← Акыда

Акыда · id 6472

حقيقة التوحيد

بديع الزمان النورسي

Полный текст (160 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وَظِيفَة عزرائيل ﵇ فَإِن عزرائيل ﵇ هُوَ الآخر ستار فَهُوَ ستار لأَدَاء تِلْكَ الْوَظِيفَة وحجاب للقدرة الإلهية إِذْ أصبح مرجعا لحالات تبدو ظَاهرا أَنَّهَا غير ذَات رَحْمَة وَلَا تلِيق بِكَمَال الْقُدْرَة الربانية نعم إِن الْعِزَّة وَالْعَظَمَة تستدعيان وضع الْأَسْبَاب الظَّاهِرِيَّة أَمَام نظر الْعقل إِلَّا أَن التَّوْحِيد والجلال يردان أَيدي الْأَسْبَاب عَن التَّأْثِير الْحَقِيقِيّ

стр. 37

اللمْعَة الثَّانِيَة اختام الْخَالِق على الْحَيَاة تَأمل فِي بُسْتَان هَذِه الكائنات وَانْظُر إِلَى جنان هَذِه الأَرْض وأنعم النّظر فِي الْوَجْه الْجَمِيل لهَذِهِ السَّمَاء المتلألئة النُّجُوم تَرَ أَن للصانع الْجَلِيل ﷻ ختما خَاصّا بِمن هُوَ صانع كل شَيْء على كل مَصْنُوع من مصنوعاته وعلامة خَاصَّة بِمن هُوَ خَالق كل شَيْء على كل مَخْلُوق من مخلوقاته وَآيَة لَا تقلد خَاصَّة بسُلْطَان الْأَزَل والأبد على كل منشور من مكتوبات قلم قدرته على صَحَائِف اللَّيْل وَالنَّهَار وصفحات الصَّيف وَالربيع سنذكر من تِلْكَ الأختام والعلامات بضعا مِنْهَا نموذجا لَيْسَ إِلَّا انْظُر مِمَّا لَا يُحْصى من علاماته إِلَى هَذِه الْعَلامَة الَّتِي وَضعهَا على الْحَيَاة إِنَّه يخلق من شَيْء وَاحِد كل شَيْء ويخلق من كل شَيْء شَيْئا وَاحِدًا فَمن مَاء النُّطْفَة بل من مَاء الشّرْب يخلق مَا لَا يعد من أجهزة الْحَيَوَان وأعضائه فَهَذَا الْعَمَل لَا محَال خَاص بقدير مُطلق الْقُدْرَة

стр. 38

ثمَّ إِن تَحْويل الْأَطْعِمَة المتنوعة سَوَاء الحيوانية أَو النباتية إِلَى جسم خَاص بنظام كَامِل دَقِيق ونسج جلد خَاص للكائن وأجهزة مُعينَة من تِلْكَ الْموَاد المتعددة لَا شكّ أَنه من عمل قدير على كل شَيْء وَعَلِيم مُطلق الْعلم نعم أَن خَالق الْمَوْت والحياة يُدِير الْحَيَاة فِي هَذِه الدُّنْيَا إدارة حكيمة بقانون أَمْرِي معجز بِحَيْثُ لَا يُمكن أَن يطبق ذَلِك القانون وينفذه إِلَّا من يصرف جَمِيع الْكَوْن فِي قَبضته وَهَكَذَا إِن لم تنطفىء جذوة عقلك وَلم تفقد بَصِيرَة قَلْبك فستفهم إِن جعل الشَّيْء الْوَاحِد كل شَيْء بسهولة مُطلقَة وانتظام كَامِل وَجعل كل شَيْء شَيْئا وَاحِدًا بميزان دَقِيق وانتظام رائع وبمهارة وإبداع لَيْسَ إِلَّا عَلامَة وَاضِحَة وَآيَة بَيِّنَة لخالق كل شَيْء وصانعه فَلَو رَأَيْت مثلا أَن أحدا يملك أعمالا خارقة ينسج من وزن دِرْهَم من الْقطن مئة طول من الصُّوف الْخَالِص وأطوالا من الْحَرِير وأنواعا من الأقمشة وَرَأَيْت أَنه يخرج علاوة على ذَلِك من ذَلِك الْقطن حلويات لذيذة وأطعمة متنوعة كَثِيرَة ثمَّ رَأَيْت أَنه يَأْخُذ

стр. 39

فِي قَبضته الْحَدِيد وَالْحجر وَالْعَسَل والدهن وَالْمَاء وَالتُّرَاب فيصنع مِنْهَا الذَّهَب الْخَالِص فستحكم حتما أَنه يملك مهارة معْجزَة تخصه وقدرة مهيمنة على التَّصَرُّف فِي الموجودات بِحَيْثُ أَن جَمِيع عناصر الأَرْض مسخرة بأَمْره وَجَمِيع مَا يتَوَلَّد من التُّرَاب منفذ لحكمه فَإِن تعجب من هَذَا فَإِن تجلي الْقُدْرَة الإلهية وحكمتها فِي الْحَيَاة لَهو أعجب من هَذَا الْمِثَال بِأَلف مرّة فاليك عَلامَة وَاحِدَة من عَلَامَات عديدة مَوْضُوعَة على الْحَيَاة

стр. 40

اللمْعَة الثَّالِثَة اختام ربانية على ذَوي الْحَيَاة أنظر إِلَى ذَوي الْحَيَاة المتجولة فِي خضم هَذِه الكائنات السيالة وَبَين هَذِه الموجودات السيارة تَرَ أَن على كل كَائِن حَيّ أختاما كَثِيرَة وَضعهَا الْحَيّ القيوم أنظر إِلَى ختم وَاحِد مِنْهَا أَن ذَلِك الْكَائِن الْحَيّ وَليكن هَذَا الْإِنْسَان كَأَنَّهُ مِثَال مصغر للكون وَثَمَرَة لشَجَرَة الْخلقَة ونواة لهَذَا الْعَالم حَيْثُ أَنه جَامع لمعظم نماذج أَنْوَاع العوالم وَكَأن ذَلِك الْكَائِن الْحَيّ قَطْرَة محلوبة من الْكَوْن كُله مستخلصة بموازين علمية حساسة لذا يلْزم لخلق هَذَا الْكَائِن الْحَيّ وتربيته ورعايته أَن يكون الْكَوْن قاطبة فِي قَبْضَة الْخَالِق وَتَحْت تصرفه فَإِن لم يكن عقلك غارقا فِي الأوهام فستفهم أَن جعل النحلة الَّتِي تمثل كلمة من كَلِمَات الْقُدْرَة الربانية بِمَثَابَة فهرس مصغر لكثير من الْأَشْيَاء وَكِتَابَة أغلب مسَائِل كتاب الْكَوْن فِي كيان الْإِنْسَان الَّذِي يمثل صحيفَة من قدرته سُبْحَانَهُ

стр. 41

وإدراج منهاج شَجَرَة التِّين الضخمة فِي بذيراتها الَّتِي تمثل نقطة فِي كتاب الْقُدْرَة وإراءة آثَار الْأَسْمَاء الْحسنى المحيطة المتجلية على صفحات هَذَا الْكَوْن الْعَظِيم فِي قلب الْإِنْسَان الَّذِي يمثل حرفا وَاحِدًا من ذَلِك الْكتاب وإملاء مَا تضمه مكتبة ضخمة من مفصل حَيَاة الْإِنْسَان فِي ذاكرته المتناهية فِي الصغر كل ذَلِك دون شكّ ختم يخص بِمن هُوَ خَالق كل شَيْء وَرب الْعَالمين فلئن أظهر ختم وَاحِد من بَين أختام ربانية كَثِيرَة على ذَوي الْحَيَاة نوره باهرا حَتَّى استقرأ آيَاته قِرَاءَة وَاضِحَة فَكيف إِذا اسْتَطَعْت أَن تنظر إِلَى جَمِيع ذَوي الْحَيَاة وتشاهد تِلْكَ الأختام مَعًا وَإِن ترَاهَا دفْعَة وَاحِدَة أما تَقول سُبْحَانَ من اختفى بِشدَّة ظُهُوره

