← Акыда

Акыда · id 648

التوجيهات الصحيحة للنوازل العقدية المتعلقة بوباء كورونا

محمد الهمامي

Полный текст (98 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

التوجيهات الصحيحة للنوازل العقدية المتعلقة بوباء كورونا كوفيد ١٩ (COVID-١٩) إعداد: د. محمد بن صالح بن هادي الهمامي

стр. 2

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف. ١٤٤٣ هـ- ٢٠٢١ م. رقم الفسح الإعلامي: ٥٨٣٢٥٦٢٠٢١٠٩٢١

стр. 3

المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ ، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد. فحلول الوباء سنة ربانية اقتضتها حكمته ، وشاء سبحانه بقضائه وقدره فيها، فلا يقع في هذا الكون إلا ما شاء الله وأراد، وهو سبحانه لا يرفع الضر والبلاء عن العباد والبلاد إلا إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء. والوباء من جملة الابتلاء الذي يبتلي به الله عباده، فمن صبر فله الجزاء الحسن في الدنيا، والثواب الكبير في الآخرة، ومن جزع فقد خاب عمله في الدنيا، وخسر ثوابه في الآخرة. ولابد للعباد عند حلول الوباء من الالتجاء إلى الله وحده، وطلب المعونة والرجاء منه دون سواه، ودعاؤه برفع البلاء دون غيره؛ فلا يقدر على هذا البلاء ولا يدفع هذا الوباء إلا الله، وما سوى ذلك ماهي إلا أسباب رضي بوقوعها وأذن بنفعها سبحانه. كما يجب عليهم عند حلول الوباء من ضرورة العلم والبصيرة بالشرع فيما يقومون به من عبادات أو اعتقادات، ويجب عليهم الحذر من الابتداع أو فعل ما يخالف مسلمات الدين عند فعل هذه العبادات أو الاعتقادات؛ فبالعلم تزول الشبهات التي تحجب الحق، وتعرف المخالفات التي تسبب الانحراف عن الدين وتبعد عن السنة. وقد حدثت الأوبئة في بلاد المسلمين في أزمان كثيرة وأماكن متعددة، وكان أول وباء حدث في تاريخ المسلمين هو طاعون عمواس (١) الذي حدث في عهد الخليفة عمر ﵁.

стр. 4

وقد تعامل الصحابة ﵃ مع هذا الطاعون بأمثل طريق وأفضله؛ فقد كان من عادة الصحابة ﵃ أنهم إذا نزلت بهم النازلة يجتمعون مع إمامهم ويتشاورون لها، ويتباحثون ويتناقشون فيها، ثم يخرجون عن رأي يوافقون فيه إمامهم ولا يعترضون عليه. فعندما خرج عمر ﵁ إلى الشام، لقيه أمراء الأجناد، أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام. فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين، فدعاهم فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم: قد خرجت لأمر، ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادعوا لي الأنصار، فدعوتهم فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي من كان ها هنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم، فلم يختلف منهم عليه رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه. قال أبو عبيدة بن الجراح: أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟ نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان، إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبدالرحمن بن عوف - وكان متغيبا في بعض حاجته - فقال: إن عندي في هذا علما، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه» قال: فحمد الله عمر ثم انصرف (١). وقد توفي في هذا الطاعون الكثير من الصحابة ﵃ منهم: أبو عبيده بن الجراح، ومعاذ ابن جبل، ويزيد بن أبى سفيان، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وعتبة بن سهيل ﵁ (٢)، وقدَّر بعض المؤرخين أن الذي مات من المسلمين بهذا الوباء ما يقرب من خمسة وعشرين ألفاً (٣).

стр. 5

وهذا الطاعون يعتبر هو أول النوازل العقدية المتعلقة بالأوبئة في حياة الصحابة ﵃ بعد وفاة النبي ﷺ ، وقد كان تعاملهم ﵃ مع هذا الوباء التعامل الأمثل المبني على التشاور والاجتماع وعلى الاتباع وعدم الابتداع، فلم يحدث منهم أية مخالفة عقدية أو بدعة محدثة تخالف سنة النبي ﷺ . وهذا التعامل يجب أن يكون قدوة للأمة عند حلول الأوبئة، ومثال يحتذى عند حصول الحوادث الكونية وتغير الأزمنة. وبالاستعانة بالله ثم قراءة ما أمكن قراءته من النوازل فقد تم تحديد وحصر أهم هذه النوازل التي وقعت، وتتبع أهم هذه الحوادث التي حدثت مع حلول وباء كورونا. والمسائل العقدية المتعلقة بوباء كورونا تحتاج إلى دقة في معرفة كونها نازلة أم لا، وإلى تحديد صحيح في كونها جديدة في وقوعها أم متجددة في مضمونها. وسيتم التعريف بالمصطلحات، والفرق بين الوباء والطاعون، وبيان هذه النوازل، ومناقشة الانحرافات التي حدثت في هذه النوازل، والتوجيه العقدي الصحيح والرد العلمي المؤصل لهذه النوازل بإذن الله. وهذا بيان بأهم النوازل العقدية المتعلقة بوباء كورونا وهي كالتالي: * النازلة الأولى: المخالفات العقدية في القبور والأماكن؛ للتداوي من وباء كورونا. * النازلة الثانية: التلفظ بالأدعية والأذكار المخالفة؛ للتداوي من وباء كورونا. * النازلة الثالثة: التوسل بغير الله؛ لرفع بلاء وباء كورونا. * النازلة الرابعة: التنزيل الخاطئ للأدلة الشرعية عند حلول وباء كورونا. * النازلة الخامسة: ترك الأدلة الشرعية والاعتماد على الأدلة العقلية. * النازلة السادسة: الدعوة إلى الاعتماد على العلاجات الطبية فقط، وترك كل ماله صلة بالدين. * النازلة السابعة: الاعتقاد أن وباء كورونا مذكور في القرآن. * النازلة الثامنة: الزعم بأن وباء كورونا من صنع البشر. * النازلة التاسعة: التنجيم وادعاء علم الغيب في وباء كورونا. * النازلة العاشرة: المسائل المتعلقة بالسمع والطاعة لولي الأمر.

стр. 6

التمهيد ، وفيه مبحثان: * أولاً: التعريف بالنوازل العقدية المتعلقة بوباء كورونا. * ثانياً: الفرق بين وباء كورونا والطاعون.

стр. 7

أولاً: التعريف بالنوازل العقدية المتعلقة بوباء كورونا . تعريف النوازل: في اللغة: النون والزاء واللام كلمة صحيحة تدل على هبوط شيء ووقوعه (١)، ونزل به الأمر أي: حل (٢). والنازلة هي الشديدة تنزل عليهم بأمر عظيم (٣)، وقيل هي: المصيبة والشدة من شدائد الدهر تنزل بالناس (٤)، كما قال الشاعر: ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعا وعند الله منها المخرج (٥). واصطلاحًا: استعمل بعض العلماء مصطلح النازلة على معناها اللغوي المتقدم، فقيل هي: الحادثة التي تحتاج لحكم شرعي (٦)، أو الوقائع الجديدة التي لم يَسبق فيها نص أو اجتهاد (٧). وقيل هي: الواقعة والحادثة التي تنزل بالشخص سواء في مجال العبادات أو المعاملات أو السلوك والأخلاق؛ حيث يلجأ هذا الشخص إلى من يفتيه بحكم الشرع في نازلته (٨). وقيل: هي الأمور والقضايا الجديدة التي تحصل مع تطور الأوقات واختلاف الأزمان والأماكن (٩). ولابد في النازلة من أمورًا ثلاثة، هي: وقوعها وعدم افتراضها، وجِدَّتها وعدم تكررها، وشدة إلحاحها في طلب حكم شرعي لها؛ وبناء على ذلك فتعريفها يكون: هي ما استدعى حكمًا شرعيًّا من الوقائع المستجدة (١٠).

