مقدمة النّاشر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد فهذه رسالة "كلمة الإخلاص وتحقيق معناها"، للإمام الحافظ عبد الرحمن بن رجب الحنبلي نقدمها للناس في زمن هم أحوج ما يكونون فيه إلى إخلاص توحيدهم وعملهم الله وكلمة: لا إله إلا الله، هي الكلمة التي فطر الله عليها جميع مخلوقاته، وهي التوحيد الذي بعث الله به الرسل جميعًا، فكانت شعار الإسلام والفارق بين الكفر والإيمان؛ فشذ عن تحقيقها كثير من الناس، طغيانًا وكفرًا من بعضهم، وتقليدًا وجهلا من آخرين. وهؤلاء الجهلة المقلدون جعلوا بينهم وبين الحق سدًا لا يحاولون منه خلاصًا ولا لدعوة الحق نفوذا.
стр. 2
وهذه الرسالة فيها من الكلم الطيب ما جميع الكثير من معاني هذه الكلمة بأسلوب وعظيّ سهل، معين لمن أراد معرفة الحق والرجوع إليه؛ جعلنا الله من أهل: لا إله إلا الله، المؤمنين بها، الكافرين بما سواها، والعاملين بمقتضاها، إنه نعم المسؤول.
وقد سبق لهذه الرسالة أن طبعت في القاهرة سنة ١٩٥٠ م ووقع فيها أغلاط شقى نبه عليها بعضهم برسالة منفردة.
وأما نشرتنا هذه فقد اعتمدنا فيها على أصل خطي كتبه محمد بن عبد العزيز المطاوعة ﵀ سنة ١٢٧٨ هـ. وهي في ثلاثين صفحة قياس ٢٣ * ١٩ سم بخط واضح جميل.
وقد قام أستاذنا الجليل محدث الشام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني بتخريج أحاديثها - جزاه الله خيرًا -.
والله أسأل أن يرد المسلمين إلى دينهم، والعمل بكتاب ربهم، والكفر بكل معبود سواه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
بيروت ١ ذي القعدة ١٣٩٦ هـ.
زهير الشاويش
стр. 3
ترجمة المؤلّف
هو الإمام الجليل أبو الفرج زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب السّلامي البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي.
ولد في بغداد سنة ٧٣٦ هـ، وقيل: سنة ٧٠٦. والأول هو الأرجح. ونشأ في دمشق، وفيها تلقى العلم على أكابر علماء الملة، أمثال الامام شمس الدين بن القيم، وزين الدين العراقي.
وكان فقيهًا، محدثًا، واعظًا، مؤرخًا، يميل إلى العزلة والانفراد، كثير العبادة والتهجد. وكان بينه وبين حنابلة زمانه، جفوة، حتى أنه لم يترجم لكثيرين منهم في "ذيل الطبقات" ومنهم آل مفلح وفيهم العلامة إبراهيم بن محمد مؤلف المبدع في شرح المقنع وهو من اعظم كتب الحنابلة في الفقه.
كان ﵀ يفتي بمقالات شيخ الإسلام ابن تيمية، ويرجع إلى مؤلفاته. وفي مؤلفات ابن رجب نزعة صوفية عصمه الله من الانحدار في مزالقها بما آتاه الله من علم غزير ومنهج سلفي.
ومن مؤلفاته: "القواعد" و "الاستخراج لأحكام الخراج" و "شرح صحيح البخاريّ" ولم يكمله و "شرح الترمذيّ" و "التوحيد" و "وفضل علم السلف على الخلف" و "ذيل طبقات ابن أبي يعلى" وغير ذلك من الكتب المفيدة.
وكانت وفاته عليه ﵀ في دمشق سنة ٧٩٥ هـ ودفن في مقبرة الباب الصغير.
стр. 4
نموذج عنوان النسخة الخطية
نموذج آخر النسخة الخطية
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
خرج البخاريّ (١) ومسلم في "الصحيحين" عن أنس ﵁ قال: كان النبيّ ﷺ ومعاذ رديفه على الرحل، فقال: يا معاذ! قال: لبَّيك يا رسول الله وسعدَيك! قال: يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله وسعديك! قال: يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله وسعديك! سال: ما من عبدٍ يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبدُه ورسوله إلا حرَّمه الله على النار. قال: يا رسول الله، ألا أخبر بها الناسَ فيستبشروا؟ قال: إذًا
стр. 6
يتَّكلوا. فأخبرَ بها معاذ (١) عند موته تأثمًا (٢).
