Полный текст (146 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أَحدهَا ان الثَّلَاث الكذبات الَّتِي عَددهَا على أوجه مُخْتَلفَة فإحداها أَنه لما دَعوه لِلْخُرُوجِ مَعَهم لمهرجانهم فِي سدفة السحر وَفِي باله أَن يكيد أصنامهم بعد خُرُوجهمْ كَمَا أخْبرهُم حِين قَالَ ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أَن توَلّوا مُدبرين﴾ فَنظر إِلَى النُّجُوم ليقيم عذره عِنْدهم على زعمهم لكَوْنهم يَقُولُونَ بِالْقضَاءِ فِي النُّجُوم ﴿فَقَالَ إِنِّي سقيم﴾ فاعتقدوا أَنه رأى فِي النُّجُوم أَسبَاب الْمَرَض فرضوا عَنهُ بذلك وتركوه
وَهَذَا من النمط الَّذِي قدمْنَاهُ فِي الْكَوَاكِب الثَّلَاثَة أَن أَقْوَاله فِيهَا إِنَّمَا كَانَت على جِهَة الْإِبْهَام عَلَيْهِم والتنبيه لَهُم لَعَلَّهُم يتفطنون فِي ثَانِي حَال
الثَّانِيَة قَوْله بَعْدَمَا صير أصنامهم جذاذا حِين سَأَلُوهُ ﴿من فعل هَذَا بآلهتنا﴾ فَقَالَ ﴿بل فعله كَبِيرهمْ هَذَا﴾ وَأَشَارَ إِلَى كَبِير الْأَصْنَام وَهُوَ قد شوه صورته وسمل عَيْنَيْهِ وجدع أَنفه ومقطوع بِهِ أَنه قَالَ ذَلِك ليقيم الْحجَّة عَلَيْهِم فِي نفي الإلهية عَمَّا اعتقدوه من الْكَوَاكِب والأصنام فَصَارَت هَذِه القولة فِي مَعْنَاهَا تشبه تِلْكَ الْأَقْوَال الثَّلَاثَة فِي الْكَوَاكِب فَلَمَّا كَانَت الْأَقْوَال مَعَ قَوْله فِي الصَّنَم على وَجه وَاحِد من إِقَامَة الْحجَّة على مَذْهَب الْخصم ومقابلة الْفَاسِد بالفاسد صَارَت كالواحدة فِي الْمَعْنى ثمَّ أضَاف لَهَا القولتين المختلفتين فِي النّظر فِي النُّجُوم وَقَوله فِي أَهله للْملك الْجَبَّار هِيَ أُخْتِي فَصَارَت ثَلَاثًا
стр. 72
وَأما الثَّالِثَة الَّتِي هِيَ قَوْله للْملك الَّذِي أَرَادَ أَن يَأْخُذ مِنْهُ أَهله عنْوَة فَسَأَلَهُ مَا هَذِه الَّتِي مَعَك فَقَالَ هِيَ أُخْتِي فَكَانَ قَوْله ذَلِك طَمَعا فِي تَخْلِيصهَا مِنْهُ بِهَذِهِ القولة ليقيم عذره عِنْد الْملك لكَون الْغيرَة على الْأُخْت آكِد مِنْهَا على الزَّوْج فَقَالَ لَهُ ذَلِك لَعَلَّه يَتْرُكهَا لَهُ كَالَّذي فعل فَلَو قَالَ هِيَ زَوْجَتي فَرُبمَا كَانَ يَقُول لَهُ انْزِلْ لي عَنْهَا أتملكها على الْوَجْه الَّذِي كَانَت عنْدك فَلَمَّا كَانَت القولتان تخَالف الْوَاحِدَة الَّتِي اتّحدت مَعَ الثَّلَاث فِي إِقَامَة الْحجَّة على الْخُصُوم بعد تَسْلِيم مَذْهَبهم لَهُم جدلا عد الْكل ثَلَاثًا لِاتِّحَاد الْأَرْبَعَة الْأَقْوَال فِي الْمَعْنى
الْوَجْه الثَّانِي أَن تكون القولات الثَّلَاث فِي الْكَوَاكِب الَّتِي لم يعدها من الكذبات بِأَمْر من الله تَعَالَى أَمر أَن يَقُولهَا فَقَالَهَا وَلم يعدها كذبات لكَونه مَأْمُورا بهَا وَتلك الثَّلَاث الَّتِي عدهَا كَانَت عَن نظره واجتهاده فأبهمها بِأَن رأى أَن السُّكُوت عَنْهَا كَانَ لَهُ أولى على مَا قدمْنَاهُ فِي حَقهم من مُرَاعَاة الأولى
وَإِذا كَانَت الثَّلَاث الْأُخَر بِأَمْر الله تَعَالَى لَهُ فَلَا حرج فِيهَا لكَونه مَأْمُورا بهَا فَتخرج لَهُ مخرج قَول الْملك لداوود ﵇ ﴿إِن هَذَا أخي﴾ وَلم يكن أَخَاهُ حَقِيقَة وَقَوله ﴿لَهُ تسع وَتسْعُونَ نعجة﴾ وَلم يكن لَهُ نعاج إِلَى آخر مَا قَالَه
وَقَوله يُوسُف ﵇ لإخوته ﴿إِنَّكُم لسارقون﴾ كَمَا قدمْنَاهُ حرفا بِحرف
وَالْأَظْهَر من الْوَجْهَيْنِ الْأَخير مِنْهُمَا وَدَلِيلنَا عَلَيْهِ أَن السِّتَّة الْأَلْفَاظ فِي التَّلَفُّظ بِخِلَاف المعتقد على سَوَاء
فَذكر الثَّلَاث والإعراض عَن ذكر الثَّلَاث الْأُخَر مَعَ ورعه ﵇ وَشدَّة مراقبته دَلِيل على أَن الَّتِي أعرض عَن ذكرهَا كَانَت بِأَمْر الله تَعَالَى
стр. 73
الثَّالِث مَا جَاءَ فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (لم يكذب إِبْرَاهِيم ﵇ فِي الْإِسْلَام إِلَّا ثَلَاث كذبات كلهَا مَا حل بهَا عَن دين الله قَوْله فِي الْكَوْكَب ﴿هَذَا رَبِّي﴾ وَقَوله فِي سارة هِيَ أُخْتِي وَقَوله فِي الْأَوْثَان ﴿بل فعله كَبِيرهمْ هَذَا﴾
فقد فَسرهَا ﵇ حِين عدهَا ثَلَاثًا فَصَارَت الثَّلَاثَة القولات فِي الْكَوَاكِب كالواحد فِي الْعدَد لكَونهَا متحدة فِي الْمَعْنى وانضافت إِلَيْهَا قولته عَن سارة وقولته عَن الْأَوْثَان فَصَارَت ثَلَاثًا
وَتَكون قولته ﴿إِنِّي سقيم﴾ حَقِيقَة وَتَكون النُّجُوم هُنَا مَا ينجم لَهُ من تفاصيل أَحْوَاله أَي يظْهر لَهُ ويعضد هَذَا الْخَبَر مَا ذَكرْنَاهُ من أَنه قَالَ فِي الْكَوَاكِب مَا لم يَعْتَقِدهُ دينا كَمَا زعم الجهلة
فصل
وَأما قصَّته ﵇ فِي طلب رُؤْيَة كَيْفيَّة الْبَعْث وَجمع الْأَجْسَام بعد تبددها وَسبب هَذَا الطّلب مَا جَاءَ فِي الْخَبَر عَن سيد الْبشر ﷺ أَنه قَالَ (بَيْنَمَا إِبْرَاهِيم ﵇ يمشي على سَاحل الْبَحْر إِذْ مر بِدَابَّة
стр. 74
بَعْضهَا فِي الْبر وَبَعضهَا فِي الْبَحْر فَرَأى دَوَاب الْبَحْر تَأْكُل مِمَّا يَليهَا ودواب الْبر تَأْكُل مِمَّا يَليهَا فَقَالَ لَيْت شعري كَيفَ يجمع الله هَذِه الحَدِيث
فاشتاق إِلَى رُؤْيَة الْكَيْفِيَّة فَقَالَ إِذْ ذَاك ﴿رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى﴾ نقل هَذَا الْخَبَر على الْمَعْنى
فصل
اعترضت الملحدة هَذِه الْقِصَّة وَمن تَابعهمْ من الْيَهُود وَالنَّصَارَى والقرامطة وَمن قَالَ من الباطنية باستحالة حشر الأجساد والجهلة بعصمة الْأَنْبِيَاء ﵈ على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ قبل
فَقَالُوا هَذَا إِبْرَاهِيم ﵇ على جلالة قدره قد استراب فِي الْبَعْث حَتَّى طلب رُؤْيَة الْكَيْفِيَّة لِيَطمَئِن قلبه بِنَفْي الاسترابة وَهَذَا أَشد فِي الِاعْتِرَاض من كل مَا ذَكرُوهُ فَإِن الشَّك فِي الْبَعْث كفر صراح بِالْإِجْمَاع من كل أمة فَإِن حَقِيقَة الْكفْر فِي الشَّرْع تَكْذِيب الله وَرُسُله وَمَا ملئت طباق جَهَنَّم إِلَّا من هَذَا الصِّنْف الشاك فِيمَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل ﵈
فَانْظُر عصمنا الله وَإِيَّاكُم إِلَى مُعْتَقد هَذِه الوصمة فِي حق الْخَلِيل ﵇ أَن تؤول بِهِ ولأجلها جَاءَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ (نَحن أَحَق بِالشَّكِّ من إِبْرَاهِيم) نبه ضعفاء الْعَامَّة أَن أَنْبيَاء الله تَعَالَى فِي الْعِصْمَة والنزاهة على سَوَاء فَمَا جَازَ على أحدهم جَازَ على الْكل فَكَأَنَّهُ
стр. 75
يَقُول إيَّاكُمْ أَن تجوزوا الشَّك على إِبْرَاهِيم ﵇ فِيمَا يُوحى إِلَيْهِ ربه فَإِن جوزتموه عَلَيْهِ فَأَنا أَحَق أَن تجوزوه عَليّ وَأَنْتُم لَا تجوزونه عَليّ فَلَا تجوزوه عَلَيْهِ ثمَّ تأدب ﵇ مَعَ الْأَب بقوله نَحن أَحَق
فصل
فِي شرح الْآيَة قَالَ الله تَعَالَى وَإِذا قَالَ إِبْرَاهِيم رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى قَالَ أولم تؤمن قَالَ بلَى وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي قَالَ فَخذ أَرْبَعَة من الطير فصرهن إِلَيْك ثمَّ اجْعَل على كل جبل مِنْهُنَّ جُزْءا ثمَّ ادعهن يأتينك سعيا وَاعْلَم أَن الله عَزِيز حَكِيم
قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم﴾ تَنْبِيه لنبينا ﵇ ليتهيأ لقبُول الْخطاب كَمَا قدمنَا فِي قصَّة زيد فَكَأَنَّهُ يَقُول لَهُ وَقد أخْبرك عَن قَول إِبْرَاهِيم إِذْ طلب أَن أريه كَيفَ أحيي الْمَوْتَى فأسعفته فِي ذَلِك وأريته الْكَيْفِيَّة فَذكره تَعَالَى إسباغ آلائه على أنبيائه وإسعافه لَهُم فِيمَا يثلج بِهِ صُدُورهمْ مِمَّا غَابَ عَنْهُم من بعض الجائزات فِي معلوماته تَعَالَى
وَأما قولة إِبْرَاهِيم ﵇ ﴿رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى﴾ وَأَنه طلب أَن يرِيه تَعَالَى مثلا محسوسا يطلعه على كَيْفيَّة الْجمع من أقاصي الأَرْض وبطون الْحَيَوَانَات وَكَيْفِيَّة سرعتها فِي الحركات عِنْد الِاجْتِمَاع ولأي أصل تَجْتَمِع وعَلى أَي وَجه تتَصَوَّر إِذْ الْجَوَاز بَحر لَا سَاحل لَهُ
وَقد نبه ﷺ على بعض هَذِه الكيفيات فَقَالَ (كل ابْن آدم تَأْكُله الأَرْض إِلَّا عجب الذَّنب فَإِنَّهُ مِنْهُ خلق وَفِيه يركب)
стр. 76
وَمعنى خلق هُنَا صور لكَون الشَّيْء لَا يخترع من الشَّيْء وَإِنَّمَا يخترع لَا من شَيْء وَأخْبر ﵇ أَن عجب الذَّنب الَّذِي هُوَ وسط الجرم مِنْهُ بُدِئَ تركيبه فِي الرَّحِم وَإِلَيْهِ ترجع الْأَجْزَاء الزائلة عَنهُ فِي نواحي الأَرْض إِذا بعث
وَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَن اكل الأَرْض إِنَّمَا هُوَ عبارَة عَن تبدد الْأَجْزَاء فِي الْجِهَات لَا عدمهَا الْبَتَّةَ
ويعضد ذَلِك مَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي هَذِه الْقِصَّة من جمع أَجزَاء الطُّيُور بعد تفريقها وَلِلنَّاسِ فِي هَذَا عريض من القَوْل لسنا الْآن لَهُ
وَأما قَوْله تَعَالَى أولم تؤمن قَالَ بلَى
سَأَلَهُ بِالنَّفْيِ فَأَجَابَهُ ب بلَى الَّتِي هِيَ جَوَاب النَّفْي لإِثْبَات الْمَنْفِيّ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ أَلَسْت مُؤمنا بِالْبَعْثِ قَالَ بلَى مَعْنَاهُ أَنا مُؤمن بِهِ كَمَا علمت لكنني أُرِيد أَن يطمئن قلبِي بِرُؤْيَة الْكَيْفِيَّة فَقَالَ تَعَالَى لَهُ ﴿فَخذ أَرْبَعَة من الطير فصرهن إِلَيْك﴾ أَي أملهن إِلَيْك بِالْإِحْسَانِ والتعليم لكَي تدعوها فتأتيك مجيبة لدعائك فَفعل ذَلِك ثمَّ أَخذ الطُّيُور وذكاها وحز رؤوسها وأمسكها عِنْده وهشم أجسامها وخلطها حَتَّى صَارَت جسما وَاحِدًا لَا يتَمَيَّز بَعْضهَا من بعض ثمَّ فرقها على أَرْبَعَة أجبل ثمَّ قعد هُوَ فِي الْجَبَل الْوسط الَّذِي أحاطت بِهِ الْجبَال الْأَرْبَعَة ثمَّ دَعَاهَا فطارت القطرة من الدَّم إِلَى القطرة واللحمة إِلَى اللحمة والريشة إِلَى الريشة وَكَذَلِكَ صكيك الْعِظَام وَهُوَ ينظر إِلَيْهَا حَتَّى التأم كل جَسَد على مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْأَجْزَاء الَّتِي كَانَت لَهُ قبل ثمَّ طَار كل جَسَد إِلَى رَأسه فالتأم بِهِ
стр. 77
فصل
انْظُرُوا رحمكم الله إِلَى وُقُوع هَذِه الْكَيْفِيَّة فَإِنَّهَا تشبه بعث بعض الأجساد وَجَمعهَا واحياءها وَسُرْعَة مسيرها إِلَى أَرض الْمَحْشَر حذوك النَّعْل بالنعل
فَأَما كَون وُقُوع الْمِثَال بالطيور بَدَلا من سَائِر الْحَيَوَانَات فَهُوَ أَن يَقع الشّبَه فِيهَا بأحوال الْبَعْث من ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَنَّهَا تقبل التَّعْلِيم حَتَّى تدعى فتجيب كالنسر وَالْعِقَاب والبازي والسوذنيق والغراب والطاووس إِلَى غير ذَلِك
وَأَنَّهَا تُؤْخَذ أفراخا فتربى وَتعلم فَتقبل التَّعْلِيم حَتَّى تطير وَترجع إِلَى داعيها إِذا دعيت وَكَذَلِكَ الْملك إِذا دَعَا الْمَوْتَى من الْقُبُور جمعُوا وحيوا وأتوه
وَالثَّانِي أَن الطُّيُور إِذا دعيت أَتَت بِسُرْعَة تفوق بهَا سَائِر الْحَيَوَانَات وَكَذَلِكَ الْملك إِذا دَعَا الْمَوْتَى أَتَوْهُ بِسُرْعَة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿مهطعين إِلَى الداع﴾ أَي مُسْرِعين وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَوْم يخرجُون من الأجداث سرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نصب يوفضون﴾
الثَّالِث أَن الطير تَأتي فِي الْهَوَاء على خطّ اسْتِوَاء فَتكون أسْرع فِي الْإِتْيَان وَأظْهر للرائي فَإِنَّهَا لَا تفوت بَصَره فَلَو كَانَت غير الطُّيُور من الْحَيَوَانَات كالأرانب والثعلب وَالْكَلب وَالذِّئْب إِلَى غير ذَلِك وجاءته لكَانَتْ تتوارى فِي بعض الْغِيطَان وَخلف الشّجر والربا إِلَى غير ذَلِك فَكَانَت تغيب عَن بصر
стр. 78
إِبْرَاهِيم ﵇ تَارَة وَتظهر أُخْرَى فَمَا كَانَت تتمّ لَهُ الرُّؤْيَة الَّتِي طلب إِذْ قَالَ ﴿رب أَرِنِي﴾
وَأما كَونهَا أَرْبَعَة وَلم يكن أَكثر وَلَا أقل فَلِأَن يَقع الِاكْتِفَاء بهَا فِي الْجِهَات الْأَرْبَع وَهُوَ الْمَقْصُود أَيْضا بِكَوْن الْجبَال أَرْبَعَة وَذَلِكَ لِأَن الْجِهَات سِتّ فَوق وَتَحْت وَيَمِين وشمال وأمام وَخلف
وَمَعْلُوم أَن أَجزَاء الْحَيَوَانَات الأرضية إِذا تبددت بعد مَوتهَا لَا تصعد إِلَى فَوق وَلَا تغوص إِلَى تَحت وَإِنَّمَا تتبدد فِي الْجِهَات الْأَرْبَع
فَلِذَا كَانَت الطُّيُور أَرْبَعَة وَالْجِبَال أَرْبَعَة وَالله أعلم
وَأما كَون إِبْرَاهِيم ﵇ على الْجَبَل الْمُتَوَسّط مِنْهَا فَأشبه شَيْء بِالْملكِ الَّذِي يقف على صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس فيدعو الْحَيَوَانَات فَيَأْتُونَ إِلَيْهِ من الْأَرْبَع جِهَات مُسْرِعين كَمَا تقدم
وَأما مَجِيء النقطة من الدَّم إِلَى النقطة واللحمة إِلَى اللحمة والريشة إِلَى الريشة والعظم إِلَى الْعظم وَهُوَ ينظر إِلَيْهَا فَأشبه شَيْء بمجيء الْأَجْزَاء يَوْم الْبَعْث من الْجِهَات الَّتِي افْتَرَقت فِيهَا حَتَّى تَجْتَمِع كَمَا كَانَت أول مرّة لَا يشذ مِنْهَا شَيْء عَن صَاحبه وَهُوَ كَانَ مَطْلُوبه عِنْدَمَا رأى الدَّابَّة تتبدد أجزاؤها فِي بطُون حيوانات مُخْتَلفَة كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر فاشتاق إِلَى رُؤْيَة كَيْفيَّة الْجمع فَسَأَلَهَا فَأُجِيب فِيهَا
وَأما فَائِدَة حبس الرؤوس عِنْده ومجيء الْأَجْسَام بِأَعْيَانِهَا فلخمسة أوجه
أَحدهَا أَنه لما كَانَت رؤوسها عِنْده وَجَاء كل جَسَد إِلَى رَأسه وَقع لَهُ الْيَقِين أَنَّهَا هِيَ لَا غَيرهَا
الثَّانِي أَن فِي هَذِه الْقِصَّة ردا على من أنكر حشر الأجساد من غلاة الباطنية وَغَيرهم
стр. 79
الثَّالِث رد على من زعم أَن الْأزْوَاج تركب فِي أجسام أخر غير الَّتِي كَانَت مركبة عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا لكَون الْأَرْوَاح عِنْدهم فِي الْحَيّ النَّاطِق والأجسام ظروف متماثلة فَلَا يُبَالِي بإعادتها