стр. 8

ولكن مفهوم النوازل في القضايا والمسائل المعاصرة نادراً ما ينطبق انطباقاً تاماً على وصف النازلة بالجدة المحضة، أي مما لم يسبق وقوعه؛ فالغالب فيما يذكره العلماء في المسائل المعاصرة من نوازل قد يطلق عليها الجدة النسبية، أي تكون مما سبق وقوعه ولكنها متجددة، فبعضها سبق وقوعه ولكنها تطورت أو تغير الواقع المحيط بها أو تغيرت أسبابها أو واحتاج لها الناس من باب الضرورة أو المصلحة؛ فأصبحت بحاجة ماسة لبحثها مرة أخرى. وعلى ذلك يمكن أن يطلق على أي مسألة عقدية نازلة إذا تحقق فيها سبب من الأسباب التالية: الأول: تباين أصل المسألة العقدية من بعض الوجوه؛ كتغير أسبابها، وتطورها، وتغير الواقع المحيط بها. الثاني: وقوع التجدد في أحوال بعض المسائل العقدية، حتى أصبحت كنازلة جديدة. الثالث: بعض المسائل العقدية الجديدة قد تكون نوازل في عرف بعض العلماء؛ حسب نظرتهم الخاصة للمسألة. الرابع: عند وجود الحاجة الملحة في تطلب حل شاف لموضوع المسألة العقدية أو مضمونها. تعريف العقيدة: في اللغة: مأخوذة من العقد: وهو الربط والشد بقوة، أو العهد، أو الملازمة، أو التأكيد (١)، وعقد قلبه على شيء: لم ينزع عنه (٢)، واعتقدت كذا: أي عقدت عليه القلب والضمير، حتى قيل: العقيدة ما يدين الإنسان به (٣). واصطلاحاً: هي الإيمان الجازم بالله، وما يجب له في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وبكل ما جاءت به النصوص الصحيحة من أصول الدين وأمور الغيب وأخباره، وما أجمع عليه السلف الصالح، والتسليم لله تعالى في الحكم والأمر والقدر والشرع، ولرسوله ﷺ بالطاعة والاتباع (٤).

стр. 9

تعريف الأوبئة: في اللغة: مصدر وبؤ ووبئ ووبئ، وأرض وبئة أي: كثيرة الوباء، واستوبأ الأرض: استوخمها ووبأ إليه (١). واصطلاحاً: هو سرعة الموت وكثرته في الناس (٢). وقيل: كل مرض شديد العدوى، سريع الانتشار من مكان إلى مكان، يصيب الإنسان والحيوان والنبات (٣). والوباء في التعريف الطبي: هو مرض غير مألوف، سريع الانتشار، يصيب جماعة من الناس في منطقة معينة أو مناطق جغرافية معينة في وقت محدد (٤). وبحسب المختصين بعلم الأوبئة لا يطلق على المرض وباءً إلا إذا اجتمعت فيه عدة أمور، هي كالتالي: ١ - أن يكون سريع الانتشار. ٢ - أن يصيب جماعة من الناس. ٣ - أن يكون في منطقة أو مناطق معينة. ٤ - أن يكون في وقت محدد. ٥ - أن يكون غير مألوف. ٦ - أن يفضي إلى الموت في الغالب (٥). تعريف كورونا: هي مجموعة من الفيروسات التي يمكنها أن تسبب أمراضًا مثل الزكام والالتهاب التنفسي الحاد الوخيم سارس (SARS)، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية ميرس (MERS)، وقد تم اكتشاف نوع جديد من فيروسات كورونا بعد أن تم التعرف عليه كمسبب لانتشار أحد

стр. 10

الأمراض التي بدأت في مديمة ووهان (WHAN) (١) بالصين في عام ٢٠١٩ م، ويُعرف الفيروس الآن باسم: فيروس المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة كورونا ٢، ويسمى المرض الناتج عنه مرض فيروس كورونا (كوفيد ١٩) (٢). وتشمل العلامات التي تشير إلى مرض كورونا ما يلي: ضيق النفس، انعدام الشهية، التخليط أو التشوش، الألم المستمر أو الشعور بالضغط على الصدر، ارتفاع درجة الحرارة بأكثر من ٣٨ درجة مئوية (٣).

стр. 11

ثانياً: الفرق بين وباء كورونا والطاعون: اختلف العلماء قديماً في مسألة التفرقة بين الوباء والطاعون على قولين، وهذه التفرقة تشمل الأوبئة بشكل عام وينطبق عليها وباء كورونا؛ لأنه مصنف من جملة الأوبئة. وأقوال العلماء حول الفرق بين الطاعون والوباء كالتالي: القول الأول: أن الطاعون هو الوباء: وهذا القول هو الذي عليه بعض العلماء من أهل اللغة والأطباء العرب المتقدمين. قال الخليل ﵀: الوباء: الطاعون، وقيل: هو كل مرض عام (١). وقال ابن سيده ﵀: الوباء الطاعون، وقيل: هو كل مرض عام (٢). وقال ابن الأثير ﵀: المرض العام والوباء الذي يفسد له الهواء فتفسد به الأمزجة والأبدان (٣). وقال ابن منظور ﵀: الوبأ: الطاعون بالقصر والمد والهمز. وقيل هو كل مرض عام (٤). وقال الفيومي ﵀: والطاعون الموت من الوباء والجمع الطواعين وطعن الإنسان بالبناء للمفعول أصابه الطاعون فهو مطعون (٥). وقال ابن حجر ﵀: قال جماعة من الأطباء منهم أبو علي بن سيناء: الطاعون مادة سمية تحدث ورمًا قتالاً يحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن، وأغلب ما تكون تحت الإبط أو خلف الأذن أو عند الأرنبة. قال: وسببه دم رديء مائل إلى العفونة والفساد يستحيل إلى جوهر سمي يفسد العضو ويغير ما يليه، ويؤدي إلى القلب كيفية رديئة فيحدث القيء والغثيان والغشي والخفقان وهو لرداءته لا يقبل من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع وأردؤه ما يقع في الأعضاء الرئيسة، والأسود منه قل من يسلم منه، وأسلمه الأحمر ثم الأصفر، والطواعين تكثر عند الوباء في البلاد الوبئة ومن ثم أطلق على الطاعون وباء وبالعكس (٦).

стр. 12

كما قال بهذا القول بعض علماء المالكية والحنفية، يقول القاضي الباجي ﵀: الوباء هو الطاعون هو مرض يعم الكثير من الناس في جهة من الجهات دون غيرها بخلاف المعتاد من أحوال الناس وأمراضهم، ويكون مرضهم غالباً مرضاً واحداً بخلاف سائر الأوقات فإن أمراض الناس مختلفة (١). وقال ابن جزي ﵀: الطاعون وهو الوباء، وإذا وقع بأرض فلا يخرج منها من كان فيها فرارا منه، ولا يقدم عليها (٢). وقال ابن عابدين ﵀: الوباء اسم لكل مرض عام فكل طاعون في ذلك وباء (٣). القول الثاني: أن الطاعون غير الوباء: وهذا القول الذي عليه بعض علماء الشريعة المحققين من أهل الحديث والفقه. قال القاضي عياض ﵀: أصل الطاعون القروح الخارجة في الجسد، والوباء: عموم الأمراض، فسميت طاعوناً؛ لشبهها بالهلاك بذلك، وإلا فكل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعوناً (٤). وقال النووي ﵀: والصحيح الذي قاله المحققون أنه مرض الكثيرين من الناس في جهة من الأرض دون سائر الجهات، ويكون مخالفاً للمعتاد من أمراض في الكثرة وغيرها، ويكون مرضهم نوعاً واحداً بخلاف سائر الأوقات فإن أمراضهم فيها مختلفة، قالوا: وكل طاعون وباء وليس كل وباء طاعوناً (٥). وقال ابن القيم ﵀: والتحقيق أن بين الوباء والطاعون عموماً وخصوصاً، فكل طاعون وباء، وليس كل وباءً طاعوناً، وكذلك الأمراض العامة أعم من الطاعون، فإنه واحد منها، والطواعين خراجات وقروح وأورام رديئة حادثة في المواضع (٦).

