Полный текст (160 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
البديع بِكُل وضوح وجلاء حَتَّى لَا ترى ثغرة وَلَا لبسا وَلَا نقصا فِي جِهَة من الْجِهَات ابْتِدَاء من الذرات إِلَى المجرات
إِذا فالنظام الرصين فِي الْكَوْن والانتظام الرائع فِي الْمَخْلُوقَات كَافَّة والموازنة الدقيقة بَين الموجودات يظْهر لنا التجلي الْأَعْظَم لاسم الْفَرد وَيشْهد شَهَادَة وَاضِحَة على الوحدانية
ثمَّ إِن أَي مَخْلُوق مهما كَانَ صَغِيرا إِنَّمَا هُوَ مِثَال مصغر للكون كُله ونموذجه وفهرسه الْمُخْتَصر فبمقتضى تجلي الأحدية لَا يكون مَالِكًا لذَلِك الْمَخْلُوق الْحَيّ الصَّغِير إِلَّا من كَانَ بِيَدِهِ زِمَام الْكَوْن كُله وَله الْأَمر جَمِيعًا وَحَيْثُ أَن كل بذرة متناهية فِي الصغر لَيست بِأَقَلّ إبداعا فِي الْخلق من شَجَرَة ضخمة وَأَن كل شَجَرَة باسقة تضاهي فِي خلقهَا خلق الكائنات وكل كَائِن حَيّ صَغِير إِنَّمَا هُوَ بِحكم عَالم مصغر فَإِن تجلي الأحدية هَذَا يَجْعَل الشّرك والاشتراك محالا مُمْتَنعا
ثمَّ إِن الَّذِي يتَأَمَّل فِي هَذَا الْكَوْن فِي ضوء هَذَا السِّرّ سر الأحدية يرى الْكَوْن وَاحِدًا يستعصي على التجزئة مُطلقًا وَلَيْسَ هَذَا فَحسب بل هُوَ من حَيْثُ
стр. 107
الْمَاهِيّة كلي لَا يقبل الانقسام والاشتراك والتجزئة وَتدْخل الْأَيْدِي المتعددة قطّ فَأَي تدخل فِيهِ مِمَّا سوى الْفَرد الْأَحَد محَال مُمْتَنع إِذْ إِن كل جُزْء فِيهِ بِحكم جزئي وفردي والكون هُوَ بِحكم الْكُلِّي فَلَيْسَ فِيهِ مَوضِع للاشتراك فِي أَيَّة جِهَة كَانَت
فَهَذَا التجلي الْأَعْظَم لإسم الْفَرد يثبت حَقِيقَة التَّوْحِيد بِهَذَا السِّرّ للأحدية بِدَرَجَة البداهة
نعم إِن اندماج أَنْوَاع الكائنات واندغامها فِيمَا بَينهَا وَتوجه وَظِيفَة كل مِنْهَا إِلَى عُمُوم الكائنات من حَيْثُ الْخلق والربوبية مِثْلَمَا يَجْعَل الْكَوْن كلا وَاحِدًا يستعصي على التجزئة قطعا كَذَلِك الْأَفْعَال العمومية المحيطة بالكائنات وَالَّتِي تظهر آثارها وفعالياتها فِي الكائنات عُمُوما تجْعَل الْكَوْن أَيْضا كلا وَاحِدًا من حَيْثُ تداخلها بِبَعْضِهَا حَتَّى يرفض التجزئة ويردها ردا قَوِيا ولتوضيح ذَلِك نسوق الْمِثَال الْآتِي
حالما توهب الْحَيَاة للكائن يظْهر فعل الإعاشة والإرزاق فِيهِ مُبَاشرَة وَضمن أَفعَال الإعاشة والإحياء هَذِه يُشَاهد مُبَاشرَة فعل تنظيم جَسَد ذَلِك الْكَائِن وتنسيق أَعْضَائِهِ وتجهيزه بِمَا يحْتَاج وَيلْزم وحينما تظهر
стр. 108
أَفعَال الإعاشة والإحياء والتنظيم والتجهيز يفعل التَّصْوِير والتربية وَالتَّدْبِير فعله فِي الْوَقْت نَفسه وَهَكَذَا
فتداخل أَمْثَال هَذِه الْأَفْعَال المحيطة بَعْضهَا بِالْبَعْضِ الآخر واتحادها بِبَعْضِهَا وامتزاجها كامتزاج الألوان السَّبْعَة فِي الطيف الشمسي ثمَّ إحاطة كل فعل من تِلْكَ الْأَفْعَال وشموله من حَيْثُ الْمَاهِيّة للموجودات كلهَا فِي وحدة وَاحِدَة وَكَون كل فعل مِنْهَا فعلا وحدانيا يدل دلَالَة وَاضِحَة على أَن فَاعله وَاحِد أحد فَرد
وكما أَن اسْتِيلَاء كل فعل من تِلْكَ الْأَفْعَال وهيمنته على الكائنات قاطبة واتحاده مَعَ سَائِر الْأَفْعَال فِي تعاون وثيق يَجْعَل الْكَوْن كلا غير قَابل للتجزئة كَذَلِك فَإِن كل مَخْلُوق حَيّ من حَيْثُ كَونه بِمَثَابَة بذرة الْكَوْن وفهرسه ونموذجه يَجْعَل الْكَوْن كليا غير قَابل للانقسام والتجزئة من حَيْثُ الربوبية بل يَجْعَل انقسامه محالا وخارجا عَن الْإِمْكَان أَي أَن الْكَوْن بِهَذَا هُوَ كل لَا يتَجَزَّأ فَلَا يكون إِذا رب الْجُزْء إِلَّا من كَانَ رَبًّا للْكُلّ وَهُوَ كلي أَيْضا فَلَا يكون رَبًّا للفرد الْوَاحِد إِلَّا من كَانَ زِمَام ذَلِك الْكُلِّي بِيَدِهِ
стр. 109
الْإِشَارَة السَّادِسَة البلسم الشافي
كَمَا أَن انْفِرَاد الله بالربوبية وتوحيده بالألوهية هُوَ أساس جَمِيع الكمالات ومنشأ الْمَقَاصِد السامية ومنبع الحكم المودعة فِي خلق الْكَوْن كَذَلِك هُوَ الْغَايَة القصوى والبلسم الشافي لتطمين رغبات كل ذِي شُعُور وَذي عقل وَلَا سِيمَا الْإِنْسَان إِذْ من لَا يُؤمن بِالتَّوْحِيدِ تنطفيء لَدَيْهِ شعلة رغباته ومطالبه كلهَا وتنمحي عِنْده جَمِيع الحكم المودعة فِي خلق الْكَوْن وتتلاشى أَمَامه أَكثر الكمالات الْمَوْجُودَة والثابتة
стр. 110
فمثلا إِن رَغْبَة حب الْبَقَاء بل عشقه عميقة فِي الْإِنْسَان هَذِه الرَّغْبَة العريقة لَا يحققها وَلَا يسكنهَا ويطمئنها إِلَّا من هُوَ مَالك لمقاليد الْكَوْن الَّذِي يفتح بَاب الْبَقَاء السرمدي أَمَام الْإِنْسَان بِالآخِرَة بعد أَن يُنْهِي هَذِه الدُّنْيَا الفانية ويغلق أَبْوَابهَا
وَهُنَاكَ رغبات أُخْرَى كَثِيرَة جدا أَمْثَال هَذِه الرَّغْبَة كلهَا ممتدة إِلَى غير نِهَايَة مَعْلُومَة ومتشعبة فِي ثنايا الكائنات جَمِيعًا فَهَذِهِ الرغبات جَمِيعًا مرتبطة ارتباطا وثيقا بِحَقِيقَة التَّوْحِيد وأنواره ومشدودة مَعَ سر الفردية وفيضها إِذْ لَا تَجِد اطمئنانها وسكونها لَدَى الَّذِي لَا يُؤمن بِالتَّوْحِيدِ وانفراد الله لذا تبقى لَدَيْهِ هَذِه الرغبات عقيمة دون نتائج قَاصِرَة عَن بُلُوغ مداها مبتورة منكمشة حَقًا أَن حَاجَة الْإِنْسَان ورغباته لَا يشبعها إِلَّا الله