الرَّابِع رد على من قَالَ من أهل الْأَهْوَاء المضلة إِن الْحَيَوَانَات لَا تحيى دون الرؤوس وَلَا يجوز ذَلِك فحييت الرؤوس
الْخَامِس قَوْلهم إِنَّه لَا تكون الإدراكات والحواس إِلَّا فِي الرؤوس على بنية مَخْصُوصَة فأكذبهم الله تَعَالَى بِأَن سَمِعت وَرَأَتْ بإدراكات خلقت فِي بعض أجسامها دون الرؤوس فحييت وَسمعت حِين دعيت وَرَأَتْ وَجَاءَت طائرة بِلَا رُؤُوس وَلَا عُيُون وَلَا آذان وَهَذَا هُوَ مَذْهَب أهل الْحق أَنه لَيْسَ للإدراكات شَرط فِي الْمحل سوى الْحَيَاة
وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وَاعْلَم أَن الله عَزِيز حَكِيم﴾ فقد يكون أمرا لَهُ ﵇ بِأَن يبْقى على معلوماته فِي إِثْبَات عزة الله تَعَالَى وحكمته لَا أَن يستجد علما بِمَا لم يكن يعلم وَيحْتَمل أَن يَأْمُرهُ بِأَن يستجد علوما أخر بأنواع من الْحِكْمَة والعزة لم يكن يعلمهَا قبل
وَأما ذكره الْعِزَّة فِي هَذَا الْمقَام فَهِيَ الغلب والقهر تَقول الْعَرَب من عز بز أَي من غلب سلب فَلَمَّا كَانَ فِي جمع الْمَوْتَى وإحيائهم دفْعَة وَاحِدَة غَايَة الغلب والقهر وَالْحكم وَالْعلم والإتقان والإحكام تمدح البارئ تَعَالَى بصفاته العلى وَعزة قهره فَأمره أَن يتزيد علما بِصِفَات الْجلَال وَالْجمال
وَقد يكون الْأَمر بِالْعلمِ فِيمَا رأى من تفاصيل عجائب الكيفيات فَلَمَّا أطلعه على ذَلِك غَايَة الإطلاع وَعلمه مَا لم يكن يعلم قَالَ لَهُ
стр. 80
تَعَالَى ﴿وَاعْلَم أَن الله عَزِيز حَكِيم﴾ أَي وابق عَالما بِمَا زدتك من الْعُلُوم الحسية الَّتِي لَا يَتَأَتَّى الْجَهْل بهَا وَلَا الشَّك فِيهَا فِي مُسْتَقر الْعَادة وَلَا يتغافل عَنْهَا
فَهَذِهِ رَحِمك الله قصَص إِبْرَاهِيم ﵇ فِي الثَّلَاث الْآيَات والتبرئة لَهُ
стр. 81
شرح قصَّة عُزَيْر ﵇
فِي الْآيَة الَّتِي وَردت فِي إماتته وإحيائه
قَالَ تَعَالَى ﴿أَو كَالَّذي مر على قَرْيَة﴾ الْآيَة
الى قَوْله تَعَالَى أعلم أَن الله على كل شَيْء قدير
فمما اختلقوه عَلَيْهِ ﵇ أَنه شكّ فِي الْبَعْث بقوله ﴿أَنى يحيي هَذِه الله بعد مَوتهَا﴾ فَأرَاهُ الله الْآيَة فِي نَفسه حَيْثُ أَمَاتَهُ ثمَّ أَحْيَاهُ فَحِينَئِذٍ أَيقَن بِالْبَعْثِ فَقَالَ أعلم أَن الله على كل شَيْء قدير
وَمَا أرى أَن هَؤُلَاءِ الأوباش الَّذين يَعْتَقِدُونَ فِي عقائد أَنْبيَاء الله تَعَالَى مثل هَذَا الِاعْتِقَاد إِلَّا أَنهم يقيسونها بعقائدهم الْفَاسِدَة وشكوكهم المضطربة
كَمَا قيل رمتني بدائها وانسلت وَقيل وكل إِنَاء بِالَّذِي فِيهِ يرشح
стр. 82
مَعَ جهلهم بمقادير النُّبُوَّة فيمشون فهم مثل هَذِه الْأَقْوَال الحاسمة لأصل الْإِيمَان
وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّه مَا مَاتَ عُزَيْر وَلَكِن غشي عَلَيْهِ بِدَلِيل أَنه لَو مَاتَ لم يحي بعد
وَهَذَا هُوَ التَّنْصِيص على إِنْكَار الْبَعْث واستبعاد إحْيَاء الْمَوْتَى وَتَكْذيب البارئ تَعَالَى حَيْثُ قَالَ فأماته الله مئة عَام ثمَّ بَعثه
وَقد قَالَ كلب من كلاب الْقصاص هَذِه القولة فِي هَذَا الْبَلَد على الْمِنْبَر فَمَا أنكروها عَلَيْهِ وَلَا طُولِبَ بهَا وَمَا يُمكن أَن ينبو فهم مُسلم عَن فَسَاد هَذِه القولة فَإِنَّهَا رد نَص الْكتاب وَلكنهَا قُلُوب طبع الله عَلَيْهَا بِطَابع الحرمان
فصل
وَأما عُزَيْر ﵇ فَاخْتلف النَّاس فِي نبوته لكَونه لم ينص عَلَيْهِ الْكتاب وَالْأَظْهَر إِثْبَات نبوته بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يَأْمُركُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَة والنبيين أَرْبَابًا﴾ وَهَذَا خطاب للْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْيَهُود عبدت عُزَيْرًا بِنَصّ الْكتاب وَمِمَّا يدل على نبوته أَيْضا من الْكتاب أَنه ذكر مَعَ الْأَنْبِيَاء فِي معرض الْفَضِيلَة وَالْإِكْرَام فِي موطنين ذكره تَعَالَى مَعَ إِبْرَاهِيم ﵇ فِي إحْيَاء الْمَوْتَى لَهما وَذكره مَعَ عِيسَى ﵇ فِي أَن عبد من دون الله
وَسبب هَاتين الْقصَّتَيْنِ نذكرهُ الْآن بعون الله تَعَالَى
стр. 83
جَاءَ فِي الْأَثر أَنه كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل من بعد مُوسَى ﵇ نَبيا وَكَانَ اسْمه دانيال وَإِنَّمَا سمي عُزَيْرًا لِكَثْرَة تَعْزِير الْيَهُود لَهُ وإعظامهم لقدره ﵇ ثمَّ غلوا فِي تَعْظِيمه حَتَّى عبدوه وَسبب ذَلِك لِأَن أَمَاتَهُ الله مئة سنة ثمَّ أَحْيَاهُ وَأرَاهُ الْآيَة فِي طَعَامه وَشَرَابه الَّذِي مرت عَلَيْهِ مئة عَام وَلم يتسنه أَي لم يتَغَيَّر وَفِي حِمَاره الَّذِي أَمَاتَهُ مَعَه وتبددت أجزاؤه ثمَّ أنشرت وجمعت وحييت وَهُوَ ينظر إِلَى ذَلِك كُله
فَقَالَ الجهلة لم يختصه بِهَذِهِ الكرامات إِلَّا لِأَن كَانَ وَلَده فعبدوه تَعَالَى الله عَمَّا يصفونَ
فَلَمَّا طَغى بَنو إِسْرَائِيل وَقتلُوا الْأَنْبِيَاء بِغَيْر حق وبدلوا أَحْكَام التَّوْرَاة وأخبارها سلط الله عَلَيْهِم بخت نصر البابلي وَكَانَ مجوسيا فَأتى إِلَى مَدِينَة بَيت الْقُدس ودخلها عنْوَة فَرَأى دَمًا يترشح فِيهَا من الأَرْض فَجمع بني إِسْرَائِيل وسألهم عَن سَبَب ذَلِك الدَّم فأنكروا سَببه خيفة مِنْهُ أَن يَقع مَا وَقع فَقَالَ لَهُ بعض من يخْتَص بِهِ هُنَا رجل يزْعم أَنه نَبِي والأنبياء لَا يكذبُون فسله يُخْبِرك فَأمر بإحضاره فجيء بِهِ فَقَالَ لَهُ أَيهَا الشَّيْخ أخْبرت أَنَّك تزْعم أَنَّك نَبِي والأنبياء لَا يكذبُون فَأَخْبرنِي عَن سَبَب هَذَا الدَّم
فَقَالَ لَهُ عَسى أَن تعفيني أَيهَا الْملك
فَقَالَ لَا أعفيك حَتَّى تُخبرنِي أَو أعذبك حَتَّى تَمُوت
فَقَالَ لَهُ أما إِذْ لَا بُد من القَوْل فَهَذَا دم نَبِي قَتله قومه ظلما
فَقَالَ لَهُ وَمن ذَلِك النَّبِي الَّذِي قَتله قومه ظلما
فَقَالَ يحيى بن زَكَرِيَّا ﵉
فَقَالَ لَهُ وَمن قومه الَّذين قَتَلُوهُ
فَقَالَ بَنو إِسْرَائِيل
стр. 84
فَقَالَ وَالله لأقتلن عَلَيْهِ خيارهم وَلَا أرفع عَنْهُم السَّيْف حَتَّى يجِف هَذَا الدَّم
فَقتل عَلَيْهِ من خيارهم سبعين ألفا وَحِينَئِذٍ جف الدَّم
ويعضد هَذَا الْخَبَر مَا جَاءَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ (دِيَة النَّبِي إِذا قَتله قومه سَبْعُونَ ألف رجل من خِيَار قومه) فَلَمَّا رأى ذَلِك دانيال ﵇ خرج فَارًّا بِنَفسِهِ إِلَى بِلَاد مصر فَبَقيَ فِيهَا أَرْبَعِينَ سنة ثمَّ اشتاق إِلَى موطنه ومسقط رَأسه وقبور أسلافه من الْأَنْبِيَاء والأولياء ﵈ فَركب حمارا لَهُ وأتى نَحْو بَيت الْمُقَدّس فَلَمَّا كَانَ بمقربة مِنْهُ رأى جنَّة كَانَت لَهُ وَقد بَقِي فِيهَا بعض علائق من شجر الْعِنَب فَأَتَاهَا فَوجدَ فِيهَا عنبا نضجا فاقتطف مِنْهَا وَأكل وملأ سلة كَانَت مَعَه وَركب حِمَاره وَسَار حَتَّى أشرف على مَدِينَة بَيت الْمُقَدّس فرآها خرابا يبابا لم يبْق فِيهَا رسم وَلَا طلل فتحسر على فقد الخلان وخراب الأوطان كَمَا قيل
