Полный текст (160 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الْمقَام الأول
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿وَيضْرب الله الْأَمْثَال للنَّاس لَعَلَّهُم يتذكرون﴾ ﴿وَتلك الْأَمْثَال نَضْرِبهَا للنَّاس لَعَلَّهُم يتفكرون﴾
حِكَايَة تمثيلية
استحم شخصان ذَات وَيَوْم فِي حَوْض كَبِير فغشيهما مَا لَا طَاقَة لَهما بِهِ ففقدا وعيهما وَمَا إِن أفاقا حَتَّى وجدا أَنَّهُمَا قد جِيءَ بهما إِلَى عَالم غير عالمهما إِلَى عَالم عَجِيب وَعَجِيب فِيهِ كل شَيْء فَهُوَ من فرط انتظامه الدَّقِيق كَأَنَّهُ مملكة منسقة الْأَطْرَاف وَمن روعة جماله بِمَثَابَة مَدِينَة عامرة وَمن شدَّة تناسق أَرْكَانه بِحكم قصر بديع وبدأا ينْظرَانِ بلهفة فِيمَا حولهما وَقد امتلأا حيرة وإعجابا بِمَا رَأيا أمامهما من عَالم عَظِيم حَقًا إِذْ لَو نظر إِلَى جَانب مِنْهُ لشوهدت مملكة منتظمة وَإِذا مَا نظر إِلَيْهِ من جَانب آخر لتراءت مَدِينَة كَامِلَة الجوانب بَيْنَمَا إِذا
стр. 2
نظر إِلَيْهِ من جَانب آخر فَإِذا هُوَ بقصر عَظِيم شَاهِق يضم عَالما مهيبا وطفقا يتجولان مَعًا فِي أرجاء هَذَا الْعَالم العجيب فَوَقع نظرهما على مخلوقات يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَام معِين لَا يفقهانه إِلَّا أَنَّهُمَا أدْركَا من إشاراتهم وتلويحاتهم أَنهم يؤدون أعمالا عَظِيمَة وينهضون بواجبات جليلة
قَالَ أَحدهمَا للْآخر
لَا شكّ أَن لهَذَا الْعَالم العجيب مُدبرا يدبر شؤونه ولهذه المملكة البديعة مَالِكًا يرعاها ولهذه الْمَدِينَة الرائعة سيدا يتَوَلَّى أمورها وَلِهَذَا الْقصر المنيف صانعا بديعا قد أبدعه فَأرى لزاما علينا أَن نسعى لمعرفته إِذْ يَبْدُو أَنه هُوَ الَّذِي قد أَتَى بِنَا إِلَى هَاهُنَا وَلَيْسَ أحد غَيره فَلَو لم نعرفه فَمن ذَا غَيره يسعفنا ويغيثنا وَيَقْضِي حوائجنا وَنحن فِي هَذَا الْعَالم الْغَرِيب فَهَل ترى بصيص أمل نرجوه من هَؤُلَاءِ العاجزين الضُّعَفَاء وَنحن لَا نفقه لسانهم وَلَا هم يصغون إِلَى كلامنا ثمَّ إِن الَّذِي جعل هَذَا الْعَالم الْعَظِيم على صُورَة مملكة منسقة وعَلى هَيْئَة مَدِينَة رائعة وعَلى شكل قصر بديع وَجعله كنزا لخوارق الْأَشْيَاء وجمله بِأَفْضَل زِينَة وأروع حسن ورصع نواحيه كلهَا بمعجزات معبرة حكيمة أَقُول أَن صانعا لَهُ كل هَذِه العظمة والهيبة وَقد أَتَى بِنَا وبمن حولنا
стр. 3
إِلَى هَاهُنَا لَا بُد أَن لَهُ شَأْنًا فِي هَذَا فَوَجَبَ قبل كل شَيْء أَن نعرفه معرفَة جَيِّدَة وَأَن نعلم مِنْهُ مَا يُرِيد منا وماذا يطْلب
قَالَ لَهُ صَاحبه
دع عَنْك هَذَا الْكَلَام فَأَنا لَا أصدق أَن وَاحِدًا أحدا يُدِير هَذَا الْعَالم الْغَرِيب
فَأَجَابَهُ
مهلا يَا صَاحِبي هلا أعرتني سَمعك فَنحْن لَو أهملنا مَعْرفَته فَلَا نكسب شَيْئا قطّ وَإِن كَانَ فِي إهمالنا ضَرَر فضرره جد بليغ بَيْنَمَا إِذا سعينا إِلَى مَعْرفَته فَلَيْسَ فِي سعينا هَذَا مشقة وَلَا نلقي من وَرَائِهَا خسارة بل مَنَافِع جليلة وعظيمة فَلَا يَلِيق بِنَا إِذا أَن نبقى معرضين هَكَذَا عَن مَعْرفَته
وَلَكِن صَاحبه الغافل قَالَ
أَنا لست مَعَك فِي كلامك هَذَا فَأَنا أجد راحتي ونشوتي فِي عدم صرف الْفِكر إِلَى مثل هَذِه الْأُمُور وَفِي عدم معرفَة مَا تدعيه عَن هَذَا الصَّانِع البديع فَلَا أرى دَاعيا أَن أجهد نَفسِي فِيمَا لَا يَسعهُ عَقْلِي بل هَذِه الْأَفْعَال جَمِيعهَا مصادفات وَأُمُور متداخلة متشابكة تجْرِي وتعمل بِنَفسِهَا فَمَا لي وَهَذِه الْأُمُور
стр. 4
فَرد عَلَيْهِ الْعَاقِل
أخْشَى أَن يلقِي بِنَا عنادك هَذَا وبالآخرين إِلَى مصائب وبلايا ألم تهدم مدن عامرة من جراء سفاهة شقي وأفعال فَاسق
إِذْ ذَاك إنبرى لَهُ الغافل قَائِلا
لنحسم الْمَوْضُوع نهائيا فإمَّا أَن تثبت لي إِثْبَاتًا قَاطعا لَا يقبل الشَّك بِأَن لهَذِهِ المملكة الضخمة مَالِكًا وَاحِدًا وَاحِدًا وصانعا وَاحِدًا أحدا أَو تدعني وشأني
أَجَابَهُ صديقه
مَا دمت يَا صَاحِبي تصر على عنادك إِلَى حد من الْجُنُون والهذيان مَا قد يسوقنا والمملكة بكاملها إِلَى الدمار لذا سأضع بَين يَديك اثْنَي عشر برهانا أثبت بهَا أَن لهَذَا الْعَالم الرائع روعة الْقصر ولهذه المملكة المنتظمة انتظام الْمَدِينَة صانعا بديعا وَاحِدًا أحدا هُوَ الَّذِي يدبر الْأُمُور كلهَا فَلَا ترى من فطور فِي شَيْء وَلَا ترى من نقص فِي أَمر فَذَلِك الصَّانِع الَّذِي لَا نرَاهُ يُبصرنَا ويبصر كل شَيْء وَيسمع كَلَام فَكل لشَيْء فَكل أَفعاله معجزات وآيات وخوارق وروائع وَمَا هَذِه الْمَخْلُوقَات الَّتِي لَا نفهم ألسنتهم إِلَّا مأمورون وموظفون فِي مَمْلَكَته
стр. 5
الْبُرْهَان الأول
تعال معي يَا صَاحِبي لنتأمل مَا حولنا من أَشْيَاء وَأُمُور أَلا ترى أَن يدا خُفْيَة تعْمل من وَرَاء الْأُمُور جَمِيعهَا أَولا ترى أَن مَا لَا قُوَّة لَهُ أصلا وَلَا يقوى على حمل نَفسه يحمل آلَاف الأرطال من الْحمل الثقيل أَولا تشاهد أَن مَا لَا إِدْرَاك لَهُ وَلَا شُعُور يقوم بأعمال فِي غَايَة الْحِكْمَة فَهَذِهِ الْأَشْيَاء إِذن لَا تعْمل مُسْتَقلَّة بِنَفسِهَا بل لَا بُد أَن مولى عليما وصانعا قَدِيرًا يديرها من وَرَاء الْحجب إِذْ لَو كَانَت مُسْتَقلَّة بذاتها وأمرها بِيَدِهَا للَزِمَ أَن يكون كل شَيْء هُنَا صَاحب معْجزَة خارقة وَمَا هَذِه إِلَّا سفسطة لَا معنى لَهَا