فالإيمان بالوحدانية وبقدرة الْفَرد الْوَاحِد الْأَحَد الْمُطلقَة إِذا هُوَ وَحده الْكَفِيل بإحلال الطُّمَأْنِينَة والسكون فِي تِلْكَ الرغبات المتأججة لَدَى الْإِنْسَان
من أجل هَذَا السِّرّ الْعَظِيم نرى الْقُرْآن الْكَرِيم يذكر التَّوْحِيد والوحدانية بِكُل حرارة وشوق ويكررها بِكُل
стр. 111
حلاوة وذوق وَأَن الْأَنْبِيَاء ﵈ والأصفياء وَالْعُلَمَاء والأولياء الصَّالِحين يَجدونَ بغيتهم وذوقهم السَّامِي بل مُنْتَهى سعادتهم فِي أفضل مَا قَالُوهُ لَا إِلَه إِلَّا الله
стр. 112
الْإِشَارَة السَّابِعَة السراج الْمُنِير
إِن هَذَا التَّوْحِيد الْحَقِيقِيّ بِجَمِيعِ مراتبه وبأتم صورته الْكَامِلَة قد أثْبته وأعلنه وفهمه وبلغه مُحَمَّد ﷺ فَلَا بُد أَن رسَالَته ثَابِتَة وقاطعة كقطعية ثُبُوت التَّوْحِيد نَفسه لِأَنَّهُ
لما كَانَ التَّوْحِيد هُوَ أعظم حَقِيقَة فِي الْوُجُود وَإِن الرَّسُول الْأَعْظَم ﷺ هُوَ الَّذِي تولى تبليغه وتعليمه بِجَمِيعِ حقائقه فَلَا بُد أَن جَمِيع الْبَرَاهِين الَّتِي تثبت التَّوْحِيد تكون بدورها براهين لإِثْبَات رسَالَته وأدلة على صدق نبوته وأحقية دَعوته ﷺ فرسالة كهذه الرسَالَة الْعُظْمَى الَّتِي تضم ألوفا من أَمْثَال هَذِه الْحَقَائِق السامية وَتكشف عَن حَقِيقَة التَّوْحِيد بِكُل نصاعته وسموه وترشد إِلَيْهِ وتلقنه لَا شكّ أَنَّهَا رِسَالَة يقتضيها ذَلِك التَّوْحِيد وَتلك الفردية
فَمن ذَا غير مُحَمَّد ﵊ الَّذِي أدّى الْأَمَانَة على أفضل وَجه وَبلغ الرسَالَة على أجمل صُورَة
стр. 113
سنذكر ثَلَاثَة نماذج مِثَالا لتِلْك الْأَدِلَّة الْكَثِيرَة والأسباب العديدة الَّتِي تشهد بعظمة الشخصية المعنوية لهَذَا النَّبِي الْكَرِيم ﷺ وتدل على علو مَنْزِلَته الرفيعة وَتبين أَنه السراج الْمُنِير لهَذِهِ الكائنات وشمسها الساطعة
الدَّلِيل الأول
إِن ثَوَاب جَمِيع الْحَسَنَات الَّتِي ينالها جَمِيع أَفْرَاد الْأمة وعَلى مدى جَمِيع العصور مَكْتُوب مثله فِي صحيفَة حَسَنَاته ﷺ إِذْ هُوَ السَّبَب فِي نيل كل ثَوَاب تناله أمته إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
تَأمل فِي هَذَا ثمَّ فكر فِي الْمقَام الْمُعظم اللَّائِق الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَجْمُوع الْأَدْعِيَة غير المحدودة والصلوات المقبولة المرفوعة يوميا من الْأمة كَافَّة تدْرك عندئذ دَرَجَته الْعَالِيَة الرفيعة ويمكنك أَن تفهم أَن شخصيته المعنوية شمس الكائنات والسراج الْمُنِير لِلْخلقِ أَجْمَعِينَ
الدَّلِيل الثَّانِي
أَن بذرة الشَّجَرَة الوارفة لِلْإِسْلَامِ ومنشأها وحياتها ومنبعها إِنَّمَا هِيَ حَقِيقَة الْمَاهِيّة المحمدية بِمَا تملك من فطْرَة سامية وخلقة كَامِلَة فَتذكر هَذَا ثمَّ فكر فِي الرقي
стр. 114
الروحي لهَذَا الرَّسُول الحبيب ﷺ النابع من استشعاره الْكَامِل الأتم لجَمِيع مَعَاني ومراتب عِبَادَته وأذكاره وكلماته الشَّرِيفَة وَالَّذِي يمثل بمجموعه روح الْإِسْلَام وَحَقِيقَته علما أَن عبوديته ﷺ قد سمت إِلَى مرتبَة حبيب الله فقس على هَذَا مدى علو مَنْزِلَته ورفعة دَرَجَته على سَائِر الولايات والمراتب والدرجات وَلَقَد فتح الله عَليّ يَوْمًا فِي سَجْدَة فِي صَلَاة بعض الْمعَانِي والأنوار المشعة من كلمة سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى بِمَا يقرب من تلقى الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ من هَذِه الْكَلِمَة المقدسة فَتبين لي يَقِينا أَنَّهَا خير من عبَادَة شهر فَقلت فِي نَفسِي
إِن كَانَت جَمِيع هَذِه الْأَنْوَار والفيوضات تنبعث من كلمة وَاحِدَة فِي صَلَاة وَاحِدَة فَكيف بِمن يعِيش طوال حَيَاته فِي تِلْكَ الْأَنْوَار والفيوضات فأدركت بهَا الْمنزلَة الْعَظِيمَة والدرجة الْعَالِيَة الَّتِي يحظى بهَا الصَّحَابَة الْكِرَام رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ
نعم أَن الْأَنْوَار الَّتِي تشعها الْكَلِمَات المقدسة وفيوضاتها فِي بَدْء الْإِسْلَام لَهَا مزايا خَاصَّة ولذائذ سامية وَذَلِكَ لجدتها ولطافتها وطراوتها الَّتِي قد تتناقض بمرور الزَّمن وتتستر تَحت ستار الْغَفْلَة
стр. 115
والآن وَفِي ضوء مَا سبق تَأمل مكانة الرَّسُول الْكَرِيم ﷺ الَّذِي تنَاول الْكَلَام الْمُقَدّس ورشفه من المنبع الأقدس واستوعب أنواره بِالْوَحْي الإلهي بكامل جدته وطراوته ولطافته مَعَ مَا فطر عَلَيْهِ من استعداد كَامِل فالأنوار والفيوضات الكامنة فِي تَسْبِيحَة وَاحِدَة مِنْهُ ﷺ هِيَ خير وأعم من جَمِيع الْأَنْوَار الَّتِي تملأ أرجاء عبَادَة سنة كَامِلَة عِنْد غَيره
قس على هَذَا المنوال كي تعلم كم بلغ رَسُولنَا الحبيب ﷺ من دَرَجَات الْكَمَال الَّتِي لَا حد لَهَا وَلَا نِهَايَة
الدَّلِيل الثَّالِث
إِن الْإِنْسَان يمثل أعظم مقصد من الْمَقَاصِد الإلهية فِي الْكَوْن وَهُوَ المؤهل لإدراك الْخطاب الرباني وَقد اخْتَارَهُ سُبْحَانَهُ من بَين مخلوقاته وَاصْطفى من بَين الْإِنْسَان المكرم من هُوَ أكمل وَأفضل وَأعظم إِنْسَان بِأَعْمَالِهِ وآثاره الْكَامِلَة ليَكُون مَوضِع خطابه الْجَلِيل باسم النَّوْع الإنساني كَافَّة بل باسم الكائنات جَمِيعًا
стр. 116