وفي "الصحيحين" عن عتبان بن مالك (٣) ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله حرّم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله (٤). وفي "صحيح مسلم"، عن أبي هريرة (٥)
стр. 7
- أو أبي سعيد بالشك (١) - أنهم كانوا مع النبيّ ﷺ في غزوة تبوك (٢) فأصابتهم مجاعة، فدعا النبيّ ﷺ بِنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكف ذُرةَ، ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، فدعا رسول الله ﷺ عليه بالبركة، ثم قال: "خُذوا في أوعيتكم"، فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملؤوه، فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول الله ﷺ :
أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاكّ فيها فيُحجبَ عن الجنة".
стр. 8
وفي "الصحيحين" عن أبي ذر (١) ﵁ عن النبيّ ﷺ قال:
"ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة". قلت: وإن زنى وإن سرق؟!. قال: "وإن زنى، وإن سرق". قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق ثلاثًا" (٢). ثم قال في الرابعة: "على رغم أنف أبي ذر"؛ قال: فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر.
стр. 9
وفي "صحيح مسلم"، عن عبادة بن الصامت (١) أنه قال عند موته: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول:
"من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، حرّمه الله على النار" (٢).
وفي "صحيح مسلم" عن عبادة بن الصامت أنه قال عند موته: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة، على ما كان من العمل".
стр. 10
وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة يطول ذكرها.
وأحاديث هذا الباب نوعان:
أحدهما: ما فيه أنَّ من أتى بالشهادتين دخل الجنة ولم يحجب عنها، وهذا ظاهر؛ فإن النار لا يخلّد فيها أحد من أهل التوحيد الخالص، وقد يدخل الجنة ولا يُحجَب عنها إذا طُهِّر من ذنوبه بالنار.
وحديث أبي ذر معناه: أن الزنى والسرقة لا يمنعان دخول الجنة مع التوحيد، وهذا حق لا مِرْية فيه، ليس فيه أنه لا يعذَّب عليها مع التوحيد.
وفي مسند البزار (١) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا:
"من قال: لا إله إلا الله نفعته يومًا من دهره يصيبه قبل ذلك ما أصابه".
الثانيّ: ما فيه أنه يحرم على النار، وهذا قد حمله بعضهم على الخلود فيها، أو على نار يخلّد فيها أهلهُا، وهي ما عدا
стр. 11
الدرك الأعلى فأما الدرك الأعلى يدخله خلق كثير من عصاة الموحدين، بذنوبهم، ثم يخرجون بشفاعة الشافعين، وبرحمة أرحم الراحمين.
وفي "الصحيحين":
"إن الله تعالى يقول: وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله".
وقالت طائفة من العلماء: المراد من هذه الأحاديث أن "لا إله إلا الله" سببٌ لدخول الجنة، والنجاة من النار، ومقتضٍ لذلك، ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو لوجود مانع؛ وهذا قول الحسن (١) ووهب بن منبه (٢) وهو الأظهر.
стр. 12
وقال الحسن للفرزدق (١) وهو يدفن امرأته: ما أعددت لهذا اليوم؟. قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة. قال الحسن: نِعْمَ العُدَّة. لكن لـ (لا إله إلا الله) شروطًا، فإياك وقذفَ المحصنة!.
وقيل للحسن: إن ناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة؟ فقال: من قال: لا إله إلا الله، فأدى حقها وفرضها دخل الجنة.
وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك.
وفي هذا الحديث: (إن مفتاح الجنة لا إله إلا الله) خرَّجه الإمام أحمد بإسناد منقطع.
وعن معاذ قال: قال لي رسول الله ﷺ : إذا سألك أهل
стр. 13
اليمن عن مِفتاح الجنة، فقل: شهادة أن لا إله إلا الله. ويدل على صحة هذا القول، أن النبيّ ﷺ رتّب دخول الجنة على الأعمال الصالحة في كثير من النصوص.