(أحب بِلَاد الله مَا بَين منعج ... إِلَيّ وسلمى أَن يصوب سحابها)
(بِلَاد بهَا عق الشَّبَاب تمائمي ... وَأول أَرض مس جلدي ترابها)
فَتحَرك قلبه تحسرا على فقد الخلان وخراب الأوطان فَقَالَ ﴿أَنى يحيي هَذِه الله بعد مَوتهَا﴾ يَعْنِي كَيفَ تعود هَذِه الْبَلدة على مَا كَانَت عَلَيْهِ بعد خرابها فاستبعد أَن تعود على مَا كَانَت عَلَيْهِ من نباتها وشجرها وبساتينها كَمَا يستبعد النَّاس أَن تعود الْبِلَاد كَمَا كَانَت عَلَيْهِ بعد خرابها على مجْرى الْعَادة
стр. 85
وَهَذَا من الْكَلَام الْمُبَاح الَّذِي يَقُوله النَّاس إِذا خربَتْ الْبِلَاد وَكَانُوا يعرفونها عامرة من قبل
وَكَثِيرًا مَا قيل هَذَا فِي ندب الأطلال الخالية والرسوم البالية إِلَّا أَن أهل المراقبة يطْلبُونَ بِهَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي كَانَ غَيرهَا أولى مِنْهَا كَمَا تقدم
فَإِن مثل أُولَئِكَ لَا يستبعدون كَائِنا فِي مَقْدُور الله تَعَالَى كَانَ مُعْتَادا أَو غير مُعْتَاد لما يعلمُونَ من نُفُوذ إِرَادَته ومضاء أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون
كَمَا عتب الْمَلَائِكَة امْرَأَة إِبْرَاهِيم ﵇ حَيْثُ قَالَت
يَا ويلتا أألد وَأَنا عَجُوز الْآيَة فَقَالُوا لَهَا ﴿أَتَعْجَبِينَ من أَمر الله﴾
أَي مثلك يرى فِي فعل الله عجبا وَأَنت صديقَة
قَالَ الْمَشَايِخ الْعجب أَن لَا ترى عجبا فَإِذا لم تَرَ عجبا كنت أَنْت الْعجب
فَلَمَّا استبعد إصلاحها على مجْرى الْعَادة أرَاهُ الْآيَة فِي نَفسه فأماته ثمَّ أَحْيَاهُ بعد مئة سنة ثمَّ أطلعه على ذَلِك بِأَن أنشأ لَهُ الْحمار الَّذِي كَانَ يركبه بَعْدَمَا أَمَاتَهُ ورم حَتَّى صَار تُرَابا ثمَّ أنشأه لَهُ من التُّرَاب وَهُوَ ينظر إِلَيْهِ وَأبقى عنبه كَمَا كَانَ بعد مئة سنة ثمَّ الْتفت إِلَى جِهَة مَدِينَة بَيت الْمُقَدّس فرآها أعمر مَا كَانَت قبل فندم على قولته فَكَأَن الله عَتبه وأدبه حَتَّى لَا يستبعد وُقُوع مَقْدُور تَحت الْقَهْر كَانَ خارقا أَو غير خارق
فَهَذَا هُوَ الَّذِي يجوز فِي حَقه ﵇ لَا مَا اختلقوه
стр. 86
شرح قصَّة مُوسَى ﵇
فِي الْآيَة المتضمنة قتل الْكَافِر قَالَ تَعَالَى ﴿وَدخل الْمَدِينَة على حِين غَفلَة من أَهلهَا فَوجدَ فِيهَا رجلَيْنِ يقتتلان هَذَا من شيعته وَهَذَا من عدوه﴾
إِلَى قَوْله ﴿فَقضى عَلَيْهِ﴾
فَمن أَقْوَال المخلطة فِي هَذِه الْقِصَّة أَن مُوسَى ﵇ قتل القبطي من أجل العبراني لِأَن كَانَ العبراني من قبيله والقبطي من غير قبيله فصيروا الكليم ﵇ متعصبا لأجل قبيله وعشيرته وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك وحاشاه من ذَلِك
فَإِن هَذِه هِيَ حمية الْجَاهِلِيَّة وَإِنَّمَا مر مُوسَى ﵇ برجلَيْن يقتتلان أَحدهمَا يعرفهُ مُؤمنا وَالْآخر يعرفهُ كَافِرًا فاستغاثه الْمُؤمن على الْكَافِر فَوَكَزَ الْكَافِر ليحمي الْمُؤمن فصادف مقتلا من مقاتله بِتِلْكَ الوكزة فَمَاتَ
فصل
فَإِن قيل من أَيْن لكم أَن تحكموا بِإِيمَان أَحدهمَا وَكفر الآخر وَإِنَّمَا نطق الْكتاب ب رجلَيْنِ أَحدهمَا من شيعته أَي من بني إِسْرَائِيل وَالْآخر من عدوه لكَونه من القبط
стр. 87
فَنَقُول وَمن أَيْن علمْتُم أَيْضا أَن أَحدهمَا كَانَ قبطيا وَالْآخر كَانَ سبطيا وَالْكتاب إِنَّمَا نطق برجلَيْن
فَإِن قَالُوا لقَوْله تَعَالَى ﴿هَذَا من شيعته وَهَذَا من عدوه﴾ والشيعة الْقَبِيل والرهط فَمن أَيْن نقلتم الْحَقِيقَة إِلَى الْمجَاز وَمن أَيْن صَحَّ لكم الْعلم بِكفْر أَحدهمَا وإيمان الثَّانِي
فَنَقُول علمنَا ذَلِك من ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَن شيعَة الْكَافِر قبيله ونسيبه وصنفه وشيعة الْمُؤمن إِنَّمَا هُوَ شَرِيكه فِي الْإِيمَان كَانَ من قبيله أَو من غير قبيله قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة﴾
وَقَالَ فِي قصَّة إِبْرَاهِيم ﵇ مَعَ أَبِيه ﴿فَلَمَّا تبين لَهُ أَنه عَدو لله تَبرأ مِنْهُ﴾
وَقَالَ فِي الْكَفَرَة ﴿فَإِذا نفخ فِي الصُّور فَلَا أَنْسَاب بَينهم يَوْمئِذٍ وَلَا يتساءلون﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَوْم يفر الْمَرْء من أَخِيه وَأمه وَأَبِيهِ وصاحبته وبنيه﴾
والمرء هَذَا الْكَافِر بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿الأخلاء يَوْمئِذٍ بَعضهم لبَعض عَدو إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾
والأخلاء هُنَا الْمُؤْمِنُونَ
стр. 88
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ من غل إخْوَانًا على سرر مُتَقَابلين﴾
وَقَالَ تَعَالَى فِي الْكَافِر ﴿وَيَوْم يعَض الظَّالِم على يَدَيْهِ﴾
إِلَى قَوْله يَا لَيْتَني لم أَتَّخِذ فلَانا خَلِيلًا
إِلَى غير ذَلِك مِمَّا جَاءَ فِي الْكتاب وَالسّنة من تبرئ الْمُؤمن من الْكَافِر ومجموع هَذَا يدل على أَن الَّذِي اسْتَغَاثَ بمُوسَى ﵇ كَانَ مُؤمنا على بقايا من دين يُوسُف ﵇
قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالَ رجل مُؤمن من آل فِرْعَوْن يكتم إيمَانه﴾
فَكَانَ فِي بني إِسْرَائِيل وَفِي القبط مُؤمنُونَ يكتمون إِيمَانهم فَكَانَ هَذَا الرجل المستغيث بمُوسَى ﵇ مِنْهُم
الثَّانِي قَول الله تَعَالَى لأم مُوسَى ﵇ ﴿يَأْخُذهُ عَدو لي وعدو لَهُ﴾
وَمَعْلُوم قطعا أَن الله تَعَالَى مَا سمى فِرْعَوْن عدوا لَهُ ولنبيه إِلَّا لأجل كفره فَخرج من هَذَا أَن هَذَا الْقَبِيل إِنَّمَا كَانَ عدوا لمُوسَى ﵇ من اجل كفره وَلَو اجتزأنا بِهَذَا الدَّلِيل لاكتفينا بِهِ عَمَّا سواهُ
الثَّالِث أَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿هَذَا من شيعته وَهَذَا من عدوه﴾ فَلَو كَانَ الْمَقْصُود بالشيعة الْقَبِيل لقوبل فِي النقيض بقبيل آخر لَا بالعدو فَإِنَّهُ لَيْسَ من وصف من لم يكن من الْقَبِيل أَن يكون عدوا ثمَّ قد يكون
стр. 89
الْعَدو من الْقَبِيل بل من الْأَخ وَالْولد قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن من أزواجكم وَأَوْلَادكُمْ عدوا لكم فاحذروهم﴾ فَصحت عَدَاوَة الدّين مَعَ ثُبُوت النّسَب
فَيخرج الْعَدو هُنَا مخرج قَوْله تَعَالَى ﴿يَأْخُذهُ عَدو لي وعدو لَهُ﴾ حرفا بِحرف وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فاستغاثه الَّذِي من شيعته على الَّذِي من عدوه﴾ فَخرج من مَضْمُون هَذَا أَن مُوسَى ﵇ وكز الْكَافِر الْعَدو لأجل كفره لَا لغير ذَلِك إِذْ لَيْسَ لله تَعَالَى شيعَة وَلَا قرَابَة وَقد أثبت لنَفسِهِ عدوا
فَإِن قيل فَإِذا كَانَ هَذَا هَذَا فَلم نَدم على قَتله وتحسر واستغفر ربه وَغفر لَهُ وَمَعَ هَذَا يمْتَنع يَوْم الْقِيَامَة من الشَّفَاعَة لأجل هَذَا الْمَقْتُول وَيَقُول معتذرا ومعترفا قتلت نفسا لم يَأْمُرنِي الله بقتلها وَأَيْضًا فَإِن الله تَعَالَى عاتبه فِي الدُّنْيَا عِنْد الْمُنَاجَاة فَقَالَ لَهُ ﴿وَقتلت نفسا فنجيناك من الْغم﴾
