Полный текст (97 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وصل اللَّهُمَّ على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه وَسلم
الْحَمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافىء مزيده وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد ذُو المناقب الحميدة وعَلى آله وَأَصْحَابه مَا دَار الزَّمَان بسيطة ومديده
وَبعد فَهَذِهِ فَوَائِد جمة وفرائد يعْنى بهَا ذُو الهمة غالبها أبكار أبكار عزيزة الْوُجُود رخيصة الأسعار تتَعَلَّق بِكَلِمَة لَا إِلَه إِلَّا الله علقتها فِي لَيْلَة أقلقني فِيهَا رائد الْفِكر وتشعبات النّظر لَيْسَ لي فِيهَا سمير غير المحبرة والسراج وَلَا أنيس غير الْفِكر الْوَهَّاج هَذَا وبحره شَدِيد
стр. 2
الأمواج سريع الْأزْوَاج إِلَى أَن أَسْفر الصُّبْح فأعلن بالابتهاج وأنتجت مقدماته أشرف الإنتاج فسرت من عَالم الأفكار إِلَى عَالم الاستبصار واستغفرت الْعَزِيز الْغفار
ورتبته على فُصُول الأول لَا نَافِيَة للْجِنْس مَحْمُولَة فِي الْعَمَل على نقيضها إِن
стр. 3
وَاسْمهَا مُعرب ومبني فيبنى إِذا كَانَ مُفردا نكرَة على مَا كَانَ ينصب بِهِ
стр. 4
وَسبب بنائِهِ تضمنه معنى الْحَرْف وَهُوَ من الاستغراقية
يدل على ذَلِك ظُهُورهَا فِي قَول الشَّاعِر
(فَقَامَ يذود النَّاس عَنْهَا بِسَيْفِهِ ... وَقَالَ أَلا لَا من سَبِيل إِلَى هِنْد)
وَقيل بني لتركبه مَعهَا تركيب خَمْسَة عشر
стр. 5
وَعَن السيرافي والزجاج أَن حَرَكَة لَا رجل وَنَحْوه حَرَكَة إِعْرَاب وَإِنَّمَا حذف التَّنْوِين تَخْفِيفًا وَيدل على ذَلِك الرُّجُوع إِلَى
стр. 6
هَذَا الأَصْل فِي الضَّرُورَة كَقَوْلِه
(أَلا رجلا جزاه الله خيرا ... يدل على محصلة تبيت)
стр. 7
وَلَا حجَّة فِيهِ لِأَن التَّقْدِير أَلا تروني رجلا وَإِن لم يكن مُفردا وأعني بِهِ الْمُضَاف والمشبه بِهِ أعرب نصبا نَحْو لَا خيرا من زيد
الثَّانِي لَا هَذِه تخَالف إِن من أوجه أَحدهَا أَنَّهَا لَا تعْمل إِلَّا فِي النكرات بِخِلَاف إِن
الثَّانِي أَن اسْمهَا إِذا لم يكن عَاملا كَمَا فِي لَا إِلَه إِلَّا الله فَإِنَّهُ يبْنى وَقد تقدم السَّبَب فِي عِلّة بنائِهِ
стр. 8
الثَّالِث أَن ارْتِفَاع خَبَرهَا عِنْد إِفْرَاد اسْمهَا نَحْو لَا رجل قَائِم بِمَا كَانَ مَرْفُوعا بِهِ قبل دُخُولهَا لَا بهَا وَهُوَ قَول سِيبَوَيْهٍ وَخَالفهُ الْأَكْثَرُونَ وَلَا خلاف بَين الْبَصرِيين أَن ارتفاعه بهَا إِذا كَانَ عَاملا
стр. 9
الرَّابِع أَن خَبَرهَا لَا يتَقَدَّم على اسْمهَا وَلَو كَانَ ظرفا أَو مجرورا
الْخَامِس أَنه يجوز إلغاؤها إِذا تَكَرَّرت نَحْو لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَلَك فتح الاسمين ورفعهما والمغايرة بَينهمَا
السَّادِس أَنه يكثر حذف خَبَرهَا إِذا علم نَحْو ﴿قَالُوا لَا ضير﴾
стр. 10
وَتَمِيم لَا تذكره حِينَئِذٍ
