا وَإِذا وعد وفى وَإِذا أعْطى زَاد على مُنْتَهى الرَّجَاء وَلَا يُبَالِي كم أعْطى وَلمن أعْطى وَإِن رفعت حَاجَة إِلَى غَيره لَا يرضى وَإِذا جفي عَاتب وَمَا استقصى وَلَا يضيع من لَاذَ بِهِ والتجأ ويغنيه عَن الْوَسَائِل والشفعاء فَمن اجْتمع لَهُ جَمِيع ذَلِك لَا بالتكلف فَهُوَ الْكَرِيم الْمُطلق وَذَلِكَ لله فَقَط تَنْبِيه هَذِه الْخِصَال قد يتجمل العَبْد فِي اكتسابها وَلَكِن فِي بعض الْأُمُور وَمَعَ نوع من التَّكَلُّف فَلذَلِك قد يُوصف بالكريم وَلكنه نَاقص بِالْإِضَافَة إِلَى الْكَرِيم الْمُطلق وَكَيف لَا يُوصف بِهِ العَبْد وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تَقولُوا للعنب الْكَرم فَإِن الْكَرم هُوَ الرجل الْمُسلم وَقيل إِنَّمَا وصف شَجَرَة الْعِنَب بِالْكَرمِ لِأَنَّهُ لطيف الشَّجَرَة طيب الثَّمَرَة سهل القطاف قريب المتناول سليم عَن الشوك والأسباب المؤذية بِخِلَاف النّخل الرَّقِيب هُوَ الْعَلِيم الحفيظ فَمن رَاعى الشَّيْء حَتَّى لم يغْفل عَنهُ ولاحظه مُلَاحظَة دائمة لَازِمَة لُزُوما لَو عرفه الْمَمْنُوع عَنهُ لما أقدم عَلَيْهِ سمي رقيبا فَكَأَنَّهُ

стр. 95

يرجع إِلَى الْعلم وَالْحِفْظ وَلَكِن بِاعْتِبَار كَونه لَازِما دَائِما بِالْإِضَافَة إِلَى مَمْنُوع عَنهُ محروس عَن المتناول تَنْبِيه وصف المراقبة للْعَبد إِنَّمَا يحمد إِذا كَانَت مراقبته لرَبه وَقَلبه وَذَلِكَ بِأَن يعلم أَن الله تَعَالَى رقيبه وَشَاهده فِي كل حَال وَيعلم أَن نَفسه عَدو لَهُ وَأَن الشَّيْطَان عَدو لَهُ وأنهما ينتهزان مِنْهُ الفرص حَتَّى يحملانه على الْغَفْلَة والمخالفة فَيَأْخُذ مِنْهُمَا حذره بِأَن يُلَاحظ مكانهما وتلبيسهما ومواضع انبعاثهما حَتَّى يسد عَلَيْهِمَا المنافذ والمجاري فَهَذِهِ مراقبته الْمُجيب هُوَ الَّذِي يُقَال مَسْأَلَة السَّائِلين بالإسعاف وَدُعَاء الداعين بالإجابة وضرورة الْمُضْطَرين بالكفاية بل ينعم قبل النداء ويتفضل قبل الدُّعَاء وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا لله عز وَعلا فَإِنَّهُ يعلم حَاجَة المحتاجين قبل سُؤَالهمْ وَقد علمهَا فِي الْأَزَل فدبر أَسبَاب كِفَايَة الْحَاجَات بِخلق الْأَطْعِمَة والأقوات وتيسير الْأَسْبَاب والآلات الموصلة إِلَى جَمِيع الْمُهِمَّات تَنْبِيه العَبْد يَنْبَغِي أَن يكون مجيبا أَولا لرَبه تَعَالَى فِيمَا أمره وَنَهَاهُ وَفِيمَا نَدبه إِلَيْهِ وَدعَاهُ ثمَّ لِعِبَادِهِ فِيمَا أنعم الله عَلَيْهِ بالاقتدار عَلَيْهِ وَفِي إسعاف كل سَائل بِمَا يسْأَله إِن قدر عَلَيْهِ وَفِي لطف الْجَواب إِن عجز عَنهُ قَالَ الله وَأما السَّائِل فَلَا تنهر ٩٣ سُورَة الضُّحَى الْآيَة

