← Акыда

Акыда · id 6470

تنزيه الأنبياء عما نسب إليهم حثالة الأغبياء

ابن خمير السبتي

Полный текст (146 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مَخْصُوصَة وَكَذَلِكَ الْأَحْوَال والكرامات أَيْضا هبة من الله تَعَالَى لَهُم على قدر مقاماتهم فَلَمَّا كَانَ ذَلِك غَايَة قبضهَا وعلاء مقَامهَا فِي الْقَبْض بسطت من سَبْعَة أوجه أَحدهَا أَن كلمها الْوَلِيد قَالَ تَعَالَى ﴿فناداها من تحتهَا أَلا تحزني﴾ قرئَ بِفَتْح الْمِيم فَقَالَ قوم ناداها الْملك من مَكَان منخفض عَنْهُمَا وَقَالَ آخَرُونَ ناداها الْوَلِيد وَهُوَ الْأَظْهر لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن تَحت فِي حق الْوَلِيد أمت وَالثَّانِي أَن تكليم الْوَلِيد آنس فِي الْخطاب من كَلَام الْملك على مَا تقدم وَالثَّانِي من تقاسيم الْبسط أَن كلمها وليدها وَلم يكلمها وليد غَيرهَا لِأَن تكليم وَلَدهَا من بَرَكَات أحوالها الثَّالِث أَن كلمها فِي الْحِين فَإِن فِيهِ تَنْفِيس خناق قبضهَا بِسُرْعَة الْبشَارَة الرَّابِع أَن كلمها بالبشارة ﴿أَلا تحزني﴾ الْخَامِس أَن أخْبرهَا أَنه سري أَي رفيع الْقدر عِنْد الله تَعَالَى وَمَا يحب أحد أَن يكون غَيره أحسن مِنْهُ إِلَّا وَلَده

стр. 107

السَّادِس أَنه لما كلمها الْوَلِيد استبشرت بِأَنَّهُ سيقيم حجتها عِنْد قَومهَا كَالَّذي فعل السَّابِع وَهِي الْبشَارَة الْعُظْمَى الَّتِي تثبت أَن مقَامهَا عِنْد الْجذع كَانَ أَعلَى من مقَامهَا فِي الغرفة وَهُوَ قَوْله تَعَالَى لَهَا ﴿وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة تساقط عَلَيْك رطبا جنيا﴾ وتتصور الْكَرَامَة فِي هزها من أحد عشر وَجها أَحدهَا أَنه نبهها على بركَة يَدهَا بِأَن تمس الشَّيْء فَيظْهر عَلَيْهِ بركَة ذَلِك الْمس كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيح عَن عَائِشَة أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا اشْتَكَى يقْرَأ على نَفسه بالمعوذات وينفث فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعه كنت أَقرَأ عَلَيْهِ وامسح عَنهُ بِيَدِهِ رَجَاء بركتها وكما قيل لَو مس عودا سلوبا لاكتسى وَرقا ... وَلَو دَعَا مَيتا فِي الْقَبْر لباه) الثَّانِي أَن الملموس كَانَ جذعا والجذع فِي اللِّسَان هُوَ سَاق النَّخْلَة إِذا جذ رَأسهَا يَقُول الْعَرَب على كم جذع بَيْتك مَبْنِيّ وَجَاء فِي الْخَبَر فحن الْجذع إِلَيْهِ وَكَانَت أسطوانة فِي الْمَسْجِد وَقَالَ تَعَالَى ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ وَلَا يكون الصلب إِلَّا فِي

стр. 108

الْخشب فصح أَن سَاق النَّخْلَة إِنَّمَا يُسمى جذعا إِذا جز رَأسه وَإِذا جز رَأس النَّخْلَة يَبِسَتْ فَلَا تلقح وَلَا تورق بعد فَلَمَّا لمسته أَخْضَر فِي الْحِين الثَّالِث أَن نَبتَت فِيهَا أَغْصَان وورق ورؤوس النّخل إِذا قطعت لَا تخلف الرَّابِع أَن أثمرت فِي الْحِين وَالنَّخْل لَا تثمر إِلَّا بعد ريح فِي أَيَّام كَثِيرَة الْخَامِس أَن صَارَت رطبا فِي الْحِين السَّادِس قَوْله ﴿جنيا﴾ أَي حَان قطافها فصلحت للجني فَإِنَّهَا قد تسمى رطبا فِي أول نضجها قبل أَن تصلح للجني على جِهَة الْمجَاز وَهنا لَطِيفَة وَهِي أَن الله تَعَالَى آنسها بِأَن أَرَاهَا مثلا بالجذع الْيَابِس حِين اخضر من غير سقِِي وَبعد يبسه اخضر وأثمر فِي الْحِين كَمَا ولد عِيسَى ﵇ من غير فَحل وَتكلم فِي الْحِين وَتمّ خلقه دفْعَة وَولد فِي الْحِين فَتلك بِتِلْكَ السَّابِع أَن هزتها فتساقطت وَمَعْلُوم أَن هز مثلهَا على مَا هِيَ عَلَيْهِ من ضعفها ونفاسها لسوق النّخل لَا يسْقط الرطب فَإِن كَانَ أَعْطَيْت فِي الْحِين قُوَّة تهز بهَا النّخل فَتسقط رطبها فخرق كَبِير وَإِن تساقطت الرطب للمسها إِيَّاهَا فخرق آخر أكبر مِنْهُ قَوْله الثَّامِن لَهَا ﴿فكلي واشربي﴾ فَإِن فِيهِ بِشَارَة بِسُرْعَة الْخَلَاص من ألمها فَإِن النُّفَسَاء لَا تَأْكُل وَلَا تشرب إِلَّا بعد مُدَّة لشغلها بألمها

стр. 109

التَّاسِع أَنه بشرها بِحُصُول الطَّعَام وَالشرَاب عِنْدهَا لِأَن كَانَت بِأَرْض فلاة فَإِن النَّاس يخَافُونَ عدمهما فِي الفلوات الْعَاشِر قَوْله لَهَا ﴿وقري عينا﴾ فَعلمت بِكَلَامِهِ الخارق أَنه لَا يكذبها فأنست الْحَادِي عشر أَنه علمهَا كَيفَ تجيب إِذا سَأَلَهَا قَومهَا فِي قَوْله لَهَا ﴿فَقولِي إِنِّي نذرت للرحمن صوما فَلَنْ أكلم الْيَوْم إنسيا﴾ أَلا ترى إِلَى طمأنينتها إِلَى مبارأة وَلَدهَا كَيفَ أَتَت بِهِ قَومهَا تحمله ظَاهرا لَهُم وَقد كَادَت تَفِر بِهِ إِلَى بلد آخر أَو تخفيه مَا استطاعت فَلَا يشْعر بِهِ قَومهَا فَلَمَّا طابت نَفسهَا بِهِ فِي إِقَامَة حجتها عِنْد قَومهَا أَتَتْهُم بِهِ تحمله ظَاهرا لَهُم فَهَذِهِ رَحِمك الله سَبْعَة أَحْوَال ثوبها رَبهَا عَلَيْهَا بِثمَانِيَة عشر حَالا سَبْعَة مِنْهَا قبل الهز وَأحد عشر بعده كلهَا تَتَضَمَّن من الْبسط والأنس والكرامات مَا يدل على رفْعَة شَأْنهَا وَعزة مَكَانهَا عِنْد رَبهَا فَكيف تبخس هَذِه الصديقة فِي حَقّهَا وتحط عَن مقَامهَا فِي الهز ويعضد مَا رمناه من علو الْمقَام لَهَا فِي ذَلِك الْوَقْت صِحَة الشّبَه فِي قَوْله تَعَالَى لأيوب ﵇ ﴿اركض برجلك﴾ أَرَادَ تَعَالَى أَن يرِيه عَاقِبَة صبره وبركة تصرفه وَفَائِدَة ركضه وَثَمَرَة لمسه الأَرْض بأخمصيه وَمَعْلُوم أَن الْمِيَاه لَا تنبع بِسَبَب الركض على مجْرى الْعَادة وَأَن الركض يخرج مخرج الهز خرفا بِحرف

стр. 110

وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى لمُوسَى ﵇ ﴿اضْرِب بعصاك الْحجر﴾ أَرَادَ تَعَالَى أَن يَنْبع لَهُ المَاء بِوَاسِطَة الضَّرْب حَتَّى تظهر كرامته عِنْد بني إِسْرَائِيل وَكَذَلِكَ فِي الْبَحْر حِين ضربه فانفلق وَكَذَلِكَ عِيسَى ﵇ كَانَ يرْكض الْقُبُور فيحيي الله بِهِ الْمَوْتَى ويلمس الطين فَيصير طائرا بِإِذن الله وَكَذَلِكَ نَبينَا ﵇ لمس المَاء فنبع من بَين أَصَابِعه ولمس الطَّعَام فنما وَزيد فِيهِ وتفل فِي بِئْر فعذبت وَكثر مَاؤُهَا وتفل فِي عين عَليّ كرم الله وَجهه فبرأت من دَاء الرمد وشربت أم أَيمن بَوْله فبرأت من دَاء الْبَطن وتفل على رجل أبي بكر الصّديق ﵁ فِي الْغَار حِين لسعته الْعَقْرَب فبرئ فِي الْحِين فليت شعري مَا الَّذِي أغفل أُولَئِكَ الجلة عَن هَذِه الْأَدِلَّة حَتَّى يغضوا من مقَام مَرْيَم ﵍ بالهز وَهُوَ الْأَعْلَى كَمَا ترى أَيهَا اللبيب الفطن المتناصف

