← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 647

موسوعة بيت المقدس وبلاد الشام الحديثية

أحمد بن سليمان بن أيوب

Полный текст (1 147 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فَقَالَ طَالُوتُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَيُّكُمْ أَفْضَلُ فِي أَنْفُسِكُمْ؟ قَالُوا: مَا عَهِدْنَا فِينَا مِثْلَ الأَجْذَمِ. فَدَعَاهُ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَصْحَبَ ابْنَتِي إِلَى بَيْتِ المقْدِسِ. فَقَالَ لَهُ: إِنَّ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنِّي، وَشَرٌّ مِنُّي. قَالَ: لَا يَصْحَبُهَا إِلَّا أَنْتَ. قَالَ: فَإِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَأَجِّلْنِي حَتَّى أَفْرَغَ مِنْهَا. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَانْطَلَقَ فَجَبَّ مَذَاكِيرَهُ، فَجَعَلَهَا فِي جونةٍ وَخَتَمَ عَلَيْهَا، وَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَانْطَلَقَ مَعَ ابْنَتِهِ، فَلَمَّا قَدِمَتْ بَيْتَ المقْدِسِ أَعْجَبَتْهَا الصَّلَاةُ فِيهِ، فَأبْطَأَتْ حَتَّى قَالَ النَّاسُ فِيهِ وَفِيهَا، فَجَعَلَ طَالُوتُ يَتَوَاعَدُهُ، فَقَالَتْ ابْنَتُهُ: مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ هَذَا. فَازْدَادَ عَلَيْهِ حَنَقًا حَتَّى أَوْعَدَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَقَالَ: اسْتَوْدَعْتُكَ شَيْئًا. قَالَ: نَعَمْ. فَأَخْرَجَ الجونةَ فَإِذَا فِيهَا مَذَاكِرُهُ، قَالَ: فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَتَعَرَّي. فَتَعَرَّي فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِيهَا شَيءٌ، قَالَ: مَا صَلُحْتَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَكَمًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. فَجَعَلَ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ، وَلِبَنِي إِسْرَائِيلَ حَكَمَانِ سُوَاهُ، قَالَ: فَجَعَلَ الأَشْرَافُ يَدْنُونَ مِنْهُ فَيَأتُونَهُ، قَالَ: اجْعَلُوا لِي شَيْئًا لَا يَدْنُونَ مِنِّي. فَفَعَلُوا، فَجَعَلُوا يَدْنُونَ مِنْهُ، فَسَمَّرَ عَيْنَيهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا أَعْرَفُ شَرِيفًا مِنْ وَضِيعٍ. قَالَ: فَجَعَلَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، فَنَزَلَ مَلَك مِنَ السَّمَاءِ عَلَى فَرَسٍ رغوثٍ -يَعْنِي: نَتَجَتْ فَرَسًا- قَالَ: وَلِلْحرَّاثِ بَقَرَةٌ نَتَجَتْ عِجْلًا، فَاتَّبَعَ العِجْلُ الفَرَسَ وَتَرَكَ البَقَرَةَ، فَقَالَ لَهُ الحرَّاثُ: وَلَدُ بَقَرَتِي، وَقَالَ الملَكُ: وَلَدُ فَرَسِي، أَرْسِلْهُ فَإِنِ اتَّبَعَ الفَرَسَ فَهُوَ وَلَدُ فَرَسِي، وَإِنِ اتَّبَعَ البَقَرَةَ فَهُوَ وَلَدُ البَقَرَةِ، فَأَرْسَلَهُ فَجَعَلَ يَتْبَعُ الفَرَسَ، فَقَالَ الملَكُ: انْطَلِقْ إِلَى حَكَمِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. قَالَ: فَانْطَلَقَا إِلَيْهِ فَحَكَمَ فَقَضَى عَلَيْهِ، فَلَوَّحَ لَهُ الملَكُ رُمَّانَةً مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: أَرْسِلُوا العِجْلَ فَإِنِ اتَّبَعَ الفَرَسَ فَهُوَ وَلَدُهَا، وَإِنِ اتَّبَعَ البَقَرَةَ فَهُوَ وَلَدُهَا. قَالَ: فَفَعَلُوا، فَتَبعَ الفَرَسَ، قَالَ: فَجَعَلَ الحرَّاثُ يَلْوي رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: انْطَلِقْ إِلَى الحكَمِ الآخِرِ. فَانْطَلَقَا فَقَضَى عَلَيْهِ، فَلَوَّحَ لَهُ رُمَّانَةً مِنْ ذَهَبٍ، فَقَضَى لَهُ، قَالَ:

стр. 562

انْطَلِقْ. فَانْطَلَقَا إِلَى الْأَجْذَمِ، فَقَالَ لَهُ الأَجْذَمُ: إِنِّي حَائِضٌ، وَإِنِّي لَا أقْضِي بَيْنَ أَحَدٍ. فَقَالَ لَهُ الملَكُ: وَتَحِيضُ الرِّجَالُ؟! قَالَ: فَقَالَ لَهُ: أَوَتَلِدُ الفَرَسُ عِجْلًا؟! قَالَ: فَمَسَحَ الملَكُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَيَدِه وَمَذَاكِرِهِ، فَإِذَا هُوَ كَمَا كَانَ. (٥٧٢) ٦٠ - عُبَّادُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. ٥٣٦ - قَالَ: ابْنُ المرَجَّا فِي "فَضَائِلِ بَيْتِ المقْدِسِ": أَخْبَرَنَا أَبُو الفَرَجِ، قَالَ: أَبَنَا عِيسَى، قَالَ: أَبَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الجنَيدِ، قَالَ: أَبَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الكَرِيمِ، قَالَ: أَبَنَا جَعْفَرُ، قَالَ: قِيلَ لفرقدٍ السَّبْخِي: أَخْبِرْنَا بِأَعْجَبِ شيءٍ بَلَغَكَ عَنْ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ دَخَلَ بَيْتَ المقْدِسِ خَمَسُمِئَةِ عَذْرَاءَ لِبَاسُهُنَّ الصُّوفُ، فَذَكَرْنَ ثَوَابَ اللَّهِ وَعِقَابَهُ، فَمُتْنَ جَمِيعًا. (٥٧٣) بَابُ مَنْ أَحَبَّ الدَّفْنَ في الأَرْضِ المقَدَّسَةِ أَوْ نَحْوِهَا ٥٣٧ - قَالَ البُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ": حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: أُرْسِلَ مَلَكُ الموْتِ إِلَى مُوسَى ﵉، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الموْتَ، فَرَدَّ اللَّهُ

стр. 563

عَلَيْهِ عَيْنَهُ (٥٧٤) وَقَالَ: ارْجعْ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ؛ فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ

стр. 564

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 565

يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ. قَالَ: أَيْ رَبِّ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ الموْتُ. قَالَ: فَالْآنَ. فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الأَرْضِ المقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ (٥٧٥). قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الكَثِيبِ (٥٧٦) الأَحْمَرِ". (٥٧٧)

стр. 566

٥٣٨ - قَالَ ابْنُ المرَجَّا فِي "فَضَائِلِ بَيْتِ المقْدِسِ": أَخْبَرَنَا أَبُو الفَرَجِ، ثَنَا عِيسَى، قَالَ: أَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: عُمَرُ بْنُ عَبْدوَيْه، قَالَ: أَبَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ المؤَذِّنُ، صَاحِبُ سَرِي السَّقَطِي، قَالَ: ثَنَا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ الأنْصَارِي، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ القُدُّوسِ بْنُ الحجَّاجِ الشَّامِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ كَعْبِ الأَحْبَارِ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ مَاتَ وَدُفِنَ فِي حُبْرَى سَارَة، دَفَنَهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَهِيَ زَوْجَتُهُ، قَالَ: لمَّا مَاتَتْ خَرَجَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ يَطْلُبُ مَوْضِعًا لِقَبْرِهَا، فَرَجَا أَنْ يَجِدَ بَقُرْبِ حُبْرَى مَوْضِعًا، فَمَضَى إِلَى عَقْرُونَ، وَكَانَ ذَلِكَ مَلِكَ الموْضِعِ، وَكَانَ مَسْكَنُهُ حُبْرَى، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: بِعْنِي مَوْضِعًا أُقْبِرُ فِيهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلي، فَقَالَ: قَدْ أَبَحْتُكَ، ادْفِنْ حَيْثُ شِئْتَ مِنْ أَرْضِي. فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ﵇: إِنِّي لَا أُحِبُ إِلَّا بِالثَّمَنِ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الشَّيْخُ الصَّالِحُ، ادْفِنْ حَيْثُ أَرَدتَّ، فَأَبَى عَلَيْهِ، وَكَانَ طَلَبَ المغَارَةَ، فَقَالَ: أَبِيعُكَ بِأَرْبَعِمِئَةِ دِرْهَمٍ فِي كُلِّ دِرْهَمٍ وَزْنُ خَمْسَةِ دَرَاهِمٍ، كُلُّ مِئَةٍ ضَرْبُ مَلِكٍ، وَأَرَادَ أَنْ يُشَدِّدَ عَلَيْهِ؛ لِكَيْ لَا يَجِدَ، فَيَرْجِعَ إِلَى قَوْلِهِ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، فَإِذَا جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ سَمِعَ مَقَالَةَ هَذَا الجبَّارِ لَكَ، وَهَذِهِ الدَّرَاهِمُ فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَدَفَعَ إِلَيْهِ الدَّرَاهِمَ، فَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟ فَقَالَ: مِنْ عِنْدِ إِلَهِي وَرَازِقِي، فَأَخَذَ مِنْهُ الدَّرَاهِمَ. وَحَمَلَ سَارَةَ إِلَى المغَارَةِ، فَدُفِنَتْ فِيهَا، ثُمَّ توفِيَّ إِبْرَاهِيمُ فَدُفِنَ بِحِذَائِهَا، ثُمَّ توفِيَّتْ ربقةُ زَوْجَة إِسْحَاقَ ﵇ فَدُفِنَتْ فِيهَا، ثُم توفِيَّ إِسْحَاقُ ﵇ فَدُفِنَ فِيهَا بِحِيالِ زَوْجِهِ، ثُمَّ تُوفِيَّ يَعْقُوبُ ﵇ فَدُفِنَ عِنْدَ بَابِ المغَارَةِ، ثُمَّ توفِيَّتْ ليقَا

стр. 567

فَدُفِنَتْ بحِذَاءِ يَعْقُوبَ. فَاجْتَمَعَ أَوْلَادُ يَعْقُوبَ: العِيصُ وَإخْوَتُهُ، فَقَالُوا: نَدَعُ بَابَ المغَارَةِ مَفْتُوحًا، فَكُلُّ مَنْ مَاتَ مِنَّا دَفَنَّاهُ فِيهَا، فَتَشَاجَرُوا، فَرَفَعَ أَحَدُ إِخْوَةِ العِيصِ يَدَهُ فَلَطَمَ العِيصَ، فَسَقَطَ رَأسُهُ فِي المغَارَةِ، فَحَمَلُوا جُثَّتَهُ، وَدُفِنَ بِلَا رَأْسٍ، وَبَقِيَ الرَّأْسُ فِي المغَارَةِ، وسَدُّوا بَابَ المغَارَةِ، وَحَوَّطُوا عَلَى المغَارَةِ حَائِطًا، وَعَمَلُوا فِيهِ عَلَامَاتِ القُبُورِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، وَكَتَبُوا عَلَيْهِ: هَذَا قُبْرُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ هَذَا قَبْرُ سَارَةَ، هَذَا قَبْرُ إِسْحَاقَ، هَذَا قَبْرُ ربقةَ، هَذَا قَبْرُ يَعْقُوبَ، هَذَا قَبْرُ زَوْجَتِهِ ليقَا، وَخَرَجُوا عَنْهُ وَأطْبَقُوا بَابَهُ، فَكَانَ مَنْ جَازَ بِهِ يَطُوفُ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ أَحَدٌ، حَتَّى جَاءَتِ الرُّومُ بَعْدَ ذَلِكَ فَفَتَحُوا لَهُ بَابًا، وَدَخَلُوا إِلَيْهِ، وَبَنَوا كَنِيسَةً. (٥٧٨) ٥٣٩ - قَالَ ابْنُ المرَجَّا فِي "فَضَائِلِ بَيْتِ المقْدِسِ": أَخْبَرَنَا أَبُو الفَرَجِ، قَالَ: أَنا عِيسَى، أَنَا عَلِيٌّ، ثَنَا القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدٍ الزَّيَّاتُ، قَالَ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الحسَينِ الدُّولَابِي، قَالَ: ثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الأزْهَرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ كَعْبَ الأَحْبَارِ يَقُولُ: إِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ لمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ مَسْجِدِ بَيْتِ المقْدِسِ؛ أَوْحَى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ أَنِ ابْنِ عَلَى قَبْرِ خَلِيلِي إِبْرَاهِيمَ بِنَاءً لِيُعْرَفَ بِهِ، فَخَرَجَ سُلَيْمَانُ فَبَنَى عَلَى مَوْضِعٍ يُسَمَّى الرَّامَةُ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: لَيْسَ هُوَ هَذَا، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى النُّورِ المتَدَلِّي مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، فَنَظَرَ فَإِذَا النُّورُ عَلَى بُقْعَةٍ يُقَالُ لَهَا: حُبْرَى، فَعَلِمَ أَنَّ تِلْكَ

