Полный текст (53 стр.). Показаны 36–53 · переход к 41.
стр. 36
من جِهَة الْيُسْرَى بل لَا يَلِيق أَن يشار إِلَيْهِ لَا من جِهَة الْعُلُوّ والفوقية ثمَّ الْإِشَارَة هِيَ بِحَسب الْكَوْن وحدوثه وتسفله فالإشارة تقع على أَعلَى جُزْء من الْكَوْن حَقِيقَة وَتَقَع على عَظمَة الْإِلَه تَعَالَى كَمَا يَلِيق بِهِ لَا كَمَا تقع على الْحَقِيقَة المعقولة عندنَا فِي أعلا جُزْء من الْكَوْن فَإِنَّهَا إِشَارَة إِلَى جسم وَتلك إِشَارَة إِلَى إِثْبَات إِذا علم ذَلِك فالاستواء صفة كَانَت لَهُ سُبْحَانَهُ فِي قدمه لَكِن لم يظْهر حكمهَا إِلَّا عِنْد خلق الْعَرْش كَمَا أَن الْحساب صفة قديمَة لَهُ لَا يظْهر حكمه إِلَّا فِي الْآخِرَة وَكَذَلِكَ التجلي فِي الْآخِرَة لَا يظْهر حكمه إِلَّا فِي مَحَله
تَنْبِيه إِذا علم ذَلِك فَالْأَمْر الَّذِي تهرب المتأولة مِنْهُ حَيْثُ أولُوا الْفَوْقِيَّة بفوقية الْمرتبَة والاستواء بِالِاسْتِيلَاءِ فَنحْن أَشد النَّاس هربا من ذَلِك وتنزيها للباري تَعَالَى عَن الْحَد الَّذِي يحصره فَلَا يجد بِحَدّ يحصره بل يحد تتَمَيَّز بِهِ عَظمته وذاته لَيْسَ مخلوقاته وَالْإِشَارَة إِلَى الْجِهَة إِنَّمَا هُوَ بِحَسب
стр. 37
الْكَوْن وتسفله إِذْ لَا يُمكن الْإِشَارَة إِلَيْهِ إِلَّا هَكَذَا وَهُوَ فِي قدمه سُبْحَانَهُ منزه عَن صِفَات الْحُدُوث وَلَيْسَ فِي الْقدَم فوقية وَلَا تحتية وَإِن من هُوَ مَحْصُور فِي التحت لَا يُمكنهُ معرفَة باريه إِلَّا من فَوْقه فَتَقَع الْإِشَارَة على الْعَرْش حَقِيقَة إِشَارَة معقولة وتنتهي الْجِهَات عِنْد الْعَرْش وَيبقى مَا وَرَاءه لَا يُدْرِكهُ الْعقل وَلَا يَكْفِيهِ بكيفية الْوَهم فَتَقَع الْإِشَارَة عَلَيْهِ كَمَا يَلِيق بِهِ مُجملا ثَابتا لَا مكيفا وَلَا ممثلا وَجه من الْبَيَان الرب ثَابت الْوُجُود ثَابت الذَّات لَهُ ذَات مُقَدَّسَة متميزة عَن مخلوقاته تجلى للأبصار يَوْم الْقِيَامَة وَيُحَاسب الْعَالم فَلَا يجهل ثُبُوت ذَاته وتميزها عَن مخلوقاته فَإِذا ثَبت ذَلِك فقد أوجد الأكوان فِي مَحل وحيز وَهُوَ سُبْحَانَهُ فِي قدمه منزه عَن الْمحل والحيز فيستحيل شرعا وعقلا عِنْد حُدُوث الْعَالم أَن يحمل فِيهِ أَو يخْتَلط بِهِ لِأَن الْقَدِيم لَا يحل فِي الْحَادِث وَلَيْسَ هُوَ محلا للحوادث فَلَزِمَ أَن يكون باينا عَنهُ وَإِذا كَانَ باينا عَنهُ يَسْتَحِيل أَن يكون الْعَالم فِي جِهَة الفوق وَأَن يكون ربه سُبْحَانَهُ فِي جِهَة التحت هَذَا محَال شرعا وعقلا فَيلْزم أَن يكون الْعَالم فِي جِهَة الفوق فَوْقه بالفوقية اللائقة بِهِ الَّتِي لَا تكيف وَلَا تمثل بل تعلم من حَيْثُ الْجُمْلَة والثبوت لَا من حَيْثُ