стр. 111

فَإِن قيل إِنَّمَا كَانَت تِلْكَ الْأَفْعَال مِنْهُم على سَبِيل إِظْهَار المعجزة لكَوْنهم أَنْبيَاء وَمَرْيَم ﵍ لم تكن نبية قُلْنَا لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك بِدَلِيل أَنهم لَو تحدوا بِتِلْكَ الخروق من غير تنَاول مِنْهُم لَهَا فَوَقَعت على وفْق تحديهم بهَا لصحت المعجزة وَإِذا صحت المعجزة دون التَّنَاوُل باللمس وَالضَّرْب علم أَن تِلْكَ الْأَفْعَال وَقعت إِكْرَاما لَهُم زَائِدا على ثُبُوت المعجزة وَأَيْضًا فَإِن اللَّمْس وَالضَّرْب والتفل لَيْسَ من قبيل المعجزات فَإِنَّهُ مُعْتَاد والمعتاد لَا يكون معْجزَة فَهَذَا هَذَا وَمن اعْترض من المقلدة بالجزاف فَعَلَيهِ الدَّلِيل وَلَا دَلِيل فَإِن الْقَوْم الَّذين قَالُوا ذَلِك لم يَأْتُوا بِدَلِيل سوى مَا نقرره من أَن التَّوَكُّل فَوق الْكسْب وَهَذِه مَسْأَلَة قد حفيت فِيهَا الْأَقْدَام واضطربت الأفهام وَالْأَظْهَر فِيهَا أَن الْكسْب مَعَ التَّوَكُّل إعلاء فَإِنَّهُ يَقع بِالظَّاهِرِ وَيبقى الْبَاطِن متوكلا فَإِذا تصور الْجمع بَين الظَّاهِر وَالْبَاطِن فالكسب الْحَلَال مِمَّن جمع بَينهمَا فَهُوَ إعلاء مقَام لِكَوْنِهِمَا مقامين وعملين فَلَا منافرة بَين التَّوَكُّل وَالْكَسْب لاخْتِلَاف المجال وَمَرْيَم ﵍ صديقَة وَمن بعض مقامات الصّديق الْجمع بَين الْكسْب والتوكل وَفِي الْكسْب فَائِدَة كَثِيرَة فَإِنَّهُ مِمَّا ينفع النَّاس وَيصْلح شؤونهم وَيقوم بمنافعهم فِي لباسهم وأقواتهم فَلَو ترك النَّاس الْكسْب بِالْجُمْلَةِ لهلكت الأَرْض وَمن عَلَيْهَا فقد تصورت فِيهِ الْمَنْفَعَة الْعُظْمَى وَقد جَاءَ عَنهُ ﵇ أَنه قَالَ (سيد الْقَوْم خادمهم)

стр. 112

وَجَاء عَنهُ ﵇ أَنه قَالَ (النَّاس عِيَال الله وأحبهم إِلَى الله أنفعهم لِعِيَالِهِ) وَالْمَنْفَعَة على ضَرْبَيْنِ دنيوية وأخروية فالأخروية إرشاد الْمُكَلف وتعليمه مَا يلْزمه من وظائف التَّكْلِيف والدنيوية معالجة الْمَعيشَة بالأسباب العادية الَّتِي يقوم بهَا أود الْحَاجَات وإبقاء رَمق حَيَاة فقد انحصرت الْمَنْفَعَة الدُّنْيَوِيَّة فِي الْكسْب وَفِيه أَيْضا سَبَب للمنفعة الأخروية فَإِنَّهُ لَوْلَا سد الجوعة وَستر الْعَوْرَة على مُقْتَضى الشَّرْع ومجرى الْعَادة لم تكن الْحَيَاة وَلَا تصورت عبَادَة فأهلا بِالْكَسْبِ وَأَهله فَإِنَّهُم أحب النَّاس إِلَى الله تَعَالَى وَكَيف يعاب الْكسْب أَو يغض من قدره وَقد أثْبته سيد الرُّسُل ﷺ لنَفسِهِ حَيْثُ قَالَ (جعل رِزْقِي تَحت ظلّ رُمْحِي) يَعْنِي مَا يَأْكُل من الْغَنَائِم بِسَبَب الْكسْب بِالرُّمْحِ وَمَا فَوق مقَام رَسُول الله ﷺ مقَام وَأمر الله تَعَالَى دَاوُود ﵇ بِالْكَسْبِ حَيْثُ قَالَ لَهُ ﴿أَن اعْمَلْ سابغات وَقدر فِي السرد﴾ يَعْنِي سابغات الدروع وَلذَلِك أخبر ﷺ أَن دَاوُود ﵇ كَانَ يَأْكُل من كَسبه فِي عمل الدروع وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي الْأَثر أَن سُلَيْمَان ﵇ كَانَ يَأْكُل من عمل الخوص

стр. 113

وَجَاء عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ (اطْلُبُوا الرزق فِي خبايا الأَرْض) يَعْنِي فِيمَا يزرع وَقَالَ ﷺ لصَاحب النَّاقة (اعقلها وتوكل) وَهَذِه الْأَخْبَار تدل على إِثْبَات الْكسْب شرعا وَأَنه لَا يقْدَح فِي التَّوَكُّل فَخرج من هَذِه الْأَحَادِيث إِثْبَات الْكسْب شرعا وَأَن مَرْيَم ﵍ كَانَ مقَامهَا فِي تِلْكَ الْحَالة إعلاء لكَونهَا جمعت بَين الْكسْب والتوكل وَقد نظمت فِي ذَلِك على نقيض مَا نظموه فِي قَوْلهم إِذْ قَالُوا (ألم تَرَ أَن الله أوحى لِمَرْيَم ... إِلَيْك فهزي الْجذع تساقط الرطب) فَقلت (أما علمُوا أَن الْمقَام سما بهَا ... لِأَن جمعت بَين التَّوَكُّل وَالسَّبَب) (بِأَن لمست جذعا فأينع رَأسه ... على الْحِين أفنانا وأثمر بالرطب) (كَمَا مس أَيُّوب اليبيس بِرجلِهِ ... ففارت عُيُون طهرته من الصخب) (وَمَسّ كليم الله بِالْعودِ صَخْرَة ... ففجر من أرجائها المَاء فانسكب) (وَمَسّ الْمَسِيح الطين بالخلق فانتشا ... طيورا بِإِذن الله أَحيَاء تضطرب) وَمَسّ يَمِين الْمُصْطَفى المَاء نُطْفَة ... فَفَاضَتْ عُيُون المَاء من خلل العصب) فعض على هَذِه القولة يَا أَيهَا المتناصف الفطن بالنواجذ وَشد عَلَيْهَا كف الضنين فَإِنَّهَا قولة مَقْصُودَة بالبرهان ونادرة مَا أَرَانِي سبقت إِلَيْهَا واعرف

стр. 114

الرِّجَال بِالْعلمِ وَلَا يعرف الْعلم بِالرِّجَالِ فَمن كل كَلَام مَأْخُوذ ومتروك إِلَّا من كَلَام صَاحب الْقَبْر ﷺ فَهَذَا مَا من الله تَعَالَى بِهِ فِي تَنْزِيه الْأَنْبِيَاء ﵈ على مَا تَقْتَضِيه الْآي وَمَا صَحَّ من الْأَخْبَار من غير أَن يلْحق بِوَاحِد مِنْهُم ذَنْب وَلَا ذمّ إِذْ لَو جَازَ ذَلِك على الْبَعْض لجَاز على الْكل وَمن قدح فِي عرض وَاحِد مِنْهُم ألزم الْقدح فِي الْكل وَقد أَجمعُوا على أَن من قَالَ فِي زر نَبِي إِنَّه وسخ يُرِيد بذلك تنقيصه أَنه يقتل وَلَا يُسْتَتَاب احْتِيَاطًا على أعراضهم السّنيَّة أَن لَا يلْحقهَا نقص فَإِنَّهُم فِي النزاهة والعصمة كأسنان الْمشْط لَا يفرق بَين أحد من رسله وَكَيف وَقد قَالَ تَعَالَى لسيدهم وَرَئِيسهمْ ﴿أُولَئِكَ الَّذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ يَعْنِي بمكارم أَخْلَاقهم وَجَمِيل أفعالهم وأقوالهم وأحوالهم وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرُسُله وَلم يفرقُوا بَين أحد مِنْهُم أُولَئِكَ سَوف يُؤْتِيهم أُجُورهم﴾ وَهَذَا هُوَ الْحق الَّذِي يرغب فِيهِ وَلَا يرغب عَنهُ فإياك أَيهَا الْمُقَلّد الغر أَن تسمع من كل ناعق غبي يدْخل الميدان حاسرا حَتَّى تَأتيه كل طعنة سلكى نجلاء فَهُوَ لَا يعرف مَا ألزمهُ تَعَالَى من دينه وَلَا مَا تخلصه فِي معتقده ومعاملته عِنْد الله تَعَالَى فيتكلم فِي تفاصيل أَحْوَال الْمُرْسلين ورؤساء المقربين وَهُوَ لَا يعرف النُّبُوَّة وَلَا شُرُوطهَا وَلَا مَا يجب لَهَا

стр. 115

ويستحيل عَلَيْهَا وَقد جَاءَ فِي الصَّحِيح عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ (الرُّؤْيَا الصَّالِحَة من الرجل الصَّالح جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُّبُوَّة) وَجَاء فِي خبر آخر (من سبعين جُزْءا فليت شعري إِذا لم يكن للْعُلَمَاء الْقيام بِعلم سَبْعَة من هَذِه السّبْعين فَمَا ظَنك بالجاهل الغبي الَّذِي غَايَته تَقْلِيد أمه فِي الشَّهَادَتَيْنِ فَهُوَ من الضفادع والديدان فِي ضحضاح الْغِيطَان وَيُرِيد أَن ينْهض إِلَى مظان العقبان فِي شماريخ ثهلان

