Полный текст (309 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وَقَالَ وتختص الْأَرْوَاح دون الأجساد بالنعيم أَو الْعَذَاب مَا دَامَت فِي عليين أَو سِجِّين وَفِي الْقَبْر يشْتَرك الرّوح والجسد إنتهى
٨١ - وَقَالَ إِبْنِ الْقيم الْأَحَادِيث والْآثَار تدل على أَن الزائر مَتى جَاءَ علم بِهِ المزور وَسمع كَلَامه وَأنس بِهِ ورد سَلَامه عَلَيْهِ وَهَذَا عَام فِي حق الشُّهَدَاء وَغَيرهم وَأَنه لَا تَوْقِيت فِي ذَلِك قَالَ وَهُوَ أصح من أثر الضَّحَّاك الدَّال على التَّوْقِيت قَالَ وَقد شرع ﷺ لأمته أَن يسلمُوا على أهل الْقُبُور سَلام من يخاطبونه مِمَّن يسمع وَيعْقل
٨٢ - وَأخرج مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ خرج إِلَى الْمقْبرَة فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون
٨٣ - وَأخرج النَّسَائِيّ وإبن مَاجَه عَن بُرَيْدَة كَانَ رَسُول الله ﷺ يعلمهُمْ إِذا خَرجُوا إِلَى الْمَقَابِر السَّلَام عَلَيْكُم أهل الديار من الْمُسلمين وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون أَنْتُم لنا فرط وَنحن لكم تبع أسأَل الله لنا وَلكم الْعَافِيَة
٨٤ - وَأخرج مُسلم عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت كَيفَ أَقُول لَهُم يَا رَسُول الله قَالَ قولي السَّلَام على أهل الديار من الْمُسلمين وَيرْحَم الله الْمُسْتَقْدِمِينَ منا والمستأخرين وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون
٨٥ - وَأخرج التِّرْمِذِيّ عَن إِبْنِ عَبَّاس ﵁ قَالَ مر رَسُول الله ﷺ بقبور الْمَدِينَة فَأقبل عَلَيْهِم بِوَجْهِهِ فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم يَا أهل الْقُبُور يغْفر الله لنا وَلكم وَأَنْتُم سلفنا وَنحن بالأثر
٨٦ - وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن عَليّ بن أبي طَالب أَنه دنا من الْقُبُور فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم يَا أهل الديار من الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين أَنْتُم لنا سلف فارط وَنحن لكم تبع عَمَّا قَلِيل لَاحق اللَّهُمَّ إغفر لنا وَلَهُم وَتجَاوز بعفوك عَنَّا وعنهم
٨٧ - وَأخرج إِبْنِ أبي شيبَة عَن سعد بن أبي وَقاص أَنه كَانَ يرجع من ضيعته فيمر بقبور الشُّهَدَاء فَيَقُول السَّلَام عَلَيْكُم وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون ثمَّ يَقُول لأَصْحَابه أَلا تسلمون على الشُّهَدَاء فيردوا عَلَيْكُم
٨٨ - وَأخرج إِبْنِ عمر ﵄ أَنه كَانَ لَا يمر بلَيْل وَلَا نَهَار
стр. 212
بِقَبْر إِلَّا سلم عَلَيْهِ
٨٩ - وَأخرج عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ إِذا مَرَرْت بالقبور وَقد كنت تعرفهم فَقل السَّلَام عَلَيْكُم أَصْحَاب الْقُبُور وَإِذا مَرَرْت بالقبور لَا تعرفهم فَقل السَّلَام على الْمُسلمين
٩٠ - وَأخرج عَن الْحسن قَالَ من دخل الْمَقَابِر فَقَالَ اللَّهُمَّ رب الأجساد البالية وَالْعِظَام النخرة الَّتِي خرجت من الدُّنْيَا وَهِي بك مُؤمنَة أَدخل عَلَيْهَا روحا من عنْدك وَسلَامًا مني أسْتَغْفر لَهُ كل مُسلم مُؤمن مَاتَ مُنْذُ خلق الله آدم
وَأخرجه إِبْنِ أبي الدُّنْيَا بِلَفْظ كتب الله لَهُ بِعَدَد من مَاتَ من ولدان آدم إِلَى أَن تقوم السَّاعَة حَسَنَات
٩١ - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ من دخل الْمَقَابِر واستغفر لأهل الْقُبُور وترحم على الْأَمْوَات فَكَأَنَّمَا شهد جنائزهم وَالصَّلَاة عَلَيْهِم
٩٢ - وَأخرج عَن أَزْهَر بن مَرْوَان قَالَ كَانَ لبشر بن مَنْصُور غرفَة فَكَانَ إِذا صلى الْعَصْر دَخلهَا وَفتح بَابهَا إِلَى الجبانات ينظر إِلَى الْقُبُور
٩٣ - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب عَن إِبْنِ عمر ﵄ أَنه كَانَ إِذا شهد جَنَازَة مر على أَهله فِي الْمَقَابِر فَدَعَا لَهُم واستغفر لَهُم
٩٤ - وَأَخْرَجَا عَن رجل من آل عَاصِم الجحدري قَالَ رَأَيْت عَاصِمًا الجحدري فِي النّوم بعد مَوته بسنين فَقلت أَلَيْسَ قد مت قَالَ بلَى قلت فَأَيْنَ أَنْت قَالَ إِنَّا وَالله فِي رَوْضَة من رياض الْجنَّة أَنا وَنَفر من أَصْحَابِي نَجْتَمِع كل لَيْلَة جُمُعَة وصبيحتها ألى بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ فنتلاقى أخباركم قلت أجسادكم أم أرواحكم فَقَالَ هَيْهَات بليت الْأَجْسَام وَإِنَّمَا تتلاقى الْأَرْوَاح قلت فَهَل تعلمُونَ بزيارتنا إيَّاكُمْ قَالَ نعلم بهَا عَشِيَّة الْجُمُعَة وَيَوْم الْجُمُعَة كُله وَيَوْم السبت إِلَى طُلُوع الشَّمْس قلت وَكَيف ذَلِك دون الْأَيَّام كلهَا قَالَ لفضل يَوْم الْجُمُعَة وعظمه
٩٥ - وَأَخْرَجَا أَيْضا عَن بشر بن مَنْصُور قَالَ كَانَ رجل يخْتَلف إِلَى الْجَبانَة فَيشْهد الصَّلَاة على الْجَنَائِز فَإِذا أَمْسَى وقف على بَاب الْمَقَابِر فَقَالَ آنس الله وحشتكم ورحم الله غربتكم وَتجَاوز الله عَن سَيِّئَاتكُمْ وَقبل الله حسناتكم لَا يزِيد على هَؤُلَاءِ الْكَلِمَات قَالَ ذَلِك الرجل فأمسيت ذَات لَيْلَة
стр. 213
فَانْصَرَفت إِلَى أَهلِي وَلم آتٍ الْمَقَابِر فَبَيْنَمَا أَنا نَائِم إِذا أَنا بِخلق كثير قد جاؤوني قلت من أَنْتُم وَمَا حَاجَتكُمْ قَالُوا نَحن أهل الْمَقَابِر قلت مَا جَاءَ بكم قَالُوا إِنَّك قد كنت عودتنا مِنْك هَدِيَّة عِنْد إنصرافك إِلَى أهلك قلت وَمَا هِيَ قَالُوا الدَّعْوَات الَّتِي كنت تَدْعُو بهَا قلت فَإِنِّي أَعُود لذَلِك قَالَ فَمَا تركتهَا بعد
٩٦ - وَأَخْرَجَا أَيْضا عَن أبي التياح قَالَ كَانَ مطرف يَبْدُو فَإِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة أدْلج وَكَانَ ينور لَهُ فِي سَوْطه فَأقبل لَيْلَة حَتَّى إِذا كَانَ عِنْد الْمَقَابِر هوم وَهُوَ على فرسه فَرَأى كَأَن أهل الْقُبُور كل صَاحب قبر جَالس على قَبره فَقَالُوا هَذَا مطرف أَتَى يَوْم الْجُمُعَة قلت أَو تعلمُونَ عنْدكُمْ يَوْم الْجُمُعَة قَالُوا نعم ونعلم مَا يَقُول فِيهِ الطير قلت وَمَا يَقُولُونَ قَالُوا يَقُولُونَ سَلام سَلام يَوْم صَالح قَالَ فِي الصِّحَاح هوم الرجل إِذا هز رَأسه من النعاس
٩٧ - وَأَخْرَجَا أَيْضا عَن الْفضل بن الْمُوفق إِبْنِ خَال سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ لما مَاتَ أبي جزعت جزعا شَدِيدا فَكنت آتِي قَبره فِي كل يَوْم ثمَّ إِنِّي قصرت عَن ذَلِك فرأيته فِي النّوم فَقَالَ يَا بني مَا أَبْطَأَ بك عني قلت وَإنَّك لتعلم بمجيئي قَالَ مَا جِئْت مرّة إِلَّا علمتها وَقد كنت تَأتِينِي فَأسر بك وَيسر من حَولي بدعائك قَالَ فَكنت آتيه بعد كثيرا
٩٨ - وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن أبي الدَّرْدَاء هَاشم بن مُحَمَّد قَالَ سَمِعت رجلا من أهل علم يَقُول إِنَّه كَانَ يزور قبر أَبِيه فطال عَلَيْهِ ذَلِك فَقلت أَزور التُّرَاب فرأيته فِي مَنَامِي فَقَالَ يَا بني مَا لَك لَا تفعل كَمَا كنت تفعل فَقلت أَزور التُّرَاب فَقَالَ لَا تفعل يَا بني فوَاللَّه لقد كنت تشرف عَليّ فيبشرني بك جيراني وَلَقَد كنت تَنْصَرِف فَمَا أَزَال أَرَاك حَتَّى تدخل الْكُوفَة
٩٩ - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ عَن عُثْمَان بن سَوْدَة وَكَانَت أمه من العابدات وَكَانَ يُقَال لَهَا راهبة قَالَ لما مَاتَت كنت آتيها فِي كل لَيْلَة جُمُعَة فأدعو لَهَا وَأَسْتَغْفِر لَهَا وَلأَهل الْقُبُور قَالَ فرأيتها لَيْلَة فِي مَنَامِي فَقلت يَا أمه كَيفَ أَنْت فَقَالَت يَا بني إِن الْمَوْت لشديد كربه وَأَنا بِحَمْد الله فِي برزخ مَحْمُود أفترش فِيهِ الريحان وأتوسد فِيهِ السندس والإستبرق فَقلت أَلَك حَاجَة قَالَت نعم قلت مَا هِيَ قَالَت لَا تدع مَا تصنع من زيارتنا وَالدُّعَاء لنا فَإِنِّي آنس بمجيئك يَوْم
стр. 214
الْجُمُعَة إِذا أَقبلت من أهلك يُقَال يَا راهبة قد أقبل من أهلك زائر فَأسر وَيسر بذلك من حَولي من الْأَمْوَات
١٠٠ - وَقَالَ السلَفِي سَمِعت أَبَا البركات عبد الْوَاحِد بن عبد الرَّحْمَن بن غلاب السُّوسِي بالإسكندرية يَقُول سَمِعت والدتي تَقول رَأَيْت أُمِّي فِي الْمَنَام بعد مَوتهَا وَهِي تَقول يَا بِنْتي إِذا جئتني زائرة فاقعدي عِنْد قَبْرِي سَاعَة أتملى من النّظر إِلَيْك ثمَّ ترحمي عَليّ فَإنَّك إِذا ترحمت عَليّ صَارَت الرَّحْمَة بيني وَبَيْنك كالحجاب ثمَّ شغلتني عَنْك
١٠١ - وَقَالَ الْحَافِظ إِبْنِ رَجَب أنبأني عَليّ بن عبد الصَّمد عَن أَحْمد الْبَغْدَادِيّ عَن أَبِيه قَالَ أَخْبرنِي قسطنطين بن عبد الله الرُّومِي سَمِعت الْأسد بن مُوسَى يَقُول كَانَ لي صديق فَمَاتَ فرأيته فِي النّوم وَهُوَ يَقُول لي سُبْحَانَ الله جِئْت إِلَى قبر فلَان صديقك قَرَأت عِنْده وترحمت عَلَيْهِ وَأَنا مَا جِئْت إِلَيّ وَلَا قربتني قلت لَهُ وَمَا يدْريك قَالَ لما جِئْت إِلَى قبر صديقك فلَان رَأَيْتُك قلت وَكَيف رَأَيْتنِي وَالتُّرَاب عَلَيْك قَالَ مَا رَأَيْت المَاء إِذا كَانَ فِي الزّجاج مَا يتَبَيَّن قلت بلَى قَالَ فَكَذَلِك نَحن نرى من يزورنا
تَنْبِيه
١٠٢ - روى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ من حَدِيث أبي تَمِيمَة الهُجَيْمِي قَالَ أتيت النَّبِي ﷺ فَقلت عَلَيْك السَّلَام يَا رَسُول الله قَالَ لَا تقل عَلَيْك السَّلَام فَإِن عَلَيْك السَّلَام تَحِيَّة الْمَوْتَى
فَهَذَا يشْعر بِأَن السّنة فِي السَّلَام على الْمَوْتَى أَن يُقَال عَلَيْكُم السَّلَام بِتَقْدِيم الصَّلَاة وَقد صَحَّ الحَدِيث كَمَا تقدم أَنه ﷺ قَالَ لَهُم السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين فَيحْتَاج إِلَى الْجمع حَتَّى إِن بَعضهم قَالَ هَذَا أصح من حَدِيث النَّهْي وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَن السّنة مَا دلّ عَلَيْهِ حَدِيث النَّهْي وَقد أجَاب إِبْنِ الْقيم فِي الْبَدَائِع بِأَن كلا من الْفَرِيقَيْنِ إِنَّمَا أَتَوا من عدم فهم مَقْصُود الحَدِيث فَإِن قَوْله ﷺ عَلَيْك السَّلَام تَحِيَّة الْمَوْتَى لَيْسَ تشريعا مِنْهُ وإخبارا عَن أَمر شَرْعِي وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَار عَن الْوَاقِع الْمُعْتَاد الَّذِي جرى على أَلْسِنَة النَّاس فِي الْجَاهِلِيَّة فَإِنَّهُم كَانُوا يقدمُونَ إسم الْمَيِّت على الدُّعَاء كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(عَلَيْك سَلام الله قيس بن عَاصِم ... )
стр. 215
وَقَوله الَّذِي يرثي عمر بن الْخطاب ﵁
(عَلَيْك سَلام من أَمِير وباركت ... يَد الله فِي ذَاك الْأَدِيم الممزق)
وَهُوَ فِي أشعارهم كثير والإخبار عَن الْوَاقِع لَا يدل على الْجَوَاز فضلا عَن الإستحباب فَتعين الْمصير إِلَى مَا ورد عَنهُ ﷺ من تَقْدِيم لفظ السَّلَام حِين سلم على الْأَمْوَات قَالَ فَإِن تخيل متخيل فِي الْفرق أَن السَّلَام على الْأَحْيَاء يتَوَقَّع جَوَابه فَقدم الدُّعَاء على الْمَدْعُو لَهُ بِخِلَاف الْمَيِّت قُلْنَا وَالسَّلَام على الْمَيِّت يتَوَقَّع جَوَابه أَيْضا كَمَا ورد بِهِ الحَدِيث
قَالَ وَمن النكت البديعة أَن الْأَحْسَن فِي دُعَاء الْخَيْر أَن يقدم الدُّعَاء على الْمَدْعُو لَهُ نَحْو سَلام على إِبْرَاهِيم سَلام على نوح سَلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ وَدُعَاء الشَّرّ الْأَحْسَن فِيهِ تقدم الْمَدْعُو عَلَيْهِ على الْمَدْعُو بِهِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِن عَلَيْك لَعْنَتِي﴾ و ﴿عَلَيْهِم دَائِرَة السوء﴾ و ﴿فَعَلَيْهِم غضب﴾ ثمَّ ذكر ذَلِك سرا ذكرته فِي أسرار التَّنْزِيل
٣٩ - بَاب مقرّ الْأَرْوَاح
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي أنشأكم من نفس وَاحِدَة فمستقر ومستودع﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيعلم مستقرها ومستودعها﴾ أَحدهمَا فِي الصلب وَالْآخر بعد الْمَوْت
١ - أخرج مُسلم عَن إِبْنِ مَسْعُود قَالَ رَسُول الله ﷺ أَرْوَاحهم فِي جَوف طير خضر لَهَا قناديل معلقَة بالعرش تسرح من الْجنَّة حَيْثُ شَاءَت ثمَّ تأوي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيل
٢ - وَأخرج أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَن إِبْنِ عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لما أُصِيب أصحابكم بِأحد جعل الله أَرْوَاحهم فِي أَجْوَاف طير
стр. 216