стр. 38
التَّمْثِيل والتكييف وَقد سبق الْكَلَام فِي أَن الْإِشَارَة إِلَى الْجِهَة إِنَّمَا هُوَ باعتبارنا لأَنا فِي مَحل وحد وحيز والقدم لَا فَوق فِيهِ وَلَا تَحْتَهُ وَلَا بُد من معرفَة الموجد وَقد ثَبت بينونته عَن مخلوقاته واستحال علوها عَلَيْهِ فَلَا يُمكن مَعْرفَته وَالْإِشَارَة بِالدُّعَاءِ إِلَيْهِ إِلَّا من جِهَة الفوق لِأَنَّهَا أنسب الْجِهَات إِلَيْهِ وَهُوَ غير مَحْصُور فِيهَا هُوَ كَمَا كَانَ فِي قدمه وأزليته فَإِذا أَرَادَ الْمُحدث أَن يُشِير إِلَى الْقَدِيم فَلَا يُمكنهُ ذَلِك إِلَّا بِالْإِشَارَةِ إِلَى الْجِهَة الْفَوْقِيَّة لِأَن المشير فِي مَحل لَهُ فَوق وَتَحْت والمشار إِلَيْهِ قديم بِاعْتِبَار قدمه لَا فَوق هُنَاكَ وَلَا تَحت وَبِاعْتِبَار حدوثنا وتسفلنا هُوَ فَوْقنَا فَإِذا أَشَرنَا إِلَيْهِ تقع الْإِشَارَة عَلَيْهِ كَمَا يَلِيق بِهِ لَا كَمَا نتوهمه فِي الْفَوْقِيَّة المنسوبة إِلَى الْأَجْسَام لكننا نعلمها من جِهَة الْإِجْمَال والثبوت لَا من جِهَة التَّمْثِيل والتكييف وَالله الْمُوفق للصَّوَاب وَمن عرف هَيْئَة الْعَالم ومركزه من علم الْهَيْئَة وَأَنه لَيْسَ لَهُ إِلَّا جهتا الْعُلُوّ
стр. 39
والسفل ثمَّ اعْتقد بينونة خالقه عَن الْعَالم فَمن لَوَازِم الْبَيْنُونَة أَن يكون فَوْقه لِأَن جَمِيع جِهَات الْعَالم فَوق وَلَيْسَ السّفل إِلَّا المركز وَهُوَ الْوسط
فصل
إِذا علمنَا ذَلِك واعتقدناه تخلصنا من شبه التَّأْوِيل وعماوة
стр. 40
التعطيل وحماقة التَّشْبِيه والتمثيل وأثبتنا علو رَبنَا سُبْحَانَهُ وفوقيته واستواءه على عَرْشه كَمَا يَلِيق بجلاله وعظمته وَالْحق وَاضح فِي ذَلِك والصدور تَنْشَرِح لَهُ فَإِن التحريف تأباه الْعُقُول الصَّحِيحَة مثل
стр. 41
تَحْرِيف الاسْتوَاء بِالِاسْتِيلَاءِ وَغَيره وَالْوُقُوف فِي ذَلِك جهل وعي مَعَ كَون أَن الرب تَعَالَى وصف لنا نَفسه بِهَذِهِ الصِّفَات لنعرفه بهَا فوقوفنا على إِثْبَاتهَا ونفيها عدُول عَن الْمَقْصُود مِنْهُ فِي تعريفنا إِيَّاهَا فَمَا وصف لنا نَفسه بهَا إِلَّا لنثبت مَا وصف بِهِ نَفسه لنا وَلَا نقف فِي ذَلِك وَكَذَلِكَ التَّشْبِيه والتمثيل حَمَاقَة وجهالة فَمن وَفقه الله تَعَالَى للإثبات بِلَا تَحْرِيف وَلَا تكييف وَلَا وقُوف فقد وَقع على الْأَمر الْمَطْلُوب مِنْهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فصل