كما في "الصحيحين" عن أبي أيوب (١) أن رجلا قال: يا رسول الله! أخبرني بعمل يُدخلني الجنة. فقال:
"تعبدُ الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم".
وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله! دُلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال:
"تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان". فقال الرجل: والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا شيئًا، ولا أنقص منه.
стр. 14
فقال النبيّ ﷺ : "من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا".
وفي "المسند" عن بشير بن الخصاصية (١) قال: أتيت النبيّ ﷺ لأبايعه فاشترط عليَّ، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن أُقيم الصلاة، وأن أؤدّي الزكاة، وأن حج حجة الإسلام، وأن أصوم شهر رمضان، وأن أُجاهد في سبيل الله. فقلت: يا رسول الله، أما اثنتين فوالله لا أُطيقها: الجهاد والصدقة فإنهم زعموا أنه من ولَّى الدبر فقد باء بغضب من الله، فأخاف إن حضرت تلك جشمت نفسي وكرهت الموت والصدقة فوالله مالي إلا غنيمة وعشر ذود (٢) هن رسل أهلي
стр. 15
وحمولتهن، قال: فقبض رسول الله ﷺ يده ثم حرَّكها، ثم قال: "فلا جهاد ولا صدقة، فبم تدخل الجنة إذًا؟ ". قلت: يا رسول الله أُبايعك، فبايعته عليهن كلهن (١).
ففي هذا الحديث أن الجهاد والصدقة شرط في دخول الجنة مع حصول التوحيد والصلاة والصيام والحج.
ونظير هذا أن النبيّ ﷺ قال:
"أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ففهم عمر (٢) وجماعة من الصحابة أَن من أتى بالشهادتين امتنع من عقوبة الدنيا بمجرد ذلك، فتوقفوا في قتال مانع الزكاة، وفهم الصديق أنه لا يمتنع قتالُه إلا بأداء حقوقها، لقوله ﷺ :
стр. 16
"فإذا فعلوا ذلك منعوا مني دماءهم إلا بحقها وحسابهم على الله"، وقال: الزكاة حق المال.
وهذا الذي فهمه الصديق قد رواه عن النبيّ ﷺ صريحًا غيرُ واحد من الصحابة منهم ابن عمر (١) وأنس وغيرهما وأنه قال:
"أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة"، وقد دل على ذلك قولُه تعالى: "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلهم"، كما دل قوله تعالى: "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين، على أن الأخوة في الدين
стр. 17
لا تثبت إلا بأداء الفرائض مع التوحيد. فإن التوبة من الشرك لا تحصل إلا بالتوحيد.
فلما قرر أبو بكر هذا للصحابة رجعوا إلى قوله، ورأوه صوابًا.
فإذا عُلم أن عقوبة الدنيا لا ترفع عمن أدّى الشهادتين مطلقًا، بل يعاقب بإخلاله بحق من حقوق الإسلام، فكذلك عقوبة الآخرة.
وقد ذهب طائفة إلى أن هذه الأحاديث المذكورة أولًا وما في معناها، كانت قبل نزول الفرائض والحدود، منهم الزهريّ (١) والثوري (٢) وغيرهما، وهذا بعيد جدًّا، فإن كثيرًا منها كان
стр. 18
بالمدينة بعد نزول الفرائض والحدود، وفي بعضها أنه كان في غزوة تبوك، وهي في آخر حياة النبيّ ﷺ .
وهؤلاء منهم من يقول في هذه الأحاديث إنها منسوخة (١).
ومنهم من يقول: هي محكمة، ولكن ضم إليها شرائط ويلتفت هذا إلى أن الزيادة على النص: هل هي نسخ أم لا؟ والخلاف في ذلك بين الأصوليين مشهور، وقد صرَّح الثَّوري وغيره بأنها منسوخة، وأنه نسخها الفرائض والحدود، وقد يكون مرادهم بالنسخ البيان والإيضاح، فإن السلف كانوا يطلقون النسخ على مثل ذلك كثيرًا، ويكون مقصودهم، أن آيات الفرائض والحدود تبين بها توقف دخول الجنة والنجاة من النار على فعل الفرائض واجتناب المحارم، فصارت تلك النصوص منسوخة، أيّ: مبيَّنة مفسَّرة، ونصوص الحدود والفرائض ناسخة أيّ: مفسِّرة لمعنى تلك، موضحة لها.