стр. 13

وقال ابن حجر ﵀: أما الوباء فهو فساد جوهر الهواء الذي هو مادة الروح ومدده، قلت: فهذا ما بلغنا هذا ما بلغنا من كلام أهل اللغة وأهل الفقه والأطباء في تعريفه، والحاصل أن حقيقته ورم ينشأ عن هيجان الدم، أو انصباب الدم إلى عضو فيفسده، وإن غير ذلك من الأمراض العامة الناشئة عن فساد الهواء، يسمى طاعوناً بطريق المجاز؛ لاشتراكهما في عموم المرض، أو كثرة الموت (١). وقال السيوطي ﵀: الوباء غير الطاعون .. ، والطاعون اختص بكونه شهادة ورحمة ودعوة النبي ﷺ بخلاف الوباء (٢). وقال الهيتمي ﵀: وبه يعلم أن الطاعون أخص من الوباء مطلقاً، فكل طاعون وباء، ولا عكس، .. واستدل بعضهم بأنه صح أن المدينة لا يدخلها الطاعون، وصح عن عائشة ﵂ عنها أن المدينة أوبى أرض الله، وعن بلال ﵁ أن المدينة أرض الوباء؛ فيلزم أن الطاعون غير الوباء (٣). والذي يترجح في هذه المسألة والله أعلم هو القول الثاني، أي: قول علماء الشريعة من أهل الحديث والفقه الذين قالوا بالتفريق بين الطاعون والوباء، وأن كل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعوناً، وأن الوباء يشمل الطاعون وغيره من الأمراض، وبينهما عموم وخصوص. ومن الأدلة التي تؤيد هذا القول ما يلي: أولاً: الطاعون لا يدخل المدينة: فثبت في الأحاديث أن الطاعون لا يدخل المدينة، بينما الوباء يدخل المدينة، وقد ورد أنه دخل المدينة في عهد النبي ﷺ ، كما في الأحاديث التالية: فعن أبي عسيب ﵁ مولى رسول الله ﷺ ، قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاني جبريل بالحمى، والطاعون، فأمسكت الحمى بالمدينة، وأرسلت الطاعون إلى الشام، فالطاعون شهادة لأمتي، ورحمة، ورجس على الكافر» (٤).

стр. 14

وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يدخل المدينة الطاعون ولا الدجال» (١). وفي رواية: «المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة، على كل نقب منها ملك لا يدخلها الدجال، ولا الطاعون» (٢). وورد حديث عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ دخول الطاعون لم يكن بالجزم بل بتعليق بالمشيئة: «المدينة يأتيها الدجال، فيجد الملائكة يحرسونها، فلا يقربها الدجال» قال: «ولا الطاعون إن شاء الله» (٣). واختُلِف في استثناء «إن شاء الله تعالى»، فقيل: هو للتبرك فيشملهما، وقيل: هو للتعليق، وأنه يختص بالطاعون، وأن مقتضاه جواز دخول الطاعون المدينة (٤). وقيل: عدم دخول الدجال في المدينة متيقنٌ، أما الطاعون فلم يدخل بعدُ فيها، وهو المرجو فيما يأتي (٥). وقد ذكر جمعٌ من العلماء أن الطاعون العام دخل مكة، أما المدينة فلم يُذكر أنه دخلها، وهذا من معجزاته؛ لأن الأطباء عجزوا عن دفع الطاعون عن بلد، بل عن قرية، وقد امتنع الطاعون عن المدينة في العصور المتطاولة (٦). بينما الوباء ورد أنه قد دخل المدينة في عهد النبي ﷺ ، فعن عائشة ﵂، قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وعك أبو بكر، وبلال ... ، فكان بلال بقول: اللهم العن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء، ثم قال رسول ﷺ : «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا، وصححها لنا، وانقل حماها إلى الجحفة» (٧).

стр. 15

وفي رواية قالت ﵂: قدمنا المدينة وهي وبيئة، فاشتكى أبو بكر، واشتكى بلال، فلما رأى رسول الله ﷺ شكوى أصحابه، قال: «اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت مكة أو أشد، وصححها، وبارك لنا في صاعها ومدها، وحول حماها إلى الجحفة» (١). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال: لما قدمنا المدينة، نالنا وباء من وعكها شديد. فخرج رسول الله ﷺ على الناس، وهم يصلون في سبحتهم قعودا. فقال رسول الله ﷺ : «صلاة القاعد مثل نصف صلاة القائم» (٢)، وفي رواية: فشا الوجع على عهد رسول الله ﷺ ، فكثر من يصلي وهو قاعد، فقال رسول الله ﷺ : «صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم» (٣). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهي محمة (٤)، فحم الناس، فدخل النبي ﷺ المسجد، والناس قعود يصلون. فقال النبي ﷺ : «صلاة القاعد نصف صلاة القائم، فتجشم الناس الصلاة قياماً» (٥). وفي زمننا هذا انتشر وباء كورونا في أكثر دول العالم، ودخل هذا الوباء المدينة كغيرها من المدن، وتم رصد إصابات ووفيات كثيرة في المدينة بعد إصابتهم بهذا الوباء، بينما ذكر بعض العلماء كما تقدم سابقاً أن الطاعون لم يدخل المدينة. ثانياً: أن الطاعون من وخز الجن: وقد جاء ذلك في الحديث الصحيح عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فناء أمتي بالطعن (٦) والطاعون». فقيل: يا رسول الله، هذا الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: «وخز (٧) أعدائكم من الجن وفي كل شهداء» (٨).

стр. 16

وعن عائشة ﵂ قالت: «ذُكر الطاعون فذكرت أن النبي ﷺ قال: وخزة تصيب أمتي من أعدائهم من الجن: غدة كغدة الإبل. من أقام عليه كان مرابطاً، ومن أصيب به كان شهيداً، ومن فر منه كالفار من الزحف» (١). قال ابن حجر ﵀: ووصف طعن الجن بأنه وخز؛ لأنه يقع من الباطن إلى الظاهر فيؤثر بالباطن أولاً، ثم يؤثر في الظاهر وقد لا ينفذ، وهذا بخلاف طعن الإنس فإنه يقع من الظاهر إلى الباطن فيؤثر في الظاهر أولاً، ثم يؤثر في الباطن وقد لا ينفذ (٢). وقال الزبيدي ﵀: والذي عليه المحققون من الفقهاء والمحدثين أنهما متباينان، فالوباء: وخم يغير الهواء فتكثر بسببه الأمراض في الناس، والطاعون هو الضرب الذي يصيب الإنحس من الجن، وأيدوه بما في الحديث أنه وخز أعدائكم من الجن (٣). وقد حاول بعض الباحثين تفسير الوخز تفسيراً طبياً وذكر بأن المقصود به طعن البراغيث وليس طعن الجن. فقال: الطعن غير نافد هو طعن البراغيث (٤) المستترة، ووخزها المقصودة بلفظ الجن: والواقع أن هذه البراغيث التي تطعن في جلد الإنسان أو الحيوان بفكيها الحادين تطعن طعناً نافذاً، ويسيل دم قليل لا يلاحظه المرء، ويتغذى عليه البرغوث، وفي أثناء ذلك يقيء ما في معدته المسدودة بميكروبات الطاعون التي تنساب من فيه إلى مكان الوخزة، ثم تنتقل عبر الأوعية اللمفاوية إلى الغدد اللمفاوية في المراق أو الإبط أو العنق حسب مكان الوخزة .. ، ولا شك أن هذه البراغيث التي تسبب الطاعون، وهي مما لا يلاحظه الإنسان بل تستتر عنه وتختفي بين الملابس ولا يكاد يراها إلا بعد مشقة البحث عنها، ويمكن أن نطلق عليها لفظ الجن؛ لأن الجن كل مختفي ومستتر، والخلاصة أن لفظ الجن الوارد في الطاعون والمعبر عنه بلفظ وخز الجن، ينبغي أن ينصرف إلى هذه المخلوقات الصغيرة المختفية التي لا تكاد ترى إلا بالبحث عنها، وهي البراغيث. فهي التي تخز، وهي التي تسبب الطاعون وتنقله ... ولا علاقة