стр. 116

فصل الْكَلَام فِي إخْوَة يُوسُف ﵇ هَل كَانُوا أَنْبيَاء فَإِن قَالَ قَائِل فَإِذا نزهتم الْأَنْبِيَاء ﵈ مثل هَذَا التَّنْزِيه فَمَا قَوْلكُم فِي إخْوَة يُوسُف ﵈ وَقد قَالَ بعض من يؤبه لَهُ من الْمُفَسّرين والمؤرخين الْقَائِلين بِغَيْر دَلِيل بِأَنَّهُم كَانُوا أَنْبيَاء فَالْجَوَاب أَن إخْوَة يُوسُف ﵇ عِنْدَمَا واقعوا مَا واقعوه مَعَ أخيهم وأبيهم لم يَكُونُوا أَنْبيَاء وأمناء الله وَرُسُله وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن الْكتاب الْعَزِيز جَاءَ بِأَنَّهُم واقعوا كَبَائِر وصغائر وَالْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَن الْأَنْبِيَاء ﵈ معصومون من الْكَبَائِر وَاخْتلفُوا فِي الصَّغَائِر وَقد أَقَمْنَا الدَّلِيل على عصمتهم من الصَّغَائِر بِمَا فِيهِ مقنع فِيمَا تقدم فَأَما جملَة مَا ارتكبوه مِنْهَا فَفِي عشْرين آيَة من قَوْله تَعَالَى مخبرا عَن أَبِيهِم أَنه قَالَ ليوسف ﵇ ﴿لَا تقصص رُؤْيَاك على إخْوَتك فيكيدوا لَك كيدا﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى مخبرا عَن نَفسه ﴿وَمَا كنت لديهم إِذْ أَجمعُوا أَمرهم وهم يمكرون﴾ فتتبع الْآي تَجِد الْعدَد الْمَذْكُور فَمَا أحيلك على مُبْهَم وَلَا على خبر ضَعِيف الْإِسْنَاد وَمَعْلُوم أَن الله مَا أطلق هَذِه الْأَقْوَال وأمثالها على أنبيائه وأصفيائه فِي كتاب وَلَا سنة وَلَا أَمر بإطلاقها عَلَيْهِم وَلَا باعتقادها فيهم

стр. 117

فَأَما الْكَبَائِر الَّتِي فَعَلُوهَا وَهِي لَا تجوز على الْأَنْبِيَاء ﵈ فخمسة ١ - ظلم الْأَخ الْمُسلم لَا سِيمَا أَخ مثل يُوسُف ٢ - وعقوق الْأَب لَا سِيمَا أَب مثل يَعْقُوب ﵇ ٣ - وَالْكذب فِي قصَّة الذِّئْب الْمُؤَدِّي إِلَى فِرَاق أخيهم من أَبِيهِم على حَدَاثَة سنه وَضعف منته وتفجع أَبِيهِم على فَقده حَتَّى ابْيَضَّتْ عَيناهُ من الْحزن ٤ - وَبيعه من الْكَفَرَة بِثمن بخس على قَول وَهُوَ مُؤمن حر وأخوهم وَابْن نَبِي ٥ - ووصمة أخيهم يُوسُف ﵇ بعد ثُبُوت نبوته حِين قَالُوا لَهُ ﴿إِن يسرق فقد سرق أَخ لَهُ من قبل﴾ فنبزوه بِالسَّرقَةِ حَتَّى ألجؤوه أَن يَقُول لَهُم ﴿أَنْتُم شَرّ مَكَانا﴾ أَو هَذِه رَحِمك الله أَخْلَاق الْأَنْبِيَاء ﵈ أَو يسوغ أَيْضا أَن يكذب النَّبِي عشرَة أَنْبيَاء حَتَّى يَقُول لَهُم أبوهم النَّبِي بَعْدَمَا جاؤوه عشَاء يَبْكُونَ وَقَالُوا إِن يُوسُف أكله الذِّئْب ﴿بل سَوَّلت لكم أَنفسكُم أمرا فَصَبر جميل وَالله الْمُسْتَعَان على مَا تصفون﴾ وَهَذَا هُوَ فحوى التَّكْذِيب فَهَذِهِ خمس كَبَائِر أَرْبَعَة مِنْهَا فَعَلُوهَا على الْقطع وَالْخَامِسَة الَّتِي هِيَ بيع الْحر مُخْتَلف فِيهَا فَإِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿شروه﴾ فَيحْتَمل أَن تعود

стр. 118

الْهَاء عَلَيْهِم أَو على السيارة وَهُوَ الْأَظْهر وَأما الصَّغَائِر فَخمس عشرَة على أَن كل ذَنْب عصي الله تَعَالَى بِهِ فَهُوَ كَبِيرَة لَكِن يتَأَكَّد الْوَعيد على بَعْضهَا بِمَا ورد من الظَّوَاهِر فيتصور فِيهَا الصغر وَالْكبر كَمَا تقدم فَمن قَالَ إِنَّهُم كَانُوا أَنْبيَاء عِنْدَمَا واقعوا هَذِه الْكَبَائِر فَيلْزم أَن يجوز وُقُوعهَا على من سواهُم من الْأَنْبِيَاء ﵈ لتساويهم فِيمَا يجب لَهُم من الْعِصْمَة كَمَا سبق والجائز كالواقع مَعَ خرق الْإِجْمَاع الْوَاجِب الِاتِّبَاع فِي عصمتهم من الْكَبَائِر وَالْعِيَاذ بِاللَّه من شُؤْم الْجَهْل وَأَهله فَإِن قيل وَلَعَلَّ هَذِه الْأَفْعَال كَانَت فِي شريعتهم غير كَبَائِر قُلْنَا إِنَّمَا وَقع الْإِجْمَاع على أَن كَبَائِر شريعتنا لَا تجوز عَلَيْهِم والخمسة الَّتِي أخبر تَعَالَى عَنْهُم بهَا كَبَائِر فِي شريعتنا وَأما شرائعهم فَمَا نعلم كبائرها من صغائرها وَلَا كلفنا ذَلِك فصل ثمَّ يطْلب هَذَا الْغمر البليد بِثُبُوت نبوتهم من أَيْن علمهَا إِن النُّبُوَّة لَا تثبت بالعقول وَلَا بِخَبَر الْوَاحِد الَّذِي لَا يحصل بِهِ الْعلم وَلَا يثبت أَيْضا بِقَرِينَة الْحَال وَلَا تحميل الْأَعْمَال كَمَا زعمت الْمُعْتَزلَة وغلاة الباطنية الْقَائِلين باكتساب النُّبُوَّة فَإِن غير النَّبِي من الْأَوْلِيَاء قد يَصح مِنْهُ ذَلِك وَقد يصدر من أهل الرِّيَاء من الْأَعْمَال والقرائن مثل ذَلِك

стр. 119

فَإِن قيل فَإِذا لم تصح النُّبُوَّة من هَذِه الْوُجُوه فَمن أَيْن تصح قُلْنَا تصح من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يَأْتِي النَّبِي فِي زمَان تصح فِيهِ النُّبُوَّة فيدعي النُّبُوَّة ويتحدى النَّاس بالمعجزة فيفعلها الله لَهُ على وفْق دَعْوَاهُ أَو ينص على نبوته نَبِي آخر نصا متواترا لَا يحْتَمل التَّأْوِيل كَمَا نَص الله تَعَالَى فِي مُحكم كِتَابه على السِّتَّة وَالْعِشْرين الَّذين أَوَّلهمْ آدم وَآخرهمْ مُحَمَّد عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام فَهَؤُلَاءِ هم الْأَنْبِيَاء الَّذين من أنكر نبوة وَاحِد مِنْهُم أَو قدح فِيهَا قدحا يخل بِشَرْط من شُرُوط نبوتهم فَهُوَ كَافِر حَلَال الدَّم وَالْمَال مخلد فِي نَار جَهَنَّم بِالْإِجْمَاع الْمُتَوَاتر فَهَؤُلَاءِ هم الْأَنْبِيَاء حَقًا وَمن أثبت نبوة غَيرهم على التَّعْيِين فَعَلَيهِ الدَّلِيل مَعَ أَنا نعلم أَن ثمَّ أَنْبيَاء لله أخر جَاءَ بهم الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْهُم من قَصَصنَا عَلَيْك وَمِنْهُم من لم نَقْصُصْ عَلَيْك﴾ لَكِن لم يَقع التَّنْصِيص فِي الْكتاب إِلَّا على نبوة عدد من ذَكرْنَاهُ فَأَما من ذكر مِنْهُم فِي أَخْبَار الْآحَاد فمظنون فصل فَإِن قيل وَلَعَلَّ نبوتهم تثبت من الْكتاب فِي قَوْله تَعَالَى حِين عدد الْأَنْبِيَاء ﵈ قَالَ ﴿وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط﴾ والأسباط إخْوَة يُوسُف واحدهم سبط قُلْنَا لَيْسَ كَمَا قلت فَإِن الأسباط فِي بني يَعْقُوب كالقبائل فِي بني

стр. 120

إِسْمَاعِيل واحدهم سبط وهم اثْنَا عشر سبطا لاثني عشر ولدا ليعقوب ﵈ وَإِنَّمَا سموا هَؤُلَاءِ أسباطا وَهَؤُلَاء قبائل ليفصل بَين ولد إِسْمَاعِيل وَولد يَعْقُوب تَسْمِيَة هَكَذَا نَص عَلَيْهِ أهل اللُّغَة فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا معنى دُخُولهمْ فِي الْعدَد مَعَ الْأَنْبِيَاء وَلَيْسوا بِأَنْبِيَاء وَالْجَوَاب أَن الْقُرْآن مَقْصُود بالإيجاز الَّذِي هُوَ مخ البلاغة وَكَانَت النُّبُوَّة تترى فِي بني إِسْرَائِيل وَكَانَ أثلهم من أَوْلَاد يَعْقُوب وَهُوَ إِسْرَائِيل فَلَمَّا عدد الله تَعَالَى من كَانَ قبل من الْأَنْبِيَاء على التَّفْصِيل أوجز فَقَالَ والأسباط يَعْنِي أَنْبيَاء الأسباط على حذف الْمُضَاف وَإِقَامَة الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه ثمَّ خصص بعد ذَلِك عظماءهم بِالذكر فَقَالَ ﴿وَعِيسَى وَأَيوب وَيُونُس وَهَارُون وَسليمَان وآتينا دَاوُد زبورا﴾ فَبَدَأَ بالتفصيل وَختم بالتفصيل فتضمن الطرفان الْوَاسِطَة وَصَحَّ التشريف لمن خصص بِالذكر فِي الْآحَاد وَهَذَا التَّخْصِيص ينظر لقَوْله تَعَالَى ﴿من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال﴾ وهما من الْمَلَائِكَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿فيهمَا فَاكِهَة ونخل ورمان﴾ وهما من الْفَاكِهَة وَكَذَلِكَ ذكر مُعظم الْأَصْنَاف الَّتِي كَانَت النُّبُوَّة تترى فيهم ثمَّ خصص عظماءهم بِالذكر تَشْرِيفًا لَهُم صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ ومصداق هَذَا التَّفْسِير أَن ذكر الأسباط انما وضع تَسْمِيَة عوضا من الْقَبَائِل كَمَا تقدم فَلَو كَانُوا كلهم أَنْبيَاء كَمَا زعم الجهلة لَكَانَ كل من انتسل من