стр. 19
وقالت طائفة: تلك النصوص المطلقة قد جاءت مقيَّدة في أحاديث أُخر، ففي بعضها:
"من قال: "لا إله إلا الله مخلصًا"، وفي بعضها: "مستيقنًا"، وفي بعضها: "يصدق لسانه". وفي بعضها: "يقولها حقًّا من قلبه"، وفي بعضها: "قد دل بها لسانه واطمأن بها قلبه".
وهذا كله إشارة إلى عمل القلب، وتحققه بمعنى الشهادتين، فتحقيقُهُ بقول: لا إله إلا الله أن لا يأله القلب غير الله حبًا ورجاءً، وخوفًا، وتوكلًا واستعانة، وخضوعًا وإنابة، وطلبًا. وتحقيقه بأن محمدًا رسول الله، ألا يعبد الله بغير ما شرعه الله على لسان محمد ﷺ (١)، وقد جاء هذا المعنى مرفوعًا إلى النبيّ ﷺ صريحًا أنه قال: "من قال: لا إله إلا الله مخلصًا دخل الجنة.
стр. 20
قيل: ما إخلاصها يا رسول الله؟ قال: أن تَحْجُزَكَ عما حرَّم
стр. 21
الله عليك. وهذا يُروى من حديث أنس بن مالك، وزيد (١) بن أرقم، ولكن إسنادهما لا يصح (٢). وجاء أيضًا من مراسيل الحسن بنحوه.
وتحقيق هذا المعنى وإيضاحه أن قول العبد: لا إله إلا الله يقتضي أن لا إله له غير الله، وإلآله هو الذي يطاع فلا يُعصى هيبة له وإجلالًا، ومحبة وخوفًا ورجاء، وتوكلًا عليه، وسؤالًا منه، ودعاءً له، ولا يصلح ذلك كله إلا الله ، فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الآلهية كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قول: لا إله إلا الله، ونقصًا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه
стр. 22
من ذلك، وهذا كله من فروع الشرك، ولهذا ورد إطلاق الكفر والشرك على كثير من المعاصي التي منشؤها من طاعة غير الله أو خوفه أو رجائه، أو التوكل عليه والعمل لأجله، كما ورد إطلاق الشرك على الرياء، وعلى الحلف بغير الله، وعلى التوكل على غير الله والاعتماد عليه، وعلى من سوَّى بين الله وبين المخلوق في المشيئة، مثل أن يقول: ما شاء الله وشاء فلان (١)، وكذا قوله: ما لي إلا الله وأنت؛ وكذلك ما يقدح في التوحيد وتفرد الله بالنفع والضر كالطيرة، والرقى المكروهة؛ وإتيان الكهانَ وتصديقهم بما يقولون، وكذلك اتّباع هوى النفس فيما نهى الله عنه، قادحٌ في تمام التوحيد وكماله، ولهذا أطلق الشرع على كثير من الذنوب التي منشؤها من هوى النفس أنها كفر وشرك؛ كقتال المسلم، ومن أتى حائضًا أو امرأة في
стр. 23
دبرها، ومن شرب الخمرة في المرة الرابعة (١)، وإن كان ذلك لا يخرجه عن الملّة بالكلية، ولهذا قال السلف: كُفر دون كفر، وشرك دون شرك.
وقد ورد إطلاق الآله على الهوى المتَّبَع، قال الله تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهَهُ هواه) (٢)؟. قال: هو الذي لا يهوى شيئًا إلا ركبه. وقال قتادة (٣): هو الذي كلما هَوِيَ شيئًا ركبه،
стр. 24
وكلما اشتهى شيئًا أتاهُ، لا يحجزُه عن ذلك ورعٌ ولا تقوى.
ورُوِي من حديث أبي أمامة (١) بإسناد ضعيف: "ما تحت ظل سماء إله يعبد أعظم عند الله من هوىَ متَّبع".