стр. 42

اللمْعَة الرَّابِعَة منح الْحَيَاة آيَة جلية انْظُر إِلَى هَذِه الموجودات الملونة الزاهية المبثوثة على وَجه الأَرْض وَإِلَى هَذِه المصنوعات المتنوعة السابحة فِي بَحر السَّمَاوَات تَأمل فِيهَا مَلِيًّا تَرَ أَن على كل مَوْجُود مِنْهَا طغراء لَا تقلد للمنور الأزلي جلّ وَعلا فَكَمَا تشاهد على الْحَيَاة آيَاته وشاراته وعَلى ذَوي الْحَيَاة أختامه وَقد رَأينَا بَعْضًا مِنْهَا فعلى الْإِحْيَاء أَي منح الْحَيَاة آيَات وشارات أَيْضا سننظر إِلَى حَقِيقَتهَا بمثال إِذْ الْمِثَال يقرب الْمعَانِي العميقة للأفهام أَنه يُشَاهد على كل من السيارات السابحة فِي الفضاء وقطرات المَاء وَقطع الزّجاج الصَّغِيرَة وبلورات الثَّلج البراقة طغراء لصورة الشَّمْس وَختم لانعكاسها وَأثر نوراني خَاص بهَا فَإِن لم تقبل أَن تِلْكَ الشميسات المشرقة على الْأَشْيَاء غير المحدودة هِيَ انعكاسات نور الشَّمْس وتجليها فستضطر إِذا أَن تقبل بِوُجُود شمس بِالْأَصَالَةِ فِي كل قَطْرَة وَفِي كل قِطْعَة زجاج

стр. 43

معرضة للضوء وَفِي كل ذرة شفافة تقَابل الضَّوْء مِمَّا يلْزم ترديك فِي مُنْتَهى البلاهة ومنتهى الْجُنُون وَهَكَذَا فَإِن لله وَهُوَ نور السَّمَوَات وَالْأَرْض تجليات نورانية من حَيْثُ الْإِحْيَاء وإفاضة الْحَيَاة فَهُوَ آيَة جلية وطغراء وَاضِحَة يَضَعهَا سُبْحَانَهُ على كل ذِي حَيَاة بِحَيْثُ لَو اجْتمعت جَمِيع الْأَسْبَاب وَأصْبح كل سَبَب فَاعِلا مُخْتَارًا فرضا فَلَنْ تَسْتَطِيع منح حَيَاة لموجود أَي أَنَّهَا تعجز عَجزا مُطلقًا عَن أَن تقلد شَيْئا الْخَتْم الرباني فِي الْأَحْيَاء ذَلِك لِأَن كل ذِي حَيَاة هُوَ بِحَدّ ذَاته معْجزَة من معجزات الْقُدْرَة الإلهية إِذْ هُوَ على صُورَة نقطة مركزية كالبؤرة لتجليات الْأَسْمَاء الْحسنى الَّتِي كل مِنْهَا بِمَثَابَة شُعَاع من نوره سُبْحَانَهُ فَلَو لم يسند مَا يُشَاهِدهُ على الْكَائِن الْحَيّ من صَنْعَة بديعة فِي الصُّورَة وَحِكْمَة بَالِغَة فِي النظام وتجل باهر لسر الأحدية إِلَى الْأَحَد الصَّمد ﷻ للَزِمَ قبُول قدرَة فاطرة مُطلقَة غير متناهية مستترة فِي كل ذِي حَيَاة وَوُجُود علم مُحِيط وَاسع فِيهِ مَعَ إِرَادَة مُطلقَة قادرة على إدارة الْكَوْن بل يجب قبُول وجود بَقِيَّة الصِّفَات الَّتِي تخص الْخَالِق سُبْحَانَهُ فِي ذَلِك الْكَائِن حَتَّى لَو كَانَ الْكَائِن الْحَيّ ذُبَابَة أَو زهرَة أَي إِعْطَاء صِفَات

стр. 44

الألوهية إِلَى كل ذرة من ذرات أَي كَائِن أَي قبُول افتراضات محَالة من أَمْثَال هَذِه الافتراضات الَّتِي توجب السُّقُوط إِلَى أدنى بلاهات الضَّلَالَة وحماقات الخرافة ذَلِك لِأَنَّهُ قد أعْطى لذرات كل شَيْء لَا سِيمَا إِذا كَانَت من البذرة والنواة وضعا معينا كَأَن تِلْكَ الذّرة تنظر إِلَى ذَلِك الْكَائِن الْحَيّ كُله رغم أَنَّهَا جُزْء مِنْهُ وتتخذ موقفا معينا وفْق نظامه بل تتَّخذ هَيْئَة خَاصَّة بِمَا يُفِيد دوَام ذَلِك النَّوْع وانتشاره وَنصب رايته فِي كل مَكَان وَكَأَنَّهَا تتطلع إِلَى جَمِيع أَنْوَاع ذَلِك الْكَائِن فِي الأَرْض فتزود البذرة مثلا بِمَا يشبه جنيحات لأجل الطيران والانتشار ويتخذ ذَلِك الْكَائِن الْحَيّ موقفا يتَعَلَّق بِجَمِيعِ موجودات الأَرْض الَّتِي يحتاجها لأدامة حَيَاته وتربيته ورزقه ومعاملاته فَإِن لم تكن تِلْكَ الذّرة مأمورة من لدن قدير مُطلق الْقُدْرَة وَقطعت نسبتها من ذَلِك الْقَدِير الْمُطلق لزم أَن يعْطى لَهَا بصر تبصر بِهِ جَمِيع الْأَشْيَاء وشعور يُحِيط بِكُل شَيْء حَاصِل الْكَلَام كَمَا أَنه لَو لم تسند صور الشميسات المشرقة وانعكاسات الألوان الْمُخْتَلفَة فِي القطرات وَقطع الزّجاج إِلَى ضوء الشَّمْس يَنْبَغِي عندئذ قبُول شموس لَا

стр. 45

تحصى بَدَلا من شمس وَاحِدَة مِمَّا يَقْتَضِي التَّسْلِيم بخرافة محَالة كَذَلِك لَو لم يسند خلق كل شَيْء إِلَى الْقَدِير الْمُطلق للَزِمَ قبُول آلِهَة غير متناهية بل بِعَدَد ذرات الْكَوْن بَدَلا من الله الْوَاحِد الْأَحَد سُبْحَانَهُ أَي قبُول محَال بِدَرَجَة مائَة محَال أَي يَنْبَغِي السُّقُوط إِلَى هذيان الْجُنُون نخلص من هَذَا أَن هُنَاكَ من كل ذرة ثَلَاثَة شبابيك نَافِذَة مفتحة إِلَى نور وحدانية الله ﷻ وَإِلَى وجوب وجوده النافذة الأولى إِن كل ذرة كالجندي الَّذِي لَهُ علاقَة مَعَ كل دَائِرَة من الدَّوَائِر العسكرية أَي مَعَ رهطه وسريته وفوجه ولوائه وفرقته وجيشه وَله حسب تِلْكَ العلاقة وَظِيفَة هُنَاكَ وَله حسب تِلْكَ الْوَظِيفَة حَرَكَة خَاصَّة ضمن نطاق نظامها فالذرة الجامدة الصَّغِيرَة جدا الَّتِي هِيَ فِي بؤبؤ عَيْنك لَهَا علاقَة مُعينَة ووظيفة خَاصَّة فِي عَيْنك ورأسك وجسمك وَفِي القوى المولدة والجاذبة والدافعة والمصورة وَفِي الأوردة والشرايين والأعصاب بل لَهَا علاقَة حَتَّى مَعَ نوع الْإِنْسَان