стр. 121

بني يَعْقُوب ﵇ نَبيا وَقد قَالَ تَعَالَى (وقطعناهم فِي الأَرْض أمما مِنْهُم الصالحون وَمِنْهُم دون ذَلِك) وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن ذريتهما محسن وظالم لنَفسِهِ مُبين﴾ وَقَالَ ﴿وقطعناهم اثْنَتَيْ عشرَة أسباطا أمما﴾ فسماهم أسباطا وأمما وَلم يسمهم أَوْلَادًا وَلَا أَبنَاء فَإِن قيل فقد جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (الْحُسَيْن سبط من الأسباط) فَمَعْنَاه أَنه يقوم فِي الْعِبَادَة وَالْقِيَام بِحَق الله تَعَالَى مقَام سبط كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن إِبْرَاهِيم كَانَ أمة قَانِتًا لله﴾ وَقَالَ ﷺ فِي قس (إِنِّي لأرجو أَن يحْشر أمة وَحده) هَكَذَا حَكَاهُ الْهَرَوِيّ فِي كتاب الغربيين فَإِن قيل ولعلهم سموا أسباطا وهم أَوْلَاد تجوزا واتساعا كَمَا سمى النَّبِي ﷺ الْحُسَيْن سبطا حَيْثُ قَالَ (الْحُسَيْن سبط من الأسباط) وَهُوَ ولد قُلْنَا هَذَا التَّجَوُّز إِنَّمَا صَحَّ فِي الْحُسَيْن ﵁ لسبق الْمعرفَة ببنوته من وَجه آخر فَلَو أخبر تَعَالَى أَن يهوذا سبط من الأسباط ثمَّ عدده فِي جملَة الْأَنْبِيَاء بِلَفْظ السبط لصحت نبوته وَهَذَا لم يَقع فَلَا حجَّة للخصم فِي هَذِه القولة وَلَو صَحَّ لما صحت نبوته إِلَّا بعد التَّوْبَة والإنابة وَاشْتِرَاط الْعِصْمَة فِي حَال الوهلات كَمَا زعم الْخصم

стр. 122

وَأما غير هَؤُلَاءِ من أهل النّظر فتوهموا نبوتهم من قَوْله تَعَالَى مخبرا عَن يَعْقُوب ﵇ حَيْثُ قَالَ ﴿وَيتم نعْمَته عَلَيْك وعَلى آل يَعْقُوب كَمَا أتمهَا على أَبَوَيْك من قبل إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق﴾ وَهُوَ لم يمت إِلَى قريب فِي اللِّسَان لِأَن الْآل أقرب فِي اللِّسَان للبنوة من الأسباط لَكِن الْآل تحْتَمل الْبَنِينَ وتحتمل التبع قَالَ تَعَالَى ﴿أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ أَي تبعه وَفِي السّنة (اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آله وأزواجه وَذريته) فَذكر الْآل ثمَّ ذكر الذُّرِّيَّة فَلَو كَانَ الْآل من الذُّرِّيَّة لم يَصح الْعَطف فَإِن قيل وَلَعَلَّ ذكر الذُّرِّيَّة بعد ذكر الْآل تَخْصِيص التشريف كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل﴾ قُلْنَا إِذا بقيت لَعَلَّ فقد تطرق الِاحْتِمَال واطرد الْإِشْكَال والنبوة لَا تثبت بِالِاحْتِمَالِ وَيحْتَمل أَن يكون التَّمام على الْآل بِمَا دون النُّبُوَّة من الْولَايَة والصدقية وَإِذا دخلت هَذِه الِاحْتِمَالَات لم يَصح الْقطع على نبوتهم فِي هَذِه الْآيَة وَمَعَ تَسْلِيم هَذِه التقديرات جدلا فَلَا تصح نبوتهم عِنْد مواقعة الْأَفْعَال الَّتِي ذكر تَعَالَى عَنْهُم أصلا فَإِنَّهُ كَانَ يُؤَدِّي إِلَى أَن يجوز على أَنْبيَاء الله كل مَا فَعَلُوهُ لصِحَّة التَّسَاوِي الَّذِي قدمْنَاهُ فَهَذَا رحمكم الله هُوَ الْحق الَّذِي يرغب فِيهِ وَلَا يرغب عَنهُ وَبعد هَذَا التتبع فَلَا يبْقى لقَائِل مستروح إِلَى ثُبُوت بنوتهم إِلَّا من

стр. 123

هَذِه الْوُجُوه الْمُتَقَدّمَة وَهِي مظنونة وَلَا سَبِيل إِلَى الْقطع فِي وَاحِد مِنْهَا فَالله الله أَيهَا المسترشد المحتاط على دينه إِن لم تكن من أهل النّظر القويم على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم فَمَا كل سَوْدَاء تَمْرَة وَلَا كل بَيْضَاء شحمة واجتهد فِيمَن تَأْخُذ عَنهُ دينك وجنب الْجُهَّال مرّة وجنب وعاظنا ومريدينا فِي هَذَا الزَّمَان المنكوب المنكوس ألف ألف مرّة فَإِنَّهُم أضرّ على دينك من الأفاعي الصفر لَا سِيمَا فِي هَذَا العويلم المتهافت الدعي فِي الْإِرَادَة بالنوافج ومغالطة البله الأغمار من النِّسَاء وفحول النِّسَاء فَإِنَّهُم انتهكوا حُرْمَة الْأَنْبِيَاء ﵈ حَتَّى تشبهوا بهم وَرُبمَا أربوا عَلَيْهِم بادعاء الإلهية بالفيض وَالْإِشْرَاق الَّذِي ادَّعَتْهُ القرامطة حَتَّى يلقى أحدهم امْرَأَة أَو غُلَاما فَيَقُول لَهُ (رَأَيْت الله فِيك) إِلَى غير ذَلِك من أُمُور هِيَ أشنع وأبشع من أَن تذكر أَو تسخم بهَا الأوراق وَالَّذِي ورط هَؤُلَاءِ الأرجاس فِي هَذِه الرذائل عدم الزاجر وَقلة الْغيرَة فِي الدّين فَانْظُر عَمَّن تَأْخُذ دينك وَكَيف تَأْخُذهُ وَقد نَصَحْتُك وَالسَّلَام

стр. 124

وَقد نجز التَّنْبِيه على التَّنْزِيه بمعونة الله تَعَالَى ونسأل الله الَّذِي فلق الْحبَّة وبرأ النَّسمَة أَن يعْفُو عَنَّا فِيمَا وَقع فِيهِ من الْخَطَأ والخطل بمنه ولطفه والختم بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيم على الْأَنْبِيَاء عُمُوما وعَلى نَبينَا خُصُوصا وعَلى آله وآلهم وَسلم تَسْلِيمًا

стр. 125

مَجْمُوع نكت من بعض مَا خص بِهِ نَبينَا ﷺ من الكرامات لَيْلَة الْإِسْرَاء والمعراج عِنْد لِقَاء الكليم ﵇ وَمَا كَانَ بَينهمَا من الْمُرَاجَعَة والمحاورة فِي أَمر الصَّلَاة ثمَّ ننبه بعد ذَلِك على فضل هَذِه الطَّاعَة الْعَظِيمَة وتعدد أَعمالهَا على التَّفْصِيل فروضا وسننا وأجورا لتتأكد على الْمُصَلِّين الرَّغْبَة فِي أَدَائِهَا ويزدجر التاركون لَهَا لما فاتهم من خَيرهَا وَلما يتوقعون من الْوَعيد على تَركهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَإِن قَالَ قَائِل لم اخْتصَّ نَبينَا ﵇ مُوسَى ﵇ بِخَبَر