стр. 17

للجن، - المخلوقات النارية - بموضوع الطاعون مطلقاً، وهو الذي ينبغي أن يصار إليه، وإلا فإن العلم يناقض القول بأن سبب الطاعون مخلوقات نارية تسمى الجن؛ فالعلم والطب واللغة كلها تؤيد ما ذهبنا أن لفظ الجن في أحاديث الطاعون المرتبط بالوخز يشير إلى إليه، وهو البراغيث المختفية المتوارية والتي تخز الجلد وخزاً، وتنقل ميكروبات الطاعون في إفرازاتها ورجيعها (١). وقد رد العلماء قديماً وحديثاً على مثل هذه الدعاوي وفندوها، فقد قال العيني ﵀: فإن قلت إن لشارع أخبر بأن الطاعون من وخز الجن فبينه وبين ما ذكر من الأقوال في تفسير الطاعون منافاة ظاهراً، قلت: الحق ما قاله الشارع، والأطباء تكلموا في ذلك على ما اقتضته قواعدهم، وطعن الجن أمر لا يدرك بالعقل فلم يذكروه على أنه يحتمل أن تحدث هذه الأشياء فيمن يطعن عند وخز الجن، ومما يؤيد أن الطاعون من وخز الجن وقوعه غالبا في أعدل الفصول وفي أصح البلاد هواء وأطيبها ماء، ولو كان من فساد الهواء لعم الناس الذين يقع فيهم الطاعون ولطعنت الحيوانات أيضاً (٢). وقال ابن القيم ﵀: والرسل تخبر بالأمور الغائبة، وهذه الآثار التي أدركوها من أمر الطاعون ليس معهم ما ينفي أن تكون بتوسط الأرواح، فإن تأثير الأرواح في الطبيعة وأمراضها وهلاكها أمر لا ينكره إلا من هو أجهل الناس بالأرواح وتأثيراتها، وانفعال الأجسام وطبائعها عنها، والله سبحانه قد يجعل لهذه الأرواح تصرفاً في أجسام بني آدم عند حدوث الوباء، وفساد الهواء، كما يجعل لها تصرفاً عند بعض المواد الرديئة التي تحدث للنفوس هيئة رديئة، ولا سيما عند هيجان الدم، والمرة السوداء، وعند هيجان المني، فإن الأرواح الشيطانية تتمكن من فعلها بصاحب هذه العوارض ما لا تتمكن من غيره، ما لم يدفعها دافع أقوى من هذه الأسباب من الذكر، والدعاء، والابتهال والتضرع، والصدقة، وقراءة القرآن، فإنه يستنزل بذلك من الأرواح الملكية ما يقهر هذه الأرواح الخبيثة، ويبطل شرها ويدفع تأثيرها (٣).

стр. 18

وقال ابن حجر ﵀: كونه من طعن الجن ولا يخالف ذلك ما قال الأطباء من كون الطاعون ينشأ عن هيجان الدم أو انصبابه؛ لأنه يجوز أن يكون ذلك يحدث عن الطعنة الباطنة فتحدث منها المادة السمية ويهيج الدم بسببها أو ينصب، وإنما لم يتعرض الأطباء لكونه من طعن الجن؛ لأنه أمر لا يدرك بالعقل وإنما يعرف من الشارع، فتكلموا في ذلك على ما اقتضته قواعدهم (١). ثالثاً: من أوجه الاختلاف بين الطاعون والوباء ما ذكره أهل العلم والطب الحديث بأن هناك فرق بين منشأ الطاعون وتكوينه وبين منشأ الأوبئة وتكوينها ومنها وباء كورونا ؛ فالطاعون منشؤه هو البكتيريا (٢)، بينما الأوبئة قد يكون منشؤها البكتيريا أو الفيروسات (٣). وقد عرف أهل الطب الحديث الطاعون بأنه مرض يصيب البشر والثدييات وتسببه بكتيريا تسمى يرسينيا بيستيس، وعادة ما يصاب البشر بالطاعون بعد أن يلدغهم برغوث قارض يحمل بكتيريا الطاعون، أو عن طريق التعامل مع حيوان مصاب بالطاعون (٤). وقد يصاب بعض الأفراد بالطاعون الرئوي عن طريق استنشاق الهواء الملوث بميكروب الطاعون (٥). أما وباء كورونا فهو عبارة فيروس من فصيلة فيروسات كورونا الجديد؛ حيث ظهرت أغلب حالات الإصابة به في مدينة ووهان (WHAN) الصينية نهاية ديسمبر (٢٠١٩ م) على صورة التهاب رئوي حاد، ويُعتقد أن فيروس كورونا الجديد مرتبط بالحيوان؛ حيث إن أغلب الحالات الأولية كان لها ارتباط بسوق للبحريات والحيوانات في مدينة ووهان (WHAN)،

стр. 19

وينتقل الفيروس بين البشر من الشخص المصاب بالعدوى إلى شخص آخر عن طريق المخالطة القريبة دون حماية (١). وبذلك يتضح فيما مضى من أن هناك فرق بين الطاعون والوباء ودليل ذلك من جهة دخوله المدينة ومن جهة سببه ومن جهة الفرق بين منشأه وتكوينه.

стр. 20

النازلة الأولى: المخالفات العقدية في القبور والأماكن؛ للتداوي من وباء كورونا . من المعتقدات الشركية والمخالفات العقدية التي حدثت مع حلول وباء كورونا: هو الاعتقاد أن زيارة قبور الأولياء والصالحين تمنع الإصابة بالوباء، وأن التمسح بالمراقد والمزارات سبب الشفاء من الأمراض والأوبئة، وأنها تدفع البلاء. فمع وباء كورونا بادر بعض المخالفين إلى اقحام هذا الوباء ضمن الإنشاد الديني عندهم، ففي محافظة سوهاج بمصر ارتجل أحدهم خلال تواجده بمولد الصحابي عمار بن ياسر ﵁، وكان من ضمن ما قاله عن فضل آل البيت: هم شفاء .. ، هم الأطباء من أي كورونا .. ، أتينا رحابك يا شيخ الرجال في ساحة جرجا شدينا الرحال. وختم برسالة إلى أتباعه ومريدية، فقال: يا مريد لا تخاف من أي كورونا (١). وفي العراق أصدر أحد مراجع الشيعة وهو قاسم الطائي فتوى دعا فيها إلى الاستمرار بزيارة الأماكن الدينية وإقامة صلوات الجماعة والجمعة، وفي رد على استفسار أرسل إليه من قبل أحد اتباعه بشأن غلق بعض المراقد؛ تحسبا من انتشار فايروس كورونا. فقال: إن الفيروس لا يصيب المؤمنين (٢). كما أبدى رجل الدين الشيعي علي الكوراني غضبه من إغلاق السلطات حرم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ من أجل تعقيمه كإجراء احترازي؛ للوقاية من فيروس كورونا. وجاء ذلك في تسجيل مصور له تداولته وسائل التواصل الاجتماعي، وقال الكوراني غاضباً: من الأمور التي لا ينقضي تعجبي منها أن حرم أمير المؤمنين ﵁ قد أغلقوا قسماً منه حتى يعقمونه من ميكروب كورونا، وأضاف: الذي مصاب بكورونا يأتي يتمسح بالحرم وسيطيب (٣).