فَلَا ريب أَن الله سُبْحَانَهُ الَّذِي هيأ رَسُوله الحبيب ﷺ لهَذِهِ الْمرتبَة اللائقة بِهِ قد منحه من الْأَنْوَار والكمالات مَالا يحد بحدود
وَهَكَذَا وبمثل هَذِه الدَّلَائِل الثَّلَاثَة وَدَلَائِل أُخْرَى كَثِيرَة يثبت لدينا يَقِينا
إِن الشخصية المعنوية للرسول الْكَرِيم ﷺ شمس معنوية ساطعة للكائنات وسراج مُنِير لامع لَهَا كَمَا أَنَّهَا الْآيَة الْعُظْمَى من قُرْآن الْكَوْن وَالِاسْم الْأَعْظَم للفرقان الْأَعْظَم ومرآة صَافِيَة للتجلي الْأَعْظَم لأنوار اسْم الْفَرد جلّ وَعلا
فاللهم يَا أحد يَا فَرد يَا صَمد أنزل من بَرَكَات خزينة رحمتك الَّتِي لَا تنفد صلوَات وَسلَامًا على تِلْكَ الذَّات النَّبَوِيَّة الشَّرِيفَة بِعَدَد ذرات الْكَوْن مَضْرُوبا بِعَدَد دقائق الزَّمَان
سُبْحَانَكَ لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا إِنَّك أَنْت الْعَلِيم الْحَكِيم
стр. 117
الْمَكْتُوب الْعشْرُونَ
بشارات التَّوْحِيد
стр. 118
باسمه سُبْحَانَهُ وَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحيي وَيُمِيت وَهُوَ حَيّ لَا يَمُوت بِيَدِهِ الْخَيْر وَهُوَ على كل شَيْء قدير وَإِلَيْهِ الْمصير
إِن هَذِه الْجُمْلَة الَّتِي تلخص التَّوْحِيد عبارَة عَن إِحْدَى عشرَة كلمة ولقراءتها عقب صَلَاتي الْفجْر وَالْمغْرب فَضَائِل جمة حَتَّى وَردت فِي إِحْدَى الرِّوَايَات الصَّحِيحَة أَنَّهَا تحمل مرتبَة الِاسْم الْأَعْظَم فَلَا غرو إِذن أَن تقطر كل كلمة من كلماتها أملا شافيا وبشرى سارة وَأَن تحمل مرتبَة جليلة من مَرَاتِب تَوْحِيد الربوبية وَتبين من زَاوِيَة الِاسْم الْأَعْظَم كبرياء الوحدانية وَكَمَال التَّوْحِيد
وَحَيْثُ أَن هَذِه الْحَقَائِق الواسعة الرفيعة قد وضحت بجلاء فِي سَائِر الْكَلِمَات فنحيل إِلَيْهَا القاريء الْكَرِيم ونكتفي هُنَا بِوَضْع فهرس لَهَا بِنَاء على وعد سَابق على صُورَة خُلَاصَة مجملة جدا تتكون من مقامين ومقدمة
стр. 119
الْمُقدمَة
اعْلَم يَقِينا أَن أسمى غَايَة لِلْخلقِ وَأعظم نتيجة للفطرة الإنسانية هُوَ الْإِيمَان بِاللَّه وَاعْلَم أَن أَعلَى مرتبَة للإنسانية وَأفضل مقَام للبشرية هُوَ معرفَة الله الَّتِي هِيَ فِي ذَلِك الْإِيمَان وَاعْلَم أَن أزهى سَعَادَة للإنس وَالْجِنّ وَأحلى نعْمَة هُوَ محبَّة الله النابعة من تِلْكَ الْمعرفَة وَاعْلَم أَن أصفى سرُور لروح الْإِنْسَان وأنقى بهجة لِقَلْبِهِ هُوَ اللَّذَّة الروحية المترشحة من تِلْكَ الْمحبَّة
أجل إِن جَمِيع أَنْوَاع السَّعَادَة الحقة وَالسُّرُور الْخَالِص وَالنعْمَة الَّتِي مَا بعْدهَا نعْمَة واللذة الَّتِي لَا تفوقها لَذَّة إِنَّمَا هِيَ فِي معرفَة الله فِي محبَّة الله فَلَا سَعَادَة وَلَا مَسَرَّة وَلَا نعْمَة حَقًا بِدُونِهَا
فَكل من عرف الله تَعَالَى حق الْمعرفَة وملأ قلبه من نور محبته سَيكون أَهلا لسعادة لَا تَنْتَهِي ولنعمة لَا تنضب ولأنوار وأسرار لَا تنفد وسينالها إِمَّا فعلا وواقعا أَو اسْتِعْدَادًا وقابلية بَيْنَمَا الَّذِي لَا يعرف خالقه
стр. 120
حق الْمعرفَة وَلَا يكن لَهُ مَا يَلِيق من حب وود يصاب بشقاء مادي ومعنوي دائمين ويظل يعاني من الآلام والأوهام مَا لَا يحصر
نعم إِن هَذَا الْإِنْسَان البائس الَّذِي يتلوى ألما من فَقده مَوْلَاهُ وحاميه ويضطرب من تفاهة حَيَاته وَعدم جدواها وَهُوَ عَاجز وَضَعِيف بَين جموع البشرية المنكودة مَاذَا يُغْنِيه عَمَّا يعانيه وَلَو كَانَ سُلْطَان الدُّنْيَا كلهَا
فَمَا أَشد بؤس هَذَا الْإِنْسَان المضطرب فِي دوامة حَيَاة فانية زائلة وَبَين جموع سائبة من الْبشر إِن لم يجد مَوْلَاهُ الْحق وَلم يعرف مَالِكه وربه حق الْمعرفَة وَلَكِن لَو وجد ربه وَعرف مَوْلَاهُ ومالكه لالتجأ إِلَى كنف رَحمته الواسعة واستند إِلَى جلال قدرته الْمُطلقَة ولتحولت لَهُ الدُّنْيَا الموحشة رَوْضَة مؤنسة وسوق تِجَارَة مربحة
стр. 121
الْمقَام الأول
كل كلمة من كَلِمَات هَذَا الْكَلَام التوحيدي الرائع تزف بشرى سارة وتبث أملا دافئا وَفِي كل بشرى شِفَاء وبلسم وَفِي كل شِفَاء لَذَّة معنوية وانشراح روحي
الْكَلِمَة الأولى لَا إِلَه إِلَّا الله
هَذِه الْكَلِمَة تتقطر بشرى عَظِيمَة وأملا بهيجا كالآتي
إِن روح الْإِنْسَان المتلهفة إِلَى حاجات غير محدودة والمستهدفة من قبل أَعدَاء لَا يعدون هَذِه الرّوح المبتلاة بَين حاجات لَا تَنْتَهِي وأعداء لَا يحصرون تَجِد فِي هَذِه الْكَلِمَة الْعَظِيمَة منبعا ثرا من الاستمداد بِمَا يفتح لَهَا أَبْوَاب خَزَائِن رَحْمَة وَاسِعَة ترد مِنْهَا مَا يطمئن جَمِيع الْحَاجَات وتضمن جَمِيع المطاليب وتجد فِيهَا كَذَلِك مرتكزا شَدِيدا ومستندا رَضِيا يدْفع عَنْهَا جَمِيع الشرور وَيصرف عَنْهَا جَمِيع الأضرار وَذَلِكَ بِمَا تري الْإِنْسَان من قُوَّة مَوْلَاهُ الْحق وترشده إِلَى مَالِكه الْقَدِير وتدله على خالقه ومعبوده وبهذه الرُّؤْيَة السديدة والتعرف على الله الْوَاحِد
стр. 122
الْأَحَد تنقذ هَذِه الْكَلِمَة قلب الْإِنْسَان من ظلام الوحشة والأوهام وتنجي روحه من آلام الْحزن والكمد بل تضمن لَهُ فَرحا أبديا وسرورا دَائِما
الْكَلِمَة الثَّانِيَة وَحده
هَذِه الْكَلِمَة تشرق أملا شافيا وتزف بشرى سارة كالآتي