فَكيف يُعَاتب كليمه على قتل كَافِر
وَأَيْضًا فقد قَالَ هُوَ لفرعون حِين عرض لَهُ بقتل القبطي فَقَالَ ﴿وَفعلت فعلتك الَّتِي فعلت وَأَنت من الْكَافرين قَالَ فعلتها إِذا وَأَنا من الضَّالّين﴾
فَنَقُول أما قَوْلكُم لم نَدم وتحسر وَاعْتذر واستغفر وَغفر لَهُ فَهَذَا من النمط الَّذِي قدمْنَاهُ فِي حق غَيره من الْأَنْبِيَاء ﵈ أَنهم يتحسرون ويندمون وَيَسْتَغْفِرُونَ على ترك الأولى من الْمُبَاحَات فَلَا فَائِدَة فِي إِعَادَة تَفْصِيل مَا فَرغْنَا من جملَته وتفصيله
стр. 90
على أَن نَدم مُوسَى ﵇ لم يكن على مُبَاح وَإِنَّمَا كَانَ ندمه على فعل لم يُؤمر بِهِ وَالْأَفْعَال قبل الشَّرْع انما هِيَ مُطلقَة لَا غير فَإِن الْمُبَاح يَقْتَضِي مبيحا فَإِذا لم يثبت شرع فَلَا مُبَاح وَلَا مُبِيح
وَهَذَا أوسع فِي عذر مُوسَى ﵇ إِذْ لم يكن مَشْرُوعا لَهُ عِنْدَمَا قَتله وَإِن كَانَ قد الْتزم شَرِيعَة يُوسُف ﵇ على وَجه من الْوُجُوه فَتخرج لَهُ على الْوَجْه الْمُتَقَدّم
وَأما قَوْلكُم إِن الله تَعَالَى عاتبه عِنْد الْمُنَاجَاة على قتل القبطي فَبَاطِل وَإِنَّمَا عدد ربه تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْمقَام الْكَرِيم نعمه السالفة عَلَيْهِ وآلاءه العميمة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِذْ أَوْحَينَا إِلَى أمك مَا يُوحى أَن اقذفيه فِي التابوت﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿واصطنعتك لنَفْسي﴾ ثمَّ ذكر لَهُ من جُمْلَتهَا كَيفَ نجاه من كيد فِرْعَوْن وغم كَانَ فِي قلبه من أجل طلبه إِيَّاه حِين فر بِنَفسِهِ مِنْهُ
وَلَو عاتبه ربه على ذَلِك لخرج لَهُ مخرج مَا قدمْنَاهُ من عتاب الله تَعَالَى لأنبيائه على بعض الْمُبَاحَات من غير أَن يلْحق بهم ذَنْب وَلَا عتب
وَأما قَوْله ﵇ لفرعون ﴿فعلتها إِذا وَأَنا من الضَّالّين﴾ فيعني بِهِ أَنه كَانَ عِنْدَمَا قَتله من الغافلين الْغَيْر مكلفين فَكَأَنَّهُ يَقُول لَهُ فعلتها قبل إِلْزَام التَّكْلِيف وَإِذ كنت غير مُكَلّف فَلَا تَثْرِيب عَليّ فَإِنَّهُ لَا يَقع الذَّنب وَالطَّاعَة إِلَّا بعد ثُبُوت الْأَمر وَالنَّهْي وَالدَّلِيل على أَن ضلال الْأَنْبِيَاء غَفلَة لَا جهل قَوْله تَعَالَى لنبينا ﵇ ووجدك ضَالًّا
стр. 91
فهدى) يَعْنِي غافلا عَن الشَّرِيعَة لَا تَدْرِي كَيْفيَّة الْعِبَادَة فهداك لَهَا بِالْأَمر وَالنَّهْي ثمَّ قَالَ لَهُ ﴿بِمَا أَوْحَينَا إِلَيْك هَذَا الْقُرْآن وَإِن كنت من قبله لمن الغافلين﴾
وَالْجَاهِل لَا يُسمى غافلا حَقِيقَة لقِيَام الْجَهْل بِهِ فصح أَن ضلال الْأَنْبِيَاء ﵈ غَفلَة لَا جهل
وَقَالَ بعض مَشَايِخ الصُّوفِيَّة ﴿وَجدك ضَالًّا﴾ أَي محبا لَهُ ﴿فهدى﴾ أَي اختصك لنَفسِهِ خُصُوص الْهِدَايَة والصحبة
يعضد ذَلِك مَا أخبر تَعَالَى عَن إخْوَة يُوسُف ﵇ ﴿إِن أَبَانَا لفي ضلال مُبين﴾ أَي فِي حب مُبين ليوسف وَكَذَلِكَ قَوْلهم لَهُ بعد ذَلِك ﴿تالله إِنَّك لفي ضلالك الْقَدِيم﴾ أَي فِي حبك الْقَدِيم لَهُ وَمن أَسمَاء الْمحبَّة عِنْد الْعَرَب الضلال
وَمَعَ مَا ذَكرْنَاهُ فِي هَذِه الْقِصَّة من تبرئة مُوسَى ﵇ من الذَّنب فِي قتل الْكَافِر أَن قَتله كَانَ خطأ فَإِنَّهُ مَا طعنه بحديدة وَلَا رَمَاه بِسَهْم
стр. 92
وَلَا ضربه بفهر وَلَا بِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا وكزه وَمَا جرت الْعَادة بِالْمَوْتِ من الوكزة وَإِن مَاتَ مِنْهَا أحد فنادر والنادر لَا يحكم بِهِ فقد تَبرأ مُوسَى ﵇ من الذَّنب فِي قتل الْكَافِر بَرَاءَة الذِّئْب من دم ابْن يَعْقُوب عَلَيْهِمَا السَّلَام
стр. 93
شرح قصَّة يُونُس ﵇
فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَذَا النُّون إِذْ ذهب مغاضبا فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ﴾ الْآيَة
فمما اختلقوه ﵇ فِي شرح هَذِه الْآيَة أَن قَالُوا أَنه جَاءَهُ الْملك بِالْوَحْي وَهُوَ يتعبد فِي الْجَبَل فَقَالَ لَهُ إِن الله تَعَالَى أَمرنِي أَن أعلمك بِأَنَّهُ أرسلك إِلَى أهل نِينَوَى لتحذرهم وتنذرهم فَقَالَ لَهُ يُونُس ﵇ الله أرْفق بِي وَأعلم بضعفي ومسكنتي من أَن يُرْسِلنِي الى قوم جبارين متكبرين يؤذوننى ويقتلونني فراجع رَبك أَيهَا الْملك فِي أَمْرِي فَلَعَلَّهُ يعفيني من ذَلِك ويلطف بِي فَقَالَ لَهُ الْملك الله تَعَالَى أعظم من أَن أراجعه فِيمَا أَمرنِي بِهِ وَقد أَمرتك فسل أَنْت رَبك ذَلِك إِن شِئْت فقد بلغتك وَالسَّلَام ثمَّ صَار الْملك إِلَى مقَامه ففر إِذْ ذَاك يُونُس ﵇ على وَجهه إِلَى جِهَة الْبَحْر مغاضبا لرَبه وَركب السَّفِينَة فالتقمه الْحُوت
وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّه بلغ قومه الرسَالَة فسبوه وضربوه وأغلوا فِي أذيته فَدَعَا عَلَيْهِم فَأخْبرهُ ربه أَنه ينزل الْبلَاء عَلَيْهِم فِي يَوْم كَذَا فَأخْبرهُم بذلك فَلَمَّا كَانَ فِي ذَلِك الْيَوْم خرج إِلَى أَعلَى الْجَبَل وَقعد ينْتَظر الْوَعْد فَإِذا سَحَابَة عَظِيمَة سَوْدَاء قد جَاءَت من نَاحيَة الْبَحْر حَتَّى
стр. 94
قربت من الْبَلَد ثمَّ جَاءَت ريح فَهبت فِي وَجههَا فَردَّتهَا عَنْهُم فَخرج فَارًّا مغاضبا لرَبه حَيْثُ رد عَنْهُم الْبلَاء
فَهَذَا من بعض أَقْوَالهم الخبيثة فِي قصَّة يُونُس ﵇
وَمُقْتَضى هَاتين الكذبتين عَلَيْهِ أَنه سخط أَحْكَام ربه وَلم يرض بِقَضَائِهِ وَلَا أذعن لحكمه
وحاشى وكلا أَن يفعل ذَلِك أَنْبيَاء الله تَعَالَى مَعَ الْعِصْمَة والنزاهة فِيمَا دون ذَلِك كَمَا قدمْنَاهُ
فَإِن غضب العَبْد على ربه إِنَّمَا هُوَ أَلا يرضى بِحكمِهِ وَلَا بإرادته وَهَذِه هِيَ المناقضة وَالْكفْر الصراح
قَالَ تَعَالَى لنبينا ﵇ ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾
فنفى الله الْإِيمَان عَمَّن لم يرض بِحكم الله تَعَالَى وَحكم نبيه ﵇ وَقَالَ ﵇ فِي دُعَائِهِ (لَك العتبى حَتَّى ترْضى) وَالْأَمر أظهر من الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ
فصل
فَإِن قيل إِذا لم تصح هَذِه المغاضبة لرَبه على هَذَا الْوَجْه فَمَا الصَّحِيح الَّذِي يعول عَلَيْهِ فِيهَا وَكَذَلِكَ الْمُطَالبَة فِي لوم الله
стр. 95
تَعَالَى لَهُ حَيْثُ قَالَ ﴿فالتقمه الْحُوت وَهُوَ مليم﴾ وَكَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى لنَبيه ﵇ ﴿فاصبر لحكم رَبك وَلَا تكن كصاحب الْحُوت﴾
وَكَذَلِكَ فِي قولة نَبينَا ﵇ حمل أخي يُونُس أعباء الرسَالَة فانفسخ تحتهَا كَمَا يَنْفَسِخ الرّبع