стр. 96

١٠ - وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَو دعيت إِلَى كرَاع لَأَجَبْت وَلَو أهدي إِلَيّ ذِرَاع لقبلت وَكَانَ حُضُوره الدَّعْوَات وقبوله الْهَدَايَا غَايَة الْإِكْرَام والإيجاب مِنْهُ فكم من خسيس متكبر يترفع عَن قبُول كل هَدِيَّة وَلَا يتبذل فِي حُضُور كل دَعْوَة بل يصون جاهه وَكبره وَلَا يُبَالِي بقلب السَّائِل المستدعي وَإِن تأذى بِسَبَبِهِ فَلَا حَظّ لمثله فِي معنى هَذَا الِاسْم الْوَاسِع مُشْتَقّ من السعَة وَالسعَة تُضَاف مرّة إِلَى الْعلم إِذا اتَّسع وأحاط بالمعلومات الْكَثِيرَة وتضاف أُخْرَى إِلَى الْإِحْسَان وَبسط النعم وَكَيف مَا قدر وعَلى أَي شَيْء نزل فالواسع الْمُطلق هُوَ الله لِأَنَّهُ إِن نظر إِلَى علمه فَلَا سَاحل لبحر معلوماته بل تنفد الْبحار لَو كَانَت مدادا لكلماته وَإِن نظر إِلَى إحسانه ونعمه فَلَا نِهَايَة لمقدوراته وكل سَعَة وَإِن عظمت فتنتهي إِلَى طرف وَالَّذِي لَا يَنْتَهِي إِلَى طرف فَهُوَ أَحَق باسم السعَة وَالله هُوَ الْوَاسِع الْمُطلق لِأَن كل وَاسع بِالْإِضَافَة إِلَى مَا هُوَ أوسع مِنْهُ ضيق وكل سَعَة تَنْتَهِي إِلَى طرف فَالزِّيَادَة عَلَيْهِ متصورة وَمَا لَا نِهَايَة لَهُ وَلَا طرف فَلَا يتَصَوَّر عَلَيْهِ زِيَادَة تَنْبِيه سَعَة العَبْد فِي معارفه وأخلاقه فَإِن كثرت علومه فَهُوَ وَاسع بِقدر سَعَة علمه وَإِن اتسعت أخلاقه حَتَّى لم يضيقها خوف الْفقر وغيظ الْحَسَد وَغَلَبَة الْحِرْص وَسَائِر الصِّفَات فَهُوَ وَاسع وكل ذَلِك فَهُوَ إِلَى نِهَايَة وَإِنَّمَا الْوَاسِع الْحق هُوَ الله تَعَالَى

стр. 97

الْحَكِيم ذُو الْحِكْمَة وَالْحكمَة عبارَة عَن معرفَة أفضل الْأَشْيَاء بِأَفْضَل الْعُلُوم وَأجل الْأَشْيَاء هُوَ الله سُبْحَانَهُ وَقد سبق أَنه لَا يعرف كنه مَعْرفَته غَيره فَهُوَ الْحَكِيم الْحق لِأَنَّهُ يعلم أجل الْأَشْيَاء بِأَجل الْعُلُوم إِذْ أجل الْعُلُوم هُوَ الْعلم الأزلي الدَّائِم الَّذِي لَا يتَصَوَّر زَوَاله المطابق للمعلوم مُطَابقَة لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ خَفَاء وَلَا شُبْهَة وَلَا يَتَّصِف بذلك إِلَّا علم الله وَقد يُقَال لمن يحسن دقائق الصناعات ويحكمها ويتقن صنعتها حَكِيم وَكَمَال ذَلِك أَيْضا لَيْسَ إِلَّا لله تَعَالَى فَهُوَ الْحَكِيم الْحق تَنْبِيه من عرف جَمِيع الْأَشْيَاء وَلم يعرف الله لم يسْتَحق أَن يُسمى حكيما لِأَنَّهُ لم يعرف أجل الْأَشْيَاء وأفضلها وَالْحكمَة أجل الْعُلُوم وجلالة الْعلم بِقدر جلالة الْمَعْلُوم وَلَا أجل من الله وَمن عرف الله تَعَالَى فَهُوَ حَكِيم وَإِن كَانَ ضَعِيف الفطنة فِي سَائِر الْعُلُوم الرسمية كليل اللِّسَان قَاصِر الْبَيَان فِيهَا إِلَّا أَن نِسْبَة حِكْمَة العَبْد إِلَى حِكْمَة الله تَعَالَى كنسبة مَعْرفَته بِهِ إِلَى مَعْرفَته بِذَاتِهِ وشتان بَين المعرفتين فشتان بَين الحكمتين وَلكنه مَعَ بعده عَنهُ فَهُوَ أنفس المعارف وأكثرها خيرا وَمن أُوتِيَ الْحِكْمَة فقد أُوتِيَ خيرا كثيرا نعم من عرف الله كَانَ كَلَامه مُخَالفا لكَلَام غَيره فَإِنَّهُ قَلما يتَعَرَّض للجزئيات بل يكون كَلَامه كليا وَلَا يتَعَرَّض لمصَالح العاجلة بل يتَعَرَّض لما ينفع فِي الْعَاقِبَة وَلما كَانَ ذَلِك أظهر عِنْد النَّاس من أَحْوَال الْحَكِيم من مَعْرفَته بِاللَّه رُبمَا أطلق النَّاس اسْم الْحِكْمَة على مثل تِلْكَ الْكَلِمَات الْكُلية وَيُقَال للناطق بهَا حَكِيم

стр. 98

وَذَلِكَ مثل قَول سيد الْبشر صَلَاة الرَّحْمَن وَسَلَامه عَلَيْهِ رَأس الْحِكْمَة مَخَافَة الله وَقَوله ﷺ الْكيس من دَان نَفسه وَعمل لما بعد الْمَوْت وَالْعَاجِز من أتبع نَفسه هَواهَا وَتمنى على الله وَقَوله ﵊ مَا قل وَكفى خيرا مِمَّا كثر وألهى وَقَوله ﷺ من أصبح معافى فِي بدنه آمنا فِي سربه عِنْده قوت يَوْمه فَكَأَنَّمَا حيزت لَهُ الدُّنْيَا بحذافيرها وَقَوله عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة كن ورعا تكن أعبد النَّاس وَكن قنعا تكن أشكر النَّاس وَقَوله الْبلَاء مُوكل بالْمَنْطق وَقَوله من حسن إِسْلَام الْمَرْء تَركه مَا لَا يعنيه وَقَوله السعيد من وعظ بِغَيْرِهِ وَقَوله الصمت حِكْمَة وَقَلِيل فَاعله وَقَوله القناعة مَال لَا ينْفد وَقَوله الصَّبْر نصف الْإِيمَان وَالْيَقِين الْإِيمَان كُله فَهَذِهِ