خضر ترد أَنهَار الْجنَّة تَأْكُل من ثمارها وتأوي إِلَى قناديل من ذهب معلقَة فِي ظلّ الْعَرْش
٣ - وَأخرج سعيد بن مَنْصُور عَن إِبْنِ عَبَّاس قَالَ أَرْوَاح الشُّهَدَاء تجول فِي طير خضر تعلق من ثَمَر الْجنَّة
٤ - وَأخرج بَقِي بن مخلد وإبن مَنْدَه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الشُّهَدَاء يَغْدُونَ وَيَرُوحُونَ ثمَّ يكون مأواهم إِلَى قناديل معلقَة بالعرش فَيَقُول لَهُم الرب تَعَالَى هَل تعلمُونَ كَرَامَة أفضل من كَرَامَة أكرمتكموها فَيَقُولُونَ لَا غير أَنا وَدِدْنَا أَنَّك أعدت أَرْوَاحنَا إِلَى أَجْسَادنَا حَتَّى نُقَاتِل مرّة أُخْرَى فنقتل فِي سَبِيلك
٥ - وَأخرج هناد بن السّري فِي كتاب الزّهْد وإبن مَنْدَه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي حواصل طير خضر ترعى فِي رياض الْجنَّة ثمَّ يكون مأواها إِلَى قناديل معلقَة بالعرش فَيَقُول الرب وَذكر نَحوه
٦ - وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن أنس عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يبْعَث الله الشُّهَدَاء من حواصل طير بيض كَانُوا فِي قناديل معلقَة بالعرش
٧ - وَأخرج إِبْنِ مَنْدَه عَن سعيد بن سُوَيْد أَنه سَأَلَ إِبْنِ شهَاب عَن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ قَالَ بَلغنِي أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء كطير خضر معلقَة بالعرش تَغْدُو ثمَّ تروح إِلَى رياض الْجنَّة تَأتي رَبهَا كل يَوْم تسلم عَلَيْهِ
٨ - وَأخرج إِبْنِ أبي حَاتِم عَن إِبْنِ مَسْعُود قَالَ إِن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي أَجْوَاف طير خضر فِي قناديل تَحت الْعَرْش تسرح فِي الْجنَّة حَيْثُ شَاءَت ثمَّ ترجع إِلَيّ قناديلها وَإِن أَرْوَاح ولدان الْمُؤمنِينَ فِي أَجْوَاف عصافير تسرح فِي الْجنَّة حَيْثُ شَاءَت
٩ - وَأخرج عَن أبي الدَّرْدَاء أَنه سُئِلَ عَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فَقَالَ هِيَ طير خضر فِي قناديل معلقَة تَحت الْعَرْش تسرح فِي رياض الْجنَّة حَيْثُ شَاءَت
стр. 217
١٠ - وَأخرج أَحْمد وَعبد وإبن أبي شيبَة وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ بِسَنَد حسن عَن إِبْنِ عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الشُّهَدَاء على بارق نهر بِبَاب الْجنَّة فِي قبَّة خضراء يخرج إِلَيْهِم رزقهم من الْجنَّة غدْوَة وَعَشِيَّة
١١ - وَأخرج هناد بن السّري فِي كتاب الزّهْد وإبن أبي شيبَة عَن أبي بن كَعْب قَالَ الشُّهَدَاء فِي قباب فِي رياض بِفنَاء الْجنَّة يبْعَث إِلَيْهِم ثَوْر وحوت فيعتركان فيلهون بهما فَإِذا إحتاجوا إِلَى شَيْء عقر أَحدهمَا صَاحبه فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ فيجدون فِيهِ طعم كل شَيْء فِي الْجنَّة
١٢ - وَأخرج البُخَارِيّ عَن أنس أَن حَارِثَة لما قتل قَالَت أمه يَا رَسُول الله قد علمت منزلَة حَارِثَة مني فَإِن يكن فِي الْجنَّة أَصْبِر وَإِن يكن غير ذَلِك ترى مَا أصنع قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّهَا جنان كَثِيرَة وَإنَّهُ فِي الفردوس الْأَعْلَى
١٣ - وَأخرج مَالك فِي الْمُوَطَّأ وَأحمد وَالنَّسَائِيّ بِسَنَد صَحِيح عَن كَعْب بن مَالك أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِنَّمَا نسمَة الْمُؤمن طَائِر تعلق فِي شجر الْجنَّة حَتَّى يرجعه الله تَعَالَى إِلَى جسده يَوْم يَبْعَثهُ
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِلَفْظ إِن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي طير خضر تعلق من ثَمَرَة الْجنَّة أَو شجر الْجنَّة قَوْله تعلق بِضَم اللَّام أَي تَأْكُل الْعلقَة بِضَم الْمُهْملَة وَهُوَ مَا يتبلغ بِهِ من الْعَيْش
١٤ - وَأخرج أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ بِسَنَد حسن عَن أم هانىء أَنَّهَا سَأَلت رَسُول الله ﷺ أنتزاور إِذا متْنا وَيرى بَعْضنَا بَعْضًا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ تكون النسم طيرا تعلق بِالشَّجَرِ حَتَّى إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة دخلت كل نفس فِي جَسدهَا
١٥ - وَأخرج إِبْنِ سعد من طَرِيق مَحْمُود بن لبيد عَن أم بشر بن الْبَراء أَنَّهَا قَالَت لرَسُول الله ﷺ يَا رَسُول الله هَل تتعارف الْمَوْتَى قَالَ تربت يداك
стр. 218
النَّفس المطمئنة طير خضر فِي الْجنَّة فَإِن كَانَ الطير يَتَعَارَفُونَ فِي رُؤُوس الشّجر فَإِنَّهُم يَتَعَارَفُونَ
١٦ - وَأخرج إِبْنِ عَسَاكِر من طَرِيق إِبْنِ لَهِيعَة عَن أبي الْأسود عَن أم فَرْوَة إبنة معَاذ السلمِيَّة عَن أم بشر إمرأة أبي مَعْرُوف قَالَت سَأَلت رَسُول الله ﷺ أنتزاور يَا رَسُول الله إِذا متْنا يزور بَعْضنَا بَعْضًا فَقَالَ تكون النسم طيرا تتَعَلَّق بشجرة حَتَّى إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة دخلت فِي جثتها
١٧ - وَأخرج إِبْنِ مَاجَه وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْبَعْث بِسَنَد حسن عَن عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك قَالَ لما حضرت كَعْبًا الْوَفَاة أَتَتْهُ أم بشر بنت الْبَراء فَقَالَت يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن إِن لقِيت فلَانا فأقرئه مني السَّلَام فَقَالَ لَهَا يغْفر الله لَك يَا أم بشر نَحن أشغل من ذَلِك فَقَالَت أما سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن نسمَة الْمُؤمن تسرح فِي الْجنَّة حَيْثُ شَاءَت ونسمة الْكَافِر فِي سِجِّين قَالَ قلت بلَى هُوَ ذَاك
١٨ - وَأخرج إِبْنِ مَنْدَه وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ عَن ضَمرَة بن حبيب مُرْسلا قَالَ سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فَقَالَ فِي طير خضر تسرح فِي الْجنَّة حَيْثُ شَاءَت قَالُوا يَا رَسُول الله وأرواح الْكفَّار قَالَ محبوسة فِي سِجِّين
١٩ - وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب وإبن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب المنامات عَن سعيد بن الْمسيب أَن سلمَان الْفَارِسِي وَعبد الله بن سَلام إلتقيا فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه إِن لقِيت رَبك قبلي فَأَخْبرنِي مَاذَا لقِيت فَقَالَ أَو تلقى الْأَحْيَاء الْأَمْوَات قَالَ نعم أما الْمُؤْمِنُونَ فَإِن أَرْوَاحهم فِي الْجنَّة وَهِي تذْهب حَيْثُ شَاءَت
٢٠ - وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ الْجنَّة مُطَوَّلَة فِي قُرُون الشَّمْس تنشر فِي كل عَام مرّة وأرواح الْمُؤمنِينَ فِي طير كالزرازير تَأْكُل من ثَمَر الْجنَّة
٢١ - وَأخرجه إِبْنِ مَنْدَه عَنهُ مَرْفُوعا وَأخرجه الْخلال عَنهُ مَوْقُوفا بِلَفْظ أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فِي أَجْوَاف طير خضر كالزرازير يَتَعَارَفُونَ فِيهَا وَيُرْزَقُونَ من ثَمَرهَا
стр. 219
٢٢ - وَأخرج أَحْمد وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ وإبن أبي دَاوُد فِي الْبَعْث وإبن أبي الدُّنْيَا فِي العزاء من طَرِيق عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَوْلَاد الْمُؤمنِينَ فِي جبل فِي الْجنَّة يكفلهم إِبْرَاهِيم وَسَارة حَتَّى يردهم إِلَى آبَائِهِم يَوْم الْقِيَامَة
وَتقدم شَاهده فِي الصَّحِيح فِي حَدِيث سَمُرَة فِي بَاب عَذَاب الْقَبْر
٢٣ - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا فِي كتاب العزاء عَن إِبْنِ عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كل مَوْلُود يُولد فِي الْإِسْلَام فَهُوَ فِي الْجنَّة شُبَّان رَيَّان يَقُول يَا رب أورد عَليّ أَبَوي
٢٤ - وَأخرج فِيهِ أَيْضا عَن خَالِد بن معدان قَالَ إِن فِي الْجنَّة لشَجَرَة يُقَال لَهَا طُوبَى كلهَا ضروع فَمن مَاتَ من الصّبيان الَّذين يرضعون رضع من طُوبَى وحاضنهم إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن صلوَات الله عَلَيْهِ
٢٥ - وَأخرج أَيْضا عَن عبيد بن عُمَيْر قَالَ إِن فِي الْجنَّة لشَجَرَة لَهَا ضروع كضروع الْبَقر يغذى بهَا ولدان أهل الْجنَّة
٢٦ - وَأخرج سعيد بن مَنْصُور عَن مَكْحُول أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن ذَرَارِي الْمُسلمين أَرْوَاحهم فِي عصافير خضر فِي شجر من الْجنَّة يكفلهم أبوهم إِبْرَاهِيم ﵊
٢٧ - وَأخرج إِبْنِ أبي حَاتِم عَن خَالِد بن معدان قَالَ إِن فِي الْجنَّة شَجَرَة يُقَال لَهَا طُوبَى كلهَا ضروع ترْضع صبيان أهل الْجنَّة وَإِن سقط الْمَرْأَة يكون فِي نهر من أَنهَار الْجنَّة يتقلب فِيهِ حَتَّى تقوم الْقِيَامَة فيبعث إِبْنِ أَرْبَعِينَ سنة
٢٨ - وَأخرج إِبْنِ أبي شيبَة وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق إِبْنِ عَبَّاس عَن كَعْب قَالَ جنَّة المأوى فِيهَا طير خضر ترتقي فِيهَا أَرْوَاح الشُّهَدَاء تسرح فِي الْجنَّة وأرواح آل فِرْعَوْن فِي طير سود تَغْدُو على النَّار وَتَروح وَإِن أَرْوَاح أَطْفَال الْمُسلمين فِي عصافير فِي الْجنَّة
стр. 220
٢٩ - وَأخرج هناد بن السّري فِي الزّهْد عَن هُذَيْل قَالَ إِن أَرْوَاح آل فِرْعَوْن فِي أَجْوَاف طير سود تروح وتغدو على النَّار فَذَلِك عرضهَا وأرواح الشُّهَدَاء فِي أَجْوَاف طير خضر وَأَوْلَاد الْمُسلمين الَّذين لم يبلغُوا الْحِنْث عصافير من عصافير الْجنَّة ترعى وتسرح
٣٠ - وَأخرج إِبْنِ أبي شيبَة عَن عِكْرِمَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَقولُوا لمن يقتل فِي سَبِيل الله أموات﴾ الْآيَة قَالَ أَرْوَاح الشُّهَدَاء طير بيض فقاقيع فِي الْجنَّة قَالَ فِي الصِّحَاح الفقاقيع الفقاعات الَّتِي ترْتَفع فَوق المَاء كالقوارير فَكَأَنَّهُ شبه بهَا الْأَرْوَاح أَو الطير وَقَالَ فِي الْقَامُوس فقيع كسكيت الْأَبْيَض من الْحمام
٣١ - وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن قَتَادَة قَالَ بلغنَا أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي صور طير بيض تأوي إِلَى قناديل معلقَة تَحت الْعَرْش
٣٢ - وَأخرج إِبْنِ الْمُبَارك عَن إِبْنِ عَمْرو قَالَ أَرْوَاح الْمُسلمين فِي صور طير بيض فِي ظلّ الْعَرْش وأرواح الْكَافرين فِي الأَرْض السَّابِعَة
٣٣ - وَأخرج إِبْنِ مَنْدَه عَن أم كَبْشَة بنت الْمَعْرُور قَالَت دخل علينا النَّبِي ﷺ فَسَأَلْنَاهُ عَن هَذِه الْأَرْوَاح فوصفها صفة لكنه أبكى أهل الْبَيْت فَقَالَ إِن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فِي حواصل طير خضر ترعى فِي الْجنَّة وتأكل من ثمارها وتشرب من مياهها وتأوي إِلَى قناديل من ذهب تَحت الْعَرْش يَقُولُونَ رَبنَا ألحق بِنَا إِخْوَاننَا وآتنا مَا وعدتنا وَإِن أَرْوَاح الْكفَّار فِي حواصل طير سود تَأْكُل من النَّار وتشرب من النَّار وتأوي إِلَى جُحر فِي النَّار يَقُولُونَ رَبنَا لَا تلْحق بِنَا إِخْوَاننَا وَلَا تؤتنا مَا وعدتنا
٣٤ - وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل وإبن أبي حَاتِم وإبن مرْدَوَيْه فِي تفسيرهما عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ أتيت بالمعراج الَّذِي تعرج عَلَيْهِ أَرْوَاح بني آدم فَلم ير الْخَلَائق أحسن من الْمِعْرَاج مَا رَأَيْت الْمَيِّت حِين يشق بَصَره طامحا إِلَى السَّمَاء فَإِن ذَلِك عجبه بالمعراج فَصَعدت أَنا وَجِبْرِيل فاستفتحت
стр. 221
بَاب السَّمَاء فَإِذا أَنا بِآدَم تعرض عَلَيْهِ أَرْوَاح ذُريَّته الْمُؤمنِينَ فَيَقُول روح طيبَة وَنَفس طيبَة إجعلوها فِي عليين ثمَّ تعرض عَلَيْهِ أَرْوَاح ذُريَّته الْفجار فَيَقُول روح خبيثة وَنَفس خبيثة إجعلوها فِي سِجِّين
٣٥ - وَأخرج أَبُو نعيم بِسَنَد ضَعِيف عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فِي السَّمَاء السَّابِعَة ينظرُونَ إِلَى مَنَازِلهمْ فِي الْجنَّة
٣٦ - وَأخرج أَبُو نعيم أَيْضا فِي الْحِلْية عَن وهب بن مُنَبّه قَالَ إِن الله فِي السَّمَاء السَّابِعَة دَارا يُقَال لَهَا الْبَيْضَاء تَجْتَمِع فِيهَا أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فَإِن مَاتَ الْمَيِّت من أهل الدُّنْيَا تَلَقَّتْهُ الأوراح يسألونه عَن أَخْبَار الدُّنْيَا كَمَا يسْأَل الْغَائِب أَهله إِذا قدم عَلَيْهِم
٣٧ - وَأخرج سعيد بن مَنْصُور فِي سنَنه عَن إِبْنِ عمر ﵄ أَنه عزى أَسمَاء بإبنها عبد الله بن الزبير وجثته مصلوبة فَقَالَ لَا تحزني فَإِن الْأَرْوَاح عِنْد الله فِي السَّمَاء وَإِنَّمَا هَذِه جثة