стр. 46

فوجود هَذِه العلاقات والوظائف للذرة يدل بداهة لِذَوي البصائر على أَن الذّرة إِنَّمَا هِيَ أثر من صنع الْقَدِير الْمُطلق وَهِي مأمورة موظفة تَحت تصرفه النافذة الثَّانِيَة إِن كل ذرة من ذرات الْهَوَاء تَسْتَطِيع أَن تزور أَيَّة زهرَة أَو ثَمَرَة كَانَت وتتمكن من الدُّخُول وَالْعَمَل فِيهَا فَلَو لم تكن الذّرة مأمورة مسخرة من لدن الْقَدِير الْمُطلق الْبَصِير بِكُل شَيْء للَزِمَ أَن تكون تِلْكَ الذّرة التائهة عَالِمَة بِجَمِيعِ أجهزة الأثمار والأزهار وبكيفيات بنائها ومدركة بصنعتها الدقيقة المتباينة ونسج وتفصيل مَا قد عَلَيْهَا من صور وأشكال ومتقنة بصناعة نسيجها إتقانا تَاما وَهَكَذَا تشع هَذِه الذّرة شعاعا من شعاعات نور التَّوْحِيد كَالشَّمْسِ وَاضِحَة وَقس الضَّوْء على الْهَوَاء وَالْمَاء على التُّرَاب وَقس مَا فِي الْعُلُوم الْحَاضِرَة من مولد المَاء ومولد الحموضة الأوكسجين والهيدروجين والآزوت والكاربون على تِلْكَ العناصر الْمَذْكُورَة

стр. 47

النافذة الثَّالِثَة يُمكن أَن تكون كتلة من التُّرَاب الْمركب من ذرات دقيقة منشأ ومصدرا لنمو أَي نَبَات من النباتات المزهرة والمثمرة الْمَوْجُودَة فِي الأَرْض كَافَّة فِيمَا لَو وضعت فِيهَا بذيراتها الدقيقة تِلْكَ البذيرات المتشابهة كالنطف والمركبة من كربون وآزوت وأوكسجين وهيدروجين فَهِيَ متماثلة مَاهِيَّة رغم أَنَّهَا مُخْتَلفَة نوعية حَيْثُ أودع فِيهَا بقلم الْقدر برنامج أَصْلهَا الَّذِي هُوَ معنوي بحت فَإِذا مَا وَضعنَا بالتعاقب تِلْكَ البذور فِي سندانة فستنمو كل بذرة بِلَا ريب بشكل يبرز أجهزتها الخارقة وأشكالها الْخَاصَّة وتراكيبها الْمعينَة فَلَو لم تكن كل ذرة من ذرات التُّرَاب مأمورة وموظفة ومتأهبة للْعَمَل تَحت إمرة عليم بأوضاع كل شَيْء وأحواله وقدير على إِعْطَاء كل شَيْء وجودا يَلِيق بِهِ ويديمه أَي لَو لم يكن كل شَيْء مسخرا أَمَام قدرته سُبْحَانَهُ للَزِمَ أَن تكون فِي كل ذرة من ذرات التُّرَاب مصانع ومكائن ومطابع معنوية بِعَدَد النباتات كي تصبح منشأ لتِلْك النباتات ذَات الأجهزة المتباينة والأشكال الْمُخْتَلفَة أَو يجب إِسْنَاد علم يُحِيط بِجَمِيعِ الموجودات إِلَى كل ذرة وقدرة تقدر على الْقيام بِعَمَل جَمِيع الأجهزة والأشكال فِيهَا كي تكون مصدرا لجميعها

стр. 48

أَي أَنه إِذا مَا انْقَطع الانتساب إِلَى الله يَنْبَغِي قبُول وجود آلِهَة بِعَدَد ذرات التُّرَاب وَهَذِه خرافة مستحيلة فِي ألف محَال ومحال بَيْنَمَا الْأَمر يكون مستساغا عقلا وسهلا ومقبولا عِنْدَمَا تصبح كل ذرة مأمورة إِذْ كَمَا أَن جنديا إعتياديا لَدَى سُلْطَان عَظِيم يَسْتَطِيع باسم السُّلْطَان واستنادا إِلَى قوته أَن يقوم بتهجير مَدِينَة عامرة من أَهلهَا أَو يصل بَين بحرين واسعين أَو يأسر قائدا عَظِيما كَذَلِك تَسْتَطِيع بعوضة صَغِيرَة أَن تطرح نمرودا عَظِيما على الأَرْض وتستطيع نملة بسيطة أَن تدمر صرح فِرْعَوْن وتستطيع بذرة تين صَغِيرَة جدا أَن تحمل شَجَرَة التِّين الضخمة على ظهرهَا كل ذَلِك بِأَمْر سُلْطَان الْأَزَل والأبد وبفضل ذَلِك الانتساب وكما رَأينَا فِي كل ذرة هَذِه النوافذ الثَّلَاث المفتحة على نور التَّوْحِيد فَفِيهَا أَيْضا شَاهِدَانِ صادقان آخرَانِ على وجود الصَّانِع وعَلى وحدانيته أَولهمَا هُوَ حمل الذّرة على كاهلها وظائف عَظِيمَة جدا ومتنوعة جدا مَعَ عجزها الْمُطلق

стр. 49

وَالْآخر هُوَ توَافق حركاتها بانتظام تَامّ وتناسقها مَعَ النظام الْعَام حَتَّى تبدو وَكَأن فِيهَا شعورا عَاما كليا مَعَ أَنَّهَا جماد أَي أَن كل ذرة تشهد بِلِسَان عجزها على وجود الْقَدِير الْمُطلق وَتشهد بإظهارها الانسجام التَّام مَعَ نظام الْكَوْن الْعَام على وحدانية الْخَالِق وكما أَن فِي كل ذرة هُنَاكَ شَاهِدين على أَن الله وَاجِب الْوُجُود وَوَاحِد كَذَلِك فِي كل حَيّ لَهُ آيتان على أَنه أحد صَمد نعم فَفِي كل حَيّ هُنَاكَ آيتان إِحْدَاهمَا آيَة الأحدية وَالْأُخْرَى آيَة الصمدية لِأَن كل حَيّ يظْهر تجليات الْأَسْمَاء الْحسنى الْمُشَاهدَة فِي أغلب الكائنات يظهرها دفْعَة وَاحِدَة فِي مرآته وَكَأَنَّهُ نقطة مركزية كالبؤرة تبين تجلي اسْم الله الْأَعْظَم الْحَيّ القيوم أَي أَنه يحمل آيَة الأحدية

стр. 50

بإظهاره نوعا من ظلّ أحدية الذَّات تَحت ستار إسم المحيي وَلما كَانَ الْكَائِن الْحَيّ بِمَثَابَة مِثَال مصغر للكائنات وبمثابة ثَمَرَة لشَجَرَة الخليقة فَإِن إِحْضَار حاجاته المترامية فِي الكائنات إِلَى دَائِرَة حَيَاته الصَّغِيرَة جدا بسهولة كَامِلَة وبدفعة وَاحِدَة يبرز للعيان آيَة الصمدية ويبينها أَي أَن هَذَا الْوَضع يبين أَن لهَذَا الْكَائِن الْحَيّ رَبًّا نعم الرب بِحَيْثُ أَن توجها مِنْهُ إِلَيْهِ يُغْنِيه عَن كل شَيْء ونظرة مِنْهُ إِلَيْهِ تكفيه عَن جَمِيع الْأَشْيَاء وَلنْ يحل جَمِيع الْأَشْيَاء مَحل توجه وَاحِد مِنْهُ سُبْحَانَهُ نعم يَكْفِي لكل شَيْء عَن كل شَيْء وَلَا يَكْفِي عَنهُ كل شَيْء وَلَو لشَيْء وَاحِد وَكَذَا يبين ذَلِك الْوَضع أَن ربه ذَاك جلّ شَأْنه كَمَا أَنه لَيْسَ مُحْتَاجا إِلَى شَيْء أيا كَانَ فَإِن خزائنه لَا ينقص مِنْهَا شَيْء أَيْضا وَلَا يصعب على قدرته شَيْء فإليك مِثَالا من آيَة تظهر ظلّ الصمدية أَي أَن كل ذِي حَيَاة يرتل بِلِسَان الْحَيَاة ﴿قل هُوَ الله أحد الله الصَّمد﴾

стр. 51

هَذَا وَإِن هُنَاكَ عدَّة نوافذ مهمة أُخْرَى عدا مَا ذَكرْنَاهُ قد اختصرت هُنَا فِيمَا فصلت فِي أَمَاكِن أُخْرَى فَمَا دَامَ كل ذرة من ذرات هَذَا الْكَوْن تفتح ثَلَاث نوافذ وكوتين والحياة نَفسهَا تفتح بَابَيْنِ دفْعَة وَاحِدَة إِلَى وحدانية الله سُبْحَانَهُ فَلَا بُد أَنَّك تَسْتَطِيع الْآن قِيَاس مدى مَا تنشره طَبَقَات الموجودات من الذرات إِلَى الشَّمْس من أنوار معرفَة الله ذِي الْجلَال فَافْهَم من هَذَا سَعَة دَرَجَات الرقي الْمَعْنَوِيّ فِي معرفَة الله سُبْحَانَهُ ومراتب الاطمئنان والسكينة القلبية وَقس عَلَيْهَا