стр. 99

الْكَلِمَات وأمثالها تسمى حِكْمَة وصاحبها يُسمى حكيما الْوَدُود هُوَ الَّذِي يحب الْخَيْر لجَمِيع الْخلق فَيحسن إِلَيْهِم ويثني عَلَيْهِم وَهُوَ قريب من معنى الرَّحِيم لَكِن الرَّحْمَة إِضَافَة إِلَى مَرْحُوم والمرحوم هُوَ الْمُحْتَاج والمضطر وأفعال الرَّحِيم تستدعي مرحوما ضَعِيفا وأفعال الْوَدُود لَا تستدعي ذَلِك بل الإنعام على سَبِيل الِابْتِدَاء من نتائج الود وكما أَن معنى رَحمته إِرَادَته الْخَيْر للمرحوم وكفايته لَهُ وَهُوَ منزه عَن رقة الرَّحْمَة فَكَذَلِك وده إِرَادَته الْكَرَامَة وَالنعْمَة وإحسانه وإنعامه وَهُوَ منزه عَن ميل الْمَوَدَّة وَالرَّحْمَة لَكِن الْمَوَدَّة وَالرَّحْمَة لَا ترَاد فِي حق المرحوم والمودود إِلَّا لثمرتهما وفائدتهما لَا للرقة والميل فالفائدة هِيَ لباب الرَّحْمَة والمودة وروحهما وَذَلِكَ هُوَ المتصور فِي حق الله دون مَا هُوَ مُقَارن لَهما وَغير مَشْرُوط فِي الإفادة تَنْبِيه الْوَدُود من عباد الله من يُرِيد لخلق الله كل مَا يُريدهُ لنَفسِهِ وَأَعْلَى من ذَلِك من يؤثرهم على نَفسه كمن قَالَ مِنْهُم أُرِيد أَن أكون جِسْرًا على النَّار يعبر عَليّ الْخلق وَلَا يتأذون بهَا وَكَمَال ذَلِك أَن لَا يمنعهُ عَن الإيثار وَالْإِحْسَان الْغَضَب والحقد وَمَا ناله من الْأَذَى كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ حَيْثُ كسرت رباعيته وأدمي وَجهه وَضرب اللَّهُمَّ اغْفِر لقومي فَإِنَّهُم لَا يعلمُونَ فَلم يمنعهُ سوء صنيعهم عَن إِرَادَته الْخَيْر لَهُم وكما أَمر ﷺ عليا ﵁ حَيْثُ

стр. 100

قَالَ إِن أردْت أَن تسبق المقربين فصل من قَطعك وَأعْطِ من حَرمك واعف عَمَّن ظلمك الْمجِيد هُوَ الشريف ذَاته الْجَمِيل أَفعاله الجزيل عطاؤه ونوله فَكَأَن شرف الذَّات إِذا قارنه حسن الفعال سمي مجدا وَهُوَ الْمَاجِد أَيْضا وَلَكِن أَحدهمَا أدل على الْمُبَالغَة وَكَأَنَّهُ يجمع مَعَاني اسْم الْجَلِيل والوهاب والكريم وَقد سبق الْكَلَام فِيهَا الْبَاعِث هُوَ الَّذِي يحيي الْخلق يَوْم النشور وَيبْعَث من فِي الْقُبُور وَيحصل مَا فِي الصُّدُور والبعث هُوَ النشأة الْآخِرَة وَمَعْرِفَة هَذَا الِاسْم مَوْقُوفَة على معرفَة حَقِيقَة الْبَعْث وَذَلِكَ من أغمض المعارف وَأكْثر الْخلق مِنْهُ على توهمات مجملة وتخيلات مُبْهمَة وغايتهم فِيهِ تخيلهم أَن الْمَوْت عدم والبعث إِيجَاد مُبْتَدأ بعد عدم مثل الإيجاد الأول فظنهم أَن الْمَوْت عدم غلط وظنهم أَن الإيجاد الثَّانِي مثل الإيجاد الأول غلط فَأَما ظنهم أَن الْمَوْت عدم فَهُوَ بَاطِل بل الْقَبْر إِمَّا حُفْرَة من حفر النيرَان أَو رَوْضَة من رياض الْجنَّة وَالْمَيِّت إِمَّا من السُّعَدَاء وَأُولَئِكَ لَيْسُوا أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ فرحين بِمَا آتَاهُم الله من فَضله ٣ سُورَة آل عمرَان الْآيَة ١٦٩ و ١٧٠ وَإِمَّا من الأشقياء وهم أَيْضا أَحيَاء وَلذَلِك ناداهم رَسُول الله ﷺ فِي وقْعَة بدر وَقَالَ إِنِّي وجدت مَا وَعَدَني رَبِّي

