← Акыда

Акыда · id 6472

حقيقة التوحيد

بديع الزمان النورسي

Полный текст (160 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الْمُسَمَّاة بالشؤون وتكامل تِلْكَ الشؤون والقابليات الذاتية تدل على تَكَامل مَاهِيَّة ذَات الصَّانِع وَهَكَذَا الْأَمر فِي الصَّنْعَة المبدعة المبرأة من النَّقْص والفطور فِي هَذِه الْآثَار المشهودة فِي الْعَالم وَفِي هَذِه الموجودات المنتظمة فِي الْكَوْن الَّتِي لفتت إِلَيْهَا الأنظار الْآيَة الْكَرِيمَة ﴿هَل ترى من فطور﴾ فَهِيَ تدل بِالْمُشَاهَدَةِ على كَمَال الْأَفْعَال لمؤثر ذِي قدرَة مُطلقَة وَكَمَال الْأَفْعَال ذَاك يدل بالبداهة على كَمَال أَسمَاء الْفَاعِل ذِي الْجلَال وَذَلِكَ الْكَمَال يدل وَيشْهد بِالضَّرُورَةِ على كَمَال صِفَات مُسَمّى ذِي جمال لتِلْك الْأَسْمَاء وَكَمَال الصِّفَات ذَاك يدل وَيشْهد يَقِينا على كَمَال مَوْصُوف ذِي كَمَال وَكَمَال الشؤون ذَاك يدل بِحَق الْيَقِين على كَمَال ذَات مُقَدَّسَة ذَات شؤون دلَالَة وَاضِحَة بِحَيْثُ إِن مَا فِي الْكَوْن من أَنْوَاع الكمالات الْمُشَاهدَة لَيْسَ إِلَّا ظلا ضَعِيفا منطفئا وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى بِالنِّسْبَةِ لآيَات كَمَاله ورموز جَلَاله وإشارات جماله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

стр. 72

اللمْعَة الْحَادِيَة عشرَة الساطعة كالشموس أعظم آيَة فِي كتاب الْكَوْن لقد عرف فِي الْكَلِمَة التَّاسِعَة عشرَة بِأَن أعظم آيَة فِي كتاب الْكَوْن الْكَبِير وَأعظم اسْم فِي ذَلِك الْقُرْآن الْكَبِير وبذرة شَجَرَة الْكَوْن وأنور ثمارها وشمس قصر هَذَا الْعَالم والبدر الْمنور لعالم الْإِسْلَام وَالدَّال على سُلْطَان ربوبية الله والكشاف الْحَكِيم للغز الكائنات هُوَ سيدنَا مُحَمَّد الْأمين عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام الَّذِي ضم الْأَنْبِيَاء جَمِيعًا تَحت جنَاح الرسَالَة وَحمى الْعَالم الإسلامي تَحت جنَاح الْإِسْلَام فحلق بهما فِي طَبَقَات الْحَقِيقَة مُتَقَدما موكب جَمِيع الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وَجَمِيع الْأَوْلِيَاء وَالصديقين وَجَمِيع الأصفياء والمحققين مُبينًا الوحدانية وَاضِحَة جلية بِكُل مَا أُوتِيَ من قُوَّة فاتحا طَرِيقا سويا إِلَى عرش الأحدية دَالا على طَرِيق الْإِيمَان بِاللَّه مثبتا الوحدانية الحقة فَأنى لوهم أَو شُبْهَة

стр. 73

أَن يكون لَهما الجرأة ليسدا أَو يحجبا ذَلِك الطَّرِيق السوي وَلما كُنَّا قد بَينا إِجْمَالا فِي الْكَلِمَة التَّاسِعَة عشرَة والمكتوب التَّاسِع عشر ذَلِك الْبُرْهَان الْقَاطِع الَّذِي هُوَ المَاء الْبَاعِث للحياة بِأَرْبَع عشرَة رشحة وتسع عشرَة إِشَارَة مَعَ بَيَان أَنْوَاع معجزاته ﷺ لذا نكتفي بِهَذِهِ الْإِشَارَة هُنَا ونختمها بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَام على ذَلِك الْبُرْهَان الْقَاطِع للوحدانية صَلَاة وَسلَامًا تشيران إِلَى تِلْكَ الأسس الَّتِي تزكيه وَتشهد على صدقه اللَّهُمَّ صل على من دلّ على وجوب وجودك ووحدانيتك وَشهد على جلالك وجمالك وكمالك الشَّاهِد الصَّادِق الْمُصدق والبرهان النَّاطِق الْمُحَقق سيد الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ الْحَامِل سر إِجْمَاعهم وتصديقهم ومعجزاتهم وَإِمَام الْأَوْلِيَاء وَالصديقين الْحَاوِي سر اتِّفَاقهم وتحقيقهم وكراماتهم ذُو المعجزات الباهرة والخوارق الظَّاهِرَة والدلائل القاطعة المحققة المصدقة لَهُ ذُو الْخِصَال الغالية فِي ذَاته والأخلاق الْعَالِيَة فِي وظيفته والسجايا السامية فِي شَرِيعَته المكملة المنزهة لَهُ عَن الْخلاف مهبط الْوَحْي الرباني بِإِجْمَاع الْمنزل والمنزل عَلَيْهِ سيار عَالم الْغَيْب والملكوت مشَاهد الْأَرْوَاح ومصاحب الملئكة أنمو زج كَمَال الكائنات

стр. 74

شخصا ونوعا وجنسا أنور ثَمَرَات شجر الْخلقَة سراج الْحق برهَان الْحَقِيقَة تِمْثَال الرَّحْمَة مِثَال الْمحبَّة كشاف طلسم الكائنات دلال سلطنة الربوبية المرمز بعلوية شخصيته المعنوية إِلَى أَنه نصب عين فاطر الْعَالم فِي خلق الكائنات ذُو الشَّرِيعَة الَّتِي هِيَ بوسعة دساتيرها وقوتها تُشِير إِلَى أَنَّهَا نظام ناظم الْكَوْن وَوضع خَالق الكائنات نعم إِن ناظم الكائنات بِهَذَا النظام الأتم الْأَكْمَل هُوَ ناظم هَذَا الدّين بِهَذَا النظام الْأَحْسَن الأجمل سيدنَا نَحن معاشر بني آدم ومهدينا إِلَى الْإِيمَان نَحن معاشر الْمُؤمنِينَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب عَلَيْهِ أفضل الصَّلَوَات وَأتم التسليمات مَا دَامَت الأَرْض وَالسَّمَوَات فَإِن ذَلِك الشَّاهِد الصَّادِق الْمُصدق يشْهد على رُؤُوس الأشهاد مناديا ومعلما لأجيال الْبشر خلف الْأَعْصَار والأقطار نِدَاء علويا بِجَمِيعِ قوته وبغاية جديته وبنهاية وثوقه وبقوة اطمئنانه وبكمال أيمانه ب أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ

стр. 75

اللمْعَة الثَّانِيَة عشرَة الساطعة كالشموس بَحر الْحَقَائِق إِن هَذِه اللمْعَة الثَّانِيَة عشرَة من هَذِه الْكَلِمَة الثَّانِيَة وَالْعِشْرين لهي بَحر الْحَقَائِق وَأي بَحر بِحَيْثُ أَن الْكَلِمَات الاثنتين وَالْعِشْرين السَّابِقَة من كتاب سوزلر لَا تكون إِلَّا مُجَرّد اثْنَتَيْنِ وَعشْرين قَطْرَة مِنْهُ وَهِي منبع الْأَنْوَار وَيَا لَهُ من منبع بِحَيْثُ أَن تِلْكَ الْكَلِمَات الاثنتين وَالْعِشْرين لَيست سوى اثْنَتَيْنِ وَعشْرين لمْعَة من تِلْكَ الشَّمْس نعم إِن كل كلمة من تِلْكَ الْكَلِمَات الاثنتين وَالْعِشْرين السَّابِقَة مَا هِيَ إِلَّا لمْعَة وَاحِدَة لنجم آيَة وَاحِدَة تسطع فِي سَمَاء الْقُرْآن الْكَرِيم وَمَا هِيَ إِلَّا قَطْرَة وَاحِدَة من نهر آيَة تجْرِي فِي بَحر الْفرْقَان الْكَرِيم وَمَا هِيَ إِلَّا لؤلؤة وَاحِدَة من صندوق جَوَاهِر آيَة وَاحِدَة من كتاب الله الَّذِي هُوَ الْكَنْز الْأَعْظَم لذا مَا كَانَت الرشحة الرَّابِعَة عشرَة من الْكَلِمَة التَّاسِعَة عشرَة إِلَّا نبذة من تَعْرِيف ذَلِك الْكَلَام الإلهي الْعَظِيم