стр. 52

اللمْعَة الْخَامِسَة كتاب الْكَوْن يعرف الباريء المصور من الْمَعْلُوم أَنه يَكْفِي لإِخْرَاج كتاب مَا قلم وَاحِد إِن كَانَ مخطوطا وَيلْزم أَقْلَام عديدة بِعَدَد حُرُوفه إِن كَانَ مطبوعا أَي حروفا معدنية عديدة وَلَو كتب مُعظم مَا فِي الْكتاب فِي بعض حُرُوفه بِخَط دَقِيق جدا ككتابة سُورَة يس فِي لفظ يس فَيلْزم عندئذ أَن تكون جَمِيع الْحُرُوف المعدنية مصغرة جدا لطبع ذَلِك الْحَرْف الْوَاحِد فَكَمَا أَن الْأَمر هَكَذَا فِي الْكتاب المستنسخ أَو المطبوع كَذَلِك كتاب الْكَوْن هَذَا إِذا قلت أَنه كِتَابَة قلم قدرَة الصَّمد ومكتوب الْوَاحِد الْأَحَد فقد سلكت إِذا طَرِيقا سهلة بِدَرَجَة الْوُجُوب ومعقولة بِدَرَجَة الضَّرُورَة وَلَكِن إِذا مَا أسندته إِلَى الطبيعة وَإِلَى الْأَسْبَاب فقد سلكت طَرِيقا صعبة بِدَرَجَة الِامْتِنَاع وَذَات إشكالات عويصة بِدَرَجَة الْمحَال وَذَات خرافات لَا شكّ فِيهَا إِذْ يلْزم أَن تنشيء الطبيعة فِي كل جُزْء

стр. 53

تُرَاب وَفِي كل قَطْرَة مَاء وَفِي كل كتلة هَوَاء ملايين الملايين من مطابع معدنية وَمَا لَا يحد من مصانع معنوية كل يظْهر كل جُزْء من تِلْكَ الْأَجْزَاء وينشىء مَا لَا يعد وَلَا يُحْصى من النباتات المزهرة والمثمرة أَو تضطر إِلَى قبُول وجود علم مُحِيط بِكُل شَيْء وَقُوَّة مقتدرة على كل شَيْء فِي كل مِنْهَا كي يكون مصدرا حَقِيقِيًّا لهَذِهِ المصنوعات لِأَن كل جُزْء من أَجزَاء التُّرَاب وَالْمَاء والهواء يُمكن أَن يكون منشأ لأغلب النباتات وَالْحَال أَن تركيب كل نَبَات مُنْتَظم وموزون ومتمايز ومختلف نوعا فَكل مِنْهُ إِذا بحاجة إِلَى معمل معنوي خَاص بِهِ وَحده وَإِلَى مطبعة تخصه هُوَ فَقَط فالطبيعة إِذا إِذا خرجت عَن كَونهَا وحدة قِيَاس للموجودات إِلَى مصدر لوجودها فَمَا عَلَيْهَا إِلَّا إِحْضَار مكائن جَمِيع الْأَشْيَاء فِي كل شَيْء وَهَكَذَا فَإِن أساس فكرة عبَادَة الطبيعة هَذِه خرافة بئست الخرافة حَتَّى الخرافيون أنفسهم يخجلون مِنْهَا فَتَأمل فِي أهل الضَّلَالَة الَّذين يعدون أنفسهم عقلاء كَيفَ تمسكوا بفكرة غير معقولة بالمرة ثمَّ اعْتبر

стр. 54

الْخُلَاصَة إِن كل حرف فِي أَي كتاب كَانَ يظْهر نَفسه بِمِقْدَار حرف وَيدل على وجوده بِصُورَة مُعينَة إِلَّا أَنه يعرف كَاتبه بِعشر كَلِمَات وَيدل عَلَيْهِ بجوانب عديدة فَيَقُول مثلا إِن كاتبي خطه جميل وَإِن قلمه أَحْمَر وَأَنه كَذَا وَكَذَا وَمثل ذَلِك كل حرف من كتاب الْعَالم الْكَبِير هَذَا يدل على ذَاته بِقدر جرمه مادته وَيظْهر نَفسه بِمِقْدَار صورته إِلَّا أَنه يعرف أَسمَاء الباريء المصور سُبْحَانَهُ بِمِقْدَار قصيدة وَيظْهر تِلْكَ الْأَسْمَاء الْحسنى وَيُشِير إِلَيْهَا بِعَدَد أَنْوَاعه شَاهدا على مُسَمَّاهُ لذا يَنْبَغِي أَلا يزل إِلَى إِنْكَار الْخَالِق ذِي الْجلَال حَتَّى ذَلِك السوفسطائي الأحمق الَّذِي يُنكر نَفسه وينكر الْكَوْن

стр. 55

اللمْعَة السَّادِسَة آيَات التَّوْحِيد على صحيفَة الرّبيع إِن الْخَالِق ذَا الْجلَال كَمَا وضع على جبين كل فَرد من مخلوقاته وعَلى جبهة كل جُزْء من مصنوعاته آيَة أحديته وَقد رَأَيْت قسما مِنْهَا فِي اللمعات السَّابِقَة فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قد وضع على كل نوع كثيرا من آيَة الأحدية بشكل سَاطِع لامع وعَلى كل كل عديدا من أختام الواحدية بل وضع على مَجْمُوع الْعَالم أنواعا من طغراء الْوحدَة وَإِذا تأملنا ختما وَاحِدًا من تِلْكَ الأختام والعلامات العديدة الْمَوْضُوعَة على صحيفَة سطح الأَرْض فِي موسم الرّبيع تبين لنا مَا يَأْتِي إِن البارىء المصور قد حشر وَنشر أَزِيد من ثلاثمئة ألف نوع من النباتات والحيوانات على وَجه الأَرْض فِي فصل الرّبيع والصيف بتمييز وتشخيص بالغين وبانتظام وتفريق كَامِلين رغم اخْتِلَاط الْأَنْوَاع اختلاطا كَامِلا فأظهر لنا آيَة وَاسِعَة ساطعة للتوحيد وَاضِحَة وضوح الرّبيع أَي أَن إِيجَاد ثلاثمئة ألف نموذج

стр. 56

من نماذج الْحَشْر بانتظام كَامِل عِنْد إحْيَاء الأَرْض الْميتَة فِي موسم الرّبيع وَكِتَابَة الْأَفْرَاد المتداخلة لثلاثمئة ألف نوع مُخْتَلف على صحيفَة الأَرْض كِتَابَة دون خطأ وَلَا سَهْو وَلَا نقص وَفِي مُنْتَهى التوازن والانتظام وَفِي مُنْتَهى الاكتمال لَا شكّ أَنه آيَة خَاصَّة بِمن بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء وَبِيَدِهِ مقاليد كل شَيْء وَهُوَ الْعَلِيم الْخَبِير وَلَقَد بَين الْقُرْآن الْكَرِيم هَذِه الْآيَة الساطعة فِي قَوْله تَعَالَى فَانْظُر إِلَى آثَار رحمت الله كَيفَ يحيي الأَرْض بعد مَوتهَا إِن ذَلِك لمحيي الْمَوْتَى وَهُوَ على كل شَيْء قدير نعم إِن قدرَة الفاطر الْحَكِيم الَّتِي أظهرت ثلاثمئة ألف نوع من نماذج الْحَشْر فِي إحْيَاء الأَرْض خلال بضعَة أَيَّام لَا بُد أَن يكون حشر الْإِنْسَان لَدَيْهَا سهلا ويسيرا إِذْ هَل يَصح أَن يُقَال مثلا لمن لَهُ خوارق بِحَيْثُ يزِيل جبلا عَظِيما بِإِشَارَة مِنْهُ أيستطيع أَن يزِيل هَذِه الصَّخْرَة الْعَظِيمَة الَّتِي سدت طريقنا من هَذَا الْوَادي وَمثله كَذَلِك لَا يجرأ ذُو عقل أَن يَقُول بِصِيغَة الاستبعاد للقدير الْحَكِيم والكريم الرَّحِيم الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام وَالَّذِي يملأهما ويفرغهما حينا بعد