стр. 568

المقْصُودَةُ، فَبَنَى عَلَيْهِ حَيِّزًا عَلَى البُقْعَةِ. (٥٧٩) ٥٤٠ - قَالَ ابْنُ المرَجَّا فِي "فَضَائِلِ بَيْتِ المقْدِسِ": أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْلِمٍ، قَالَ: أَبَنَا عُمَرُ، قَالَ: أَبَنَا أَبِي، قَالَ: أَبَنَا الوَلِيدُ، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي الضَّيْفِ، قَالَ: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الكَرِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ؛ أَنَّهُ سَمعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهِ يَقُولُ: قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: مَا نَرَى الأَمْرَ إِلَّا فِي هَذِهِ العَصَا، وَلَوْ ذَهَبَتِ العَصَا مَا كَانَ مُوسَى نَبِيًّا؛ فَأَوْحَى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ أَنْ هَؤلاءِ السُّفَهَاءُ يَرَوْنَ أَنَّ الأَمْرَ فِي العَصَا، فَمُرِ الحجَرَ أَمْرًا، فَغَضِبَ مُوسَى ﷺ فَضَرَبَ الحجَرَ بِالعَصَا؛ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا مُوسَى، لَعَمْرِي إِنْ عَصَيْتَنِي لَمِنَ العُصَاةِ أَنْتَ وَهُمْ وَلَدُوكَ، وَلَأُمِيتَنَّكَ مَعَهُمْ قَبْلَ أَنْ أُدْخِلَكَ الأَرْضَ المقَدَّسَةَ، قَالَ: يَا رَبِّ، أَوَلَيْسَ كُنْتَ وَعَدتَّنِي أَنْ تَمْلَأَ عَيْنِي مِنَ الأَرْضِ المقَدَّسَةِ؟ قَالَ: بَلَى سَأَفْعَلُ ذَلِكَ، قَالَ: وَكَيْفَ تَفْعَلُهُ يَا رَبِّ وَأَنا هَاهُنَا مَعَهُمْ؟! قَالَ: أَخْفِضُ مَا كَانَ مُرْتَفِعًا، وَأَرْفَعُ مَا كَانَ مُنْخَفِضًا حَتَّى تَرَاهَا، قَالَ: فَرَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى مَا كَانَ مُنْخَفِضًا، وَخَفَضَ مَا كَانَ مُرْتَفِعًا حَتَّى مَلأَ مُوسَى ﷺ عَيْنَهُ مِنَ الأَرْضِ المقَدَّسَةِ وَرَآهَا. (٥٨٠) ٥٤١ - قَالَ ابْنُ المرَجَّا فِي "فَضَائِلِ بَيْتِ المقْدِسِ": أَخْبَرَنَا أَبُو الفَرَجِ، قَالَ: أَنا عِيسَى، قَالَ: أَنا عَلِيٌّ، قَالَ: ثَنَا القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ

стр. 569

ابنِ يَزِيدَ الهمَدَانِي الزَّيَّات، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ البَغْدَادِي بِمَكَّةَ، قَالَ: ثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: ثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ غَالِبٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْبِضَ رُوحَ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ أَوْحَى إِلَى الدُّنْيَا: إِنِّي دَافِنٌ فِيكِ خَلِيلي، فَاضْطَرَبَتِ الدُّنْيَا اضطِّرَابًا شَدِيدًا، وَتَشَامَخَتْ جِبَالُهَا، وَتَوَاضَعَتْ مِنْهَا بُقْعَةٌ يُقَالُ لَهَا: حُبْرَى، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا: يَا حُبْرَى، أَنْتِ شَعُوعِي، أَنْتِ شَعْشُوعِي، أَنْتِ قُدُسِي، أَنْتِ بَيْتُ قُدُسِي، فِيكِ خِزَانَةُ عِلْمِي، وَعَلَيْكِ أُنْزِلُ رَحْمَتِي وَبَرَكَاتِي، وَإِلَيْكِ أَحْشُرُ خِيَارَ عِبَادِي مِنْ وَلَدِ خَلِيلي، فَطُوبَى لِمَنْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ فِيكِ لِي سَاجِدًا، أَسْقِيهِ مِنْ حَظِيرَةِ قُدْسِي، وَآمَنُهُ أَفْزَاعُ قِيَامَتِي، وَأُسْكِنُهُ الجنَّةَ بِرَحْمَتِي، فَطُوبَاكِ ثُمَّ طُوبَاكِ، أَدْفِنُ فِيكِ خَلِيلي. (٥٨١) فَضْلُ مَنْ دُفِنَ فِي بَيْتِ المقْدِسِ ٥٤٢ - قَالَ ابْنُ المرَجَّا فِي "فَضَائِلِ بَيْتِ المقْدِسِ": أَخبرنا أَبُو الفَرَجِ، قال: أَبَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَلْف الهمْدَانِي، قَالَ: حَدَّثَنِي صَدِيقٌ لِي مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالعَفَافِ: أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الرَّمْلَةِ فِي مُهِم، فَبَاتَ فِي قَرْيَةِ العِنَبِ فِي الفُنْدُقِ، وَرَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنْ قَدْ وَرَدَ تَابُوتٌ فِيهِ مَيْتٌ، وَقَدْ لَقِيَهُ قَبْلَ دُخُولِهِ القَرْيَةَ طَائِفَتَانِ، طَائِفَة قَالُوا: نَحْنُ مَلَائكَةُ الرَّحْمَةِ. وَطَائِفَةٌ أُخْرَى قَالُوا: نَحْنُ مَلَائِكَةُ العَذَابِ. فَتَقَاتَلُوا عَلَى أَخْذِه، فَغَلَبَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ لمَلَائِكَةِ العَذَابِ وَقَالُوا: قَدْ دَخَل أَرْضَ القُدُسِ، لَيْسَ لَكُمْ عَلَيْهِ سُلْطَان. فَلَمَّا كَانَ فِي السَّحَرِ،

стр. 570

وَفُتحَ بَابُ الفُنْدُقِ، فَإِذَا قَوْمٌ قَدْ وَرَدُوا بتَابُوتٍ فِيهِ مَيْت مِنْ مِصْرَ، فَقُلْتُ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ مَعَهُ: مَنْ هَذَا الميْتُ؟ فَذَكَرُوا أَنَّهُ رَجُلٌ لَهُ جَنَبَةٌ مِنَ السُّلْطَانِ مِنْ أَهْلِ الأَقْدَارِ أَوْصَى بِأَنْ يُدْفَنَ فِي القُدُسِ، فَرَجَعْتُ إِلَى بَيْتِ المقْدِسِ حَتَّى صَلَّيْتُ عَلَيْه، وَحَضَرْتُ دَفْنَهُ ﵀. (٥٨٢) ٥٤٣ - قَالَ ابْنُ المرَجَّا فِي "فَضَائِلِ بَيْتِ المقْدِسِ": أَخْبَرَنَا أَبُو الفَرَجِ، قَالَ: أَبَنَا عِيسَى، قَالَ: أَبَنَا عَلِيُّ، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ: ثَنَا سُلَيْمَانُ، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَبْدِ الملِكِ، عَنْ مُقَاتِلٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: مَنْ دُفِنَ فِي بَيْتِ المقْدِسِ نَجَا مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ وَضِيقِهِ. (٥٨٣) ٥٤٤ - قَالَ الوَاسطِي فِي "فَضَائِلِ البَيْتِ المقَدَّسِ": حَدَّثَنَا عُمَرُ، نَا أَبِي، نَا الوَلِيدُ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ كَعْبِ الأَحْبَارِ، قَالَ: مَنْ دُفِنَ فِي بَيْتِ المقْدِسِ فَقَدْ جَازَ الصِّرَاطَ. (٥٨٤)

стр. 571

٥٤٥ - قَالَ الوَاسطِي فِي "فَضَائِلِ البَيْتِ المقَدَّسِ": حَدَّثَنَا عُمَرُ، نَا أَبِي، نَا الوَلِيدُ، نَا إِبْرَاهِيمُ بن مُحَمَّدٍ، نَا مُحَمَّدٍ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، قَالَ: سَمِعْت كَعْبًا يَقُولُ: مَقْبُورُ بَيْتِ المقْدِسِ لَا يُعَذَّبُ. (٥٨٥) فَضْلُ مَنْ مَاتَ في زَيْتُونِ الملَّةِ ٥٤٦ - قَالَ الوَاسطِي فِي "فَضَائِلِ البَيْتِ المقَدَّسِ": حَدَّثَنَا عُمَرُ، نَا أَبِي، نَا الْوَلِيدُ، نَا إِبْرَاهِيْم بن مُحَمَّدٍ، نَا سَعِيدُ بن دَهْثَمٍ، نَا خُلَيْدُ بن دعْلج، قَالَ: سَمِعْتُ الحسَنَ يَقول: مَنْ دُفِنَ فِي بَيْتِ المقْدِسِ فِي زَيْتونِ الملَّةِ، فَكَأَنَّمَا دُفِنَ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ خُلَيْدٌ: مَا عَرَفْتُ الملَّةَ حَتَّى قَدِمْتُ بَيْتَ المقْدِسِ. (٥٨٦)

стр. 572

٥٤٧ - قَالَ الوَاسطِي فِي "فَضَائِلِ البَيْتِ المقَدَّسِ": حَدَّثَنَا عُمَرُ، نَا أَبِي، نَا الوَلِيدُ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَدِيٍّ المازِنِيُّ، قَالَ: سَأَلَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ (٥٨٧) عَنْ مَنْزِلِي، فَأَخْبَرتُهُ أَنِّي مِنْ بَيْتِ المقْدِسِ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُ زَيْتُونَ الملَّةِ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهَا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ. (٥٨٨) فَضْلُ مَنْ مَاتَ بِبَيْتِ المقْدِسِ ٥٤٨ - قَالَ لُوَيْن فِي "جُزْئِهِ": حَدَثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَطِيَّةَ الصَّفَّارُ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عَرْزَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ مَاتَ فِي بَيْتِ المقْدِسِ، فَكَأَنَّمَا مَاتَ فِي السَّمَاءِ". (٥٨٩)

стр. 573

٥٤٩ - قَالَ الوَاسطِي فِي "فَضَائِلِ البَيْتِ المقَدَّسِ": حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الفَضْلِ، نَا أَبِي، نَا الوَلِيدُ، نَا إِبْرَاهِيْمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالحٍ، نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالحٍ، عَنْ أَزْهَرِ بْنِ سَعَيدٍ، عَنْ كَعْبٍ فِي بَيْتِ المقْدِسِ: اليَوْمُ فِيهِ كَأَلْفِ يَوْمٍ، وَالشَّهْرُ فِيهِ كَأَلْفِ شَهْرٍ، وَالسَّنَةُ فِيهِ كَأَلْفِ سَنَةٍ، وَمَنْ مَاتَ فِيهِ فَكَأَنَّمَا مَاتَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَمَنْ مَاتَ حَوْلَهُ فَكَأَنَّمَا مَاتَ فِيهِ. (٥٩٠) مَنْ رَغِبَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ المقْدِسِ ٥٥٠ - قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي "الجامِعِ المسْتَقْصَى": أَبَنَا أَبُو طَاهِر الدِّمَشْقِي قِرَاءَةً، عَنْ أَبِي الحسَنِ الفَرَّاءِ الموصِلِي، قَالَ: أَبَنَا أَبُو الحسَنِ الصَّوَاف، أَبَنَا أَبُو بَكْرٍ البَزَّاز، ثَنَا عُمَرُ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا الوَلِيدُ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ ابْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا كَثِيرُ بْنُ الوَليدِ، عَنِ ابْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ صَفْوَانَ، قَالَ: مَثَلُ بَيْتِ المقْدِسِ مَثَلُ الْأَجَمَةِ فَيِهَا الْأَسَدُ، مَن دَخَلَهَا إِمَّا أَنْ يَأْكُلَهُ، وَإمَّا أَنْ يَسْلَمَ. (٥٩١)

стр. 574

٥٥١ - قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي "الجامِعِ المسْتَقْصَى": وَثَنَا الوَلِيدُ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ، ثَنَا ضَمْرَةُ، ثَنَا أَبُو عثَالِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ كيسَانَ أَبِي عِيسَى الخرَاسَانِي، قَالَ: لَقِيتُهُ بِمِصْرَ فَقُلْتُ: أرَغِبْتَ عَنِ الْقُدُسِ؟! قَالَ: لَمْ أَرْغَبْ عَنِ الْقُدُسِ، وَلَكِنَّي رَغِبْتُ عَنْ أَهْلِ الْقُدُسِ. (٥٩٢) مَا جَاءَ فِي خَرَابِ بَيْتِ المقْدِسِ ٥٥٢ - قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي "التَّفْسِيرِ": حَدَّثَنَا عِصَامُ بْنُ رَوَّادِ بْنِ الجرَّاحِ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدِ الثَّوْرِي، قَالَ: ثَنَا مَنْصُورُ بْنُ المعْتَمِرِ، عَنْ رِبْعِي بْنِ حِرَاشٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لمَّا اعْتَدُوا وَعَلَوا وَقَتَلَوا الأَنْبِياءَ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَلِكَ فَاِرسَ بُخْتُنَصَّر، وَكَانَ اللَّهُ مَلَّكَهُ سَبْعَمِئَةِ سَنَة، فَسَارَ إِلَيْهِمْ حَتَّى دَخَلَ بَيْتَ المقْدِسِ فَحَاصَرَهَا وَفَتَحَهَا، وَقَتَلَ عَلَى دَمِ زَكَرِيَا سَبْعِينَ أَلْفًا، ثُمَّ سَبَى أَهْلَهَا وَبَنِي الأَنْبِياءِ، وَسَلَبَ حُلِيَّ بَيْتِ المقْدِسِ وَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا سَبْعِينَ أَلْفًا وَمِئَةَ أَلْفِ عَجَلَةٍ مِنَ حُلِيٍّ، حَتَّى أَوْرَدَهُ بَابِلَ". قَالَ: حُذَيْفَةُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ كَانَ بَيْتُ المقْدِسِ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَجَلْ، بَنَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ مِنْ ذَهَبٍ وَدُرٍّ وَيَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ، وَكَانَ بَلَاطُهُ بَلَاطَةً مِنْ ذَهَبٍ وَبَلَاطَةً مِنْ فِضَّةٍ، وَعُمُدُهُ ذَهَبًا أَعْطَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ، وَسَخَّرَ لَهُ الشَّيَاطِينَ يَأتُونَهُ بِهَذِهِ