стр. 76

كَلَام الله الَّذِي نزل من الِاسْم الْأَعْظَم من الْعَرْش الْأَعْظَم من التجلي الْأَعْظَم للربوبية الْعُظْمَى فِي سَعَة مُطلقَة وسمو عَام يرْبط الْأَزَل بالأبد والفرش بالعرش وَالَّذِي يَقُول بِكُل قوته ويردد بِكُل قَطْعِيَّة آيَاته لَا إِلَه إلاهو مشهدا عَلَيْهِ الْكَوْن قاطبة حَقًا إِن الْعَالم كُله ينْطق مَعًا ﴿لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ فَإِذا نظرت إِلَى ذَلِك الْقُرْآن الْكَرِيم ببصيرة قلب سليم ترى أَن جهاته السِّت ساطعة نيرة وشفافة رائقة بِحَيْثُ لَا يُمكن لظلمة وَلَا لضلالة وَلَا لشُبْهَة وَلَا لحيلة أيا كَانَت أَن ترى لَهَا شقا وفرجة للدخول فِي رحابه الْمُقَدّس قطّ حَيْثُ أَن عَلَيْهِ شارة الإعجاز تَحْتَهُ الْبُرْهَان وَالدَّلِيل خَلفه أَي نقطة استناده الْوَحْي الرباني الْمَحْض أَمَامه سَعَادَة الدَّاريْنِ يَمِينه تَصْدِيق الْعقل باستنطاقه شِمَاله تثبيت تَسْلِيم الوجدان باستشهاده دَاخله هِدَايَة رحمانية خَالِصَة بالبداهة فَوْقه أنوار إيمانية خَالِصَة بِالْمُشَاهَدَةِ ثمارة الأصفياء والمحققون والأولياء وَالصِّدِّيقُونَ المتحلون بكمالات الإنسانية بِعَين الْيَقِين فَإِذا ألصقت أُذُنك إِلَى صدر لِسَان الْغَيْب مصغيا

стр. 77

فَإنَّك ستسمع من أعمق الأعماق صدى سماويا فِي غَايَة الأيناس والأمتاع وَفِي مُنْتَهى الجدية والسمو المجهز بالبرهان يردد ﴿لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ ويكررها بقطعية جازمة مَا يفِيض إِلَيْك من الْعلم الْيَقِين بِدَرَجَة عين الْيَقِين بِمَا يَقُوله من حق الْيَقِين زبدة الْكَلَام إِن الرَّسُول الْكَرِيم ﷺ وَالْفرْقَان الْحَكِيم الَّذِي كل مِنْهُمَا نور باهر أظهرا حَقِيقَة وَاحِدَة هِيَ حَقِيقَة التَّوْحِيد فأحدهما لِسَان عَالم الشَّهَادَة أَشَارَ إِلَى تِلْكَ الْحَقِيقَة بأصابع الْإِسْلَام والرسالة وَبَينهَا بجلاء بِكُل مَا أُوتِيَ من قُوَّة من خلال ألف من معجزاته وبتصديق جَمِيع الْأَنْبِيَاء والأصفياء وَالْآخر هُوَ بِمَثَابَة لِسَان عَالم الْغَيْب أظهر الْحَقِيقَة نَفسهَا وَأَشَارَ إِلَيْهَا بأصابع الْحق وَالْهِدَايَة وعرضها بِكُل جد وأصالة من خلال أَرْبَعِينَ وَجها من وُجُوه الإعجاز وتصديق من قبل جَمِيع الْآيَات التكوينية للكون أَلا تكون تِلْكَ الْحَقِيقَة أبهر من الشَّمْس وأسطع مِنْهَا وأوضح من النَّهَار وَأظْهر مِنْهُ

стр. 78

أَيهَا الْإِنْسَان الحقير المتمرد السادر فِي الضَّلَالَة كَيفَ تتمكن أَن تضارع هَذِه الشموس بِمَا فِي رَأسك من بصيص خَافت هزيل وَكَيف يمكنك الِاسْتِغْنَاء عَن تِلْكَ الشموس وتسعى إِلَى إطفائها بنفخ الأفواه تَبًّا لعقلك الجاحد كي تجحد مَا قَالَه لِسَان الْغَيْب ولسان الشَّهَادَة من كَلَام باسم رب الْعَالمين وَمَالك الْكَوْن وتنكر مَا دَعَا إِلَيْهِ من دَعْوَة أَيهَا الشقي الأعجز من الذُّبَاب والأحقر مِنْهُ من أَنْت حَتَّى تورط نَفسك فِي تَكْذِيب مَالك الْكَوْن ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام الخاتمة أَيهَا الصّديق يَا ذَا الْعقل الْمنور وَالْقلب المتيقظ إِن كنت قد فهمت هَذِه الْكَلِمَة الثَّانِيَة وَالْعِشْرين من بدايتها فَخذ بِيَدِك الاثنتي عشرَة لمْعَة دفْعَة وَاحِدَة واظفر بهَا سِرَاجًا للْحَقِيقَة بِقُوَّة آلَاف من المصابيح واعتصم بِالْآيَاتِ القرآنية الممتدة من الْعَرْش الْأَعْظَم

стр. 79

وامتط براق التَّوْفِيق واعرج فِي سماوات الْحَقَائِق واصعد إِلَى عرش معرفَة الله سُبْحَانَهُ وَقل أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت وَحدك لَا شريك لَك وأعلن فِي الْمَسْجِد الْكَبِير للْعَالم على رُؤُوس موجودات الْكَوْن الوحدانية قَائِلا لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحيي وَيُمِيت وَهُوَ حَيّ لَا يَمُوت بِيَدِهِ الْخَيْر وَهُوَ على كل شَيْء قدير ﴿سُبْحَانَكَ لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا إِنَّك أَنْت الْعَلِيم الْحَكِيم﴾ ﴿رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا رَبنَا وَلَا تحمل علينا إصرا كَمَا حَملته على الَّذين من قبلنَا رَبنَا وَلَا تحملنا مَا لَا طَاقَة لنا بِهِ واعف عَنَّا واغفر لنا وارحمنا أَنْت مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا على الْقَوْم الْكَافرين﴾ ﴿رَبنَا لَا تزغ قُلُوبنَا بعد إِذْ هديتنا وهب لنا من لَدُنْك رَحْمَة إِنَّك أَنْت الْوَهَّاب﴾ ﴿رَبنَا إِنَّك جَامع النَّاس ليَوْم لَا ريب فِيهِ إِن الله لَا يخلف الميعاد﴾ اللَّهُمَّ صل وَسلم على من أَرْسلتهُ رَحْمَة للْعَالمين وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ وارحمنا وَارْحَمْ أمته بِرَحْمَتك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ ﴿وَآخر دَعوَاهُم أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾

стр. 80

اللمْعَة الثَّلَاثُونَ النُّكْتَة الرَّابِعَة إشارت إِلَى التَّوْحِيد الْحَقِيقِيّ

стр. 81

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ بَيْنَمَا أَنا نزيل سجن اسكي شهر فِي شهر شَوَّال إِذْ تراءت لي نُكْتَة دقيقة من النكات اللطيفة لهَذِهِ الْآيَة الجليلة ولاح لي قبس من أنوار اسْم الله الْأَعْظَم الْفَرد أَو هُوَ أحد أنواره السِّتَّة الَّذِي يتَضَمَّن اسْمِي الْوَاحِد والأحد من الْأَسْمَاء الإلهية الْحسنى سنبين هُنَا بِاخْتِصَار شَدِيد التَّوْحِيد الْحَقِيقِيّ الَّذِي يظهره ذَلِك التجلي الْأَعْظَم وَذَلِكَ فِي سبع إشارات موجزة