стр. 57

حِين كَيفَ يَسْتَطِيع أَن يزِيل طبقَة التُّرَاب هَذِه الَّتِي علينا وَالَّتِي سدت طريقنا المفروشة إِلَى مستضافه الخالد فَهَذَا مِثَال آيَة وَاحِدَة للتوحيد تظهر على سطح الأَرْض فِي فصل الرّبيع والصيف فَتَأمل إِذا كَيفَ يظْهر ختم الواحدية بجلاء على تصريف الْأُمُور فِي الرّبيع الهائل على سطح الأَرْض وَهُوَ فِي مُنْتَهى الْحِكْمَة والتبصر ذَلِك لِأَن هَذِه الإجراءات الْمُشَاهدَة هِيَ فِي انتظام مُطلق وخلقة تَامَّة وصنعة كَامِلَة بديعة مَعَ أَنَّهَا تجْرِي فِي سَعَة مُطلقَة وَمَعَ هَذِه السعَة فَهِيَ تتمّ فِي سرعَة مُطلقَة وَمَعَ هَذِه السرعة فَهِيَ ترد فِي سخاء مُطلق أَلَيْسَ هَذَا يُوضح أَنه ختم أَي ختم بِحَيْثُ لَا يُمكن أَن يمتلكه إِلَّا من يملك علما غير متناه وقدرة غير محدودة نعم إننا نشاهد على سطح الأَرْض كَافَّة أَن هُنَاكَ إيجادا وتصرفا وفعالية تجْرِي فِي سَعَة مُطلقَة وَمَعَ السعَة تنجز فِي سرعَة مُطلقَة وَمَعَ السرعة وَالسعَة يُشَاهد سخاء مُطلق فِي تَكْثِير الْأَفْرَاد وَمَعَ السخاء وَالسعَة والسرعة تتضح سهولة مُطلقَة فِي الْأَمر مَعَ انتظام مُطلق وإبداع فِي الصَّنْعَة وامتياز تَامّ رغم الِاخْتِلَاط الشَّديد والامتزاج الْكَامِل ويشاهد كَذَلِك آثَار ثمينة جدا

стр. 58

ومصنوعات نفيسة جدا رغم الوفرة غير المحدودة مَعَ انسجام كَامِل فِي نطاق وَاسع جدا ودقة الصَّنْعَة وبدائعها وروعتها وَهِي فِي مُنْتَهى السهولة واليسر فإيجاد كل هَذَا فِي آن وَاحِد وَفِي كل مَكَان وبالطراز نَفسه وَفِي كل فَرد مَعَ إِظْهَار الصَّنْعَة الخارقة والفعالية المعجزة لَا شكّ مُطلقًا أَنه برهَان سَاطِع وَختم يخص من لَا يحده مَكَان مِثْلَمَا أَنه فِي كل مَكَان حَاضر وناظر رَقِيب حسيب وَمن لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء مِثْلَمَا أَنه لَا يعجزه شَيْء فخلق الذرات والنجوم سَوَاء أَمَام قدرته لقد أحصيت ذَات يَوْم عناقيد سَاق نحيفة لعنب متسلق بغلظ أصبعين تِلْكَ العناقيد الَّتِي هِيَ معجزات الرَّحِيم ذِي الْجمال فِي بُسْتَان كرمه فَكَانَت مائَة وَخَمْسَة وَخمسين عنقودا وأحصيت حبات عنقود وَاحِد مِنْهَا فَكَانَت مائَة وَعشْرين حَبَّة فتأملت وَقلت لَو كَانَت هَذِه السَّاق الهزيلة خزانَة مَاء معسل وَكَانَت تُعْطِي مَاء باستمرار لما كَانَت تَكْفِي أَمَام لفح الْحَرَارَة مَا ترْضِعه مئات الحبات المملوءة من شراب سكر الرَّحْمَة وَالْحَال أَنَّهَا قد لَا تنَال إِلَّا رُطُوبَة ضئيلة جدا فَيلْزم أَن يكون الْقَائِم بِهَذَا الْعَمَل قَادِرًا على كل شَيْء فسبحان من تحير فِي صنعه الْعُقُول

стр. 59

اللمْعَة السَّابِعَة دساتير عريقة فِي الْكَوْن كَمَا أَنَّك تتمكن من رُؤْيَة أختام الْأَحَد الصَّمد سُبْحَانَهُ المختومة بهَا صحيفَة الأَرْض وَذَلِكَ بنظرة إمعان قَليلَة فارفع رَأسك وَافْتَحْ عَيْنَيْك وألق نظرة على كتاب الْكَوْن الْكَبِير تَرَ أَنه يقْرَأ على الْكَوْن كُله ختم الْوحدَة بوضوح تَامّ بِقدر عَظمته وسعته ذَلِك لِأَن هَذِه الموجودات كأجزاء معمل مُنْتَظم وأركان قصر مُعظم وأنحاء مَدِينَة عامرة كل جُزْء ظهير للْآخر كل جُزْء يمد يَد العون للْآخر ويجد فِي إسعاف حاجاته والأجزاء جَمِيعًا تسْعَى يدا بيد بانتظام تَامّ فِي خدمَة ذَوي الْحَيَاة متكاتفة متساندة متوجهة إِلَى غَايَة معنية فِي طَاعَة مُدبر حَكِيم وَاحِد نعم إِن دستور التعاون الْجَارِي الظَّاهِر ابْتِدَاء من جري الشَّمْس وَالْقَمَر وتعاقب اللَّيْل وَالنَّهَار وترادف الشتَاء والصيف إِلَى إمداد النباتات للحيوانات الجائعة وَإِلَى سعي الْحَيَوَانَات لمساعدة

стр. 60

الْإِنْسَان الضَّعِيف المكرم بل إِلَى وُصُول الْموَاد الغذائية على جنَاح السرعة لإغاثة الْأَطْفَال النحاف وإمداد الْفَوَاكِه اللطيفة بل إِلَى خدمَة ذرات الطَّعَام لحَاجَة حجيرات الْجِسْم كل هَذِه الحركات الْجَارِيَة وفْق دستور التعاون تري لمن لم يفقد بصيرته كليا أَنَّهَا تجْرِي بِقُوَّة مرب وَاحِد كريم مُطلق الْكَرم وبأمر مُدبر وَاحِد حَكِيم مُطلق الْحِكْمَة فَهَذَا التساند وَهَذَا التعاون وَهَذَا التجاوب وَهَذَا التعانق وَهَذَا التسخير وَهَذَا الانتظام الْجَارِي فِي هَذَا الْكَوْن يشْهد شَهَادَة قَاطِعَة أَن مُدبرا وَاحِدًا هُوَ الَّذِي يديره ومربيا أحدا يَسُوق الْجَمِيع فِي الْكَوْن زد على ذَلِك فَإِن الْحِكْمَة الْعَامَّة الظَّاهِرَة بداهة فِي خلق الْأَشْيَاء البديعة وَمَا تتضمنه من عناية تَامَّة وَمَا فِي هَذِه الْعِنَايَة من رَحْمَة وَاسِعَة وَمَا على هَذِه الرَّحْمَة من أرزاق منثورة تفي حَاجَة كل ذِي حَيَاة وتعيشه وفْق حاجاته كل ذَلِك ختم عَظِيم للتوحيد لَهُ من الظُّهُور والوضوح مَا يفهمهُ كل من لم تنطفيء جذوة عقله وَيَرَاهُ كل من لم يعم بَصَره نعم أَن حلَّة الْحِكْمَة الَّتِي يتَرَاءَى مِنْهَا الْقَصْد والشعور والإرادة قد أسبغت على الْكَوْن كُله وجللت