وَالَّذِي شرح الله صَدْرِي فِي حَال هَؤُلَاءِ الشُّيُوخ الَّذين أولُوا الاسْتوَاء بِالِاسْتِيلَاءِ وَالنُّزُول بنزول الْأَمر وَالْيَدَيْنِ بالنعمتين والقدرتين هُوَ علمي بِأَنَّهُم مَا فَهموا فِي صِفَات الرب تَعَالَى إِلَّا مَا يَلِيق بالمخلوقين فَمَا فَهموا عَن
стр. 42
الله اسْتِوَاء يَلِيق بِهِ وَلَا نزولا يَلِيق بِهِ وَلَا يدين تلِيق بعظمته بِلَا تكييف وَلَا تَشْبِيه فَلذَلِك حرفوا الْكَلم عَن موَاضعه وعطلوا مَا وصف الله تَعَالَى نَفسه بِهِ وَنَذْكُر بَيَان ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
لَا ريب إِنَّا نَحن وإياهم متفقون على إِثْبَات صِفَات الْحَيَاة والسمع وَالْبَصَر وَالْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة وَالْكَلَام لله وَنحن قطعا لَا نعقل من الْحَيَاة إِلَّا هَذَا الْعرض الَّذِي يقوم بأجسامنا وَكَذَلِكَ لَا نعقل من السّمع وَالْبَصَر إِلَّا أعراضا تقوم بجوارحنا فَكَمَا إِنَّهُم يَقُولُونَ حَيَاته لَيست بِعرْض وَعلمه كَذَلِك وبصره كَذَلِك هِيَ صِفَات كَمَا تلِيق بِهِ لَا كَمَا تلِيق بِنَا فَكَذَلِك نقُول نَحن حَيَاته مَعْلُومَة وَلَيْسَت مكيفه وَعلمه مَعْلُوم وَلَيْسَ مكيفا وَكَذَلِكَ سَمعه وبصره معلومان لَيْسَ جَمِيع ذَلِك أعراضا بل هُوَ كَمَا يَلِيق بِهِ
وَمثل ذَلِك بِعَيْنِه فوقيته واستواؤه ونزوله ففوقيته مَعْلُومَة أَعنِي ثابته كثبوت حَقِيقَة السّمع وَحَقِيقَة الْبَصَر فَإِنَّهُمَا معلومان وَلَا يكيفان كَذَلِك فوقيته مَعْلُومَة ثَابِتَة غير مكيفة كَمَا يَلِيق بِهِ واستواؤه على عَرْشه مَعْلُوم غير مكيف بحركة اَوْ انْتِقَال يَلِيق بالمخلوق بل كَمَا يَلِيق بعظمته وجلالة صِفَاته مَعْلُومَة من حَيْثُ الْجُمْلَة والثبوت غير معقولة من حَيْثُ التكييف والتحديد فَيكون الْمُؤمن بهَا مبصرا من وَجه أعمى من وَجه مبصرا من حَيْثُ الْإِثْبَات والوجود أعمى من حَيْثُ التكييف والتحديد
стр. 43
وَبِهَذَا يحصل الْجمع بَين الْإِثْبَات لما وصف الله تَعَالَى نَفسه بِهِ وَبَين نفي التحريف والتشبيه وَالْوُقُوف وَذَلِكَ هُوَ مُرَاد الرب تَعَالَى منا فِي إبراز صِفَاته لنا لنعرفه بِهِ ونؤمن بحقائقها وننفي عَنْهَا التَّشْبِيه وَلَا نعطلها بالتحريف والتأويل وَلَا فرق بَين الاسْتوَاء والسمع وَلَا بَين النُّزُول وَالْبَصَر الْكل ورد فِي النَّص