стр. 126

الصَّلَاة وتفاوض مَعَه فِيهَا وَهُوَ فِي السَّادِسَة وَقد مر بإبراهيم ﵇ فِي السَّابِعَة وَلم يُخبرهُ بذلك مَعَ أَنه أَب وَمَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم﴾ فقد شَاركهُ فِي الْملَّة والأبوة فَلم أَخذ فِي الْقِصَّة مَعَ أَن مُوسَى ﵇ وَلم يَأْخُذ فِيهَا مَعَ إِبْرَاهِيم ﵇ مَعَ هَذِه المرات وتصور الْمَسْأَلَة مَبْنِيّ على مَا جَاءَ من مُوسَى ﵇ فِي السَّادِسَة وَإِبْرَاهِيم ﵇ فِي السَّابِعَة وَمن صَحَّ عِنْده أَن مُوسَى فِي السَّابِعَة وَإِبْرَاهِيم ﵇ فِي السَّادِسَة فَلَا غرو أَن يتفاوض مَعَ أول من لَقِي من الْأَنْبِيَاء وَإِن صَحَّ أَن مُوسَى ﵇ فِي السَّادِسَة وَإِبْرَاهِيم ﵇ فِي السَّابِعَة كَمَا تقدم فَلَا بُد من ذكر اخْتِصَاصه مَعَه فِي الْمُفَاوضَة وَذَلِكَ يحْتَمل خَمْسَة أوجه الأول مِنْهَا أَن يكون مُوسَى ﵇ سَأَلَهُ إِذْ مر بِهِ وَإِبْرَاهِيم ﵇ لم يسْأَله فَلَمَّا لم يسْأَله لم يُخبرهُ الثَّانِي أَنه اخْتصَّ مُوسَى بالمفاوضة لِأَنَّهُ قد حنكته معالجة بني إِسْرَائِيل قبله وجربهم فَلم يفوا بِمَا كلفوا وَإِبْرَاهِيم ﵇ بعث بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة فَلم يقبل فِي الْإِيمَان فَلم تقع طَاعَة فَلم تتَصَوَّر تجربة وَإِن كَانَ قبله أفذاذ من النَّاس فالنادر لَا يحكم بِهِ ويعضد هَذَا التَّفْسِير قَول مُوسَى ﵇ لَهُ (ارْجع إِلَى رَبك فَاسْأَلْهُ أَن يُخَفف عَن أمتك فَإِنِّي قد عَالَجت بني إِسْرَائِيل قبلك) الحَدِيث فقصد ﵇ مُوسَى لِأَنَّهُ كَانَ مجربا الثَّالِث أَن إِبْرَاهِيم ﵇ أَب ومُوسَى أَخ وَكَانَ فِي مَعْلُوم الله تَعَالَى أَن يسعف مُوسَى ﵇ من وَجه وَلَا يسعفه من وَجه حَيْثُ قَالَ لَهُ مُوسَى ﵇ بعد فرض الْخَمْسَة (ارْجع إِلَى رَبك فَقَالَ (إِنِّي أستحيي) فيسوغ هَذَا فِي مُرَاجعَة الْأَخ وَلَا يسوغ فِي مُرَاجعَة الْأَب الرَّابِع ان مُوسَى ﵇ كَانَ لَهُ حَظّ فِي أجور هَذِه الْأمة فِي

стр. 127

قَوْله ﵇ لما أخبر بِتَضْعِيف أجور أمة أَحْمد وفضلهم على جَمِيع الْأُمَم (قَالَ رَبِّي اجْعَلنِي من أمة أَحْمد) قَالَه يفاوضه فِي ذَلِك ليحلب حَلبًا لَهُ شطره قَالَ تَعَالَى لنبينا ﵇ ﴿وَمَا كنت بِجَانِب الغربي إِذْ قضينا إِلَى مُوسَى الْأَمر وَمَا كنت من الشَّاهِدين﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ يَعْنِي إِذْ قضينا فِي فضلك وَفضل أمتك حَتَّى قَالَ مُوسَى (رب اجْعَلنِي من أمة أَحْمد) الْخَامِس أَن يكون قَصده لمُوسَى للشُّبْهَة الَّتِي كَانَت بَينه وَبَين نَبينَا ﵇ فِي الْبَعْث بِالسَّيْفِ والتنجيم فِي الْعقُوبَة وَكَانَت خُصُوصا فِي بني إِسْرَائِيل بامتداد الْأَيَّام وَكَثْرَة السامعين المطيعين لَهُ وَكَثْرَة التبع فَإِنَّهُ مَا بعد تبع نَبينَا ﵇ فِي الْآخِرَة من هُوَ أَكثر من تبع مُوسَى ﵇ كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر ومصحح الشبهية فِي هَذِه الْوُجُوه قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أرسلنَا إِلَيْكُم رَسُولا شَاهدا عَلَيْكُم كَمَا أرسلنَا إِلَى فِرْعَوْن رَسُولا﴾ فاختصه بالشبهية فِي الْإِرْسَال دون غَيره فَهَذِهِ أوجه يتَصَوَّر فِيهَا التَّخْصِيص بالانحياش والمفاوضة إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام

стр. 128

وَأما فَوَائِد فرض الصَّلَاة فِي ذَلِك الْمقَام فلنذكر مِنْهَا مَا من الله تَعَالَى بِهِ على جِهَة الِاخْتِصَار وَهِي تَنْقَسِم أَرْبَعَة أَقسَام قسم فِي فَضلهَا على سَائِر الْعِبَادَات وَقسم فِي فضل نَبينَا ﵇ على سَائِر الْأَنْبِيَاء وَإِظْهَار إكرامه فِي ذَلِك الْمقَام عِنْد الْمَلأ الْأَعْلَى وَقسم فِي اهتمامه بأمته واحتياطه عَلَيْهِم فِي طلب التَّخْفِيف عَنْهُم وَقسم فِي لطف الله تَعَالَى بهم حَيْثُ حط عَنْهُم كلفة خمس وَأَرْبَعين وَأبقى لَهُم أجر الْخمسين فَأَما فَضلهَا على سَائِر الْعِبَادَات أَولا لكَونهَا فرضت فِي الْمقَام الْأَسْنَى على بِسَاط الْعِزَّة بِحَضْرَة الْمَلأ الْأَعْلَى وَفِي هَذَا تنويه بِهَذِهِ الطَّاعَة وتشريف لَهَا على سَائِر الْعِبَادَات حَتَّى إِن الله تَعَالَى يسْأَل الْحفظَة فِي كل يَوْم وَلَيْلَة كَيفَ تركْتُم عبَادي فَلَا يذكرُونَ لَهُ من أَعمال الْبر فِي التّرْك والإتيان سوى الصَّلَاة وَذَلِكَ لما سبق لَهَا من الْعلم بفضلها وتعظيمها حِين فرضت فِي ذَلِك الْمقَام وَأما من جِهَة التَّعْلِيل فَإِنَّهَا عبَادَة تَشْمَل الْجَسَد ظَاهرا وَبَاطنا وَتجمع عبادات الْمَلَائِكَة كَمَا شهد الْخَبَر أَن مِنْهُم قواما وَمِنْهُم ركع وَمِنْهُم سجد وَمِنْهُم ذاكرون مسبحون حامدون فَهَذِهِ الْأَحْوَال كلهَا قد جمعتها الصَّلَاة

стр. 129

حَتَّى لَا يفوت ابْن آدم عمل من أَعمال الْمَلَائِكَة مَعَ مَا جَاءَ فِي الْأَخْبَار من الحض عَلَيْهَا وتعظيم الْوَعْد والوعيد على فعلهَا وَتركهَا فِي كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله وَأَيْضًا فَإِن فروض الصَّلَاة أَكثر من سَائِر الْأَعْمَال كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى عِنْد تعداد فروضها وَقد قَالَ ﵇ (إِن الله يَقُول مَا تقرب إِلَيّ عَبدِي بِمثل أَدَاء مَا افترضت عَلَيْهِ) فَمَا كَانَت الطَّاعَة أَكثر فروضا كَانَت أفضل وَأما ظُهُور نَبينَا ﵇ وتقدمه فِي ذَلِك الْمحل فَلَا تحويه الرقوم وَلَا تحيط بِهِ ثاقبات الفهوم لَكنا نقتصر مِنْهُ على بعض مَا تضمنه إكرام الله تَعَالَى لَهُ فِي امْر الصَّلَاة وَالله الْمُسْتَعَان وَهُوَ يَنْقَسِم أَرْبَعَة عشر قسما أَحدهَا أَنه كَانَ وافدا على الله تَعَالَى وضيف الْكَرِيم كريم فأتحفه بِهَذِهِ التُّحْفَة الَّتِي هِيَ أم الطَّاعَات وَرَأس الْمُعَامَلَات كَمَا تقدم الثَّانِي أَن فَرضهَا خمسين وَفِي معلومه تَعَالَى نسخ تِسْعَة أعشارها ليظْهر جاهه عِنْد الْمَلأ الْأَعْلَى فِي السُّؤَال والإجابة فَلَو فرض الْخَمْسَة فِي أول وهلة لم يظْهر ذَلِك الجاه كَمَا لَو قدرت كَرِيمًا وَفد على ملك عَظِيم فَأحْسن لَهُ كَمَا يَنْبَغِي لسعة مَمْلَكَته ثمَّ أمره أَن يلْزم قومه خمسين وَظِيفَة ثمَّ قبل شَفَاعَته فِي أَكْثَرهَا أَتَرَى كَانَ يخفى على وزراء ذَلِك الْملك وحاشيته مَكَان هَذَا الْوَافِد عَلَيْهِ الثَّالِث أَنه لم يحطهَا عَنهُ جملَة بل نجمها عَلَيْهِ تسع مَرَّات وَذَلِكَ ليؤكد

стр. 130

إكرامه عِنْد الْمَلَائِكَة حَتَّى يعلمُوا بَسطه لَهُ وباينه فِي تكْرَار الْإِسْعَاف مَعَ تكْرَار السُّؤَال الرَّابِع أَنه لم يحظه فِي هَذَا التّكْرَار إِلَّا بعد أَن فَارق الْبسَاط وَانْصَرف ثمَّ رَجَعَ وَذَلِكَ زِيَادَة فِي الْإِكْرَام وَذَلِكَ أَن الْوُفُود إِذا فَارَقت بِسَاط الْمُلُوك بعد قَضَاء الْحَوَائِج لَا يَنْبَغِي لَهَا أَن ترجع فِي طلب حوائج أخر فلئن رَجَعَ وَافد مِنْهُم فِي طلب حَاجَة أُخْرَى فَهُوَ أدل دَلِيل على تَأْكِيد كَرَامَة هَذَا الرَّاجِح فِي طلب الْحَاجة الْأُخْرَى فأعجب بهَا كَرَامَة إِذْ رَجَعَ تسع مَرَّات فأسعفه الْملك فِي كلهَا وأعجب من ذَلِك أَنه تَعَالَى لم يسعفه تسع مَرَّات إِلَّا فِي جنس وَاحِد وَأَنه قد تصلح الْمُرَاجَعَة فِي المختلفات فَأكْرم بهَا إِذْ كَانَت فِي الْجِنْس الْوَاحِد الْخَامِس أَنه تَعَالَى لما علم أَنه لَا يسعفه فِي حط شَيْء من الْخَمْسَة ألْقى عَلَيْهِ الْحيَاء فَقَالَ لَهُ مُوسَى ارْجع إِلَى رَبك فَقَالَ إِنِّي أستحيي فَلَو رَجَعَ وَلم يسعفه لانخرم نظام الجاه فبمَا قدمْنَاهُ من الْكَرَامَة وَفِي ذكره الْحيَاء أَيْضا لمُوسَى ﵇ أدب مَعَه ليعلمه أَن الرَّأْي مَا رَآهُ مُوسَى ﵇ لَوْلَا أَنه مَنعه الْحيَاء نور الله صدورنا وعقولنا وأعاننا على تَعْظِيم الأكابر وإبراز بعض مناقبهم السّنيَّة السَّادِس وَهُوَ أَن حط عَنهُ وَعَن أمته مُعظم الكلفة وَأبقى لَهُم أجر الْعدَد كَمَا سبق حِين قَالَ (هِيَ خمس وَهِي خَمْسُونَ مَا يُبدل القَوْل لدي) يَعْنِي خمْسا فِي الْعدَد وَخمسين فِي الأجور السَّابِع أَنه بشره أَن سَائِر أَعمال الْبر الْمَفْرُوض والمنذور تجْرِي على حكم الصَّلَاة وتضعيف الأجور من قَوْله (وَمن هم بحسنة فعملها كتبت عشرا)