إِن روح الْبشر وَقَلبه المرهقين بل الغارقين إِلَى حد الاختناق تَحت ضغوط ارتباطات شَدِيدَة وأواصر متينة مَعَ أغلب أَنْوَاع الكائنات يجدان فِي هَذِه الْكَلِمَة ملْجأ أَمينا ينقذهما من تِلْكَ المهالك والدوامات أَي أَن كلمة وَحده تَقول معنى
إِن الله وَاحِد أحد فَلَا تتعب نَفسك أَيهَا الْإِنْسَان بمراجعة الأغيار وَلَا تتذلل لَهُم فترزح تَحت منتهم وأذاهم وَلَا تحني رَأسك أمامهم وتتملق لَهُم وَلَا ترهق نَفسك فتلهث وَرَاءَهُمْ وَلَا تخف مِنْهُم وترتعد إزاءهم لِأَن سُلْطَان الْكَوْن وَاحِد وَعِنْده مَفَاتِيح كل شَيْء بِيَدِهِ مقود كل شَيْء تنْحَل عقد كل شَيْء بأَمْره وتنفرج كل شدَّة بِإِذْنِهِ فَإِن وجدته فقد ملكت كل شَيْء وفزت بِمَا تطلبه ونجوت من أثقال الْمَنّ والأذى وَمن أسر الْخَوْف وَالوهم
стр. 123
الْكَلِمَة الثَّالِثَة لَا شريك لَهُ
أَي كَمَا أَن الله وَاحِد لَا ند لَهُ وَلَا ضد فِي ألوهيته فَإِن ربوبيته وإجراءاته وإيجاده الْأَشْيَاء منزهة كَذَلِك من الشّرك بِخِلَاف سلاطين الأَرْض إِذْ يحدث أَن يكون السُّلْطَان وَاحِدًا متفردا فِي سلطنته إِلَّا أَنه لَيْسَ متفردا فِي إجراءاته حَيْثُ أَن موظفيه وخدمه يعدون شُرَكَاء لَهُ فِي تسيير الْأُمُور وتنفيذ الإجراءات ويمكنهم أَن يحولوا دون مثول الْجَمِيع أَمَامه ويطلبوا مِنْهُم مراجعتهم أَولا وَلَكِن الْحق وَهُوَ سُلْطَان الْأَزَل والأبد فَكَمَا أَنه وَاحِد أحد لَا شريك لَهُ فِي سلطنته فَلَيْسَ لَهُ حَاجَة قطّ فِي ربوبيته أَيْضا إِلَى شُرَكَاء ومعينين للتنفيذ إِذْ لَا يُؤثر شَيْء فِي شَيْء إِلَّا بأَمْره وَحَوله وقوته فَيمكن للْجَمِيع أَن يراجعوه دون وسيط لعدم وجود شريك أَو معِين وَلَا يُقَال عندئذ للمراجع لَا يجوز لَك الدُّخُول فِي الحضرة الإلهية
وَهَكَذَا تحمل هَذِه الْكَلِمَة فِي طياتها أملا باسما وَبشَارَة بهيجة فَتَقول
إِن الْإِنْسَان الَّذِي استنارت روحه بِنور الْإِيمَان ليستطيع عرض حاجاته كلهَا بِلَا حاجز وَلَا مَانع بَين يَدي ذَلِكُم الْجَمِيل ذِي الْجلَال ذَلِكُم الْقَدِير ذِي
стр. 124
الْكَمَال وَيطْلب مَا يطمئن رغباته أَيْنَمَا كَانَ هَذَا الْإِنْسَان وحيثما حل فيفرش حاجاته ومطاليبه كلهَا أَمَام ذَلِكُم الرَّحِيم الَّذِي يملك خَزَائِن الرَّحْمَة الواسعة مُسْتَندا إِلَى قوته الْمُطلقَة فيمتلىء عندئذ فَرحا كَامِلا وسرورا غامرا
الْكَلِمَة الرَّابِعَة لَهُ الْملك
أَي إِن الْملك كُله لَهُ دون اسْتثِْنَاء وَأَنت أَنْت أَيْضا ملكه كَمَا أَنَّك عَبده ومملوكه وَأَنت عَامل فِي ملكه
فَهَذِهِ الْكَلِمَة تفوح أملا وتقطر بشرى شافية وَتقول
أَيهَا الْإِنْسَان لَا تحسب أَنَّك مَالك نَفسك كلا لِأَنَّك لَا تقدر على أَن تدير أُمُور نَفسك وَذَلِكَ حمل ثقيل وعبء كَبِير وَلَا يمكنك أَن تحافظ عَلَيْهَا فتنجيها من البلايا والرزايا وتوفر لَهَا لَوَازِم حياتك فَلَا تجرع نَفسك إِذن الآلام سدى فتلقي بهَا فِي أحضان القلق وَالِاضْطِرَاب دون جدوى فالملك لَيْسَ لَك وَإِنَّمَا لغيرك وَذَلِكَ الْمَالِك كَمَا أَنه قَادر فَهُوَ
стр. 125
رَحِيم فاستند إِلَى قدرته ولاتتهم رَحمته دع مَا كدر خُذ مَا صفا انبذ الصعاب والأوصاب وتنفس تنفس الصعداء وحز على الهناء والسعادة
وَتقول أَيْضا
إِن هَذَا الْوُجُود الَّذِي تهواه معنى وتتعلق بِهِ وتتألم لشقائه واضطرابه وتحس بعجزك عَن إِصْلَاحه هَذَا الْوُجُود كُله ملك لقادر رَحِيم فَسلم الْملك لمَوْلَاهُ وتخل عَنهُ فَهُوَ يَتَوَلَّاهُ واسعد بمسراته وهنائه دون أَن تكدرك معاناته ومقاساته فالمولى حَكِيم وَرَحِيم يتَصَرَّف فِي ملكه كَيفَ يَشَاء وفْق حكمته وَرَحمته
وَإِذا مَا أخذك الروع والدهشة فأطل من النوافذ وَلَا تقتحمها وَقل مِثْلَمَا قَالَ الشَّاعِر إِبْرَهِيمُ حَقي
(لنر الْمولى مَاذَا يفعل ... فَمَا يفعل هُوَ الأجمل)
الْكَلِمَة الْخَامِسَة لَهُ الْحَمد
أَي أَن الْحَمد وَالثنَاء والمدح والْمنَّة خَاص بِهِ وَحده ولائق بِهِ وَحده لِأَن النعم والآلاء كلهَا مِنْهُ وَحده وَتفِيض من خزائنه الواسعة والخزائن دائمة لَا تنضب
стр. 126
وَهَكَذَا تمنح هَذِه الْكَلِمَة بشرى لَطِيفَة وَتقول
أَيهَا الْإِنْسَان لَا تقاسي الْأَلَم بِزَوَال النِّعْمَة لِأَن خَزَائِن الرَّحْمَة لَا تنفد وَلَا تصرخ من زَوَال اللَّذَّة لِأَن تِلْكَ النِّعْمَة لَيْسَ إِلَّا ثَمَرَة رَحْمَة وَاسِعَة لَا نِهَايَة لَهَا فالثمار تتعاقب مَا دَامَت الشَّجَرَة بَاقِيَة
وَاعْلَم أَيهَا الْإِنْسَان أَنَّك تَسْتَطِيع أَن تجْعَل لَذَّة النِّعْمَة أطيب وَأعظم مِنْهَا بمئة ضعف وَذَلِكَ برؤيتك التفاتة الرَّحْمَة إِلَيْك وتكرمها عَلَيْك وَذَلِكَ بالشكر وَالْحَمْد إِذْ كَمَا أَن ملكا عَظِيما وسلطانا ذَا شَأْن إِذْ أرسل إِلَيْك هَدِيَّة ولتكن تفاحة مثلا فَإِن هَذِه الْهَدِيَّة تنطوي على لَذَّة تفوق لَذَّة التفاح المادية بأضعاف الْأَضْعَاف تِلْكَ هِيَ لَذَّة الِالْتِفَات الملكي والتوجه السلطاني المكلل بالتخصيص وَالْإِحْسَان كَذَلِك فَإِن كلمة لَهُ الْحَمد تفتح أمامك بَابا وَاسِعًا تتدفق مِنْهُ لَذَّة معنوية خَالِصَة هِيَ ألذ من تِلْكَ النعم نَفسهَا بِأَلف ضعف وَضعف وَذَلِكَ بِالْحَمْد وَالشُّكْر أَي بالشعور بالإنعام عَن طَرِيق النِّعْمَة أَي بِمَعْرِِفَة الْمُنعم بالتفكر فِي الإنعام نَفسه أَي بالتفكر والتبصر فِي الْتِفَات رَحمته سُبْحَانَهُ وتوجهه إِلَيْك وشفقته عَلَيْك ودوام أنعامه عَلَيْك