стр. 82

الْإِشَارَة الاولى بصمات التَّوْحِيد لقد وضع اسْم الله الْأَعْظَم الْفَرد بتجليه الْأَعْظَم على الْكَوْن كُله بصمات التَّوْحِيد الْمُمَيز وأختام الوحدانية الْوَاضِحَة على مَجْمُوع الْكَوْن وعَلى كل نوع فِيهِ وعَلى كل فَرد فِيهِ وَلما كَانَت الْكَلِمَة الثَّانِيَة وَالْعشْرُونَ والمكتوب الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ قد تناولا بَيَان ذَلِك التجلي بِشَيْء من التَّفْصِيل نكتفي بِالْإِشَارَةِ فَقَط إِلَى ثَلَاث بصمات وآيات مِنْهَا دَالَّة على التَّوْحِيد الْآيَة الأولى التعاون بَين أَجزَاء الْكَوْن إِن التجلي الْأَعْظَم للفردية قد طبع على وَجه الْكَوْن كُله طابعا مُمَيّزا للتوحيد وَآيَة وَاضِحَة للوحدانية وضوحا حول الْكَوْن كُله بِحكم الْكل الَّذِي لَا يقبل التجزئة مُطلقًا بِحَيْثُ

стр. 83

إِن من لَا يقدر على أَن يتَصَرَّف فِي الْكَوْن كُله لَا يُمكن أَن يكون مَالِكًا ملكا حَقِيقا لأي جُزْء مِنْهُ ولنوضح هَذِه الْآيَة المميزة إِن موجدات الْكَوْن بأنواعها الْمُخْتَلفَة تتعاون فِيمَا بَينهَا تعاونا وثيقا وَيسْعَى كل جُزْء مِنْهَا لتكملة مهمة الآخر وَكَأَنَّهَا تمثل بمجموعها وأجزائها تروس معمل بديع ودواليبه الَّذِي يُشَاهد فِيهِ هَذَا التعاون بوضوح فَهَذَا التساند وَهَذَا التعاون بَين الْأَجْزَاء وَهَذِه الاستجابة فِي إسعاف كل مِنْهَا لطلب الآخر وإمداد كل جُزْء للجزء الآخر بل هَذَا التعانق بَين الْأَجْزَاء والاندماج يَجْعَل من أَجزَاء الْكَوْن كُله وحدة متحدة تتعصى على الانقسام والانفكاك يشبه فِي هَذَا وحدة أَجزَاء جسم الْإِنْسَان الَّذِي لَا يُمكن فك بَعْضهَا عَن الْبَعْض الآخر لشدَّة مَا بَينهَا من الترابط والاندماج نفهم من هَذَا إِن الَّذِي يمسك زِمَام عنصر وَاحِد فِي الْوُجُود إِن لم يكن زِمَام جَمِيع العناصر بِيَدِهِ لَا يَسْتَطِيع أَن يسيطر على ذَلِك العنصر الْوَاحِد أَيْضا إِذا فمظاهر التعاون والتساند والتجاوب والتعانق الْوَاضِحَة على وَجه الْكَوْن إِنَّمَا هِيَ آيَات كبرى وبصمات ساطعة للتوحيد

стр. 84

الْآيَة الثَّانِيَة إدارة الْحَيَاة على الأَرْض إِن التجلي الباهر لاسم الله الْفَرد يجعلنا نشاهد على وَجه الأَرْض وَلَا سِيمَا فِي الرّبيع ختما لامعا للأحدية وَآيَة جلية للوحدانية بِحَيْثُ إِن من لَا يُدِير جَمِيع الْأَحْيَاء على وَجه الأَرْض كلهَا بأفرادها وَأَحْوَالهَا وشؤونها كَافَّة وَالَّذِي لَا يرى وَلَا يخلق وَلَا يعلم جَمِيعهَا مَعًا لَا يُمكن أَن يكون لَهُ أَي تدخل فِي أَي شَيْء من حَيْثُ الإيجاد فلنوضح هَذِه الْآيَة تَأمل فِي هَذِه الْبسط المفروشة على الأَرْض الَّتِي لحمتها وسداها مئتا ألف طَائِفَة وَنَوع من أَنْوَاع الْحَيَوَانَات وَطَوَائِف النباتات بأفرادها المتنوعة الَّتِي لَا تعد وَلَا تحصى وَالَّتِي تضفي الزِّينَة وتنثر الْبَهْجَة على نَسِيج الْحَيَاة على سطح الأَرْض وبخاصة فِي الرّبيع تأملها جيدا وأدم النّظر فِيهَا فَإِنَّهَا مَعَ اخْتِلَاف أشكالها وتباين وظائفها وتنوع أجهزتها وامتزاجها بَعْضهَا مَعَ الْبَعْض الآخر تشاهد أَن رزق كل ذِي حَيَاة يَأْتِيهِ رغدا من كل مَكَان وَمن حَيْثُ لَا يحْتَسب بِلَا سَهْو وَلَا نِسْيَان

стр. 85

بِلَا انشغال وَلَا ارتباك بِلَا خطأ وَلَا التباس فَيعْطى بميزان دَقِيق حساس كل مَا يَحْتَاجهُ الْفَرد فِي وقته الْمُنَاسب من دون تكلّف وَلَا تَكْلِيف مَعَ تَمْيِيز لكل مِنْهَا وَهُوَ يموج فِي هَذَا الامتزاج الهائل وَفِي هَذَا الخضم من الموجودات المتداخلة فضلا عَمَّا يخبىء بَاطِن الأَرْض من آيَات التَّوْحِيد الرائعة المتلمعة من انتظام الْمَعَادِن والعناصر الجامدة لذا فَإِن هَذَا التَّدْبِير والإدارة الْمُشَاهدَة فِي هَذَا الْأَمر الدائب على وَجه الأَرْض وباطنها إِنَّمَا هُوَ آيَة ساطعة للأحدية وَختم وَاضح للوحدانية بِحَيْثُ إِن من لم يكن خَالِقًا لجَمِيع تِلْكَ الموجودات من الْعَدَم ومدبرا لجَمِيع شؤونها فِي آن وَاحِد لَا يقدر على التدخل من حَيْثُ الربوبية فِي شَيْء مِنْهَا لِأَنَّهُ لَو تدخل لأفسد تِلْكَ الإدارة المتوازنة الواسعة إِلَّا مَا يُؤَدِّيه الْإِنْسَان من وَظِيفَة ظاهرية بأذن إلهي أَيْضا لكشف تِلْكَ القوانين الربانية وَحسن سَيرهَا

стр. 86

الْآيَة الثَّالِثَة سيماء الْإِنْسَان إِن شعار التَّوْحِيد وختمه وَاضح وضوحا بَينا لكل من يتَأَمَّل وَجه أَي إِنْسَان كَانَ وَذَلِكَ إِن لكل إِنْسَان عَلامَة فارقة فِي وَجهه تميزه عَن غَيره فَالَّذِي لَا يَسْتَطِيع أَن يضع تِلْكَ العلامات فِي كل وَجه وَلَا يكون مطلعا على جَمِيع الْوُجُوه السَّابِقَة واللاحقة مُنْذُ آدم ﵇ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا يُمكنهُ أَن يمد يَده من حَيْثُ الْخلق والإيجاد ليضع تِلْكَ الفوارق المميزة الهائلة فِي ذَلِك الْوَجْه الصَّغِير نعم إِن الَّذِي وضع فِي وَجه الْإِنْسَان ذَلِك الطابع الْمُمَيز وَتلك الْآيَة الجلية بِتِلْكَ العلامات الفارقة لَا بُد أَن أَفْرَاد الْبشر كَافَّة هم تَحت نظره وشهوده وَضمن دَائِرَة علمه حَتَّى يضع ذَلِك الْخَتْم للتوحيد فِي ذَلِك الْوَجْه بِحَيْثُ إِنَّه مَعَ التشابه الظَّاهِر بَين الْأَعْضَاء الاساس - كالعيون والانوف وَغَيرهَا من الْأَعْضَاء لَا تتشابه تشابها تَاما بِسَبَب عَلَامَات فارقة فِي كل مِنْهَا وكما أَن تشابه الْأَعْضَاء من عُيُون وأنوف فِي وُجُوه الْبشر كَافَّة دَلِيل قَاطع على وحدانية خَالق