стр. 131

الثَّامِن بشره أَنه يُضَاعِفهَا إِلَى سبع مئة وَيزِيد التَّاسِع أَنه بشره أَن من هم بحسنة وَلم يعملها كتبت حَسَنَة وَاحِدَة الْعَاشِر أَنه بشره أَن من هم بسيئة وعملها كتبت سَيِّئَة وَاحِدَة الحادى عشر أَنه بشره أَن من هم بسيئة وَلم يعملها لم تكْتب شَيْئا الثَّانِي عشر وَهُوَ مَا اخْتصَّ بِهِ من السرعة فِي قطع الْمسَافَة فِي تِلْكَ اللَّيْلَة وَذَلِكَ أَنه أسرِي بِهِ من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى ثمَّ صعد بِهِ إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهى ثمَّ رَجَعَ إِلَى السَّمَاء السَّادِسَة وَعَاد إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهى فِي مُنَاجَاة الكليم ﵇ تسع مَرَّات ثمَّ إِلَى منزله الَّذِي خرج مِنْهُ أول اللَّيْل قبل الْفجْر وَهَذِه المسافات كَيفَ مَا قدرت أبعادها فَهُوَ أَمر لَا يحد وَسُرْعَة حركات لَا تتخيل لَا سِيمَا مَعَ شَهَادَة الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة أَن الْجُزْء إِنَّمَا يقطع بالحركات جُزْءا بعد جُزْء بحركة بعد حَرَكَة وَأَن الطفرة محَال وَأما مَا ظهر من فضل أمته فَمن أَجله وبسببه وَحسن وساطته فَلَا نحتاج أَن نرخي عنان القَوْل فِيهِ فَثَبت بِهَذَا أَن سرعَة الحركات وبطأها إِنَّمَا ترجع لِكَثْرَة اللّّبْث فِي الأحيان لَا لنَفس الحركات فَإِن الْحَرَكَة إِنَّمَا يقطع بهَا جُزْء بعد جُزْء بِشَهَادَة الْعقل الثَّالِث عشر وَذَلِكَ أَنه احتاط على أمته وَسَأَلَ عِنْد الْمُنَاجَاة الرِّفْق بهم وَالتَّخْفِيف عَنْهُم وَاخْتَارَ قَضَاء حوائجهم وَلم يخْتَر لنَفسِهِ وَلَا سَأَلَ لَهَا وَهَذِه غَايَة الْفضل الَّذِي لَا يُبَارى فِيهِ فَإِن الْوَافِد على الْمُلُوك إِنَّمَا يقدم سُؤال حَاجته وَهُوَ ﵇ قدم سُؤال حَاجَة رَعيته وَلم يسْأَل لنَفسِهِ وَينظر لذَلِك مَا جَاءَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ (لكل نَبِي دَعْوَة واختبأت دَعْوَتِي شَفَاعَة لأمتي يَوْم الْقِيَامَة)

стр. 132

ويروى (ادخرت دَعْوَتِي شَفَاعَتِي لأمتي يَوْم الْقِيَامَة) فصح فضل أمته بِسَبَبِهِ فَإِنَّهُ ذكرهم ونوه بهم وَاخْتَارَ لَهُم وألح فِي السُّؤَال على الله تَعَالَى حَتَّى قضيت حوائجهم فَأَي منَّة لنَبِيّ كمنته علينا فَصَارَ فَضلهمْ تبعا لفضله وكرامتهم تبعا لكرامته فجزاه الله عَنَّا خير مَا جزى نَبيا عَن أمته وَمَعَ مَا قدمنَا من الْفَوَائِد وَهِي الرَّابِعَة عشرَة ثَلَاث فَوَائِد عَظِيمَة الْموقع فِي مسَائِل الِاعْتِقَاد عقلا وَشرعا وَقد كثر فِيهَا مُكَابَرَة أهل الْبدع ومثابرتهم الأولى إِثْبَات جَوَاز الْأَمر من الله تَعَالَى بِمَا لَا يُرِيد وُقُوعه فَإِنَّهُ تَعَالَى أَمر بالخمسين وَلم يرد وُقُوعهَا من الْمُكَلّفين الثَّانِيَة وَهِي بطلَان ادعائهم اسْتِحَالَة الْأَمر من الْآمِر بِمَا لَا يُرِيد وُقُوعه وَفِي هَذِه الْقِصَّة إِثْبَات مَا أحالوه الثَّالِثَة وَهِي جَوَاز نسخ الحكم قبل وُقُوع الْعَمَل بِهِ فَإِنَّهُم يأبون ذَلِك فصح أَنه أَمر بالخمسين وَنسخ مِنْهَا خَمْسَة وَأَرْبَعين فَإِن قَالُوا إِنَّه وَقع بعضه وَهُوَ اكْتِسَاب النَّبِي ﷺ الْعلم بهَا والإرادة لفعلها وَكِلَاهُمَا عبَادَة فَالْجَوَاب عَنهُ أَن الْمَأْمُور بهَا إِنَّمَا هِيَ الصَّلَوَات المنسوخة الَّتِي هِيَ حركات وأصوات ونيات وعزم يَتَجَدَّد عِنْد افتتاحها وَهَذِه هِيَ الصَّلَاة الْمَعْلُومَة فِي الشَّرْع وَلَا تسمى النِّيَّة وَالْعلم صَلَاة على الِانْفِرَاد فَهَذَا رَحِمك الله بعض مَا تيَسّر من التفقه فِي بعض حَدِيث الْإِسْرَاء فَإِن من الله تَعَالَى وساعدت الْحَيَاة فَعَسَى نتدبر سَائِر الحَدِيث بِمَا يفتح الله وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل

стр. 133

فصل وَهَا أَنا أنبه بعد هَذَا على مَا شرطناه فِي تَقْدِيم هَذِه الطَّاعَة الْعُظْمَى على سَائِر الْمُعَامَلَات وتعداد أَعمالهَا على التَّفْصِيل ظَاهرا وَبَاطنا فروضا وسننا وأجورا فَأَما التَّنْبِيه على فَضلهَا وَالتَّرْغِيب فِيهَا لما جمعت من إعداد الطَّاعَات وتضعيف الأجور عَلَيْهَا وتحريض الْمُكَلف على آدابها فَاعْلَم رَحِمك الله أَن جَمِيع أَعمال الطَّاعَات سوى الْإِيمَان الْمُصَحح لَهَا على ضَرْبَيْنِ ظَاهر وباطن فَالظَّاهِر على ضَرْبَيْنِ أصوات وأكوان وَالْبَاطِن على ضَرْبَيْنِ عُلُوم ونيات وَالْقُدْرَة الْحَادِثَة تتَعَلَّق بِجَمِيعِ هَذِه الكائنات ثمَّ جَمِيعهَا تَنْقَسِم فِي الشَّرْع قسمَيْنِ فروض ومندوبات وَكلهَا عبادات ومعاملات لَكِن الْمَفْرُوض مِنْهُمَا أرفع دَرَجَات وأمت للقربات كَمَا جَاءَ عَن سيد السادات ﷺ أفضل الصَّلَوَات حَيْثُ قَالَ (إِن الله تَعَالَى يَقُول مَا تقرب إِلَيّ عَبدِي بِمثل أَدَاء المفترضات) فصل لَكِن إِذا نظرت إِلَى هَذِه الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة وجدت أعداد فروضها وسننها يشف على سَائِر أعداد الْأَعْمَال الْمَشْرُوعَة فَإِذا عددت صَلَاة شهر وَجدتهَا زَادَت على طاعات الْعُمر فروضا وسننا فَأول الْفُرُوض ظَاهرا

стр. 134

من سواهَا كلمة الْإِخْلَاص وفرضها مرّة فِي الْعُمر وَمَا سوى ذَلِك فمندوب إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْحَج من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَأما فرض الزَّكَاة فَمرَّة فِي السّنة لمن وَجَبت عَلَيْهِ وَأما فرض الصَّوْم فشهر فِي كل سنة وَأما فرض الْجِهَاد فَإِذا دهمك الْعَدو أَو أَمرك إِمَام الْوَقْت وَهَاتَانِ الحالتان قد تقع وَلَا تقع وَأما التَّوْبَة فَتجب على من أذْنب وَهِي غير مُعينَة الْعدَد فَصَارَ على هَذَا مُعظم الْعدَد فِي المفروضات دون عدد فروض الصَّلَوَات الْمَكْتُوبَة وَأما الصَّوْم فَإِذا عددت عمر سبعين سنة الَّذِي هُوَ رَأس المعترك تَجِد صومك فِيهَا خَمْسَة وَخمسين شهرا بعد إِخْرَاج سني الطفولية الَّتِي هِيَ خمس عشرَة سنة وَإِن قابلت عدد الصَّلَوَات بأعداد أَيَّام الصَّوْم فِي الْعُمر قوبلت بعده فرض صَلَاة يَوْم وَلَيْلَة وَكَذَلِكَ أعداد الزَّكَاة على مَا تقدم فَصَارَت كلمة الْإِخْلَاص وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج مئة فرض واثني عشر فرضا فقد فضلت أعداد فروض الصَّلَوَات الْخمس فِي الشَّهْر سَائِر أعداد المفترضات فِي الْعُمر بِثمَانِيَة وَثَلَاثِينَ فرضا وَهِي ربع الْعدَد الْمُتَقَدّم جملَة بجملة