وفي حديث آخر: "لا تزال لا إله إلا الله تدْفَع عن أصحابها حتى يؤثروا دنياهم على دينهم، فإذا فعلوا ذلك ردَّت عليهم، ويقال لهم: كذبتم" (٢).
ويشهد لذلك الحديثُ الصحيح عن النبيّ ﷺ : "تَعِسَ عبدُ الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخَميصة، تعس وانتكس، وإذا شيِك فلا انتقش". فدل
стр. 25
هذا على أن كل من أحب شيئًا وأطاعه، وكان غاية قصده ومطلوبه، ووالى لأجله، وعادى لأجله، فهو عبده، وكان ذلك الشيء معبوده وإلهه.
ويدل عليه أيضًا أن الله تعالى سمَّى طاعة الشيطان في معصيته عبادةً للشيطان، كما قال تعالى: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان) (١). وقال تعالى حاكيًا عن خليله إبراهيم ﵇ لأبيه: (يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عِصيًّا) (٢)، فمن لم يتحقق بعبودية الرحمن وطاعته فإنه يعبد الشيطان بطاعته له، ولم يخلُص من عبادة الشيطان إلا من أخلص عبودية الرحمن، وهم الذين قال فيهم: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) (٣). فهم الذين حققوا قولَ: لا إله إلا الله"، وأخلصوا في قولها، وصدقوا قولهم بفعلهم، فلم يلتفتوا إلى غير الله محبةً ورجاءً وخشية وطاعة وتوكلًا، وهم الذين صدقوا في قول: "لا إله إلا الله"، وهم عباد الله حقًّا؛ فأما من
стр. 26
قال: "لا إله إلا الله"، بلسانه، ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته فقد كذّب فعله قوله، ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى، (ومن أضل ممن اتّبع هواه بغير هدى من الله؟) (١) (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) (٢).
فيا هذا كن عبد الله لا عبد الهوى، فإن الهوى يهوي بصاحبه في النار: (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟) (٣)!
تعسَ عبد الدرهم! تعس عبد الدينار! والله لا ينجو غدًا من عذاب الله إلا من حقق عبودية الله وحده، ولم يلتفت إلى شيء من الأغيار، من علم أن معبودَه الله فرد، فليُفْرده بالعبودية، (ولا يُشرك بعبادة ربه أحدًا) (٤).
كان بعض العارفين يتكلم على أصحابه، على رأس جبل، فقال في كلامه: لا ينال أحد مراده حتى ينفرد فردًا بفرد؛
стр. 27
فانزعج واضطرب، حتى رأى أصحابُه أن الصخور قد تدكدكت، وبقي على ذلك ساعة، فلما أفاق فكأنه نُشر من قبره.
قول: "لا إله إلا الله" تقتضي أن لا يُحب سواه، فإن الآله هو الذي يطاع، فلا يعصى محبة وخوفًا ورجاءً، ومن تمام محبته محبةُ ما يحبه وكراهة ما يكرهه، فمن أحب شيئًا مما يكرهه الله، أو كره شيئًا مما يحبه الله لم يكمل توحيده وصدقه في قول: لا إله إلا الله، وكان فيه من الشرك الخفي بحسب ما كرهه مما يحبه الله، وما أحبه مما يكرهه الله قال الله تعالى: (ذلك بأنهما اتَّبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم) (١).
قال الليث (٢) عن مجاهد (٣) في قوله: (لا يشركون بي
стр. 28
شيئًا) (١) قال: لا يحبون غيري.
وفي صحيح الحاكم (٢) عن عائشة (٣) ﵂ عن النبيّ ﷺ قال: الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على شيء من الجور، أو تبغض على شيء من العدل، وهل الدين إلا الحب والبغض؟.
стр. 29
قال الله : (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يُحببكم الله) (١).
وهذا نص في أن محبة ما يكرهه الله وبغض ما يحبه متابعة للهوى، والموالاةُ على ذلك والمعاداة فيه من الشرك الخفي.
وقال الحسن: اعلمْ أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته!.
وسئل ذو النون (٢): متى أُحبُ ربي؟. قال: إذا كان ما يبغضه عندك أمرَّ من الصبر!.