стр. 575

الأَشْياءَ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، فَسَارَ بُخْتُنَصَّر بِهَذِهِ الأَشْياءَ حَتَّى نَزَلَ بِهَا بَابِلَ، فَأَقَامَ بَنُو إِسْرَائيلَ فِي يَدَيْهِ مِئَةَ سَنَةٍ تُعَذِّبُهُمُ المجُوسُ وَأَبْنَاءُ المجُوسِ، فَيهِمُ الأَنْبِيَاءُ وَأَبْنَاءُ الأنبِياءِ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ رَحِمَهُمْ؛ فَأوْحَى إِلَى مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ فَارِسَ يُقَالُ لَهُ: كورس، وَكَانَ مُؤمِنًا أَنْ سِرْ إِلَى بَقَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى تَسْتَنْقِذَهُمْ، فَسَارَ كورس بِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَحُلِيِّ بَيْتِ المقْدِسِ حَتَّى رَدَّهُ إِلَيْهِ، فَأَقَامَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مُطِيعِينَ للَّهِ مِئَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ إِنَّهُمْ عَادُوا فِي المعَاصِي؛ فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أبطيَانحُوس فَغَزَا بأبْنَاءِ مَنْ غَزَا مَعَ بُخْتُنَصَّر، فَغَزَا بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى أَتَاهُمْ بَيْتَ المقْدِسِ فَسَبَى أَهْلَهَا وَأَحْرَقَ بَيْتَ المقْدِسِ، وَقَالَ لَهُمْ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنْ عُدتُّمْ فِي المعَاصِي عُدْنَا عَلَيْكُمْ بِالسبَاءِ؛ فَعَادُوا فِي المعَاصِي، فَسَيَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السبَاءَ الثَّالِثَ مَلِكَ رُومِيةَ يُقَالَ لَهُ: قَاقسُ بْنُ إسبَايُوس فَغَزَاهُمْ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ، فَسَبَاهُمْ وَسَبَى حُلِيَّ بَيْتِ المقْدِسِ، وَأَحْرَقَ بَيْتَ المقْدِسِ بِالنِّيرَانِ". فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَذَا مِنْ صَنْعَةِ حُلِيِّ بَيْتِ المقْدِسِ، وَيَردُّهُ المهْدِيُّ إِلَى بَيْتِ المقْدِسِ، وَهُوَ أَلْفُ سَفِينَةٍ وَسَبْعُمِئَةِ سَفِينَة يَرْسِي بِهَا عَلَى يَافَا حَتَّى تُنْقَلَ إِلَى بَيْتِ المقْدِسِ، وَبِهَا يَجْمَعُ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرينَ" (٥٩٣) ٥٥٣ - قَالَ ابْنُ المرَجَّا فِي "فَضَائِلِ بَيْتِ المقْدِسِ": أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْلِمٍ، قَالَ: أَبَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ الأَصْبَهَانِي، قَالَ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحسَنِ، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ زُرَيْقِ

стр. 576

ابنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَبَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحرَّانِي، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَمْرو، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِي، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "غَزَا طَاطرى بْنُ أَشْمَانُوس بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسَبَاهُمْ وَسَبَى حُلِيَّ بَيْتِ المقْدِسِ، وَأَحْرَقَهَا بِالنِّيرَانِ، وَحَمَلَ مِنْهَا فِي البَحْرِ أَلْفًا وَتُسْعُمِئَةِ سَفِينَةٍ حُلِيًّا حَتَّى أَوْرَدَهُ رُوِميَّةَ". قَالَ حُذَيْفَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَيَسْتَخْرِجَنَّ ذَلِكَ المهْدِيُّ حَتَّى يُورِدَهُ إِلَى بَيْتِ المقْدِسِ". (٥٩٤) ٥٥٤ - قَالَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ": حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسَيَّبِ، قَالَ: ظَهَرَ بُخْتُنَصَّر عَلَى الشَّامِ، فَخَرَّبَ بَيْتَ المقْدِسِ وَقَتَلَهُمْ، ثُمَّ أَتَى دِمَشْقَ فَوَجَدَ بِهَا دَمًا يَغْلِي عَلَى كَبَا -أَيْ: كُنَّاسَةٍ- فَسَأَلَهُمْ مَا هَذَا الدَّمُ؟ قَالُوا: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذَا وَكُلَّمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ الكَبا ظَهَرَ، قَالَ: فَقَتَلَ عَلَى ذَلِكَ الدَّمِ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ المُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ؛ فَسَكَنْ. (٥٩٥)

стр. 577

٥٥٥ - قَالَ أَبُو عَمْرُو الدَّانِي فِي "السُّنَنِ الوَارِدَةِ فِي الفِتَنِ": حَدَّثَنَا ابْنُ عَفَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الفَتْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ سِنْدِي، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: عَلَامَةُ خُرُوج المهْدِيِّ أَلْوِيَةٌ تُقْبِلُ مِنْ قِبَل المغْرِبِ، عَلَيْهَا رَجَلٌ مِنْ كِنْدَةَ أَعْرَجُ، فَإِذَا ظَهَرَ أَهْلُ المغْرِبِ عَلَى مِصْرَ فَبَطْنُ الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ لِأَهْلِ الشَّامِ. (٥٩٦) ٥٥٦ - قَالَ ابْن المرَجَّا فِي "فَضَائِلِ بَيْتِ المقْدِسِ": أَخْبَرَنَا أَبُو الفَرَجِ، أَبَنَا أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ مُحَمَّدٍ الهمدَانِي، قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ البَالِسِي، قَالَ: ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ، قَالَ: ثَنَا الخصِيبُ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الهذَيْلِ، قَالَ: لمَّا ظَهَرَ بُخْتُنَصَّر عَلَى بَيْتِ المقْدِسِ جَمَعَ النَّسَاءَ صَبَائِرَ، فَمَرَّ بِهِمْ نَبِيُّ لَهُمْ فَصَاحُوا

стр. 578

إِلَيْهِ، فَقَالَ: فَسَمعَ بُخْتُنَصَّر صِيَاحَهُنَّ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: مَرَّ بِهِمْ نَبِيٌّ لَهُنَّ فَصَاحُوا. فَقَالَ: أَدْخِلُوهُ عَلَيَّ، فَلَمَا دَخَلَ قَالَ: مَنْ سَلَّطَنِي عَلَى قَوْمِكَ؟ قَالَ: عِظَمُ خَطِيئَتِكَ، وَظُلْمُ قَوْمِي أَنْفُسَهُمْ. (٥٩٧) ٥٥٧ - قَالَ ابْنُ المرَجَّا فِي "فَضَائِلِ بَيْتِ المقْدِسِ": أَخْبَرَنَا أَبُو الفَرَجِ، قَالَ: أَبَنَا عِيسَى، قَالَ: أَبَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: أَبَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ: ثَنَا القَاسِمُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَوَانَةَ، قَالَ: ثَنَا يَحْيَى -يَعْنِي ابْنَ أَبِي كَثِيرٍ- عَنْ سَعِيدٍ الجريرِي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: شَكَا هَذَا البَيْتُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الخرَابَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنِّي مُبْدِلُكَ بِتَوْرَاةٍ مُحْدَثَةٍ -يَعْنِي القُرْآنَ- وَعُمَّارٍ مُحْدَثِينَ -يَعْنِي أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ يَزفُّونَ إِلَيْكَ زَفِيفَ النِّسْرِ، وَيَحِنُونَ إِلَيْكَ حَنِينَ الحمَاةِ عَلَى بَيْضِهَا، وَيَدْخُلُونَكَ رُكَّعًا سُجَّدًا. قَالَ: فَرَضِيَ. (٥٩٨) ٥٥٨ - قَالَ ابْنُ المرَجَّا فِي "فَضَائِلِ بَيْتِ المقْدِسِ": أَخْبَرَنَا أَبُو الفَرَجِ، قَالَ: أَبَنَا عِيسَى، قَالَ: أَبَنَا عَلِيُّ، قَالَ: أَبَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النُعْمَانِ، قَالَ: ثَنَا سُلَيْمَانُ، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَبْدِ الملِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهُ سَمعَ أَبَا يَزِيدَ يُحَدِّثُ: أَنَّ بَيْتَ المقْدِسِ خَرِبَتْ فَشَكَتْ

стр. 579

إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ لَهَا: لَا يُحْزِنكِ ذَلِكَ، فَقَدْ قَدَّسْتُكِ، أَنْتِ القُدْسُ وَأَنَا القُدُّوسُ. قَالَتْ: يَا رَبِّ، فَقدْ جَعَلْتَ ذَلِكَ لِي، فَمَنْ أَتَانِي يُصَلِّي فِيَّ فَتقَبَّلْ مِنْهُ، وَمَنْ سَكَنَنِي فَارْزُقْهُ، وَمَنْ مَاتَ فِيَّ فَاغْفِرْ لَهُ. قَالَ اللَّه تَعَالَى لَهَا: لَكِ مَا سَألْتِ. (٥٩٩) ٥٥٩ - قَالَ ابْنُ المرَجَّا فِي "فَضَائِلِ بَيْتِ المقْدِسِ": أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ، قَالَ: أَبَنَا عِيسَى، قَالَ: أَبَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ ابْنِ خَالِدٍ البَرَدْعِي، ثَنَا أَبُو سِنَانٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي العَوَّام، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: شَكَا بَيْتُ المقْدِسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الخرَابَ، فَقَالَ: يَارَبِّ، أَخْرَبْتَنِي وَأثْكَلْتَنِي، وأَشْمَتَّ بِي أَعْدَائِي، وَجَعَلْتَ الأَنْهَارَ فِي غَيْرِي، فَقَالَ اللَّه تَعَالَى: سَأنْقِلُ إِلَيْكِ مَنْ يَبْنِيكِ بِإذْنِي، وَيَنْفُونَ الخبَثَ عَنْ ظَهْرِكِ، وَيُصَلُّونَ فِيكِ، مَثَلِي وَمَثَلُكِ كَمَثَلِ رَجُلٍ جَعَلَ نَبْلَهُ فِي قَرْنٍ، وَأَكَنَّهَا مِنَ المطَرِ وَالطَّلِّ، وَمَثَلِي وَمَثَلُكِ كَمَثَلِ نِسْرٍ جَعَلَ فِرَاخَهُ فِي كُنٍّ، فَفَرْشُهَا جُؤجُؤهُ، وَألحفَهَا جَنَاحَهُ، إِلَيْكِ مِنِّي نَظْرَتَانِ، وَإِلَى سَائِركِ نَظْرَةٌ. فَقِيلَ لِكَعْبٍ: هَلْ يَتَكَلَّمُ المسْجِدُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ مَا مِنْ مَسْجِدٍ إِلَّا وَلَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَتَكَلَّمُ بهِ، وَإنَّهُ لَيَتَلَوَّى مِنَ النُّخَامَةِ وَالبُزَاقِ، كَمَا تَتَلَوَّى الدَّابَّةُ مِنْ ضَرْب السَّوْطِ. (٦٠٠) ٥٦٠ - قَالَ ابْنُ المرَجَّا فِي "فَضَائِلِ بَيْتِ المقْدِسِ": أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الحسَنِ عَلِيُّ بْنُ صَالحِ بْنِ مَيْمُونَ الفَقِيهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ العَكْبَرِي، قَالَ: ثَنَا الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ

стр. 580

أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحسَنِ بْنِ الحكَمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الدِّينَوَرِي، قَالَ: ثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ، قَالَ: قَرَأْتُ فِي بَعْضِ الكُتُبِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَفَعَ قَدْرَ بَيْتَ المقْدِسِ وَلَمْ يَزَلِ الملْكَ وَالنُّبُوَّةَ فِيهِ لِدَاوُدَ وَلِسُلَيْمَانَ ﵉ وَبَعْدَ سُلَيْمَانَ فِي وَلَدِهِ وَأَوْلَادِهِمْ إِلَى الْأَعْرَجِ مِنْ وَلَدِ وَلَدِهِ، وَكَانَ عَرَجُهُ مِنْ قِبَلِ عِرْقِ النَّسَاءِ، فَطَمِعَتِ الملُوكُ فِي بَيْتِ المقْدِسِ لِزَمَانَتِهِ وَضَعْفِهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، فَسَارَ إِلَيْهِ مَلِكُ الجزِيرَةِ وَكَانَ كَافِرًا يَعْبُدُ الزُّهْرَةَ، وَنَذَرَ لَئِنْ ظَفَرَ بِبَيْتِ المقْدِسِ لَيُذَكِّيَنَ ابْنَهُ لِلزُّهْرَةِ، وَكَانَ بُخْتُنَصَّرُ كَاتِبَهُ، فَخَرجَ إِلَى بَيْتِ المقْدِسِ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيْحًا فَأَهْلَكَتْ جَيْشَهُ، وَأَفْلَتَ هُوَ وَكَاتِبُهُ حَتَّى وَرَدَ الحصْنَ الَّذِي كَانَ لَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ إِلَيْهِ قَتَلَهُ ابْنَهُ فَغَضِبَ لَهُ بُخْتُنَصَّر فَقَتَلَهُ وَمَلَكَ بَعْدَهُ، وَسَارَ إِلَيْهَا مَلِكَ الهِنْدِ بَعْدَهُ فَأَهْلَكَهُ اللَّه، وَسَارَ إِلَيْهَا سِنْحَارِيبُ مَلِكُ الموصِلِ، وَمَلِكُ آذْربيجَانَ سُلَيْمَانُ الأَعْسَرُ فَاخْتَلَفُوا وَوَقَعَ الحرْبُ بَيْنَهُمَا حَتَّى تَفَانُوا، وَغَنِمَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مَا كَانَ مَعَهُمَا، وَسَارَ إِلَيْهَا مَلِكُ الرُّومِ وَمَعَهُ الأَشْبَانُ وَالصَّقَالِيبُ وَمَلِكُ الأَنْدُلُسِ، فَتَشَاجَرُوا أَيْضًا وَاقْتَتَلُوا، وَأَهْلَكَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، ثُمَّ إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَحْدَثُوا وَغَيَّرُوا، وَرَغِبَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَيْتِ المقْدِسِ وَضَارَعَهُ بِمَسْجِدِ ضِرَارٍ؛ فَزُلْزِلَ ذَلِكَ المسْجِدُ وَهَلَكَ، ثُمَّ غَزَاهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بُخْتُنَصَّرُ فَرَغِبُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتَابُوا، فَرَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بَعْدَ أَنْ فَتَحَ المدِينَةَ وَجَالُوا فِي أَسْوَاقِهَا جَوْلَةً، وَهَذِهِ المرَّةُ الأُولَى الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهَ تَعَالَى فَقَالَ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ (٦٠١) ثُمَّ أَحْدَثُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا، فَبَعَثَ اللَّه إِلَيْهِمْ أَرْمِيَا النَّبِي ﷺ لِيُخْبِرَهُمْ بِغَضِبِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، فَقَامَ فِيهِمْ بِوَحِي اللَّهِ تَعَالَى؛ فَضَرَبُوهُ وَقَيَّدُوهُ

стр. 581

وَسَجَنُوهُ. وَكَانَ قَالَ لِمَلِكِهَا: أَيُّهَا الملِكُ، إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ أَنَّ قَوْمَكَ قَدْ عَبَدَوا الْأَصْنَامَ، تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ اللَّهَ مُعَذِّبكُمْ إِنْ لَمْ تَتَرُكُوا مَا أَنْتُمْ فِيهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَحُفِرَ لَهُ جُبٌّ وَصُبَّ فِيهِ الماءُ حَتَّى أَنْتَنَ وَعَادَ حَمَأَةً، فَسَجَنَهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً عَلَى رُكْبَتَيْه، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْعُدَ فِي أَبْرَدِ أَرْضِ اللَّهِ، فَتَكَلَّمَ فِي الجبِّ، فَقَالَ: مَلْعُون اليَوْمُ الَّذِي وُلِدتُّ فِيهِ، مَلْعُونٌ مَنْ بَشرَ وَالِدًا بِوَلَدِه. أَوْ كَمَا قَالَ، فَسَمِعَهُ رَجُلٌ كَانَ يُجَالِسُ الملِكَ فَقَالَ لِلْمَلِكِ: أَرَأَيْتُكَ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي حَبَسْتَهُ فِي الجبِّ مَا تُرِيدُ مِنْهُ، أَتُرِيدُ قَتْلَهُ؛ قَالَ: لَا، قَالَ: فَأَخْرِجْهُ إِلَى بَعْضِ سُجُونِكَ هَذِه حَتَّى تَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ، فَأَخْرَجَهُ مْنَ الجبِّ بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَالجبُّ فِي بَيْتِ المقْدِسِ إِلَى اليَوْمِ، ظَاهِرٌ مَعْرُوفٌ يُعْرَفُ بِجُبِّ أرمِيَا. ثُمَّ إِنَّ أَرْمِيَا ﵇، قَالَ: لَا تَرُدَّنِي إلَى هَذَا الجبِّ وَافْعَلْ مَا تُرِيدُ. قَالَ: فَوَضَعَهُ فِي السِّجْنِ، وَكَانَ يُطْعِمُهُ كُلَّ يَوْمٍ قُرْصًا وَيُسْقِيَهُ مِنَ الماءِ؛ حَتَّى نَحَلَ جِسْمُهُ، وَطَالَ شَعرُهُ. ثُمَّ إِنَّ اللَّه أَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّمْلَ، فَكَلَّمَتْهُ فِي سِجنِهِ فَقُلْنَ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: لَأُخْرِجَنَّكَ مِنَ السِّجْنِ، وَلَأُنْجِينَّكَ وَلِمَقْ سَمعَ لَكَ، ثُمَّ لَأُخَرِّبَنَّ القَرْيَةَ -يَعْنِي: بَيْتَ المقْدِسِ- وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ مَلِكًا يُدْعَى بُخْتُنَصَّر سَيُحِيطُ بِالقَرْيَةِ فَيَقْتُلُ فِيهَا. وَكَانَ أَرْمِيَا قَبْلَ ذَلِكَ قَدْ أَخَذَ مِنْ بُخْتُنَصَّر أَمَانًا لِبَيْتِ المقْدِسِ وَمَنْ فِيهَا قَدِيِمًا، فَلَمَّا بَلَغَ سُهُولَ الرَّمْلَةِ وَأَعْلَمَ أَرْمِيَا بِذَلِكَ، أَخْبَرَ الملِكَ حَتَّى أَطْلَقَهُ، فَأنْزَلَ إِلَيْهِ بِالأَمَانِ فَأَنْزَلَهُ، فَوَجَدَهُ رَاكِبًا فَرَسًا، وَفِي يَدِهِ سَيْفٌ عَرِيضٌ قَدْ تَرَكَهُ عَلَى عُنُقِ الفَرَسِ، وَعَلَيْهِ مَكْتُوبٌ هَذِهِ الْأَبِياتُ: إِذَا كُنْتَ لَا تَرْجَى وَلَا أَنْتَ تَتَّقِي ... فَأَنْتَ كَالميِّتِ عَلَى نَعْشِهِ

стр. 582

لَا تَنْبِشِ الشِّرَّ فتَصْلَى بِهِ ... فَقلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنْ نَبْشِهِ وَالبَغْيُ صِرّاعٌ لَهُ صَوْلَةٌ ... تَسْتَنْزِلُ الجبَّارَ عَنْ عَرْشِهِ لِلْبَحْرِ أَقْرَاشٌ لَهُمْ وَثْبَةٌ ... فَلَا يَكُنْ مَا عِشتَ مِنْ قِرْشِهِ إِذَا طَغَى بِالكَبْشِ شَحمُ الكُلَى ... أَدُسُّ مِنْهُ الرَّأْسَ فِي كِرْشِهِ قَالَ: فَأَعْطَاهُ الأَمَانَ، فَنَظَرَهُ فَقَالَ: هُوَ أَمَانِي، وَلَكِنِّي مَبْعُوثٌ، وَقَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَرْمِي سَهْمِي، فَحَيْثُ مَا وَقَعَ طَلَبْتُ الموْضِعِ، قَالَ: فَرَمَى بِسَهْمٍ فَوَقَعَ فِي قُبَّةِ بَيْتِ المقْدِسِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ أرْمِيَا فَأَخْبَرَهُمْ بِذلِكَ، فَرَجَعَ مَلِكُهُمِ فَسَجَنَهُ، وَضَجُّوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالُوا: تُسَلِّطْ عَلَيْنَا بُخْتُنَصَّر وَنَحْنُ خَيْرٌ مِنْهُ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمْ: أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكُمْ نَقْتُلْكُمْ وَتَسَلَمُ العَامَّةُ، أَوْ تُقْتَلُ العَامَّةُ وَتَسْلَمُوا؟ فَقَالُوا: نَحْنُ أَعْلَمُ بِالْبَلَاءِ. وَكَانَ الأَمَانُ الَّذِي كَتَبَهُ بُخْتُنَصَّر لأَرْمِيَا كَتَبَهُ وَهُوَ صَبِيٍّ أَقْرَعٌ، وَقَدْ رَآهُ يَأْكُلُ وَيَتَغَوَّطُ وَيَقْتُلُ القَمْلَ، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: أَذًى يَخْرُجُ وَمَنْفَعَةً تَدْخُلُ وَعَدو يُقْتَلُ، فَقَالَ لَهُ: سَيَكُونُ لَكَ شَأْنٌ، فَأَخَذَ مِنْهُ الأَمَانَ فَكَتَبَهُ لَهُ فِي جِلْدٍ. ثُمَّ إِنَّ بُخْتُنَصَّر سَارَ إِلَيْهَا بِمَنْ مَعَهُ حَتَّى أَحَاطَ بِالقَرْيَةِ هُوَ وَجُنُودُهُ، وَحَصَرَهُمْ سَبَعَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى أَكَلُوا أَخْلَاءَهُمْ، وَشَرِبُوا أَبْوَالَهُمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَخْرَجُوا أرْمِيَا ﵇ عِنْدَ ذَلِكَ حِينَ حَصَرَهُمْ بُخْتُنَصَّر، فَقَصَّروا شَعْرَهُ وَكَسَوْهُ، ثُمَّ قَالَ: تَشَفَّعْ لَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ: أَلَيْسَ هُمُ الَّذِينَ فَعَلُوا بِكَ مَا فَعَلُوا، فَلَنْ أشْفَعَ لَهُمْ، وَلَوْ شَفَعَ إلَي إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَلَوْ خَرَجَ مُوسَى ﵇ مِنْ قَبْرِهِ مَا شَفَّعْتُهُ حَتَّى أَبْلُغَ فِيهِمْ أَمْرِي، ثُمَّ إِنَّ أَرْمِيَا قَالَ لَهُمْ: إِنِّي قَدْ شَفَعْتُ إلَى رَبِّي فَرَدَّ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَوا: مَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تَفْتَحُوا البَابَ فَيَهْلِكَ مَنْ يَهْلِكَ، وَيَبْقَى مَنْ يَبْقَى، خَيْرًا مِنْ أَنْ تَهْلَكُوا فِي الحصَارِ جَمِيعًا، فَفَتَحُوا البَابَ. وكَانَ لِبُخْتُنَصَّر خَلِيفَةٌ إِذَا أَمَرَهُ بِالأَمْرِ أَضْعَفَهُ ثَلَاثَةَ أَضْعَافٍ، ثُمَّ إِنَّ بُخْتُنَصَّر قَالَ

стр. 583

لِأَرْمِيَا: أَكُنْتَ تُخْبِرُهُمْ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا أَمَرَتْ بِهِ، مَاذَا تَصْنَعْ؟ قَالَ: أَمَرْتُ أَنْ تَحْكُمَ فِيهِمْ بِرَأيِكَ. فَخَرَّبَ البَيْتَ وَقَتَلَ عَلَى دَمِّ يَحْيَى ابنِ زَكَرِيا ﵇ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ ألْفًا، وَالدَّمُ يَغْلِي، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خَلِيفَةُ بُخْتُنَصَّر وَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ، وَقَالَ بُخْتُنَصَّر: لَا أَزَالُ أَقْتُلُ مِنْهُمْ حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُّ مِنَ القَرْيَةِ. فَقَالَ خَلِيفَةُ بُخْتُنَصَّر لِدَمِ يَحْيَى: أَسْأَلُكَ بِالَّذِي خَلَقَكَ إِلَّا سَكَنْتَ بإذْنِ اللَّهِ، فَقَدْ قُتِلَ مَنْ قُتِلَ وَهَلَكُوا. وَقَالَ: وَجَاءوا بالمواشِي فَقُتِلَتْ حَتَّى خَرَجَ الدَّمُ مِنَ القَرْيَةِ سائِلًا، فَقَالَ لِبُخْتُنَصَّر: قَدْ قَتَلْتُ حَتَّى خَرَجَتِ الدِّمَاءُ مِنَ القَرْيَةِ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْطَعَ، وَهِيَ الكَرَّةُ الأَخِيرَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فَقَالَ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ (٦٠٢) فَصَلَبَ مَنْ صَلَبَ، وَأَحْرَقَ وَبَاعَ ذَرَارِيهُمْ وَنِسَاءَهُمْ، وَمَثلَ بِهِمْ كُل مُثْلَةٍ، وَسارَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ إِلَى مِصْرَ وَلَجَأوا إِلَى مَلِكِهَا، فَسَارَ بُخْتُنَصَّر إِلَى مَلِكِ مِصْرَ فَاقْتَتَلُوا، فَظَفَرَ بِهِ بُخْتُنَصَّر؛ فَأَسَرَهُ وَأَسَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَتَلَ جُنُودَهُ، وَلَحِقَ بَأرْضِ بَابِلَ، وَأَقَامَ أَرْمِيَا بِأَرْضِ مِصْرَ وَاتَّخَذَ جُنِينَةً وَزَرَعَ فِيهَا بَقَلًا يَعِيشُ مِنْهُ، وَأَوْحَى اللَّه إلَيْهِ إِنَّ لَكَ لَهَمًّا وَشُغْلًا عَنِ الزَّرْعِ وَالمقَامِ بِأَرْضِ الكُفْرِ، وَكَيْفَ تَسَعُكَ أَرْضٌ أَوْ تَحْمِلُكَ مَعَ مَا تَعْلَمُ مِنْ سَخَطِي عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلْيَحزُنْكَ هَذَا البَلَاءُ الَّذِي قَضَيْتَهُ عَلَى إِيلْيَاءَ وَأَهْلِهَا، وَأَنَّهُ لَيْسَ زَمَنُ العِمْرَانِ وَلَكِنَّهُ زَمَنُ الخرَابِ؛ فَاعْمَدْ إِلَى جنِينَتَكَ هَذِهِ فَاهْدِمْ جُدُرَهَا، وَانْتِفْ بَقْلَهَا، وَغَوِّرَ نَهْرَهَا، وَالحقْ بِايلْيَاءَ فَلْتَكُنْ بِلَادَكَ حَتَّى يَبْلُغَ كِتَابِي أَجَلُهُ. فَخَرَجَ أَرْمِيَا مَذْعُورًا خَائِفًا وَذَلِكَ فِي زَمَنِ الثِّمَارِ فَرَكِبَ أَتَانًا لَهُ، وَتَزَوَّدَ سَلَّةً فِيهَا عِنَبٌ وَتِينٌ، وَاتَّخَذَ سِقَاءً جَدِيدًا فَمَلَأَهُ مَاءً، وَفَتَلَ حَبْلًا جَدِيدًا فَرَسنَ بِهِ أَتَانَهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى رَفَعَ لَهُ شَخْصٌ بَيْتَ المقْدِسِ فَرَأَى خَرَابًا عَظِيمًا لَا يُوصَفُ، فَقَالَ: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا. فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ،