стр. 127
الْكَلِمَة السَّادِسَة يحيي
أَي أَنه هُوَ الَّذِي يهب الْحَيَاة وَهُوَ الَّذِي يديمها بالرزق وَهُوَ المتكفل بِكُل ضروراتها وحاجاتها وَهُوَ الَّذِي يهيىء لوازمها ومقوماتها فالغايات السامية للحياة تعود إِلَيْهِ والنتائج المهمة لَهَا توجه إِلَيْهِ فتسع وَتسْعُونَ بالمئة من ثمراتها ونتائجها تقصده وَترجع إِلَيْهِ
وَهَكَذَا فَهَذِهِ الْكَلِمَة تنادي هَذَا الْإِنْسَان الفاني الْعَاجِز وتزجي لَهُ الْبشَارَة نافخة فِيهِ روح الأمل وَتقول
أَيهَا الْإِنْسَان لَا ترهق نَفسك بِحمْل أعباء الْحَيَاة الثَّقِيلَة على كاهلك الضَّعِيف وَلَا تذْهب نَفسك حسرات على فنَاء الْحَيَاة وانتهائها وَلَا تظهر النَّدَم والتذمر من مجيئك إِلَى الْحَيَاة كلما ترى زَوَال نعيمها وتفاهة ثمراتها وَاعْلَم أَن حياتك الَّتِي تعمر وجودك إِنَّمَا تعود إِلَى الْحَيّ القيوم فَهُوَ المتكفل بِكُل حاجاتها ولوازمها فَهَذِهِ الْحَيَاة تعود إِلَيْهِ وَحده بغايتها الوفيرة ونتائجها الْكَثِيرَة وَمَا أَنْت إِلَّا عَامل بسيط فِي سفينة الْحَيَاة
فَقُمْ بواجبك أحسن قيام ثمَّ اقبض أجرتك وتمتع بهَا وتذكر دَائِما مدى عظم هَذِه الْحَيَاة الَّتِي تمخر عباب
стр. 128
الْوُجُود ومدى جلالة فوائدها وثمراتها ومدى كرم صَاحبهَا وسعة رَحْمَة مَوْلَاهَا تَأمل ذَلِك واسبح فِي فضاء السرُور واستبشر بِهِ خيرا وأد شكر مَا عَلَيْك تجاه مَوْلَاك وَاعْلَم بأنك إِن اسْتَقَمْت فِي أعمالك فَإِن نتائج سفينة الْحَيَاة هَذِه ستسجل أَولا فِي صحيفَة أعمالك فتوهب لَك حَيَاة بَاقِيَة وتحيا حَيَاة أبدية
الْكَلِمَة السَّابِعَة وَيُمِيت
أَي أَنه هُوَ الَّذِي يهب الْمَوْت أَي هُوَ الَّذِي يسرحك من وَظِيفَة الْحَيَاة ويبدل مَكَانك فِي الدُّنْيَا الفانية وينقذك من عبء الْخدمَة ويحررك من مسؤولية الْوَظِيفَة أَي يأخذك من هَذِه الْحَيَاة الفانية إِلَى الْحَيَاة الْبَاقِيَة
وَهَكَذَا فَهَذِهِ الْكَلِمَة تصرخ فِي أذن الْإِنْس وَالْجِنّ الفانين وَتقول
بشراكم الْمَوْت لَيْسَ إعداما وَلَا عَبَثا وَلَا سدى وَلَا انقراضا وَلَا انطفاء وَلَا فراقا أبديا كلا فالموت لَيْسَ عدما وَلَا مصادفة وَلَا انعداما ذاتيا بِلَا فَاعل بل هُوَ تَسْرِيح من لدن فعال حَكِيم رَحِيم
стр. 129
وتبديل مَكَان وتغيير مقَام وسوق نَحْو السَّعَادَة الخالدة حَيْثُ الوطن الْأَصْلِيّ أَي هُوَ بَاب وصال لعالم البرزخ عَالم يجمع تسعا وَتِسْعين بالمئة من الأحباب
الْكَلِمَة الثَّامِنَة وَهُوَ حَيّ لَا يَمُوت
أَي أَن الْكَمَال وَالْحسن وَالْإِحْسَان الَّذِي هُوَ ظَاهر فِي الموجودات وَهُوَ وَسِيلَة الْمحبَّة هَذَا الْكَمَال وَالْحسن وَالْإِحْسَان يتجلى بِمَا لَا يُمكن وَصفه وَبِمَا لَا يحده حُدُود وَفَوق الدَّرَجَات العلى من مَالك الْجمال والكمال وَالْإِحْسَان فومضة من جماله سُبْحَانَهُ تعادل جَمِيع محبوبات الدُّنْيَا بأسرها فَهَذَا الْإِلَه المحبوب المعبود لَهُ حَيَاة أبدية دائمة منزهة عَن كل شوائب الزَّوَال وظلال الفناء مبرأة عَن كل عوارض النَّقْص والقصور
إِذن فَهَذِهِ الْكَلِمَة تعلن للملأ جَمِيعًا من الْجِنّ وَالْإِنْس وأرباب المشاعر والفطنة وَأهل الْعِشْق والمحبة وَتقول
إِلَيْكُم الْبُشْرَى إِلَيْكُم نسمَة أمل وَخير إِن لكم محبوبا أزليا بَاقِيا يداوي الجروح المتمخضة من لوعة الْفِرَاق الأبدي لمحبوبتكم الدُّنْيَوِيَّة ويمسها ببلسمه الشَّافِعِي بمرهم رَحمته فَمَا دَامَ هُوَ مَوْجُودا ومادام هُوَ بَاقِيا فَكل
стр. 130
شَيْء يهون فَلَا تقلقوا وَلَا تبتئسوا فَإِن الْحسن وَالْإِحْسَان والكمال الَّذِي جعلكُمْ مشغوفين بأحبائكم لَيْسَ إِلَّا لمحة من ظلّ ضَعِيف انْشَقَّ عَن ظلال الْحجب والأستار الْكَثِيرَة جدا لتجل وَاحِد من تجليات جمال ذَلِك المحبوب الْبَاقِي فَلَا يعذبنكم زَوَال أُولَئِكَ وفراقهم لأَنهم جَمِيعًا لَيْسُوا إِلَّا نوعا من مرايا عاكسة وتبديل المرايا وتغييرها يجدد ويجمل انعكاسات تجلي الْجمال وشعشعته الباهرة فَمَا دَامَ هُوَ مَوْجُودا فَكل شَيْء مَوْجُود إِذن
الْكَلِمَة التَّاسِعَة بِيَدِهِ الْخَيْر
أَي إِن الْخَيْر كُله بِيَدِهِ وَأَعْمَالكُمْ الْخيرَة كلهَا تسجل فِي سجله وَمَا تقدموه من صالحات الْأَعْمَال جَمِيعهَا تدرج عِنْده
إِذن فَهَذِهِ الْكَلِمَة تنادي الْجِنّ وَالْإِنْس وتزف لَهُم الْبُشْرَى وتهب لَهُ الأمل والشوق فَتَقول
أَيهَا الْمَسَاكِين لَا تَقولُوا عِنْدَمَا تغادرون الدُّنْيَا إِلَى الْمقْبرَة أَواه وَا أسفاه وَا حسرتاه لقد ذهبت أَمْوَالنَا هباء وَضاع سعينا هدرا فَدَخَلْنَا ضيق الْقَبْر بعد فسحة الدُّنْيَا لَا لَا تصرخوا يائسين لِأَن كل مَا
стр. 131
لديكم فمحفوظ عِنْده سُبْحَانَهُ وكل مَا قدمتموه من عمل وَجهد قد سجل وَدون عِنْده فَلَا شَيْء يضيع وَلَا جهد ينسى لِأَن ذَا الْجلَال الَّذِي بِيَدِهِ الْخَيْر كُله سيثيبكم على أَعمالكُم وسيدعوكم للمثول أَمَامه بعد أَن يضعكم فِي التُّرَاب مثواكم الْمُؤَقت
فَمَا أسعدكم أَنْتُم إِذن وَقد أتممتم خدماتكم وأنهيتم وظائفكم وَقد بَرِئت ساحتكم وانتهت أَيَّام المعاناة والأعباء الثَّقِيلَة فَأنْتم ماضون الْآن لقبض الأجور واستلام الأرباح