٣٨ - وَأخرج سعيد الْمروزِي فِي الْجَنَائِز عَن الْعَبَّاس بن الْمطلب قَالَ ترفع أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ إِلَى جِبْرِيل فَيُقَال أَنْت ولي هَذِه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
٣٩ - وَأخرج سعيد بن مَنْصُور فِي سنَنه وإبن جرير الطَّبَرِيّ فِي كتاب الْأَدَب لَهُ عَن الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن قَالَ لَقِي سلمَان الْفَارِسِي عبد الله بن سَلام فَقَالَ لَهُ إِن مت قبلي فَأَخْبرنِي بِمَا تلقى وَإِن مت قبلك أَخْبَرتك بِمَا ألْقى قَالَ وَكَيف وَقد مت قَالَ إِن الرّوح إِذا خرج من الْجَسَد كَانَ بَين السَّمَاء وَالْأَرْض حَتَّى يرجع إِلَى جسده فقضي أَن سلمَان مَاتَ فَرَآهُ عبد الله بن سَلام فِي الْمَنَام فَقَالَ أَخْبرنِي أَي شَيْء وجدته أفضل قَالَ رَأَيْت للتوكل شَيْئا عجيبا
٤٠ - وَأخرج إِبْنِ الْمُبَارك فِي الزّهْد والحكيم التِّرْمِذِيّ فِي نَوَادِر الْأُصُول وإبن أبي الدُّنْيَا وإبن مَنْدَه عَن سعيد بن الْمسيب عَن سلمَان قَالَ إِن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فِي برزخ من الأَرْض تذْهب حَيْثُ شَاءَت وَنَفس الْكَافِر فِي سِجِّين قَالَ إِبْنِ الْقيم البرزخ هُوَ الحاجز بَين الشَّيْئَيْنِ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ فِي أَرض بَين الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
٤١ - وَأخرج الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ عَن سلمَان قَالَ إِن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ تذْهب فِي برزخ من الأَرْض حَيْثُ شَاءَت بَين السَّمَاء وَالْأَرْض حَتَّى يردهَا الله إِلَى أجسادها
стр. 222
٤٢ - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا عَن مَالك بن أنس قَالَ بَلغنِي أَن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ مُرْسلَة تذْهب حَيْثُ شَاءَت
٤٣ - وَأخرج عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ أَنه سُئِلَ عَن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ إِذا مَاتُوا أَيْن هم قَالَ صور طير بيض فِي ظلّ الْعَرْش وأرواح الْكَافرين فِي الأَرْض السَّابِعَة فَإِذا مَاتَ الْمُؤمن مر بِهِ على الْمُؤمنِينَ وَلَهُم أندية فيسألونه عَن بعض أَصْحَابهم فَإِن قَالَ مَاتَ قَالُوا سفل بِهِ وَإِن كَانَ كَافِرًا أهوي بِهِ إِلَى الأَرْض السافلة فيسألونه عَن الرجل فَإِن قَالَ مَاتَ قَالُوا عَليّ بِهِ
٤٤ - وَأخرج الْمروزِي وإبن مَنْدَه فِي الْجَنَائِز وإبن عَسَاكِر عَن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ إِن أَرْوَاح الْكفَّار تجمع ببرهوت سبخَة بحضرموت وأرواح الْمُؤمنِينَ بالجابية برهوت بِالْيمن والجابية بِالشَّام
٤٥ - وَأخرج إِبْنِ عَسَاكِر عَن عُرْوَة بن رُوَيْم قَالَ الْجَابِيَة تَجِيء إِلَيْهَا كل روح طيبَة
٤٦ - وَأخرج أَبُو بكر النجاد فِي جزئه الْمَشْهُور عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ خير وَادي النَّاس وَادي مَكَّة وَشر وَادي النَّاس وَادي الأحقاق وَاد بحضرموت يُقَال لَهُ برهوت فِيهِ أَرْوَاح الْكفَّار
٤٧ - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا عَن عَليّ قَالَ أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فِي بِئْر زَمْزَم
٤٨ - وَأخرج الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وإبن مَنْدَه عَن الْأَخْنَس بن خَليفَة الضَّبِّيّ أَن كَعْب الْأَحْبَار أرسل إِلَى عبد الله بن عَمْرو ﵄ يسْأَله عَن أَرْوَاح الْمُسلمين أَيْن تَجْتَمِع وأرواح أهل الشّرك أَيْن تَجْتَمِع فَقَالَ عبد الله بن عَمْرو أما أَرْوَاح الْمُسلمين فتجتمع بأريحا وَأما أَرْوَاح أهل الشّرك فتجتمع بِصَنْعَاء فَرجع رَسُول الله إِلَيْهِ فَأخْبرهُ بِالَّذِي قَالَ فَقَالَ صدق
وَقَالَ إِبْنِ جرير فِي تَفْسِيره حَدثنَا مُحَمَّد بن عَوْف الطَّائِي حَدثنَا أَبُو الْمُغيرَة حَدثنَا صَفْوَان قَالَ سَأَلت عَامر بن عبد الله بِالْيمن هَل لأنفس الْمُؤمنِينَ مُجْتَمع فَقَالَ إِلَى الأَرْض يَقُول الله تَعَالَى ﴿وَلَقَد كتبنَا فِي الزبُور من بعد الذّكر أَن الأَرْض يَرِثهَا عبَادي الصالحون﴾
стр. 223
) قَالَ هِيَ الأَرْض الَّتِي تَجْتَمِع إِلَيْهَا أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ حَتَّى يكون الْبَعْث
٤٩ - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا عَن وهب بن مُنَبّه قَالَ أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ إِذا قبضت ترفع إِلَى ملك يُقَال لَهُ رميائيل وَهُوَ خَازِن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ
٥٠ - وَأخرج عَن أبان بن ثَعْلَب عَن رجل من أهل الْكتاب قَالَ الْملك الَّذِي على أَرْوَاح الْكفَّار يُقَال لَهُ دومة
٥١ - وَأخرج الْعقيلِيّ بِسَنَد ضَعِيف من طَرِيق خَالِد بن معدان عَن كَعْب قَالَ الْخضر على مِنْبَر من نور بَين الْبَحْر الْأَعْلَى وَالْبَحْر الْأَسْفَل وَقد أمرت دَوَاب الْبَحْر أَن تسمع لَهُ وتطيع وَتعرض عَلَيْهِ الْأَرْوَاح غدْوَة وَعَشِيَّة
٥٢ - قَالَ إِبْنِ الْقيم مَسْأَلَة مقرّ الْأَرْوَاح بعد الْمَوْت عَظِيمَة لَا تتلقى إِلَّا من السّمع وَقد قيل إِن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ كلهم فِي الْجنَّة الشُّهَدَاء وَغَيرهم إِذا لم تحبسهم كَبِيرَة لظَاهِر حَدِيث كَعْب وَأم هانىء وَأم بشر وَأبي سعيد وضمرة وَنَحْوهَا وَلقَوْله تَعَالَى ﴿فَأَما إِن كَانَ من المقربين فَروح وَرَيْحَان وجنة نعيم﴾ قسم الْأَرْوَاح عقب خُرُوجهَا من الْبدن إِلَى ثَلَاثَة مقربين وَأخْبر أَنَّهَا فِي جنَّة النَّعيم وَأَصْحَاب يَمِين وَحكم لَهَا بِالسَّلَامِ وَهُوَ يتَضَمَّن سلامتها من الْعَذَاب ومكذبة ضَالَّة وَأخْبر أَن لَهَا نزلا من حميم وتصلية جحيم وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك﴾ إِلَى قَوْله ﴿وادخلي جنتي﴾ قَالَ جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ إِنَّه يُقَال لَهَا ذَلِك عِنْد خُرُوجهَا من الدُّنْيَا على لِسَان الْملك بِشَارَة وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى فِي مُؤمن آل يس ﴿قيل ادخل الْجنَّة قَالَ يَا لَيْت قومِي يعلمُونَ﴾ وَقيل الْأَحَادِيث مَخْصُوصَة بِالشُّهَدَاءِ كَمَا صرح بِهِ فِي رِوَايَة أُخْرَى وَلقَوْله فِي غَيرهم إِن أحدكُم إِذا مَاتَ عرض عَلَيْهِ مَقْعَده بِالْغَدَاةِ والعشي الحَدِيث وَلِحَدِيث أبي هُرَيْرَة السَّابِق إِنَّهُم فِي السَّمَاء السَّابِعَة ينظرُونَ إِلَى مَنَازِلهمْ فِي الْجنَّة وَحَدِيث وهب مثله
стр. 224
٥٣ - وَقَالَ إِبْنِ حزم فِي طَائِفَة مستقرها حَيْثُ كَانَت قبل خلق أجسادها أَي عَن يَمِين آدم وشماله قَالَ وَهَذَا مَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ﴾ الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد خَلَقْنَاكُمْ ثمَّ صورناكم﴾ الْآيَة فصح أَن الله تَعَالَى خلق الْأَرْوَاح جملَة وَلذَلِك أخبر ﷺ أَن الْأَرْوَاح جنود مجندة فَمَا تعارف مِنْهَا إئتلف وَمَا تناكر مِنْهَا إختلف وَأخذ الله عهدها وشهادتها بالربوبية وَهِي مخلوقة مصورة عَاقِلَة قبل أَن تُؤمر بِالْمَلَائِكَةِ بِالسُّجُود لآدَم وَقبل أَن يدخلهَا فِي الأجساد والأجساد يَوْمئِذٍ تُرَاب وَمَاء ثمَّ أقرها حَيْثُ شَاءَ وَهُوَ البرزخ الَّذِي ترجع إِلَيْهِ عِنْد الْمَوْت ثمَّ لَا يزَال يبْعَث مِنْهَا الْجُمْلَة بعد الْجُمْلَة فينفخها فِي الأجساد المتولدة من الْمَنِيّ
قَالَ فصح أَن الْأَرْوَاح أجسام حاملة لأعراضها من التعارف والتناكر وَأَنَّهَا عارفة مُمَيزَة فيبلوها الله فِي الدُّنْيَا كَمَا يَشَاء ثمَّ يتوفاها فترجع إِلَى البرزخ الَّذِي رَآهَا فِيهِ رَسُول الله ﷺ لَيْلَة أسرِي بِهِ إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا أَرْوَاح أهل السَّعَادَة عَن يَمِين آدم وأرواح أهل الشقاوة عَن يسَاره عِنْد مُنْقَطع عناصر المَاء والهواء وَالتُّرَاب وَالنَّار تَحت السَّمَاء
وَلَا يدل ذَلِك على تعادلهم بل هَؤُلَاءِ عَن يَمِينه فِي الْعُلُوّ وَالسعَة وَهَؤُلَاء عَن يسَاره فِي السّفل والسجن وَتجْعَل أَرْوَاح الْأَنْبِيَاء وَالشُّهَدَاء إِلَى الْجنَّة قَالَ وَقد ذكر مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي عَن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه أَنه ذكر هَذَا الَّذِي قُلْنَا بِعَيْنِه وَقَالَ على هَذَا أجمع أهل الْعلم
٥٤ - قَالَ إِبْنِ حزم وَهُوَ قَول جَمِيع أَئِمَّة الْإِسْلَام وَهُوَ قَول الله تَعَالَى ﴿فأصحاب الميمنة مَا أَصْحَاب الميمنة وَأَصْحَاب المشأمة مَا أَصْحَاب المشأمة وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المقربون فِي جنَّات النَّعيم﴾ وَقَوله ﴿فَأَما إِن كَانَ﴾
стр. 225
من المقربين) آخرهَا فَلَا تزَال الْأَرْوَاح هُنَاكَ حَتَّى يتم عَددهَا بنفخها فِي الأجساد ثمَّ برجوعها إِلَى البرزخ فتقوم السَّاعَة فيعيدها إِلَى الأجساد وَهِي الْحَيَاة الثَّانِيَة هَذَا كُله كَلَام إِبْنِ حزم
وَقيل هِيَ على أفنية قبورها قَالَ إِبْنِ عبد الْبر وَهَذَا أصح مَا قيل قَالَ وَأَحَادِيث السُّؤَال وَعرض المقعد وَعَذَاب الْقَبْر ونعيمه وزيارة الْقُبُور وَالسَّلَام عَلَيْهَا وخطابهم مُخَاطبَة الْحَاضِر الْعَاقِل دَالَّة على ذَلِك
٥٥ - قَالَ إِبْنِ الْقيم وَهَذَا القَوْل إِن أُرِيد بِهِ أَنَّهَا مُلَازمَة للقبور وَلَا تفارقها فَهُوَ خطأ يردهُ الْكتاب وَالسّنة وَعرض المقعد لَا يدل على أَن الرّوح فِي الْقَبْر وَلَا على فنائه بل إِن لَهَا إتصالا بِهِ يَصح أَن يعرض عَلَيْهَا مقعدها فَإِن للروح شَأْنًا آخر فَتكون فِي الرفيق الْأَعْلَى وَهِي مُتَّصِلَة بِالْبدنِ بِحَيْثُ إِذا سلم الْمُسلم على صَاحبهَا رد ﵇ وَهِي فِي مَكَانهَا هُنَاكَ وَهَذَا جِبْرِيل ﵇ رَآهُ النَّبِي ﷺ وَله سِتّمائَة جنَاح مِنْهَا جَنَاحَانِ سد الْأُفق فَكَانَ يدنو من النَّبِي ﷺ حَتَّى يضع رُكْبَتَيْهِ على رُكْبَتَيْهِ وَيَديه على فَخذيهِ وَقُلُوب المخلصين تتسع للْإيمَان بِأَن من الْمُمكن أَنه كَانَ يدنو هَذَا الدنو وَهُوَ فِي مستقره من السَّمَاوَات
وَفِي الحَدِيث فِي رُؤْيَة جِبْرِيل فَرفعت رَأسه فَإِذا جِبْرِيل صَاف قَدَمَيْهِ بَين السَّمَاء وَالْأَرْض يَقُول يَا مُحَمَّد أَنْت رَسُول الله ﷺ وَأَنا جِبْرِيل فَجعلت لَا أصرف بَصرِي إِلَى نَاحيَة إِلَّا رَأَيْته كَذَلِك وعَلى هَذَا يحمل تنزله تَعَالَى إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا ودنوه عَشِيَّة عَرَفَة وَنَحْوه فَهُوَ منزه عَن الْحَرَكَة والإنتقال وَإِنَّمَا يَأْتِي الْغَلَط هُنَا من قِيَاس الْغَائِب على الشَّاهِد فيعتقد أَن الرّوح من جنس مَا يعْهَد من الْأَجْسَام الَّتِي إِذا أشغلت مَكَانا لم يُمكن أَن تكون فِي غَيره وَهَذَا غلط مَحْض وَقد رأى النَّبِي ﷺ لَيْلَة الْإِسْرَاء مُوسَى قَائِما يُصَلِّي فِي قَبره وَرَآهُ فِي السَّمَاء السَّادِسَة فالروح كَانَت هُنَاكَ فِي مثل الْبدن وَلها إتصال بِالْبدنِ بِحَيْثُ يُصَلِّي فِي قَبره وَيرد على من يسلم عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الرفيق الْأَعْلَى وَلَا تنَافِي بَين الْأَمريْنِ فَإِن شَأْن الْأَرْوَاح غير شَأْن الْأَبدَان وَقد مثل ذَلِك بَعضهم بالشمس فِي السَّمَاء وشعاعها فِي الأَرْض وَإِن كَانَ غير تَامّ الْمُطَابقَة من حَيْثُ أَن الشعاع إِنَّمَا هُوَ عرض للشمس أما الرّوح فَهِيَ بِنَفسِهَا تنزل
стр. 226
وَكَذَلِكَ رُؤْيَة النَّبِي ﷺ الْأَنْبِيَاء فِي لَيْلَة الْإِسْرَاء فِي السَّمَاوَات الصَّحِيح أَنه رأى فِيهَا الْأَرْوَاح فِي مثل الْأَجْسَام مَعَ وُرُود أَنهم أَحيَاء فِي قُبُورهم يصلونَ وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ من صلى عَليّ عِنْد قَبْرِي سمعته وَمن صلى عَليّ نَائِيا بلغته أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب من حَدِيث بِأبي هُرَيْرَة
وَقَالَ إِن الله وكل بقبري ملكا أعطَاهُ أَسمَاء الْخَلَائق فَلَا يُصَلِّي عَليّ أحد إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا أبلغني بإسمه وَاسم أَبِيه أخرجه الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عمار بن يَاسر