стр. 584

وَابْتَعَثَ اللَّهُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ فَارِسٍ يُقَالَ لَهُ كُوشَكْ فَعَمَّرَهَا وَأحْيَاهُ اللَّه، وَقِيلَ لَهُ: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. (٦٠٣) ٥٦١ - قَالَ أَبُو طَالِبِ المكِّي (٦٠٤) فِي "قُوتِ القُلُوب": حَدَّثُونَا فِي الإِسْرَائِيلِيَّاتِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبَّهٍ اليَمَانِي: أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ﵉ لمَّا قَبَضَهُ اللَّهُ خَلَّفَ رِجَالًا مِنْ وَلَدِهِ يَعمُرُونَ بَيْتَ المقْدِسِ وَيُعَظِّمُونَهُ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ، حَتَّى خَلَفَهُ بَعْدَهُمْ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ سُلَيْمَانَ فَخَالَفَ طَرِيقَةَ آبَائِهِ، وَتَرَكَ شَرِيعَتَهُمْ، وَتَكَبَّرَ فِي الأَرْضِ وَطَغَى، وَقَالَ: بَنَى جَدِّي دَاوُدُ وَأَبِي سُلَيْمَانُ مَسْجِدًا فَمَالِيَ لَا أَبْنِي مَسْجِدًا مِثْلَ مَا بَنَوا، وَأَدْعُو النَّاسَ إِلَى شَرِيعَتِي كَمَا دَعَوا. فَبَنَى مَسْجِدًا يُضَاهِي بِهِ بَيْتَ المقْدِسِ، وَادَّعَى عَلَى اللَّهِ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَصَرَفَ النَّاسَ إِلَيْهِ، وَبَذَلَ لَهُمُ الأَمْوَالَ، وَأَخْرَبَ مَسْجِدَ بَيْتِ المقْدِسِ وَهَجَرَهُ، فَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِهِ رَغْبَةً وَرَهْبَةً، قَالَ: فَابْتَعَثَ اللَّهُ نَبيًّا مِنْ بَعْضِ أَهْلِ القُرَى، فَقَالَ: ارْكَبْ أَتَانَكَ هَذِه وَائتِ هَؤُلَاءِ القَوْمِ أَحْفَلَ مَا يَكُونُونَ، فَنَادِ فِي مَسْجِدِهِمْ وَمَجْمَعِهِمْ بِأَعْلَى صَوْتِكَ: يَا مَسْجِدَ الضِّرَارِ، إِنَّ اللَّهَ حَلَفَ بِاسْمِهِ لَيُوحِشَنَّكَ مِنْ عُمَّارِكَ، وَلَيَقْتُلَنَّ أَهْلَكَ فِيكَ، وَلَيَشْدَخَنَّهُمْ بِخَشَبِكَ وَجَنْدَلِكَ، وَلَتَلِغَنَّ الكِلَابُ دِمَاءَهُمْ وَتَأَكُلُ لُحُومَهُمْ فِيكَ، وَنَادِ فِي المدِينَةِ بِأَعْلَى صَوْتِكَ

стр. 585

بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَلَا تَأْكُلْ، وَلَا تَشْرَبْ، وَلَا تَسْتَظِلَّ، وَلَا تَنْزِلْ عَنْ أَتَانِكَ هَذِهِ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى قَرْيَتِكَ الَّتِي خَرَجْتَ مِنْهَا. قَالَ: فَفَعَلَ ذَلِكَ فَثَارَ النَّاسُ إِلَيْهِ يَضْرِبُونَهُ بِالخشَبِ، وَيَشُجُّونَهُ بِالحجَارَةِ وَهُوَ عَلَى أَتَانِهِ لَا يَنْزِلُ عَنْهَا، فنَالَهُ عَلَى ذَلِكَ أَذًى كَثِيرٌ وَضَرَبٌ عَظِيمٌ، ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا فِي آخِرِ النَّهَارِ يَؤمَّ قَرْيَتَهُ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا، وَقْدَ أَدَّى الرِّسَالَةَ، وَصَبَرَ عَلَى الضَّرْبِ وَالبَلَاءِ للَّه ، فَلَمَّا كَانَ ببَعْضِ الطَّرِيقِ سَمِعَ بِهِ نَبِيٌّ آخَرٌ كَانَ فِي بَعْضِ القُرَى اسْتَقْبَلَهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّكَ قَدْ أَدَّيتَ رِسَالَةَ رَبِّكَ، وَإِنكَ أَمْضَيتَ أَمْرَهُ، وَإِنَّكَ قَدْ نَصِبْتَ وَلَقِيتَ عَنَاءً مِنْ هَؤُلَاءِ القَوْمِ، وَأَنْتَ جَائِعٌ عَطْشَانٌ تَسيلُ دِمَاؤُكَ عَلَى جَسَدِكَ وَثِيَابكَ؛ فَاغْدُ إِلَى مَنْزِلِي فَكُلْ وَاشْرَبْ وَاسْتَرِحْ، وَاغْسِلْ جَسَدَكَ وَثِيابَكَ. فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لمَّا أَرْسَلَنِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إِليَّ أَنْ لَا آكُلَ وَلَا أَشْرَبَ وَلَا أَسْتَظِلَّ حَتَّى أَرْجعَ إِلَى أَهْلِي. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : فَإِنِّي مِنْ أَهْلِكَ؛ لِأَنَّنِي نَبِيٌّ مِثْلُكَ، وَأَخُوكَ فِي الدِّينِ، فَلَا أَرَى اللَّهَ عَنِيَ بِذَلِكَ إِلَّا القَوْمَ الَّذِينَ بَعَثَكَ إِلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُمْ أَعْدَاوُهُ، فَنَهَاكَ أَنْ تَأكُلَ مِنْ طَعَامِهِمْ، وَتَسْتَظِلَّ عِنْدَهُمْ، وَلَا أَحْسَبُ حَرَّمَ عَلَيْكَ دُخُولَ مَنْزِلِي، وَلَا الأَكْلَ مِنْ طَعَامِي؛ لِأَنِّي شَريكُكَ فِي الأُخُوَّةِ وَالنُّبوَّةِ. قَالَ: فَصَدَّقَهُ وَانْصَرَفَ مَعَهُ إِلَى مَنْزِلَهُ، فَلَمَّا وَضَعَ الطًّعَامَ بَينَ يَدَيهِ وَأَهْوَى لِيَأكُلَ عَنْ جُوع شدِيدٍ قَدْ أَضَرَّ بِهِ؛ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى ذَلِكَ النَّبِيّ الَّذِي دَعَاهُ إِلَى مَنْزِلِهِ قُل لَهُ: آثَرْتَ شَهْوتَكَ وَبْطَنَكَ عَلَى أَمْرِي، أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكَ أَنْ لَا تَنْزِلَ، وَلَا تَسْتَظِلَّ، وَلَا تَأَكُلَ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى قَرْيَتِكَ الَّتِي خَرَجْتَ مِنْهَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ اجْتَهَدتَّ بِرَأْيكَ، وَقُلْتَ بِمَبْلَغِ عِلْمِكَ لَعَمَّكُمَا العِقَابُ، وَهُوَ أَقَلّ عِنْدِي عُذْرًا مِنْكَ؛ لأَنِّي عَهَدت إِلَيْهِ فَآثَرَ هَوَاهُ وَشَهْوَتَهُ وَتَرَكَ عَهْدِي، فَأَخْبَرهُ النَّبِيُّ ﷺ بِمَا أُمِرَ، فَوَثَبَ مَذْعُورًا يَجُرُّ إِزَارَهُ، وَجَعَلَ يُرَّحِلُ أَتَانَهُ وَيَعْجَلُ وَلَا يَعْقِلُ مَا هُوَ فِيهِ، فَرَكِبَهَا طَارِدًا لَهَا عَلَى وَجْهِهِ لجُوعِهِ

стр. 586

وَعَطَشِهِ، وَدَمَاؤُهُ عَلَى ثِيَابِهِ وَجَسَدِهِ لَا يَنْثَنِي، فَلَمَّا هَبَطَ عَنْ عَقَبَةٍ تَحْتَها غَيْضَةً عَارَضَهُ سَبْعٌ فَافْتَرسَهُ، وَانْتَصَبَ السَّبعُ مَقْعِيًا عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ يَزْأَرُ، يَحْرُسُ أَتَانَهُ وَرَحْلَهُ، كُلَّمَا أَقْبَلَ إِنْسَانٌ زَأَرَ الأَسَدُ عَلَيْهِ حَتَّى يَطْرُدَهُ، فَسَمِعَ بِخَبَرِهِ ذَاكَ النَّبِيُّ فَأَقْبَلَ نَحْوَهُ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ الأَسَدُ انْصَرَفَ عَنْهُ وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، قَالَ: فَكَفَّنَهُ وَوَارَاهُ وَانْصَرَفَ بِرَحْلِهِ وَأَتَانِهِ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ: يَارَبِّ، عَبْدُكَ هَذَا الَّذِي بَلَّغَ رِسَالَتَكَ وَأَمْضَى أَمْرَكَ، وَقَدْ كَانَ أَجْهَدَهُ البَلَاءُ فَخَالَفَ مَا أَرَدتَّ، فَلَمْ يَعْلَمْ فَعَاقَبْتَهُ بِهَذِهِ العُقُوبَةِ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ لَيْسَتْ هَذِهِ عُقُوبَةٌ، وَلَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ لِهَوَانِهِ عَلَيَّ وَلَكِنْ هَذِهِ مَغْفِرَةٌ وَرَحْمَة، إِنَّهُ خَالَفَ أَمْرِي وَكَانَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُ، فَكَرِهْتُ لَهُ أَنْ يَلْقَانِي عَلَى المخَالَفَةِ فَأَلْقَاهُ بِمَا يَكْرَهُ؛ فَقَيَّضْتُ لَهُ كَلْبًا مِنْ كِلَابِي فَطَهَّرَهُ لِلِقَائِي، فَكَانَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدِي شَهَادَةً وَدَرَجَةً فَوْقَ نُبُوَّتِهِ، فَقَالَ: سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، أَحْكَمُ الحاكِمينَ، وَأَرْحَمُ الرَّاحِمينَ. (٦٠٥) ٥٦٢ - قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي "تَارِيخِ دِمشْقَ": أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَمْزَةَ، نا أَبُو بَكْرٍ الخطِيبُ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقَوَيْهِ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ سِنْدِي، نَا الحسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نَا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، أَنْبَأَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ الوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أنَّهُ قَالَ: لمَّا انْتَبَهَ عُزَيْرٌ وَأَحْرَقَ قَرْيَةَ النَّمْلِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا عُزَيْرُ، أَحْرَقْتَ قَرْيَةَ النَّمْلِ! فَبَلَغَ مِنْ أَذَاهِنَّ إِيَّاكَ أَنْ تَحْرِقَهُنَّ بِالنَّارِ، وَإنَّمَا عَضَّتْكَ مِنْهَا نَمْلَةٌ. فَقَالَ: يَا رَبِّ، إِنَّمَا عَضتْنِي تِلْكَ الوَاحِدَةُ بِقُوَّتِهِنَّ. فَعَلِمَ عُزَيْرٌ أَنَّ هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهُ، فَقَالَ