وقال بشر بن السري (٣): ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغض حبيبُك!.
стр. 30
وقال أبو يعقوب النَّهْرجوْرِي (١): كل من ادعى محبة الله ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطلة.
وقال يحيى بن معاذ (٢): ليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده.
وقال رويم (٣) المحبة الموافقة في جميع الأحوال، وأنشد:
ولو قلتَ لي: مت، قلت: سمعًا وطاعة … وقلت لداعي الموت: أهلًا ومرحبا
ويشهد لهذا المعنى أيضًا قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون
стр. 31
الله فاتبعوني يحببكم الله) (١).
قال الحسن: قال أصحاب رسول الله ﷺ : إنا نحب ربنا حبًا شديدًا؛ فأحب الله أن يجعل لحبه علمًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ومن هاهنا يُعلم أنه لا تتم شهادة أن لا إله إلا الله إلا بشهادة أن محمدًا رسول الله، فإنه إذا علم أنه لا تتم محبة الله إلا بمحبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه، فلا طريق إلى معرفة ما يحبه وما يكرهه إلا من جهة محمد المبلّغ عن الله ما يحبه وما يكرهه باتّباع ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، فصارت محبة الله مستلزمة لمحبة رسوله ﷺ وتصديقه ومتابعته، ولهذا قَرَنَ الله بين محبته ومحبة رسوله في قوله تعالى: (قُل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم) إلى قوله: (أحبَّ اليكم من الله ورسوله) (٢).
стр. 32
كما قرن طاعته وطاعة رسوله ﷺ في مواضع كثيرة.
وقال ﷺ : "ثلاث من كنَّ فيه وجد بهن حلاوة الايمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب الرجل لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار" (١).
هذه حال السحرة لما سكنت المحبة قلوبهم سمحوا ببذل النفوس وقالوا لفرعون: اقض ما أنت قاضِ!. ومتى تمكنت المحبة في القلب لم تنبعث الجوارح إلا إلى طاعة الرب، وهذا هو معنى الحديث الآلهي الذي خرَّجه البخاريّ في "صحيحه" وفيه: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها" (٢). وقد قيل: إن في بعض الروايات: فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش
стр. 33
وبي يمشي. والمعنى أن محبة الله إذا استغرق بها القلب واستولت عليه لم تنبعث الجوارح إلا إلى مراضي الرب، وصارت النفس حينئذ مطمئنة بارادة مولاها عن مرادها وهواها.
يا هذا! اعبد الله لمراده منك لا لمرادك منه، فمن عبده لمراده منه فهو ممن يعبد الله على حرف، إن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، ومتى قويت المعرفة والمحبة لم يُردْ صاحبُها إلا ما يريد مولاه.
وفي بعض الكتب السالفة: من أحبَّ الله لم يكن شيءٌ عنده آثر من رضاه، ومن أحبَّ الدنيا لم يكن شيء عنده آثر من هوى نفسه.
وروى ابن أبي الدنيا (١) بإسناده عن الحسن قال: ما نظرت بصري ولا نطقت بلسانيّ، ولا نطشت بيديّ، ولا نهضت على
стр. 34
قدميّ، حتى أنظر على طاعة الله أو على معصيته، فإن كانت طاعة تقدمتُ، وإن كانت معصية تأخرت.
هذا حال خَوَاصِّ المحبين الصادقين، فافهموا رَحمكم الله هذا، فإنه: من دقائق أسرار التوحيد الغامضة. والى هذا المقام أشار النبيّ ﷺ في خطبته لما قدم المدينة حيث قال: "أحبُوا من كل قلوبكم" (١). وقد ذكرها ابن إسحاق (٢) وغيره. فإن من امتلأ قلبه من محبة الله لم يكن فيه شيء أفرغ من إرادات النفس والهوى، وإلى ذلك أشار القائل (٣) بقوله:
стр. 35
أروح وقد ختمْتَ على فؤادي … بحبك أن يحل به سواكا
فلو أني استطعت غضضت طرفي … فلم أنظرْ به حتى أراكا!
أحبك لا ببعضي بل بكلي … وإن لم يُبق حبُك لي حراكا
وفي الأحباب مخصوص بوجد … وآخر يدَّعي معه اشتراكا
إذا اشتبكت دموع في خدود … تبين من بكا ممن تباكى!