стр. 101

حَقًا فَهَل وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا ثمَّ لما قيل لَهُ كَيفَ تنادي قوما قد جيفوا قَالَ مَا أَنْتُم بأسمع لما أَقُول مِنْهُم لكِنهمْ لَا يقدرُونَ أَن يجيبوا والمشاهدة الْبَاطِنَة دلّت أَرْبَاب البصائر على أَن الْإِنْسَان خلق لِلْأَبَد وَأَنه لَا سَبِيل عَلَيْهِ للعدم نعم تَارَة يقطع تصرفه عَن الْجَسَد فَيُقَال مَاتَ وَتارَة يُعَاد إِلَيْهِ فَيُقَال أحيي وَبعث أَي أحيي جسده وكشف ذَلِك بِالْحَقِيقَةِ مِمَّا لَا يحْتَملهُ هَذَا الْكتاب وَأما ظنهم أَن الْبَعْث لَيْسَ إيجادا ثَانِيًا وَهُوَ مثل الإيجاد الأول فَغير صَحِيح بل الْبَعْث إنْشَاء آخر لَا يُنَاسب الْإِنْشَاء الأول أصلا وللإنسان نشآت كَثِيرَة وَلَيْسَت هِيَ نشأتين فَقَط وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى وننشئكم فِيمَا لَا تعلمُونَ ٥٦ سُورَة الْوَاقِعَة الْآيَة ٦١ وَلذَلِك قَالَ بعد خلق المضغة والعلقة وَغير ذَلِك ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ ٢٣ سُورَة الْمُؤمنِينَ الْآيَة ١٤ بل النُّطْفَة نشأة من التُّرَاب والعلقة نشأة من النُّطْفَة والمضغة نشأة من الْعلقَة وَالروح نشأة من المضغة ولشرف نشأة الرّوح وجلالته وَكَونه أمرا ربانيا قَالَ عِنْد ذَلِك ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ ٢٣ سُورَة الْمُؤْمِنُونَ الْآيَة ١٤ وَقَالَ تَعَالَى ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي ١٧ سُورَة الْإِسْرَاء الْآيَة ٨٥ ثمَّ خلق الإدراكات الحسية بعد خلق أصل الرّوح نشأة أُخْرَى ثمَّ خلق التَّمْيِيز الَّذِي يظْهر بعد سبع سِنِين نشأة أُخْرَى ثمَّ خلق الْعقل بعد خمس عشرَة سنة وَمَا يقاربها نشأة أُخْرَى وكل نشأة طور وَقد خَلقكُم أطوارا ٧١ سُورَة نوح الْآيَة ١٤ ثمَّ ظُهُور خاصية الْولَايَة لمن رزق تِلْكَ الخاصية نشأة أُخْرَى ثمَّ ظُهُور خاصية النُّبُوَّة بعد نشأة أُخْرَى وَهِي

стр. 102

نوع من الْعَبَث وَالله باعث الرُّسُل كَمَا أَنه الْبَاعِث يَوْم النشور وكما أَنه يعسر على ابْن المهد فهم حَقِيقَة التَّمْيِيز قبل حُصُول التَّمْيِيز ويعسر على الْمُمَيز فهم حَقِيقَة الْعقل وَمَا ينْكَشف فِي طوره من الْعَجَائِب قبل حُصُول الْعقل فَكَذَلِك يعسر فهم طور الْولَايَة والنبوة فِي طور الْعقل فَإِن الْولَايَة طور كَمَال وَرَاء نشأة الْعقل كَمَا أَن الْعقل طور كَمَال وَرَاء نشأة التَّمْيِيز والتمييز طور كَمَال وَرَاء نشأة الْحَواس وكما أَن من طباع النَّاس إِنْكَار مَا لم يبلغوه وَلم ينالوه حَتَّى إِن كل وَاحِد يُنكر مَا لم يُشَاهِدهُ وَلم يحصل لَهُ وَلَا يُؤمن بِمَا غَابَ عَنهُ فَمن طباعهم إِنْكَار الْولَايَة وعجائبها والنبوة وغرائبها بل من طباعهم إِنْكَار النشأة الثَّانِيَة والحياة الْآخِرَة لأَنهم لم يبلغوها بعد وَلَو عرض طور الْعقل وعالمه وَمَا يظْهر فِيهِ من الْعَجَائِب على الْمُمَيز لأنكره وجحده وأحال وجوده فَمن آمن بِشَيْء مِمَّا لم يبلغهُ فقد آمن بِالْغَيْبِ وَذَلِكَ هُوَ مِفْتَاح السعادات وكما أَن طور الْعقل وإدراكاته ونشأته بعيد الْمُنَاسبَة عَن الإدراكات الَّتِي قبله فَكَذَلِك النشأة الْآخِرَة بل أبعد فَلَا يَنْبَغِي أَن تقاس النشأة الْآخِرَة بِالْأولَى وَهَذِه النشآت هِيَ أطوار ذَات وَاحِدَة ومراقيها الَّتِي تصعد فِيهَا إِلَى دَرَجَات الْكَمَال حَتَّى تقرب من الحضرة الَّتِي هِيَ مُنْتَهى كل كَمَال وَتَكون عِنْد الله بَين رد وَقبُول وحجاب ووصول فَإِن قبل رقي إِلَى أَعلَى العليين وَإِلَّا رد إِلَى أَسْفَل السافلين وَالْمَقْصُود أَن لَا مُنَاسبَة بَين النشأتين إِلَّا من حَيْثُ الِاسْم وَمن لم يعرف النشأة والبعث لم يعرف معنى اسْم الْبَاعِث وَشرح ذَلِك يطول فلنتجاوزه