стр. 87

الْبشر كَذَلِك فَإِن العلامات الفارقة الْمَوْضُوعَة على كل وَجه لصيانة حُقُوق كل فَرد فِي الْمُجْتَمع ولمنع الالتباس وللتمييز ولحكم أُخْرَى كَثِيرَة هِيَ الْأُخْرَى دَلِيل وَاضح على الْإِرَادَة الْمُطلقَة والمشيئة الْكَامِلَة لذَلِك الْخَالِق الْوَاحِد وَآيَة بديعة جلية أَيْضا للأحدية بِحَيْثُ أَن الَّذِي لَا يقدر على خلق جَمِيع الْبشر والحيوانات والنباتات بل جَمِيع الْكَوْن لَا يُمكنهُ أَن يضع تِلْكَ السمة المميزة فِي أحد

стр. 88

الْإِشَارَة الثَّانِيَة ناموس وَاحِد إِن عوالم الكائنات الْمُخْتَلفَة بأنواعها المتنوعة وعناصرها المتباينة قد اندمجت اندماجا كليا وتداخل بَعْضهَا مَعَ الْبَعْض الآخر بِحَيْثُ إِن من لم يكن مَالِكًا لجَمِيع الْكَوْن لَا يُمكنهُ أَن يتَصَرَّف بِنَوْع مِنْهُ أَو عنصر فِيهِ تَصرفا حَقِيقِيًّا لِأَن تجلي نور التَّوْحِيد لاسم الله الْفَرد قد أَضَاء أرجاء الْكَوْن كُله فضم أجزاءها كَافَّة فِي وحدة متحدة وَجعل كل جُزْء مِنْهُ يعلن تِلْكَ الوحدانية فمثلا كَمَا أَن كَون الشَّمْس مصباحا وَاحِدًا لهَذِهِ الكائنات يُشِير إِلَى أَن الكائنات بأجمعها ملك لوَاحِد فَإِن كَون الْهَوَاء هَوَاء وَاحِدًا يسْعَى لخدمة الْأَحْيَاء كلهَا وَكَون النَّار نَارا وَاحِدَة توقد بهَا الْحَاجَات كلهَا وَكَون السَّحَاب وَاحِدًا يسْقِي الأَرْض وَكَون الأمطار وَاحِدَة تَأتي لإغاثة الْأَحْيَاء كَافَّة وانتشار أغلب الْأَحْيَاء من نباتات وحيوانات انتشارا

стр. 89

طليقا فِي أرجاء الأَرْض كَافَّة مَعَ وحدة نوعيتها ووحدة مَسْكَنهَا كل ذَلِك إشارات قَاطِعَة وشهادات صَادِقَة أَن تِلْكَ الموجودات ومساكنها ومواضعها إِنَّمَا هِيَ ملك لمَالِك وَاحِد أحد فَفِي ضوء هَذَا وَقِيَاسًا عَلَيْهِ نرى أَن تدَاخل الْأَنْوَاع الْمُخْتَلفَة للكائنات واندماجها الشَّديد بِبَعْضِهَا قد جعل مجموعها بِمَثَابَة كل وَاحِد لَا يقبل التجزئة قطعا من حَيْثُ الإيجاد فَالَّذِي لَا يَسْتَطِيع أَن ينفذ حكمه على جَمِيع الْكَوْن لَا يُمكنهُ من حَيْثُ الْخلق والربوبية أَن يخضع لربوبيته أَي شَيْء فِيهِ حَتَّى لَو كَانَ ذَلِك الشَّيْء ذرة أَو أَصْغَر مِنْهَا الْإِشَارَة الثَّالِثَة رسائل صمدانية لقد تحول الْكَوْن كُله بالتجلي الْأَعْظَم لاسم الله الْفَرد إِلَى مَا يشبه رسائل صمدانية ومكتوبات ربانية متداخلة بَعْضهَا فِي الْبَعْض الآخر تزخر كل رِسَالَة مِنْهَا بآيَات الوحدانية واختام التَّوْحِيد وَتحمل كل

стр. 90

رِسَالَة بصمات بِعَدَد كلماتها بل أَن كل كلمة فِيهَا تفصح عَن وحدانية كاتبها إِذْ كَمَا يدل الْخَتْم أَو التوقيع فِي الرسَالَة على كاتبها فَإِن كل زهرَة وكل ثَمَرَة وكل حَيَوَان وكل شجر إِنَّمَا يمثل ختم رِسَالَة وَمَوْضِع كل مِنْهَا يمثل الرسَالَة نَفسهَا فَكل مِنْهَا إِذا ختم الْوَاحِد الْأَحَد وَآيَة الْوَاحِد الصَّمد وكل رِسَالَة من هَذِه الرسائل المنبسطة على سطح الأَرْض دَلِيل على بارئها ومصورها وكاتبها البديع فزهرة صفراء مثلا فِي حديقة مَا هَذِه الزهرة هِيَ بِمَثَابَة ختم لمبدع الحديقة ومصورها فَمن كَانَ مَالِكًا لذَلِك الْخَتْم الزهرة فَهُوَ مَالك للرسالة الحديقة يمتلكها تملكا حَقِيقِيًّا أَي أَن الَّذِي يملك جَمِيع أَنْوَاع تِلْكَ الزهرة ومثيلاتها المبثوثة على الأَرْض كَافَّة يملك الأَرْض كَافَّة الَّتِي هِيَ رسائله الْمَكْتُوبَة وسطوره المنقوشة أَي أَن كل شَيْء يسند جَمِيع الْأَشْيَاء إِلَى خَالِقهَا وَيُشِير إِلَى تجل باهر عَظِيم لوحدانيته سُبْحَانَهُ

стр. 91

الْإِشَارَة الرَّابِعَة التَّوْحِيد فطري والشرك محَال لقد أوضحت رسائل النُّور فِي أَجْزَائِهَا الْكَثِيرَة ببراهين مُتعَدِّدَة أَن التجلي الْأَعْظَم لاسم الله الْفَرد مَعَ أَنه وَاضح وضوح الشَّمْس فَهُوَ فطري بسيط مَقْبُول فِي الأعماق إِلَى حد السهولة الْمُطلقَة وَهُوَ مستساغ عقلا ومنطقا إِلَى حد الْوُجُوب والبداهة وبعكسه الشّرك الْمنَافِي لذَلِك التجلي فَهُوَ معقد إِلَى أقْصَى حُدُود التعقيد وَغير منطقي إطلاقا وَهُوَ بعيد جدا عَن الْمَعْقُول إِلَى حد الْمحَال والامتناع سنبين هُنَا ثَلَاث نقاط من تِلْكَ الْأَدِلَّة فَقَط ونحيل تفاصيلها إِلَى الرسائل الْأُخْرَى النقطة الأولى قُوَّة الانتساب والاستناد لقد أثبتنا ببراهين قَاطِعَة فِي ختام الْكَلِمَة

стр. 92

الْعَاشِرَة وَفِي الْكَلِمَة التَّاسِعَة وَالْعِشْرين إِثْبَاتًا مُجملا وَفِي ختام الْمَكْتُوب الْعشْرين مفصلا أَنه من السهولة واليسر على قدرَة الْأَحَد الْفَرد سُبْحَانَهُ خلق أعظم جرم وَخلق أَصْغَر شَيْء على حد سَوَاء فَهُوَ سُبْحَانَهُ يخلق الرّبيع الشاسع بيسر خلق زهرَة وَاحِدَة وَيحدث فِي كل ربيع بسهولة بَالِغَة آلافا من نماذج الْحَشْر والنشور كَمَا هُوَ مشَاهد ويراعي شَجَرَة ضخمة باسقة بيسر مراعاته فَاكِهَة صَغِيرَة فَلَو أسْند أَي من ذَلِك إِلَى الْأَسْبَاب المتعددة لأصبح خلق كل زهرَة فِيهِ من المشكلات مَا للربيع الشاسع وَخلق كل ثَمَرَة فِيهِ من الصعوبات مَا للشجرة الباسقة نعم أَن تجهيز الْجَيْش بأكمله بالمؤن والعتاد بِأَمْر صادر من قَائِد وَاحِد من مصدر وَاحِد يكون هَذَا التَّجْهِيز سهلا وبسيطا كتجهيز جندي وَاحِد بَيْنَمَا يكون صعبا بل مُمْتَنعا إِن كَانَ كل جندي يتجهز من معامل مُتَفَرِّقَة ويتلقى الْأَوَامِر من إدارات مُتعَدِّدَة كَثِيرَة إِذْ عندئذ يحْتَاج كل جندي إِلَى معامل بِقدر أَفْرَاد الْجَيْش بأكمله