فأما من بكى فيذوب وجدًا … وينطق بالهوى من قد تشاكا
متى بقي للمحب حظ من نفسه فما بيده من المحبة إلا الدعوى، إنما المحب من يفنى عن كله، ويبقى بحبيبه، في يسمع وبي يبصر.
القلب بيت الرب:
وفي الإسرائيليات يقول الله: "ما وسعني سماني ولا أرضيّ، ووسعني قلب عبدي المؤمن" (١). فمتى كان القلب
стр. 36
فيه غير الله فالله أغنى الأغنياء عن الشرك، وهو لا يرضى بمزاحمة أصنام الهوى … الحق غيور يغار على عبده المؤمن أن يسكن في قلبه سواه، أو يكنَّ فيه شيء ما يرضاه.
أردناكُمُ صرْفًا فلما مزجتم … بعدتم بمقدار التفاتِكُم عنّا
وقلنا لكم: لا تُسكنِوا القلبَ غيرَنا … فأسكنتم الاغيار، ما أنتم منا!
لا ينجو غدًا إلا من لقي الله بقلب سليم ليس فيه سواه، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم﴾ (١). القلب السليم: هو الطاهر من أدناس المخالفات، فأما المتلطخ بشيء من المكروهات فلا يصلح لمجاورة حضرة القدوس إلا بعد أن يطهر في كير العذاب، فإذا زال عنه الخبث صلح حينئذ للمجاورة.
"إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا (٢). فأما القلوب الطيبة فتصلح
стр. 37
للمجاورة من أول الأمر: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (١). ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (٢). ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ (٣).
من لمُ يحْرِقْ اليوم قلبّه بنار الأسف على ما سلف، أو بنار الشوق إلى لقاء الحبيب، فنار جهنم له أشد حرًّا.
ما يحتاج إلى التطهر بنار جهنم إلا من لم يُكْمل تحقيق التوحيد والقيام بحقوقه.
أول من تُسْعَر به النار من الموحدين العباد المراؤون بأعمالهم، وأولهم العالم والمجاهد والمتصدق للرياء، لأن يسير الرياء شرك (٤).
ما نظر المرائي إلى الخلق بعمله إلا لجهله بعظمة الخالق.
المرائي يزوّر التوقيع على اسم الملك ليأخذ البراطيل (٥)
стр. 38
لنفسه، ويوهم أنه من خاصة الملك وهو ما يعرف الملك بالكلية.
نَقَش المرائي على الدرهم الزائف اسم الملك ليروج، والبهرج (١) لا يجوز إلا على غير الناقد.
وبعد أهل الرياء يدخل النار أصحاب الشهوة، وعبيد الهوى الذين أطاعوا هواهم، وعصوا مولاهم؛ فأما عبيد الله حقًّا فيقال لهم: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٢).
جهنم تنطفئ بنور إيمان الموحدين.
وفي الحديث: "تقول النار للمؤمن: جُزْ يا مؤمن فقد
стр. 39
أطفأ نورك لهبي" (١).
وفي "المسند" (٢) عن جابر (٣) عن النبي ﷺ : "لا يبقى بَرٌ ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم" (٤). حتى إن للنار ضجيجًا من بردهم.
هذا ميراث ورَثِه المحبون من حال الخليل ﵇.
نار المحبة في قلوب المحبين تخاف منها نار جهنم.
стр. 40
قال الجنيد (١): قالت النار: يا رب لو لم أطعك هل كنت تعذبني بشيء أشد مني؟. قال: أسلط عليك ناري الكبرى.
قالت: وهل نار أعظم مني وأشد؟ قال: نعم، نار محبتي أسكنتها قلوب أوليائي المؤمنين.
قفا قليلًا بها عليَّ، فلا … أقل من نظرة أزودها
ففي فؤاد المحب نار جوى … أحرّ نار الجحيم أبردها
فلولا دموع المحبين تطفئ بعض حرارة الوجد لاحترقوا كمدًا.
دعوه يطفي بالدموع حرارة … على كبدٍ حَرَّى، دَعُوه، دعوه