стр. 61

كل جوانبه وخلعت على حلَّة الْحِكْمَة هَذِه حلَّة الْعِنَايَة الَّتِي تشف عَن اللطف والتزيين والتحسين وَالْإِحْسَان وعَلى هَذِه الْحلَّة القشيبة للعناية ألقيت حلَّة الرَّحْمَة الَّتِي يتألق مِنْهَا بريق التودد والتعرف والإنعام وَالْإِكْرَام وَهِي تغمر الْكَوْن كُله وتضمه وصفت على هَذِه الْحلَّة المنورة للرحمة الْعَامَّة الأرزاق الْعَامَّة ومدت موائدها الَّتِي تعرض الترحم وَالْإِحْسَان وَالْإِكْرَام والرأفة الْكَامِلَة وَحسن التربية ولطف الربوية نعم إِن هَذِه الموجودات ابْتِدَاء من الذرات إِلَى الشموس سَوَاء أَكَانَت أفرادا أم أنواعا وَسَوَاء أَكَانَت صَغِيرَة أم كَبِيرَة قد ألبست ثوبا رائعا جدا نسج هَذَا الثَّوْب من قماش الْحِكْمَة المزين بنقوش الثمرات والنتائج والغايات والفوائد والمصالح وأكسيت بحلة الْعِنَايَة المطرزة بأزاهير اللطف وَالْإِحْسَان قدت وفصلت حسب قامة كل شَيْء ومقاس كل مَوْجُود وعَلى حلَّة الْعِنَايَة هَذِه قلدت شارات الرَّحْمَة الساطعة ببريق التودد والتكرم والتحنن والمتلألئة بلمعات الإنعام والأفضال وعَلى تِلْكَ الشارات المرصعة المنورة نصبت مائدة الرزق الْعَام على امتداد سطح الأَرْض بِمَا يَكْفِي جَمِيع طوائف ذَوي الْحَيَاة وَبِمَا يَفِي سد جَمِيع حاجاتهم

стр. 62

وَهَكَذَا فَهَذَا الْعَمَل يُشِير إِشَارَة وَاضِحَة وضوح الشَّمْس إِلَى حَكِيم مُطلق الْحِكْمَة وكريم مُطلق الْكَرم وَرَحِيم مُطلق الرَّحْمَة ورزاق مُطلق الرزق أحقا أَن كل شَيْء بحاجة إِلَى الرزق نعم كَمَا أننا نرى أَن كل فَرد بحاجة إِلَى رزق يديم حَيَاته كَذَلِك جَمِيع موجودات الْعَالم وَلَا سِيمَا الْأَحْيَاء الْكُلِّي مِنْهَا والجزئي أَو الْكل والجزء لَهَا فِي كيانها وَفِي بَقَائِهَا وَفِي حَيَاتهَا وإدامتها مطاليب كَثِيرَة وضروريات عديدة مَادَّة وَمعنى وَمَعَ أَنَّهَا مفتقرة ومحتاجة إِلَى أَشْيَاء كَثِيرَة مِمَّا لَا يُمكن أَن تصل يَدهَا إِلَى أدناها بل لَا تَكْفِي قُوَّة ذَلِك الشَّيْء وَقدرته للحصول على أَصْغَر مطاليبه نشاهد أَن جَمِيع تِلْكَ المطاليب والأرزاق المادية والمعنوية تسلم إِلَى يَدَيْهِ من حَيْثُ لَا يحْتَسب وبانتظام كَامِل وَفِي الْوَقْت الْمُنَاسب تَسْلِيمًا مُوَافقا لِحَيَاتِهِ متسما بالحكمة الْكَامِلَة أَلا يدل هَذَا الافتقار وَهَذِه الْحَاجة فِي الْمَخْلُوقَات وَهَذَا النمط من الْإِمْدَاد والإعانة الغيبية على رب حَكِيم ذِي جلال ومدبر رَحِيم ذِي جمال

стр. 63

اللمْعَة الثَّامِنَة الْمَالِك للْكُلّ هُوَ الْمَالِك للجزء مِثْلَمَا أَن زراعة بذور فِي حقل مَا تدل على أَن ذَلِك الحقل هُوَ تَحت تصرف مَالك البذرة وَأَن تِلْكَ البذرة هِيَ كَذَلِك تَحت تصرفه فَإِن كُلية العناصر فِي مزرعة الأَرْض وَفِي كل جُزْء مِنْهَا مَعَ أَنَّهَا وَاحِدَة وبسيطة وانتشار الْمَخْلُوقَات من نباتات وحيوانات فِي مُعظم الْأَمَاكِن وَهِي تمثل ثَمَرَات الرَّحْمَة الإلهية ومعجزات قدرته وكلمات حكمته مَعَ أَنَّهَا متماثلة ومتشابهة ومتوطنة فِي كل طرف أَن هَذِه الْكُلية والانتشار يدلان دلَالَة جلية على أَنَّهُمَا تَحت تصرف رب وَاحِد أحد حَتَّى كَأَن كل زهرَة وكل ثَمَرَة وكل حَيَوَان آيَة ذَلِكُم الرب الْكَرِيم وختمه وطغراؤه فأينما يحل أَي مِنْهَا يَقُول بِلِسَان حَاله من كنت آيَته فَهَذِهِ الأَرْض مصنوعه وَمن كنت خَتمه فَهَذَا الْمَكَان مكتوبه وَمن كنت علامته فَهَذَا الموطن منسوجه

стр. 64

فالربوبية إِذن على أدنى مَخْلُوق إِنَّمَا هِيَ من شَأْن من يمسك فِي قَبْضَة تصرفه جَمِيع العناصر ورعاية أدنى حَيَوَان إِنَّمَا هِيَ من شَأْن من لَا يعجزه تربية جَمِيع الْحَيَوَانَات والنباتات والمخلوقات ضمن قَبْضَة ربوبيته نعم إِن كل فَرد يَقُول بِلِسَان مماثلته ومشابهته مَعَ سَائِر الْأَفْرَاد من كَانَ مَالِكًا لجَمِيع نَوْعي يُمكنهُ أَن يكون مالكي وَإِلَّا فَلَا وَإِن كل نوع يَقُول بِلِسَان انتشاره مَعَ سَائِر الْأَنْوَاع من كَانَ مَالِكًا للكون كُله يُمكنهُ أَن يكون مالكي وَإِلَّا فَلَا فَلَو قيل لتفاحة ذَات شُعُور أَنْت مصنوعتي أَنا فسترد عَلَيْهِ تِلْكَ التفاحة بِلِسَان الْحَال قائلة صه لَو اسْتَطَعْت أَن تكون قَادِرًا على تركيب مَا على سطح الأَرْض من تفاح بل لَو أَصبَحت متصرفا فِي مَا على الأَرْض من نباتات مثمرة من جنسنا بل متصرفا فِي هَدَايَا الرَّحْمَن الَّتِي يجود بهَا من خزينة الرَّحْمَة فَادع آنذاك الربوبية عَليّ فتلطم تِلْكَ التفاحة بِهَذَا الْجَواب فَم ذَلِك الأحمق لطمة قَوِيَّة

стр. 65

اللمْعَة التَّاسِعَة سهولة الْخلق فِي التَّوْحِيد لقد أَشَرنَا إِلَى آيَات وأختام مَوْضُوعَة على الْجُزْء والجزئي وعَلى الْكل والكلي وعَلى الْعَالم الْكُلِّي وعَلى الْحَيَاة وعَلى ذَوي الْحَيَاة وعَلى الْأَحْيَاء ونشير هُنَا إِلَى آيَة وَاحِدَة مِمَّا لَا يُحْصى من الْآيَات فِي الْأَنْوَاع إِن تكاليف أثمار عديدة لشَجَرَة مثمرة تتسهل ومصاريفها تتذلل حَتَّى تتساوى مَعَ تكاليف ومصاريف ثَمَرَة وَاحِدَة تربت بأيدي الْكَثْرَة ذَلِك لِأَن الشَّجَرَة الْوَاحِدَة المثمرة تدار من مَرْكَز وَاحِد وبتربية وَاحِدَة وبقانون وَاحِد أَي إِن الْكَثْرَة وتعدد المراكز يستدعيان أَن تكون لكل ثَمَرَة مصاريف وتكاليف وأجهزة كمية بِقدر مَا تحتاجه شَجَرَة كَامِلَة وَالْفرق فِي النوعية لَيْسَ إِلَّا مثله فِي هَذَا مثل عمل عتاد لجندي وتوفير تجهيزاته العسكرية إِذْ يحْتَاج إِلَى معامل بِقدر المعامل الَّتِي يحتاجها الْجَيْش بأكمله فَالْعَمَل إِذن