فَإِن قَالُوا لنا فِي الاسْتوَاء وَالنُّزُول وَالْيَد وَالْوَجْه والقدم والضحك والتعجب من التَّشْبِيه شبهتم نقُول لَهُم فِي السّمع شبهتم ووصفتكم ربكُم بِالْعرضِ فَإِن قَالُوا لَا عرض بل كَمَا يَلِيق بِهِ قُلْنَا فِي الاسْتوَاء والفوقية لَا حصر بل كَمَا يَلِيق بِهِ فَجَمِيع مَا يلزمونا بِهِ فِي الاسْتوَاء نلزمهم بِهِ فِي الْحَيَاة والسمع فَكَمَا لَا يجعلونها هم أعراضا كَذَلِك نَحن لَا نَجْعَلهَا جوارح وَلَا مَا يُوصف بِهِ الْمَخْلُوق وَلَيْسَ من الْإِنْصَاف أَن يفهموا فِي الاسْتوَاء وَالنُّزُول وَالْوَجْه وَالْيَد صِفَات المخلوقين فيتحاجوا إِلَى التَّأْوِيل والتحريف
فَإِن فَهموا فِي هَذِه الصِّفَات ذَلِك فيلزمهم أَن يفهموا فِي الصِّفَات السَّبع صِفَات المخلوقين من الْأَعْرَاض فَمَا يلزمونا فِي تِلْكَ الصِّفَات من التَّشْبِيه والجسمية نلزمهم بِهِ فِي هَذِه الصِّفَات من العرضية وَمَا ينزهوا رَبهم بِهِ فِي الصِّفَات السَّبع وينفون عَنهُ عوارض الْجِسْم فِيهَا فَكَذَلِك نَحن نعمل فِي تِلْكَ الصِّفَات الَّتِي ينسبونا فِيهَا إِلَى التَّشْبِيه سَوَاء بِسَوَاء وَمن
стр. 44
أنصف عرف مَا قُلْنَا اعتقده وَقبل نصيحتنا ودان لله بِإِثْبَات جَمِيع صِفَاته هَذِه وَتلك وَنفى عَن جَمِيعهَا التَّشْبِيه والتعطيل والتأويل وَالْوُقُوف وَهَذَا مُرَاد الله تَعَالَى منا فِي ذَلِك لِأَن هَذِه الصِّفَات وَتلك جَاءَت فِي مَوضِع وَاحِد وَهُوَ الْكتاب وَالسّنة فَإِذا أثبتنا تِلْكَ بِلَا تَأْوِيل وحرفنا هَذِه وأولناها كُنَّا كمن آمن بِبَعْض الْكتاب وَكفر بِبَعْض وَفِي هَذَا بَلَاغ وكفاية إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فصل
وَإِذا ظهر هَذَا وَبَان انجلت الثَّلَاث مسَائِل بأسرها وَهِي مَسْأَلَة الصِّفَات من النُّزُول وَالْيَد وَالْوَجْه وأمثالها وَمَسْأَلَة الْعُلُوّ والاستواء وَمَسْأَلَة الْحَرْف وَالصَّوْت أما مَسْأَلَة الْعُلُوّ فقد قيل فِيهَا مَا فَتحه الله تَعَالَى وَأما مَسْأَلَة الصِّفَات فتساق مساق مَسْأَلَة الْعُلُوّ وَلَا نفهم مِنْهَا مَا نفهم من صِفَات المخلوقين بل يُوصف الرب تَعَالَى بهَا كَمَا يَلِيق بجلاله وعظمته فتنزل كَمَا يَلِيق بجلاله وبعظمته ويداه كَمَا تلِيق بجلاله وعظمته وَوَجهه الْكَرِيم كَمَا يَلِيق بجلاله وعظمته فَكيف ننكر الْوَجْه الْكَرِيم ونحرف وَقد قَالَ ﷺ فِي دُعَائِهِ (أَسأَلك لَذَّة النّظر إِلَى وَجهك)
стр. 45
وَإِذا ثَبت صفة الْوَجْه بِهَذَا الحَدِيث وَبِغَيْرِهِ من الْآيَات والنصوص فَكَذَلِك صفة الْيَدَيْنِ والضحك والتعجب وَلَا يفهم من جَمِيع ذَلِك إِلَّا مَا يَلِيق بِاللَّه وبعظمته لَا مَا يَلِيق بالمخلوقات من الْأَعْضَاء والجوارح تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا
стр. 46