стр. 587

عِنْدَ ذَلِكَ عُزَيْرُ: يَا رَبِّ، أَنْتَ لَا يُدْرِكُ أَحَدٌ كُنْهَ عِلْمِكَ وَقُدْرَتِكَ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا عُزَيْرُ، زَعَمْتَ أَنّي حَكَمٌ عَدْلٌ لَا أَجُورُ بَيْنَ عِبَادِي وَكَذَلِكَ أَنا، وَزَعَمْتَ أنِّي أُعَذِّبُ العَامَّةَ بِذَنْب الخاصَّةِ، وَالأَصَاغِرَ بِذَنْبِ الأَكَابِرِ، يَا عُزَيْرُ، إِنِّي لَا أُعَذِّبُ العَامَّةَ بِذَنْبِ الخاصَّةِ حَتَّى يَعْمَلُوا المنْكَرَ جِهَارًا، فَلَا يَأمُرُوا وَلَا يَنْهُوا، فَأُعَذِّبُ الخاصَّةَ بِالذُّنُوبِ وَالمعَاصِي فَأُعَجِّلَهُمْ إِلَى النَّارِ، وَأُعَاقِبُ العَامّةَ بِذَنْبِ الخاصَّةِ حِينَ تَرَكُوا الأَمْرَ بِالمعْرُوفِ وَالنَّهِيَ عَنِ المنْكَرِ وَهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ حَاسَبْتُهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ، وَكَانَ الَّذِينَ عَجَّلْتُ لَهُمُ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا لَمَا تَرَكُوا مِنَ الأَمْرِ بِالمعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المنْكَرِ، وَأَمَّا الأَصَاغِرُ فَأَقْبِضُهُمْ بَآجَالِهِمْ قَبْضًا لَطِيفًا إِلَى رَاحَتِي. قَالَ عُزَيْرٌ: كَذَلِكَ أنْتَ إِلَهِي. فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: قُمْ يَا عُزَيْرُ ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ، وَانْطَلِقْ إِلَى أَهْلِ بَيْتِكَ، فَقُمْ فِيهِمْ فَقَدْ شَفَّعْتُكَ فِيهِمْ وَأَنَا رَادُّهُمْ إِلَيْهَا. فَجَمَعَهُمْ اللَّهُ وَخَلَّصَهُمْ مِنْ أَيْدِي عَدُوِّهِمْ، فَجَمَعَهُمْ فِي بَيْتِ المقْدِسِ فِي حُسْنِ حَالٍ حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ إِلَيْهِ عُزَيْرَ، فَعَتَوا بَعْدَ ذَلِكَ وَبَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَجَعَلُوا يُخْرِجُونَ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ تَبْعَةً مِنْ دِيَارِهِمْ وَيَأخُذُونَ أَمْوَالَهُمْ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِعْدَ ذَلِكَ طيطس بْنَ سبيس الرُومِي: فَغَزا بَيْتَ المقْدِسِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ (٦٠٦). فَعَادُوا إِلَى البَغْي فَأَعَادَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العُقُوبَةَ فَغَزَاهُمْ طيطس، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ فَقَتَلَ مُقَاتِلَتِهِمْ، وَحَمَى كُنُوزَ بَيْتِ المقْدِسِ، وَألْقَى فِيهِ الجيفَ، وَحَمَلَ الأَمْوَالَ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا فَهِيَ فِي بُيوتِ أَمْوَالِهِمْ بِالرُّومِ، فَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ (٦٠٧) يَعْنِي أَهْلَ الرُّومِ، فَلَيْسَ رُومِيُّ يَدْخُلُ بَيْتَ المقْدِسِ إِلّا خَائِفًا مُسْتَنْكِرًا يَسْتَوحِشَهُ إِذَا

стр. 588

نَظَرَ إِلَى بَيْتِ المقْدِسِ، ثُمَّ يُصْبِحُ فَيَدْخُلَهُ. ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ يَعْنِي أَنْ يَقْتُلَ مُقَاتِلَةِ الرُّومِ وَيَسْبِي ذَرَارِيهِمْ حَتَّى يَفْتَحْهَا اللَّهُ عَلَى أمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٦٠٨) يَعْنِي عَذَابَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ. (٦٠٩) مَنْ كانَ بِبَيْتِ المقْدِسِ مِنَ المبْتَدِعِينَ وَأَهْلِ الضَّلَالِ ١ - ثَور بْنُ يَزِيدَ (٦١٠). ٥٦٣ - قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي "تَارِيخ دِمشْقَ": قَرَأَتُ فِي سَمَاعِ أَبِي طَاهِرٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الصَّقْرِ الأَنْبَارِيُّ، وَأَنْبَأَنِي عَنْهُ أَبُو القَاسِمِ بْنُ السَّمَرْقَنْدِيُّ، أَبْنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ الصَّوَّاف، أَنَا أَبُو الطَّيِّب عَبْدُ المنْعِمِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ غَلْبُونَ المقْرِئُ، أَنا أَبُو أَحْمَدَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَنا أَبُو الحسَنِ الميْمُونِي، قَالَ: وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي أَحْمَدَ- كَوْرةً مِنْ نَحْوِ الشَّامِ، فَقَالَ: قَدَرِيَّةٌ وَيَتَكَلَّمُونَ بِهِ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَيَتَعرَّضُونَ لِلنَّاسِ، وَلَكِنْ أَهْلُ دِمَشْقَ وَأَهْلُ حِمْصَ خَاصَّةً أصْحَابُ سُنَّةٍ، وَهُمْ إِنْ رَأَوا الرَّجُلَ

стр. 589

يُخَالِفُ السُّنَّةَ أَخْرَجُوهُ مِنْ بَيْنِهِمْ، كَانَتْ حِمْصُ مَسْكَنَ ثَوْرِ بن يَزيدَ فَلَمَّا عَرَفُوهُ بِالْقَدَرِ أَخْرَجُوهُ مِنْ بَيْنِهِمْ، فَسَكَنَ بَيْتَ المقْدِسِ. (٦١١) ٢ - الحارِثُ الكَذَّاب (٦١٢). ٥٦٤ - قَالَ: ابْنُ عَسَاكِرَ فِي "تَارِيخِ دِمشْقَ": قَرَأَتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَحْيَى بْنِ الحسَنِ بْنِ البنَا، عَنْ أَبِي تَمَّامٍ الوَاسِطِيُّ، عَنْ أَبِي عُمَرَ بْنِ حَيْوَيْهِ، أَنْبَأَنَا أَبُو الطَّيْبِ مُحَمَّدُ بْنُ القَاسِمِ، أَنْبأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، أَنْبَأَنَا هَارُونُ -هُوَ ابْنُ مَعْرُوفٍ- أَنْبَأَنَا ضَمْرَةُ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي جملةَ، قَالَ: لمَّا ظَهَرَ الحارِثُ الكَذَّابُ؛ أَتَاهُ مَكْحُولٌ (٦١٣) وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَكَرِيَا (٦١٤) وَجَعَلَا لَهُ الأَمَانَ، وَسَأَلَاهُ عَنْ أَمْرِهِ وَمَا يَقُولُ، فَأَخْبَرَهُمَا فَكَذَّبَاهُ وَرَدَّا عَلَيْهِ، وَقَالَا لَهُ: لَا أَمَانَ لَكَ. ثُمَّ أَتَيَا عَبْدَ الملِكِ فَأَخْبَرَاهُ، قَالَ: وَهَرَبَ الحارِثُ حَتَّى أَتَى بَيْتَ المقْدِسِ، فَكَانَ بِهَا مُخْتَفِيًا، فَبَعَثَ عْبدُ الملِكِ فِي طَلَبِهِ حَتَّى أُتِيَ بِهِ فَقَتَلَهُ. (٦١٥)

стр. 590

٥٦٥ - قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي "تَارِيخِ دِمشْقَ": قَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: نَبَأَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ الحوطِي، نَبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُبَارَكٍ، نَبَأَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانٍ، قَالَ: كَانَ الحارِثُ الكَذَّابُ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ، وَكَانَ مَولًى لِأَبِي جلَاسٍ، وَكَانَ لَهُ أَبٌ بالحولَةِ، فَعَرَضَ لَهُ إِبْلِيسُ وَكَانَ رَجُلًا مُتَعَبِّدًا زَاهِدًا؛ لَوْ لَبِسَ جُبَّةً مِن ذَهَبٍ لَرُؤِيَتْ عَلَيْهِ زَاهِدَةٌ، قَالَ: وَكَانَ إِذَا أَخَذَ فِي التَّحْمِيدِ لَمْ يَسْمَعِ السَّامِعُونَ إِلَى كَلَام أَحْسَنَ مِنْ كَلَامِهِ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَى أَبيهِ وَهُوَ بِالحولَةِ: يَا أَبَتَاهُ، أَعْجِلْ عَلَيَّ؛ فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَشْيَاءَ أَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْطانُ قَدْ عَرَضَ لِي، قَالَ: فَزَادَهُ أَبُوهُ عَنَاءً، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ، أَقْبِلْ عَلَى مَا أُمِرْتَ بِهِ؛ إِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُولُ: ﴿تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ (٦١٦) وَلَسْتَ بِأَفاكٍ وَلَا أَثِيم، فَامْضِ لِمَا أُمِرْتَ بِهِ. وَكَانَ يَجِيءُ إِلَى أَهْلِ المَسْجِدِ رَجُلًا رَجُلًا، فَيُذَاكِرَ لَهُمْ أَمْرَهُ وَيَأَخُذَ عَلَيْهِمْ بِالعَهْدِ وَالمِيثَاقِ إِذْ هُوَ رَأَى مَا يَرْضَى قَبِلَ وإِلَّا كَتَمَ عَلَيْهِ، قَالَ: وَكَانَ يُريهِمُ الأَعَاجِيبَ: كَانَ يَأَتِي إِلَى رُخَامَةٍ فِي المَسْجِدِ يَنْقُرُهَا بِيَدِه فَتُسَبِّحُ، قَالَ: وَكَانَ يُطْعِمُهُمْ فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، كَانَ يَقُولُ لَهُمْ: اخْرُجُوا حَتَّى أُرِيكُمُ الملَائِكَةَ. قَالَ: فَيُخْرِجَهُمْ إِلَى دِيرِ المرَانِ (٦١٧) فَيُرِيهِمْ رِجَالًا عَلَى جَبَلٍ، فَتَبِعَهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَفَشَا الأَمْرُ فِي المَسْجِدِ، وَكَثُرَ أَصْحَابُهُ حَتَّى وَصَلَ الأَمْرُ إِلَى القَاسِم بْنِ مُخَيْمِرِة (٦١٨) قَالَ: فعَرَض عَلى القَاسِمِ وَأَخَذَ عَليْهِ العَهْدَ وَالْميثَاقَ إِنْ هُوَ

стр. 591

رَضِيَ أَمْرًا قَبِلَهُ وَإِنْ كَرِهَهُ كَتَمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ القَاسِمُ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ مَا أَنْتَ بِنَبِيٍّ وَلَا لَكَ عَهْدٌ وَلَا مِيثَاقٌ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ أَبُو إِدْرِيس (٦١٩): بِئْسَ مَا صَنَعْتَ إِذْ لَمْ تَلِينْ حَتَّى تَأَخُذَهُ؛ الْآنَ يَفِرُّ. قَالَ: وَقَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَبدِ الملِكِ فَأَعْلَمَهُ بِأَمْرِ حَارِث، فَبَعَثَ عَبدُ الملِكِ فِي طَلَبِهِ فَلِمْ يَقْدِرَ، فَخَرجَ عَبْدُ الملِكِ فَنَزَلَ الصَّنْبَرَةَ، قَالَ: فَاتَّهَمَ عَامَّةَ عَسْكَرِهِ بِالحارِثِ أَنْ يَكُونوا يَرَوْنَ رَأيَهُ، وَخَرَجَ الحارِثُ حَتّى أَتَى بَيْتَ المقْدِسِ فَاخْتَفَى فِيهَا، وَكَانَ أَصْحَابُ الحارِثِ يَخْرُجُونَ يَلْتَمِسُونَ الرِّجَالَ يُدْخِلُونَهُمْ عَلَيْهِ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ قَدْ أَتَى بَيْتَ المقْدِسِ، فَأتَاهُ رَجُلٌ مِنْ أصْحَابِ الحارِثِ، فَقَالَ لَهُ: هَا هُنَا رَجُلٌ مُتَكَلِّمٌ فَهَلْ لَكَ أَنْ تَسْمَعَ مِنْ كَلَامِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الوَليدُ: وَأَهْلُ البَصْرَةِ يَشْتَهُونَ الكَلَامَ، قَالَ: نَعَمْ. فَانْطَلَقَ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى الحارِثِ، فَأَخَذَ فِي التَّحْمِيدِ، قَالَ: فَسَمعَ البَصْرِيُّ كَلَامًا حَسَنًا، ثُمَّ أَخْبَرَهُ بِأَمْرِهِ وَأَنَّهُ نَبِيٌ مَبْعُوثٌ مُرْسَلٌ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ كَلَامَكَ حَسَنٌ؛ وَلَكِنْ فِي هَذَا نَظَرٌ. قَالَ: فَانْظُر، فَخَرَجَ البَصْريُّ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ كَلَامَهُ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ كَلَامَكَ لَحَسَنٌ وَقَدْ وَقَعَ فِي قَلْبِي، وَقَدْ آمَنْتُ بِكَ، هَذَا الدِّينُ المسْتَقِيمُ. قَالَ: فَأَمَرَ أَنْ لَا يُحْجَبَ، قَالَ: فَأَقْبَلَ البَصْرِيُّ يَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ وَيَعْرِفَ مَدَاخِلَهُ وَمَخَارِجَهُ، وَأَيْنَ يَهْرَبُ، وَأَيْنَ يَذْهَبُ حَتَّى صَارَ مِنْ أَخَصِّ النَّاسِ بِهِ، ثُمَّ قاَلَ لَهُ: ائْذَنْ لِي. قَالَ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى البَصْرَةِ أَكُونُ أَوَّلُ دَاعِيةً لَكَ بِهَا. قَالَ: فَأَذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ مُسْرِعًا إِلَى عَبدِ الملِكِ وَهُوَ بِالصَّنْبَرَةِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ سُرَادِقِهِ صَاحَ: النَّصِيحَةَ النَّصِيحَةَ. فَقَالَ أَهْلُ العَسْكَرِ: وَمَا نَصِيحَتُكَ؟ قَالَ: نَصِيحَةٌ لِأمِيرِ المُؤْمِنِينَ. حَتَّى دَنَا مِنْ أَميرِ المؤْمنينَ، فَأَمرَ عَبدُ الملِكِ أَنْ