الْبُرْهَان الثَّانِي
تعال معي يَا صَاحِبي لنمعن النّظر فِي هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي تزين الميادين والساحات فَفِي كل زِينَة مِنْهَا أُمُور تخبرنا عَن ذَلِك الْمَالِك وتدلنا عَلَيْهِ كَأَنَّهَا سكته وختمه
стр. 6
كَمَا تدلنا طغراء السُّلْطَان وختمه على وجوده وتنبئنا سكته على مسكوكاته عَن عَظمته وهيبته فَإِن شِئْت فَانْظُر إِلَى هَذَا الْجِسْم الصَّغِير جدا الَّذِي لَا يكَاد الْإِنْسَان يعرف لَهُ وزنا قد صنع مِنْهُ الْمولى أطوالا من نَسِيج ملون بألوان زاهية ومزركش بزخارف باهرة وَيخرج مِنْهُ مَا هُوَ ألذ من الحلويات والمعجنات المعسلة فَلَو لبس آلَاف من أمثالنا تِلْكَ المنسوجات وَأكل من تِلْكَ المأكولات لما نفدت
ثمَّ انْظُر إِنَّه يَأْخُذ بِيَدِهِ الغيبية هَذَا الْحَدِيد وَالتُّرَاب وَالْمَاء والفحم والنحاس وَالْفِضَّة وَالذَّهَب ويصنع مِنْهَا جَمِيعًا قِطْعَة لحم
فيا أَيهَا الغافل إِن هَذِه الْأَشْيَاء وَالْأَفْعَال إِذا تخص بِمن زِمَام هَذِه المملكة بِيَدِهِ وَمن لَا يعزب عَنهُ شَيْء وكل شَيْء منقاد لإرادته
стр. 7
الْبُرْهَان الثَّالِث
تعال لنَنْظُر إِلَى مصنوعاته العجيبة المتحركة فقد صنع كل مِنْهَا كَأَنَّهُ نُسْخَة مصغرة من هَذَا الْقصر الْعَظِيم إِذْ يُوجد فِيهِ مَا فِي الْقصر كُله فَهَل يُمكن أَن يدرج أحد هَذَا الْقصر مُصَغرًا فِي ماكنة دقيقة غير صانعه البديع أَو هَل يُمكن أَن ترى عَبَثا أَو مصادفة فِي عَالم ضم دَاخل ماكنة صَغِيرَة
أَي أَن كل مَا تشاهده من مكائن إِنَّمَا هِيَ بِمَثَابَة آيَة تدل على ذَلِك الصَّانِع البديع بل كل ماكنة دَلِيل عَلَيْهِ وإعلان يفصح عَن عَظمته وَيَقُول بِلِسَان الْحَال
نَحن من إبداع من أبدع هَذَا الْعَالم بسهولة مُطلقَة كَمَا أوجدنا بسهولة مُطلقَة
الْبُرْهَان الرَّابِع
أَيهَا الْأَخ العنيد تعال أرك شَيْئا أَكثر إثارة للإعجاب انْظُر فها قد تبدلت الْأُمُور فِي هَذِه المملكة
стр. 8
وتغيرت جَمِيع الْأَشْيَاء وَهَا نَحن أولاء نرى بأعيننا هَذَا التبدل والتغير فَلَا ثبات لشَيْء مِمَّا نرَاهُ بل الْكل يتَغَيَّر ويتجدد
أنظر إِلَى هَذِه الْأَجْسَام الجامدة الْمُشَاهدَة الَّتِي لَا نلمس فِيهَا شعورا كَأَن كلا مِنْهَا قد اتخذ صُورَة حَاكم مُطلق وَالْآخرُونَ محكومون تَحت سيطرته وَكَأن كلا مِنْهَا يسيطر على الْأَشْيَاء كلهَا انْظُر إِلَى هَذِه الماكنة الَّتِي بقربنا كَأَنَّهَا تَأمر فيهرع إِلَيْهَا من بعيد مَا تحتاجه من لَوَازِم وَانْظُر إِلَى ذَلِك الْجِسْم الَّذِي لَا شُعُور لَهُ كَأَنَّهُ يسخر بِإِشَارَة خُفْيَة مِنْهُ أضخم جسم وأكبره فِي شؤونه الْخَاصَّة ويجعله طوع إِشَارَته وَقس الْأُمُور الْأُخْرَى على هذَيْن المثالين
стр. 9
فَإِذا لم تفوض أَمر إدارة الْقصر إِلَى ذَلِك الْمَالِك الَّذِي لَا نرَاهُ فَعَلَيْك إِذا أَن تحيل إِلَى كل مَصْنُوع مَا للبديع من إتقان وكمالات حَتَّى لَو كَانَ حجرا أَو تُرَابا أَو حَيَوَانا أَو إنْسَانا أَو أَي مَخْلُوق من الْمَخْلُوقَات
فَإِذا مَا استبعد عقلك أَن بديعا وَاحِدًا أحدا هُوَ الْمَالِك لهَذِهِ المملكة وَهُوَ الَّذِي يديرها فَمَا عَلَيْك إِلَّا قبُول ملايين الملايين من الصانعين المبدعين بل بِعَدَد الموجودات كل مِنْهَا ند الآخر ومثيله وبديله ومتدخل فِي شؤونه مَعَ أَن النظام المتقن البديع يَقْتَضِي عدم التدخل فَلَو كَانَ هُنَاكَ تدخل مهما كَانَ طفيفا وَمن أَي شَيْء كَانَ وَفِي أَي أَمر من أُمُور هَذِه المملكة الهائلة لظهر أَثَره وَاضحا إِذْ تختلط الْأُمُور وتتشابك إِن كَانَ هُنَاكَ سيدان فِي قَرْيَة أَو محافظان فِي مَدِينَة أَو سلطانان فِي مملكة فَكيف بحكام لَا يعدون وَلَا يُحصونَ فِي مملكة منسقة بديعة
الْبُرْهَان الْخَامِس
أَيهَا الصّديق المرتاب تعال لندقق فِي نقوش هَذَا الْقصر الْعَظِيم ولنمعن النّظر فِي تزيينات هَذِه الْمَدِينَة
стр. 10
العامرة ولنشاهد النظام البديع لهَذِهِ المملكة الواسعة ولنتأمل الصَّنْعَة المتقنة لهَذَا الْعَالم فها نَحن نرى أَنه إِن لم تكن هَذِه النقوش كِتَابَة قلم الْمَالِك البديع الَّذِي لَا حد لمعجزاته وإبداعه وأسندت كتَابَتهَا ونقشها إِلَى الْأَسْبَاب الَّتِي لَا شُعُور لَهَا وَإِلَى المصادفة العمياء وَإِلَى الطبيعة الصماء للَزِمَ إِذا أَن يكون فِي كل من أَحْجَار هَذِه المملكة وترابها مُصَور معجز وَكَاتب بديع يَسْتَطِيع أَن يكْتب أُلُوف الْكتب فِي حرف وَاحِد ويمكنه أَن يدرج ملايين الإتقان والإبداع فِي نقش وَاحِد لِأَنَّك ترى أَن هَذَا النقش الَّذِي أمامك فِي هَذِه اللبنة يضم نقوش جَمِيع الْقصر وينطوي على جَمِيع قوانين الْمَدِينَة وأنظمتها ويتضمن خطط أَعمالهَا أَي أَن إِيجَاد هَذِه النقوش الرائعة معْجزَة عَظِيمَة كإيجاد المملكة نَفسهَا فَكل صَنْعَة بديعة لَيست إِلَّا لوحة إعلان تفصح عَن أَوْصَاف ذَلِك الصَّانِع البديع وكل نقش جميل هُوَ ختم وَاضح من أختامه الدَّالَّة عَلَيْهِ