أجل إِن الْقَادِر الْجَلِيل الَّذِي حَافظ على البذور والنوى الَّتِي هِيَ صحف أَعمال الرّبيع الْمَاضِي ودفاتر خدماته وحجرات وظائفه ونشرها فِي هَذَا الرّبيع الزاهي وَفِي أبهى حلَّة وَفِي غَايَة التألق وَفِي أَكثر بركَة وغزارة وَفِي أروع صُورَة إِن هَذَا الْقَدِير الْجَلِيل لَا ريب سيحافظ أَيْضا على نتائج حَيَاتكُم ومصائر أَعمالكُم وسيجازيكم بهَا أحسن الْجَزَاء وأجزل الثَّوَاب
стр. 132
الْكَلِمَة الْعَاشِرَة وَهُوَ على كل شي قدير
أَي أَنه وَاحِد أحد قَادر على كل شَيْء لَا يشق عَلَيْهِ شَيْء وَلَا يؤوده شَيْء وَلَا يصعب عَلَيْهِ أَمر فخلق ربيع كَامِل مثلا سهل ويسير عَلَيْهِ كخلق زهرَة وَاحِدَة وَخلق الْجنَّة وَعِنْده كخلق ذَلِك الرّبيع وبالسهولة واليسر الكاملين فالمخلوقات غير المحدودة الَّتِي يوجدها ويجددها كل يَوْم كل سنة كل عصر لتشهد كلهَا بألسنة غير محدودة على قدرته غير المحدودة
فَهَذِهِ الْكَلِمَة أَيْضا تمنح أملا وبشرى وَتقول
أَيهَا الْإِنْسَان إِن أعمالك الَّتِي أديتها وعبوديتك الَّتِي قُمْت بهَا لَا تذْهب هباء منثورا فهناك دَار جَزَاء خالدة ومقام سَعَادَة هانئة قد هيء لَك فأمامك جنَّة خالدة متلهفة لقدومك مشتاقة إِلَيْك فثق بوعد خالقك ذِي الْجلَال الَّذِي تَخِر لَهُ سَاجِدا عابدا وآمن بِهِ وَاعْتمد عَلَيْهِ فَإِنَّهُ محَال أَن يخلف وَعدا قطعه على نَفسه إِذْ لَا تشوب قدرته شَائِبَة أَو نقص وَلَا يداخل أَعماله عجز أَو ضعف فَكَمَا أَنه خلق لَك حديقتك الصَّغِيرَة ويحييها فَهُوَ قَادر على أَن يخلق لَك الْجنَّة الواسعة بل قد خلقهَا فعلا وَوَعدك بهَا وَلِأَنَّهُ وعد فسيفي بوعده حتما ويأخذك إِلَى تِلْكَ الْجنَّة
стр. 133
وَمَا دمنا نرى أَنه يحْشر وينشر فِي كل عَام على وَجه البسيطة أَكثر من ثلاثمئة ألف نوع من أَنْوَاع النباتات وأمم الْحَيَوَانَات وبانتظام كَامِل وميزان دَقِيق وَفِي سرعَة فائقة وسهولة تَامَّة فَلَا بُد أَن هَذَا الْقَادِر الْجَلِيل قَادر أَيْضا أَن يضع وعده مَوضِع التَّنْفِيذ
وَمَا دَامَ الْقَادِر الْمُطلق يُوجد فِي كل سنة آلَاف النماذج للحشر وَالْجنَّة وبمختلف الأنماط والأشكال وَمَا دم أَنه يبشر بِالْجنَّةِ الموعودة ويعد بالسعادة الأبدية فِي جَمِيع أوامره السماوية وَمَا دَامَت جَمِيع إجراءاته وشؤونه حَقًا وَحَقِيقَة وصدقا وصائبة وَمَا دَامَت جَمِيع آثاره تشهد على أَن الكمالات قاطبة إِنَّمَا هِيَ دلالات على أَنه منزه عَن كل نقص أَو قُصُور وَمَا دَامَ نقض الْعَهْد وَخلاف الْوَعْد وَالْكذب والمماطلة هُوَ من أقبح الصِّفَات فضلا عَن أَنه نقص وقصور
فَلَا بُد أَن ذَلِك الْقَدِير ذَا الْجلَال وَذَلِكَ الْحَكِيم ذَا الْكَمَال وَذَلِكَ الرَّحِيم ذَا الْجمال سينفذ وعده حتما مقضيا وسيفتح أَبْوَاب السَّعَادَة الأبدية وسيدخلكم أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ الْجنَّة موطن أبيكم آدم عَلَيْهِ السَّلَام
стр. 134
الْكَلِمَة الْحَادِيَة عشر وَإِلَيْهِ الْمصير
أَي إِن الَّذين يرسلون إِلَى دَار الدُّنْيَا دَار الإمتحان والاختبار وَالتِّجَارَة وإنجاز الْوَظَائِف سيرجعون مرّة أُخْرَى إِلَى مرسلهم الْخَالِق ذِي الْجلَال بعد أَن أَدّوا وظائفهم وَأَتمُّوا تِجَارَتهمْ وأنهوا خدماتهم وسيلاقون مَوْلَاهُم الْكَرِيم الَّذِي أرسلهم أَي إِنَّهُم سيتشرفون بالمثول بَين يَدي رَبهم الرَّحِيم فِي مقْعد صدق عِنْد مليكهم المقتدر لَيْسَ بَينهم وَبَينه حجاب وَقد خلصوا من مَخَاض الْأَسْبَاب وظلام الْحجب والوسائط وسيجد كل وَاحِد مِنْهُم وَيعرف معرفَة خَالِصَة كَامِلَة خالقه وربه وسيده ومليكه
فَهَذِهِ الْكَلِمَة تشع أملا وتتألق بشرى يفوق كل تِلْكَ الآمال والبشارات اللذيذة وَتقول
أَيهَا الْإِنْسَان هَل تعلم إِلَى أَيْن أَنْت سَائِر وَإِلَى أَيْن أَنْت تساق فقد ذكر فِي ختام الْكَلِمَة الثَّانِيَة وَالثَّلَاثِينَ
إِن قَضَاء ألف سنة من حَيَاة الدُّنْيَا وَفِي سَعَادَة مرفهة لَا يُسَاوِي سَاعَة وَاحِدَة من حَيَاة الْجنَّة وَإِن قَضَاء حَيَاة ألف سنة وَسنة بسرور كَامِل فِي نعيم الْجنَّة لَا يُسَاوِي سَاعَة من فرحة رُؤْيَة جمال الْجَمِيل سُبْحَانَهُ
стр. 135
فَأَنت إِذن أَيهَا الْإِنْسَان رَاجع إِلَى ميدان رَحمته صائر إِلَى أعقاب ديوَان حَضرته فَمَا الْحسن وَالْجمال الَّذِي ترَاهُ فِي أحبتك المجازيين فتشتاق إِلَيْهِم وتفتن بهم بل مَا الْحسن وَالْجمال فِي جَمِيع موجودات الدُّنْيَا إِلَّا نوع ظلّ من تجلي جماله سُبْحَانَهُ وَحسن أَسْمَائِهِ جلّ وَعلا فالجنة بلطائفها ولذائذها وحورها وقصورها مَا هِيَ إِلَّا تجل من تجليات رَحمته سُبْحَانَهُ وَجَمِيع أَنْوَاع الشوق والمحبة والانجذاب والجواذب مَا هِيَ إِلَّا لمْعَة من محبَّة ذَلِك المعبود الْبَاقِي وَذَلِكَ المحبوب القيوم فَأنْتم ذاهبون إِذن إِلَى دَائِرَة حظوته ومقام حَضرته الجليلة وَأَنْتُم مدعوون إِذن إِلَى دَار ضيافته الأبدية إِلَى الْجنَّة الخالدة
إِذن فَلَا تحزنوا وَلَا تبكوا عِنْد دخولكم الْقَبْر بل اسْتَبْشَرُوا خيرا واستقبلوه بابتسامة وَفَرح
وتتابع هَذِه الْكَلِمَة وظيفتها فِي بَث نور الأمل والبشرى وَتقول