стр. 103

تَنْبِيه حَقِيقَة الْبَعْث ترجع إِلَى إحْيَاء الْمَوْتَى بإنشائهم نشأة أُخْرَى وَالْجهل هُوَ الْمَوْت الْأَكْبَر وَالْعلم هُوَ الْحَيَاة الْأَشْرَف وَقد ذكر الله الْعلم وَالْجهل فِي كِتَابه الْعَزِيز وسماهما حَيَاة وموتا وَمن رقى غَيره من الْجَهْل إِلَى الْمعرفَة فقد أنشأه نشأة أُخْرَى وأحياه حَيَاة طيبَة فَإِن كَانَ للْعَبد مدْخل فِي إِفَادَة الْخلق الْعلم ودعائهم إِلَى الله تَعَالَى فَذَلِك نوع من الْإِحْيَاء وَهِي رُتْبَة الْأَنْبِيَاء وَمن يرثهم من الْعلمَاء الشَّهِيد يرجع مَعْنَاهُ إِلَى الْعَلِيم مَعَ خُصُوص إِضَافَة فَإِن الله عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة والغيب عبارَة عَمَّا بطن وَالشَّهَادَة عَمَّا ظهر وَهُوَ الَّذِي يُشَاهد فَإِذا اعْتبر الْعلم مُطلقًا فَهُوَ الْعَلِيم وَإِذا أضيف إِلَى الْغَيْب والأمور الْبَاطِنَة فَهُوَ الْخَبِير وَإِذا أضيف إِلَى الْأُمُور الظَّاهِرَة فَهُوَ الشَّهِيد وَقد يعْتَبر مَعَ هَذَا أَن يشْهد على الْخلق يَوْم الْقِيَامَة بِمَا علم وَشَاهد مِنْهُم وَالْكَلَام فِي هَذَا الِاسْم يقرب من الْكَلَام فِي الْعَلِيم والخبير فَلَا نعيده الْحق هُوَ فِي مُقَابلَة الْبَاطِل والأشياء قد تستبان بأضدادها وكل مَا يخبر عَنهُ فإمَّا بَاطِل مُطلقًا وَإِمَّا حق مُطلقًا وَإِمَّا حق من وَجه بَاطِل من وَجه فالممتنع بِذَاتِهِ هُوَ الْبَاطِل مُطلقًا وَالْوَاجِب بِذَاتِهِ هُوَ الْحق مُطلقًا والممكن بِذَاتِهِ الْوَاجِب بِغَيْرِهِ هُوَ حق من وَجه بَاطِل من وَجه فَهُوَ من حَيْثُ ذَاته لَا وجود لَهُ فَهُوَ بَاطِل وَهُوَ من جِهَة غَيره مستفيد للوجود فَهُوَ من هَذَا الْوَجْه الَّذِي يَلِي مُفِيد الْوُجُود مَوْجُود فَهُوَ من ذَلِك الْوَجْه حق وَمن جِهَة نَفسه بَاطِل فَلذَلِك قَالَ تَعَالَى كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه ٢٨ سُورَة

стр. 104

الْقَصَص الْآيَة ٨٨ وَهُوَ كَذَلِك أزلا وأبدا لَيْسَ ذَلِك فِي حَال دون حَال لِأَن كل شَيْء سواهُ أزلا وأبدا من حَيْثُ ذَاته لَا يسْتَحق الْوُجُود وَمن جِهَته يسْتَحق فَهُوَ بَاطِل بِذَاتِهِ حق بِغَيْرِهِ وَعند هَذَا تعرف أَن الْحق الْمُطلق هُوَ الْمَوْجُود الْحَقِيقِيّ بِذَاتِهِ الَّذِي مِنْهُ يَأْخُذ كل حق حَقِيقَته وَقد يُقَال أَيْضا للمعقول الَّذِي صَادف بِهِ الْعقل الْمَوْجُود حَتَّى طابقه إِنَّه حق فَهُوَ من حَيْثُ ذَاته يُسمى مَوْجُودا وَمن حَيْثُ إِضَافَته إِلَى الْعقل الَّذِي أدْركهُ على مَا هُوَ عَلَيْهِ يُسمى حَقًا فَإِذا أَحَق الموجودات بِأَن يكون حَقًا هُوَ الله تَعَالَى وأحق المعارف بِأَن تكون حَقًا هيمعرفة الله فَإِنَّهُ حق فِي نَفسه أَي مُطَابق للمعلوم أزلا وأبدا ومطابقته لذاته لَا لغيره لَا كَالْعلمِ بِوُجُود غَيره فَإِنَّهُ لَا يكون إِلَّا مَا دَامَ ذَلِك الْغَيْر مَوْجُودا فَإِذا عدم عَاد ذَلِك الِاعْتِقَاد بَاطِلا وَذَلِكَ الِاعْتِقَاد أَيْضا لَا يكون حَقًا لذات المعتقد لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْجُودا لذاته بل هُوَ مَوْجُود لغيره وَقد يُطلق ذَلِك على الْأَقْوَال فَيُقَال قَول حق وَقَول بَاطِل وعَلى ذَلِك فأحق الْأَقْوَال قَوْلك لَا إِلَه إِلَّا الله لِأَنَّهُ صَادِق أبدا وأزلا لذاته لَا لغيره فَإِذا يُطلق الْحق على الْوُجُود فِي الْأَعْيَان وعَلى الْوُجُود فِي الأذهان وَهُوَ الْمعرفَة وعَلى الْوُجُود الَّذِي فِي اللِّسَان وَهُوَ النُّطْق فأحق الْأَشْيَاء بِأَن يكون حَقًا هُوَ الَّذِي يكون وجوده ثَابتا لذاته أزلا وأبدا ومعرفته حَقًا أزلا وأبدا وَالشَّهَادَة لَهُ حَقًا أزلا وأبدا وكل ذَلِك لذات الْمَوْجُود الْحَقِيقِيّ لَا لغيره تَنْبِيه حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم أَن يرى نَفسه بَاطِلا وَلَا يرى غير الله عز