الثَّالِث اعْلَم أَن لَا لفظ مُشْتَرك بَين النَّفْي وَهِي فِيهِ على قسمَيْنِ قسم تَنْفِي مَعَه الْجِنْس فتعمل عمل إِن كَمَا تقدم
стр. 11
وَقسم تَنْفِي فِيهِ الْوحدَة وتعمل حِينَئِذٍ عمل لَيْسَ وَبَين النَّهْي وَالدُّعَاء فتجزم فعلا وَاحِدًا
قلت هَكَذَا ادّعى جمَاعَة من النَّحْوِيين أَن لَا العاملة عمل لَيْسَ لَا تكون إِلَّا نَافِيَة للوحدة لَا غير
ورد عَلَيْهِم بِنَحْوِ قَوْله
(تعز فَلَا شَيْء على الأَرْض بَاقِيا ... )
стр. 12
وَلَا هَذِه العاملة عمل لَيْسَ تخَالف لَيْسَ من وُجُوه أَحدهَا أَن عَملهَا قَلِيل
الثَّانِي أَن ذكر خَبَرهَا قَلِيل
стр. 13
الثَّالِث أَنَّهَا لَا تعْمل إِلَّا فِي النكرات خلافًا لِابْنِ جني وَعَلِيهِ قَول النَّابِغَة
(وحلت سَواد الْقلب لَا أَنا بَاغِيا ... سواهَا وَلَا عَن حبها متراخيا)
стр. 14
وَعَلِيهِ بنى المتنبي قَوْله
(إِذا الْجُود لم يرْزق خلاصا من الْأَذَى ... فَلَا الْحَمد مكسوبا وَلَا المَال بَاقِيا)
وَقد ترد لَا زَائِدَة تَقْوِيَة للْكَلَام نَحْو ﴿مَا مَنعك إِذْ رَأَيْتهمْ ضلوا أَلا تتبعن﴾ ﴿مَا مَنعك أَلا تسْجد﴾ وتوضحه الْآيَة
стр. 15
الْأُخْرَى ﴿مَا مَنعك أَن تسْجد﴾
الرَّابِع إِذا عرف أَن لَا فِي كلمة الْإِخْلَاص نَافِيَة للْجِنْس فإله اسْمهَا وَمذهب سِيبَوَيْهٍ أَنَّهَا وَاسْمهَا فِي مَحل رفع بِالِابْتِدَاءِ وَلَا عمل لَهَا فِي الْخَبَر وَمذهب الْأَخْفَش أَن اسْمهَا فِي مَحل رفع وَهِي عاملة فِي الْخَبَر
стр. 16
الْخَامِس قَول لَا إِلَه إِلَّا الله قدر فِيهِ الْأَكْثَرُونَ خبر لَا محذوفا فَقدر بَعضهم الْوُجُود وَبَعْضهمْ لنا وَبَعْضهمْ بِحَق قَالَ لِأَن آلِهَة الْبَاطِل مَوْجُودَة فِي الْوُجُود كالوثن وَالْمَقْصُود نفي مَا عدا إِلَه الْحق وَنَازع فِيهِ بَعضهم وَنفى الْحَاجة إِلَى قيد مُقَدّر محتجا بِأَن نفي الْمَاهِيّة من غير قيد أَعم من نَفيهَا بِقَيْد
стр. 17
وَالتَّقْدِير أولى جَريا على الْقَاعِدَة الْعَرَبيَّة فِي تَقْدِير الْخَبَر وعَلى هَذَا فَالْأَحْسَن تَقْدِير الْأَخير لما ذكر ولتكون الْكَلِمَة جَامِعَة لثُبُوت مَا يَسْتَحِيل نَفْيه وَنفي مَا يَسْتَحِيل ثُبُوته
стр. 18
السَّادِس ذكر بَعضهم أَن إِلَّا فِي كلمة الشَّهَادَة بِمَعْنى غير وَاسْتدلَّ بقوله تَعَالَى ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ ثمَّ بقول الشَّاعِر
стр. 19
(وكل أَخ مفارقه أَخُوهُ ... لعمر أَبِيك إِلَّا الفرقدان)
فَإِنَّهُ لَو حمل إِلَّا على الِاسْتِثْنَاء الصَّرِيح لم يكن اللَّفْظ بِالْكَلِمَةِ الشَّرِيفَة توحيدا مَحْضا فَإِن تَقْدِير الْكَلَام لَا إِلَه مُسْتَثْنى عَنهُ الله فَلَا يكون نفيا لآلهة لَا يسْتَثْنى عَنْهَا الله وَهَذَا لَيْسَ بتوحيد
وَهَذَا الْقَائِل مُنَازع فِي هَذَا الْفَهم وَإِجْمَاع الْعلمَاء على أَنه
стр. 20
يُفِيد التَّوْحِيد الْمَحْض وَإِطْلَاق الشَّارِع لَهَا غير مُقَيّدَة بِقَيْد لَا سِيمَا فِي مَوضِع الْبَيَان وَالتَّفْسِير دَلِيل قَطْعِيّ على أَنه صَرِيح فِيهِ