قُلْنَا أما مغاضبته ﵇ فَكَانَت لِقَوْمِهِ لَا لرَبه وَلَا يجوز ذَلِك عَلَيْهِ وأنى وَقد جَاءَ فِي الْخَبَر أَنه ﷺ قَالَ (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو لم يبلغ نَبِي الرسَالَة إِلَى قومه لعذب بِعَذَاب قومه أَجْمَعِينَ) نقل على الْمَعْنى وَإِنَّمَا كَانَت لِقَوْمِهِ لما نَالَ مِنْهُم من الأذية فَاحْتمل أذاهم حَتَّى ضَاقَ صَدره ويئس من فلاحهم ففر بِنَفسِهِ بَعْدَمَا بلغ غَايَة التَّبْلِيغ كَمَا أمره الله تَعَالَى
ثمَّ غلب ظَنّه لسعة حلم الله تَعَالَى أَلا يَطْلُبهُ بذلك الْفِرَار لكَونه قد أدّى مَا عَلَيْهِ وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى ﴿فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ﴾ أَي ان لن نضيق عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن قدر عَلَيْهِ رزقه﴾ أَي ضيق وَقَالَ تَعَالَى ﴿أولم يعلمُوا أَن الله يبسط الرزق لمن يَشَاء وَيقدر﴾ أَي يضيق
стр. 96
وَيحْتَمل أَنه ظن أَن قدرَة الله تَعَالَى لم تتَعَلَّق بإيلامه وسجنه تفضلا مِنْهُ وَأَنه تَعَالَى يعْفُو عَنهُ فِي ذَلِك الْفِرَار فَوَقع خلاف ظَنّه
وَهَذَا هُوَ الَّذِي يجوز أَن يَعْتَقِدهُ الْأَنْبِيَاء وَأَن يعْتَقد فيهم
وَقَالَ الفجرة إِنَّه ظن أَن لَا يقدر الله عَلَيْهِ أَي لَا يُمكنهُ أَن يفعل فِيهِ وَهَذَا كفر صراح لَا يُمكن أَن يَعْتَقِدهُ مقلد فِي الْإِيمَان فَكيف نَبِي
وَقد تذاكرت مَعَ طَالب من طلبة الأندلس ملحوظ بِالطَّلَبِ فَقَالَ لي ذَلِك وبالاجماع أَنه من ظن أَن لَا يقدر الله عَلَيْهِ على وَجه الْعَجز عَنهُ أَو الْفَوْت من قَضَائِهِ وَقدره فَهُوَ كَافِر
وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿فالتقمه الْحُوت وَهُوَ مليم﴾ أَي أَتَى مَا يلام عَلَيْهِ وَلَيْسَ كل من أَتَى مَا يلام عَلَيْهِ يَقع لومه فَإِن كَانَ تَعَالَى لم يلمه فقد انْدفع الِاعْتِرَاض لعدم اللوم وَالْأَظْهَر أَنه لم يلمه إِذْ لَو وَقع اللوم لقَالَ وَهُوَ ملوم وان كَانَ لامه فاللوم قد يكون عتابا وَقد يكون ذما فَإِن صَحَّ وُقُوع لومه فَكَانَ من الله عتابا لَهُ على فراره لَا ذما إِذْ المعاتب محبور والمذموم مدحور
فَاعْلَم رَحِمك الله صِحَة التَّفْرِقَة بَين اللوم والذم قَالَ الشَّاعِر
(لَعَلَّ عتبك مَحْمُود عواقبه ... فَرُبمَا صحت الْأَجْسَام بالعلل)
وَقَالَ آخر
(إِذا ذهب العتاب فَلَيْسَ ود ... وَيبقى الود مَا بَقِي العتاب)
стр. 97
وَقَالَ آخر
(لَو كنت عاتبتي لسكن لوعتي ... أملي رضاك وزرت غير مراقب)
(لَكِن صددت فَمَا لصدك حِيلَة ... صد الملول خلاف صد العاتب)
أَلا ترى كَيفَ قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَوْلَا أَن تَدَارُكه نعْمَة من ربه لنبذ بالعراء وَهُوَ مَذْمُوم﴾ مَعْنَاهُ لَوْلَا مَا عصمناه ورحمناه لأتى مَا يذم عَلَيْهِ على أصل الْجَوَاز لَا على فرع الْوُقُوع
وَهَذَا من النمط الَّذِي قدمْنَاهُ فِي قصَّة إِبْرَاهِيم ﵇ حَيْثُ قَالَ ﴿واجنبني﴾ وَهِي أَن يعبد الْأَصْنَام وَهُوَ قد أَمن من ذَلِك بالْخبر وَقَوله تَعَالَى فِي قصَّة شُعَيْب ﵇ ﴿وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاء الله رَبنَا﴾ الْآيَة وَقَوله تَعَالَى لنبينا ﵇ ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك﴾ وَهُوَ تَعَالَى لم يَشَأْ ذَلِك بالْخبر
وَأما قَوْله تَعَالَى لنبينا ﵇ ﴿فاصبر لحكم رَبك وَلَا تكن كصاحب الْحُوت﴾ يَعْنِي كيونس ﵇ فِي فراره حِين ضَاقَ صَدره كَمَا قدمْنَاهُ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد نعلم أَنَّك يضيق صدرك بِمَا يَقُولُونَ﴾ كَمَا ضَاقَ صدر يُونُس فَلَا تَفِر كفراره
وَلذَا جَاءَ عَنهُ ﵇ (لَا تفضلُونِي على يُونُس بن مَتى)
стр. 98
لما قيل لَهُ ﴿وَلَا تكن كصاحب الْحُوت﴾ فَنَهَاهُ أَن يفعل فعله فِي قصَّة مَخْصُوصَة خَافَ على قُلُوب عوام أمته من اعْتِقَاد هَذِه القولة على خلاف مَا هِيَ بِهِ فيعتقدون أَنَّهَا نهي لَهُ على الْعُمُوم وحاشى وكلا وَكَيف يَصح فِيهَا الْعُمُوم وَقد أمره تَعَالَى أَن يتخلق ويقتدي ويهتدي بأخلاقه وأخلاق نظرائه ﵈ حَيْثُ قَالَ لَهُ ﴿أُولَئِكَ الَّذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ فَقَالَ ذَلِك وَالله اعْلَم
وَأما قَوْله ﵇ (حمل أخي يُونُس أعباء الرسَالَة فانفسخ تحتهَا كَمَا يَنْفَسِخ الرّبع) الحَدِيث فَهُوَ فِي هَذَا الْمَعْنى انه كلف مقاساة الجهلة وَالصَّبْر على الأذية فَضَاقَ صَدره بذلك وَلم يحْتَملهُ ففر
وعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَن تحمل هَذِه الْأَقْوَال وعَلى مَا هُوَ أغمض وَأَعْلَى فِي التبرئة من هَذَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 99
شرح قصَّة أَيُّوب ﵇
فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاذْكُر عَبدنَا أَيُّوب إِذْ نَادَى ربه أَنِّي مسني الشَّيْطَان بِنصب وَعَذَاب اركض برجلك هَذَا مغتسل بَارِد وشراب﴾
فمما قَالُوهُ فِي سَبَب محنته ﵇ وَهُوَ أسلم مَا نسبوه إِلَيْهِ من الْأَقَاوِيل أَنه شوى حملا فِي منزله وَكَانَ بإزائه جَار فَقير فتأذى برائحة طَعَامه وَلم ينله مِنْهُ شَيْئا فامتحنه الله تَعَالَى بِأَن سلط عَلَيْهِ الشَّيْطَان
وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّه دخل يَوْمًا على ملك جَبَّار فَرَأى فِي منزله مُنْكرا فَلم يُغَيِّرهُ فَلِذَا امتحن
وَهَاتَانِ القولتان من أشبه مَا قَالُوهُ فِي محنته ﵇ فَأول مَا يطْلبُونَ بِهِ إِثْبَات دَعوَاهُم وهم لَا يثبتونها فِي كتاب وَلَا سنة سوى ملفقات من قصصيات هِيَ أَوْهَى فِي الثُّبُوت من خيط العنكبوت
فاخترنا الْكَلَام فِي هَاتين الْقصَّتَيْنِ لِكَوْنِهِمَا مِمَّا يَصح مَعْنَاهُمَا لَو صَحَّ أثرهما فَلَو صَحَّ مَا قَالُوهُ من القولتين أَو إِحْدَاهمَا لتصور الْخُرُوج عَنْهُمَا بِأَحْسَن مخرج
فَأَما قصَّة الْحمل فقد يكون يغلب الظَّن أَن جَاره لَيْسَ يحْتَاج اليه فِي ذَلِك الْوَقْت وَقد نعلم أَنه يُمكنهُ أَن يصنع مثل ذَلِك فَإِن ثمن الْحمل
стр. 100
يسير وَلَيْسَ كل فَقير مملقا وَقد يحْتَمل أَنه نسي أَن يواسيه مِنْهُ وَلَيْسَ يلْحقهُ فِي ذَلِك عتب وَلَا ذَنْب على أَنه لَو ترك إعطاءه قَاصِدا لم يكن مذنبا فَإِن مؤاساة الْجَار مَنْدُوب إِلَيْهَا وَمن ترك الْمَنْدُوب فَلَا ذَنْب عَلَيْهِ
وَأما قَوْلهم إِنَّه لم يُغير الْمُنكر على الْملك الْجَبَّار فعين هَذَا القَوْل عذر عَنهُ فَإِن لُزُوم تَغْيِير الْمُنكر إِنَّمَا هُوَ مَعَ الْإِمْكَان قَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين إِن مكناهم فِي الأَرْض أَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وَأمرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونهوا عَن الْمُنكر﴾ فَلَمَّا علم جبروت الْملك خَافَ على نَفسه وَلم يُمكنهُ تَغْيِيره بِظَاهِرِهِ لِئَلَّا يَقع من الْجَبَّار مُنكر أكبر مِمَّا رَآهُ فِي منزله فَغير بِقَلْبِه
وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك الْملك لم يكن من أمته وَلَا أرسل إِلَيْهِ فَلم يُغير عَلَيْهِ إِذْ لَا يلْزمه ذَلِك
كَمَا مر مُوسَى ﵇ على قوم يعكفون على أصنام لَهُم فَغير على قومه وَلم يُغير عَلَيْهِم لكَونه لم يُرْسل إِلَيْهِم فَإِن النَّبِي لَا يلْزمه التَّغْيِير إِلَّا على من أرسل إِلَيْهِ
فقد خرجت القولتان بِحَمْد الله على أحسن مخرج إِذا صحتا
وَأما قَوْله ﴿مسني الشَّيْطَان بِنصب وَعَذَاب﴾ أَي ببلاء وَشر جَاءَ فِي خبر يطول ذكره فلنذكر مِنْهُ مَا لَا بُد من ذكره
وَجَاء فِي الْأَثر أَن الشَّيْطَان تحداه بِأَنَّهُ لَو سلط عَلَيْهِ لضجر وَسخط حكم الله تَعَالَى فَسلط على مَاله وَولده وَجَسَده إِلَّا قلبه وَلسَانه فَصَبر صبرا أثنى الله بِهِ عَلَيْهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فِي قُرْآن يُتْلَى فَقَالَ تَعَالَى إِنَّا
стр. 101
وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نعم العَبْد إِنَّه أواب) وَبَقِي الشَّيْطَان خائب الصَّفْقَة خزيان فَلَمَّا نَادَى ربه شاكيا بالشيطان وَبِمَا ناله مِنْهُ أَجَابَهُ بالإقالة من شكيته وَأمره أَن يرْكض الأَرْض بِرجلِهِ حَتَّى يرِيه بركَة صبره فَقَالَ ﴿اركض برجلك هَذَا مغتسل بَارِد وشراب﴾ فَعجل لَهُ فِي الدُّنْيَا مثلا لعين الْحَيَاة الَّتِي بَين الْجنَّة وَالنَّار يغْتَسل فِيهَا المعذبون وَيَشْرَبُونَ مِنْهَا فَيخْرجُونَ مطهرين من كل بؤس ظَاهرا وَبَاطنا كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر
فمس أَيُّوب ﵇ الأَرْض بِرجلِهِ فنبع مِنْهَا المَاء فَشرب مِنْهُ فبرئ مَا كَانَ فِي بَاطِنه من دَقِيق السقم وجليله واغتسل فبرئ من ظَاهره أتم بَرَاءَة فَمَا كَانَ يُرْسل المَاء على عُضْو إِلَّا وَيعود فِي الْحِين أحسن مَا كَانَ قبل بِإِذن الله تَعَالَى
ورد الله عَلَيْهِ مَاله وَولده وَولد لَهُ مثل عَددهمْ
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهله وَمثلهمْ مَعَهم﴾
وَهَذِه الْقِصَّة على رونق فِيهَا لكَونهَا مُتَعَلقَة بِالْكتاب جَائِزَة فِي الْعقل لَكِنَّهَا غير لائقة بِمنْصب النُّبُوَّة وحاشى لله أَن يُسَلط عدوه على حَبِيبه بِمثل هَذِه السلطة حَتَّى يتحكم فِي مَاله وَولده وَجَسَده بالبلاء والتنكيل
وَأما تعلقهم فِيهَا من الْكتاب الْعَزِيز فبقوله تَعَالَى أَنه قَالَ ﴿مسني الشَّيْطَان بِنصب وَعَذَاب﴾
стр. 102
وَلَيْسَ لَهُم حجَّة فِي هَذَا القَوْل فَإِن الْأَنْبِيَاء ﵈ إِذا مسهم ضرّ نسبوه إِلَى الشَّيْطَان على جِهَة الْأَدَب مَعَ الْحق سُبْحَانَهُ لِئَلَّا ينسبوا لَهُ فعلا يكره مَعَ علمهمْ أَن كلا من عِنْد الله
قَالَ الْخَلِيل ﵇ ﴿وَإِذا مَرضت فَهُوَ يشفين﴾
وَقَالَ الْخضر ﵇ ﴿فَأَرَدْت أَن أعيبها﴾
وَقَالَ الكليم ﵇ ﴿هَذَا من عمل الشَّيْطَان﴾
وَقَالَ فتاه ﵇ ﴿وَمَا أنسانيه إِلَّا الشَّيْطَان﴾
وَقَالَ نَبينَا ﷺ (وَالْخَيْر كُله فِي يَديك وَالشَّر لَيْسَ إِلَيْك)
يَعْنِي لَيْسَ إِلَيْك يُضَاف وَصفا لَا فعلا وَإِن كَانَ الْفِعْل كُله من عِنْد الله
وَقَالَ تَعَالَى بِيَدِك الْخَيْر إِنَّك على كل شَيْء قدير
فَخرج من مَجْمُوع مَا ذَكرْنَاهُ أَن تعلقهم بِالْآيَةِ فِي كل مَا زوروه من الأقاصيص غير صَحِيح
فصل
استطراد إِلَى قصَّة مَرْيَم وتبيين أَن مقَامهَا عِنْد هز الْجذع لَيْسَ أقل من مقَامهَا فِي الغرفة
стр. 103
وَهنا نُكْتَة شريفة يجب الِاعْتِبَار بهَا فِي قصَّة مَرْيَم ﵍ عِنْد هز الْجذع وَهِي معضودة بِقصَّة أَيُّوب ﵇ فِي بركَة ركضه وبركات بعض الْأَنْبِيَاء فِيمَا لمسوه وركضوه وضربوه وَذَلِكَ أَن مُعظم أهل الْإِشَارَة ﵏ أصفقوا على أَن مَرْيَم ﵍ كَانَ مقَامهَا فِي الغرفة أَعلَى مِمَّا كَانَ عِنْد النَّخْلَة
وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بِمَا جَاءَ فِي الْخَبَر عَن الرزق الَّذِي كَانَ يجد عِنْدهَا زَكَرِيَّا ﵇ إِذا كَانَ يجد عِنْدهَا فَاكِهَة الشتَاء فِي الصَّيف وَفَاكِهَة الصَّيف فِي الشتَاء فَكَانَ يَأْتِيهَا بِلَا سَبَب فَلَمَّا نظرت إِلَى عِيسَى ﵇ حِين وَلدته أحبته فَأمرت بِالْكَسْبِ فِي هز النَّخْلَة لكَونهَا رجعت من جمع إِلَى تَفْرِيق
وَقَالُوا فِي هَذَا وأطنبوا وأنشدوا الأبيات الْمَشْهُورَة على قافية الْبَاء إِلَى غير ذَلِك وَهَذِه ﵏ وهلة مِنْهُم وغفلة عَن الأولى والأحرى فِي حق تِلْكَ الصديقة
وَأول مَا يعْتَرض بِهِ عَلَيْهِم أَن يُقَال لَهُم من أَيْن يحكمون عَلَيْهَا أَنَّهَا لما رَأَتْ الْوَلَد تَفَرَّقت بميل قَلبهَا إِلَيْهِ
وَهَذَا لَا يَصح إِلَّا بتوقيف والتوقيف فِي ذَلِك مَعْدُوم وَبِمَ تردون على من يَدعِي نقيض دعواكم ويبرهن عَن ذَلِك أَن مَرْيَم ﵍ مَا كَانَت قطّ فِي مقَام هُوَ أَعلَى من مقَامهَا فِي تِلْكَ الأزمة على تِلْكَ الْحَالة
стр. 104
وعَلى قدر الأزمات يَأْتِي الْفرج وَذَلِكَ أَنَّهَا قبضت فِي ذَلِك الْمقَام من سَبْعَة أوجه
أَحدهَا أَن خاطبها الْملك على ضعفها وَصغر سنّهَا ووحدتها فِي الفلاة وَهَذَا أَمر لَا يتخيل مَا يكون فِيهِ إِلَّا من دهمه
الثَّانِي أَنه كَانَ أول خطاب خوطبت بِهِ وَقد جَاءَ فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي ﷺ لما خاطبه الْملك فِي أول مرّة كَاد أَن يتردى من حالق الْجَبَل خيفة من فَجْأَة الْملك وفجأة الْخطاب وَكَانَ ﵇ فِي ثَانِي حَال يَأْتِيهِ الْوَحْي فِي الْيَوْم الشَّديد الْبرد فيتفصد عرقا هَيْبَة من فَجْأَة الْوَحْي وإعظاما للْملك
الثَّالِث أَن أخْبرهَا بِأَنَّهَا تَلد من غير فَحل وَهَذَا مِمَّا يعظم سَمَاعه لكَونه غير مُعْتَاد لَا سِيمَا لمثلهَا
الرَّابِع طريان الْمَخَاض عَلَيْهَا وآلامه الَّتِي توازي آلام الْمَوْت لَا سِيمَا أول مَخَاض
الْخَامِس وَهُوَ أَشد عَلَيْهَا من كل مَا وَقع وَهُوَ مَا يصمها النَّاس بِهِ من الْمَلَامَة والأذية وَإِقَامَة الْحَد عَلَيْهَا وَهِي بريئة
السَّادِس وَهُوَ أَشد عَلَيْهَا من أذيتها وَهُوَ مَا يلْحق قَومهَا من
стр. 105
النَّاس إِذا قذفوها فَإِنَّهَا صديقَة بِشَاهِد الْقُرْآن وَالصديق أشْفق على خلق الله مِمَّا هُوَ على نَفسه
السَّابِع فِيمَا يكون عذرها إِذا اعترضت وَأنكر عَلَيْهَا مَا جَاءَت بِهِ
فَهَذِهِ سبع قوابض لَو سلط أَحدهَا على جبل لتصدع وَيَكْفِيك قَوْلهَا عِنْد ذَلِك ﴿يَا لَيْتَني مت قبل هَذَا وَكنت نسيا منسيا﴾ فَأَي مقَام فَوق مقَام من ابْتُلِيَ بِمثل هَذِه المعضلات دفْعَة وَاحِدَة فَصَبر وشكر
ويعضد مَا قُلْنَاهُ فِي علو مقَامهَا فِي ذَلِك الْحَال قَوْله تَعَالَى ﴿كلما دخل عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَاب﴾ الْآيَة إِلَى قَوْله ﴿بِغَيْر حِسَاب﴾
وَذَلِكَ أَن زَكَرِيَّا ﵇ كَانَ يجد عِنْدهَا تِلْكَ الْفَوَاكِه الْمَذْكُورَة فِي غير أوانها فَيَقُول ﴿أَنى لَك هَذَا﴾ يَعْنِي بِأَيّ عمل بلغت هَذَا الْمقَام كَانَ ﵇ يستعظم ذَلِك الْمقَام فِي حَقّهَا لغرارتها وضعفها فَتَقول هِيَ ﴿هُوَ من عِنْد الله﴾