هَذَا مَعَ الْقطع بِأَن روحه فِي أَعلَى عليين مَعَ أَرْوَاح الْأَنْبِيَاء وَهُوَ فِي الرفيق الْأَعْلَى فَثَبت بِهَذَا أَنه لَا مُنَافَاة بَين كَون الرّوح فِي عليين أَو فِي الْجنَّة أَو فِي السَّمَاء وَأَن لَهَا بِالْبدنِ إتصالا بِحَيْثُ تدْرك وَتسمع وَتصلي وتقرأ وَإِنَّمَا يستغرب هَذَا لكَون الشَّاهِد الدنيوي لَيْسَ فِيهِ مَا يشابه هَذَا وَأُمُور البرزخ الْآخِرَة على نمط غير هَذَا المألوف فِي الدُّنْيَا هَذَا كُله كَلَام إِبْنِ الْقيم
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر للروح بِالْبدنِ خَمْسَة أَنْوَاع من التَّعَلُّق مُتَغَايِرَة الأول فِي بطن الْأُم الثَّانِي بعد الْولادَة الثَّالِث فِي حَال النّوم فلهَا بِهِ تعلق من وَجه ومفارقة من وَجه الرَّابِع فِي البرزخ فَإِنَّهَا وَإِن كَانَت قد فارقته بِالْمَوْتِ فَإِنَّهَا لم تُفَارِقهُ فراقا كليا بِحَيْثُ لم يبْق لَهَا إِلَيْهِ إلتفات الْخَامِس تعلقهَا بِهِ يَوْم الْبَعْث وَهُوَ أكمل أَنْوَاع التعلقات وَلَا نِسْبَة لما قبله إِلَيْهِ إِذْ لَا يقبل الْبدن مَعَه موتا وَلَا نوما وَلَا فَسَادًا
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر للروح من سرعَة الْحَرَكَة والإنتقال الَّذِي كلمح الْبَصَر مَا يَقْتَضِي عروجها من الْقَبْر إِلَى السَّمَاء فِي أدنى لَحْظَة وَشَاهد ذَلِك روح النَّائِم فقد ثَبت أَن روح النَّائِم تصعد حَتَّى تخترق السَّبع الطباق وتسجد لله بَين يَدي الْعَرْش ثمَّ ترد إِلَى جسده فِي أيسر زمَان
ثمَّ حكى إِبْنِ الْقيم بعد ذَلِك بَقِيَّة الْأَقْوَال وَأَنَّهَا بالجابية أَو بِئْر زَمْزَم وَأَن الْكفَّار ببرهوت وَأورد مَا أخرجه إِبْنِ مَنْدَه بِسَنَدِهِ من طَرِيق سُفْيَان عَن أبان بن ثَعْلَب
стр. 227
قَالَ قَالَ رجل بت لَيْلَة بوادي برهوت فَكَأَنَّمَا حشرت فِيهِ أصوات النَّاس وهم يَقُولُونَ يَا دومة يَا دومة وَحدثنَا رجل من أهل الْكتاب أَن دومة هُوَ الْملك الْمُوكل بأرواح الْكفَّار قَالَ سُفْيَان سَأَلنَا عددا من الحضرميين فَقَالُوا لَا يَسْتَطِيع أحد أَن يبيت فِيهِ بِاللَّيْلِ وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الْقُبُور عَن عَمْرو بن سُلَيْمَان قَالَ مَاتَ رجل من الْيَهُود وَعِنْده وَدِيعَة لمُسلم وَكَانَ لِلْيَهُودِيِّ إِبْنِ مُسلم فَلم يعرف مَوضِع الْوَدِيعَة فَأخْبر شعيبا الجبائي فَقَالَ أئت برهوت فَإِن بهَا عينا تسبت فَإِذا جِئْت فِي يَوْم السبت فامش عَلَيْهَا حَتَّى تَأتي عينا هُنَاكَ فَادع أَبَاك فَإِنَّهُ سيجيبك فسله عَمَّا تُرِيدُ فَفعل ذَلِك الرجل وَمضى حَتَّى أَتَى الْعين فَدَعَا أَبَاهُ مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا فَأَجَابَهُ فَقَالَ أَيْن وَدِيعَة فلَان فَقَالَ تَحت أُسْكُفَّة الْبَاب فادفعها إِلَيْهِ والزم مَا أَنْت عَلَيْهِ
ثمَّ قَالَ إِبْنِ الْقيم وَلَا يحكم على قَول من هَذِه الْأَقْوَال بِعَيْنِه بِالصِّحَّةِ وَلَا غَيره بِالْبُطْلَانِ بل الصَّحِيح أَن الْأَرْوَاح مُتَفَاوِتَة فِي مستقرها فِي البرزخ أعظم تفَاوت وَلَا تعَارض بَين الْأَدِلَّة فَإِن كلا مِنْهَا وَارِد على فريق من النَّاس بِحَسب درجاتهم فِي السَّعَادَة أَو الشقاوة فَمِنْهَا أَرْوَاح فِي أَعلَى عليين فِي الْمَلأ الْأَعْلَى وهم الْأَنْبِيَاء وهم متفاوتون فِي مَنَازِلهمْ كَمَا رَآهُمْ النَّبِي ﷺ لَيْلَة الْإِسْرَاء وَمِنْهَا أَرْوَاح فِي حواصل طير خضر تسرح فِي الْجنَّة حَيْثُ شَاءَت وَهِي أَرْوَاح بعض الشُّهَدَاء لَا جَمِيعهم فَإِن مِنْهُم من يحبس عَن دُخُول الْجنَّة لدين أَو لغيره كَمَا فِي الْمسند عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن جحش أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا لي إِن قتلت فِي سَبِيل الله قَالَ الْجنَّة فَلَمَّا ولى قَالَ إِلَّا الدّين سَارَّنِي بِهِ جِبْرِيل آنِفا وَمِنْهُم من يكون على بَاب الْجنَّة كَمَا فِي حَدِيث إِبْنِ عَبَّاس وَمِنْهُم من يكون مَحْبُوسًا فِي قَبره كَحَدِيث صَاحب الشملة أَنَّهَا تشتعل عَلَيْهِ نَارا فِي قَبره وَمِنْهُم من يكون مَحْبُوسًا فِي الأَرْض لم تصل روحه إِلَى الْمَلأ الْأَعْلَى فَإِنَّهَا كَانَت روحا سفلية أرضية فَإِن الْأَنْفس الأرضية لَا تجامع الْأَنْفس السماوية كَمَا أَنَّهَا لَا تجامعها فِي الدُّنْيَا فالروح بعد الْمُفَارقَة تلْحق بأشكالها وَأَصْحَاب عَملهَا فالمرء مَعَ من أحب وَمِنْهَا أَرْوَاح تكون فِي تنور الزناة وأرواح فِي نهر الدَّم إِلَى غير ذَلِك فَلَيْسَ
стр. 228
للأرواح سعيدها وشقيها مُسْتَقر وَاحِد وَكلهَا على إختلاف محالها وتباين مقارها لَهَا إتصال بأجسادها فِي قبورها ليحصل لَهُ من النَّعيم وَالْعَذَاب مَا كتب لَهُ إنتهى كَلَام إِبْنِ الْقيم
قلت وَيُؤَيّد مَا ذكره من الإتصال بالأجساد والإشتراك فِي النَّعيم أَو الْعَذَاب مَا أخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الزّهْد عَن وهب بن مُنَبّه أَن حزقيل ﵇ قَالَ أَتَانِي ملك فاحتملني حَتَّى وضعني بقاع من الأَرْض قد كَانَت معركة وَإِذا فِيهِ عشرَة آلَاف قَتِيل قد تبددت لحومهم وَتَفَرَّقَتْ أوصالهم قَالَ فدعوتهم فَإِذا كل عظم قد أقبل إِلَى مفصله ثمَّ نبت عَلَيْهَا اللَّحْم ثمَّ إنبسطت الْجُلُود وَأَنا أنظر فَقيل لي أدع أَرْوَاحهم فدعوتها فَإِذا كل روح قد أقبل إِلَى جسده لما جَلَسُوا سَأَلتهمْ فيمَ كُنْتُم قَالُوا إِنَّمَا لما متْنا وفارقتنا الْحَيَاة لَقينَا ملك يُقَال لَهُ مِيكَائِيل فَقَالَ هلموا أَعمالكُم وخذوا أجوركم كَذَلِك سنتنا فِيكُم وفيمن كَانَ قبلكُمْ وفيمن هُوَ كَائِن بعدكم فَنظر فِي أَعمالنَا فَوَجَدنَا نعْبد الْأَوْثَان فَسلط الدُّود على أَجْسَادنَا وَجعلت الْأَرْوَاح تألم وسلط الْغم على أَرْوَاحنَا وَجعلت الأجساد تألم فَلم نزل كَذَلِك نعذب حَتَّى دَعوتنَا
٥٦ - وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ الْأَحَادِيث دَالَّة على أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء خَاصَّة فِي الْجنَّة دون غَيرهم وَحَدِيث كَعْب وَنَحْوه مَحْمُول على الشُّهَدَاء وَأما غَيرهم فَتَارَة تكون فِي السَّمَاء لَا فِي الْجنَّة وَتارَة تكون على أفنية الْقُبُور وَقد قيل إِنَّهَا تزور قبورها كل جُمُعَة على الدَّوَام وَقَالَ إِبْنِ الْعَرَبِيّ حَدِيث الجريدة يسْتَدلّ بِهِ على أَن الْأَرْوَاح فِي الْقُبُور تنعم أَو تعذب
ثمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَبَعض الشُّهَدَاء أَرْوَاحهم خَارج الْجنَّة أَيْضا كَمَا فِي حَدِيث إِبْنِ عَبَّاس ﵄ على بارق نهر بِبَاب الْجنَّة وَذَلِكَ إِذا حَبسهم عَنْهَا دين أَو شَيْء من حُقُوق الْآدَمِيّين وروى أَبُو مُوسَى أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن أعظم الذُّنُوب عِنْد الله يلقاه بهَا عبد بعد الْكَبَائِر الَّتِي نهى الله عَنْهَا أَن يَمُوت رجل وَعَلِيهِ دين لَا يدع لَهُ قَضَاء أخرجه أَبُو دَاوُد قَالَ وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ كلهم فِي جنَّة المأوى وَلذَلِك سميت جنَّة المأوى لِأَنَّهَا تأوي إِلَيْهَا الْأَرْوَاح وَهِي تَحت الْعَرْش فيتنعمون بنعيمها ويتنسمون طيب رِيحهَا قَالَ وَالْأول أصح
стр. 229
٥٧ - وَقَالَ الْحَافِظ إِبْنِ حجر فِي فَتَاوِيهِ أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فِي عليين وأرواح الْكَافرين فِي سِجِّين وَلكُل روح بجسدها إتصال معنوي لَا يشبه الإتصال فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا بل أشبه شَيْء بِهِ حَال النَّائِم وَإِن كَانَ هُوَ أَشد من حَال النَّائِم إتصالا قَالَ وَبِهَذَا يجمع بَين مَا ورد أَن مقرها فِي عليين أَو سِجِّين وَبَين مَا نَقله إِبْنِ عبد الْبر عَن الْجُمْهُور أَيْضا أَنَّهَا عِنْد أفنية قبورها قَالَ وَمَعَ ذَلِك فَهِيَ مَأْذُون لَهَا فِي التَّصَرُّف وتأوي إِلَى محلهَا من عليين أَو سِجِّين قَالَ وَإِذا نقل الْمَيِّت من قبر إِلَى قبر فالإتصال الْمَذْكُور مُسْتَمر وَكَذَا لَو تَفَرَّقت الْأَجْزَاء إنتهى قلت وَيُؤَيّد كَون الْمقر فِي عليين مَا أخرجه إِبْنِ عَسَاكِر من طَرِيق إِبْنِ إِسْحَاق قَالَ حَدثنِي الْحُسَيْن بن عبيد الله عَن إِبْنِ عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ بعد قتل جَعْفَر لقد مر بِي اللَّيْلَة جَعْفَر يقتفي نَفرا من الْمَلَائِكَة لَهُ جَنَاحَانِ متخضبة قوادمها بِالدَّمِ يُرِيدُونَ بيشة بَلَدا بِالْيمن
٥٨ - وَأخرج إِبْنِ عدي من حَدِيث عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ عرفت جعفرا فِي رفْقَة من الْمَلَائِكَة يبشرون أهل بيشة بالمطر
٥٩ - وَأخرج الْحَاكِم عَن إِبْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ بَيْنَمَا النَّبِي ﷺ جَالس وَأَسْمَاء بنت عُمَيْس قريب مِنْهُ إِذْ رد السَّلَام وَقَالَ يَا أَسمَاء هَذَا جَعْفَر مَعَ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل مروا فَسَلمُوا علينا وَأَخْبرنِي أَنه لقى الْمُشْركين يَوْم كَذَا وَكَذَا قَالَ فَأَصَبْت فِي جَسَدِي من مقاديمي ثَلَاثًا وَسبعين من طعنة وضربة ثمَّ أخذت اللِّوَاء بيَدي الْيُمْنَى فَقطعت ثمَّ أَخَذته بيَدي الْيُسْرَى فَقطعت فعوضني الله من يَدي جناحين أطير بهما مَعَ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وَأنزل من الْجنَّة حَيْثُ شِئْت وآكل من ثمارها مَا شِئْت قَالَت أَسمَاء هَنِيئًا لجَعْفَر مَا رزقه الله من خير لَكِن أَخَاف أَن لَا يصدق النَّاس فأصعد الْمِنْبَر فَأخْبر بِهِ النَّاس فَصَعدَ الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ إِن جَعْفَر بن أبي طَالب مر مَعَ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وَله جَنَاحَانِ عوضه الله من يَدَيْهِ فَسلم عَليّ ثمَّ أخْبرهُم بِمَا أخبرهُ بِهِ
٦٠ - وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي حَدِيث كَعْب نسمَة الْمُؤمن طَائِر وَهُوَ يدل على أَن نَفسهَا تكون طائرا أَي على صورته لَا أَنَّهَا تكون فِيهِ وَيكون الطَّائِر ظرفا لَهَا
стр. 230
وَكَذَا فِي رِوَايَة عَن إِبْنِ مَسْعُود عِنْد إِبْنِ مَاجَه أَرْوَاح الشُّهَدَاء عِنْد الله كطير خضر وَفِي لفظ عَن إِبْنِ عَبَّاس تجول فِي طير خضر وَفِي لفظ إِبْنِ عَمْرو فِي صور طير بيض وَفِي لفظ عَن كَعْب أَرْوَاح الشُّهَدَاء طير خضر
قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَهَذَا كُله أصح من رِوَايَة فِي جَوف طير خضر
٦١ - وَقَالَ الْقَابِسِيّ أنكر الْعلمَاء رِوَايَة فِي حواصل طير خضر لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تكون محصورة ومضيقا عَلَيْهَا ورد بِأَن الرِّوَايَة ثَابِتَة والتأويل مُحْتَمل بِأَن يَجْعَل فِي بِمَعْنى على وَالْمعْنَى أَرْوَاحهم على جَوف طير خضر كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ أَي على جُذُوع وَجَائِز أَن يُسمى الطير جوفا إِذْ هُوَ مُحِيط بِهِ ومشتمل عَلَيْهِ قَالَه عبد الْحق
وَقَالَ غَيره لَا مَانع من أَن تكون فِي الأجواف حَقِيقَة ويوسعها الله لَهَا حَتَّى تكون أوسع من الفضاء
٦٢ - وَقَالَ إِبْنِ دحْيَة فِي التَّنْوِير قَالَ قوم من الْمُتَكَلِّمين هَذِه رِوَايَة مُنكرَة وَقَالُوا لَا يكون روحان فِي جَسَد وَاحِد وَإِن ذَلِك محَال وَقَوْلهمْ جهل بالحقائق وإعترض على السّنة وَالْجَمَاعَة الثَّابِتَة فَإِن معنى الْكَلَام بَين فَإِن روح الشَّهِيد الَّذِي كَانَ فِي جَوف جسده فِي الدُّنْيَا يَجْعَل فِي جَوف جَسَد آخر كَأَنَّهُ صُورَة طَائِر فَيكون فِي هَذَا الْجَسَد الآخر كَمَا كَانَ فِي الأول وَذَلِكَ مُدَّة البرزخ إِلَى أَن يُعِيد الله يَوْم الْقِيَامَة كَمَا خلقه وَإِنَّمَا الَّذِي يَسْتَحِيل فِي الْعقل قيام حياتين بجوهر وَاحِد فيحيا الْجَوْهَر بهما جَمِيعًا وَأما روحان فِي جَسَد فَلَيْسَ بمحال إِذْ لم يقل بتداخل الْأَجْسَام فَهَذَا الْجَنِين فِي بطن أمه وروحه غير روحها وَقد إشتمل عَلَيْهِمَا جَسَد وَاحِد وَهَذَا أقرب لَو قيل لَهُم إِن الطَّائِر لَهُ روح غير روح الشَّهِيد وهما فِي جَسَد وَاحِد وَإِنَّمَا قيل فِي أَجْوَاف طير خضر أَي فِي صُورَة طير كَمَا نقُول رَأَيْت ملكا فِي صُورَة إِنْسَان وَهَذَا فِي غَايَة الْبَيَان إنتهى