стр. 105

وَجل حَقًا وَالْعَبْد إِن كَانَ حَقًا فَلَيْسَ حَقًا بِنَفسِهِ بل هُوَ حق بِاللَّه فَإِنَّهُ مَوْجُود بِهِ لَا بِذَاتِهِ بل هُوَ بِذَاتِهِ بَاطِل لَوْلَا إِيجَاد الْحق لَهُ فقد أَخطَأ من قَالَ أَنا الْحق إِلَّا بِأحد التَّأْويلَيْنِ أَحدهمَا أَن يَعْنِي أَنه بِالْحَقِّ وَهَذَا التَّأْوِيل بعيد لِأَن اللَّفْظ لَا ينبىء عَنهُ وَلِأَن ذَلِك لَا يَخُصُّهُ بل كل شَيْء سوى الْحق فَهُوَ بِالْحَقِّ التَّأْوِيل الثَّانِي أَن يكون مُسْتَغْرقا بِالْحَقِّ حَتَّى لَا يكون فِيهِ متسع لغيره وَمَا أَخذ كُلية الشَّيْء واستغرقه فقد يُقَال إِنَّه هُوَ كَمَا يَقُول الشَّاعِر أَنا من أَهْوى وَمن أَهْوى أَنا ... نَحن روحان حللنا بدنا وَيَعْنِي بِهِ الِاسْتِغْرَاق وَأهل التصوف لما كَانَ الْغَالِب عَلَيْهِم رُؤْيَة فنَاء أنفسهم من حَيْثُ ذاتهم كَانَ الْجَارِي على لسانهم من أَسمَاء الله تَعَالَى وَفِي أَكثر الْأَقْوَال وَالْأَحْوَال هُوَ الْحق لأَنهم يلحظون الذَّات الْحَقِيقِيَّة دون مَا هُوَ هَالك فِي نَفسه وَأهل الْكَلَام لما كَانُوا أبعد فِي مقَام الِاسْتِدْلَال بالأفعال كَانَ الْجَارِي على لسانهم فِي الْأَكْثَر اسْم البارئ الَّذِي هُوَ بِمَعْنى الْخَالِق وَأكْثر الْخلق يرَوْنَ كل شَيْء سواهُ فيستشهدون عَلَيْهِ بِمَا يرونه وهم المخاطبون بقوله تَعَالَى أولم ينْظرُوا فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا خلق الله من شَيْء ٧ سُورَة الْأَعْرَاف الْآيَة ١٨٥ وَالصِّدِّيقُونَ لَا يرَوْنَ شَيْئا سواهُ فيستشهدون بِهِ عَلَيْهِ وهم المخاطبون بقوله تَعَالَى أولم يكف بِرَبِّك أَنه على كل شَيْء شَهِيد ٤١ سُورَة فصلت الْآيَة ٥٣

стр. 106

الْوَكِيل هُوَ الموكول إِلَيْهِ الْأُمُور وَلَكِن الموكول إِلَيْهِ يَنْقَسِم إِلَى من يُوكل إِلَيْهِ بعض الْأُمُور وَذَلِكَ نَاقص وَإِلَى من يُوكل إِلَيْهِ الْكل وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا الله والموكول إِلَيْهِ يَنْقَسِم إِلَى من يسْتَحق أَن يكون موكولا إِلَيْهِ لَا بِذَاتِهِ وَلَكِن بالتفويض وَالتَّوْكِيل وَهَذَا نَاقص لِأَنَّهُ فَقير إِلَى التَّفْوِيض وَالتَّوْلِيَة وَإِلَى من يسْتَحق بِذَاتِهِ أَن تكون الْأُمُور موكولة إِلَيْهِ والقلوب متوكلة عَلَيْهِ لَا بتولية وتفويض من جِهَة غَيره وَذَلِكَ هُوَ الْوَكِيل الْمُطلق وَالْوَكِيل أَيْضا يَنْقَسِم إِلَى من يَفِي بِمَا وكل إِلَيْهِ وَفَاء تَاما من غير قُصُور وَإِلَى من لَا يَفِي بِالْجَمِيعِ وَالْوَكِيل الْمُطلق هُوَ الَّذِي الْأُمُور موكولة إِلَيْهِ وَهُوَ ملي بِالْقيامِ بهَا وَفِي بإتمامها وَذَلِكَ هُوَ الله تَعَالَى فَقَط وَقد فهمت من هَذَا مِقْدَار مدْخل العَبْد فِي معنى هَذَا الِاسْم الْقوي المتين الْقُوَّة تدل على الْقُدْرَة التَّامَّة والمتانة تدل على شدَّة الْقُوَّة وَالله من حَيْثُ إِنَّه بَالغ الْقُدْرَة تامها قوي وَمن حَيْثُ إِنَّه شَدِيدَة الْقُوَّة متين وَذَلِكَ يرجع إِلَى مَعَاني الْقُدْرَة وَسَيَأْتِي ذَلِك الْوَلِيّ هُوَ الْمُحب النَّاصِر وَمعنى وده ومحبته قد سبق وَمعنى نصرته ظَاهر فَإِنَّهُ يقمع أَعدَاء الدّين وينصر أولياءه قَالَ الله الله ولي الَّذين آمنُوا وَقَالَ تَعَالَى ذَلِك بِأَن الله مولى الَّذين آمنُوا وَأَن الْكَافرين لَا مولى لَهُم