стр. 66

إِذا انْتقل من يَد الْوحدَة إِلَى يَد الْكَثْرَة فَإِن التكاليف تزداد من حَيْثُ الكمية بِعَدَد الْأَفْرَاد وَهَكَذَا فَإِن مَا يُشَاهد من أثر الْيُسْر والسهولة الظَّاهِرَة فِي النَّوْع إِنَّمَا هُوَ ناشيء من السهولة الفائقة فِي الْوحدَة والتوحيد الْخُلَاصَة كَمَا أَن التشابه والتوافق فِي الْأَعْضَاء الأساس لأنواع جنس وَاحِد وأفراد نوع وَاحِد يثبتان أَن تِلْكَ الْأَنْوَاع والأفراد إِنَّمَا هِيَ مخلوقات خَالق وَاحِد كَذَلِك السهولة الْمُطلقَة المشهودة وانعدام التكاليف تستلزمان بِدَرَجَة الْوُجُوب أَن يكون الْجَمِيع آثَار صانع وَاحِد وَإِلَّا لساقت الصعوبة الَّتِي هِيَ فِي دَرَجَة الِامْتِنَاع ذَلِك الْجِنْس إِلَى الإنعدام وَذَلِكَ النَّوْع إِلَى الْعَدَم نحصل من هَذَا أَنه إِذا أسْند الْخلق إِلَى الْحق فَإِن جَمِيع الْأَشْيَاء حكمهَا فِي سهولة الْخلق كخلق شَيْء وَاحِد وَإِن أسْند إِلَى الْأَسْبَاب فَإِن كل شَيْء يكون حكمه فِي الْخلق صعبا كصعوبة خلق جَمِيع الْأَشْيَاء وَلما كَانَ الْأَمر هَكَذَا فَإِن الوفرة الفائقة الْمُشَاهدَة فِي الْعَالم وَالْخصب الظَّاهِر أَمَام الْعين يظهران كَالشَّمْسِ آيَة

стр. 67

الْوحدَة فَإِن لم تكن هَذِه الْفَوَاكِه الوفيرة الَّتِي نتناولها ملكا لوَاحِد أحد لما أمكننا أَن نَأْكُل رمانة وَاحِدَة وَلَو أعطينا مَا فِي الدُّنْيَا كلهَا ثمنا لصنعها

стр. 68

اللمْعَة الْعَاشِرَة الْحَيَاة وَالْمَوْت آيتان كَمَا أَن الْحَيَاة الَّتِي تظهر تجلي الْجمال الرباني هِيَ برهَان الأحدية بل هِيَ نوع من تجلي الْوحدَة فالموت الَّذِي يظْهر تجلي الْجلَال الإلهي هُوَ الآخر برهَان الواحدية فمثلا إِن الفقاعات والزبد والحباب الْمُقَابلَة للشمس وَالَّتِي تنساب متألقة على سطح نهر عَظِيم والمواد الشفافة المتلمعة على سطح الأَرْض شَوَاهِد على وجود تِلْكَ الشَّمْس وَذَلِكَ بإراءتها صُورَة الشَّمْس وعكسها لضوئها فدوام تجلي الشَّمْس ببهاء مَعَ غرُوب تِلْكَ القطرات وَزَوَال لمعان الْموَاد واستمرار ذَلِك التجلي دون نقص على القطرات والمواد الشفافة الْمُقبلَة مجددا لهي شَهَادَة قَاطِعَة أَن تِلْكَ الشميسات المثالية وَتلك الأضواء المنعكسة وَتلك الْأَنْوَار الْمُشَاهدَة الَّتِي تنطفىء وتضيء وتتغير وتتبدل متجددة إِنَّمَا هِيَ تجليات شمس بَاقِيَة دائمة عالية وَاحِدَة لَا زَوَال لَهَا فَتلك

стр. 69

القطرات اللمعاة إِذا بظهورها وبمجيئها تدل على وجود الشَّمْس وعَلى دوامها ووحدتها وعَلى غرار هَذَا الْمِثَال وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى نجد أَن هَذِه الموجودات السيالة إِذْ تشهد بوجودها وحياتها على وجوب وجود الْخَالِق وعَلى أحديته فَإِنَّهَا تشهد بزوالها وموتها هِيَ أَيْضا على وجود الْخَالِق سُبْحَانَهُ وعَلى أزليته وسرمديته وأحديته نعم إِن تجدّد المصنوعات الجميلة وتبدل الْمَخْلُوقَات اللطيفة ضمن الْغُرُوب والشروق وباختلاف اللَّيْل وَالنَّهَار وبتحول الشتَاء والصيف وتبدل العصور والدهور كَمَا أَنَّهَا تشهد وَلَا بُد على وجود ذِي جمال سرمدي رفيع الدَّرَجَات دَائِم التجلي وعَلى بَقَائِهِ سُبْحَانَهُ ووحدته فَإِن موت تِلْكَ المصنوعات وزوالها بأسبابها الظَّاهِرَة يبين تفاهة تِلْكَ الْأَسْبَاب وعجزها وَكَونهَا ستارا وحجابا لَيْسَ إِلَّا فَيثبت لنا هَذَا الْوَضع أثباتا قَاطعا إِن هَذِه الْخلقَة والصنعة وَهَذِه النقوش والتجليات إِنَّمَا هِيَ مصنوعات ومخلوقات متجددة للخالق ﷻ الَّذِي جَمِيع أَسْمَائِهِ حسنى مُقَدَّسَة بل هِيَ نقوشه المتحولة ومراياه المتحركة وآياته المتعاقبة وأختامه المتبدلة بحكمة

стр. 70

الْخُلَاصَة إِن كتاب الْكَوْن الْكَبِير هَذَا إِذْ تعلمنا آيَاته التكوينية الدَّالَّة على وجوده سُبْحَانَهُ وعَلى وحدانيته فَهُوَ يشْهد كَذَلِك على جَمِيع صِفَات الْكَمَال وَالْجمال والجلال للذات الجليلة وَيثبت أَيْضا كَمَال ذَاته الجليلة المبرأة من كل نقص والمنزهة عَن كل قُصُور ذَلِك لِأَن ظُهُور الْكَمَال فِي أثر مَا يدل على كَمَال الْفِعْل الَّذِي هُوَ مصدره كَمَا هُوَ بديهي وَكَمَال الْفِعْل هَذَا يدل على كَمَال الِاسْم وَكَمَال الِاسْم يدل على كَمَال الصِّفَات وَكَمَال الصِّفَات يدل على كَمَال الشَّأْن الذاتي وَكَمَال الشَّأْن الذاتي يدل على كَمَال الذَّات ذَات الشؤون حدسا وضرورة وبداهة فمثلا إِن النقوش المتقنة والتزيينات البديعة لقصر كَامِل رائع تدل على مَا وَرَاءَهَا من كَمَال الْأَفْعَال التَّامَّة لبِنَاء ماهر خَبِير وَإِن كَمَال تِلْكَ الْأَفْعَال وإتقانها ينْطق بتكامل الْأَسْمَاء لرتب وعناوين ذَلِك الْبناء الْفَاعِل وتكامل الْأَسْمَاء والعناوين يفصح عَن تَكَامل صِفَات لَا تحصى لذَلِك الصَّانِع من جِهَة صَنعته وتكامل تِلْكَ الصِّفَات وإبداع الصَّنْعَة يَشْهَدَانِ على تَكَامل قابليات ذَلِك الصَّانِع وإستعداداته الذاتية