٦٣ - وَقَالَ الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام فِي أَمَالِيهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء﴾ فَإِن قيل الْأَمْوَات كلهم كَذَلِك فَكيف خصص هَؤُلَاءِ فَالْجَوَاب أَن الْكل لَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْمَوْت عبارَة
стр. 231
عَن أَن تنْزع الرّوح عَن الأجساد لقَوْله تَعَالَى ﴿الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا﴾ أَي يَأْخُذهَا وافية من الأجساد والمجاهد تنقل روحه إِلَى طير خضر فقد إنتقل من جَسَد إِلَى آخر بِخِلَاف غَيره فَإِن أَرْوَاحهم تنفى من الأجساد
٦٤ - قَالَ وَأما حَدِيث كَعْب نسمَة الْمُؤمن إِلَى آخِره فَهَذَا الْعُمُوم مَحْمُول على الْمُجَاهدين لِأَنَّهُ قد ورد أَن الرّوح فِي الْقَبْر يعرض عَلَيْهَا مقعدها من الْجنَّة وَالنَّار ولأنا أمرنَا بِالسَّلَامِ على الْقُبُور وَلَوْلَا أَن الْأَرْوَاح تدْرك لما كَانَ فِيهِ فَائِدَة إنتهى
فَاخْتَارَ فِي أَرْوَاح الشُّهَدَاء أَنَّهَا كَانَت كائنة فِي طير لَا أَنَّهَا نَفسهَا طير وَيُؤَيِّدهُ مَا تقدم عَن إِبْنِ عمر ﵄ وَإِنَّمَا تركب فِي جَسَد آخر وَهُوَ وَإِن كَانَ مَوْقُوفا فَلهُ حكم الْمَرْفُوع لِأَن مثله لَا يُقَال من قبل الرَّأْي وَقد رَأَيْت لَهُ شَاهدا مَرْفُوعا
٦٥ - وَأخرج ٧ هناد بن السّري فِي كتاب الزّهْد من طَرِيق إِبْنِ إِسْحَاق عَن إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي فَرْوَة قَالَ حَدثنَا بعض أهل الْعلم أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الشُّهَدَاء ثَلَاثَة فأدنى الشُّهَدَاء عِنْد الله منزلَة رجل خرج مَنْبُوذًا بِنَفسِهِ وَمَاله لَا يُرِيد أَن يقتل وَلَا يقتل أَتَاهُ سهم غرب فَأَصَابَهُ فَأول قَطْرَة تقطر من دَمه يغْفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه ثمَّ يهْبط الله جسدا من السَّمَاء يَجْعَل فِيهِ روحه ثمَّ يصعد بِهِ إِلَى الله فَمَا يمر بسماء من السَّمَاوَات إِلَّا شيعته الْمَلَائِكَة حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى الله فَإِذا أَنْتَهِي بِهِ وَقع سَاجِدا ثمَّ يُؤمر بِهِ فيكسى سبعين حلَّة من الإستبرق ثمَّ يُقَال إذهبوا بِهِ إِلَى إخوانه من الشُّهَدَاء فَاجْعَلُوهُ مَعَهم فَيُؤتى بِهِ إِلَيْهِم وهم فِي قبَّة خضراء عِنْد بَاب الْجنَّة يخرج عَلَيْهِم غذاؤهم من الْجنَّة فَإِذا إنتهى إِلَى إخوانه سَأَلُوهُ كَمَا تسْأَلُون الرَّاكِب يقدم عَلَيْكُم من بِلَادكُمْ فَيَقُولُونَ مَا فعل فلَان مَا فعل فلَان فَيَقُول أفلس فلَان فَيَقُولُونَ مَا فعل بِمَالِه فوَاللَّه إِنَّه كَانَ لكيسا جموعا تَاجِرًا إِنَّا لَا نعد الْمُفلس كَمَا تَعدونَ إِنَّمَا الْمُفلس من الْأَعْمَال
فَيَقُولُونَ مَا فعل فلَان بإمرأته فُلَانَة فَيَقُول طَلقهَا فَيَقُولُونَ مَا الَّذِي جرى بَينهمَا حَتَّى طَلقهَا فوَاللَّه إِن كَانَ بهَا لمعجبا فَيَقُولُونَ مَا فعل فلَان فَيَقُول مَاتَ
стр. 232
قبلي بِزَمَان فَيَقُولُونَ هلك وَالله مَا سمعنَا لَهُ بِذكر إِن لله طَرِيقين أَحدهمَا علينا وَالْآخر مُخَالف بِهِ عَنَّا فَإِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا مر بِهِ علينا فَعرفنَا مَتى مَاتَ وَإِذا أَرَادَ الله بِعَبْد شرا خُولِفَ بِهِ عَنَّا فَلم نسْمع لَهُ بِذكر الحَدِيث
قَالَ فِي الصِّحَاح أَصَابَهُ سهم غرب يُضَاف وَلَا يُضَاف يسكن ويحرك إِذا كَانَ لَا يدرى من رَمَاه
٦٦ - وَأخرج إِبْنِ مَنْدَه من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم عَن حَيَّان بن جبلة قَالَ بَلغنِي أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الشَّهِيد إِذا أستشهد أنزل الله لَهُ جسدا كأحسن جَسَد ثمَّ يُقَال لروحه أدخلي فِيهِ فَينْظر إِلَى جسده الأول مَا فعل بِهِ وَيتَكَلَّم فيظن أَنهم يسمعُونَ كَلَامه فَينْظر إِلَيْهِم فيظن أَنهم يرونه حَتَّى يَأْتِيهِ أَزوَاجه يَعْنِي من الْحور الْعين فيذهبن بِهِ
وَقَالَ صَاحب الإفصاح الْمُنعم على جِهَات مُخْتَلفَة مِنْهَا مَا هُوَ طَائِر فِي شجر الْجنَّة وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي حواصل طير خضر وَمِنْهَا مَا يأوي فِي قناديل تَحت الْعَرْش وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي حواصل طير بيض وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي حواصل طير كالزرازير وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي أشخاص صور من صور الْجنَّة وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي صُورَة تخلق لَهُم من ثَوَاب أَعْمَالهم وَمِنْهَا مَا تسرح وتتردد إِلَى جثتها تزورها وَمِنْهَا مَا تلقى أَرْوَاح المقبوضين وَمِمَّنْ سوى ذَلِك مَا هُوَ كَفَالَة مِيكَائِيل وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي كَفَالَة آدم وَمِنْهَا مَا هُوَ كَفَالَة إِبْرَاهِيم
قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَهَذَا قَول حسن لجمع الْأَخْبَار حَتَّى لَا تتدافع
قلت وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي حَدِيث الْإِسْرَاء عِنْد الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل وإبن مرْدَوَيْه من رِوَايَة أبي سعيد الْخُدْرِيّ ثمَّ صعدت إِلَى السَّمَاء الثَّانِيَة فَإِذا أَنا بِيَحْيَى وَعِيسَى ومعهما نفر من قومهما ثمَّ صعدت إِلَى السَّمَاء الثَّالِثَة فَإِذا أَنا بِيُوسُف وَمَعَهُ نفر من قومه ثمَّ صعدت إِلَى السَّمَاء الرَّابِعَة فَإِذا أَنا بِإِدْرِيس وَمَعَهُ نفر من قومه ثمَّ صعدت إِلَى السَّمَاء الْخَامِسَة فَإِذا أَنا بهَارُون وَمَعَهُ نفر من قومه ثمَّ صعدت إِلَى السَّمَاء السَّادِسَة فَإِذا أَنا بمُوسَى وَمَعَهُ نفر من قومه ثمَّ صعدت إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة فَإِذا أَنا بإبراهيم وَمَعَهُ نفر من قومه فَقيل لي هَذَا مَكَانك وَمَكَان أمتك ثمَّ تَلا ﴿إِن أولى﴾
стр. 233
النَّاس بإبراهيم للَّذين إتبعوه وَهَذَا النَّبِي وَالَّذين آمنُوا) وَإِذا بأمتي شطران شطر عَلَيْهِم ثِيَاب بيض كَأَنَّهَا الْقَرَاطِيس وَشطر عَلَيْهِم ثِيَاب مدر الحَدِيث فَهَذَا يدل على تفَاوت الْأَرْوَاح فِي الْمَرَاتِب وَأَن فِي كل سَمَاء قوما
٦٧ - وَقَالَ الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ الْأَرْوَاح تجول فِي البرزخ فتبصر أَحْوَال الدُّنْيَا وأحوال الْمَلَائِكَة تَتَحَدَّث فِي السَّمَاء عَن أَحْوَال الْآدَمِيّين وأرواح تَحت الْعَرْش وأرواح طيارة إِلَى الْجنان إِلَى حَيْثُ شَاءَت على أقدارهم من السَّعْي إِلَى الله أَيَّام الْحَيَاة
٦٨ - وَذكر الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب عَذَاب الْقَبْر لما ذكر حَدِيث إِبْنِ مَسْعُود فِي أَرْوَاح الشُّهَدَاء وَحَدِيث إِبْنِ عَبَّاس ثمَّ أورد حَدِيث البُخَارِيّ عَن الْبَراء قَالَ لما توفّي إِبْرَاهِيم بن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ إِن لَهُ مُرْضعًا فِي الْجنَّة ثمَّ قَالَ فَحكم رَسُول الله ﷺ على إبنه إِبْرَاهِيم بِأَنَّهُ يرضع فِي الْجنَّة وَهُوَ مدفون بِالبَقِيعِ فِي مَقْبرَة الْمَدِينَة
٦٩ - وَقَالَ إِبْنِ الْقيم لَا مُنَافَاة بَين حَدِيث أَنه طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة وَبَين حَدِيث عرض المقعد بل ترد روحه أَنهَار الْجنَّة وتأكل من ثَمَرهَا ويعرض عَلَيْهِ مَقْعَده لِأَنَّهُ لَا يدْخلهُ إِلَّا يَوْم الْجَزَاء بِدَلِيل أَن منَازِل الشُّهَدَاء يَوْمئِذٍ لَيست هِيَ الَّتِي تأوي إِلَيْهَا أَرْوَاحهم فِي البرزخ
فدخول الْجنَّة التَّام إِنَّمَا يكون للْإنْسَان التَّام روحا وبدنا وَدخُول الرّوح فَقَط أَمر دون ذَلِك
٧٠ - وَفِي بَحر الْكَلَام للنسفي الْأَرْوَاح على أَرْبَعَة أوجه أَرْوَاح الْأَنْبِيَاء تخرج من جَسدهَا وَتصير مثل صورتهَا مثل الْمسك والكافور وَتَكون فِي الْجنَّة تَأْكُل وتشرب وتتنعم وتأوي بِاللَّيْلِ إِلَى قناديل معلقَة تَحت الْعَرْش وأرواح الشُّهَدَاء تخرج من جَسدهَا وَتَكون فِي أَجْوَاف طير خضر فِي الْجنَّة تَأْكُل وتتنعم وتأوي بِاللَّيْلِ إِلَى قناديل معلقَة بالعرش وأرواح المطيعين من الْمُؤمنِينَ بربض
стр. 234
الْجنَّة لَا تَأْكُل وَلَا تتمتع وَلَكِن تنظر فِي الْجنَّة وأرواح العصاة من الْمُؤمنِينَ تكون بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فِي الْهَوَاء وَأما أَرْوَاح الْكفَّار فَهِيَ فِي سِجِّين فِي جَوف طير سود تَحت الأَرْض السَّابِعَة وَهِي مُتَّصِلَة بأجسادها فتعذب الْأَرْوَاح وتتألم الأجساد مِنْهُ كَالشَّمْسِ فِي السَّمَاء ونورها فِي الأَرْض إنتهى
٧١ - وَقَالَ الْحَافِظ إِبْنِ رَجَب فِي أهوال الْقُبُور فِي الْبَاب التَّاسِع فِي ذكر مَحل أَرْوَاح الْمَوْتَى فِي البرزخ أما الْأَنْبِيَاء ﵈ فَلَا شكّ أَن أَرْوَاحهم عِنْد الله فِي أَعلَى عليين وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن آخر كلمة تكلم بهَا رَسُول الله ﷺ عِنْد مَوته أَنه قَالَ اللَّهُمَّ الرفيق الْأَعْلَى
وَقَالَ رجل لإبن مَسْعُود قبض رَسُول الله ﷺ فَأَيْنَ هُوَ قَالَ فِي الْجنَّة
وَأما الشُّهَدَاء فَأكْثر الْعلمَاء على أَنهم فِي الْجنَّة وَقد تكاثرت الْأَحَادِيث بذلك كَحَدِيث مُسلم عَن إِبْنِ مَسْعُود وَحَدِيث أَحْمد وَأبي دَاوُد عَن إِبْنِ عَبَّاس وَغَيرهمَا مِمَّا سبق
وَمن الْأَحَادِيث غير مَا تقدم مَا أخرجه أَحْمد وإبن أبي الدُّنْيَا وَأَبُو يعلى عَن أنس قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ تعجبه الرُّؤْيَا الْحَسَنَة فَكَانَ فِيمَا يَقُول هَل رأى أحد مِنْكُم رُؤْيا فَإِذا رأى الرجل الَّذِي لَا يعرفهُ الرُّؤْيَا سَأَلَ عَنهُ فَإِن أخبر عَنهُ بِمَعْرُوف كَانَ أعجب لرؤياه قَالَ فَجَاءَت إمرأة فَقَالَت يَا رَسُول الله رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنِّي خرجت فأدخلت الْجنَّة فَسمِعت وجبة إرتجت لَهَا الْجنَّة فَإِذا أَنا بفلان وَفُلَان حَتَّى عدت إثني عشر رجلا وَقد بعث رَسُول الله ﷺ سَرِيَّة قبل ذَلِك فجيء بهم وَعَلَيْهِم ثِيَاب طلس تشخب أوداجهم فَقيل إذهبوا بهم إِلَى نهر البيدخ فغمسوا فِيهِ فأخرجوا ووجوههم كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر وَأتوا بكراسي من ذهب فأقعدوا عَلَيْهَا وَجِيء بصحفة من ذهب فِيهَا بسرة فَأَكَلُوا من البسرة مَا شاؤوا فَمَا يقلبونها لوجه من وَجه إِلَّا أكلُوا من فَاكِهَة مَا شاؤوا قَالَت وأكلت مَعَهم فجَاء البشير من تِلْكَ السّريَّة فَقَالَ يَا رَسُول الله كَانَ كَذَا وَكَذَا وَأُصِيب فلَان وَفُلَان
стр. 235
حَتَّى عد إثني عشر رجلا فَقَالَ عَليّ بِالْمَرْأَةِ فَقَالَ قصي رُؤْيَاك على هَذَا فَقَالَ الرجل هُوَ كَمَا قَالَت أُصِيب فلَان وَفُلَان
وَرُوِيَ عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ لَيْسَ الشُّهَدَاء فِي الْجنَّة وَلَكنهُمْ يرْزقُونَ مِنْهَا
٧٢ - وَأخرج آدم بن أبي إِيَاس عَن مُجَاهِد فِي قَوْله ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا﴾ الْآيَة قَالَ يَقُول أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ من ثَمَر الْجنَّة ويجدون رِيحهَا وَلَيْسوا فِيهَا وَقد يسْتَدلّ لَهُ بِحَدِيث إِبْنِ عَبَّاس الشُّهَدَاء على نهر بارق بِبَاب الْجنَّة الحَدِيث فَإِنَّهُ يدل على أَن النَّهر خَارج الْجنَّة وَيُجَاب بِأَن إِبْنِ إِسْحَاق رَاوِيه مُدَلّس وَلم يُصَرح بِالتَّحْدِيثِ وَلَعَلَّ هَذَا فِي عُمُوم الشُّهَدَاء وَالَّذين فِي الْقَنَادِيل تَحت الْعَرْش خواصهم أَو لَعَلَّ المُرَاد بِالشُّهَدَاءِ هُنَا من هُوَ شَهِيد غير من قتل فِي سَبِيل الله كالمطعون والمبطون والغريق وَغَيرهم مِمَّن ورد النَّص بِأَنَّهُ شَهِيد أَو سَائِر الْمُؤمنِينَ فقد يُطلق الشَّهِيد على من حقق الْإِيمَان وَشهد بِصِحَّتِهِ كَمَا رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ كل مُؤمن صديق وشهيد قيل مَا تَقول يَا أَبَا هُرَيْرَة قَالَ إقرؤوا ﴿وَالَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرُسُله أُولَئِكَ هم الصديقون وَالشُّهَدَاء عِنْد رَبهم﴾