أَيهَا الْإِنْسَان لَا تتوهم أَنَّك مَاض إِلَى الفناء والعدم والعبث والظلمات وَالنِّسْيَان والتفسخ والتحطم والانهشام وَالْغَرق فِي الْكَثْرَة والإنعدام بل
стр. 136
أَنْت ذَاهِب إِلَى الْبَقَاء لَا إِلَى الفناء وَأَنت مسوق إِلَى الْوُجُود الدَّائِم لَا إِلَى الْعَدَم وَأَنت مَاض إِلَى عَالم النُّور لَا إِلَى الظُّلُمَات وَأَنت سَائِر نَحْو مَوْلَاك ومالكك الْحق وَأَنت عَائِد إِلَى مقرّ سُلْطَان الْكَوْن سُلْطَان الْوُجُود سترتاح وتنشرح فِي ميدان التَّوْحِيد دون الْغَرق فِي الْكَثْرَة أبدا فَأَنت مُتَوَجّه إِلَى اللِّقَاء والوصال دون البعاد والفراق
стр. 137
الرسَالَة الْقيمَة
نقطة من معرفَة الله ﷻ
стр. 138
إِيضَاح
إِذا مَا دخلت بستانا فَلَا أجني إِلَّا الأجود من الثمرات حَتَّى إِذا مَا تعبت فِي قطفها أجد الْمُتْعَة واللذة وَلَو وَقع نَظَرِي على الْفَاسِدَة مِنْهَا أصرفه عَنْهَا آخِذا بالقاعدة خُذ مَا صفا دع مَا كدر هَكَذَا أَنا فأرجو أَن يكون قرائي أَيْضا مثلي
يُقَال إِن كلامك لَا يفهم بوضوح
نعم مَا حيلتي هَكَذَا ترد السنوحات إِلَى الْقلب فَبَيْنَمَا أجدني كأنني أَتكَلّم فَوق مَنَارَة عالية إِذا بِي فِي أحيان أُخْرَى أنادي من قَعْر بِئْر عميقة
فيا قارئي الْعَزِيز أَرْجُو أَن تلاحظ فِي هَذِه الرسَالَة
أَن الْمُتَكَلّم هُوَ قلبِي الْعَاجِز
أما الْمُخَاطب فَهُوَ نَفسِي العاصية
بَيْنَمَا المستمع هُوَ ذَلِك الْإِنْسَان الَّذِي يتحَرَّى الْحَقِيقَة
وسنشير فِي هَذِه الرسَالَة إِلَى مَا نقصده بِالذَّاتِ وَهُوَ التَّوْحِيد فِي أَرْبَعَة براهين عَظِيمَة من بَين براهينه الَّتِي لَا تحصر
سعيد النورسي
стр. 139
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمد لله رب الْعَالمين وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ
مقصودنا ومطلوبنا هُوَ ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم﴾
فَمن بَين براهينه الَّتِي لَا تعد نورد هُنَا أَرْبَعَة مِنْهَا الْبُرْهَان الأول هُوَ مُحَمَّد ﷺ وَقد بسطنا هَذَا الْبُرْهَان فِي رِسَالَة سَابِقَة
الْبُرْهَان الثَّانِي هَذَا الْكَوْن ذَلِك الْكتاب الْكَبِير المنظور
الْبُرْهَان الثَّالِث هُوَ الْقُرْآن الْكَرِيم ذَلِك الْكتاب لَا ريب فِيهِ وَهُوَ الْكَلَام الْمُقَدّس
الْبُرْهَان الرَّابِع الوجدان الْحَيّ أَو الْفطْرَة الشاعرة الَّذِي يمثل البرزخ ونقطة اتِّصَال عالمي الْغَيْب وَالشَّهَادَة فالفطرة أَو الوجدان نَافِذَة إِلَى الْعقل ينشر مِنْهَا شُعَاع التَّوْحِيد
стр. 140
الْبُرْهَان الأول وَهُوَ حَقِيقَة مُحَمَّد ﷺ
تِلْكَ الْحَقِيقَة المجهزة بالرسالة وَالْإِسْلَام فَمن حَيْثُ الرسَالَة تَتَضَمَّن شَهَادَة أعظم إِجْمَاع وأوسع تَوَاتر لجَمِيع الْأَنْبِيَاء ﵈ وَمن حَيْثُ الْإِسْلَام تحمل روح الْأَدْيَان السماوية كلهَا وتصديقها الْمُسْتَند على الْوَحْي فالرسول الْكَرِيم ﷺ يبين للبشرية جَمْعَاء وجود الله ووحدانيته فِي جَمِيع أَقْوَاله الصادقة المصدقة بمعجزاته الباهرة وبشهادة الْأَنْبِيَاء ﵈ وتصديق الْأَدْيَان كهلا فَهُوَ ﷺ يظْهر ذَلِك النُّور باسم المصطفين الأخيار من البشرية الَّذين اتحدوا فِي هَذِه الدعْوَة ترى هَل يُمكن أَن يتسلل الْبَاطِل إِلَى مثل هَذِه الْحَقِيقَة الباهرة الَّتِي تنَال هَذَا الْقدر من التَّصْدِيق وتبصرها الْعُيُون النافذة إِلَى الْحَقَائِق فتراها وَاضِحَة جلية خَالِصَة لَا شَائِبَة فِيهَا كلا ثمَّ كلا
الْبُرْهَان الثَّانِي وَهُوَ كتاب الْكَوْن
نعم إِن حُرُوف هَذَا الْكتاب ونقاطه فَردا فَردا أَو مَجْمُوعَة يَتْلُو كل بِلِسَانِهِ الْخَاص وَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ
وَيبين وجود الْخَالِق الْعَظِيم ووحدانيته فَكل ذرة فِي
стр. 141
الْكَوْن تشهد شَهَادَة صَادِقَة على وجوب وجود الْخَالِق الْحَكِيم ﷻ فَبَيْنَمَا ترَاهَا تَتَرَدَّد بَين إمكانات واحتمالات غير متناهية فِي صفاتها وذاتها وَأَحْوَالهَا ووجودها إِذا بهَا تنتعش وتسلك طَرِيقا معينا وتتصف بِصفة مُعينَة وتتكيف بِحَالَة منتظمة وتسير وفْق قانون مُسَدّد وتتوجه إِلَى قصد معِين فتنتج حكما ومصالح تبهر الْأَلْبَاب فتزيد سطوع الْإِيمَان بِاللَّه فِي اللطيفة الربانية الممثلة لنموذج عوالم الْغَيْب فِي الْإِنْسَان أَفلا تنادي الذّرة بلسانها الْخَاص وتصرح بِقصد صانعها الْجَلِيل وبحكمته الْبَالِغَة فَكل ذرة من الذرات كَمَا أَنَّهَا تدل على الْخَالِق الْحَكِيم بوجودها الْمُنْفَرد وبصفاتها الْخَاصَّة وبكيفياتها الْمعينَة فَإِن هَذِه الدّلَالَة تتزايد بِاعْتِبَار كَون الذّرة جُزْءا من مركبات متداخلة متصاعدة وَمن حَيْثُ الإمكانات والاحتمالات الَّتِي تسلكها إِذْ لَهَا فِي كل مركب مقَام وَفِي كل مقَام نِسْبَة مُعينَة وارتباط معِين وَفِي كل نِسْبَة لَهَا وَظِيفَة خَاصَّة وَفِي كل موقع تحافظ على التوازن الْعَام وَفِي كل وَظِيفَة تثمر مصَالح شَتَّى وَحكما عديدة فَفِي كل مرتبَة إِذا تتلو الذّرة بلسانها الْخَاص دَلَائِل وجوب وجود صانعها الْجَلِيل وَتظهر قصد خَالِقهَا الْحَكِيم وَكَأَنَّهَا ترتل الْآيَات
стр. 142