стр. 71

الْمُسَمَّاة بالشؤون وتكامل تِلْكَ الشؤون والقابليات الذاتية تدل على تَكَامل مَاهِيَّة ذَات الصَّانِع وَهَكَذَا الْأَمر فِي الصَّنْعَة المبدعة المبرأة من النَّقْص والفطور فِي هَذِه الْآثَار المشهودة فِي الْعَالم وَفِي هَذِه الموجودات المنتظمة فِي الْكَوْن الَّتِي لفتت إِلَيْهَا الأنظار الْآيَة الْكَرِيمَة ﴿هَل ترى من فطور﴾ فَهِيَ تدل بِالْمُشَاهَدَةِ على كَمَال الْأَفْعَال لمؤثر ذِي قدرَة مُطلقَة وَكَمَال الْأَفْعَال ذَاك يدل بالبداهة على كَمَال أَسمَاء الْفَاعِل ذِي الْجلَال وَذَلِكَ الْكَمَال يدل وَيشْهد بِالضَّرُورَةِ على كَمَال صِفَات مُسَمّى ذِي جمال لتِلْك الْأَسْمَاء وَكَمَال الصِّفَات ذَاك يدل وَيشْهد يَقِينا على كَمَال مَوْصُوف ذِي كَمَال وَكَمَال الشؤون ذَاك يدل بِحَق الْيَقِين على كَمَال ذَات مُقَدَّسَة ذَات شؤون دلَالَة وَاضِحَة بِحَيْثُ إِن مَا فِي الْكَوْن من أَنْوَاع الكمالات الْمُشَاهدَة لَيْسَ إِلَّا ظلا ضَعِيفا منطفئا وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى بِالنِّسْبَةِ لآيَات كَمَاله ورموز جَلَاله وإشارات جماله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

стр. 72

اللمْعَة الْحَادِيَة عشرَة الساطعة كالشموس أعظم آيَة فِي كتاب الْكَوْن لقد عرف فِي الْكَلِمَة التَّاسِعَة عشرَة بِأَن أعظم آيَة فِي كتاب الْكَوْن الْكَبِير وَأعظم اسْم فِي ذَلِك الْقُرْآن الْكَبِير وبذرة شَجَرَة الْكَوْن وأنور ثمارها وشمس قصر هَذَا الْعَالم والبدر الْمنور لعالم الْإِسْلَام وَالدَّال على سُلْطَان ربوبية الله والكشاف الْحَكِيم للغز الكائنات هُوَ سيدنَا مُحَمَّد الْأمين عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام الَّذِي ضم الْأَنْبِيَاء جَمِيعًا تَحت جنَاح الرسَالَة وَحمى الْعَالم الإسلامي تَحت جنَاح الْإِسْلَام فحلق بهما فِي طَبَقَات الْحَقِيقَة مُتَقَدما موكب جَمِيع الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وَجَمِيع الْأَوْلِيَاء وَالصديقين وَجَمِيع الأصفياء والمحققين مُبينًا الوحدانية وَاضِحَة جلية بِكُل مَا أُوتِيَ من قُوَّة فاتحا طَرِيقا سويا إِلَى عرش الأحدية دَالا على طَرِيق الْإِيمَان بِاللَّه مثبتا الوحدانية الحقة فَأنى لوهم أَو شُبْهَة

стр. 73

أَن يكون لَهما الجرأة ليسدا أَو يحجبا ذَلِك الطَّرِيق السوي وَلما كُنَّا قد بَينا إِجْمَالا فِي الْكَلِمَة التَّاسِعَة عشرَة والمكتوب التَّاسِع عشر ذَلِك الْبُرْهَان الْقَاطِع الَّذِي هُوَ المَاء الْبَاعِث للحياة بِأَرْبَع عشرَة رشحة وتسع عشرَة إِشَارَة مَعَ بَيَان أَنْوَاع معجزاته ﷺ لذا نكتفي بِهَذِهِ الْإِشَارَة هُنَا ونختمها بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَام على ذَلِك الْبُرْهَان الْقَاطِع للوحدانية صَلَاة وَسلَامًا تشيران إِلَى تِلْكَ الأسس الَّتِي تزكيه وَتشهد على صدقه اللَّهُمَّ صل على من دلّ على وجوب وجودك ووحدانيتك وَشهد على جلالك وجمالك وكمالك الشَّاهِد الصَّادِق الْمُصدق والبرهان النَّاطِق الْمُحَقق سيد الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ الْحَامِل سر إِجْمَاعهم وتصديقهم ومعجزاتهم وَإِمَام الْأَوْلِيَاء وَالصديقين الْحَاوِي سر اتِّفَاقهم وتحقيقهم وكراماتهم ذُو المعجزات الباهرة والخوارق الظَّاهِرَة والدلائل القاطعة المحققة المصدقة لَهُ ذُو الْخِصَال الغالية فِي ذَاته والأخلاق الْعَالِيَة فِي وظيفته والسجايا السامية فِي شَرِيعَته المكملة المنزهة لَهُ عَن الْخلاف مهبط الْوَحْي الرباني بِإِجْمَاع الْمنزل والمنزل عَلَيْهِ سيار عَالم الْغَيْب والملكوت مشَاهد الْأَرْوَاح ومصاحب الملئكة أنمو زج كَمَال الكائنات

стр. 74

شخصا ونوعا وجنسا أنور ثَمَرَات شجر الْخلقَة سراج الْحق برهَان الْحَقِيقَة تِمْثَال الرَّحْمَة مِثَال الْمحبَّة كشاف طلسم الكائنات دلال سلطنة الربوبية المرمز بعلوية شخصيته المعنوية إِلَى أَنه نصب عين فاطر الْعَالم فِي خلق الكائنات ذُو الشَّرِيعَة الَّتِي هِيَ بوسعة دساتيرها وقوتها تُشِير إِلَى أَنَّهَا نظام ناظم الْكَوْن وَوضع خَالق الكائنات نعم إِن ناظم الكائنات بِهَذَا النظام الأتم الْأَكْمَل هُوَ ناظم هَذَا الدّين بِهَذَا النظام الْأَحْسَن الأجمل سيدنَا نَحن معاشر بني آدم ومهدينا إِلَى الْإِيمَان نَحن معاشر الْمُؤمنِينَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب عَلَيْهِ أفضل الصَّلَوَات وَأتم التسليمات مَا دَامَت الأَرْض وَالسَّمَوَات فَإِن ذَلِك الشَّاهِد الصَّادِق الْمُصدق يشْهد على رُؤُوس الأشهاد مناديا ومعلما لأجيال الْبشر خلف الْأَعْصَار والأقطار نِدَاء علويا بِجَمِيعِ قوته وبغاية جديته وبنهاية وثوقه وبقوة اطمئنانه وبكمال أيمانه ب أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ

стр. 75

اللمْعَة الثَّانِيَة عشرَة الساطعة كالشموس بَحر الْحَقَائِق إِن هَذِه اللمْعَة الثَّانِيَة عشرَة من هَذِه الْكَلِمَة الثَّانِيَة وَالْعِشْرين لهي بَحر الْحَقَائِق وَأي بَحر بِحَيْثُ أَن الْكَلِمَات الاثنتين وَالْعِشْرين السَّابِقَة من كتاب سوزلر لَا تكون إِلَّا مُجَرّد اثْنَتَيْنِ وَعشْرين قَطْرَة مِنْهُ وَهِي منبع الْأَنْوَار وَيَا لَهُ من منبع بِحَيْثُ أَن تِلْكَ الْكَلِمَات الاثنتين وَالْعِشْرين لَيست سوى اثْنَتَيْنِ وَعشْرين لمْعَة من تِلْكَ الشَّمْس نعم إِن كل كلمة من تِلْكَ الْكَلِمَات الاثنتين وَالْعِشْرين السَّابِقَة مَا هِيَ إِلَّا لمْعَة وَاحِدَة لنجم آيَة وَاحِدَة تسطع فِي سَمَاء الْقُرْآن الْكَرِيم وَمَا هِيَ إِلَّا قَطْرَة وَاحِدَة من نهر آيَة تجْرِي فِي بَحر الْفرْقَان الْكَرِيم وَمَا هِيَ إِلَّا لؤلؤة وَاحِدَة من صندوق جَوَاهِر آيَة وَاحِدَة من كتاب الله الَّذِي هُوَ الْكَنْز الْأَعْظَم لذا مَا كَانَت الرشحة الرَّابِعَة عشرَة من الْكَلِمَة التَّاسِعَة عشرَة إِلَّا نبذة من تَعْرِيف ذَلِك الْكَلَام الإلهي الْعَظِيم
следующие страницы →