وَأما حمل الْآيَة على معنى غير فَظَاهر لِأَنَّهَا مَرْفُوعَة نعتا لآلهة لَا أَن المُرَاد بهَا الِاسْتِثْنَاء إِذْ المُرَاد نفي الْمَعِيَّة لانْتِفَاء التمانع الْمَنْفِيّ لانْتِفَاء غير الله تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي أوردهُ المتكلمون فِي صُورَة التَّقْسِيم الْمُسَمّى عِنْدهم برهَان الْخلف
стр. 21
وَأما مَجِيء كلمة التَّوْحِيد بإلا فلأدائها معنى الْوحدَة وَتَقْدِير
стр. 22
لَفْظَة غير فِي الْآيَة لوُجُوب نفي مُدبر لَهما إِلَّا وَاحِد وَوُجُوب أَن لَا يكون ذَلِك الْوَاحِد إِلَّا الله تَعَالَى وَحده
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فَإِن قلت لم وَجب الْأَمْرَانِ قلت لعلمنا أَن الرّعية لتفسد بتدبير الْملكَيْنِ لما يحدث بَينهمَا من التغالب
стр. 23
وَالِاخْتِلَاف وَهُوَ معنى مَا أردنَا بِانْتِفَاء التمانع
السَّابِع قَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين تصور الْإِثْبَات مُتَقَدم على تصور النَّفْي بِدَلِيل إِمْكَان تصور الْإِثْبَات مُجَردا عَن تصور الْعَدَم دون الْعَكْس فَمَا مُوجب مُخَالفَته فِي كلمة الشَّهَادَة وَأجَاب بِأَن نفي الوجوبية عَن الْغَيْر ثمَّ إِثْبَاتهَا لله تَعَالَى آكِد من الْإِثْبَات
стр. 24
وَأهل الْمعَانِي يَقُولُونَ إِنَّمَا بدا بِالنَّفْيِ لِأَن النَّفْي تَفْرِيغ الْقلب فَإِذا كَانَ خَالِيا كَانَ أقرب إِلَى ارتسام التَّوْحِيد فِيهِ وإشراق نور الله تَعَالَى عَلَيْهِ
وَفِي كَلَام بَعضهم أَنه إِنَّمَا بَدَأَ بِالنَّفْيِ لتطهير الْقلب من الأغيار وصقل جوهره لاستجلاء الْأَنْوَار وَحُصُول الْأَسْرَار وَقُوَّة الْأَبْصَار وَهَذَا أشبه بمعارف الصُّوفِيَّة وأليق بمعاني الْأَسْرَار الربانية
الثَّامِن قَول لَا إِلَه إِلَّا الله فِيهِ خاصيتان إِحْدَاهمَا أَن جَمِيع حروفها جوفية لَيْسَ فِيهَا من الْحُرُوف الشفهية للْإِشَارَة إِلَى الْإِتْيَان بهَا من خَالص جَوْفه وَهُوَ
стр. 25
الْقلب لَا من الشفتين
الثَّانِيَة انه لَيْسَ فِيهَا حرف مُعْجم بل جَمِيعهَا متجردة عَن النقط إِشَارَة إِلَى التجرد عَن كل معبود سوى الله تَعَالَى
التَّاسِع قَول لَا إِلَه إِلَّا الله أَي على هَذِه الصِّيغَة الْخَاصَّة الجامعة بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات ليدل على حصر الإلهية لله تَعَالَى فَإِن الْجمع بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات أبلغ صِيغ الْحصْر وَقد ثَبت الْعلم الضَّرُورِيّ بالاكتفاء بِهَذِهِ الْكَلِمَة الشَّرِيفَة فِي إِثْبَات التَّوْحِيد لله تَعَالَى من غير نظر إِلَى وَاسِطَة بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات وَلَا انضمام لفظ آخر إِلَيْهِ
стр. 26
لَكِن هَل إفادتها لهَذَا الْإِثْبَات بِوَضْع لغَوِيّ أَو شَرْعِي أَو أَنَّهَا إِنَّمَا تفِيد نفي شركَة إِلَه آخر