стр. 11
فَكَمَا أَنه لَا يُمكن لحرف إِلَّا أَن يدل على كَاتبه وَلَا يُمكن لنقش إِلَّا أَن ينبىء عَن نقاشه فَكيف يُمكن إِذن أَلا يدل حرف كتب فِيهِ كتاب عَظِيم على كَاتبه وَنقش نقشت فِيهِ أُلُوف النقوش على نقاشه أَلا تكون دلَالَته أظهر وأوضح من دلَالَته على نَفسه
الْبُرْهَان السَّادِس
تعال يَا صديقي لنذهب إِلَى نزهة نتجول فِي هَذِه الفلاة الواسعة المفروشة أمامنا هوذا جبل أَشمّ تعال لنصعد عَلَيْهِ حَتَّى نتمكن من مُشَاهدَة جَمِيع الْأَطْرَاف بسهولة ولنحمل مَعنا نظارات مكبرة تقرب لنا مَا هُوَ بعيد عَن أنظارنا فَهَذِهِ المملكة فِيهَا من الْأُمُور العجيبة والحوادث الغريبة مَا لَا يخْطر على بَال أحد أنظر إِلَى تِلْكَ الْجبَال والسهول المنبسطة والمدن العامرة إِنَّه
стр. 12
أَمر عَجِيب حَقًا إِذْ يتبدل جَمِيعهَا دفْعَة وَاحِدَة بل إِن ملايين الملايين من الْأَفْعَال المتشابكة تتبدل تبدلا بِكُل نظام وَبِك لتناسق فَكَانَ ملايين الأطوال من منسوجات ملونة رائعة تنسج أمامنا فِي آن وَاحِد حَقًا إِن هَذِه التحولات عَجِيبَة جدا فَأَيْنَ تِلْكَ الأزاهير الَّتِي ابتسمت لنا وَالَّتِي أنسنا بهَا لقد غَابَتْ عَنَّا وحلت محلهَا أَنْوَاع مماثلة لَهَا صُورَة مُخْتَلفَة نوعية وَكَأن هَذِه السهول المنبسطة وَهَذِه الْجبَال المنصوبة صَحَائِف كتاب يكْتب فِي كل مِنْهَا كتب مُخْتَلفَة فِي غَايَة الإتقان دون سَهْو أَو خطأ ثمَّ تمسح تِلْكَ الْكتب وَيكْتب غَيرهَا فَهَل ترى يَا صديقي أَن تبدل هَذِه الْأَحْوَال وتحول هَذِه الأوضاع الَّذِي يتم بِكُل نظام وميزان يحدث من تِلْقَاء نَفسه أَلَيْسَ ذَلِك محَال من أَشد المحالات
فَلَا يُمكن إِحَالَة هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي أمامنا وَهِي فِي غَايَة الإتقان والصنعة إِلَى نَفسهَا قطّ فَذَلِك محَال فِي محَال بل هِيَ أَدِلَّة وَاضِحَة على صانعها البديع أوضح من دلالتها على نَفسهَا إِذْ تبين أَن صانعها البديع لَا يعجزه شَيْء وَلَا يؤوده شَيْء فكتابة ألف كتاب أَمر يسير لَدَيْهِ ككتابة كتاب وَاحِد ثمَّ يَا أخي تَأمل فِي الأرجاء كَافَّة ترى أَن الصَّانِع الْأَعْظَم قد وضع بحكمة تَامَّة كل شَيْء
стр. 13
فِي مَوْضِعه اللَّائِق بِهِ وأسبغ على كل شَيْء نعمه وَكَرمه بِلُطْفِهِ وفضله العميم وكما يفتح أَبْوَاب نعمه وآلائه العميمة أَمَام كل شَيْء يسعف رغبات كل شَيْء وَيُرْسل إِلَيْهِ مَا يطمئنه
وَفِي الْوَقْت نَفسه ينصب مَوَائِد فاخرة تجود بالسخاء وَالعطَاء بل ينعم على مخلوقات هَذِه المملكة كَافَّة من حَيَوَان ونبات نعما لَا حد لَهَا بل يُرْسل إِلَى كل فَرد باسمه ورسمه نعْمَته الَّتِي تلائمه دون خطأ أَو نِسْيَان فَهَل هُنَاكَ مَحل أعظم من أَن تظن أَن فِي هَذِه الْأُمُور شَيْئا من المصادفة مهما كَانَ ضئيلا أَو فِيهِ شَيْء من الْعَبَث وَعدم الجدوى أَو أَن أحدا غير الصَّانِع البديع قد تدخل فِي أُمُور المملكة أَو أَن يتَصَوَّر أَن لَا يدين لَهُ كل شَيْء فِي ملكه فَهَل تقدر يَا صديقي أَن تَجِد مبررا لإنكار مَا ترَاهُ
الْبُرْهَان السَّابِع
لندع الجزئيات يَا صَاحِبي ولنتأمل فِي هَذَا الْعَالم العجيب ولنشاهد أوضاع أَجْزَائِهِ المتقابلة بَعْضهَا مَعَ الْبَعْض الآخر فَفِي هَذَا الْعَالم البديع من النظام الشَّامِل
стр. 14
والانتظام الْكَامِل كَأَن كل شَيْء فَاعل مُخْتَار حَيّ يشرف على نظام المملكة كلهَا ويتحرك منسجما مَعَ ذَلِك النظام الْعَام حَتَّى ترى الْأَشْيَاء المتباعدة جدا يسْعَى الْوَاحِد مِنْهَا نَحْو الآخر للتعاون والتآزر
انْظُر إِن قافلة مهيبة تَنْطَلِق من الْغَيْب مقبلة علينا فَهِيَ قافلة تحمل صحون الأرزاق ثمَّ أنظر إِلَى ذَلِك الْمِصْبَاح الوضيء الْمُعَلق فِي قبَّة المملكة فَهِيَ تنير الْجَمِيع وتنضج المأكولات الْمُعَلقَة بخيط دَقِيق والمعرضة أَمَامه بيد غيبية أَلا تلْتَفت معي إِلَى هَذِه الْحَيَوَانَات النحيفة الضعيفة العاجزة كَيفَ يسيل إِلَى أفواهها غذَاء لطيف خَالص يتدفق من مضخات متدلية فَوق رؤوسها وحسبها أَن تلصق أفواهها بهَا
نخلص من هَذَا
أَنه مَا من شَيْء فِي هَذَا الْعَالم إِلَّا وَكَأَنَّهُ يتطلع إِلَى الآخر فيغيثه أَو يرى الآخر فيشد من أزره ويعاونه فيكمل الْوَاحِد عمل الآخر وَيكون ظهيره وَسَنَده
стр. 15
وَيتَوَجَّهُ الْجَمِيع جنبا إِلَى جنب فِي طَرِيق الْحَيَاة فَهَذِهِ الظَّوَاهِر جَمِيعهَا تدلنا دلَالَة قَاطِعَة وبيقين جازم أَنه مَا من شَيْء فِي هَذَا الْقصر العجيب إِلَّا وَهُوَ مسخر لمَالِكه الْقَدِير ولصانعه البديع وَيعْمل باسمه وَفِي سَبيله بل كل شَيْء بِمَثَابَة جندي مُطِيع متأهب لتلقي الْأَوَامِر فَكل شَيْء يُؤَدِّي مَا كلف بِهِ من وَاجِب بِقُوَّة مَالِكه وَحَوله فيتحرك بأَمْره وينتظم بِحِكْمَتِهِ ويتعاون بكرمه وفضله ويغيث الآخرين برحمته فَإِن كنت تَسْتَطِيع يَا أخي إبداء شَيْء من الِاعْتِرَاض وَالشَّكّ أَمَام هَذَا الْبُرْهَان فهاته
الْبُرْهَان الثَّامِن