أَي لَيْسَ ذَلِك مقَاما بلغته بكبير عمل وَإِنَّمَا هُوَ من فضل الله تَعَالَى فَكَأَن مَا تُشِير إِلَيْهِ أَنْتُم عُظَمَاء لكم المقامات وَالْأَحْوَال وَأَنا ضئيلة ضَعِيفَة فَأنْتم ترزقون بِسَبَب وَأَنا بِغَيْر سَبَب
فَفِي قَول زَكَرِيَّا ﵇ ﴿أَنى لَك هَذَا﴾ دَلِيل على ضعف مقَامهَا فِي الغرفة فَإِن المقامات عِنْد الْقَوْم مرتبطة بعلوم مَخْصُوصَة وأعمال
стр. 106
مَخْصُوصَة وَكَذَلِكَ الْأَحْوَال والكرامات أَيْضا هبة من الله تَعَالَى لَهُم على قدر مقاماتهم
فَلَمَّا كَانَ ذَلِك غَايَة قبضهَا وعلاء مقَامهَا فِي الْقَبْض بسطت من سَبْعَة أوجه
أَحدهَا أَن كلمها الْوَلِيد قَالَ تَعَالَى ﴿فناداها من تحتهَا أَلا تحزني﴾ قرئَ بِفَتْح الْمِيم
فَقَالَ قوم ناداها الْملك من مَكَان منخفض عَنْهُمَا
وَقَالَ آخَرُونَ ناداها الْوَلِيد وَهُوَ الْأَظْهر لوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أَن تَحت فِي حق الْوَلِيد أمت وَالثَّانِي أَن تكليم الْوَلِيد آنس فِي الْخطاب من كَلَام الْملك على مَا تقدم
وَالثَّانِي من تقاسيم الْبسط أَن كلمها وليدها وَلم يكلمها وليد غَيرهَا لِأَن تكليم وَلَدهَا من بَرَكَات أحوالها
الثَّالِث أَن كلمها فِي الْحِين فَإِن فِيهِ تَنْفِيس خناق قبضهَا بِسُرْعَة الْبشَارَة
الرَّابِع أَن كلمها بالبشارة ﴿أَلا تحزني﴾
الْخَامِس أَن أخْبرهَا أَنه سري أَي رفيع الْقدر عِنْد الله تَعَالَى وَمَا يحب أحد أَن يكون غَيره أحسن مِنْهُ إِلَّا وَلَده
стр. 107
السَّادِس أَنه لما كلمها الْوَلِيد استبشرت بِأَنَّهُ سيقيم حجتها عِنْد قَومهَا كَالَّذي فعل
السَّابِع وَهِي الْبشَارَة الْعُظْمَى الَّتِي تثبت أَن مقَامهَا عِنْد الْجذع كَانَ أَعلَى من مقَامهَا فِي الغرفة وَهُوَ قَوْله تَعَالَى لَهَا ﴿وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة تساقط عَلَيْك رطبا جنيا﴾
وتتصور الْكَرَامَة فِي هزها من أحد عشر وَجها
أَحدهَا أَنه نبهها على بركَة يَدهَا بِأَن تمس الشَّيْء فَيظْهر عَلَيْهِ بركَة ذَلِك الْمس كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيح عَن عَائِشَة أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا اشْتَكَى يقْرَأ على نَفسه بالمعوذات وينفث فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعه كنت أَقرَأ عَلَيْهِ وامسح عَنهُ بِيَدِهِ رَجَاء بركتها
وكما قيل
لَو مس عودا سلوبا لاكتسى وَرقا ... وَلَو دَعَا مَيتا فِي الْقَبْر لباه)
الثَّانِي أَن الملموس كَانَ جذعا والجذع فِي اللِّسَان هُوَ سَاق النَّخْلَة إِذا جذ رَأسهَا يَقُول الْعَرَب على كم جذع بَيْتك مَبْنِيّ وَجَاء فِي الْخَبَر فحن الْجذع إِلَيْهِ وَكَانَت أسطوانة فِي الْمَسْجِد وَقَالَ تَعَالَى ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ وَلَا يكون الصلب إِلَّا فِي
стр. 108
الْخشب فصح أَن سَاق النَّخْلَة إِنَّمَا يُسمى جذعا إِذا جز رَأسه وَإِذا جز رَأس النَّخْلَة يَبِسَتْ فَلَا تلقح وَلَا تورق بعد فَلَمَّا لمسته أَخْضَر فِي الْحِين
الثَّالِث أَن نَبتَت فِيهَا أَغْصَان وورق ورؤوس النّخل إِذا قطعت لَا تخلف
الرَّابِع أَن أثمرت فِي الْحِين وَالنَّخْل لَا تثمر إِلَّا بعد ريح فِي أَيَّام كَثِيرَة
الْخَامِس أَن صَارَت رطبا فِي الْحِين
السَّادِس قَوْله ﴿جنيا﴾ أَي حَان قطافها فصلحت للجني فَإِنَّهَا قد تسمى رطبا فِي أول نضجها قبل أَن تصلح للجني على جِهَة الْمجَاز
وَهنا لَطِيفَة وَهِي أَن الله تَعَالَى آنسها بِأَن أَرَاهَا مثلا بالجذع الْيَابِس حِين اخضر من غير سقِِي وَبعد يبسه اخضر وأثمر فِي الْحِين كَمَا ولد عِيسَى ﵇ من غير فَحل وَتكلم فِي الْحِين وَتمّ خلقه دفْعَة وَولد فِي الْحِين فَتلك بِتِلْكَ
السَّابِع أَن هزتها فتساقطت وَمَعْلُوم أَن هز مثلهَا على مَا هِيَ عَلَيْهِ من ضعفها ونفاسها لسوق النّخل لَا يسْقط الرطب فَإِن كَانَ أَعْطَيْت فِي الْحِين قُوَّة تهز بهَا النّخل فَتسقط رطبها فخرق كَبِير وَإِن تساقطت الرطب للمسها إِيَّاهَا فخرق آخر أكبر مِنْهُ
قَوْله الثَّامِن لَهَا ﴿فكلي واشربي﴾ فَإِن فِيهِ بِشَارَة بِسُرْعَة الْخَلَاص من ألمها فَإِن النُّفَسَاء لَا تَأْكُل وَلَا تشرب إِلَّا بعد مُدَّة لشغلها بألمها
стр. 109
التَّاسِع أَنه بشرها بِحُصُول الطَّعَام وَالشرَاب عِنْدهَا لِأَن كَانَت بِأَرْض فلاة فَإِن النَّاس يخَافُونَ عدمهما فِي الفلوات
الْعَاشِر قَوْله لَهَا ﴿وقري عينا﴾ فَعلمت بِكَلَامِهِ الخارق أَنه لَا يكذبها فأنست
الْحَادِي عشر أَنه علمهَا كَيفَ تجيب إِذا سَأَلَهَا قَومهَا فِي قَوْله لَهَا ﴿فَقولِي إِنِّي نذرت للرحمن صوما فَلَنْ أكلم الْيَوْم إنسيا﴾
أَلا ترى إِلَى طمأنينتها إِلَى مبارأة وَلَدهَا كَيفَ أَتَت بِهِ قَومهَا تحمله ظَاهرا لَهُم وَقد كَادَت تَفِر بِهِ إِلَى بلد آخر أَو تخفيه مَا استطاعت فَلَا يشْعر بِهِ قَومهَا فَلَمَّا طابت نَفسهَا بِهِ فِي إِقَامَة حجتها عِنْد قَومهَا أَتَتْهُم بِهِ تحمله ظَاهرا لَهُم
فَهَذِهِ رَحِمك الله سَبْعَة أَحْوَال ثوبها رَبهَا عَلَيْهَا بِثمَانِيَة عشر حَالا سَبْعَة مِنْهَا قبل الهز وَأحد عشر بعده كلهَا تَتَضَمَّن من الْبسط والأنس والكرامات مَا يدل على رفْعَة شَأْنهَا وَعزة مَكَانهَا عِنْد رَبهَا فَكيف تبخس هَذِه الصديقة فِي حَقّهَا وتحط عَن مقَامهَا فِي الهز
ويعضد مَا رمناه من علو الْمقَام لَهَا فِي ذَلِك الْوَقْت صِحَة الشّبَه فِي قَوْله تَعَالَى لأيوب ﵇ ﴿اركض برجلك﴾ أَرَادَ تَعَالَى أَن يرِيه عَاقِبَة صبره وبركة تصرفه وَفَائِدَة ركضه وَثَمَرَة لمسه الأَرْض بأخمصيه وَمَعْلُوم أَن الْمِيَاه لَا تنبع بِسَبَب الركض على مجْرى الْعَادة
وَأَن الركض يخرج مخرج الهز خرفا بِحرف
стр. 110
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى لمُوسَى ﵇ ﴿اضْرِب بعصاك الْحجر﴾ أَرَادَ تَعَالَى أَن يَنْبع لَهُ المَاء بِوَاسِطَة الضَّرْب حَتَّى تظهر كرامته عِنْد بني إِسْرَائِيل
وَكَذَلِكَ فِي الْبَحْر حِين ضربه فانفلق
وَكَذَلِكَ عِيسَى ﵇ كَانَ يرْكض الْقُبُور فيحيي الله بِهِ الْمَوْتَى ويلمس الطين فَيصير طائرا بِإِذن الله
وَكَذَلِكَ نَبينَا ﵇ لمس المَاء فنبع من بَين أَصَابِعه ولمس الطَّعَام فنما وَزيد فِيهِ وتفل فِي بِئْر فعذبت وَكثر مَاؤُهَا وتفل فِي عين عَليّ كرم الله وَجهه فبرأت من دَاء الرمد وشربت أم أَيمن بَوْله فبرأت من دَاء الْبَطن وتفل على رجل أبي بكر الصّديق ﵁ فِي الْغَار حِين لسعته الْعَقْرَب فبرئ فِي الْحِين
فليت شعري مَا الَّذِي أغفل أُولَئِكَ الجلة عَن هَذِه الْأَدِلَّة حَتَّى يغضوا من مقَام مَرْيَم ﵍ بالهز وَهُوَ الْأَعْلَى كَمَا ترى أَيهَا اللبيب الفطن المتناصف
следующие страницы →