стр. 592

يَأذَنُوا لَهُ، فَدَخَلَ وَعِندَهُ أَصْحَابَهُ، فَصَاحَ: النَّصِيحَةَ. فَقَالَ: وَمَا نَصِيحَتُكَ؟ قالَ: أَخْلِنِي لَا يَكُونُ عِنْدَكَ أَحَدٌ. قَالَ: أَخْرِجْ مَنْ فِي البَيْتِ. وَكَانَ عَبْدُ الملِكِ قَدْ اتَّهَمَ أَهْلَ عَسْكَرِهِ أَنْ يَكُونَ هَوَاهُمْ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَدْنِنِي. فَدَنَا مِنْهُ وَعَبدُ الملِكِ عَلَى السَّرِيرِ، قَالَ: مَا عِنْدَكَ؟ قَالَ: الحارِثُ. فَلَمَّا ذَكَرَ الحارِثَ طَرَحَ نَفْسَهُ مِنْ السَّرِيرِ ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ هُوَ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّهُ بِبَيْتِ المقْدِسِ، وقَدْ عَرَفْتُ مَدَاخِلَهُ وَمَخَارِجَهُ. فَقَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ وَكَيْفَ صَنَعَ بِهِ، فَقَالَ: أَنتَ صَاحِبَهُ، وَأَنتَ أَمِيرُ بَيْتِ المقْدِسِ وَأَمِيرُ مَا هَا هُنَا، فَمُرْنِي بِمَا شِئْتَ. قَالَ: يَا أَميرَ المُؤْمِنِينَ، ابْعَثْ مَعِي قَوْمًا لَا يَفْقَهُونَ الكَلَامَ. فَأَمَرَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْ فَرْغَانَةَ، فَقَالَ: انْطَلِقُوا مَعَ هَذَا فَمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنْ شَيءٍ فَأَطِيعُوهُ. قَالَ: وَكَتَبَ إِلَى صَاحِبِ بَيْتِ المقْدِسِ: إِنَّ فُلَانًا الأَميرُ عَلَيْكَ حَتَّى يَخْرُجَ، فَأَطِعْهُ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ بَيْتَ المقْدِسِ أَعْطَاهُ الكِتَابَ، قَالَ: فَمُرْنِي بِمَ شِئْتَ. قَالَ: اجْمَعْ لِي إِنْ قَدِرْتَ كُلَّ شَمْعَةٍ بِبَيْتِ المقْدِسِ، وَادْفع كُلَّ شَمْعَةٍ إِلَى رَجُلٍ وَرَتِّبْهُمْ عَلَى أَزِقَّةِ بَيْتِ المقْدِسِ وَزَوَايَاهُ بِالشَّمْعِ، فَإِذَا قُلْتُ: أَسْرِجُوا، فَأَسْرجُوا جَمِيعًا. قَالَ: فَرَتَّبَهُمْ فِي أَزِقَّةِ بَيْتِ المقْدِسِ وَفِي زَوايَاه بِالشمْعِ، وَتَقَدَّمَ البَصْرِيُّ وَحْدَهُ إِلَى مَنْزِلِ الحارِثِ، فَأَتَى البَابَ فَقَالَ لِلْحَاجِبِ: اسْتَأَذِنْ لِي عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ. فَقَالَ: فِي هَذِهِ السَّاعَةِ مَا يُؤْذَنُ عَلَيْهِ حَتَّى يُصْبِحَ. قَالَ: أَعْلِمْهُ أَنِّي إِنَّمَا رَجَعْتُ شَوْقًا إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ أَصِلَ. قَالَ: فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَأَعْلَمَهُ كَلَامَهُ وَأَمْرَهُ، قَالَ: فَفَتَحَ لَهُ البَابَ، ثُمَّ صَاحَ البَصْريُّ: أَسْرِجُوا. فَأُسْرِجَتِ الشَّمْعُ حَتَّى كَانَتْ بَيْتَ المقْدِسِ كَأَنَّهَا النَّهَارُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ مَرَّ بِكُمْ فَاضْبُطُوهُ، قَالَ: وَدَخَلَ كَمَا هُوَ إِلَى الموضِعِ الَّذِي يَعْرِفُهُ، فَنَظَرَ فَإِذَا لَا يَجِدُهُ، فَطَلَبَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: هَيْهَاتَ تُرِيدُونَ أَنْ تَقْتُلُوا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ رُفعَ إِلَى السَّمَاءِ. قَالَ: فَطَلَبَهُ فِي شِقٍّ قَدْ كَانَ هَيَّأَهُ سِرِّيًا، قَالَ: فَأَدْخَلَ البَصْرِيُّ يَدَهُ فِي ذَلِكَ الشِّقِّ، فَإِذَا

стр. 593

بِثَوْبِهِ فَأَخَذَ بِهِ فَمَزَّقَهُ فَأَخْرَجَهُ إِلَى خَارِج، ثُمَّ قَالَ لِلْفَرْغَانِيِينَ: اضبُطُوا. فَرَبَطُوهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَسيرونَ بِهِ البَرِيدَ إذْ قَالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ (٦٢٠) الآية. فَقَالَ الفَرْغَانِيُّ: فَقَالَ أَهْلُ فَرْغَانَةَ (٦٢١) -أُولَئِكَ العَجَمُ-: هَذَا كُرْانُنَا فَهَاتِ كُرْانَكَ أَنْتَ. فَسَارَ بِهِ حَتَّى أَتَى بِهِ عَبدَ الملِكِ، فَلَمَّا سَمعَ بِهِ أَمَرَ بِخَشَبَةٍ فَنُصِبَتْ فَصَلَبَهُ، وَأَمَرَ بِحَرْبَةٍ وَأَمَرَ رَجُلًا فَطَعَنَهُ، فَأَصَابَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَكَعَبَ الحرْبَةَ، فَجَعَل النَّاسُ يَصِيحُونَ: الأنبياءُ لَا يَجُوزُ فِيهِمُ السِّلَاحُ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ المُسْلِمِينَ تَنَاوَلَ الحرْبَةَ ثُمَّ مَشَى بِهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَتَحَسَّسُ حَتَّى وَافَى بَيْنَ ضِلْعَيْنِ فَطَعَنَهُ بِهَا، فَأَنْفَذَها فَقَتَلَهُ، قَالَ الوَلِيدُ: بَلَغَنِي أَنَّ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مُعاوِيَةَ دَخَلَ عَلَى عَبدِ الملِكِ، فَقَالَ: لَوْ حَضَرْتُكَ مَا أَمَرْتُكَ بِقَتْلِهِ. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ بِهِ المذْهِبُ، فَلَوْ جَوَّعْتَهُ ذَهَبَ ذَلِكَ عَنْهُ. (٦٢٢) ٥٦٦ - قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي "تَارِيخِ دِمشْقَ": وَأَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، نَبْأَنا عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ، نَبْأَنا عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ الضَّحَّاكِ، نَبْأَنا شَيْخٌ يُكَنَّى أَبَا الرَّبِيعِ، وَقَدَ أَدْرَكَ أُنَاسًا مِنَ القُدَمَاءِ، قَالَ: لمَّا أُخِذَ الحارثُ بِبَيْتِ المقْدِسِ حُمِلَ عَلَى الْبَريدِ، وَجُعِلَتْ فِي عُنُقِهِ جَامِعَةٌ مِنْ حَدِيدٍ فَجُمِعَتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَأَشْرَفَ عَلَى عَقَبَةٍ بِبَيْتِ المقْدِسِ فَتَلَا هَذِهِ الآية: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ

стр. 594

قَرِيبٌ﴾ (٦٢٣). قَالَ: فَتَقَلْقَلَتِ الجامِعِةُ فَسَقَطَتْ مِنْ يَدِهِ وَرَقَبَتِهِ إِلَى الأَرْضِ، فَوَثَبَ إِلَيْهِ الحرَسُ الَّذينَ كَانُوا مَعَهُ وَأَعَادُوهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ سَارُوا بِهِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى عَقَبَةٍ أُخْرَى: قَرَأَ آيَةً لَاَ أحْفَظُهَا، فَسَقَطَتْ مِنْ رَقَبَتِهِ وَيَدِهِ إِلَى الأَرْضِ، فَأَعَادُوهَا عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عَبدِ الملِكِ حَبَسَهُ، وَأَمَرَ رِجَالًا كَانُوا مَعَهُ فِي السِّجْنِ مِنْ أَهْلِ الفِقْهِ وَالعِلْمِ أَنْ يَعِظُوهُ وَيُخَوِّفُوهُ اللَّهَ، وَيُعْلِمُوهُ أَنَّ هَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ، فَأَتَوا عَبدَ الملِكِ فَأَخْبَرُوهُ بِأَمْرِهِ، فَأَمَرَ بِهِ وَصُلِبَ، وَجَاءَ رَجُلٌ بِحَرْبَةٍ فَطَعَنَهُ، فَانْثَنَتِ الحرْبَةُ فَتَكَلَّمَ النُّاسُ، فَقَالوا: مَا يَنْبَغِي لِمِثْلِ هَذَا أَنْ يُقْتَلَ. ثُمَّ أَتَاهُ حرْسِي بِرُمْحٍ دَقِيقٍ فَطَعَنَهُ بَيْنَ ضِلْعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ ثُمَّ هَزَّهُ فَأَنْفَذَهُ، قَالَ: وَسَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ وَلَا اثْنَيْنِ يَقُولُونَ: إِنَّ الَّذِي طَعَنَ الحارِثَ بِالحرْبَةِ فَانْثَنَتْ، قَالَ لَهُ عَبدُ الملِكِ: ذَكَرْتَ اللَّهَ تَعَالَى حِينَ طَعَنْتَهُ؟ قَالَ: نَسِيتُ -أَوْ قَالَ: لَا- قَالَ: فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ اطْعَنْهُ. قَالَ: فَطَعَنَهُ فَأَنْفَذَهَا. (٦٢٤)

стр. 595

كتاب الإسراء والمعراج

стр. 596

كِتَابُ الإِسْرَاءِ قَالَ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١). قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَهْذِيبِ الآثَارِ": أَمَّا مَا رُويَ عَمَّنْ رُويَ عَنْهُ أَنَّ مَا ذُكِرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ إِسْرَاءِ اللَّهِ بِهِ مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى، وَمَا ذَكَرَ عَنْهُ أَنَّهُ عَايَنَ هُنَالِكَ وَفِي السَّمَوَاتِ السَّبْعِ مِنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ كُلّهُ رُؤْيَا نَوْمٍ لَا رُؤْيَا يَقَظَةٍ فَقَوْلُ ظَاهِرِ كِتَاب اللَّهِ عَلَى خِلَافِهِ دَالٌّ، وَالتَّنْزِيلُ عَلَى فَسَادِهِ شَاهِدٌ، وَالأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِغَيْرِهِ مُتَظَاهِرَةٌ، وَالرِّوَايَاتُ بِبُطُولِهِ وَارِدَةٌ فَأَمَّا دَلِيلُ ظَاهِرِ كِتَاب اللَّهِ عَلَى خِلَافِهِ، فَقَوْلُهُ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾، فَأَخْبَرَ ﵎ أَنَّهُ أَسْرَى بِعَبْدِهِ مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى، مُعَلِّمًا بِذَلِكَ خَلْقَهُ قُدْرَتهُ عَلَى مَا فَعَلَ به، مِمَّا لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ إِلَى مِثْلِهِ، إِلَّا لِمَنْ مَكَّنَهُ مِنْ ذَلِكَ مِثْلَ الَّذِي مَكَّنْ مِنْهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ وَدَالًّا بِذَلِكَ مَنْ فَعَلَهُ بِهِ عَلَى صِدْقِهِ وَحَقِيقَةِ نُبُوَّتِهِ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ مِنَ المعْجِزَاتِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ مِنَ البَشَرِ عَلَيْهِ أَحَدٌ، إِلَّا مَنْ خَصَّهُ اللَّه بِمِثْلِ مَا خَصَّهُ بهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ رُؤْيَا نَوْمٍ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ عَلَى حَقِيقَةِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ دَلَالَةٌ، وَلَا عَلَى مَنِ احْتَجَّ عَلَيْهِ بِهِ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِرَسُولِهِ حُجَّةٌ، وَلَا كَانَ لِإنْكَارِ مَنْ أَنْكَرَ مِنَ