تعال يَا صَاحِبي المتعاقل وَيَا مثيل نَفسِي الأمارة الَّتِي تعد نَفسهَا رَشِيدَة وتحسن الظَّن بِنَفسِهَا أَرَاك يَا صَاحِبي ترغب عَن معرفَة صَاحب هَذَا الْقصر البديع مَعَ أَن كل شَيْء يدل عَلَيْهِ وكل شَيْء يُشِير إِلَيْهِ وكل شَيْء يشْهد بِوُجُودِهِ فَكيف تجرأ على تَكْذِيب هَذِه الشَّهَادَات كلهَا إِذا عَلَيْك أَن تنكر وجود الْقصر نَفسه بل عَلَيْك أَن تعلن أَنه لَا قصر وَلَا مملكة وَلَا شَيْء فِي الْوُجُود بل تنكر نَفسك وتعدها مَعْدُوما لَا وجود
стр. 16
لَهَا أَو عَلَيْك أَن تعود إِلَى رشدك وتصغي إِلَيّ جيدا فها أَنا أَضَع بَين يَديك هَذَا المنظر
تَأمل فِي هَذِه العناصر والمعادن الَّتِي تعم هَذِه المملكة وَالَّتِي تُوجد فِي كل أرجاء هَذَا الْقصر وَمَعْلُوم أَن مَا من شَيْء ينْتج فِي هَذِه المملكة إِلَّا من تِلْكَ الْموَاد فَمن كَانَ مَالِكًا لتِلْك الْموَاد والعناصر فَهُوَ إِذن مَالك لكل مَا يصنع وينتج فِيهَا إِذْ من كَانَ مَالِكًا للمزرعة فَهُوَ مَالك المحاصيل وَمن كَانَ مَالِكًا للبحر فَهُوَ مَالك لما فِيهِ
ثمَّ أنظر يَا صَاحِبي إِلَى هَذِه المنسوجات والأقمشة الملونة المزدانة بالأزهار أَنَّهَا تصنع من مَادَّة وَاحِدَة فَالَّذِي هيأ تِلْكَ الْمَادَّة وغزلها لَا بُد أَنه وَاحِد لِأَن تِلْكَ الصَّنْعَة لَا تقبل الِاشْتِرَاك فالمنسوجات المتقنة تخصه هُوَ ثمَّ الْتفت إِلَى هَذَا أَن أَجنَاس هَذِه المنسوجات مَوْجُودَة فِي كل جُزْء من أَجزَاء هَذَا الْعَالم العجيب وَقد انتشرت انتشارا وَاسع النطاق حَتَّى أَنَّهَا تنسج فِي آن وَاحِد وبنمط وَاحِد فِي كل مَكَان أَي أَنه فعل فَاعل وَاحِد
стр. 17
فالجميع يَتَحَرَّك بِأَمْر وَاحِد وَإِلَّا فمحال أَن يكون هُنَاكَ انسجام تَامّ وتوافق وَاضح فِي الْعَمَل وَفِي آن وَاحِد وبنمط وَاحِد وبنوعية وَاحِدَة وهيأة وَاحِدَة فِي جَمِيع الأنحاء لذا فَإِن كل مَا هُوَ متقن الصنع يدل دلَالَة وَاضِحَة على ذَلِك الْفَاعِل الَّذِي لَا نرَاهُ بل كَأَنَّهُ يعلن عَنهُ صَرَاحَة بل كَأَن كل نَسِيج مغرز بالزهور وكل ماكنة بديعة وكل مَأْكُول لذيذ إِنَّمَا هُوَ عَلامَة الصَّانِع المعجز وخاتمه وآيته وطغراؤه فَكل مِنْهُ يَقُول بِلِسَان الْحَال من كنت أَنا مصنوعه فموضعي الَّذِي أَنا فِيهِ ملكه وكل نقش يَقُول من قَامَ بنسجي ونقشي فالطول الَّذِي أَنا فِيهِ هُوَ منسوجه وكل لقْمَة لذيذة تَقول من يصنعني وينضجني فالقدر الَّذِي أطبخ فِيهِ ملكه وكل ماكنة تَقول من قَامَ بصنعي فَكل مَا فِي الْعَالم من أمثالي مصنوعه وَهُوَ مَالِكه أَي من كَانَ مَالِكًا للمملكة وَالْقصر كُله فَهُوَ الَّذِي يُمكنهُ أَن يملكنا وَذَلِكَ بِمثل من أَرَادَ أَن يَدعِي تملك أزرار البزة العسكرية وَوضع شعار الدولة عَلَيْهَا لَا بُد أَن يكون مَالِكًا لمصانعها كلهَا حَتَّى يكون مَالِكًا حَقِيقِيًّا وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الادعاء الْكَاذِب بل يُعَاقب على عمله ويؤاخذ على كَلَامه
стр. 18
الْخُلَاصَة
كَمَا أَن عناصر هَذِه المملكة مواد منتشرة فِي جَمِيع أرجائها فمالكها إِذا وَاحِد يملك مَا فِي المملكة كلهَا كَذَلِك المصنوعات المنتشرة فِي أرجاء المملكة لِأَنَّهَا متشابهة تظهر عَلامَة وَاحِدَة وناموسا وَاحِدًا فجميعها إِذا تدل على ذَلِك الْوَاحِد الْمُهَيْمِن على كل شَيْء
فيا صديقي إِن عَلامَة الْوحدَة ظَاهِرَة فِي هَذَا الْعَالم وَآيَة التَّوْحِيد وَاضِحَة بَيِّنَة ذَلِك لِأَن قسما من الْأَشْيَاء رغم أَنه وَاحِد فَهُوَ مَوْجُود فِي الْعَالم كُله وَقسم آخر رغم تعدد أشكاله فَإِنَّهُ يظْهر وحدة نوعية مَعَ أقرانه لتشابهه وانتشاره فِي الأرجاء وَحَيْثُ أَن الْوحدَة تدل على الْوَاحِد كَمَا هُوَ مَعْلُوم لذا يلْزم أَن يكون صانع هَذِه الْأَشْيَاء ومالكها وَاحِدًا أحدا زد على هَذَا فَإنَّك ترى أَنَّهَا تقدم إِلَيْنَا هَدَايَا ثمينة من وَرَاء ستار الْغَيْب فتتدلى مِنْهُ خيوط وحبال تحمل مَا هُوَ أثمن من الماس والزمرد من الآلاء وَالْإِحْسَان
إِذن فَقدر بِنَفْسِك مدى بلاهة من لَا يعرف الَّذِي
стр. 19
يُدِير هَذِه الْأُمُور العجيبة وَيقدم هَذِه الْهَدَايَا البديعة وَيَا تعاسة من لَا يُؤَدِّي شكره عَلَيْهَا إِذْ أَن جَهله بِهِ يرغمه على التفوه بِمَا هُوَ من قبيل الهذيان فَيَقُول مثلا إِن تِلْكَ اللآليء المرصعات تصنع نَفسهَا بِنَفسِهَا أَي يلْزمه جَهله أَن يمنح معنى السُّلْطَان لكل حَبل من تِلْكَ الحبال وَالْحَال أننا نرى أَن يدا غيبية هِيَ الَّتِي تمتد إِلَى تِلْكَ الحبال فتصنعها وتقلدها الْهَدَايَا أَي أَن كل مَا فِي هَذَا الْقصر يدل على صانعه الْمُبْدع دلَالَة أوضح من دلَالَته على نَفسه فَإِن لم تعرفه يَا صَاحِبي حق الْمعرفَة فستهوى إِذن فِي دَرك أحط من الْحَيَوَانَات لِأَنَّك تضطر إِلَى إِنْكَار جَمِيع هَذِه الْأَشْيَاء
الْبُرْهَان التَّاسِع
أَيهَا الصّديق الَّذِي يُطلق أَحْكَامه جزَافا إِنَّك لَا تعرف مَالك هَذَا الْقصر وَلَا ترغب فِي مَعْرفَته فتستبعد أَن يكون لَهُ مَالك وتنساق إِلَى إِنْكَاره لعجز عقلك عَن أَن يستوعب هَذِه المعجزات الباهرة والروائع البديعة مَعَ أَن الاستبعاد الْحَقِيقِيّ والمشكلات العويصة والصعوبات