стр. 21

التوجيه العقدي الصحيح لهذه النازلة كالآتي: أولاً: جاءت الآيات الدالة على تحريم دعاء الأموات أو الاستغاثة بهم عند قبورهم؛ لطلب الشفاعة، أو طلب الشفاء من المرض، أو لرفع البلاء، أو لغير ذلك من الحاجات، وقد نصت الآيات على تحريم هذا العمل؛ لأن هذه الأمور من العبادة، والعبادة كلها لله وحده، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٩] وقال : ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾ [غافر: ١٤] وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]، والآيات في هذا المعنى كثيرة. يقول الشيخ عبدالرحمن بن حسن ﵀: وفي هذا من الحجج والبراهين ما يبين بطلان ما يعتقده عباد القبور في الأولياء والصالحين. بل في الطواغيت من أنهم ينفعون من دعاهم، ويمنعون من لاذ بحماهم. فسبحان من حال بينهم وبين فهم الكتاب؛ وذلك عدله سبحانه، وهو الذي يحول بين المرء وقلبه، وبه الحول والقوة (١). ثانياً: أن الله حذر من صرف شيء من العبادة للمخلوقين؛ لأنهم لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، ولو كانوا يملكون شيئاً لأنفسهم لما ماتوا، وما مرضوا، فإذا كانوا لا يملكون ذلك لأنفسهم فكيف يملكونه لغيرهم!! ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤)﴾ [الأعراف: ١٩٤]، وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧)﴾ [الأعراف: ١٩٧]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾ [الإسراء: ٥٦]، وقال : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا

стр. 22

يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ [سبأ: ٢٢]، وقال سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣]. ثالثاً: أن النبي ﷺ حذر من اتخاذ القبور وسيلة للشرك وصرف العبادة لغير الله، فعن معاذ ﵁ قال: كنت ردف النبي ﷺ على حمار يقال له عُفير، فقال: «يا معاذ، هل تدري حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟»، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا (١)». وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت: «فلولا ذاك أبرز قبره؛ غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً (٢)». وعن عمر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تطروني (٣)، كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله، ورسوله (٤)». يقول ابن تيمية ﵀: فحرم ﷺ أن تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلوات فيها كما تقصد المساجد، وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده؛ لأن ذلك ذريعة، إلا أن

стр. 23

يقصدوا المسجد لأجل صاحب القبر ودعائه والدعاء به والدعاء عنده، فنهى رسول الله ﷺ عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى الشرك بالله (١). ويقول ابن عبدالهادي ﵀: فكل زيادة تتضمن فعل ما نهى عنه وترك ما أمر به كالتي تتضمن الجزع وقول الهجرة، وترك الصبر، أو تتضمن الشرك أو دعاء وترك إخلاص الدين لله فهي منهي عنها (٢). ويقول الشيخ ابن باز ﵀: لا يجوز للمسلم أن يتقرب إلى القبور وأصحاب القبور بالذبح أو النذر، نذر الذبائح أو نذر الصدقات، أو ما أشبه ذلك، أو يستغيث بأهل القبور، أو يسألهم قضاء الحاجة، أو شفاء المريض، أو النصر على الأعداء أو حصول الولد، أو ما أشبه ذلك كل هذا لا يجوز، كله من عبادة غير الله، والله سبحانه أنكر ذلك، وأمر عباده أن يعبدوه، قال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٩]، وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] (٣). رابعاً: أن هدي النبي ﷺ في زيارة القبور أكمل الهدي وأحسنه، ولم ينقل عنه ﷺ أن دعا صاحب القبر أو توسل به أو استعان به من دون الله في: كشف الضر، أو جلب النفع. يقول ابن القيم ﵀: كان ﷺ إذا زار قبور أصحابه يزورها للدعاء لهم، والترحم عليهم، والاستغفار لهم، وهذه هي الزيارة التي سنها لأمته، وشرعها لهم، وأمرهم أن يقولوا إذا زاروها: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية (٤)». وكان هديه ﷺ أن يقول ويفعل عند زيارتها، من جنس ما يقوله عند الصلاة على الميت، من الدعاء والترحم والاستغفار. فأبى المشركون إلا دعاء الميت والإشراك به، والإقسام على الله به، وسؤاله الحوائج، والاستعانة به، والتوجه إليه، بعكس هديه ﷺ فإنه هدي توحيد وإحسان

стр. 24

إلى الميت، وهدي هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم، وإلى الميت، وهم ثلاثة أقسام: إما أن يدعوا الميت، أو يدعوا به، أو عنده، ويرون الدعاء عنده أوجب وأولى من الدعاء في المساجد، ومن تأمل هدي رسول الله ﷺ وأصحابه، تبين له الفرق بين الأمرين (١).

стр. 25

النازلة الثانية: التلفظ بالأدعية والأذكار المخالفة؛ للتداوي من وباء كورونا . من النوازل العقدية التي حدثت مع حلول وباء كورونا هي: الأدعية والأذكار المبتدعة، التي يزعم فيها بعضهم أنها تمنع من الإصابة بالأوبئة، وزعم بعضهم أن المداومة عليها تكون سبباً في رفع البلاء، ومعيناً في الشفاء من الأمراض والأوبئة. ومن هذه الأدعية والأذكار: ما حدث في المغرب؛ حيث قام عدد من الشخصيات والنشطاء هناك بالخروج في مسيرات جابت شوارع عدد من المدن رافعة شعار «الله أكبر» و «لا إله إلا الله»، زاعمين أن تلك المسيرات يمكن أن تحمى الشعب المغربي من فيروس كورونا (١). وفي عمان عاصمة الأردن كانت هناك ابتهالات دينية وأدعية على مكبرات مساجد العاصمة؛ لرفع وباء كورونا، وقد بثت مساجد العاصمة الأردنية عمان الأدعية والابتهالات عقب صلاتي المغرب والعشاء، تضرعًا الى الله تعالى؛ لتجاوز وباء فيروس كورونا المُستجد (٢). وانتشرت كذلك دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي لإقامة صلاة جماعية بالعديد من دول العالم؛ لرفع بلاء كورونا المستجد، يشارك فيها المسلمين في كل أنحاء المعمورة للدعاء إلى الله؛ للتخلص من فيروس كورونا. والصلاة ستكون جماعية ركعتين في توقيت موحد على مستوى العالم، يُدعى فيها سبحانه بأن يرفع وباء كورونا عن الأرض ويتضرع له بأن يرحم العالم برحمته (٣). كما نشرت بعض المواقع الإلكترونية أدعية لليلة الإسراء والمعراج لرفع البلاء والوباء من فيروس كورونا، ومن هذه الأدعية: اللهم في تلك اللية المباركة من الإسراء والمعراج تنزل الشفاء على كل مريض يتألم ولم يجد الدواء، وأصرف عنا فيروس كورونا يا أكرم الأكرمين، يا الله يا لطيف بالعباد عجز الأطباء والعلماء عن وجد الدواء فأنت بيدك ملكوت السموات والأرض اشف مرضنا ومرضى المسلمين (٤).

стр. 26

ونشر بعض المواقع أدعية يزعم قائلوها بأنها محصنة من وباء كورونا، منها الدعاء التالي: اللهم سكن هيبة عظيمة قهرمان الجبروت باللطيفة النازلة الواردة من فيضان الملكوت؛ حتى نتشبث بأذيال لطفك وكرمك ونعتصم بك من إنزال قهرك يا ذا القوة الكاملة والقدرة الشاملة يا الله يا الله يا الله، عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك، اللهم إني أعوذ بك من الطعن والطاعون، والوباء والبلاء وسائر الأمراض والفجاءة، وسوء المنقلب في النفس والأهل والمال والولد (١).