وروى الْبَراء بن عَازِب عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مؤمنو أمتِي شُهَدَاء ثمَّ تَلا رَسُول الله ﷺ هَذِه الْآيَة وَأما بَقِيَّة الْمُؤمنِينَ سوى الشُّهَدَاء فَأهل تَكْلِيف وَغَيرهم كأطفال الْمُؤمنِينَ الْجُمْهُور على أَنهم فِي الْجنَّة
وَحكى الإِمَام أَحْمد الْإِجْمَاع على ذَلِك قَالَ فِي رِوَايَة جَعْفَر بن مُحَمَّد لَيْسَ فيهم إختلاف أَنهم فِي الْجنَّة وَقَالَ فِي رِوَايَة الْمَيْمُونِيّ وَلَا أحد يشك أَنهم فِي الْجنَّة وَكَذَلِكَ نَص الشَّافِعِي ﵀ على أَنهم فِي الْجنَّة وَجَاء صَرِيحًا عَن السّلف أَن أَرْوَاحهم فِي الْجنَّة وَذهب طَائِفَة إِلَى أَنه يشْهد لأطفال الْمُؤمنِينَ عُمُوما أَنهم فِي الْجنَّة وَلَا يشْهد لآحادهم وَلَعَلَّ هَذَا يرجع إِلَى أَن الطِّفْل الْمعِين لَا يشْهد لِأَبِيهِ بِالْإِيمَان فَلَا يشْهد حِينَئِذٍ لَهُ أَنه من أَطْفَال الْمُؤمنِينَ فَيكون التَّوَقُّف فِي آحادهم للتوقف فِي إِيمَان آبَائِهِم
стр. 236
وَلم يثبت هَذَا القَوْل صَرِيحًا عَن أحد من الْأَئِمَّة وَإِنَّمَا أَخذ ذَلِك من عمومات كَلَام لَهُم وَإِنَّمَا أَرَادوا بِهِ أَطْفَال الْمُشْركين وَقد إستدل أَحْمد بِحَدِيث وصغارهم دعاميص الْجنَّة وَنَحْوه قَالَ الإِمَام أَحْمد إِذا كَانَ يُرْجَى لِأَبَوَيْهِ دُخُول الْجنَّة بِسَبَبِهِ فَكيف يشك فِيهِ
وَأما المكلفون من الْمُؤمنِينَ سوى الشُّهَدَاء فَاخْتلف الْعلمَاء فيهم قَدِيما وحديثا فنص الإِمَام أَحْمد على أَن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فِي الْجنَّة وأرواح الْكفَّار فِي النَّار وَاسْتدلَّ بِحَدِيث كَعْب بن مَالك وَأم هانىء وَأبي هُرَيْرَة وَأم بشر وَعبد الله بن عَمْرو وَنَحْوهم وَرُوِيَ عَن هِلَال بن يسَاف أَن إِبْنِ عَبَّاس سَأَلَ كَعْبًا عَن عليين وسجين فَقَالَ كَعْب أما علييون فالسماء السَّابِعَة فِيهَا أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ وَأما سِجِّين فالأرض السَّابِعَة السُّفْلى فِيهَا أَرْوَاح الْكفَّار تَحت خد إِبْلِيس
وَقد ثَبت بالأدلة أَن الْجنَّة فَوق السَّمَاء السَّابِعَة وَأَن النَّار تَحت الأَرْض السَّابِعَة وَمِمَّا يسْتَدلّ بِهِ لذَلِك مَا أخرجه الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ عَن جَابر أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن خَدِيجَة فَقَالَ أبصرتها على نهر من أَنهَار الْجنَّة فِي بَيت من قصب لَا لَغْو فِيهِ وَلَا نصب
٧٣ - وَمَا أخرجه الطَّبَرَانِيّ بِسَنَد مُنْقَطع عَن فَاطِمَة أَنَّهَا قَالَت للنَّبِي ﷺ أَيْن أمنا خَدِيجَة قَالَ فِي بَيت من قصب لَا لَغْو فِيهِ وَلَا نصب بَين مَرْيَم وآسية إمرأة فِرْعَوْن قَالَت من هَذَا الْقصب قَالَ لَا بل من الْقصب المنظوم بالدر والياقوت
وَمَا أخرجه أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وإبن مَاجَه وَأَبُو دَاوُد عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ لما رجم الْأَسْلَمِيّ الَّذِي اعْترف عِنْده بِالزِّنَا قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّه الْآن فِي أَنهَار الْجنَّة ينغمس فِيهَا
٧٤ - وَمَا أخرجه أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وإبن مَاجَه من حَدِيث ثَوْبَان عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا فَارق الرّوح الْجَسَد وبرىء من ثَلَاث دخل الْجنَّة من الْكبر والغلول وَالدّين
стр. 237
٧٥ - وَقَالَت طَائِفَة الْأَرْوَاح فِي الأَرْض ثمَّ اخْتلفُوا فَقَالَت فرقة الْأَرْوَاح تَسْتَقِر على أفنية الْقُبُور قَالَه إِبْنِ وضاح وَحَكَاهُ إِبْنِ حزم عَن عَامَّة أَصْحَاب الحَدِيث وَرجح إِبْنِ عبد الْبر أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي الْجنَّة وأرواح غَيرهم على أفنية الْقُبُور فتسرح حَيْثُ شَاءَت وَاسْتَدَلُّوا بِأَحَادِيث السَّلَام عَلَيْهِم وَعرض المقعد وَلَا دَلِيل فِي ذَلِك على أَن الْأَرْوَاح لَيست فِي الْجنَّة فَإِن الْعرض على الْجَسَد وللروح بِهِ إتصال وَالروح وَحدهَا فِي الْجنَّة وَكَذَا السَّلَام على أهل الْقُبُور لَا يدل على إستقرار أَرْوَاحهم على أفنية قُبُورهم فَإِنَّهُ يسلم على قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالشُّهَدَاء وأرواحهم فِي أَعلَى عليين وَلَكِن لَهَا مَعَ ذَلِك إتصال سريع بالجسد وَلَا يعلم كنه ذَلِك وكيفيته على الْحَقِيقَة إِلَّا الله وَيشْهد لذَلِك الْأَحَادِيث المروية فِي أَن النَّائِم يعرج بِرُوحِهِ إِلَى الْعَرْش هَذَا مَعَ تعلقهَا بِبدنِهِ وَسُرْعَة عودهَا إِلَيْهِ عِنْد إستيقاظه فأرواح الْمَوْتَى المتجردة عَن أبدانهم أولى بعروجها إِلَى السَّمَاء وعودها إِلَى الْقَبْر فِي مثل تِلْكَ السرعة
٧٦ - وَقَالَت فرقة تجمع الْأَرْوَاح بِموضع من الأَرْض فأرواح الْمُؤمنِينَ تجمع بالجابية وَقيل ببئر زَمْزَم وأرواح الْكفَّار تجمع ببئر برهوت وَرجحه القَاضِي أَبُو يعلى من الْحَنَابِلَة فِي كِتَابَة الْمُعْتَمد وَهُوَ مُخَالف لنَصّ أَحْمد أَن أَرْوَاح الْكفَّار فِي النَّار وَلَعَلَّ لبئر برهوت إتصالا بجهنم فِي قعرها كَمَا رُوِيَ فِي الْبَحْر أَن تَحْتَهُ جَهَنَّم وَفِي كتاب الحكايات لأبي عمر أَحْمد بن مُحَمَّد النَّيْسَابُورِي حَدثنَا أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن عِيسَى الطرسوسي حَدثنَا حَامِد بن يحيى بن سليم قَالَ كَانَ عندنَا بِمَكَّة رجل من أهل خُرَاسَان يودع الودائع فيؤديها فأودعه رجل عشرَة آلَاف دِينَار وَغَابَ وَحضر الْخُرَاسَانِي الْوَفَاة فَمَا ائْتمن أحدا من أَوْلَاده عَلَيْهَا فدفنها فِي بعض بيوته وَمَات فَقدم الرجل وَسَأَلَ بنيه فَقَالُوا مَا لنا بهَا علم فسألوا الْعلمَاء الَّذين كَانُوا بِمَكَّة وهم يَوْمئِذٍ متوافرون فَقَالُوا مَا نرَاهُ إِلَّا من أهل الْجنَّة وَقد بلغنَا أَن أَرْوَاح أهل الْجنَّة فِي زَمْزَم فَإِذا مضى من اللَّيْل ثلثه أَو نصفه فأت زَمْزَم فقف على شفيرها ثمَّ ناده فَإنَّا نرجو أَن يجيبك فَإِن أجابك فسله عَن مَالك فَذهب كَمَا قَالُوا فَنَادَى أول لَيْلَة وثانية وثالثة فَلم يجب فَرجع إِلَيْهِم فَقَالَ ناديت ثَلَاثًا فَلم
стр. 238
أجب فَقَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون مَا نرى صَاحبك إِلَّا من أهل النَّار فَاخْرُج إِلَى الْيَمين فَإِن بهَا وَاديا يُقَال لَهُ برهوت فِيهِ بِئْر يُقَال بهَا برهوت فِيهَا أَرْوَاح أهل النَّار فقف على شفيرها فناده فِي الْوَقْت الَّذِي ناديت بِهِ فِي زَمْزَم فَذهب كَمَا قيل لَهُ فِي اللَّيْل فَنَادَى يَا فلَان بن فلَان أَنا فلَان فَأَجَابَهُ فِي أول صَوت وَسَقَطت بَقِيَّة الْحِكَايَة من الْكتاب
٧٧ - وَقَالَ صَفْوَان بن عمر سَأَلت عَامر بن عبد الله أَبَا الْيَمَان هَل لأنفس الْمُؤمنِينَ مُجْتَمع فَقَالَ يُقَال إِن الأَرْض الَّتِي يَقُول الله تَعَالَى ﴿أَن الأَرْض يَرِثهَا عبَادي الصالحون﴾ هِيَ الأَرْض الَّتِي تَجْتَمِع أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فِيهَا حَتَّى يكون الْبَعْث أخرجه إِبْنِ مَنْدَه وَهَذَا غَرِيب جدا وَتَفْسِير الْآيَة بذلك أغرب
٧٨ - وَأخرج إِبْنِ مَنْدَه عَن شهر بن حَوْشَب قَالَ كتب عبد الله بن عَمْرو ﵄ إِلَى أبي بن كَعْب يسْأَله أَيْن تلتقي أَرْوَاح أهل الْجنَّة وأرواح أهل النَّار فَقَالَ أما أَرْوَاح أهل الْجنَّة فبالجابية وَأما أَرْوَاح الْكفَّار فبحضرموت
٧٩ - وَقَالَت طَائِفَة من الصَّحَابَة الْأَرْوَاح عِنْد الله صَحَّ ذَلِك عَن إِبْنِ عمر ﵄
٨٠ - وَأخرج إِبْنِ مَنْدَه من طَرِيق الشّعبِيّ عَن حُذَيْفَة قَالَ إِن الْأَرْوَاح مَوْقُوفَة عِنْد الله تنْتَظر موعدها حَتَّى ينْفخ فِيهَا وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا وَردت بِهِ الْأَخْبَار من مَحل الْأَرْوَاح على مَا سبق
٨١ - وَقَالَت طَائِفَة أَرْوَاح بني آدم عِنْد أَبِيهِم آدم عَن يَمِينه وشماله لما فِي حَدِيث الصَّحِيحَيْنِ فِي قصَّة الْإِسْرَاء فَلَمَّا فتح علونا السَّمَاء فَإِذا رجل قَاعد على يَمِينه أَسْوِدَة وعَلى يسَاره أَسْوِدَة فَإِذا نظر قبل يَمِينه ضحك وَإِذا نظر قبل شِمَاله بَكَى فَقلت لجبريل من هَذَا فَقَالَ آدم وَهَذِه الأسودة عَن يَمِينه وشماله نسم بنيه فَأهل الْيَمين مِنْهُم أهل الْجنَّة والأسودة الَّتِي عَن شِمَاله أهل النَّار فَإِذا نظر عَن يَمِينه ضحك وَإِذا نظر عَن شِمَاله بَكَى الحَدِيث وَظَاهر هَذَا اللَّفْظ يَقْتَضِي
стр. 239
أَن أَرْوَاح الْكفَّار فِي السَّمَاء وَهُوَ مُخَالف لِلْقُرْآنِ وَلِحَدِيث أَن السَّمَاء لَا تفتح لأرواح الْكفَّار
وَقد ورد فِي بعض طرق الحَدِيث مَا يزِيل الْإِشْكَال وَلَفظه وَإِذا هُوَ تعرض عَلَيْهِ أَرْوَاح ذُريَّته فَإِذا كَانَ روح الْمُؤمن قَالَ روح طيبَة إجعلوها فِي عليين وَإِذا كَانَ روح الْكَافِر قَالَ روح خبيثة إجعلوها فِي سِجِّين الحَدِيث فَفِي هَذَا أَنه تعرض عَلَيْهِ أَرْوَاح ذُريَّته فِي السَّمَاء الدُّنْيَا وَأَنه يُؤمر بِجعْل الْأَرْوَاح فِي مستقرها فَدلَّ على أَن الْأَرْوَاح لَيْسَ مَحل إستقرارها فِي السَّمَاء الدُّنْيَا
وَزعم إِبْنِ حزم أَن الله خلق الْأَرْوَاح جملَة قبل الأجساد وَأَنه جعلهَا فِي برزخ وَذَلِكَ البرزخ عِنْد مُنْقَطع العناصر بِحَيْثُ لَا مَاء وَلَا هَوَاء وَلَا تُرَاب وَلَا نَار وَأَنه إِذا خلق الأجساد أَدخل فِيهَا تِلْكَ الْأَرْوَاح ثمَّ يُعِيدهَا عِنْد قبضهَا إِلَى ذَلِك البرزخ وتعجل أَرْوَاح الْأَنْبِيَاء وَالشُّهَدَاء إِلَى الْجنَّة وَهَذَا قَول لم يقلهُ أحد من الْمُسلمين وَلَا هُوَ من جنس كَلَامهم وَإِنَّمَا هُوَ من جنس كَلَام المتفلسفة
وَحكي عَن طَائِفَة من الْمُتَكَلِّمين أَن الْأَرْوَاح تَمُوت بِمَوْت الأجساد وَنسب إِلَى الْمُعْتَزلَة وَقَالَ بِهِ جمَاعَة من فُقَهَاء الأندلس قَدِيما مِنْهُم عبد الْأَعْلَى بن وهب بن مُحَمَّد بن عمر بن لبَابَة وَمن متأخريهم كالسهيلي وَأبي بكر بن الْعَرَبِيّ وَقد اشْتَدَّ نَكِير الْعلمَاء لهَذِهِ الْمقَالة حَتَّى قَالَ سَحْنُون بن سعيد وَغَيره هَذَا قَول أهل الْبدع والنصوص الْكَثِيرَة الدَّالَّة على بَقَاء الْأَرْوَاح بعد مفارقتها للأبدان ترد ذَلِك وتبطله وَالْفرق بَين حَيَاة الشُّهَدَاء وَغَيرهم من الْمُؤمنِينَ الَّذين أَرْوَاحهم فِي الْجنَّة من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء تخلق لَهَا أجساد وَهِي الطير الَّتِي تكون فِي حواصلها ليكمل بذلك نعيمها وَيكون أكمل من نعيم الْأَرْوَاح الْمُجَرَّدَة عَن الأجساد فَإِن الشُّهَدَاء بذلوا أَجْسَادهم للْقَتْل فِي سَبِيل الله فعوضعوا عَنْهَا بِهَذِهِ الأجساد فِي البرزخ وَالثَّانِي أَنهم يرْزقُونَ من الْجنَّة وَغَيرهم لم يثبت فِي حَقه مثل ذَلِك وَإِن جَاءَ أَنهم يعلقون فِي شجر الْجنَّة فَقيل مَعْنَاهُ التَّعَلُّق وَقيل الْأكل من الشّجر وَبِكُل حَال فَلَا يلْزم مساواتهم للشهداء فِي كَمَال تنعمهم فِي الْأكل وَالله أعلم
٨٢ - وَأما مَا أخرجه إِبْنِ السّني عَن إِبْنِ مَسْعُود أَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا دخل الْمَقَابِر قَالَ السَّلَام عَلَيْكُم أيتها الْأَرْوَاح الفانية والأبدان البالية وَالْعِظَام النخرة
стр. 240
الَّتِي خرجت من الدُّنْيَا وَهِي بِاللَّه مُؤمنَة اللَّهُمَّ أَدخل عَلَيْهِم روحا مِنْك وَسلَامًا منا فَإِنَّهُ مَعَ ضعف سَنَده مؤول بِأَن المُرَاد بِفنَاء الْأَرْوَاح ذهابها من الأجساد الْمُشَاهدَة فَائِدَة
٨٣ - قَالَ إِبْنِ الْقيم للنَّفس أَرْبَعَة دور كل دَار أعظم من الَّتِي قبلهَا الأولى بطن الْأُم وَذَلِكَ مَحل الْحصْر والضيق وَالْغَم والظلمات الثَّلَاث الثَّانِيَة هَذِه الدَّار الَّتِي نشأت فِيهَا وألفتها واكتسبت فِيهَا الْخَيْر وَالشَّر الثَّالِثَة دَار البرزخ وَهِي أوسع من هَذِه الدَّار وَأعظم وَنسبَة هَذِه الدَّار إِلَيْهَا كنسبة الدَّار الأولى إِلَى هَذِه
الرَّابِعَة الدَّار الَّتِي لَا دَار بعْدهَا دَار الْقَرار الْجنَّة أَو النَّار وَلها فِي كل دَار من هَذِه الدّور حكم وشأن غير شَأْن الْأُخْرَى
قلت وَيدل لما ذكره فِي الثَّالِثَة مَا أخرجه إِبْنِ أبي الدُّنْيَا من مُرْسل سليم بن عَامر الجنائزي مَرْفُوعا إِن مثل الْمُؤمن فِي الدُّنْيَا كَمثل الْجَنِين فِي بطن أمه إِذا خرج من بَطنهَا بَكَى على مخرجه حَتَّى إِذا رأى الضَّوْء ورضع لم يحب أَن يرجع إِلَى مَكَانَهُ وَكَذَلِكَ الْمُؤمن يجزع من الْمَوْت فَإِذا أقضى إِلَى ربه لم يحب أَن يرجع إِلَى الدُّنْيَا كَمَا لَا يحب الْجَنِين أَن يرجع إِلَى بطن أمه