стр. 20
الجمة فِي منطق الْعقل إِنَّمَا هُوَ فِي عدم معرفَة الْمَالِك وَالَّذِي يُفْضِي بك إِلَى إِنْكَار وجود هَذِه الْموَاد المبذولة لَك بأثمانها الزهيدة ووفرتها الْعَظِيمَة بَيْنَمَا إِذا عَرفْنَاهُ يكون قبُول مَا فِي هَذَا الْقصر وَمَا فِي هَذَا الْعَالم سهلا ومستساغا ومعقولا جدا كَأَنَّهُ شَيْء وَاحِد إِذْ لَو لم نعرفه ولولاه فَكل شَيْء عندئذ يكون صعبا وعسيرا بل لَا ترى شَيْئا مِمَّا هُوَ متوفر ومبذول أمامك فَإِن شِئْت فَانْظُر فَحسب إِلَى علب المربيات المتدلية من هَذَا الْخَيط فَلَو لم تكن من إنتاج مطبخ تِلْكَ الْقُدْرَة المعجزة لما كَانَ باستطاعتك الْحُصُول عَلَيْهَا وَلَو بأثمان باهظة
نعم إِن الاستبعاد والمشكلات والصعوبة والهلاك والمحال إِنَّمَا هُوَ فِي عدم مَعْرفَته لِأَن إِيجَاد ثَمَرَة مثلا يكون صعبا ومشكلا كالشجرة نَفسهَا فِيمَا إِذا ربط كل ثَمَرَة بمراكز مُتعَدِّدَة وقوانين مُخْتَلفَة بَيْنَمَا يكون الْأَمر سهلا مستساغا إِذا مَا كَانَ إِيجَاد الثَّمَرَة بقانون وَاحِد وَمن مَرْكَز وَاحِد مثله فِي هَذَا كَمثل تجهيز الْجَيْش بالعتاد فَإِن كَانَ من مصدر وَاحِد وبقانون وَاحِد وَمن
стр. 21
٤ - معمل وَاحِد فَالْأَمْر سهل ومستساغ عقلا بَيْنَمَا إِذا جهز كل جندي بقانون خَاص وَمن مصدر خَاص وَمن معمل يَخُصُّهُ فَالْأَمْر صَعب ومشكل جدا بل سيحتاج ذَلِك الجندي حِينَئِذٍ إِلَى مصانع عتاد ومراكز تجهيزات وقوانين كَثِيرَة بِعَدَد أَفْرَاد جَيش كَامِل
فعلى غرار هَذَا الْمِثَال فَإِن إِيجَاد هَذِه الْأَشْيَاء فِي هَذَا الْقصر الْعَظِيم وَالْمَدينَة الرائعة وَفِي هَذِه المملكة الراقية والعالم المهيب إِذا مَا أسْند إِلَى وَاحِد أحد فَإِن الْأَمر سهل ومستساغ حَيْثُ يكون مَا نرَاهُ من وفرة الْأَشْيَاء وَكَثْرَتهَا وَاضحا بَيْنَمَا أَن لم يسند الْأَمر إِلَيْهِ يكون إِيجَاد أَي شَيْء عسيرا جدا بل لَا يُمكن إيجاده أصلا حَتَّى لَو أَعْطَيْت الدُّنْيَا كلهَا ثمنا لَهُ
الْبُرْهَان الْعَاشِر
أَيهَا الصّديق وَيَا من يتَقرَّب شَيْئا فَشَيْئًا إِلَى الْإِنْصَاف فها نَحن هُنَا مُنْذُ خَمْسَة عشر يَوْمًا فَإِن لم نَعْرِف أنظمة هَذِه الْبِلَاد وقوانينها وَلم نَعْرِف مليكها
стр. 22
فالعقاب يحِق علينا إِذْ لَا مجَال لنا بعد للاعتذار فَلَقَد أمهلونا طوال هَذِه الْأَيَّام وَلم يتَعَرَّضُوا لنا بِشَيْء إِلَّا أننا لَا شكّ لسنا طلقاء سائبين فَنحْن فِي مملكة رائعة بديعة فِيهَا من الدقة والرقة فِي المصنوعات المتقنة مَا ينم عَن عَظمَة مليكها فَلَا بُد أَن جزاءه شَدِيد أَيْضا وتستطيع أَن تفهم عَظمَة الْمَالِك وَقدرته من هَذَا أَنه ينظم هَذَا الْعَالم الضخم بسهولة تنظيم قصر منيف ويدير أُمُور هَذَا الْعَالم العجيب بيسر إدارة بَيت صَغِير ويملأ هَذِه الْمَدِينَة العامرة بانتظام كَامِل ويخليها من سكانها بحكمة تَامَّة بِمثل سهولة إملاء صحن وإفراغه وَينصب الموائد الفخمة المتنوعة ويعد الْأَطْعِمَة اللذيذة بِكَمَال كرمه بيد غيبية ويفرشها من أقْصَى الْعَالم إِلَى أقصاه ثمَّ يرفعها بسهولة رفع سفرة الطَّعَام ووضعها فَإِن كنت فطنا فستفهم أَن هَذِه العظمة والهيبة لَا بُد أَنَّهَا تنطوي على كرم لَا حد لَهُ وسخاء لَا حُدُود لَهُ
ثمَّ انْظُر كَمَا أَن هَذِه الْأَشْيَاء شاهدة صدق على عَظمَة ذَلِك الْمَالِك الْقَدِير وعَلى هيمنته وعَلى أَنه سُلْطَان وَاحِد
стр. 23
أحد كَذَلِك القوافل المتعاقبة والتحولات المترادفة دَلِيل على دوَام ذَلِك السُّلْطَان وبقائه لِأَن الْأَشْيَاء الزائلة إِنَّمَا تَزُول مَعهَا أَسبَابهَا أَيْضا فالأشياء والأسباب تزولان مَعًا بَيْنَمَا الَّتِي تعقبها تَأتي جَدِيدَة وَلها آثَار كسابقتها فَهِيَ إِذا لَيست من فعل تِلْكَ الْأَسْبَاب بل مِمَّن لَا يطْرَأ عَلَيْهِ الزَّوَال فَكَمَا أَن بَقَاء اللمعان والتألق بعد زَوَال حباب النَّهر الْجَارِي فِي الَّتِي تعقبها من الْحباب يفهمنا أَن هَذَا التألق لَيْسَ من الْحباب الزائلة بل هُوَ من مصدر نور دَائِم كَذَلِك تبدل الْأَفْعَال بالسرعة المذهلة وتلون الَّتِي تعقبها وانصباغها بصفاتها يدلنا على أَن تِلْكَ الْأَفْعَال إِنَّمَا هِيَ تجليات من هُوَ دَائِم لَا يَزُول وقائم لَا يحول والأشياء جَمِيعًا نقوشه ومراياه وصنعته لَيْسَ إِلَّا
الْبُرْهَان الْحَادِي عشر
تعال أَيهَا الصّديق لأبين لَك برهانا يملك من الْقُوَّة مَا للبراهين الْعشْرَة السَّابِقَة دَعْنَا نتأهب لسفرة بحريّة
стр. 24
سنركب سفينة لنذهب إِلَى جَزِيرَة بعيدَة عَنَّا أتعلم لماذا نَذْهَب إِلَيْهَا إِن فِيهَا مَفَاتِيح ألغاز هَذَا الْعَالم ومغاليق أسراره وأعاجيبه أَلا ترى أنظار الْجَمِيع محدقة إِلَيْهَا ينتظرون مِنْهَا بلاغا ويتلقون مِنْهَا الْأَوَامِر فها نَحن نبدأ بالرحلة وَهَا قد وصلنا إِلَيْهَا ووطئت أقدامنا أَرض الجزيرة نَحن الْآن أَمَام حشد عَظِيم من النَّاس وَقد اجْتمع أَشْرَاف المملكة جَمِيعهم هُنَا أمعن النّظر يَا صديقي إِلَى رَئِيس الِاجْتِمَاع المهيب هلا نتقرب إِلَيْهِ قَلِيلا فنعرفه عَن كثب فها هُوَ ذَا متقلد أَو سمة راقية تعد بالآلاف ويتحدث بِكَلَام ملؤه الطّيب والثقة والاطمئنان وَحَيْثُ أَنِّي كنت قد تعلمت شَيْئا مِمَّا يَقُول