стр. 27

التوجيه العقدي الصحيح لهذه النازلة كالآتي: أولاً: أن طريقة فعل هذه الأدعية والأذكار مبتدعة في الدين وليس لها دليل يثبتها أو يؤيدها، والله سبحانه بين أنه قد أكمل الدين وأتم النعمة على المؤمنين كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، أي: أكملت لكم أيها المؤمنون، فرائضي عليكم وحدودي، وأمري إياكم ونهيي، وحلالي وحرامي، وتنزيلي من ذلك ما أنزلت منه في كتابي، وتبياني ما بيَّنت لكم منه بوحيي على لسان رسولي، والأدلة التي نصبتُها لكم على جميع ما بكم الحاجة إليه من أمر دينكم، فأتممت لكم جميع ذلك، فلا زيادة فيه بعد هذا اليوم (١). وقد وردت أدلة دالة على وجوب الالتزام بالأذكار الواردة في الكتاب والسنة، كقوله سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُو فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، أي ادعوا الله بأسمائه التي سمى بها نفسه، أو سماه بها رسوله، ففيه دليل على أن أسماء الله تعالى توقيفية لا اصطلاحية، ومما يدل على صحة هذا القول ويؤكده: أنه يجوز أن يقال يا جواد، ولا يجوز أن يقال يا سخي، ويجوز أن يقال يا عالم، ولا يجوز أن يقال يا عاقل (٢). قال القاضي عياض ﵀: أذن الله في دعائه وعلم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلم النبي ﷺ الدعاء لأمته، واجتمعت فيه ثلاثة أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأمة، فلا ينبغي لأحد أن يعدل عن دعائه ﷺ ، وقد احتال الشيطان للناس من هذا المقام؛ فقيض لهم قوم سوء يخترعون لهم أدعية يشتغلون بها عن الاقتداء بالنبي ﷺ (٣). وقال القرطبي ﵀: فعلى الإنسان أن يستعمل ما في كتاب الله وصحيح السنة من الدعاء ويدع ما سواه، ولا يقول أختار كذا، فإن الله تعالى قد اختار لنبيه وأوليائه وعلمهم كيف يدعون (٤).

стр. 28

ويقول ابن تيمية ﵀: وليس لأحد أن يسن للناس نوعاً من الأذكار والأدعية غير المسنون، ويجعلها عبادة راتبة يواظب الناس عليها كما يواظبون على الصلوات الخمس؛ بل هذا ابتداع دين لم يأذن الله به؛ بخلاف ما يدعو به المرء أحياناً من غير أن يجعله للناس سنة فهذا إذا لم يعلم أنه يتضمن معنى محرما لم يجز الجزم بتحريمه؛ لكن قد يكون فيه ذلك والإنسان لا يشعر به، وهذا كما أن الإنسان عند الضرورة يدعو بأدعية تفتح عليه ذلك الوقت فهذا وأمثاله قريب، وأما اتخاذ ورد غير شرعي واستنان ذكر غير شرعي: فهذا مما ينهى عنه ومع هذا ففي الأدعية الشرعية والأذكار الشرعية غاية المطالب الصحيحة، ونهاية المقاصد العلية، ولا يعدل عنها إلى غيرها من الأذكار المحدثة المبتدعة إلا جاهل أو مفرط أو متعد (١). ... وقد سئل الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ عن بعض الأذكار والأدعية التي تقال في غير محلها فقال ﵀: هذه الأذكار وإن كانت في أصلها شرعية، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُو فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وقال ﷺ : «الدعاء مخ العبادة» (٢)، إلا أنها بتحديدها وكيفيتها أخرجت الذكر المشروع إلى غير مشروع، فارتفع اعتبار المشروع الأصلي، وصارت هذه الأذكار من أنواع البدع، وقد قال ﷺ : «كل بدعة ضلالة» (٣) فهي بدع إضافية (٤). ثانياً: أن الله قد أمر بطاعة النبي ﷺ وأن أي مخالفة لأمر النبي ﷺ هو مخالفة لأمر الله ومثل طريقة هذه الأدعية والأذكار هي من المبتدعات التي لم تنقل عن النبي ﷺ ، كما أنها تخالف سنة النبي ﷺ ، والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ

стр. 29

وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]، فطاعة الرسول في حياته: امتثال أمره، واجتناب نهيه، وبعد مماته: اتباع سنته (١). وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)﴾ [الأنفال: ٢٠]، أي: لا تخالفوا أمره، وأنتم تسمعون لقوله، وتزعمون أنكم منه (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله» (٣). ومعلوم أن نبينا ﷺ هو أفضل الأنبياء، وخاتمهم، وأكملهم بلاغًا، ونصحًا لعباد الله، فلو كانت الطريقة في فعل هذه الأدعية والأذكار من الدين لبيَّنه ﷺ لأمته، أو فعله في حياته، وقد حدث وباء في عهده ﷺ ولم ينقل عنه أو عن أصحابه فعل مثل هذه الطريقة في الأدعية، قال ﷺ : «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم» (٤). كما أن كثيراً من الأدعية السابقة خلاف السنة الواردة عن رسول الله ﷺ في تخير جوامع الدعاء، وكان يغلب على بعضها التكلف في السجع؛ مما قد يحمل الداعي إلى الإتيان بأدعية مخترعة. وقد كره السلف السجع في الدعاء ونهوا عنه، قال ابن عباس ﵄ لمولاه عكرمة ﵀: «انظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب» (٥). قال القرطبي ﵀: ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة فيتخير ألفاظاً مقفرة وكلمات مُسجَّعة قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها؛ فيجعلها شعاره ويترك ما

стр. 30

دعا به رسول الله ﷺ ، وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء (١). وقال ابن حجر ﵀: في الاعتداء في الدعاء يقع بزيادة الرفع فوق الحاجة، أو بطلب ما يستحيل حصوله شرعاً، أو بطلب معصية، أو يدعو بما لم يؤثر خصوصاً ما وردت كراهته كالسجع المتكلف وترك المأمور (٢). ثالثاً: أن الدعاء عبادة؛ ولذلك يجب أن يتأدب الداعي بأدب العبودية لله في دعائه، ومن الآداب: ألا تعبده بما لم يشرعه، وتثني عليه بما لم يثن به على نفسه ولا أذن فيه. فعن أبي نعامة، عن ابن لسعد، أنه قال: سمعني أبي، وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة، ونعيمها، وبهجتها، وكذا، وكذا، وأعوذ بك من النار، وسلاسلها، وأغلالها، وكذا، وكذا، فقال: يا بني، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء، فإياك أن تكون منهم، إنك إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها، وما فيها من الشر (٣)». قال ابن القيم ﵀: من الاعتداء أن تعبده بما لم يشرعه وتثني عليه بما لم يثن به على نفسه ولا أذن فيه؛ فإن هذا اعتداء في دعاء الثناء والعبادة، وهو نظير الاعتداء في دعاء المسألة والطلب (٤). رابعاً: من المخالفات البدعية في الدعاء: الدعاء الجماعي أو الصلاة الجماعية ثم الدعاء فيها بدعاء بصوتٍ واحد متفق عليه وبطريقة جماعية. وهذا دعاء بدعي لم يثبت أن فعله النبي ﷺ مع أصحابه، ولا أنه كان يذكر ربه ويردد خلفه أصحابه ﵃. قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: البدع التي أحدثت في مجال العبادات في هذا الزمان كثيرة؛ لأن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع شيء منها إلا بدليل. وما لم يدل عليه دليل فهو بدعة ... ، ثم ذكر بعض البدع. وقال: ومنها الذكر الجماعي بعد الصلاة؛ لأن

стр. 31

المشروع أن كل شخص يقول الذكر الوارد منفردا (١). وقال الشيخ بكر أبو زيد ﵀: الذكر الجماعي بصوت واحد سراً أو جهراً لترديد ذكر معين وارد أو غير وارد، سواء كان من الكل، أو يتلقونه من أحدهم، مع رفع الأيدي أو بلا رفع لها، كل هذا وصف يحتاج إلى أصل شرعي يدل عليه من الكتاب والسنة؛ لأنه داخل في عبادة، والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الإحداث والاختراع؛ ولهذا نظرنا في الأدلة في الكتاب والسنة: فلم نجد دليلاً يدل على هذه الهيئة المضافة، فتحقق أنه لا أصل له في الشرع المطهر، وما لا أصل له في الشرع فهو بدعة، إذاً فيكون الذكر، والدعاء الجماعي بدعة، يجب على كل مسلم مقتد برسول الله ﷺ تركها، والحذر منها، وأن يلتزم بالمشروع (٢).