الْكَرِيمَة الدَّالَّة على الوحدانية مثلهَا فِي هَذَا كَمثل الجندي الَّذِي لَهُ وَظِيفَة مُعينَة وارتباط خَاص مَعَ كل من فَصِيله وفوجه وفرقته والجيش كُله أَلا تكون إِذا الْبَرَاهِين الدَّالَّة على الله أَكثر بِكَثِير من عدد ذرات الْكَوْن فَمَا يُقَال من أَن الطّرق إِلَى الله بِعَدَد أنفاس الْخَلَائق إِنَّمَا هِيَ حَقِيقَة صَادِقَة لَا مُبَالغَة فِيهَا قطّ بل قد تكون قَاصِرَة
سُؤال لماذا لَا يرى الْجَمِيع بعقولهم الْخَالِق الْعَظِيم
الْجَواب لكَمَال ظُهُوره جلّ وَعلا وَلعدم الضِّدّ تَأمل سطور الكائنات فَإِنَّهَا من الْمَلأ الْأَعْلَى إِلَيْك رسائل
فَهَذَا الْكتاب الكوني الْعَظِيم يتجلى فِيهِ النظام بوضوح تَامّ بِحَيْثُ يظْهر النظام كَالشَّمْسِ فِي رَابِعَة النَّهَار فتظهر معْجزَة الْقُدْرَة فِي كل كلمة أَو حرف فِيهِ فتأليف هَذَا الْكتاب البديع فِيهِ من الإعجاز الباهر بِحَيْثُ لَو فَرضنَا فرضا محالا أَن كل سَبَب من الْأَسْبَاب الطبيعية فَاعِلا مُخْتَارًا لسجدت تِلْكَ الْأَسْبَاب جَمِيعًا بِكَمَال الْعَجز أَمَام ذَلِك الإعجاز قائلة سُبْحَانَكَ لَا قدرَة لنا أَنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم إِذْ أَنَّك ترى أَن فِي هَذَا الْكتاب من النّظم الدَّقِيق المتشابك المتساند بِحَيْثُ
стр. 143
يلْزم لإيجاد نقطة فِي مَكَانهَا الصَّحِيح قدرَة مُطلقَة تَسْتَطِيع إِيجَاد الْكَوْن كُله وَذَلِكَ لِأَن كل حرف من حُرُوفه وَلَا سِيمَا مَا كَانَ ذَا حَيَاة لَهُ وَجه نَاظر إِلَى كل جملَة من جمل الْكتاب وَله عين شاخصة إِلَيْهَا بل إِن كل كلمة فِيهِ لَهَا ارتباط وثيق مَعَ كَلِمَات الْكتاب كلهَا فَالَّذِي خلق عين الْبَعُوضَة إِذا هُوَ خَالق الشَّمْس أَيْضا وَالَّذين نظم معدة البرغوث هُوَ الَّذِي ينظم الْمَنْظُومَة الشمسية فَإِن شِئْت رَاجع كتاب السنوحات لترى حَقِيقَة الْآيَة الْكَرِيمَة ﴿مَا خَلقكُم وَلَا بعثكم إِلَّا كَنَفس وَاحِدَة﴾
ولتشهد كَيفَ يقطر شهد الشَّهَادَة الصادقة من لِسَان معْجزَة الْقُدْرَة النَّحْل الَّذِي يمثل كلمة صَغِيرَة من هَذَا الْكتاب أَو إِن شِئْت فَتَأمل فِي نقطة من هَذَا الْكتاب فِي حَيَوَان مجهري لَا يرى بِالْعينِ الْمُجَرَّدَة لتشهد كَيفَ أَنه يمثل نموذجا مُصَغرًا للكائنات فَالَّذِي كتبه على هَذِه الصُّورَة المعجزة قد كتب الكائنات فَلَو أمعنت النّظر فِيهِ لرأيته يضم من المكائن الدقيقة والأجهزة البديعة مَا يثبت لَك يَقِينا أَنه لَا يُمكن أَن يُفَوض أمره
стр. 144
إِلَى الْأَسْبَاب الجامدة البسيطة الطبيعية الَّتِي لَا تميز بَين الإمكانات إِلَّا إِذا توهمت أَن فِي كل ذرة شُعُور الْحُكَمَاء وَحِكْمَة الْأَطِبَّاء ودهاء الساسة والحكام وَأَنَّهَا تتحاور فِيمَا بَينهَا دون وساطة وَمَا هَذِه إِلَّا خرافة يخجل مِنْهَا الخرافيون فَلَا يُمكن أَن تكون تِلْكَ الماكنة الْحَيَّة الصَّغِيرَة إِذا إِلَّا معْجزَة قدرَة إلهية أَلا ترى أَن الْعُقُول تنبهر أمامها فَهِيَ إِذا لَيست من صنع الْأَسْبَاب الطبيعية بل من إبداع من يقدر على إِيجَاد الكائنات كلهَا وينظم شؤونها إِذْ هُوَ محَال أَن يجْتَمع أس أساس تِلْكَ الْأَسْبَاب المادية وَهُوَ الْقُوَّة الجاذبية وَالْقُوَّة الدافعة مَعًا فِي جُزْء لَا يتَجَزَّأ للْقِيَام بِتِلْكَ الصَّنْعَة الحكيمة
نعم إِن مَا يَظُنُّونَهُ أساسا لكل شَيْء من جذب وَدفع وحركة وَقُوَّة وأمثالها إِنَّمَا هُوَ ناموس الهي يمثل قوانين عادات الله وَاسم لَهَا فَهَذِهِ القوانين مَقْبُولَة بِشَرْط أَلا تنْتَقل من كَونهَا قَاعِدَة إِلَى طبيعة فاعلة وَمن شَيْء ذهني إِلَى حَقِيقَة خارجية وَمن أَمر اعتباري إِلَى حَقِيقَة مَشْهُودَة وَمن آلَة قِيَاس إِلَى مُؤثر حَقِيقِيّ
سُؤال مَعَ أَن هَذِه الشَّهَادَة قَاطِعَة فَكيف إِذا يعْتَقد الْبَعْض بأزلية الْمَادَّة وتشكل الْأَنْوَاع من حركات الذرات أَي بالمصادفة وأمثالها من الْأُمُور
стр. 145
الْجَواب لمُجَرّد إقناع النَّفس بِشَيْء آخر غير الْإِيمَان بِاللَّه وَلِأَنَّهُم لَا يدركون فَسَاد الفكرة بِالنّظرِ السطحي التقليدي فينشأ لديهم هَذَا الِاحْتِمَال وَلَكِن إِذا قصد الْإِنْسَان وَتوجه بِالذَّاتِ إِلَى إقناع نَفسه فَلَا بُد أَنه سيقف على محالية الفكرة وَبعدهَا عَن الْمنطق وَالْعقل وَلَو اعْتقد بهَا فَلَا يعْتَقد إِلَّا بِسَبَب التغافل عَن الْخَالِق سُبْحَانَهُ فَمَا أعجب الضلال إِن من يضيق عقله عَن أزلية الله سُبْحَانَهُ وإيجاده الْأَشْيَاء كلهَا وَهِي صفة لَازِمَة ضَرُورِيَّة للذات الجليلة كَيفَ يُعْطي تِلْكَ الأزلية والإيجاد إِلَى ذرات غير متناهية وَإِلَى أَشْيَاء عاجزة فَلَقَد اشتهرت حَادِثَة أَنه بَيْنَمَا كَانَ النَّاس يراقبون هِلَال الْعِيد وَلم يره أحد إِذا بشيخ هرم يحلف أَنه قد رأى الْهلَال ثمَّ تبين أَنه مَا رَآهُ لم يكن هلالا بل شَعْرَة بَيْضَاء مقوسة قد تدلت من حَاجِبه فَأَيْنَ تِلْكَ الشعرة من الْهلَال وَأَيْنَ حركات الذرات من تشكيل الْأَنْوَاع
إِن الْإِنْسَان لكَونه مكرما فطْرَة يبْحَث عَن الْحق دَوْمًا وأثناء بَحثه يعثر على الْبَاطِل أَحْيَانًا فيخفيه فِي صَدره ويحفظه وَقد يَقع الضلال بِلَا اخْتِيَار مِنْهُ على رَأسه أثْنَاء تنقيبه عَن الْحَقِيقَة فيظنه حَقًا فيلبسه كالقلنسوة على رَأسه
следующие страницы →