стр. 135

فصل وَأما التَّفْصِيل فأضعاف لَا يكَاد يحصرها الْعدَد ظَاهرا وَبَاطنا على حسب مَا تقدّمت الْقِسْمَة فَأَما ظَاهر اللَّفْظ الْمَفْرُوض فَهُوَ ثَلَاث أم الْقُرْآن وَتَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَالسَّلَام على مَا صَحَّ فِي الْمَذْهَب من غير خلاف من خَالف فِي بَعْضهَا على أَن من خَالف فِي بَعْضهَا لم يخْتَلف فِي كَونهَا طَاعَة وغرضنا إِنَّمَا هُوَ تَكْثِير الطَّاعَات وتضعيف الأجور عَلَيْهَا فَأَما عدد حُرُوف أم الْقُرْآن بالمضاعفة الْمُشَدّدَة مِنْهَا وحروف الْمَدّ واللين فمئة حرف وَأحد وَعِشْرُونَ حرفا اضربها فِي سَبْعَة عشر الَّتِي هِيَ عدد رَكْعَات الْيَوْم وَاللَّيْلَة صَار مِنْهَا ألفا حرف وَسَبْعَة وَخَمْسُونَ حرفا فأضف لَهَا عدد حُرُوف تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَالسَّلَام الَّذين هما أحد وَعِشْرُونَ بحرفين مشددين وحرفين ممدودين صَار الْكل أَلفَيْنِ ومئة واثنين وَسِتِّينَ حرفا فأضف لَهَا الْأَفْعَال الْمَفْرُوضَة الَّتِي هِيَ مئة فعل وَتِسْعَة عشر فعلا صَار الْعدَد ألفي فرض ومئتي فرض وأحدا وَثَمَانِينَ فرضا ضف لَهَا

стр. 136

فرض التَّوَجُّه إِلَى الْقبْلَة قيَاما وقعودا سبعين مرّة صَارَت أَلفَيْنِ وَثَلَاث مئة وأحدا وَخمسين فرضا فَإِذا صَحَّ هَذَا الْعدَد ضف لَهُ ضعفيه من النيات عِنْد فعلهَا والعلوم بهَا إِذْ لَا يَصح عمل مِنْهَا إِلَّا بنية وَعلم صَار مِنْهَا سَبْعَة آلَاف فرض وَثَلَاث مئة وَخَمْسُونَ فرضا ضف لَهَا ضعفها فِي السنين أقوالا وأفعالا ونيات وعلوما صَارَت أَرْبَعَة عشر ألف طَاعَة وَسبع مئة طَاعَة تتضمنها الصَّلَوَات الْخمس فِي كل يَوْم وَلَيْلَة على أَن السّنَن أَكثر عددا لَكِن قصدنا الِاخْتِصَار بالحذف وليتقابل التَّضْعِيف فيسهل الْعدَد ضاعفها بِعشْرَة أَمْثَالهَا من الأجور عَلَيْهَا إِذْ قد صَحَّ وَثَبت أَن الْحَسَنَة بِعشْرَة أَمْثَالهَا صَارَت مئة ألف حَسَنَة وَسبعا وَأَرْبَعين ألف حَسَنَة ثمَّ إِن هَذَا الْعدَد الَّذِي نبهك الله عَلَيْهِ فِي التَّضْعِيف إِنَّمَا هُوَ أس شَرْعِي فِي عدد الأجور بِمَثَابَة الْوَاحِد فِي الْعدَد فأخبرك الله تَعَالَى أَنه جعل اقل الأجور فِي التَّضْعِيف عشرَة ثمَّ زَاد إِلَى سبع مئة ثمَّ زَاد إِلَى أَن يُوفى الصَّابِرُونَ أُجُورهم بِغَيْر حِسَاب يَعْنِي عِنْدهم لكَوْنهم لَا يُطِيقُونَ حصره فَإِن كل مَا خلق الله تَعَالَى يجب أَن يكون عِنْده معددا محاطا بِهِ على التَّفْصِيل كَمَا قَالَ تَعَالَى وأحصى كل شَيْء عددا فصل وَلما استغرق الْعدَد فِي أَمر الصَّلَاة سَائِر الطَّاعَات لم نتعرض لعدد طاعات الطَّهَارَة لحُصُول الْمَقْصُود فِي الْكَثْرَة على أَن هَذَا الْعدَد على كثرته إِنَّمَا هُوَ فِيمَا هُوَ فِي وسع الْبشر وَأما مَا هُوَ فِي مَعْلُوم الله تَعَالَى من

стр. 137

عدد الحركات والأصوات والعلوم والنيات وانتقال أَجزَاء جسم الْمُصَلِّي فِي الأحياز والجهات بجملة هَذِه الْأَعْرَاض الَّتِي لَا يَصح بَقَاؤُهَا فَهُوَ عدد ينْفَرد الْبَارِي تَعَالَى بِهِ دون الْخلق وكل وَاحِد مِنْهَا عمل فِي مَعْلُوم الله تَعَالَى معدد خلقه فِي الْمُكَلف وأضافه إِلَيْهِ عملا وكسبا فَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا يظْلمُونَ فتيلا﴾ ﴿وَلَا يظْلمُونَ نقيرا﴾ أَي لَا ينقصُونَ وَلَا يبخسون وَقَالَ تَعَالَى وَمَا ألتناهم من عَمَلهم من شَيْء وَقَالَ ﴿لَا يُغَادر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة إِلَّا أحصاها﴾ وَقَالَ تَعَالَى وكل شَيْء فَعَلُوهُ فِي الزبر وكل صَغِير وكبير مستطر ومجموع هَذِه الْآي تدل على ان كل عرض عمل بِرَأْسِهِ يَقع الْجَزَاء عَلَيْهِ تَفْصِيلًا فَلَا يظنّ أَن السَّجْدَة مثلا عمل وَاحِد لَهُ عشر من الأجور بل كل عرض فَرد فِي كل جُزْء فَرد من الْإِنْسَان عمل بِرَأْسِهِ لَهُ عشر حَسَنَات تفضل بهَا علينا أكْرم الأكرمين ثمَّ إِذا كَانَ هَذَا التَّضْعِيف يَصح للفذ فَمَا ظَنك بِهِ فِي حق الْمُصَلِّي فِي الْجَمَاعَة وَأما من صلى فِي الْحرم فقد غمض الْجَلِيّ وأتى الْوَادي فطم على القري فَهَذَا هَذَا وَلَا يهْلك على الله إِلَّا هَالك فصل فَإِذا كَانَ هَذَا التَّضْعِيف الْعَظِيم من أعداد الأجور يَصح للْمُصَلِّي فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة فَمَا ظَنك بِصَلَاة شهر وأينك من صَلَاة سنة وَمَا أَدْرَاك من

стр. 138

صَلَاة الْعُمر فنسأل الَّذِي فلق الْحبَّة وبرأ النَّسمَة وَمن على عباده المغرقين فِي الذُّنُوب بفرضها لتكفير سيئاتهم وعَلى الموفقين لرفع درجاتهم أَن يتم نعْمَته علينا بِصِحَّة أَدَائِهَا والاصطبار عَلَيْهَا بمنه وَطوله فصل فَتَأمل رَحِمك الله إِلَى هَذِه الْعِبَادَة وَمَا حوت من أَسبَاب السَّلامَة وَتَحْصِيل الدَّرَجَات والفوز بالمثوبات حَتَّى يتفطن لمؤكدات الْكتاب وَالسّنة فِي الحض عَلَيْهَا وَالِاعْتِبَار بهَا فِي غير مَا آيَة وَخبر أما الْآيَات فكقوله تَعَالَى ﴿إِن الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَأمر أهلك بِالصَّلَاةِ واصطبر عَلَيْهَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر﴾ وَقَوله تَعَالَى وأقم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار وَزلفًا من اللَّيْل إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات فَذكر ذهَاب السَّيِّئَات بِإِزَاءِ ذكر الصَّلَاة لِأَنَّهُ من أجلهَا وسببها وَانْظُر كَيفَ أكد تَعَالَى فِي أَدَائِهَا حِين خفف من غَيرهَا فَقَالَ

стр. 139

(فاقرؤوا مَا تيَسّر مِنْهُ وَأقِيمُوا الصَّلَاة) وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإذْ لم تَفعلُوا وَتَابَ الله عَلَيْكُم فأقيموا الصَّلَاة﴾ وَلَو تتبعت الْقُرْآن كُله لوجدت هَذِه التشبيهات فِي آي لَا تحصى عدَّة وَيَكْفِيك أَن جعلهَا الله تلو الْإِيمَان قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّنِي أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني وأقم الصَّلَاة لذكري﴾ فَلم يعْطف على توحيده إِلَّا بِالصَّلَاةِ وَقَالَ ﴿الَّذين يُؤمنُونَ بِالْغَيْبِ ويقيمون الصَّلَاة﴾ وَقَالَ ﴿من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَأقَام الصَّلَاة﴾ فَحَيْثُ مَا ذكر الْإِيمَان أردفه بهَا حَتَّى قَالُوا وَإِنَّمَا سميت صَلَاة لكَونهَا تلو الْإِيمَان مَأْخُوذَة من الْمُصَلِّي وَهُوَ الْفرس الَّذِي يَلِي السَّابِق من الحلبة لكَون أَنفه عِنْد صلوي السَّابِق وهما عرقان فِي الْفَخْذ فصل وَأما الْأَخْبَار فكقوله ﷺ (أول مَا ينظر فِيهِ من عمل العَبْد الصَّلَاة فَإِن قبلت مِنْهُ نظر فِيمَا بَقِي من عمله وَإِن لم تقبل مِنْهُ لم ينظر فِي شَيْء من عمله) وَقَوله (إِنَّمَا مثل الصَّلَاة كَمثل