فَأَما إِثْبَات الإلهية لله تَعَالَى فَإِنَّهُ مَعْلُوم بِالْعلمِ الضَّرُورِيّ
стр. 27
الْحَاصِل فِي الطباع لكل عَاقل وَعند هَذَا الْقَائِل الْمَقْصُود بالإثبات ثُبُوت صفة مدح لله تَعَالَى وَادّعى بَعضهم أَن هَذَا الْإِثْبَات حصل بِالْقَرِينَةِ مَعَ اللَّفْظ والقرينة حُصُول الْعلم بِأَن الْمَطْلُوب من الْخلق على أَلْسِنَة الرُّسُل إِثْبَات التَّوْحِيد فَدلَّ بِالْقَرِينَةِ على أَن النَّاطِق بِالشَّهَادَةِ إِنَّمَا يُرِيد هَذَا الْمَعْنى وَهَذَا يقرب من القَوْل بِأَن الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي لَيْسَ إِثْبَاتًا متمسكا بِأَن الْأَلْفَاظ مَوْضُوعَة للدلالة على الْأَحْكَام الذهنية لَا على الْأُمُور الخارجية وَالْحق أَن خطاب الْمُكَلّفين بِهَذِهِ الْكَلِمَة
стр. 28
الشَّرِيفَة وتكليفهم إِيَّاهَا لَيْسَ إِلَّا لإِثْبَات إلهية الله تَعَالَى وَحده لاكتفاء الشَّارِع ﷺ بهَا من غير اعْتِبَار لفظ زَائِد عَلَيْهَا
стр. 29
وَلَوْلَا إفادتها التَّوْحِيد لوَجَبَ بَيَان الْوَاجِب الزَّائِد عَلَيْهَا فَإِن التَّوْحِيد هُوَ الْمَقْصُود الْأَصْلِيّ من بعثة الرُّسُل واتفاق الْخَاصَّة والعامة سلفا وخلفا أَن مدلولها إِثْبَات التَّوْحِيد وإطلاقهم عَلَيْهَا كلمة التَّوْحِيد إِجْمَاع مِنْهُم فدعوى زَائِد على ذَلِك تشغيب على الشَّرْع بالمصطلحات الجدلية وَهُوَ غير مُعْتَبر وَلَا جَائِز
وَقد اسْتدلَّ أَيْضا على عدم الْوَاسِطَة بِأَن النكرَة بعد لَا لنفي
стр. 30
الْعَام فتفيد نفي كل آلِهَة ف إِلَّا بعْدهَا لإِثْبَات ضِدّه وَهُوَ بثوت الإلهية لله تَعَالَى وَهَذَا ظَاهر
وَأنْشد
(وَلَيْسَ يَصح فِي الأفهام شَيْء ... إِذا احْتَاجَ النَّهَار إِلَى دَلِيل)
الْعَاشِر سوى الزَّمَخْشَرِيّ بَين لَا إِلَه إِلَّا الله وَبَين مَا من إِلَه إِلَّا الله لِأَن كل وَاحِدَة من الجملتين اشْتَمَل الْكَلَام مِنْهَا على نفي وَإِثْبَات وَمن الْمُؤَكّدَة للنَّفْي الْمُسْتَغْرق فِي إِحْدَى الجملتين ملفوظ وَالْأُخْرَى تَضَمَّنت الْجُمْلَة مَعْنَاهَا
وَالظَّاهِر أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ابلغ وَلِهَذَا اختيرت فِي الْأَغْلَب
وَسَببه أَن لَا أقعد بِالنَّفْيِ الْعَام الْمَقْصُود هَهُنَا من مَا أَلا ترى أَن الْمَقْصُود من لَا نفي الذوات بِدَلِيل حذف خَبَرهَا كثيرا إِيذَانًا بِأَن الْغَرَض الِاسْم لَا الْخَبَر وَلَا يُمكن أَن يحذف خبر مَا لِأَنَّهُ الْمَقْصُود بِالنَّفْيِ فَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُود فِي بَاب كلمة التَّوْحِيد نفي ذَات إِلَه سوى الله تَعَالَى كَانَت لَا أقعد بذلك
وَأَيْضًا فَإِن الْحَرْف الَّذِي هُوَ من إِذا حذف وَضمن الِاسْم مَعْنَاهُ وَركب مَعَ لَا كَانَ أبلغ من بِنَاء الْحَرْف لِأَن التَّضْمِين يصير الِاسْم دَالا على الِاسْتِغْرَاق وَدلَالَة الِاسْم أمكن من دلَالَة الْحَرْف ثمَّ التَّرْكِيب يحدث زِيَادَة لَا تكون قبله
стр. 31