٨٤ - وَأخرج أَيْضا من مُرْسل عَمْرو بن دِينَار أَن رجلا مَاتَ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أصبح هَذَا مرتحلا من الدُّنْيَا فَإِن كَانَ قد رَضِي فَلَا يسره أَن يرجع إِلَى الدُّنْيَا كَمَا لَا يسر أحدكُم أَن يرجع إِلَى بطن أمه
٨٥ - وَأخرج الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي نَوَادِر الْأُصُول عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا شبهت خُرُوج الْمُؤمن من الدُّنْيَا إِلَّا كَمثل خُرُوج الصَّبِي من بطن أمه من ذَلِك الْغم والظلمة إِلَى روح الدُّنْيَا
فَائِدَة
٨٦ - حكى اليافعي فِي كِفَايَة المعتقد عَن الشَّيْخ عمر بن الفارض أَنه حضر جَنَازَة رجل من الْأَوْلِيَاء قَالَ فَلَمَّا صلينَا عَلَيْهِ وَإِذا الجو قد إمتلأ بطيور
стр. 241
خضر فجَاء طير كَبِير مِنْهُم فابتلعه ثمَّ طَار قَالَ فتعجبت من ذَلِك فَقَالَ لي رجل كَانَ قد نزل من الْهَوَاء وَحضر الصَّلَاة لَا تعجب فَإِن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي حواصل طيور خضر ترعى فِي الْجنَّة أُولَئِكَ شُهَدَاء السيوف وَأما شُهَدَاء المحنة فأجسادهم أَرْوَاح
قلت وَيُشبه هَذَا مَا أخرجه إِبْنِ أبي الدُّنْيَا فِي ذكر الْمَوْت عَن زيد بن أسلم قَالَ كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل رجل قد أعتزل النَّاس فِي كَهْف جبل وَكَانَ أهل زَمَانه إِذا قحطوا إستغاثوا بِهِ فَدَعَا الله فسقاهم فَمَاتَ فَأخذُوا فِي جهازه فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذا هم بسرير يرفرف فِي عنان السَّمَاء حَتَّى إنتهى إِلَيْهِ فَقَامَ رجل فَأَخذه فَوَضعه على السرير فارتفع السرير وَالنَّاس ينظرُونَ إِلَيْهِ فِي الْهَوَاء حَتَّى غَابَ عَنْهُم وتوجهوا بِهِ إِلَى الْجنَّة
وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا مَا أخرجه الْبَيْهَقِيّ وَأَبُو نعيم كِلَاهُمَا فِي دَلَائِل النُّبُوَّة عَن عُرْوَة أَن عَامر بن فهَيْرَة قتل يَوْم بِئْر مَعُونَة فِيمَن قتل وَأسر عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي فَقَالَ لَهُ عَامر بن الطُّفَيْل هَل تعرف أَصْحَابك قَالَ نعم فَطَافَ فيهم يَعْنِي فِي الْقَتْلَى وَجعل يسْأَله عَن أنسابهم قَالَ هَل تفقد مِنْهُم من أحد قَالَ أفقد مولى لأبي بكر يُقَال لَهُ عَامر بن فهَيْرَة قَالَ كَيفَ كَانَ فِيكُم قَالَ كَانَ من أفضلنا قَالَ أَلا أخْبرك خَبره هَذَا طعنه بِرُمْح ثمَّ انتزع رمحه فَذهب بِالرجلِ علوا فِي السَّمَاء حَتَّى وَالله مَا أرَاهُ
وَكَانَ الَّذِي قَتله رجل من كلاب يُقَال لَهُ جَبَّار بن سلمى فَأتى الضَّحَّاك بن سُفْيَان الْكلابِي فَأسلم وَقَالَ دَعَاني إِلَى الْإِسْلَام مَا رَأَيْت من مقتل عَامر بن فهَيْرَة وَمن رَفعه إِلَى السَّمَاء علوا فَكتب الضَّحَّاك إِلَى رَسُول الله ﷺ بِإِسْلَامِهِ وَمَا رأى من مقتل عَامر بن فهَيْرَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ فَإِن الْمَلَائِكَة وارت جثته وَأنزل فِي عليين
٨٧ - وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من وَجه آخر بِلَفْظ فَقَالَ عَامر بن الطُّفَيْل لقد رَأَيْته بعد مَا قتل رفع إِلَى السَّمَاء حَتَّى إِنِّي لأنظر إِلَى السَّمَاء بَينه وَبَين الأَرْض ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح وَقَالَ فِي آخِره ثمَّ وضع قَالَ فَيحْتَمل أَنه رفع ثمَّ وضع ثمَّ فقد بعد ذَلِك فقد روينَا فِي مغازي مُوسَى بن عقبَة فِي هَذِه الْقِصَّة فَقَالَ عُرْوَة بن الزبير لم يُوجد جَسَد عَامر يرَوْنَ أَن الْمَلَائِكَة وارته إنتهى
стр. 242
٨٨ - وَأخرج إِبْنِ سعد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من طَرِيق عُرْوَة عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا رفع عَامر بن فهَيْرَة إِلَى السَّمَاء فَلم تُوجد جثته يرَوْنَ أَن الْمَلَائِكَة وارته
قلت وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بمواراة الْمَلَائِكَة تغييبه فِي السَّمَاء كَمَا فِي الرِّوَايَة الأولى وارت جثته وَأنزل فِي عليين
ويناظره أَيْضا مَا أخرجه أَحْمد وَأَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ عَن عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي أَن رَسُول الله ﷺ بَعثه عينا وَحده قَالَ فَجئْت إِلَى خَشَبَة خبيب فرقيت فِيهَا وَأَنا أَتَخَوَّف الْعُيُون فأطلقته فَوَقع فِي الأَرْض ثمَّ اقتحمت فانتبذت غير بعيد ثمَّ الْتفت فَلم أر خبيبا فَكَأَنَّمَا ابتعلته الأَرْض فَلم ير لخبيب أثر حَتَّى السَّاعَة فَهَذَا خبيب بن عدي أَيْضا مِمَّن وارته الْمَلَائِكَة إِمَّا بِرَفْع إِلَى السَّمَاء وَهُوَ الظَّاهِر أَو بدفن فِي الأَرْض وَقد جزم أَبُو نعيم بِرَفْعِهِ أَيْضا فَقَالَ عِنْد ذكر موازنة معجزاته ﷺ بمعجزات الْأَنْبِيَاء فَإِن قيل فَأن عِيسَى رفع إِلَى السَّمَاء قُلْنَا وَقد رفع قوم من أمة مُحَمَّد نَبينَا عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وأكمل التَّحِيَّات كَمَا رفع عِيسَى وَذَلِكَ أعجب ثمَّ ذكر قصَّة عَامر بن فهَيْرَة وخبيب بن عدي وقصة الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ السَّابِقَة فِي آخر بَاب أَحْوَال الْمَوْتَى فِي قُبُورهم
وَمِمَّا يُقَوي قصَّة الرّفْع إِلَى السَّمَاء مَا أخرجه النَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَغَيرهم من حَدِيث جَابر أَن طَلْحَة أُصِيبَت أنامله يَوْم أحد فَقَالَ حس فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَو قلت بِسم الله لَرَفَعَتْك الْمَلَائِكَة وَالنَّاس ينظرُونَ إِلَيْك حَتَّى تلج بك فِي جو السَّمَاء السَّمَاء
وَمِمَّا يُنَاسب قصَّة التغييب فِي الْجُمْلَة مَا أخرجه إِبْنِ عَسَاكِر من طرق عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي أَن أويسا الْقَرنِي أَصَابَهُ الْبَطن فِي سفر فَمَاتَ فوجدوا فِي جرابه ثَوْبَيْنِ ليسَا من ثِيَاب الدُّنْيَا
стр. 243
وَفِي رِوَايَة ليسَا مِمَّا ينسج بَنو آدم وَذهب رجلَانِ ليحفرا لَهُ قبرا فجاءا فَقَالَا قد أصبْنَا قبرا محفورا فِي صَخْرَة كَأَنَّمَا رفعت الْأَيْدِي عَنهُ السَّاعَة فكفنوه ودفنوه ثمَّ التفتوا فَلم يرَوا شَيْئا وَأخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الزّهْد من طَرِيق آخر عَن عبد الله بن سَلمَة وَفِي آخِره فَقَالَ بَعْضنَا لبَعض لَو رَجعْنَا فَعلمنَا قَبره فرجعنا فَإِذا لَا قبر وَلَا أثر
وَمِمَّا يناظر قصَّة الطير الْخضر مَا أخرجه إِبْنِ عَسَاكِر عَن أبي بكر بن رَيَّان قَالَ وقفت فِي حمام الْغلَّة بِمصْر وَقد جاؤوا بنعش ذِي النُّون فَرَأَيْت طيورا خضرًا ترفرف عَلَيْهِ إِلَى أَن وصل بِهِ إِلَى قَبره فَلَمَّا دفن غَابَتْ
وَفِي كتاب السِّرّ المصون فِيمَا أكْرم بِهِ المخلصون لطاهر بن مُحَمَّد الصَّدَفِي فِي تَرْجَمَة سَلامَة الْكِنَانِي أحد الصَّالِحين أَنه أخبر عَام مَوته أَنه يَمُوت فِي عَام كَذَا فِي وَقت كَذَا فَمَاتَ فِي ذَلِك الْوَقْت وَأَن الطُّيُور الْبيض الَّتِي ترى على جنائز الصَّالِحين كَانَت ترفرف على نعشه إِلَى أَن نزلت مَعَه قَبره وَهَذِه الْعبارَة تشعر بِأَن ذَلِك معهودا فِي جنائز الصَّالِحين غير مستغرب
وَفِي هَذَا الْكتاب أَيْضا فِي تَرْجَمَة مَالك بن عَليّ القلانسي أَنه لما مَاتَ وَوضع على سَرِيره للصَّلَاة عَلَيْهِ رأى النَّاس الصَّحرَاء وَالْجِبَال وَمَا امْتَدَّ إِلَيْهِ الْبَصَر مملوءا أُنَاسًا عَلَيْهِم ثِيَاب أَشد مَا تكون بَيَاضًا فصلوا عَلَيْهِ مَعَ النَّاس
٨٩ - وَأخرج عَن أبي خَالِد قَالَ لما مَاتَ عَمْرو بن قيس رَأَوْا الصَّحرَاء مَمْلُوءَة رجَالًا عَلَيْهِم ثِيَاب بيض فَلَمَّا صلي عَلَيْهِ وَدفن لم يرَوا فِي الصَّحرَاء أحدا
٩٠ - وَأخرج إِبْنِ الْجَوْزِيّ فِي كتاب عُيُون الحكايات بِسَنَدِهِ عَن عبد الله بن الْمُبَارك قَالَ بَينا أَنا ذَات لَيْلَة فِي الْجَبانَة إِذْ سَمِعت حَزينًا يُنَاجِي مَوْلَاهُ وَيَقُول سَيِّدي قصدك عَبدك روحه لديك وقياده بيديك واشتياقه إِلَيْك وحسراته عَلَيْك ليله أرق ونهاره قلق وأحشاؤه تحترق ودموعه تستبق شوقا إِلَى رؤيتك وحنينا إِلَى لقائك لَيست لَهُ رَاحَة دُونك وَلَا أمل غَيْرك ثمَّ بَكَى وَرفع رَأسه وشهق شهقة فحركته فَإِذا هُوَ ميت فَبينا أَنا أراعيه رَأَيْت قوما قد قصدوه فغسلوه وحنطوه وكفنوه وصلوا عَلَيْهِ ودفنوه وارتفعوا نَحْو السَّمَاء
стр. 244
٩١ - وَأخرج أَيْضا بِسَنَدِهِ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ أصحرت فَإِذا بمغارة فِيهَا شَاب قَائِم يُصَلِّي وَإِذا سبع رابض بِبَاب المغارة فَقلت أَيهَا الشَّاب مَا ترى هَذَا السَّبع فَقَالَ لَو كنت تخَاف مِمَّن خلق السَّبع لَكَانَ أولى بك ثمَّ أقبل على السَّبع فَقَالَ أَنْت كلب من كلاب الله فَإِن كَانَ قد أذن لَك فِي شَيْء فَمَا أقدر أَن أمنعك رزقك وَإِلَّا فَانْصَرف فولى السَّبع هَارِبا ثمَّ نَادَى الشَّاب يَا سَيِّدي أَسأَلك بمعاقد الْعِزّ من عرشك إِن كَانَ لي عنْدك خير فاقبضني إِلَيْك فَمَا استتم الْكَلِمَة حَتَّى فَارق الدُّنْيَا فوليت رَاجعا فَجمعت أَصْحَابِي من الزهاد وَالصَّالِحِينَ لنأخذ فِي جهازه فَلَمَّا رَجعْنَا إِلَى المغارة لم نر فِيهَا أحدا وَإِذا بهاتف يَهْتِف بِي أسمع الصَّوْت وَلَا أرى الشَّخْص يَا أَبَا سعيد رد النَّاس فَإِن الشَّاب قد حمل
فَائِدَة
٩٢ - أخرج أَبُو سعيد فِي شرف الْمُصْطَفى من طَرِيق أَحْمد بن مُحَمَّد بن أبي بزَّة أَنبأَنَا مُحَمَّد بن الْفُرَات عَن عبيد بن سعيد عَن أَبِيه قَالَ بَيْنَمَا الْحسن جَالس وَالنَّاس حوله إِذْ أقبل رجل مخضرة عَيناهُ فَقَالَ لَهُ الْحسن أهكذا وَلدتك أمك أم هِيَ عرض قَالَ أَو مَا تعرفنِي يَا أَبَا سعيد قَالَ من أَنْت فانتسب لَهُ فَلم يبْق فِي الْمجْلس أحد إِلَّا عرفه فَقَالَ مَا قصتك قَالَ عَمَدت إِلَى جَمِيع مَالِي فألقيته فِي مركب فَخرجت أُرِيد الْيمن فعصفت علينا ريح فغرقت فَخرجت إِلَى بعض السواحل على لوح فَقَعَدت أتردد نَحوا من أَرْبَعَة أشهر آكل مَا أُصِيب من الشّجر والعشب وأشرب من مَاء الْعُيُون ثمَّ قلت لأمضين على وَجْهي فإمَّا أَن أهلك وَإِمَّا أَن أنجو فسرت فَرفع لي قصر كَأَن بناءه قصَّة فَدفعت مصراعه فَإِذا دَاخله أروقة فِي كل طاق مِنْهَا صندوق من لُؤْلُؤ وَعَلَيْهَا أقفال مفاتيحها رَأْي الْعين ففتحت بَعْضهَا فَخرج من جَوْفه رَائِحَة طيبَة فَإِذا فِيهِ رجال مدرجون فِي أَثوَاب الْحَرِير فحركت بَعضهم فَإِذا هُوَ ميت صفة حَيّ فأطبقت الصندوق
стр. 245
وَخرجت وأغلقت بَاب الْقصر ومضيت فَإِذا أَنا بفارسين لم أر مثلهمَا جمالا على فرسين أغرين محجلين فسألاني عَن قصتي فأخبرتهما فَقَالَا تقدم أمامك فَإنَّك تصير إِلَى شَجَرَة تحتهَا رَوْضَة هُنَالك شيخ حسن الْهَيْئَة يُصَلِّي فَأخْبرهُ خبرك فَإِنَّهُ سيرشدك إِلَى الطَّرِيق فمضيت فَإِذا أَنا بالشيخ فَسلمت عَلَيْهِ فَرد عَليّ السَّلَام وسألني عَن قصتي فَأَخْبَرته بخبري كُله فَفَزعَ لما أخْبرته بِخَبَر الْقصر ثمَّ قَالَ مَا صنعت قلت أطبقت الصناديق وأغلقت الْأَبْوَاب فسكن وَقَالَ لي إجلس فمرت بِهِ سَحَابَة فَقَالَت السَّلَام عَلَيْك يَا ولي الله فَقَالَ أَيْن تريدين قَالَت أُرِيد كَذَا وَكَذَا فَلم تزل تمر بِهِ سَحَابَة بعد سَحَابَة حَتَّى أَقبلت سَحَابَة فَقَالَ أَيْن تريدين قَالَت الْبَصْرَة قَالَ إنزلي فَنزلت فَصَارَت بَين يَدَيْهِ فَقَالَ إحملي هَذَا حَتَّى تُؤَدِّيه إِلَى منزله سالما فَلَمَّا صرت على متن السحابة قلت أَسأَلك بالذين أكرمك إِلَّا أَخْبَرتنِي عَن الْقصر وَعَن الفارسين وعنك فَقَالَ أما الْقصر فقد أكْرم بِهِ شُهَدَاء الْبَحْر ووكل بهم مَلَائِكَة يلقطونهم من الْبَحْر فيصيرونهم فِي تِلْكَ الصناديق مدرجين فِي أكفان الْحَرِير والفارسان ملكان يغدوان ويروحان ﵈ من الله وَأما أَنا فالخضر وَقد سَأَلت رَبِّي أَن يحشرني مَعَ أمة نَبِيكُم
قَالَ الرجل فَلَمَّا صرت على السحابة أصابني من الْفَزع هول عَظِيم حَتَّى صرت إِلَى مَا ترى أورد هَذِه الْقِصَّة شيخ الْإِسْلَام إِبْنِ حجر فِي كتاب الْإِصَابَة فِي معرفَة الصَّحَابَة فِي تَرْجَمَة الْخضر