فَإِذا ثَبت هَذَا الحكم فِي الْوَجْه فَكَذَلِك فِي الْيَدَيْنِ والقبضتين والقدم والضحك والتعجب كل ذَلِك كَمَا يَلِيق بِجلَال الله تَعَالَى وعظمته فَيحصل بذلك إِثْبَات مَا وصف الله تَعَالَى نَفسه بِهِ فِي كِتَابه وَفِي سنة رَسُوله ﷺ وَيحصل أَيْضا نفي التَّشْبِيه والتكييف فِي صِفَاته وَيحصل أَيْضا ترك التَّأْوِيل والتحريف الْمُؤَدِّي إِلَى التعطيل وَيحصل أَيْضا بذلك عدم الْوُقُوف بِإِثْبَات الصِّفَات وحقائقها على مَا يَلِيق بِجلَال الله تَعَالَى وعظمته لَا على مَا نعقله نَحن من صِفَات المخلوقين
وَأما مَسْأَلَة الْحَرْف وَالصَّوْت فتساق هَذَا المساق فَإِن الله تَعَالَى قد تكلم بِالْقُرْآنِ الْمجِيد وبجميع حُرُوفه فَقَالَ تَعَالَى ﴿الم﴾ وَقَالَ ﴿المص﴾ وَقَالَ ﴿ق وَالْقُرْآن الْمجِيد﴾ وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي الحَدِيث (فينادي يَوْم الْقِيَامَة بِصَوْت يسمعهُ من بعد كَمَا يسمعهُ من قرب) وَفِي الحَدِيث (لَا أَقُول آلم حرف وَلَكِن ألف حرف لَام حرف مِيم حرف) فَهَؤُلَاءِ مَا فَهموا من كَلَام الله تَعَالَى إِلَّا مَا فهموه من كَلَام المخلوقين فَقَالُوا إِن قُلْنَا بالحروف فَإِن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى القَوْل بالجوارح واللهوات وَكَذَلِكَ إِذا قُلْنَا بالصوت أدّى ذَلِك إِلَى الْحلق
стр. 47
والحنجرة عمِلُوا فِي هَذَا من التخبط كَمَا عمِلُوا فِيمَا تقدم من الصِّفَات
وَالتَّحْقِيق هُوَ أَن الله تَعَالَى قد تكلم بالحروف كَمَا يَلِيق بجلاله وعظمته فَإِنَّهُ قَادر والقادر لَا يحْتَاج إِلَى جوراح وَلَا إِلَى لَهَوَات وَكَذَلِكَ لَهُ صَوت كَمَا يَلِيق بِهِ يسمع وَلَا يفْتَقر ذَلِك الصَّوْت الْمُقَدّس إِلَى الْحلق والحنجرة كَلَام الله تَعَالَى كَمَا يَلِيق بِهِ وصوته كَمَا يَلِيق بِهِ وَلَا ننفي الْحَرْف وَلَا الصَّوْت عَن كَلَامه سُبْحَانَهُ لافتقارهما منا إِلَى الْجَوَارِح واللهوات فَإِنَّهُمَا من جناب الْحق تَعَالَى لَا يفتقران إِلَى ذَلِك وَهَذَا ينشرح الصَّدْر لَهُ ويستريح الْإِنْسَان بِهِ من التعسف والتكلف بقوله هَذَا عبارَة عَن ذَلِك
فَإِن قيل فَهَذَا الَّذِي يقرأه الْقَارئ هُوَ عين قِرَاءَة الله تَعَالَى وَعين تكَلمه هُوَ قُلْنَا لَا بل الْقَارئ يُؤَدِّي كَلَام الله تَعَالَى وَالْكَلَام إِنَّمَا ينْسب إِلَى من قَالَه مبتدئا لَا إِلَى من قَالَه مُؤديا مبلغا وَلَفظ الْقَارئ فِي غير الْقُرْآن مَخْلُوق وَفِي الْقُرْآن لَا يتَمَيَّز اللَّفْظ الْمُؤَدِّي عَن الْكَلَام الْمُؤَدِّي عَنهُ وَلِهَذَا منع السّلف عَن قَول لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق لِأَنَّهُ لَا يتَمَيَّز كَمَا منعُوا عَن قَول