стр. 93

فَكَمَا أَن الْأَمر يسهل بالوحدة ويصعب بِالْكَثْرَةِ هَكَذَا كَذَلِك إِذا أسْند الْخلق والإيجاد إِلَى الْفَرد الْأَحَد جلّ وَعلا فَإِن خلق أَفْرَاد غير محدودة لنَوْع وَاحِد يكون سهلا كخلق فَرد وَاحِد بَيْنَمَا لَو أسْند إِلَى الْأَسْبَاب فَإِن خلق كل فَرد يكون معضلا وصعبا كخلق النَّوْع الْوَاسِع الْكثير أجل أَن الوحدانية والتفرد تجْعَل كل شَيْء منتسبا ومستندا إِلَى الذَّات الإلهية الْوَاحِدَة وَيُصْبِح هَذَا الانتساب والاستناد قُوَّة لَا حد لَهَا لذَلِك الشَّيْء حَتَّى يُمكنهُ أَن ينجز من الْأَعْمَال الجسيمة ويولد من النتائج الْعَظِيمَة مَا يفوق قوته الذاتية أُلُوف المرات مُعْتَمدًا على سر ذَلِك الِاسْتِنَاد والانتساب أما الَّذِي لَا يسْتَند وَلَا ينتسب إِلَى صَاحب تِلْكَ الْقُوَّة الْعُظْمَى ومالكها الْفَرد الْأَحَد فسينجز من الْأَعْمَال مَا تتحمله قوته الذاتية المحدودة جدا وتنحسر نتائجها تبعا لذَلِك فمثلا إِن الَّذِي انتسب إِلَى قَائِد عَظِيم واستند إِلَيْهِ بِصفة الجندية يصبح لَهُ هَذَا الانتساب والاستناد بِمَثَابَة قُوَّة

стр. 94

ممدة لَا تنفد فَلَا يضْطَر إِلَى حمل ذخيرته وعتاده مَعَه لذا قد يقدم على أسر قَائِد جَيش الْعَدو مَعَ آلَاف مِمَّن مَعَه بَيْنَمَا السَّائِب الَّذِي لم ينخرط فِي الجندية فَإِنَّهُ مُضْطَر إِلَى حمل ذخيرته وعتاده مَعَه وَمهما بلغ من الشجَاعَة فَلَا يَسْتَطِيع أَن يُقَاوم إِلَّا بضعَة أَفْرَاد من الْعَدو وَقد لَا يثبت أمامهم إِلَّا لفترة قَليلَة وَمن هُنَا نرى أَن قُوَّة الِاسْتِنَاد والانتساب الَّتِي فِي الفردية والوحدانية تجْعَل النملة الصَّغِيرَة تقدم على إهلاك فِرْعَوْن عنيد وَتجْعَل الْبَعُوضَة الرقيقة تجهز على نمْرُود طاغية وَتجْعَل الميكروب الْبَسِيط يدمر بَاغِيا أَثِيمًا كَمَا تمد البذرة الصَّغِيرَة لتحمل على ظهرهَا شَجَرَة صنوبر باسقة شاهقة كل ذَلِك باسم ذَلِك الانتساب وَبسر ذَلِك الِاسْتِنَاد نعم أَن قائدا عَظِيما شهما يَسْتَطِيع أَن يستنفر جَمِيع جُنُوده ويحشدهم لإنقاذ جندي وَاحِد وإمداده والجندي بدوره يستشعر كَأَن جَيْشًا جرارا يسْندهُ ويمده بِقُوَّة معنوية عالية حَتَّى تمكنه من أَن ينْهض بأعمال جسام باسم الْقَائِد فَالله وَله الْمثل الْأَعْلَى لِأَنَّهُ فَرد وَاحِد أحد فَلَا حَاجَة فِي أَيَّة جِهَة إِلَى أحد غَيره وَإِذا افترضت الْحَاجة فِي جِهَة مَا فَإِنَّهُ يستنفر

стр. 95

الموجودات كلهَا لإمداد ذَلِك الشَّيْء وَإِسْنَاده فيحشر سُبْحَانَهُ الْكَوْن كُله لأَجله وَهَكَذَا يسْتَند كل شَيْء إِلَى قُوَّة عَظِيمَة هائلة تملك مقاليد الْكَوْن بأسره وَهَكَذَا يستمد كل شَيْء فِي الْوُجُود قوته من تِلْكَ الْقُوَّة الإلهية الْعَظِيمَة الْمُطلقَة من ذَلِك الْفَرد الْأَحَد جلّ وَعلا فلولا الفردية لفقد كل شَيْء هَذِه الْقُوَّة الجبارة ولسقط إِلَى الْعَدَم وتلاشت نتائجه فَمَا ترَاهُ من ظُهُور نتائج عَظِيمَة هائلة من أَشْيَاء بسيطة تافهة ترشدنا بالبداهة إِلَى الفردية والأحدية ولولاها لبقيت نتائج كل شَيْء وثماره منحصرة فِي الشَّيْء بِذَاتِهِ وَفِي قوته ومادته الضئيلة وتصغر عندئذ النتائج بل تَزُول أَلا ترى الْأَشْيَاء الثمينة النفيسة كالفواكه وَالْخضر وَغَيرهَا مبذولة ومتوفرة أمامنا مَا ذَلِك إِلَّا بسر الوحدانية والانتساب وَحشر جَمِيع القوى فلولا الفردية لما كُنَّا نحصل بآلاف الدَّرَاهِم مَا نحصله الْيَوْم من بطيخ أَو رمان بِدَرَاهِم مَعْدُودَة فَكل مَا نشاهده من بساطة الْأُمُور والأشياء وسهولتها ورخصها وتوفرها إِنَّمَا هِيَ من نتائج الوحدانية وَتشهد بالفردية

стр. 96

النقطة الثَّانِيَة يسر الْخلق فِي التَّوْحِيد وامتناعه فِي الشّرك إِن الموجودات تخلق وَتظهر إِلَى الْوُجُود بِوَجْهَيْنِ الأول الْخلق من الْعَدَم وَهُوَ مَا يعبر عَنهُ ب الابداع والاختراع الثَّانِي إنشاؤها من عناصر مَوْجُودَة وتركيبها من أَشْيَاء حَاضِرَة أَي ب التَّرْكِيب والإنشاء فَإِذا نَظرنَا إِلَى الموجودات من زَاوِيَة سر الأحدية وتجلي الفردية نرى أَن خلقهَا وإيجادها يكون سهلا وهينا إِلَى حد الْوُجُوب والبداهة بَيْنَمَا إِن لم يُفَوض أَمر الْخلق والإيجاد إِلَى الفردية والوحدانية فستتعقد الْأُمُور وتتشابك وَتظهر أُمُور غير معقولة وَغير منطقية إِلَى حد الْمحَال والامتناع وَحَيْثُ أننا نرى الموجودات قاطبة تظهر إِلَى الْوُجُود من دون صعوبة وتكلف وَمن غير عناء وعَلى أتم صُورَة وَكَيْفِيَّة يثبت لنا بداهة إِذا تجلي الفردية ويتبين لنا أَن كل شَيْء فِي الْوُجُود إِنَّمَا هُوَ من إبداع الْأَحَد الْفَرد ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام نعم إِن الْفَرد الْوَاحِد الْأَحَد يخلق كل شَيْء من