إِلَه إِلَّا الله لِأَن كل وَاحِدَة من الجملتين اشْتَمَل الْكَلَام مِنْهَا على نفي وَإِثْبَات وَمن الْمُؤَكّدَة للنَّفْي الْمُسْتَغْرق فِي إِحْدَى الجملتين ملفوظ وَالْأُخْرَى تَضَمَّنت الْجُمْلَة مَعْنَاهَا
وَالظَّاهِر أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ابلغ وَلِهَذَا اختيرت فِي الْأَغْلَب
وَسَببه أَن لَا أقعد بِالنَّفْيِ الْعَام الْمَقْصُود هَهُنَا من مَا أَلا ترى أَن الْمَقْصُود من لَا نفي الذوات بِدَلِيل حذف خَبَرهَا كثيرا إِيذَانًا بِأَن الْغَرَض الِاسْم لَا الْخَبَر وَلَا يُمكن أَن يحذف خبر مَا لِأَنَّهُ الْمَقْصُود بِالنَّفْيِ فَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُود فِي بَاب كلمة التَّوْحِيد نفي ذَات إِلَه سوى الله تَعَالَى كَانَت لَا أقعد بذلك
وَأَيْضًا فَإِن الْحَرْف الَّذِي هُوَ من إِذا حذف وَضمن الِاسْم مَعْنَاهُ وَركب مَعَ لَا كَانَ أبلغ من بِنَاء الْحَرْف لِأَن التَّضْمِين يصير الِاسْم دَالا على الِاسْتِغْرَاق وَدلَالَة الِاسْم أمكن من دلَالَة الْحَرْف ثمَّ التَّرْكِيب يحدث زِيَادَة لَا تكون قبله
стр. 32
الْحَادِي عشر استغراق الْمُفْرد أَكثر تناولا لأفراد الْمُسَمّى من استغراق الْجمع بِدَلِيل صِحَة لَا رجال فِي الدَّار إِذا كَانَ فِيهَا رجل أَو رجلَانِ دون لَا رجل فَإِنَّهُ لَا يصدق إِذا كَانَ فِيهَا رجل أَو رجلَانِ
وَمن هُنَا يظْهر لطف قَوْله تَعَالَى حاكيا عَن زَكَرِيَّا ﵇ ﴿إِنِّي وَهن الْعظم مني﴾ وَلم يقل الْعِظَام قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ (إِنَّمَا وحد الْعِظَام لِأَن الْوَاحِد هُوَ الدَّال على معنى الجنسية وقصده إِلَى أَن هَذَا الْجِنْس الَّذِي هُوَ عَمُود الْبدن وَبِه قوامه قد أَصَابَهُ الوهن وَلَو جمع لَكَانَ قصد إِلَى معنى آخر وَهُوَ أَنه لم يهن مِنْهُ بعض عِظَامه وَلَكِن كلهَا
قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَان هُنَا أَمر يَنْبَغِي أَن يتفطن لَهُ
стр. 33
النَّاظر وَهُوَ أَن لفظ التَّمْر أَحْرَى باستيعاب الْجِنْس من التمور فَإِن التَّمْر يسترسل على الْجِنْس لَا بِصِيغَة لَفظه والتمور ترده إِلَى تخيل الوحدان ثمَّ الِاسْتِغْرَاق بعده بِصِيغَة الْجمع قَالَ شارحوه يُرِيد أَن الْمُطلق يُطلق لفظ التَّمْر بِإِزَاءِ الْمَعْنى المكمل للآحاد والتمور يلْتَفت فِيهِ إِلَى الوحدان فَلَا يحكم فِيهِ على الْحَقِيقَة بل على أفرادها
إِذا عرفت هَذَا فَلَا يخفى عَلَيْك لطف نفي الْمُفْرد فِي كلمة الشَّهَادَة
الثَّانِي عشر لفظ إِلَه فِي كلمة الشَّهَادَة نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي فَيعم بِلَا شكّ
وَالْمَقْصُود أَن قَوْلهم النكرَة إِذا كَانَت فِي سِيَاق النَّفْي للْعُمُوم
стр. 34
لَيْسَ على إِطْلَاقه فقد اتّفق الأدباء والأصوليون على أَن قَوْلنَا لَا رجل فِي الدَّار بِالرَّفْع لَا يُفِيد الْعُمُوم بل يُقَال لَا رجل فِي الدَّار بل اثْنَان مَعَ أَنه نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي وَاتفقَ النَّاس أَيْضا على أَن