стр. 107

مُحَمَّد الْآيَة ١١ أَي لَا نَاصِر لَهُم وَقَالَ كتب الله لأغلبن أَنا ورسلي ٥٨ سُورَة المجادلة الْآيَة ٢١ تَنْبِيه الْوَلِيّ من الْعباد من يحب الله وَيُحب أولياءه وينصره وينصر أولياءه ويعادي أعداءه وَمن أعدائه النَّفس والشيطان فَمن خذلهما وَنصر أَمر الله تَعَالَى ووالى أَوْلِيَاء الله وعادى أعداءه فَهُوَ الْوَلِيّ من الْعباد الحميد هُوَ الْمَحْمُود الْمثنى عَلَيْهِ وَالله هُوَ الحميد بِحَمْدِهِ لنَفسِهِ أزلا وبحمد عباده لَهُ أبدا وَيرجع هَذَا إِلَى صِفَات الْجلَال والعلو والكمال مَنْسُوبا إِلَى ذكر الذَّاكِرِينَ لَهُ فَإِن الْحَمد هُوَ ذكر أَوْصَاف الْكَمَال من حَيْثُ هُوَ كَمَال تَنْبِيه الحميد من الْعباد من حمدت عقائده وأخلاقه وأعماله وأقواله كلهَا من غير مثنوية وَذَاكَ هُوَ مُحَمَّد ﷺ وَمن يقرب مِنْهُ من الْأَنْبِيَاء وَمن عداهم من الْأَوْلِيَاء وَالْعُلَمَاء وكل وَاحِد مِنْهُم حميد بِقدر مَا يحمد من عقائده وأخلاقه وأعماله وأقواله وَإِذا كَانَ لَا يَخْلُو أحد عَن مذمة وَنقص وَإِن كثرت محامده فالحميد الْمُطلق هُوَ الله تَعَالَى المحصي هُوَ الْعَالم وَلَكِن إِذا أضيف الْعلم إِلَى المعلومات من حَيْثُ يحصي

стр. 108

المعلومات ويعدها ويحيط بهَا سمي إحصاء والمحصي الْمُطلق هُوَ الَّذِي ينْكَشف فِي علمه حد كل مَعْلُوم وعدده ومبلغه وَالْعَبْد وَإِن أمكنه أَن يحصي بِعِلْمِهِ بعض المعلومات فَإِنَّهُ يعجز عَن حصر أَكْثَرهَا فمدخله فِي هَذَا الِاسْم ضَعِيف كمدخله فِي أصل الْعلم المبدئ المعيد مَعْنَاهُ الموجد لَكِن الإيجاد إِذا لم يكن مَسْبُوقا بِمثلِهِ سمي إبداء وَإِذا كَانَ مَسْبُوقا بِمثلِهِ سمي إِعَادَة وَالله بَدَأَ خلق النَّاس ثمَّ هُوَ الَّذِي يعيدهم أَي يحشرهم والأشياء كلهَا مِنْهُ بدأت وَإِلَيْهِ تعود وَبِه بدأت وَبِه تعود المحيي المميت هَذَا أَيْضا يرجع إِلَى الإيجاد وَلَكِن الْمَوْجُود إِذْ كَانَ هُوَ الْحَيَ اة سمي فعله إحْيَاء وَإِذا كَانَ هُوَ الْمَوْت سمي فعله إماتة وَلَا خَالق للْمَوْت والحياة إِلَّا الله فَلَا مميت وَلَا محيي إِلَّا الله وَقد سبقت الْإِشَارَة إِلَى معنى الْحَيَاة فِي اسْم الْبَاعِث فَلَا نعيده الْحَيّ هُوَ الفعال الدراك حَتَّى إِن من لَا فعل لَهُ أصلا وَلَا إِدْرَاك فَهُوَ ميت وَأَقل دَرَجَات الْإِدْرَاك أَن يشْعر الْمدْرك بِنَفسِهِ فَمَا لَا يشْعر بِنَفسِهِ فَهُوَ الجماد وَالْمَيِّت فالحي الْكَامِل الْمُطلق هُوَ الَّذِي ينْدَرج جَمِيع المدركات تَحت إِدْرَاكه وَجَمِيع الموجودات تَحت فعله حَتَّى لَا يشذ عَن علمه مدرك وَلَا عَن فعله مفعول وَذَلِكَ الله فَهُوَ الْحَيّ الْمُطلق وكل حَيّ سواهُ