стр. 97

الْعَدَم فِي لمح الْبَصَر وَبِكُل سهولة يسر وبقدرته الْمُطلقَة الظَّاهِرَة آثارها وَيقدر لكل شَيْء مَا يشبه قوالب معنوية وتصاميم غيبية فَكل شَيْء عِنْده بِمِقْدَار ولنوضح هَذَا بأمثلة إِن الْجنُود المطيعين فِي الْجَيْش المنظم كَمَا أَنهم يساقون لأخذ مواضعهم بِأَمْر من الْقَائِد وَحسب خطته الْمَوْضُوعَة فِي علمه كَذَلِك الذرات المطيعة للأوامر الربانية فَإِنَّهَا تساق بِالْقُدْرَةِ الربانية بِكُل سهولة وَيسر لتأْخذ مواقعها وتحافظ عَلَيْهَا حسب تصميم مَوْجُود وَصُورَة مَوْجُودَة فِي مرْآة الْعلم الإلهي الأزلي حَتَّى لَو لزم جمع الذرات من الأنحاء الْمُخْتَلفَة فَإِن جَمِيع الذرات المرتبطة بقانون الْعلم الإلهي الْمُحِيط والموثوقة الصِّلَة بدساتير الْقُدْرَة الإلهية تصبح بِمَثَابَة الْجنُود المنقادين فِي الْجَيْش المنظم فتأتي مسرعة لأخذ مواقعها فِي ذَلِك القالب العلمي والمقدار القدري وكما تظهر الصُّورَة المثالية المتمثلة فِي الْمرْآة على الورقة الحساسة فِي الكاميرا وتلبس وجودا محسوسا خَارِجا وكما تظهر وتشاهد الْكِتَابَة المخفية السّريَّة بإمرار مَادَّة كيماوية عَلَيْهَا كَذَلِك الْأَمر فِي صُورَة جَمِيع

стр. 98

الموجودات وماهية جَمِيع الْأَشْيَاء الْمَوْجُودَة فِي مرْآة الْعلم الإلهي الْفَرد الْأَحَد فَإِن الْقُدْرَة الإلهية الْمُطلقَة تلبسها بِكُل سهولة وَيسر وجودا خارجيا محسوسا فتظهر للعيان فِي عَالم الشَّهَادَة بعد أَن كَانَت فِي عَالم الْمَعْنى والغيب وَلَكِن إِن لم يسند أَمر الْخلق إِلَى الْفَرد الْأَحَد فعندئذ يلْزم لخلق ذُبَابَة وَاحِدَة مسح وتفتيش سطح الأَرْض وغربلة عناصرها وذراتها جَمِيعًا ثمَّ وَزنهَا بميزان دَقِيق حساس لوضع كل ذرة فِي موضعهَا الْمُخَصّص لَهَا حسب قوالب مادية بِعَدَد أجهزتها وأعضائها المتقنة وَذَلِكَ لكَي يَأْخُذ كل شَيْء مَكَانَهُ اللَّائِق بِهِ فضلا عَن جلب المشاعر والأحاسيس الروحية الدقيقة واللطائف المعنوية من العوالم المعنوية والروحية بعد وَزنهَا أَيْضا بميزان دَقِيق حسب حَاجَة الذبابة أَلا يكون بِهَذَا الِاعْتِبَار خلق ذُبَابَة وَاحِدَة صعبا مُمْتَنعا كإيجاد جَمِيع الكائنات أَلَيْسَ فِيهِ الصعوبات تلو الصعوبات والمحالات ضمن المحلات لذا اتّفق جَمِيع أهل الْإِيمَان وَالْعلم أَنه لَا يخلق من الْعَدَم إِلَّا الْخَالِق الْفَرد سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

стр. 99

النقطة الثَّالِثَة أَمْثِلَة أُخْرَى لقد أوردنا أَمْثِلَة كَثِيرَة فِي رسائل شَتَّى تُشِير إِلَى أَن إِسْنَاد الْخلق إِلَى الْفَرد الْوَاحِد الْأَحَد يَجْعَل خلق جَمِيع الْأَشْيَاء سهلا كالشيء الْوَاحِد وبعكسه إِذا أسْند إِلَى الطبيعة والأسباب فخلق الشَّيْء الْوَاحِد يكون صعبا مُمْتَنعا كخلق جَمِيع الْأَشْيَاء نقتصر مِنْهَا هُنَا على ثَلَاثَة أَمْثِلَة فَقَط الْمِثَال الأول إِذا أحيلت إدارة ألف جندي إِلَى ضَابِط وَاحِد وأحيلت إدارة جندي وَاحِد إِلَى عشرَة ضباط فَإِن إدارة هَذَا الجندي تكون ذَات مشكلات وصعوبات بِمِقْدَار عشرَة أَضْعَاف إدارة تِلْكَ الْفرْقَة من الْجنُود وَذَلِكَ لِأَن الْأُمَرَاء العديدين سيعادي بَعضهم بَعْضًا وستتعارض أوامرهم حتما فَلَا يجد ذَلِك الجندي رَاحَة بَين مُنَازعَة أمرائه بعكسه تَمامًا ذَلِك الضَّابِط الَّذِي يُدِير بأوامره فرقة كَامِلَة من الْجنُود وَكَأَنَّهُ يُدِير جنديا وَاحِدًا وَينفذ خطته وَمَا يُريدهُ من الْفرْقَة بتدبيره كل شَيْء

стр. 100

بسهولة وَيسر علما أَنه يتَعَذَّر الْوُصُول إِلَى هَذِه النتيجة إِذا ترك الْأَمر إِلَى جنود سائبين الْمِثَال الثَّانِي إِذا سلم أَمر بِنَاء قبَّة جَامع أياصوفيا إِلَى بِنَاء ماهر فَإِنَّهُ يقوم بِهِ بِكُل سهولة وَيسر بَيْنَمَا إِذا سلم بناؤها إِلَى أحجارها للَزِمَ أَن تكون لكل حجر من تِلْكَ الْأَحْجَار من المهارة والهندسة كالبناء الماهر نَفسه كي تَأْخُذ الْقبَّة الْمُعَلقَة الشامخة شكلها وَيكون عندئذ كل حجر حَاكما مُطلقًا على سَائِر الْأَحْجَار ومحكوما لَهَا فِي الْوَقْت نَفسه فَبَيْنَمَا كَانَ الْبناء الماهر يصرف جهدا قَلِيلا لسُهُولَة الْأَمر لَدَيْهِ تصرف الْآن مئات من البنائين الْأَحْجَار أَضْعَاف أَضْعَاف ذَلِك الْجهد من دون الْحُصُول على نتيجة الْمِثَال الثَّالِث أَن الكرة الأرضية مأمورة وموظفة من لدن الْفَرد الْوَاحِد سُبْحَانَهُ وَهِي كالجندي الْمُطِيع لله الْوَاحِد الْأَحَد فحينما تستلم الْأَمر الْوَاحِد الصَّادِر من آمرها الْأَحَد تهب منتشية بِأَمْر مَوْلَاهَا وتنغمر فِي جذبات وظيفتها فِي شوق عَارِم وتدور كالمريد المولوي العاشق عِنْد قِيَامه بالدوران لَدَى سَمَاعه أنغام الناي

стр. 101

فَتكون وَسِيلَة لحُصُول المواسم الْأَرْبَعَة وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار والكشف عَن مناظر خلابة لقبة السَّمَاء المهيبة وتبديلها باستمرار كتبدل الْمشَاهد السينمائية وَهَكَذَا ترى السهولة الْمُطلقَة فِي تَنْفِيذ جندي وَاحِد الأَرْض لأمر وَاحِد صادر عَن آمُر وَاحِد فَيقوم بِمثل هَذَا الدوران وَيكون سَببا لحُصُول أَمْثَال هَذِه النتائج الجليلة حَتَّى لكأن الأَرْض هِيَ الْقَائِد لتِلْك المناورة العسكرية المهيبة بَين نُجُوم الْكَوْن وَلَكِن إِن لم يسند الْأَمر إِلَى الْفَرد الْأَحَد الَّذِي أحَاط بحاكمية ألوهيته وسلطان ربوبيته الْكَوْن كُله وَالَّذِي ينفذ حكمه وَأمره فِي كل صَغِيرَة وكبيرة فِي الْوُجُود فعندئذ يلْزم وجود ملايين النُّجُوم الَّتِي تكبر الأَرْض بألوف المرات وَلَا بُد من أَن تسير هَذِه النُّجُوم فِي مدَار أكبر وأوسع بملايين المرات من مدَار الأَرْض كي تظهر تِلْكَ المناورة السماوية والأرضية وَتلك النتائج نَفسهَا الَّتِي تتولد من حركتي الأَرْض السنوية واليومية بِكُل سهولة وَيسر وَهَكَذَا فَإِن حُصُول هَذِه النتائج الجليلة الناشئة من حركتي الأَرْض حول محورها ومدارها حَرَكَة تشبه حركات المولوي العاشق يظْهر لنا مدى السهولة