стр. 48
لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غير مَخْلُوق فَإِن لفظ العَبْد فِي غير التِّلَاوَة مَخْلُوق وَفِي التِّلَاوَة مسكوت عَنهُ كَيْلا يُؤَدِّي الْكَلَام فِي ذَلِك إِلَى القَوْل بِخلق الْقُرْآن وَمَا أَمر السّلف بِالسُّكُوتِ عَنهُ يجب السُّكُوت عَنهُ وَالله الْمُوفق
стр. 49
فصل
العَبْد إِذا أَيقَن أَن الله تَعَالَى فَوق السَّمَاء عَال على عَرْشه بِلَا حصر وَلَا كَيْفيَّة وَأَنه الْآن فِي صِفَاته كَمَا كَانَ فِي قدمه صَار لِقَلْبِهِ قبْلَة فِي صلَاته وتوجهه ودعائه وَمن لَا يعرف ربه بِأَنَّهُ فَوق سماواته على عَرْشه فَإِنَّهُ يبْقى ضائعا لَا يعرف وجهة معبوده لَكِن لَو عرفه بسمعه وبصره وَقدمه وَتلك بِلَا هَذَا معرفَة نَاقِصَة بِخِلَاف من عرف أَن إلهه الَّذِي يعبده فَوق الْأَشْيَاء فَإِذا دخل فِي الصَّلَاة وَكبر توجه قلبه إِلَى جِهَة الْعَرْش منزها ربه تَعَالَى عَن الْحصْر مُفردا لَهُ كَمَا أفرده فِي قدمه وأزليته عَالما أَن هَذِه الْجِهَات من حدودنا ولوازمنا وَلَا يمكننا الْإِشَارَة إِلَى رَبنَا فِي قدمه وأزليته إِلَّا بهَا لأَنا محدثون والمحدث لَا بُد لَهُ فِي إِشَارَته إِلَى جِهَة فَتَقَع تِلْكَ الْإِشَارَة إِلَى ربه كَمَا يَلِيق بعظمته لَا كَمَا بتوهمه هُوَ من نَفسه ويعتقد أَنه فِي علوه قريب من خلقه هُوَ مَعَهم بِعِلْمِهِ وسَمعه وبصره وإحاطته وَقدرته ومشيئته وذاته فَوق الْأَشْيَاء فَوق الْعَرْش وَمَتى شعر قلبه بذلك فِي الصَّلَاة أَو التَّوَجُّه أشرق قلبه واستنار وأضاء بأنوار الْمعرفَة وَالْإِيمَان
стр. 50
وغشيت أشعة العظمة على عقله وروحه وَنَفسه فانشرح لذَلِك صَدره وقوى إيمَانه ونزه ربه عَن صِفَات خلقه من الْحصْر والحلول وذاق حِينَئِذٍ شَيْئا من أذواق السَّابِقين المقربين بِخِلَاف من لَا يعرف وجهة معبوده وَتَكون الْجَارِيَة راعية الْغنم أعلم بِاللَّه مِنْهُ فَإِنَّهَا قَالَت فِي السَّمَاء عَرفته بِأَنَّهُ على السَّمَاء فَإِن فِي تَأتي بِمَعْنى على قَوْله تَعَالَى ﴿يتيهون فِي الأَرْض﴾ أَي على الأَرْض وَقَوله ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ أَي على جُذُوع النّخل فَمن تكون الراعية أعلم بِاللَّه مِنْهُ لكَونه لَا يعرف وجهة معبوده فَإِنَّهُ لَا يزَال مظلم الْقلب لَا يَسْتَنِير بأنوار الْمعرفَة وَالْإِيمَان وَمن أنكر هَذَا القَوْل فليؤمن بِهِ وليجرب ولينظر إِلَى مَوْلَاهُ من فَوق عَرْشه بِقَلْبِه مبصرا من وَجه أعمى من وَجه كَمَا سبق مبصرا من جِهَة الْإِثْبَات والوجود وَالتَّحْقِيق أعمى من جِهَة التَّحْدِيد والحصر والتكييف فَإِنَّهُ إِذا عمل ذَلِك وجد ثَمَرَته إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَوجد نوره وبركته عَاجلا وآجلا ﴿وَلَا ينبئك مثل خَبِير﴾ وَالله سُبْحَانَهُ الْمُوفق والمعين