стр. 25
خلال خَمْسَة عشر يَوْمًا السَّابِقَة فَسَوف أعلمك إِيَّاه أَنه يتحدث عَن سُلْطَان هَذِه المملكة وَيَقُول أَنه هُوَ الَّذِي أرْسلهُ إِلَيْكُم أنظر أَنه يظْهر خوارق عَجِيبَة ومعجزات باهرة بِحَيْثُ لَا يدع شُبْهَة فِي أَنه مُرْسل خصيصا من لدن السُّلْطَان الْعَظِيم اصغ جيدا إِلَى نطقه وتكلمه فَجَمِيع الْمَخْلُوقَات آذان صاغية لَهُ بل المملكة برمتها تصغي إِلَيْهِ حَيْثُ الْجَمِيع يسعون إِلَى سَماع كَلَامه الطّيب ويتلهفون لرؤية محياه الزَّاهِر أَو تظن أَن الْإِنْسَان وَحده يصغي إِلَيْهِ فَحسب بل الْحَيَوَانَات أَيْضا بل حَتَّى الْجبَال والجمادات تصغي إِلَى أوامره وتهتز من خشيتها وشوقها إِلَيْهِ انْظُر إِلَى الْأَشْجَار كَيفَ تنقاد إِلَى أوامره وَتذهب إِلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ من مَوَاضِع أَنه يفجر المَاء أَيْنَمَا يُرِيد بل حَتَّى من بَين أَصَابِعه فيرتوي النَّاس من ذَلِك المَاء الزلَال انْظُر إِلَى ذَلِك الْمِصْبَاح المتدلي من سقف المملكة إِنَّه ينشق إِلَى شقين اثْنَيْنِ بِمُجَرَّد إِشَارَة مِنْهُ فَكَأَن هَذِه المملكة وَبِمَا فِيهَا تعرفه جيدا وَتعلم يَقِينا أَنه موظف مُرْسل بمهمة من لدن السُّلْطَان
стр. 26
ومبلغ أَمِين لأوامره الجليلة فتراهم ينقادون لَهُ انقياد الجندي الْمُطِيع فَمَا من رَاشد عَاقل مِمَّن حوله إِلَّا وَيَقُول أَنه رَسُول كريم ويصدقونه ويذعنون لكَلَامه لَيْسَ هَذَا فَحسب بل يصدقهُ مَا فِي المملكة من الْجبَال والمصباح الْعَظِيم والجميع يَقُولُونَ بِلِسَان الْحَال نعم نعم إِن كل مَا ينْطق بِهِ صدق وَعدل وصواب
فيا أَيهَا الصّديق الغافل هَل ترى أَنه يُمكن أَن يكون هُنَاكَ أدنى احْتِمَال لكذب أَو خداع فِي كَلَام هَذَا الْكَرِيم حاش لله أَن يكون من ذَلِك شَيْء فِي كَلَامه قطّ وَهُوَ الَّذِي أكْرمه السُّلْطَان بِأَلف من الأنواط والشارات وَهِي عَلَامَات تَصْدِيقه لَهُ وَجَمِيع أَشْرَاف المملكة يصدقونه وَكَلَامه كُله ثِقَة واطمئنان فَهُوَ يبْحَث عَن أَوْصَاف السُّلْطَان المعجز وَعَن أوامره البليغة فَإِن كنت تَجِد فِي نَفسك شَيْئا من احْتِمَال الْكَذِب فَيلْزم عَلَيْك أَن تكذب كل الْجَمَاعَات المصدقة بِهِ بل تنكر وجود الْقصر والمصابيح وتنكر وجود كل شَيْء وَتكذب حقيقتهم وَإِلَّا فهات مَا عنْدك إِن كَانَ لديك شَيْء فالدلائل تتحدى
стр. 27
الْبُرْهَان الثَّانِي عشر
أَيهَا الْأَخ لَعَلَّك استرشدت بِمَا قُلْنَا شَيْئا فَشَيْئًا فسأبين لَك الْآن برهانا أعظم من جَمِيع الْبَرَاهِين السَّابِقَة
انْظُر إِلَى هَذِه الْأَوَامِر السُّلْطَانِيَّة النَّازِلَة من الْأُفق الْأَعْلَى الْجَمِيع يوقرونها وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهَا بإجلال وَإِعْجَاب وَقد وقف ذَلِك الشَّخْص الْكَرِيم المجلل بالأوسمة بِجَانِب تِلْكَ الْأَوَامِر النورانية ويفسر للحشود المجتمعة مَعَاني تِلْكَ الْأَوَامِر انْظُر إِلَى أسلوب الْأَوَامِر أَنه يشع ويسطع حَتَّى يَسُوق الْجَمِيع إِلَى الْإِعْجَاب والتعظيم إِذْ يبْحَث عَن مسَائِل جادة تهم الْجَمِيع بِحَيْثُ لَا يدع أحدا إِلَّا ويصغي إِلَيْهِ أَنه يفصل تَفْصِيلًا كَامِلا شؤون السُّلْطَان وأفعاله وأوامره وأوصافه فَكَمَا أَن على تِلْكَ الْأَوَامِر السُّلْطَانِيَّة طغراء السُّلْطَان نَفسه فَإِن على كل سطر من سطورها أَيْضا شارته بل إِذا أمعنت النّظر فَإِن كل جملَة بل كل حرف فِيهَا عَلَيْهِ خَاتمه الْخَاص فضلا عَن مَعَانِيهَا ومراميها وأوامرها ونواهيها
الْخُلَاصَة أَن تِلْكَ الْأَوَامِر السُّلْطَانِيَّة تدل على ذَلِك الرَّسُول الْكَرِيم كدلالة الضَّوْء على النَّهَار
стр. 28
فيا أَيهَا الصّديق أَظُنك قد عدت إِلَى صوابك وأفقت من نوم الْغَفْلَة فَإِن مَا ذَكرْنَاهُ لَك وبسطناه من براهين لكاف وواف فَإِن بدا لَك شَيْء فاذكره
فَمَا كَانَ من ذَلِك المعاند إِلَّا أَن قَالَ
لَا أَقُول إِلَّا الْحَمد لله لقد آمَنت وصدقت بل آمَنت إِيمَانًا وَاضحا أَبْلَج كَالشَّمْسِ وكالنهار ورضيت بِأَن لهَذِهِ المملكة رَبًّا ذَا كَمَال وَلِهَذَا الْعَالم مولى ذَا جلال وَلِهَذَا الْقصر صانعا ذَا جمال ليرض الله عَنْك يَا صديقي الْحَمِيم فقد أنقذتني من أسار العناد والتعصب الممقوت الَّذِي بلغ بِي حد الْجُنُون والبلاهة وَلَا أكتمك يَا أخي فَإِن مَا سقته من براهين كل وَاحِد مِنْهَا كَانَ برهانا كَافِيا ليوصلني إِلَى هَذِه النتيجة إِلَّا أنني كنت أصغي إِلَيْك لِأَن كل برهَان مِنْهَا قد فتح آفاقا أرحب ونوافذ أسطع إِلَى معرفَة الله وَإِلَى محبته الْخَالِصَة
وَهَكَذَا تمت الْحِكَايَة الَّتِي كَانَت تُشِير إِلَى الْحَقِيقَة الْعُظْمَى للتوحيد وَالْإِيمَان بِاللَّه وسنبين فِي الْمقَام الثَّانِي بِفضل الرَّحْمَن وفيض الْقُرْآن الْكَرِيم وَنور الْإِيمَان مُقَابل مَا جَاءَ من اثْنَي عشر برهانا فِي الْحِكَايَة التمثيلية اثْنَتَيْ عشرَة لمْعَة من لمعات شمس التَّوْحِيد الْحَقِيقِيّ بعد أَن نمهد لَهَا بمقدمة نسْأَل الله التَّوْفِيق وَالْهِدَايَة