стр. 140

نهر غمر عذب بِبَاب أحدكُم) إِلَى قَوْله (فَإِنَّكُم لَا تَدْرُونَ مَا بلغت بِهِ صلَاته) وَقَوله ﷺ (خمس صلوَات كتبهن الله تَعَالَى على الْعباد) إِلَى قَوْله (كَانَ لَهُ عِنْد الله عهد أَن يدْخلهُ الْجنَّة وَمن لم يَأْتِ بِهن فَلَيْسَ لَهُ عِنْد الله عهد) الحَدِيث وَقَوله ﷺ فِي سُؤال الله الْمَلَائِكَة على جِهَة المباهاة بالمصلين (كَيفَ تركْتُم عبَادي) الحَدِيث وَقَول عمر ﵁ لعماله إِن أهم أُمُوركُم عِنْدِي الصَّلَاة فَمن حفظهَا وحافظ عَلَيْهَا حفظه الله وَمن ضيعها فَهُوَ لما سواهَا أضيع فَجَعلهَا أهم الطَّاعَات وآكد القربات أَلا ترى حَيْثُ فرضت بالملأ الْأَعْلَى بِحَضْرَة الْمَلَائِكَة الْمُكرمين ومشهد الرُّسُل الْكِرَام والسادات الْأَعْلَام كَمَا تقدم ذكره وَكَيف أيأسنا من نسخهَا وَنسخ بَعْضهَا فَقَالَ (هِيَ خمس وَهِي خَمْسُونَ لَا يُبدل القَوْل لدي) فَعرفت أَنَّهَا من الله صدق أَنِّي حتم وَمَا عَسى أَن أطيل فِي أَمر هُوَ أظهر من أَن يحْتَاج فِيهِ إِلَى تَطْوِيل ولنكتف

стр. 141

بقوله ﷺ (أَرحْنَا بهَا يَا بِلَال) يعْنى الصَّلَاة وَبِقَوْلِهِ ﷺ (وَجعلت قُرَّة عَيْني فِي الصَّلَاة) فصل فَتَأمل أَيهَا الْعَاقِل الْمُوفق لهَذِهِ الْعلقَة الثمينة وَالْأَمَانَة المصونة والحظوة الضمينة لَك بالسلامة والعناية المكينة وَشد عَلَيْهَا كف الضنين واحفظها حفظ المؤتمن الْأمين ذخيرة ليَوْم الافتقار وجنة بَيْنك وَبَين النَّار فصل لَكِن إياك أَيهَا الْمُصَلِّي مَعَ مَا تقدم لَك أَن يبسطك الرَّجَاء بِكَثْرَة الأجور فَتَهْوِي بك فِي دركات الْغرُور وعالج هَوَاك بِأَن تعلم أَن حُصُول الْفضل لَا يَصح إِلَّا بأَرْبعَة شُرُوط وَهِي الْعلم بتفاصيل أَحْكَامهَا والأخلاص فِي كل ظَاهر مِنْهَا وباطن لله تَعَالَى وَحُضُور الْقلب عِنْد أَدَائِهَا فِي كل لَحْظَة لِأَنَّهُ مَالك مِنْهَا إِلَّا مَا عقلت كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر

стр. 142

ورؤية التَّقْصِير فِيهَا بعد الْفَرَاغ مِنْهَا كَانَ الْحُسَيْن بن عَليّ ﵄ إِذا تَوَضَّأ للصَّلَاة تغير لَونه واضطربت فرائصه فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ أَتَدْرُونَ بَين يَدي من أَقف أَتَدْرُونَ من أخاطب فَهَذَا هَذَا وأنى لنا بذلك وَمن أَيْن وحسبنا مَا نعلم من تفريطنا وغفلتنا وَإِذا صحت هَذِه وَقل مَا تصح فَالْأَمْر بعد مَوْقُوف على السَّابِقَة وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم ﴿قل بِفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هُوَ خير مِمَّا يجمعُونَ﴾ فصل وَأما أَنْت أَيهَا التارك البطال المنهمك فِي غلواء التعطيل المرتبك فِي طماعية الأمل المخيل الَّذِي يسمع الْأَذَان فِي كل يَوْم وَلَيْلَة خمس مَرَّات وَأَنت وادع الْقلب مطمئن الْجَوَارِح لَا تصحو من سكرتك وَلَا تتيقظ من غامض غفلتك كَأَنَّك لم تفرض عَلَيْك وَكَأن الْمَطْلُوب بهَا غَيْرك ولتعلم أَن كل مَا سبق من أَفْرَاد الْعدَد فِي الْأَعْمَال الصَّالِحَة الْمَفْرُوضَة عَلَيْك مثل عَددهَا من الآثام فِي التّرْك لكَون جَزَاء السَّيئَة بِمِثْلِهَا وَأَنت مَعَ ذَلِك فِي دنياك أبطش من عِقَاب وَأحذر من

стр. 143

غراب ذِئْب عتم وضبع قرم جماع مناع عفرية نفرية تنتهز الفرصة وتغتنم من قمامة أَخِيك القبصة وتخدع من سواك وَلَو فِي نفثة سواك لتحصل بهَا شهواتك وتجاهر من يطلع عَلَيْك فِي خلواتك كَمَا قيل (مَا أميل النَّفس إِلَى الْبَاطِل ... وأهون الدُّنْيَا على الْعَاقِل) (ترضي الْفَتى فِي عَاجل شَهْوَة ... لَو خسر الْجنَّة فِي الآجل) فَإِن ادعيت الْجَهْل بِمَا يلزمك فَمَا أعلمك بِمَا لَا يلزمك وَإِلَّا فَانْظُر كَيفَ تجهد أيامك وَتصرف غوائلك وتنصب شركك وحبائلك لتصيد نزر خسيس بخبث مَكَائِد لَا يتفطن لَهَا إِبْلِيس يَا بائس يَا فَقير يَا دودة الْحَرِير تبني على نَفسك سرادق نحسك وبخسك كَمَا قيل

стр. 144

(تجمع مَا تتركه حسرة ... لوَارث أَو آمل أملك) (أقربهم مِنْك وأدناهم ... إِلَيْك من فِي حُفْرَة أنزلك) (وَرَاح من قبرك مستعجلا ... فتش من فرحته مَنْزِلك) ورحل مَا أخفيت من عقدَة ... كنت بَخِيلًا أَن يَرَاهَا ملك) قَالَ بشر بن الْحَارِث رَحْمَة الله عَلَيْهِ (لِابْنِ آدم فِي مَاله ثَلَاث حسرات يجمعه كُله ويتركه كُله وَيسْأل عَنهُ كُله وكما قَالَ عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه فِي خطْبَة خطبهَا رفعتم الطين ووضعتم الدّين وضيعتم الْمَسَاكِين وتشبهتم بالدهاقين فألحقتم بالملاعين أَيهَا المغالط لنَفسِهِ المتغافل عَن هيل التُّرَاب عَلَيْهِ فِي رمسه رَاجع بصيرتك وسدد نحيرتك وَقدر أَنَّك الْمَطْلُوب وَحدك قَالَ الله تَعَالَى ﴿كلهم آتيه يَوْم الْقِيَامَة فَردا﴾ يَا رواغ يَا خداع وَلَا وزر إِلَى رَبك يَوْمئِذٍ المستقر فافرغ إِلَى عقلك من غَمَرَات حسك وصير يَوْمك خيرا من أمسك حذار حذار فجأك الْمَوْت فبادر إِلَى التَّوْبَة قبل الْفَوْت جعلنَا الله وَإِيَّاكُم مِمَّن قَالَ وَفعل

стр. 145

وَأمر فامتثل بفضله بمنه وَلَا جعلنَا مِمَّن يرى القذى فِي عين أَخِيه وَلَا يرى الْجذع فِي عينه وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَبِه أستعين وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَصلى على سيدنَا مُحَمَّد وَآله صَحبه وَسلم تَسْلِيمًا كمل بِحَمْد الله وَمِنْه وَحسن توفيقه وَوَقع الْفَرَاغ من تحريره على يَد الْفَقِير إِلَى الله الخاطئ المذنب الراجي عَفْو ربه الْكَرِيم إِسْحَاق بن مَحْمُود بن بلكويه بن أبي الْفَيَّاض الشابرخواستي البرجردي غفر الله لَهُ ولوالديه وَلِجَمِيعِ أمة مُحَمَّد برحمته الواسعة وَذَلِكَ فِي الْخَامِس عشر من صفر سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة بِالْقَاهِرَةِ المحروسة المعزية وَالْأَصْل الَّذِي انتسخ مِنْهُ كَانَ مُقَابلا بِأَصْل الْمُؤلف رَحْمَة الله عَلَيْهِ وَالْحَمْد لله وَحده وصلواته على نبيه مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وعترته الطيبين الطاهرين قَالَ عبد الله الراجي رَحمته ومغفرته مُحَمَّد رضوَان بن أَحْمد بن عبد الرَّزَّاق بن أَحْمد الداية الْمَكِّيّ أرومة الدِّمَشْقِي الصَّالِحِي أصلا الدومي ولادَة وَإِقَامَة نجز بِحَمْد الله وتوفيقه النّظر فِي كتاب تَنْزِيه الْأَنْبِيَاء عَمَّا نسب إِلَيْهِم حثالة الأغبياء لأبي الْحسن عَليّ بن أَحْمد الْأمَوِي السبتي غرَّة يَوْم الثُّلَاثَاء
следующие страницы →