стр. 597

المشْرِكِينَ مَسْرَاهُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى وَرُجُوعهِ إِلَيْهَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَة وَجْهٌ مَعْقُولٌ، إِذْ كَانَ مَعْقُولًا عِنْدَ كُلِّ ذِي فِطْرَةٍ صَحِيحَةٍ أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَرَى فِي مَنَامِهِ فِي السَّاعَةِ مَا عَلَى مَسِيرَةِ سَنَةٍ مِنْ مَوْضِعِ مَنَامِهِ مِنَ البلَادِ أَوْ أَكْثَرَ، وَأَنَّهُ يَقْضِي هُنَالِكَ أَوْطَارًا وَحَاجَاتٍ، فَدَعْ مَا عَلَى مَسِيرَةِ (شَهْرٍ) (٢)، وَفِي تَظَاهُرِ الأَخْبَارِ عَنْ مُشْرِكِي قَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِإِنْكَارِهِمْ مَما أَخْبَرَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَسْرَاهُ مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى، أَوْضَحُ البُرْهَانِ وَأَبْيَنُ البَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُمْ، لِإِخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهُمْ مِنَ الخَبَرِ بِمَا كَانَ مُمْتَنِعًا عِنْدَهُمْ فِعْلُهُ عَلَى مَنْ كَانَ بِمِثْلِ خِلْقَتِهِمْ وَبِنْيَتِهِمْ مِنْ جَمِيعِ البَشَرِ، فَأَمَّا مَا كَانَ جَائِزًا وَجُودُهُ وَمُمْكِنًا كَوْنُهُ مِنْ كُل مَنْ كَانَ بِمِثْلِ هَيْئَتِهِمْ وَمَفْطُورًا مِثْلَ فِطْرَتِهِمْ، فَغَيْرُ جَائِزٍ مِنْهُ التَّكْذِيبُ بِهِ، وَمُسْتَحِيلٌ مِنْ رَسُولِ رَبِّ العَالَمِينَ أَنْ يَكُونَ احْتَجَّ عَلَيهِمْ بِهِ، وَلَا شَكَّ أَنّ النَّائِمَ قَدْ يَرَى فِي نَوْمِهِ مِمَّا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ مَسَافَةِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبَيْتِ المقْدِسِ، أَنَّهُ بِهِ، وَأَنَّهُ يُعَانِي بِهِ أمُورًا وَيَقْضِي بِهِ أَوْطَارًا، وَالأنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَا تَحْتَجُّ عَلَى مَنْ أُرْسِلَتْ إِلَيْهِ لِصِدْقِهَا فِيمَا يُنْكِرُهُ المرْسِلُونَ إِلَيْهِمْ مِنْ نُبُوَّتِهَا، إِلّا بِمَا يَعْجَزُ عَنْ مِثْلِهِ جَمِيعُ البَشَرِ، إِلّا مَنْ أَيَّدَهُ اللَّهُ جَلّ ثَنَاؤُهُ بِمِثْلِ مَا أَيَّدَهُمْ بِهِ مِنَ الأَعْلَامِ وَالأَدِلَّةِ، وَأَمَّا الأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمُتَظَاهِرَةٌ بِأَنَّهُ قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ بِالبُرَاقِ، فَحَمَلَنِي عَلَيْهِ فَسَارَ بِي حَتَّى أَتَيْنَا بَيْتَ المقْدِسِ". وَلَا شَكَّ أَنَّ الأَرْوَاحَ لَا تُحْمَلُ عَلَى الدَّوَابِّ، وَإِنَّمَا تُحْمَلُ عَلَيْهَا الأَجْسَامُ ذَوَاتُ الأَرْوَاحِ وَغَيْرُ ذَوَاتِ الأَرْوَاحِ، وَفِي إِخْبَارِهِ ﷺ أَنَّهُ حُمِلَ عَلَى البُرَاقِ، الإِبَانَةُ عَنْ خَطَإِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكَرَهُ عَنْ نَبِيِّه: أَنَّهُ أَسْرَى بِهِ لَيْلًا مِنَ

стр. 598

المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى، إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ مِنْهُ عَنْ أَنَّهُ أَسْرَى بِرُوحِهِ دُونَ جِسْمِهِ، مَعَ أَنَّ فِي خَبْرِ شَدَّادِ ابنِ أَوْسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ: طَلَبْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ البَارِحَةَ فِي مَظَانِّكَ فَلَمْ أُصِبْكَ، وِإجَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهُ: بِأَنَّ جِبْرِيلَ حَمَلَهُ فِي تِلْكَ الليْلَةِ إِلَى بَيْتِ المقْدِسِ؛ البَيَانُ الوَاضِحُ أَنَّهُ سَارَ بِنَفْسِهِ تِلْكَ الليْلَة مِنَ المسَجِدِ الحَرَامِ إِلَى المسْجدِ الأَقْصَى، وَالإِبَانَةُ عَنْ خَطَإ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ رُؤْيَا مَنَامْ، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ تَتَابَعَتِ الأَخْبَارُ عَنْ عَامَّةِ السَّلَفِ. (٣) قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ" بَعْدَ رِوَايَتِهِ لِأَحَادِيثِ الإِسْرَاءِ: وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أُسْرِىَ بِرُوحِهِ، وَلَمْ يُسْرَ بِجَسَدِه. وَالصَّوَابُ مِنَ القَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَسْرى بِعَبْدِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ، وَكَمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّ اللَّهَ حَمَلَهُ عَلَى البُرَاقِ حِينَ أَتَاهُ بِهِ، وَصلَّى هُنَالِكَ بِمَنَّ صَلَّى مِنَ الأَنبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، فَأَرَاهُ مَا أَرَاهُ مِنَ الآيَاتِ؛ وَلَا مَعَنْى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: أَسْرَى بِرُوحِهِ دُونَ جَسَدِه؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى نُبُوَّتِهِ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ عَلَى رِسَالَتِهِ، وَلَا كَانَ الَّذِينَ أَنْكَرُوا حَقِيقَةَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَكَانُوا يَدْفَعُونَ بِهِ عَنْ صِدْقِهِ فِيهِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مُنْكَرًا عِنْدَهُمْ، وَلَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ ذَوِي الفِطَرَةِ الصَّحِيحَةِ مِنْ بَنِي آدَمَ أَنْ يَرَى الرَّائِي مِنْهُمْ فِي المنَام مَا عَلَى مَسِيرَةِ سَنَةٍ، فَكَيْفَ مَا هُوَ عَلَى مَسِيرَةِ شَهْرٍ أَوْ أَقَلّ؟ وَبَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ أَسْرَى بعَبْدِه، وَلَمْ يُخْبِرْنَا أَنَّهُ أَسْرَى بِرُوحِ عَبْدِهِ، وَلَيْسَ جَائِزًا لِأحَدٍ أَنْ يَتَعَدَّى مَا قَالَ اللَّه إِلَى غَيْرِهِ. فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ

стр. 599

ذَلِكَ جَائِزٌ، إِذْ كَانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كَلَامِهَا، كَمَا قَالَ قَائِلُهُمْ: حَسِبْتُ بُغامَ رَاحِلَتِي عنَاقًا ... ومَا هِيَ وَيْبَ غيرِكِ بالعْنَاقِ يَعْنِي: حَسِبْتُ بغامَ رَاحِلَتِي صَوْتَ عِنَاقٍ، فَحَذَفَ الصَّوْتَ وَاكْتَفَى مِنْهُ بِالعناقِ، فَإِنَّ العَرَبَ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ مَفْهُومًا مُرَادُ المتَكَلِّمُ مِنْهُمْ بِهِ مِنَ الكَلَامِ. فَأَمَّا فِيمَا لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ إِلَّا بِظُهُورِهِ، وَلَا يُوصَلُ إِلَى مَعْرِفَةِ مُرَادِ المتَكَلِّمِ إِلَّا ببَيَانِهِ، فَإِنَّهَا لَا تَحْذِفُ ذَلِكَ؛ وَلَا دَلَالَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ مِنْ قُوْلِهِ: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ أَسْرَى بِرُوحِ عَبْدِهِ، بَلِ الأَدِلَّةُ الوَاضِحَةُ، وَالأَخْبَارُ المتَتَابِعَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّ اللَّه أَسْرَى بِهِ عَلَى دَابَّةٍ يُقَالُ لَهَا البُرَاقُ؛ وَلَوْ كَانَ الإِسْرَاءُ بِرُوحِهِ لَمْ تَكُنِ الرُّوحُ مَحْمُولَةً عَلَى البُرَاقِ، إِذْ كَانَتِ الدَّوَابُّ لَا تَحْمِلُ إِلَّا الأَجْسَامَ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا أَسْرَى رَوحَهُ رَأَى فِي المنَامِ أَنَّهُ أَسْرَى بِجَسَدِهِ عَلَى البُرَاقِ، فَيُكَذِّبُ حِينَئِذٍ بِمَعْنَى الأَخْبَارِ الَّتِي رُويَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّ جَبْرَائِيلَ حَمَلَهُ عَلَى البُرَاقِ، لِأَنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ مَنَامًا عَلَى قَوْلِ قَائِلِ هَذَا القَوْلِ، وَلَمْ تَكُنِ الرُّوحُ عِنْدَهُ مِمَّا تَرْكَبُ الدَّوابَّ، وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى البُرَاقِ جِسْمُ النَّبيِّ ﷺ ، لَم يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ علَى قَوْلِهِ حُمِلَ عَلَى البُرَاقِ لَا جِسْمُهِ، وَلَا شَيءٌ مِنْهُ، وَصَارَ الأَمْرُ عِنْدَهُ كَبَعْضِ أحْلَامِ النَّائِمِينَ، وَذَلِكَ دَفْعٌ لِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ، وَمَا تَتَابَعَتْ بِهِ الأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَجَاءَتْ بِهِ الآثَارُ عَنِ الأَئِمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. (٤) قَالَ ابْنُ كثِيرٍ فِي "تَفْسِيرِ القُرْآنِ العَظِيمِ" بَعْدَ ذِكْرِ رِوَايَاتِ الإِسْرَاءِ: وَإِذَا حَصَلَ الوُقُوفُ عَلَى مَجْمُوعِ هَذِهِ الأَحِادِيثِ صَحِيحِهَا وَحَسَنِهَا وَضَعِيفِهَا، يَحْصُلُ مَضْمُونُ مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ مِنْ مَسْرَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ

стр. 600

المقْدِسِ، وَأَنَّهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الرُّوَاةِ فِي أَدَائِهِ، أَوْ زَادَ بَعْضُهُمْ فِيهِ أَوْ نَقَصَ مِنْهَ، فَإِنَّ الخَطَأَ جَائِزٌ عَلَى مَنْ عَدَا الأَنْبِيَاءِ ﵈. وَمَنْ جَعَلَ مِنَ النَّاسِ كُلَّ رِوَايِةٍ خَالَفَتِ الأُخْرَى مَرَّةً عَلَى حِدَةٍ، فَأَثْبَتَ إِسْرَاءَاتٍ مُتَعَدِّدَةً فَقَدْ أَبْعَدَ وَأَغْرَبَ، وَهَرَبَ إلَى غَيْرِ مَهْرَبٍ، وَلَمْ يَحْصُلْ عَلَى مَطْلَبٍ. وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ مِنَ المتَأَخِّرِينَ: بِأنَّهُ ﵇ أسْرِيَ بِهِ مَرَّةً مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ المقْدِسِ فَقَطْ، وَمَرَّةً مِنْ مَكَّةَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَطْ، وَمَرَّةً إِلَى بَيْتِ المقْدِسِ وَمِنْهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَفَرِحَ بِهَذَا المسْلَكِ، وَأَنَّهُ قَدْ ظَفَرَ بِشَيءٍ يَخْلُصُ بهِ مِنَ الإشْكَالَاتِ؛ وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا، وَلَمْ يُنْقَلْ هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَلَوْ تَعَدَّدَ هَذَا التَّعَدُّدَ لَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ أُمَّتَهُ، وَلَنَقَلَتْهُ النَّاسُ عَلَى التَّعَدُّدِ وَالتَّكَرُّرِ. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: كَانَ الإِسْرَاءُ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، وَكَذَا قَالَ عُرْوَةُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: بِسِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا. وَالحَق: أَنَّهُ ﵇ أُسْرِيَ بِهِ يَقَظَةً لَا مَنَامًا مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ المقْدِسِ رَاكِبًا البُرَاقَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى بَابِ المَسْجِدِ رَبَطَ الدَّابَّةَ عِنْدَ البَابِ، وَدَخَلَهُ فَصَلَّى فِي قِبْلَتِهِ تَحِيَّةَ المَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَى المِعْرَاجَ -وَهُوَ كَالسُّلَّمِ ذُو دَرَجٍ يَرْقَى فِيهَا- فَصَعَدَ فِيهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ إِلَى بَقِيَّةِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، فَتَلَقَّاهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرِّبُوهَا، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ الأَنْبِيَاءُ ﵈ الَّذِينَ فِي السَّمَاوَاتِ بِحَسْبِ مَنَازِلِهِمْ وَدَرَجَاتِهِمْ، حَتَّى مَرَّ بمُوسَى الكَلِيمِ فِي السَّادِسَةِ، وَإِبْرَاهِيمَ الخَلِيلِ فِي السَّابِعَةِ، ثُمَّ جَاوَزَ مَنْزِلَتَهُمَا ﷺ وَعَلَيْهِمَا وَعَلَى سَائِرِ الأَنْبِيَاءِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مِسْتَوى يَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ، أَيْ: أَقْلَامَ القَدَرِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، وَرَأَى سِدْرَةَ المنْتَهَى، وَغَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَظَمَةٌ عَظِيمَةٌ، مِنْ فِرَاشٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَأَلْوَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَغَشِيَتْهَا الملَائِكَةُ، وَرَأَى هُنَالِكَ جِبْرِيلَ عَلَى صُورَتِهِ، وَلَهُ سِتُّمِئَةُ جَنَاحٍ،
следующие страницы →