стр. 29
الْمقَام الثَّانِي
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الله خَالق كل شَيْء وَهُوَ على كل شَيْء وَكيل لَهُ مقاليد السَّمَوَات وَالْأَرْض فسبحان الَّذِي بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء وَإِلَيْهِ ترجعون وَإِن من شَيْء إِلَّا عندنَا خزائنه وَمَا ننزله إِلَّا بِقدر مَعْلُوم ﴿مَا من دَابَّة إِلَّا هُوَ آخذ بناصيتها إِن رَبِّي على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾
стр. 30
الْمُقدمَة
لقد بَينا إِجْمَالا فِي رِسَالَة قَطْرَة قطب أَرْكَان الْأَيْمَان وَهُوَ الْإِيمَان بِاللَّه وأثبتنا أَن كل مَوْجُود من الموجودات يدل على وجوب وجود الله سُبْحَانَهُ وَيشْهد على وحدانيته بِخَمْسَة وَخمسين لِسَانا وَذكرنَا كَذَلِك فِي رِسَالَة نقطة أَرْبَعَة براهين كُلية على وجوب وجوده سُبْحَانَهُ ووحدانيته كل برهَان مِنْهَا بِقُوَّة
стр. 31
ألف برهَان كَمَا ذكرنَا مئات من الْبَرَاهِين القاطعة الَّتِي تبين وجوب وجوده سُبْحَانَهُ ووحدانيت هـ فِيمَا يقرب من اثْنَتَيْ عشرَة رِسَالَة باللغة الْعَرَبيَّة لذا نكتفي بِمَا سبق وَلَا ندخل فِي تفاصيل دقيقة إِلَّا أننا نسعى فِي هَذِه الْكَلِمَة الثَّانِيَة وَالْعِشْرين إِلَى إِظْهَار اثْنَتَيْ عشرَة لمْعَة من شمس الْإِيمَان بِاللَّه تِلْكَ الَّتِي ذكرتها إِجْمَالا فِي رسائل النُّور
стр. 32
اللمْعَة الأولى التَّوْحِيد الْعَاميّ والحقيقي
التَّوْحِيد توحيدان لنوضح ذَلِك بمثال
إِذا وَردت إِلَى سوق أَو إِلَى مَدِينَة بضائع مُخْتَلفَة وأموال متنوعة لشخص عَظِيم فَهَذِهِ الْأَمْوَال تعرف ملكيتها بشكلين اثْنَيْنِ
الأول شكل إجمالي عَامي أَي لَدَى الْعَامَّة من النَّاس وَهُوَ أَن مثل هَذِه الْأَمْوَال الطائلة لَيْسَ بمقدور أحد غَيره أَن يمتلكها وَلَكِن ضمن نظرة الشَّخْص الْعَاميّ هَذِه يحدث اغتصاب فيدعي الكثيرون امتلاك قطعهَا
الثَّانِي أَن تقْرَأ الْكِتَابَة الْمَوْجُودَة على كل رزمة من رزم البضاعة وتعرف الطغراء الْمَوْجُودَة على كل طول وَيعلم الْخَتْم الْمَوْجُود على كل معلم أَي أَن كل شَيْء فِي هَذِه الْحَالة يدل ضمنا على ذَلِك الْمَالِك
стр. 33
فَكَمَا أَن البضاعة يعرف مَالِكهَا بشكلين كَذَلِك التَّوْحِيد فَأَنَّهُ على نَوْعَيْنِ
الأول التَّوْحِيد الظَّاهِرِيّ الْعَاميّ وَهُوَ أَن الله وَاحِد لَا شريك لَهُ وَلَا مثيل وَهَذَا الْكَوْن كُله ملكه
الثَّانِي التَّوْحِيد الْحَقِيقِيّ وَهُوَ الْإِيمَان بِيَقِين أقرب مَا يكون إِلَى الشُّهُود بوحدانيته سُبْحَانَهُ وبصدور كل شَيْء من يَد قدرته وَبِأَنَّهُ لَا شريك لَهُ فِي ألوهيته وَلَا معِين لَهُ فِي ربوبيته وَلَا ند لَهُ فِي ملكه إِيمَانًا يهب لصَاحبه الاطمئنان الدَّائِم وسكينة الْقلب لرُؤْيَته آيَة قدرته وَختم ربوبيته وَنقش قلمه على كل شَيْء فينفتح شباك نَافِذ من كل شَيْء إِلَى نوره سُبْحَانَهُ
وَسَنذكر فِي هَذِه الْكَلِمَة شعاعات تبين ذَلِك التَّوْحِيد الْحَقِيقِيّ الْخَالِص السَّامِي
تَنْبِيه ضمن اللمْعَة الأولى
أَيهَا الغافل الغارق فِي عبَادَة الْأَسْبَاب اعْلَم أَن الْأَسْبَاب لَيست إِلَّا ستائر أَمَام تصرف الْقُدْرَة الإلهية لِأَن الْعِزَّة وَالْعَظَمَة تقتضيان الْحجاب أما الْفَاعِل الْحَقِيقِيّ فَهُوَ الْقُدْرَة الصمدانية لِأَن التَّوْحِيد والجلال
стр. 34
يتطلبان هَذَا ويقتضيان الِاسْتِقْلَال وَاعْلَم أَن مأموري السُّلْطَان الأزلي وموظفيه لَيْسُوا هم منفذين حقيقيين لأمور سلطنة الربوبية بل هم دالون على تِلْكَ العظمة وَالسُّلْطَان والداعون إِلَيْهَا ومشاهدوها المعجبون فَمَا وجدوا إِلَّا لأظهار عزة الْقُدْرَة الربانية وهيبتها وعظمتها وَذَلِكَ لِئَلَّا تظهر مُبَاشرَة يَد الْقُدْرَة فِي أُمُور جزئية خسيسة لَا يدْرك نظر أَكثر الغافلين حسنها وَلَا يعرف حكمتها فيشتكي بِغَيْر حق ويعترض بغر علم وهم لَيْسُوا كموظفي السُّلْطَان البشري الَّذِي لم يعينهم وَلم يشركهم فِي سلطته إِلَّا نتيجة عَجزه وَحَاجته فالأسباب إِذا إِنَّمَا وضعت لتبقى عزة الْقُدْرَة مصونة من نظر الْعقل الظَّاهِرِيّ إِذْ أَن لكل شَيْء جِهَتَيْنِ كوجهي الْمرْآة إِحْدَاهمَا جِهَة الْملك الشبيهة بِالْوَجْهِ المطلي الملون للمرآة الَّذِي يكون مَوضِع الألوان والحالات الْمُخْتَلفَة وَالْأُخْرَى جِهَة الملكوت الشبيهة بِالْوَجْهِ الصَّقِيل للمرآة فَفِي الْوَجْه الظَّاهِر أَي جِهَة الْملك هُنَاكَ حالات مُنَافِيَة ظَاهرا لعزة الْقُدْرَة الصمدانية وكمالها فَوضعت الْأَسْبَاب كي تكون مرجعا لتِلْك الْحَالَات ووسائل لَهَا أما جِهَة الملكوت والحقيقة فَكل شَيْء فِيهَا شفاف وَجَمِيل وملائم لمباشرة يَد الْقُدْرَة
стр. 35
لَهَا بذاتها وَلَيْسَ منافيا لعزتها لذا فالأسباب ظاهرية بحتة وَلَيْسَ لَهَا التَّأْثِير الْحَقِيقِيّ فِي الملكوتية أَو فِي حَقِيقَة الْأَمر
وَهُنَاكَ حِكْمَة أُخْرَى للأسباب الظَّاهِرِيَّة وَهِي