فصل
فِي تقريب مَسْأَلَة الْفَوْقِيَّة من الأفهام بِمَعْنى من علم الْهَيْئَة لمن عرفه لَا ريب أَن أهل هَذَا الْعلم حكمُوا بِمَا اقتضته الهندسة وَحكمهَا صَحِيح لِأَنَّهُ ببرهان لَا يكابر الْحس فِيهِ بِأَن الأَرْض فِي جَوف الْعَالم الْعلوِي وَأَن كرة الأَرْض فِي وسط السَّمَاء كبطيخة فِي جَوف بطيخة وَالسَّمَاء مُحِيطَة بهَا من
стр. 51
جَمِيع جوانبها وَأَن سقل الْعَالم هُوَ جَوف كرة الأَرْض وَهُوَ المركز وَنحن نقُول جَوف الأَرْض السَّابِعَة وهم لَا يذكرُونَ السَّابِعَة لِأَن الله تَعَالَى أخبرنَا عَن ذَلِك وهم لَا يعْرفُونَ ذَلِك وَهَذِه الْقَاعِدَة عِنْدهم هِيَ ضَرُورِيَّة لَا يكابر الْحس فِيهَا أَن المركز هُوَ جَوف كرة الأَرْض وَهُوَ مُنْتَهى السّفل والتحت وَمَا دونه لَا يُسمى تحتا بل لَا يكون تحتا وَيكون فوقا بِحَيْثُ لَو فَرضنَا خرق المركز وَهُوَ سفل الْعَالم إِلَى تِلْكَ الْجِهَة لَكَانَ الْخرق إِلَى جِهَة فَوق وَلَو نفذ الْخرق إِلَى السَّمَاء من تِلْكَ الْجِهَة الْأُخْرَى لصعد إِلَى جِهَة فَوق
وبرهان ذَلِك أَنا لَو فَرضنَا مُسَافِرًا سَافر على كرة الأَرْض من جِهَة الْمشرق إِلَى جِهَة الْمغرب وامتد مُسَافر الْمَشْي على كرة الأَرْض إِلَى حَيْثُ ابْتَدَأَ بالسير وَقطع الكرة مِمَّا يرَاهُ النَّاظر اسفل مِنْهُ وَهُوَ فِي سَفَره هَذَا لم تَبْرَح الأَرْض تَحْتَهُ وَالسَّمَاء فَوْقه فالسماء الَّتِي يشهدها الْحس تَحت الأَرْض هِيَ فَوق الأَرْض لَا تحتهَا لِأَن السَّمَاء فَوق الأَرْض بِالذَّاتِ فَكيف كَانَت السَّمَاء كَانَت فَوق الأَرْض من أَي جِهَة فرضتها وَمن أَرَادَ معرفَة ذَلِك فَليعلم أَن كرة الأَرْض النّصْف الْأَعْلَى مِنْهَا ثقله على المركز وَالنّصف الْأَسْفَل مِنْهَا ثقله على النّصْف الْأَعْلَى أَيْضا إِلَى جِهَة المركز وَالنّصف
стр. 52