стр. 102

والفطرية والبساطة فِي الأحدية والفردية وَيبين لنا فِي الْوَقْت نَفسه كم هِيَ مَمْلُوءَة طَرِيق الشّرك وَالْكفْر بالمحالات الَّتِي لَا حد لَهَا وبالأمور الْبَاطِلَة غير المعقولة وَبعد فلاحظ الْآن بمنظار هَذَا الْمِثَال الْآتِي إِلَى جهل المتشدقين بالطبيعة وَعباد الْأَسْبَاب لتعلم فِي أَي دَرك من وَحل الحماقة يتمرغون وَفِي أَي بيداء وهم يتيهون وَقس عَلَيْهِ مدى بعدهمْ كل الْبعد عَن ميدان الْمنطق وَالْعقل السَّلِيم معمل عَظِيم كتاب رائع قصر مشيد سَاعَة دقيقة لَا شكّ أَن الَّذِي صنع كلا من هَذَا قد نظمه ونسقه بدقة وعناية ويجيد إدارته ويرعاه وَلَا شكّ أَنه أَرَادَ فِي صنع كل مِنْهَا إِظْهَار محَاسِن صَنعته وإبراز بَدَائِع عمله فَإِن أحَال أحدهم إدارة المعمل الْعَظِيم إِلَى دواليب المعمل نَفسه وفوض بِنَاء الْقصر المنيف إِلَى أَحْجَار الْقصر نَفسه وَأسْندَ مَعَاني الْكتاب الجميلة إِلَى الْحُرُوف نَفسهَا فَكَأَنَّهُ قد جعل كل جُزْء من أَجزَاء المعمل ذَا قدرَة عَظِيمَة لتنظيم نَفسه وَغَيره وَجعل كل حرف من حُرُوف الْكتاب بل الْوَرق والقلم شَيْئا خارقا يبدع

стр. 103

الْكتاب نَفسه أَي أَنه يحِيل روعة الانتظام فِي المعمل إِلَى دواليب المعمل ويسند جمال الْمَعْنى فِي الْكتاب إِلَى توَافق الْحُرُوف من تِلْقَاء نَفسهَا أَي هذر هَذَا وَأي وهم أَلَيْسَ الَّذِي يتفوه بِهِ بَعيدا كل الْبعد عَن سَلامَة الْعقل فَالَّذِينَ يحيلون أَمر الْخلق والإيجاد فِي هَذَا الْكَوْن البديع إِلَى الْأَسْبَاب وَإِلَى الطبيعة يهوون فِي جهل مركب سحيق كَهَذا وَذَلِكَ لِأَن مظَاهر الإبداع وَاضِحَة على آثَار الْأَسْبَاب والطبيعة نَفسهَا فَهِيَ مخلوقة كَسَائِر الْمَخْلُوقَات فَالَّذِي خلقهَا على هَذِه الصُّورَة البديعة هُوَ الَّذِي يخلق آثارها ونتائجها أَيْضا ويظهرها مَعًا فَالَّذِي خلق البذرة هُوَ الَّذِي أنشأ عَلَيْهَا شجرتها وَهُوَ الَّذِي يخرج أثمارها وأزهارها من أكمامها فالخالق وَالْمُدبر وَاحِد أحد أما الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالتَّوْحِيدِ وَلَا يسلمُونَ أَمر الْخلق والإيجاد إِلَى الْوَاحِد الْأَحَد فقد أَصْبحُوا أَمَام قبُول سلسلة غير متناهية وَغير معقولة بل مستحيلة من الأوهام إِذْ أَن كل جُزْء بحاجة إِلَى جُزْء آخر وَله قوانينه الْخَاصَّة وَهَذَا بدوره بحاجة إِلَى قوانين أُخْرَى لتكملة الْجُزْء الآخر وَهَكَذَا يستمرون فِي سلسلة لَا معنى لَهَا وَلَا نِهَايَة وَهَذَا من أعجب عجائب الْجَهْل وأتعسه

стр. 104

الْإِشَارَة الْخَامِسَة الِاسْتِقْلَال والتفرد لقد أثبتنا فِي مَوَاضِع مُتعَدِّدَة من الرسائل وببراهين دامغة أَن الِاسْتِقْلَال والانفراد من أخص خَصَائِص الحاكمية حَتَّى أَن هَذَا الْإِنْسَان الَّذِي هُوَ عَاجز عَجزا شَدِيدا وَلَا يملك من الحاكمية سوى ظلّ باهت نرَاهُ يرد بِكُل قُوَّة أَي فضول كَانَ من الآخرين ويرفض بِكُل شدَّة أَي تدخل كَانَ مِنْهُم فِي شؤونه صونا مِنْهُ لاستقلاله وانفراده فِي الْأَمر بل ذكر فِي التَّارِيخ أَن كثيرا من السلاطين قد سَفَكُوا دِمَاء زكية لأبنائهم الأبرياء وإخوانهم الطيبين حينما شعروا بتدخل مِنْهُم فِي شؤونهم إِذن فالاستقلال والانفراد ورفض مداخلة الآخرين هُوَ من أخص خَصَائِص الحاكمية الحقة لَا فكاك لَهَا عَنهُ بل هُوَ لازمها ومقتضاها الدَّائِم فالحاكمية الإلهية الَّتِي هِيَ فِي ربوبية مُطلقَة ترد بِكُل شدَّة الشّرك والاشتراك مهما كَانَ نَوعه وَلَا تقبل تدخلا مَا من سواهَا قطّ وَمن هُنَا نرى الْقُرْآن الْكَرِيم

стр. 105

بَعْدَمَا يفِيض فِي بَيَان التَّوْحِيد الْخَالِص يرد الشّرك والمشاركة بأسلوب سديد وبتهديد مروع فَكَمَا اقْتَضَت الحاكمية الإلهية الَّتِي هِيَ فِي الربوبية الْمُطلقَة التَّوْحِيد والوحدانية بقطعية تَامَّة وأظهرت مُقْتَضى شَدِيدا وداعيا قَوِيا لَهَا كَذَلِك الْكَمَال الرائع الْمشَاهد للكون ابْتِدَاء من النُّجُوم والنباتات والحيوانات وَالْأَرْض والمعادن وانتهاء بالجزئيات والأفراد والذرات يَقْتَضِي التَّوْحِيد والوحدانية بالقطعية نَفسهَا فَهَذَا الْكَمَال فِي النظام المتقن وَهَذَا الانسجام البديع لَهو شَاهد عدل وبرهان باهر على تِلْكَ الوحدانية والفردية فَلَا يسمح قطّ لريبة أَو لشُبْهَة ذَلِك لِأَنَّهُ لَو كَانَ هُنَاكَ أَي تدخل مِمَّا سوى الْوَاحِد الْأَحَد لفسد هَذَا النظام البديع الرصين واختل هَذَا التوازن الْمُحكم الْمشَاهد فِي جَمِيع أَجزَاء الْكَوْن فَصدق الله الْعَظِيم الَّذِي قَالَ ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ نعم لَو كَانَ هُنَاكَ أَي تدخل مهما كَانَ لظهرت آثاره بادية إِلَّا أَن الدعْوَة الصَّرِيحَة فِي الْآيَة الْكَرِيمَة ﴿فَارْجِع الْبَصَر هَل ترى من فطور﴾ تريك هَذَا النظام