٤٠ - بَاب عرض المقعد على الْمَيِّت كل يَوْم
قَالَ الله تَعَالَى ﴿النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا﴾
١ - وَأخرج إِبْنِ أبي شيبَة عَن هُذَيْل قَالَ أَرْوَاح آل فِرْعَوْن فِي جَوف طير سود تَغْدُو وَتَروح على النَّار فَذَلِك عرضهَا
٢ - وَأخرج اللالكائي والإسماعيلي عَن إِبْنِ مَسْعُود قَالَ أَرْوَاح آل فِرْعَوْن فِي أَجْوَاف طير سود فيعرضون على النَّار كل يَوْم مرَّتَيْنِ فَيُقَال لَهُم هَذِه داركم
стр. 246
فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا﴾
٣ - وَأخرج إِبْنِ أبي حَاتِم عَن عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا﴾ قَالَ فهم الْيَوْم يغدى بهم وَيرَاح إِلَى أَن تقوم السَّاعَة
٤ - وَأخرج الشَّيْخَانِ عَن إِبْنِ عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن أحدكُم إِذا مَاتَ عرض عَلَيْهِ مَقْعَده بِالْغَدَاةِ والعشي إِن كَانَ من أهل الْجنَّة فَمن أهل الْجنَّة وَإِن كَانَ من أهل النَّار فَمن أهل النَّار يُقَال هَذَا مَقْعَدك حَتَّى يَبْعَثك الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة
٥ - قَالَ الْقُرْطُبِيّ قيل ذَلِك مَخْصُوص بِالْمُؤمنِ الَّذِي لَا يعذب وَقيل لَا وَيحْتَمل أَن الْمُؤمن الَّذِي يعذب يرى مقعديه جَمِيعًا فِي وَقْتَيْنِ أَو فِي وَقت وَاحِد
وَقَالَ ثمَّ قيل هَذَا الْعرض إِنَّمَا هُوَ على الرّوح وَحدهَا وَيجوز أَن يكون مَعَ جُزْء من الْبدن وَيجوز أَن يكون عَلَيْهَا مَعَ جَمِيع الْجَسَد فَترد إِلَيْهِ الرّوح كَمَا ترد عِنْد المساءلة
قلت أخرج اللالكائي فِي السّنة الحَدِيث بِلَفْظ مَا من عبد يَمُوت إِلَّا وَتعرض روحه إِلَى آخِره
٦ - وَأخرج هناد فِي الزّهْد عَن إِبْنِ عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الرجل ليعرض عَلَيْهِ مَقْعَده من الْجنَّة وَالنَّار غدْوَة وَعَشِيَّة فِي قَبره
٧ - وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان عَن أبي هُرَيْرَة أَنه كَانَ لَهُ صرختان فِي كل يَوْم غدْوَة وَعَشِيَّة كَانَ يَقُول فِي أول النَّهَار ذهب اللَّيْل وَجَاء النَّهَار وَعرض آل فِرْعَوْن على النَّار فَلَا يسمع صَوته أحد إِلَّا إستعاذ بِاللَّه من النَّار فَإِذا كَانَ بالْعَشي قَالَ ذهب النَّهَار وَجَاء اللَّيْل وَعرض آل فِرْعَوْن على النَّار فَلَا يسمع صَوته أحد إِلَّا إستعاذ بِاللَّه من النَّار
٨ - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا فِي كتاب من عَاشَ بعد الْمَوْت عَن الْأَوْزَاعِيّ أَنه سَأَلَهُ رجل بعسقلان على السَّاحِل فَقَالَ يَا أَبَا عَمْرو إِنَّا نرى طيرا أسود يخرج
стр. 247
من الْبَحْر فَإِذا كَانَ الْعشي عَاد مثلهَا أَيْضا قَالَ وفطنتم لذَلِك قَالُوا نعم قَالَ تِلْكَ فِي حواصلها أَرْوَاح آل فِرْعَوْن يعرضون على النَّار فتلفحها فيسود ريشها ثمَّ تلقي ذَلِك الريش ثمَّ تعود إِلَى أوكارها فتلفحها النَّار فَذَلِك دأبها حَتَّى تقوم السَّاعَة فَيُقَال ﴿أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾
٤١ - بَاب عرض أَعمال الْأَحْيَاء على الْمَوْتَى
١ - وَأخرج أَحْمد والحكيم التِّرْمِذِيّ فِي نَوَادِر الْأُصُول وإبن مَنْدَه عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أَعمالكُم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الْأَمْوَات فَإِن كَانَ خيرا أستبشروا وَإِن كَانَ غير ذَلِك قَالُوا اللَّهُمَّ لَا تمتهم حَتَّى تهديهم كَمَا هديتنا
٢ - وَأخرج الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنده عَن جَابر بن عبد الله قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أَعمالكُم تعرض على عشائركم وأقربائكم فِي قُبُورهم فَإِن كَانَ خيرا أستبشروا بذلك وَإِن كَانَ غير ذَلِك قَالُوا اللَّهُمَّ ألهمهم أَن يعملوا بطاعتك
٣ - وَأخرج إِبْنِ الْمُبَارك وإبن أبي الدُّنْيَا عَن أبي أَيُّوب قَالَ تعرض أَعمالكُم على الْمَوْتَى فَإِن رَأَوْا حسنا فرحوا وأستبشروا وَإِن رَأَوْا سوءا قَالُوا اللَّهُمَّ رَاجع بِهِ
٤ - وَأخرج إِبْنِ أبي شيبَة فِي المُصَنّف والحكيم التِّرْمِذِيّ وإبن أبي الدُّنْيَا عَن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة قَالَ غزا أَبُو أَيُّوب الْقُسْطَنْطِينِيَّة فَمر بقاص وَهُوَ يَقُول إِذا عمل العَبْد الْعَمَل فِي صدر النَّهَار عرض على معارفه إِذا أَمْسَى من أهل الْآخِرَة وَإِذا عمل الْعَمَل فِي آخر النَّهَار عرض على معارفه إِذا أصبح من أهل الْآخِرَة فَقَالَ أَبُو أَيُّوب أنظر مَا تَقول قَالَ وَالله إِنَّه لَكمَا أَقُول فَقَالَ أَبُو أَيُّوب اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك أَن تفضحني عِنْد عبَادَة بن الصَّامِت وَسعد بن عبَادَة بِمَا عملت بعدهمْ فَقَالَ الْقَاص وَالله لَا يكْتب الله ولَايَته لعبد إِلَّا ستر عوراته وَأثْنى عَلَيْهِ بِأَحْسَن عمله
стр. 248
٥ - وَأخرج الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي نوادره من حَدِيث عبد الغفور بن عبد الْعَزِيز عَن أَبِيه عَن جده قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تعرض الْأَعْمَال يَوْم الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيس على الله وَتعرض على الْأَنْبِيَاء وعَلى الْآبَاء والأمهات يَوْم الْجُمُعَة فيفرحون بحسناتهم وتزداد وُجُوههم بَيَاضًا وإشراقا فَاتَّقُوا الله وَلَا تُؤْذُوا أمواتكم
٦ - وَأخرج الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ وإبن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب المنامات وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان عَن النُّعْمَان بن بشير سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الله الله فِي إخْوَانكُمْ من أهل الْقُبُور فَإِن أَعمالكُم تعرض عَلَيْهِم
٧ - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا والأصبهاني فِي التَّرْغِيب عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تفضحوا مَوْتَاكُم بسيئات أَعمالكُم فَإِنَّهَا تعرض على أوليائكم من أهل الْقُبُور
٨ - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا وإبن مَنْدَه وإبن عَسَاكِر عَن أَحْمد بن عبد الله بن أبي الْحوَاري قَالَ حَدثنِي أخي مُحَمَّد بن عبد الله قَالَ دخل عباد الْخَواص على إِبْرَاهِيم بن صَالح الْهَاشِمِي وَهُوَ أَمِير فلسطين فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم عظني فَقَالَ قد بَلغنِي أَن أَعمال الْأَحْيَاء تعرض على أقاربهم من الْمَوْتَى فَانْظُر مَا تعرض على رَسُول الله ﷺ من عَمَلك
٩ - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا عَن أبي الدَّرْدَاء أَنه كَانَ يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك أَن يمقتني خَالِي عبد الله بن رَوَاحَة إِذا لَقيته
١٠ - وَأخرج إِبْنِ الْمُبَارك والأصبهاني عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ إِن أَعمالكُم تعرض على مَوْتَاكُم فيسرون ويساؤون وَيَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك أَن أعمل عملا يخزى بِهِ عبد الله بن رَوَاحَة
١١ - وَأخرج إِبْنِ الْمُبَارك عَن عُثْمَان بن عبد الله بن أَوْس أَن سعيد بن جُبَير قَالَ لَهُ إستأذن عَليّ إبنة أخي وَهِي زَوْجَة عُثْمَان وَهِي إبنة عَمْرو بن أَوْس فَاسْتَأْذن لَهُ عَلَيْهَا فَدخل فَقَالَ كَيفَ يفعل بك زَوجك قَالَت إِنَّه إِلَيّ لمحسن مَا اسْتَطَاعَ فَقَالَ يَا عُثْمَان أحسن إِلَيْهَا فَإنَّك لَا تصنع بهَا شَيْئا إِلَّا جَاءَ عَمْرو بن أَوْس فَقلت هَل تَأتي الْأَمْوَات أَخْبَار الْأَحْيَاء قَالَ نعم مَا من أحد لَهُ حميم إِلَّا وتأتيه أَخْبَار أَقَاربه فَإِن كَانَ خيرا سر بِهِ وَفَرح وهنىء بِهِ وَإِن كَانَ شرا إبتأس بِهِ
стр. 249
وحزن حَتَّى إِنَّهُم يسألونه عَن الرجل قد مَاتَ فَيُقَال أَو لم يأتكم فَيَقُولُونَ لَا خُولِفَ بِهِ إِلَى أمه الهاوية
١٢ - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا من طَرِيق أبي بكر بن عَيَّاش عَن حفار كَانَ فِي بني أَسد قَالَ كنت فِي الْمَقَابِر لَيْلَة إِذْ سَمِعت قَائِلا يَقُول من قبر يَا عبد الله قَالَ مَا لَك يَا جَابر قَالَ غَدا تَأْتِينَا أمنا قَالَ وَمَا ينفعها لَا تصل إِلَيْنَا إِن أبي قد غضب عَلَيْهَا وَحلف أَن لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا فَلَمَّا كَانَ من غَد جَاءَنِي رجل فَقَالَ أحفر لي هُنَا قبرا بَين القبرين للَّذين سَمِعت مِنْهُمَا الْكَلَام فَقلت إسم هَذَا جَابر وَاسم هَذَا عبد الله قَالَ نعم فَأَخْبَرته بِمَا سَمِعت قَالَ نعم وَقد كنت حَلَفت أَن لَا أُصَلِّي عَلَيْهَا فلأكفرن عَن يَمِيني ولأصلين عَلَيْهَا
١٣ - وَأخرج أَبُو نعيم عَن إِبْنِ مَسْعُود قَالَ صل من كَانَ أَبوك يصله فَإِن صلَة الْمَيِّت فِي قَبره أَن تصل من كَانَ أَبوك يواصله
١٤ - وَأخرج إِبْنِ حبَان عَن إِبْنِ عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أحب أَن يصل أَبَاهُ فِي قَبره فَليصل إخْوَان أَبِيه من بعده
١٥ - وَأخرج أَبُو دَاوُد وإبن حبَان عَن أبي أسيد السَّاعِدِيّ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله هَل بَقِي عَليّ من بر وَالِدي شَيْء أبرهما بِهِ بعد مَوْتهمَا قَالَ نعم أَربع خِصَال بَقينَ عَلَيْك الدُّعَاء والإستغفار لَهما وإنفاذ عهديهما وإكرام صديقهما وصلَة الرَّحِم الَّتِي لَا رحم لَك إِلَّا من قبلهمَا
٤٢ - بَاب مَا يحبس الرّوح عَن مقَامهَا الْكَرِيم
١ - أخرج التِّرْمِذِيّ وإبن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ نفس الْمُؤمن معلقَة بِدِينِهِ حَتَّى يقْضى عَنهُ
قَالَ الْعلمَاء معلقَة أَي محبوسة عَن مقَامهَا الْكَرِيم
стр. 250
٢ - وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن أنس قَالَ كُنَّا عِنْد النَّبِي ﷺ فَأتي بِرَجُل يصلى عَلَيْهِ فَقَالَ هَل على صَاحبكُم دين قَالُوا نعم قَالَ فَمَا ينفعكم أَن أُصَلِّي على رجل روحه مُرْتَهن فِي قَبره لَا تصعد روحه إِلَى السَّمَاء فَلَو ضمن رجل دينه قُمْت فَصليت عَلَيْهِ فَإِن صَلَاتي تَنْفَعهُ
٣ - وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْبَيْهَقِيّ والأصبهاني فِي التَّرْغِيب عَن سَمُرَة بن جُنْدُب عَن النَّبِي ﷺ صلى صَلَاة الصُّبْح فَقَالَ أها هُنَا أحد من بني فلَان فَإِن صَاحبكُم قد إحتبس بِبَاب الْجنَّة بدين عَلَيْهِ فَإِن شِئْتُم فافدوه وَإِن شِئْتُم فأسلموه إِلَى عَذَاب الله
٤ - وَأخرج أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ عَن جَابر أَن رجلا مَاتَ وَعَلِيهِ دين دِينَارَانِ فَلم يصل عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ فتحملهما أَبُو قَتَادَة فصلى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ لَهُ بعد ذَلِك بِيَوْم مَا فعل الديناران قَالَ إِنَّمَا مَاتَ أمس فَعَاد عَلَيْهِ من الْغَد فَقَالَ قد قضيتهما فَقَالَ الْآن بردت عَلَيْهِ جلدته
٥ - وَأخرج الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ عَن إِبْنِ عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ صلى صَلَاة الْغَدَاة ثمَّ قَالَ هَا هُنَا أحد من هُذَيْل إِن صَاحبكُم مَحْبُوس على بَاب الْجنَّة بِدِينِهِ
٦ - وَأخرج أَحْمد عَن سعد بن الأطول قَالَ مَاتَ أَبونَا وَترك ثلثمِائة دِرْهَم وعيالا ودينا فَأَرَدْت أَن أنْفق على عِيَاله فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أَبَاك مَحْبُوس بِدِينِهِ فَاقْض عَنهُ
٧ - وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن الْبَراء بن عَازِب أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ صَاحب الدّين مأسور بِدِينِهِ يشكو إِلَى الله الْوحدَة
٨ - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا فِي كتاب من عَاشَ بعد الْمَوْت عَن شَيبَان بن جُبَير قَالَ خرج أبي وَعبد الْوَاحِد بن زيد إِلَى الْغَزْو فَهَجَمُوا على ركية وَاسِعَة عميقة فَإِذا بهمهمة فِيهَا فَدخل أَحدهمَا الرَّكية فَإِذا هُوَ بِرَجُل على أَلْوَاح جَالس وَتَحْته المَاء فَقَالَ أجني أم إنسي قَالَ بل إنسي قَالَ مَا أَنْت قَالَ أَنا رجل من
следующие страницы →