стр. 32

النازلة الثالثة: التوسل بغير الله؛ لرفع بلاء وباء كورونا . من النوازل العقدية التي حدثت مع حلول وباء كورونا هي: التوسل بغير الله، ومن ذلك التوسل ببعض الأعمال البدعية مثل قراءة كتب الحديث النبوي، والتي يزعم بعضهم أن فعلها يكون لرفع وباء كورونا، وسبباً في الشفاء من الأمراض والأوبئة الأخرى. فقد قال أحد الأعضاء بدار الإفتاء المصرية عبر البث المباشر لدار الإفتاء على صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك: أن صحيح البخاري هو أصح كتاب بعد كتاب الله وهو علامة على الرواية المتقنة والتوثيق السليم. وذكر قول عبد الله بن أبي جمرة (١): ما قرأ هذا الكتاب في كرب إلا وفرجه الله، وما قرأ في مركب إلا ونجت من الغرق. وبين أن هذه مجرد تجارب ناجحة مرجعها أن صحيح البخاري به كثير من الأحاديث، ومع كل قراءة لحديث منها يرافقها الصلاة على النبي ﷺ وهي سبب في كل دفع كل بلاء ووباء ونصر. وأضاف أن العديد من الأئمة يعتقد ذلك منذ قديم الأزل كالإمام تقي الدين السبكي، وابن الحافظ، وزيد الدين العراقي، وأئمة المسلمين عبر القرون من غير نكير لهم؛ فكان لرواية الحديث عن رسول الله ﷺ فضل كبير عند عامة الناس وعلمائهم. وأشار إلى أن الإمام البخاري كان مستجاب الدعوة؛ فيحكي الحافظ ابن أبي علي الغساني أنه عندما أصاب سمرقند قحط شديد، ذهب الناس إلى ضريح الإمام البخاري وصلوا عنده صلاة استسقاء متضرعين إلى الله بالدعاء إلى أن نزل الماء منهمر لأيام طوال. وأفاد بأن صحيح البخاري مما يستحب الاستعانة به في دفع البلاء، إضافة إلى صلاة الحاجة، وغيرها من الأعمال الصالحة (٢). ونشر أحد الباحثين في أحد المواقع مقال بعنوان: إتحاف النبلاء بحكم قراءة كتب الحديث؛ لرفع البلاء، ومما جاء في مقاله:

стр. 33

كان من عمل العلماء فيما مضى، من أهل الحديث والنظر والتصوف أنهم يستجلبون البركات، ويستنزلون الرحمات، لدفع الكربات، وتفريج الشدائد والملمات، بقراءة كتب الحديث المباركات، فكانوا يجتمعون عند الشدائد للتبرك بقراءة كتب السنة المشرفة؛ بنية دفع الضر ورفع البلاء واستجلاب النصر (١).

стр. 34

التوجيه العقدي لهذه النازلة كالآتي: أولاً: أن الله أرشد عباده في ضروراتهم وحاجاتهم إلى إخلاص الدعاء له وحده سبحانه دون غيره، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢]. يقول ابن القيم ﵀: إن الرب سبحانه يحب من عبده أن يسأله ويرغب إليه؛ لأن وصول بره وإحسانه إليه موقوف على سؤاله. بل هو المتفضل به ابتداء بلا سبب من العبد، ولا توسط سؤاله وطلبه. بل قدر له ذلك الفضل بلا سبب من العبد، ثم أمره بسؤاله والطلب منه؛ إظهارا لمرتبة العبودية والفقر والحاجة، واعترافا بعز الربوبية وكمال غنى الرب، وتفرده بالفضل والإحسان، وأن العبد لا غنى له عن فضله طرفة عين، فيأتي بالطلب والسؤال إتيان من يعلم أنه لا يستحق بطلبه وسؤاله شيئاً؛ لكن ربه تعالى يحب أن يسأل، ويرغب إليه، ويطلب منه (١). ثانياً: أن النبي ﷺ لم يكن يأمر بتلاوة القرآن أو قراءة شيء من الحديث عند دفع الضر أو جلب النفع أو مقاومة العدو، وإنما كان يأمر بالدعاء، وكان يرشد إلى الدعاء بفعله وقوله، فقد قال ﷺ في الاستنصار: «اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم (٢)»، وقال ﷺ في الاستسقاء: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا (٣)». ثالثاً: أن ذلك لم يكن من هدي الصحابة وهم أشد الناس تعظيمًا لسنة النبي ﷺ ؛ فلم يكونوا يتعبدون بتلاوة الحديث إلا للحفظ والتبليغ، بل لم يكونوا يأمرون الناس بتلاوة القرآن إذا نزلت

стр. 35

بهم ضرورة أو خافوا عدوًا، وقد نزلت بهم شدائد مِن: قحط، ومرض، وطاعون، وغزو عدو، فلم يلجأوا إلا إلى الله في مثل هذه الأحوال، وكذلك السلف الصالح من القرون المفضلة لم يؤثر على أحد منهم التعبد بتلاوة الحديث أو غيره من الكتب. رابعاً: أن التوسل في أصله ينقسم إلى قسمين: التوسل المشروع: وهذا القسم يشمل أنواعاً منها: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، والتوسل إلى الله تعالى بذكر وعده جل وعلا، كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]، ومنه أن يقول الداعي: اللهم إنك وعدت من دعاك بالإجابة، فاستجب دعائي. وكذلك التوسل إلى الله تعالى بأفعاله جل وعلا، كأن يقول: اللهم يا من نصرت محمداً ﷺ يوم بدر انصرنا على القوم الكافرين، أو أن يتوسل العبد إلى الله تعالى بعباداته القلبية، أو الفعلية، أو القولية، أو غيرها، كما في قصة الثلاثة أصحاب الغار، فأحدهم توسل إلى الله تعالى ببره بوالديه، والثاني توسل إلى الله تعالى بإعطاء الأجير أجره كاملاً بعد تنميته له، والثالث توسل إلى الله تعالى بتركه الفاحشة، وقال كل واحد منهم في آخر دعائه: «اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه» (١)، أو أن يتوسل إلى الله تعالى بذكر حاله، وأنه محتاج إلى رحمة الله وعونه، كما في دعاء موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ [القصص: ٢٤]، أو التوسل بدعاء الصالحين رجاء أن يستجيب الله دعاءهم. وذلك بأن يطلب من مسلم حي حاضر أن يدعو له، كما طلب عمر ﵁ ومعه الصحابة ﵃ من العباس ﵁ أن «يستسقي لهم» (٢)، أي أن يدعو الله أن يغيثهم بنزول المطر. فهذه التوسلات كلها صحيحة؛ لأنه قد ثبت في النصوص ما يدل على مشروعيتها، وأجمع أهل العلم على ذلك. (٣)

стр. 36

أما التوسلات المحرمة فهي: أن يتوسل إلى الله تعالى بذات نبي أو عبد صالح، أو الكعبة، أو غيرها من الأشياء الفاضلة، أو أن يتوسل بحق نبي أو عبد صالح أو الكعبة أو غيرها، أو أن يتوسل بجاه نبي أو عبد صالح أو بركته أو حرمته أو بحق قبره ونحو ذلك. فلا يجوز للمسلم أن يدعو الله تعالى بشيء من هذه التوسلات؛ فلم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين وسلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء .. ، ولم يذكر أحد من العلماء أنه يشرع التوسل والاستسقاء بالنبي والصالح بعد موته ولا في مغيبه، ولا استحبوا ذلك في الاستسقاء ولا في الاستنصار ولا غير ذلك من الأدعية، والدعاء مخ العبادة. والعبادة مبناها على السنة والاتباع لا على الأهواء والابتداع، وإنما يعبد الله بما شرع لا يعبد بالأهواء والبدع (١).