عدم تَوْجِيه الشكاوي الجائرة والاعتراضات الْبَاطِلَة إِلَى الْعَادِل الْمُطلق جلّ وَعلا أَي وضعت الْأَسْبَاب لتَكون هدفا لتِلْك الاعتراضات وَتلك الشكاوي لِأَن التَّقْصِير صادر مِنْهَا وناشىء من افتقار قابليتها
وَلَقَد رُوِيَ لبَيَان هَذَا السِّرّ مِثَال لطيف ومحاروة معنوية هِيَ
إِن عزرائيل ﵇ قَالَ لرب الْعِزَّة
إِن عِبَادك سَوف يشتكون مني ويسخطون عَليّ عِنْد أدائي لوظيفة قبض الْأَرْوَاح فَقَالَ الله لَهُ بِلِسَان الْحِكْمَة
سأضع بَيْنك وَبَين عبَادي ستائر المصائب والأمراض لتتوجه شكاواهم إِلَى تِلْكَ الْأَسْبَاب
وَهَكَذَا تَأمل كَمَا أَن الْأَمْرَاض ستائر يرجع إِلَيْهَا مَا يتَوَهَّم من مساويء فِي الْأَجَل وكما أَن الْجمال الْمَوْجُود فِي قبض الْأَرْوَاح وَهُوَ الْحَقِيقَة يعود إِلَى
стр. 36
وَظِيفَة عزرائيل ﵇ فَإِن عزرائيل ﵇ هُوَ الآخر ستار فَهُوَ ستار لأَدَاء تِلْكَ الْوَظِيفَة وحجاب للقدرة الإلهية إِذْ أصبح مرجعا لحالات تبدو ظَاهرا أَنَّهَا غير ذَات رَحْمَة وَلَا تلِيق بِكَمَال الْقُدْرَة الربانية
نعم إِن الْعِزَّة وَالْعَظَمَة تستدعيان وضع الْأَسْبَاب الظَّاهِرِيَّة أَمَام نظر الْعقل إِلَّا أَن التَّوْحِيد والجلال يردان أَيدي الْأَسْبَاب عَن التَّأْثِير الْحَقِيقِيّ
стр. 37
اللمْعَة الثَّانِيَة اختام الْخَالِق على الْحَيَاة
تَأمل فِي بُسْتَان هَذِه الكائنات وَانْظُر إِلَى جنان هَذِه الأَرْض وأنعم النّظر فِي الْوَجْه الْجَمِيل لهَذِهِ السَّمَاء المتلألئة النُّجُوم تَرَ أَن للصانع الْجَلِيل ﷻ ختما خَاصّا بِمن هُوَ صانع كل شَيْء على كل مَصْنُوع من مصنوعاته وعلامة خَاصَّة بِمن هُوَ خَالق كل شَيْء على كل مَخْلُوق من مخلوقاته وَآيَة لَا تقلد خَاصَّة بسُلْطَان الْأَزَل والأبد على كل منشور من مكتوبات قلم قدرته على صَحَائِف اللَّيْل وَالنَّهَار وصفحات الصَّيف وَالربيع
سنذكر من تِلْكَ الأختام والعلامات بضعا مِنْهَا نموذجا لَيْسَ إِلَّا انْظُر مِمَّا لَا يُحْصى من علاماته إِلَى هَذِه الْعَلامَة الَّتِي وَضعهَا على الْحَيَاة
إِنَّه يخلق من شَيْء وَاحِد كل شَيْء ويخلق من كل شَيْء شَيْئا وَاحِدًا فَمن مَاء النُّطْفَة بل من مَاء الشّرْب يخلق مَا لَا يعد من أجهزة الْحَيَوَان وأعضائه فَهَذَا الْعَمَل لَا محَال خَاص بقدير مُطلق الْقُدْرَة
стр. 38
ثمَّ إِن تَحْويل الْأَطْعِمَة المتنوعة سَوَاء الحيوانية أَو النباتية إِلَى جسم خَاص بنظام كَامِل دَقِيق ونسج جلد خَاص للكائن وأجهزة مُعينَة من تِلْكَ الْموَاد المتعددة لَا شكّ أَنه من عمل قدير على كل شَيْء وَعَلِيم مُطلق الْعلم
نعم أَن خَالق الْمَوْت والحياة يُدِير الْحَيَاة فِي هَذِه الدُّنْيَا إدارة حكيمة بقانون أَمْرِي معجز بِحَيْثُ لَا يُمكن أَن يطبق ذَلِك القانون وينفذه إِلَّا من يصرف جَمِيع الْكَوْن فِي قَبضته
وَهَكَذَا إِن لم تنطفىء جذوة عقلك وَلم تفقد بَصِيرَة قَلْبك فستفهم إِن جعل الشَّيْء الْوَاحِد كل شَيْء بسهولة مُطلقَة وانتظام كَامِل وَجعل كل شَيْء شَيْئا وَاحِدًا بميزان دَقِيق وانتظام رائع وبمهارة وإبداع لَيْسَ إِلَّا عَلامَة وَاضِحَة وَآيَة بَيِّنَة لخالق كل شَيْء وصانعه
فَلَو رَأَيْت مثلا أَن أحدا يملك أعمالا خارقة ينسج من وزن دِرْهَم من الْقطن مئة طول من الصُّوف الْخَالِص وأطوالا من الْحَرِير وأنواعا من الأقمشة وَرَأَيْت أَنه يخرج علاوة على ذَلِك من ذَلِك الْقطن حلويات لذيذة وأطعمة متنوعة كَثِيرَة ثمَّ رَأَيْت أَنه يَأْخُذ
стр. 39
فِي قَبضته الْحَدِيد وَالْحجر وَالْعَسَل والدهن وَالْمَاء وَالتُّرَاب فيصنع مِنْهَا الذَّهَب الْخَالِص فستحكم حتما أَنه يملك مهارة معْجزَة تخصه وقدرة مهيمنة على التَّصَرُّف فِي الموجودات بِحَيْثُ أَن جَمِيع عناصر الأَرْض مسخرة بأَمْره وَجَمِيع مَا يتَوَلَّد من التُّرَاب منفذ لحكمه فَإِن تعجب من هَذَا فَإِن تجلي الْقُدْرَة الإلهية وحكمتها فِي الْحَيَاة لَهو أعجب من هَذَا الْمِثَال بِأَلف مرّة فاليك عَلامَة وَاحِدَة من عَلَامَات عديدة مَوْضُوعَة على الْحَيَاة
стр. 40
اللمْعَة الثَّالِثَة اختام ربانية على ذَوي الْحَيَاة
أنظر إِلَى ذَوي الْحَيَاة المتجولة فِي خضم هَذِه الكائنات السيالة وَبَين هَذِه الموجودات السيارة تَرَ أَن على كل كَائِن حَيّ أختاما كَثِيرَة وَضعهَا الْحَيّ القيوم أنظر إِلَى ختم وَاحِد مِنْهَا
أَن ذَلِك الْكَائِن الْحَيّ وَليكن هَذَا الْإِنْسَان كَأَنَّهُ مِثَال مصغر للكون وَثَمَرَة لشَجَرَة الْخلقَة ونواة لهَذَا الْعَالم حَيْثُ أَنه جَامع لمعظم نماذج أَنْوَاع العوالم وَكَأن ذَلِك الْكَائِن الْحَيّ قَطْرَة محلوبة من الْكَوْن كُله مستخلصة بموازين علمية حساسة لذا يلْزم لخلق هَذَا الْكَائِن الْحَيّ وتربيته ورعايته أَن يكون الْكَوْن قاطبة فِي قَبْضَة الْخَالِق وَتَحْت تصرفه فَإِن لم يكن عقلك غارقا فِي الأوهام فستفهم أَن جعل النحلة الَّتِي تمثل كلمة من كَلِمَات الْقُدْرَة الربانية بِمَثَابَة فهرس مصغر لكثير من الْأَشْيَاء وَكِتَابَة أغلب مسَائِل كتاب الْكَوْن فِي كيان الْإِنْسَان الَّذِي يمثل صحيفَة من قدرته سُبْحَانَهُ
следующие страницы →