الْأَسْفَل هُوَ أَيْضا فَوق النّصْف الْأَعْلَى كَمَا أَن النّصْف الْأَعْلَى فَوق النّصْف الْأَسْفَل وَلَفظ الْأَسْفَل فِيهِ مجَاز بِحَسب مَا يتخيل النَّاظر وَكَذَلِكَ كرة المَاء مُحِيطَة بكرَة الأَرْض إِلَّا سدسها والعمران على ذَلِك السُّدس وَالْمَاء فَوق الأَرْض كَيفَ كَانَ وَإِن كُنَّا نرى الأَرْض مدحية على المَاء فَإِن المَاء فَوْقهَا وَكَذَلِكَ كرة الْهَوَاء مُحِيطَة بكرَة المَاء وَهِي فَوْقهَا وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فالسماء الَّتِي تَحت النّصْف الْأَسْفَل من كرة الأَرْض هِيَ فَوْقه لَا تَحْتَهُ لِأَن السَّمَاء على الأَرْض كَيفَ كَانَت فَعَلُوهَا على الأَرْض بِالذَّاتِ فَقَط لَا تكون تَحت الأَرْض بِوَجْه من الْوُجُوه وَإِذا كَانَ هَذَا الْجِسْم وَهُوَ السَّمَاء علوها على الأَرْض بِالذَّاتِ فَكيف من لَيْسَ كمثله شَيْء وعلوه على كل شَيْء بِالذَّاتِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ وَقد تكَرر فِي الْقُرْآن الْمجِيد ذكر الْفَوْقِيَّة ﴿يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم﴾ ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾ ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾ لِأَن فوقيته سُبْحَانَهُ وعلوه على كل شَيْء ذاتي لَهُ فَهُوَ الْعلي بِالذَّاتِ والعلو صفته اللائقة بِهِ كَمَا أَن السفول والرسوب والانحطاط ذاتي للأكوان عَن رُتْبَة ربوبيته وعظمته وعلوه والعلو والسفول حد بَين الْخَالِق والمخلوق يتَمَيَّز بِهِ عَنهُ هُوَ سُبْحَانَهُ عَليّ بِالذَّاتِ وَهُوَ كَمَا كَانَ قبل خلق الأكوان وَمَا سواهُ مُسْتَقل عَنهُ بِالذَّاتِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْعلي على عَرْشه يدبر الْأَمر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض ثمَّ يعرج الْأَمر إِلَيْهِ فيحيي هَذَا وَيُمِيت هَذَا ويمرض هَذَا ويشفي هَذَا ويعز هَذَا ويذل هَذَا وَهُوَ الْحَيّ القيوم الْقَائِم بِنَفسِهِ وكل شَيْء قَائِم بِهِ فرحم الله
стр. 53
عبدا وصلت إِلَيْهِ هَذِه الرسَالَة وَلم يعاجها بالإنكار وافتقر إِلَى ربه فِي كشف الْحق آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار وَتَأمل النُّصُوص فِي الصِّفَات وفكر بعقله فِي نُزُولهَا وَفِي الْمَعْنى الَّذِي نزلت لَهُ وَمَا الَّذِي أُرِيد بعلمها من الْمَخْلُوقَات وَمن فتح الله قلبه عرف أَنه لَيْسَ المُرَاد إِلَّا معرفَة الرب تَعَالَى بهَا والتوجه إِلَيْهِ مِنْهَا وإثباتها لَهُ بحقائقها وأعيانها كَمَا يَلِيق بجلاله وعظمته بِلَا تَأْوِيل وَلَا تَعْطِيل وَلَا تكييف وَلَا تَمْثِيل وَلَا جمود وَلَا وقُوف وَفِي ذَلِك بَلَاغ لمن تدبر وكفاية لمن استبصر إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى الله على من لَا نَبِي بعده وعَلى آله وَصَحبه وَسلم وَالله سُبْحَانَهُ أعلم
تمت الرسَالَة