стр. 37

النازلة الرابعة: التنزيل الخاطئ للأدلة الشرعية عند حلول وباء كورونا . من النوازل العقدية التي حدثت مع حلول وباء كورونا هو: التنزيل الخاطئ للأدلة الشرعية؛ ليُستدل بها على وقائع أو أحداث، دون الاستناد على دليل صحيح من الكتاب والسنة، بل قد تكون مخالفة لمفهوم ومنطوق أدلة الكتاب والسنة، ومثال ذلك: الاستدلال على أن فيروس كورونا هو جند من جنود الله. يقول أحد زعماء الأحزاب في المغرب: أن سبب انتشار فيروسات كورونا يعود إلى تخلي الإنسان عن وظيفته، فتغضب لله وتنتقم لله، فهي جند من جنود الله يسخرها الله ليؤدب بها الإنسان؛ ليرجع إلى مولاه (١). ويقول أحد أعضاء المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر: إن فيروس كورونا من جنود الله غير المرئية؛ لكسر غرور العالم. لافتًا إلى أن ما يحدث من انتشار المرض هو نوع من التحذير وليس الإفناء، ولا داعي للفزع (٢). وقال أحد الوعاظ في المغرب: إن الفيروس هو بلاء ورسالة من الله للعباد. مضيفاً: أن الله أراد بهذا المرض أن يذل الجبابرة والفراعنة بفيروس صغير، الذي يعتبر جنداً من جنود الله التي لا يعلمها إلا هو، وفق تعبيره (٣). وقال أحد الباحثين في أحد المواقع: هذه الفيروسات على اختلاف أنواعها -ومنها فيروس كورونا المستجد- معدودةٌ من جند الله تعالى وإن لم تكن كائنات حية؛ لأنها جميعا من مخلوقات الله تعالى، يسلطها على من شاء متى شاء كيفما شاء، ويرفعها أو يدفعها أو يمنعهما عمن شاء وفق حكمته البالغة وإرادته النافذة، وما من شيء يقع في الكون إلا بإذن الله ومشيئته (٤).

стр. 38

التوجيه العقدي الصحيح لهذه النازلة كالآتي: أولاً: لا يصح وصف وباء كرونا بأنه جند من جنود الله؛ لأن الآية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، جاءت في سياق وصف للملائكة بهذا الوصف، وليس هناك دليل أو مسوغ شرعي يدل على خلاف هذا الوصف، وهذا القول هو ما ذكره العلماء من أهل التفسير وغيرهم بأن الآية لا تأتي إلا في وصف الملائكة والاستدلال بهم. ومن الأدلة التي توضح هذا الأمر ما ورد في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ حدثهم ليلة أسري به قال: «تصعدت أنا وجبريل إلى السماء الدنيا، فإذا أنا بملك، يقال له: إسماعيل، وهو صاحب سماء الدنيا، وبين يديه سبعون ألف ملك، مع كل ملك جنده مائة ألف»، وتلا هذه الآية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] (١). قال عطاء ﵀: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ من الملائكة الذين خلقهم؛ لتعذيب أهل النار، ولا يعلم عدتهم إلا الله (٢). وقال القرطبي ﵀: وهم الملائكة، يقوون المؤمنين بما يلقون في قلوبهم من الخواطر والتثبيت، ويضعفون الكافرين بالتجبين لهم من حيث لا يرونهم ومن غير قتال (٣). وقال ابن عطيه ﵀: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾: إعلاماً بأن الأمر فوق ما يتوهم وأن الخبر إنما هو عن بعض القدرة لا عن كلها، والسماء كلها عامرة بأنواع من الملائكة كلهم في عبادة متصلة وخشوع دائم وطاعة لا فترة في شيء من ذلك ولا دقيقة واحدة (٤). وقال ابن تيمية ﵀ في تفسير الآية: الذي في الكتاب والسنة من ذكر الملائكة وكثرتهم أمر لا يحصر (٥).

стр. 39

وقال ﵀ أيضاً: هم الملائكة الذين هم عباد الرحمن الذين يدبر بهم أمر السماء والأرض، وأولئك لا يعلم عددهم إلا الله، ولا يعلم صفتهم غيره، ولا يعلم كيف يأمرهم يفعلون إلا هو، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (١). وقال ابن كثير ﵀: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾، أي: ما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو تعالى؛ لئلا يتوهم متوهم أنهم تسعة عشر فقط، كما قد قاله طائفة من أهل الضلالة والجهالة ومن الفلاسفة اليونانيين. ومن تابعهم من الملتين الذين سمعوا هذه الآية، فأرادوا تنزيلها على العقول العشرة والنفوس التسعة، التي اخترعوا دعواها وعجزوا عن إقامة الدلالة على مقتضاها، فأفهموا صدر هذه الآية وقد كفروا بآخرها (٢). ثانياً: أن نسبة الجند إلى الله هي نسبة من جنس الإضافة التشريفية، وقد اختص الله الملائكة بهذه الإضافة الشريفة في القرآن الكريم فكان لها مزية وشرف على غيرهم من الجنود، مع أنهم من خلق الله؛ ولكن لأن الله أضافهم إلى نفسه فقد شرفوا بهذه الإضافة. قال ابن القيم ﵀: فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه، ومصنوع إلى صانعه؛ لكنها تقتضي تخصيصاً أو تشريفاً يتميز به المضاف إليه عن غيره .. ، وهذه إضافة إلى إلهيته تقتضي محبته لها وتكريمه وتشريفه (٣). وقال ابن عثيمين ﵀: والمضاف إلى الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إما أن يكون أوصافاً؛ أو أعياناً؛ أو ما يتعلق بأعيان مخلوقة؛ فإذا كان المضاف إلى الله وصفاً فهو من صفاته غير مخلوق، مثل كلام الله، وعلم الله؛ وإذا كان المضاف إلى الله عيناً قائمة بنفسها فهو مخلوق وليس من صفاته، مثل مساجد الله، وناقة الله، وبيت الله؛ فهذه أعيان قائمة بنفسها إضافتها إلى الله من باب إضافة المخلوق لخالقه على وجه التشريف؛ ولا شيء من المخلوقات يضاف إلى الله إلا لسبب خاص به؛ ولولا هذا السبب ما خص بالإضافة؛ وإذا كان المضاف إلى الله ما يتعلق بأعيان مخلوقة فهو أيضاً مخلوق؛ وهذا مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾ [الحجر: ٢٩]؛ فإن الروح هنا مخلوقة؛ لأنها تتعلق بعين

стр. 40

مخلوقة (١). ثالثاً: جاءت النصوص الصحيحة من السنة التي تصف الأوبئة بالرجز ولم تصفها بجند الله، فقد ورد أن النبي ﷺ وصف الطاعون بأنه عذاب يبتلي الله به بعضاً من عباده، فعن أسامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن هذا الوجع أو السقم رجز (٢) عذب به بعض الأمم قبلكم، ثم بقي بعد بالأرض، فيذهب المرة ويأتي الأخرى، فمن سمع به بأرض، فلا يقدمن عليه، ومن وقع بأرض وهو بها فلا يخرجنه الفرار منه (٣)». ومع ذلك فالميت به المحتسب أجره كالشهيد كما في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: سألت النبي ﷺ عن الطاعون، فأخبرني «أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين، ليس من أحد يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابرا محتسبا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر شهيد» (٤). رابعاً: ورد وصف الملائكة بأنهم جند الله في عدة نصوص من الكتاب والسنة وبينت بأن مهمتهم هي: مساندة ومناصرة المؤمنين المتقين، والانتقام من الظالمين والمفسدين والمعاندين. ومن ذلك أمداد الله المؤمنين بالملائكة في معركة بدر كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩]، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٥].
следующие страницы →