стр. 109

فحياته بِقدر إِدْرَاكه وَفعله وكل ذَلِك مَحْصُور فِي قلَّة ثمَّ إِن الْأَحْيَاء يتفاوتون فِيهِ فمراتبهم بِقدر تفاوتهم كَمَا سبقت الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي مَرَاتِب الْمَلَائِكَة وَالْإِنْس والبهائم القيوم اعْلَم أَن الْأَشْيَاء تَنْقَسِم إِلَى مَا يفْتَقر إِلَى مَحل كالأغراض والأوصاف فَيُقَال فِيهَا إِنَّهَا لَيست قَائِمَة بأنفسها وَإِلَى مَا يحْتَاج إِلَى مَحل فَيُقَال إِنَّه قَائِم بِنَفسِهِ كالجواهر إِلَّا أَن الْجَوْهَر وَإِن قَامَ بِنَفسِهِ مستغنيا عَن مَحل يقوم بِهِ فَلَيْسَ مستغنيا عَن أُمُور لَا بُد مِنْهَا لوُجُوده وَتَكون شرطا فِي وجوده فَلَا يكون قَائِما بِنَفسِهِ لِأَنَّهُ يحْتَاج فِي قوامه إِلَى وجود غَيره وَإِن لم يحْتَج إِلَى مَحل فَإِن كَانَ فِي الْوُجُود مَوْجُود يَكْفِي ذَاته بِذَاتِهِ وَلَا قوام لَهُ بِغَيْرِهِ وَلَا يشْتَرط فِي دوَام وجوده وجود غَيره فَهُوَ الْقَائِم بِنَفسِهِ مُطلقًا فَإِن كَانَ مَعَ ذَلِك يقوم بِهِ كل مَوْجُود حَتَّى لَا يتَصَوَّر للأشياء وجود وَلَا دوَام وجود إِلَّا بِهِ فَهُوَ القيوم لِأَن قوامه بِذَاتِهِ وقوام كل شَيْء بِهِ وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا الله ومدخل العَبْد فِي هَذَا الْوَصْف بِقدر استغنائه عَمَّا سوى الله تَعَالَى الْوَاجِد هُوَ الَّذِي لَا يعوزه شَيْء وَهُوَ فِي مُقَابلَة الفاقد وَلَعَلَّ من فَاتَهُ مَا لَا حَاجَة بِهِ إِلَى وجوده لَا يُسمى فاقدا وَالَّذِي يحضرهُ مَا لَا تعلق لَهُ بِذَاتِهِ وَلَا بِكَمَال ذَاته لَا يُسمى واجدا بل الْوَاجِد من لَا يعوزه شَيْء مِمَّا لَا بُد مِنْهُ وكل مَا لَا بُد مِنْهُ فِي صِفَات الإلهية وكمالها فَهُوَ مَوْجُود لله فَهُوَ بِهَذَا

стр. 110

الِاعْتِبَار وَاجِد وَهُوَ الْوَاجِد الْمُطلق وَمن عداهُ إِن كَانَ واجدا لشَيْء من صِفَات الْكَمَال وأسبابه فَهُوَ فَاقِد لِأَشْيَاء فَلَا يكون واجدا إِلَّا بِالْإِضَافَة الْمَاجِد بِمَعْنى الْمجِيد كالعالم بِمَعْنى الْعَلِيم لَكِن الفعيل أَكثر مُبَالغَة وَقد سبق مَعْنَاهُ الْوَاحِد هُوَ الَّذِي لَا يتجرأ وَلَا يثنى أما الَّذِي لَا يتَجَزَّأ فكالجوهر الْوَاحِد الَّذِي لَا يَنْقَسِم فَيُقَال إِنَّه وَاحِد بِمَعْنى أَنه لَا جُزْء لَهُ وَكَذَا النقطة لَا جُزْء لَهَا وَالله تَعَالَى وَاحِد بِمَعْنى أَنه يَسْتَحِيل تَقْدِير الانقسام فِي ذَاته وَأما الَّذِي لَا يتثنى فَهُوَ الَّذِي لَا نَظِير لَهُ كَالشَّمْسِ مثلا فَإِنَّهَا وَإِن كَانَت قَابِلَة للانقسام بالوهم متجزئة فِي ذَاتهَا لِأَنَّهَا من قبيل الْأَجْسَام فَهِيَ لَا نَظِير لَهَا إِلَّا أَنه يُمكن أَن يكون لَهَا نَظِير فَإِن كَانَ فِي الْوُجُود مَوْجُود يتفرد بِخُصُوص وجوده تفردا لَا يتَصَوَّر أَن يُشَارِكهُ غَيره فِيهِ أصلا فَهُوَ الْوَاحِد الْمُطلق أزلا وأبدا وَالْعَبْد إِنَّمَا يكون وَاحِدًا إِذا لم يكن لَهُ فِي أَبنَاء جنسه نَظِير فِي خصْلَة من خِصَال الْخَيْر وَذَلِكَ بِالْإِضَافَة إِلَى أَبنَاء جنسه وبالإضافة إِلَى الْوَقْت إِذْ يُمكن أَن يظْهر فِي وَقت آخر مثله وبالإضافة إِلَى بعض الْخِصَال دون الْجَمِيع فَلَا وحدة على الْإِطْلَاق إِلَّا لله تَعَالَى
следующие страницы →