стр. 106

البديع بِكُل وضوح وجلاء حَتَّى لَا ترى ثغرة وَلَا لبسا وَلَا نقصا فِي جِهَة من الْجِهَات ابْتِدَاء من الذرات إِلَى المجرات إِذا فالنظام الرصين فِي الْكَوْن والانتظام الرائع فِي الْمَخْلُوقَات كَافَّة والموازنة الدقيقة بَين الموجودات يظْهر لنا التجلي الْأَعْظَم لاسم الْفَرد وَيشْهد شَهَادَة وَاضِحَة على الوحدانية ثمَّ إِن أَي مَخْلُوق مهما كَانَ صَغِيرا إِنَّمَا هُوَ مِثَال مصغر للكون كُله ونموذجه وفهرسه الْمُخْتَصر فبمقتضى تجلي الأحدية لَا يكون مَالِكًا لذَلِك الْمَخْلُوق الْحَيّ الصَّغِير إِلَّا من كَانَ بِيَدِهِ زِمَام الْكَوْن كُله وَله الْأَمر جَمِيعًا وَحَيْثُ أَن كل بذرة متناهية فِي الصغر لَيست بِأَقَلّ إبداعا فِي الْخلق من شَجَرَة ضخمة وَأَن كل شَجَرَة باسقة تضاهي فِي خلقهَا خلق الكائنات وكل كَائِن حَيّ صَغِير إِنَّمَا هُوَ بِحكم عَالم مصغر فَإِن تجلي الأحدية هَذَا يَجْعَل الشّرك والاشتراك محالا مُمْتَنعا ثمَّ إِن الَّذِي يتَأَمَّل فِي هَذَا الْكَوْن فِي ضوء هَذَا السِّرّ سر الأحدية يرى الْكَوْن وَاحِدًا يستعصي على التجزئة مُطلقًا وَلَيْسَ هَذَا فَحسب بل هُوَ من حَيْثُ

стр. 107

الْمَاهِيّة كلي لَا يقبل الانقسام والاشتراك والتجزئة وَتدْخل الْأَيْدِي المتعددة قطّ فَأَي تدخل فِيهِ مِمَّا سوى الْفَرد الْأَحَد محَال مُمْتَنع إِذْ إِن كل جُزْء فِيهِ بِحكم جزئي وفردي والكون هُوَ بِحكم الْكُلِّي فَلَيْسَ فِيهِ مَوضِع للاشتراك فِي أَيَّة جِهَة كَانَت فَهَذَا التجلي الْأَعْظَم لإسم الْفَرد يثبت حَقِيقَة التَّوْحِيد بِهَذَا السِّرّ للأحدية بِدَرَجَة البداهة نعم إِن اندماج أَنْوَاع الكائنات واندغامها فِيمَا بَينهَا وَتوجه وَظِيفَة كل مِنْهَا إِلَى عُمُوم الكائنات من حَيْثُ الْخلق والربوبية مِثْلَمَا يَجْعَل الْكَوْن كلا وَاحِدًا يستعصي على التجزئة قطعا كَذَلِك الْأَفْعَال العمومية المحيطة بالكائنات وَالَّتِي تظهر آثارها وفعالياتها فِي الكائنات عُمُوما تجْعَل الْكَوْن أَيْضا كلا وَاحِدًا من حَيْثُ تداخلها بِبَعْضِهَا حَتَّى يرفض التجزئة ويردها ردا قَوِيا ولتوضيح ذَلِك نسوق الْمِثَال الْآتِي حالما توهب الْحَيَاة للكائن يظْهر فعل الإعاشة والإرزاق فِيهِ مُبَاشرَة وَضمن أَفعَال الإعاشة والإحياء هَذِه يُشَاهد مُبَاشرَة فعل تنظيم جَسَد ذَلِك الْكَائِن وتنسيق أَعْضَائِهِ وتجهيزه بِمَا يحْتَاج وَيلْزم وحينما تظهر

стр. 108

أَفعَال الإعاشة والإحياء والتنظيم والتجهيز يفعل التَّصْوِير والتربية وَالتَّدْبِير فعله فِي الْوَقْت نَفسه وَهَكَذَا فتداخل أَمْثَال هَذِه الْأَفْعَال المحيطة بَعْضهَا بِالْبَعْضِ الآخر واتحادها بِبَعْضِهَا وامتزاجها كامتزاج الألوان السَّبْعَة فِي الطيف الشمسي ثمَّ إحاطة كل فعل من تِلْكَ الْأَفْعَال وشموله من حَيْثُ الْمَاهِيّة للموجودات كلهَا فِي وحدة وَاحِدَة وَكَون كل فعل مِنْهَا فعلا وحدانيا يدل دلَالَة وَاضِحَة على أَن فَاعله وَاحِد أحد فَرد وكما أَن اسْتِيلَاء كل فعل من تِلْكَ الْأَفْعَال وهيمنته على الكائنات قاطبة واتحاده مَعَ سَائِر الْأَفْعَال فِي تعاون وثيق يَجْعَل الْكَوْن كلا غير قَابل للتجزئة كَذَلِك فَإِن كل مَخْلُوق حَيّ من حَيْثُ كَونه بِمَثَابَة بذرة الْكَوْن وفهرسه ونموذجه يَجْعَل الْكَوْن كليا غير قَابل للانقسام والتجزئة من حَيْثُ الربوبية بل يَجْعَل انقسامه محالا وخارجا عَن الْإِمْكَان أَي أَن الْكَوْن بِهَذَا هُوَ كل لَا يتَجَزَّأ فَلَا يكون إِذا رب الْجُزْء إِلَّا من كَانَ رَبًّا للْكُلّ وَهُوَ كلي أَيْضا فَلَا يكون رَبًّا للفرد الْوَاحِد إِلَّا من كَانَ زِمَام ذَلِك الْكُلِّي بِيَدِهِ

стр. 109

الْإِشَارَة السَّادِسَة البلسم الشافي كَمَا أَن انْفِرَاد الله بالربوبية وتوحيده بالألوهية هُوَ أساس جَمِيع الكمالات ومنشأ الْمَقَاصِد السامية ومنبع الحكم المودعة فِي خلق الْكَوْن كَذَلِك هُوَ الْغَايَة القصوى والبلسم الشافي لتطمين رغبات كل ذِي شُعُور وَذي عقل وَلَا سِيمَا الْإِنْسَان إِذْ من لَا يُؤمن بِالتَّوْحِيدِ تنطفيء لَدَيْهِ شعلة رغباته ومطالبه كلهَا وتنمحي عِنْده جَمِيع الحكم المودعة فِي خلق الْكَوْن وتتلاشى أَمَامه أَكثر الكمالات الْمَوْجُودَة والثابتة

стр. 110

فمثلا إِن رَغْبَة حب الْبَقَاء بل عشقه عميقة فِي الْإِنْسَان هَذِه الرَّغْبَة العريقة لَا يحققها وَلَا يسكنهَا ويطمئنها إِلَّا من هُوَ مَالك لمقاليد الْكَوْن الَّذِي يفتح بَاب الْبَقَاء السرمدي أَمَام الْإِنْسَان بِالآخِرَة بعد أَن يُنْهِي هَذِه الدُّنْيَا الفانية ويغلق أَبْوَابهَا وَهُنَاكَ رغبات أُخْرَى كَثِيرَة جدا أَمْثَال هَذِه الرَّغْبَة كلهَا ممتدة إِلَى غير نِهَايَة مَعْلُومَة ومتشعبة فِي ثنايا الكائنات جَمِيعًا فَهَذِهِ الرغبات جَمِيعًا مرتبطة ارتباطا وثيقا بِحَقِيقَة التَّوْحِيد وأنواره ومشدودة مَعَ سر الفردية وفيضها إِذْ لَا تَجِد اطمئنانها وسكونها لَدَى الَّذِي لَا يُؤمن بِالتَّوْحِيدِ وانفراد الله لذا تبقى لَدَيْهِ هَذِه الرغبات عقيمة دون نتائج قَاصِرَة عَن بُلُوغ مداها مبتورة منكمشة حَقًا أَن حَاجَة الْإِنْسَان ورغباته لَا يشبعها إِلَّا الله فالإيمان بالوحدانية وبقدرة الْفَرد الْوَاحِد الْأَحَد الْمُطلقَة إِذا هُوَ وَحده الْكَفِيل بإحلال الطُّمَأْنِينَة والسكون فِي تِلْكَ الرغبات المتأججة لَدَى الْإِنْسَان من أجل هَذَا السِّرّ الْعَظِيم نرى الْقُرْآن الْكَرِيم يذكر التَّوْحِيد والوحدانية بِكُل حرارة وشوق ويكررها بِكُل
следующие страницы →