стр. 35
قَوْلنَا لَيْسَ كل حَيَوَان إنْسَانا وَلَيْسَ كل عدد زوجا كَلَام صَادِق وَلَيْسَ للْعُمُوم مَعَ أَنه نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي
وَلَا يُمكن أَن يضْبط مَحل النزاع بِأَن النكرَة إِذا بنيت مَعَ لَا لِأَن قَوْلنَا مَا جَاءَك من أحد وَلَيْسَ فِي الدَّار أحد
стр. 36
للْعُمُوم مَعَ عدم الْبناء فَيبقى ضبط مَحل النزاع مُشكلا
وَالْجَوَاب أَنا نقُول مَتى كَانَت النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي فَهِيَ للْعُمُوم مَا عدا هَاتين الصُّورَتَيْنِ
وَسبب اسْتثِْنَاء هَاتين الصُّورَتَيْنِ بَين أما الأولى فَلِأَن المُرَاد بهَا نفي الْمَاهِيّة الْكُلية بِقَيْد الْوحدَة لَا بِقَيْد التتبع فِي جملَة الْمحَال فَلَا جرم حسن أَن يُقَال لَا رجل فِي الدَّار بل اثْنَان أما إِذا بنيت النكرَة مَعَ لَا فَلَا لِأَنَّهُ جَوَاب لمن قَالَ هَل من رجل فِي الدَّار فَقيل لَهُ لَا رجل فِي الدَّار أَي لَا وَاحِد من أحاد مَا ذكرته كَائِن فِي الدَّار
وتضمن من هُوَ سَبَب بِنَاء اسْمهَا مَعهَا كَمَا تقدم وَأما هَهُنَا لما قدر الْبناء دلّ على عدم سَببه وَهُوَ تضمن من
стр. 37
فَيكون إِخْبَارًا مستأنفا لَا جَوَابا
وَأما الصُّورَة الثَّانِيَة فَلِأَنَّهَا سلب الحكم عَن العمومات وَتَقْرِيره
стр. 38
أَنا نتوهم أَن قَائِلا قَالَ كل عدد زوج فَأثْبت حكم الزَّوْجِيَّة على الْعُمُوم فقصدنا أَن نرفع هَذِه الْمُوجبَة الْكُلية
وَيَكْفِي فِي رفع الْمُوجبَة الْكُلية السَّلب عَن فَرد من أفرادها
وَلذَلِك كَانَت السالبة الْجُزْئِيَّة نقيض الْمُوجبَة الْكُلية فَنحْن سالبون
стр. 39
لحكم الْكُلية لَا حاكمون بالسلب لأفراد الْكُلية فَحَيْثُ ادعينا أَن النكرَة للْعُمُوم هُوَ حَيْثُ يكون الحكم بالسلب لأفراد النكرَة لَا حَيْثُ يكون الحكم مُسَاوِيا لجزء كل أفرادها بل هَذِه سالبة جزئية
الثَّالِث عشر زعمت الْحَنَفِيَّة أَن النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي إِنَّمَا عَمت بطرِيق الِالْتِزَام لَا بالمطابقة وَالْمَقْصُود بِالنَّفْيِ إِنَّمَا هُوَ الْمَعْنى الْكُلِّي بِالْوَضْعِ فَيلْزم من نَفْيه نفي جزئياته بطرِيق الِالْتِزَام
стр. 40
وَالْحق أَن الْعَرَب وضعت اللَّفْظ للْحكم بالسلب على كل وَاحِد من تِلْكَ الجزيئات وَاللَّفْظ يدل على ذَلِك مُطَابقَة
وَيرد على الْحَنَفِيَّة أَن الِاسْتِثْنَاء يرد على العمومات فعلى رَأْيهمْ لَا يكون من جنس الْمَنْطُوق بِهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْحَقِيقَة الْكُلية على زعمهم وعَلى رَأينَا يكون من جنس الْمَنْطُوق لِأَن الْمَنْطُوق هُوَ السالبة الْكُلية وَالْأَصْل فِي الِاسْتِثْنَاء أَن يكون مُتَّصِلا مخرجا لما يتَنَاوَلهُ اللَّفْظ مُطَابقَة
следующие страницы →