منار الهدى
في بيان الوقف والابتدا
تأليف
أحمد بن محمد بن عبد الكريم الأشموني
من علماء القرن الحادي عشر الهجري
تحقيق
الشيخ عبد الرحيم الطرهوني
تخصص في القراءات وعلوم القرآن الكريم
ومدرس القراءات والتجويد بالأزهر الشريف
دار الحديث
الجزء الأول
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، أنزل القرآن الكريم تبيانًا لكل شىء، فكان المعجزة الخالدة على مر الأزمان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله الأمين تلقى القرآن العظيم وبلَّغه كما أُنزل إليه من ربه، فقرأه على الناس على مُكْث ورتّله كما أحب الله أن يرتله، فأعطى الحروف حقها ومستحقها مما يليق عند النطق، ورضى الله عن آله وصحبه الذين سمعوه منه، ونقلوه عنه كما سمعوه، فأدّوا الأمانة خير أداء إعظامًا للكلام والمتكلم وإجلالاً للخطاب والمخاطب -سبحانه-، ورضى الله عَمَّنْ تلقوه عنهم من التابعين وتابعي التابعين ومن والاهم بإحسان جيلاً بعد جيل، حتى وصل إلينا كتاب الله في كماله، محفوظًا من التغيير والتبديل، مصونًا من كل تحريف منطوقًا به على الوجه الصحيح، مؤدًى كما نزل بلسان عربي مبين. ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليمًا.
﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].
وبعد:
فقد خلق الله الإنسان، وميّزه بالبيان، وجعل له اللسان أداة للنطق، والأذن أداة للسمع، والعقل أداة للفهم، والروح أداة للتأثير والتأثر، والقرآن المجيد أعلى الكلام وأحلاه، وما ظنك بكلام ربِّ العالمين وقد منَّ به على أمّة أحبّ أحبابه
وأصفى أصفيائه، سيدنا محمد ﷺ ، فكانت أمته أمّة القرآن الكريم، وكانت خير أمّة أخرجت للناس.
وقد تكفل الله بحفظ القرآن الكريم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
[الحجر: ٩].
لينتفع به الآخرون كما انتفع به الأولون، فكان من كل جيل الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله.
وقد قرأ الأولون القرآن، فأدوا القراءة أحسن أداء، وكان حسن الأداء سبيلهم لحسن الاستماع، وكان حسن الاستماع سبيلاً لحسن التدبر، وحسن التدبر سبيلاً لحسن الانتفاع، وكيف لا يفعلون والكلام عزيز من عزيز وعلىٌّ من علىًّ وحكيم من حكيم، أحكمت آياته وفصِّلت كلماته، وبهرت
стр. 3
بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كل مقول.
وهو مع قوة بيانه وشدة سلطانه، عميق البحار واسع الأقطار، يقول القارئ إذا قرأه والسامع إذا سمعه: قد فهمته لتجلى فحواه فإذا تأمله كأنه ما قرأه أو سمعه لقوة مبناه، ودقة معناه، فلزم أن يقرأه القارئ على روية وإحكام، كما كان يفعلُ رسول الله ﷺ ، فقد أعطى الحروف حقها فى قراءته الشريفة على الأصول الصحيحة، فلم تكن قراءته هذًّا ولا عجلة بل كانت مفسرّة حرفًا حرفًا.
كما كان ﷺ يقطِّع قراءته كل آية فيقول مثلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ويقف، ثم يقول ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ويقف، ثم يقول ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وهكذا.
وقد روى الزهري أن قراءته ﷺ كانت آية آية، وروى ذلك البيهقى أيضًا في «شُعَب الإيمان» وغيره كثيرون ممن رجَّحوا الوقوف على رؤوس الآي، وإن تعلقت في المعنى بما بعدها.
ولا شك في أنّ إتباع هدى النبي ﷺ وسنته أولى من اتباع الرأي القائل بتسجيل اتباع الأغراض والمقاصد للوقوف عند انتهائها، وقد قال -تَعَالَى-: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال -تَعَالَى-: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤].
وكما كان ﷺ يقرأ القرآن بنفسه كان يحب أن يسمعه من غيره، وفى كلٍّ من قراءته واستماعه كان أحيانًا يذرف الدمع من عينيه إجلالاً وهيبة من عظمته واستعظامًا لقدرته وإشفاقًا على أمته، وقد طلب ﷺ من ابن مسعود ﵁ أن يقرأ عليه فقال: أأقر وعليك أنزل؟! فقال: «إني أحب أن أسمعه من غيري»، فقرأ عليه سورة النساء حتى إذا بلغ قول الله -تَعَالَى-: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]. بكى ﷺ حتى ذرفت عيناه بالدموع.
وكان ﷺ يذكر الله على جميع أحيانه، وكان يقرأ القرآن قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا ومتوضئا ومحدثًا، ولم يكن يمنعه شىء من قراءة القرآن إلا الجنابة.
ويجب أن يتلو المؤمن القرآن الكريم حق تلاوته كما كان يفعل رسول الله ﷺ وأصحابه، فقد أخرج ابن خزيمة في صحيحه عن زيد بن ثابت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يحب أن يقرأ القرآن كما أنزل».
وقال حجة الإسلام الإمام الغزالي ﵁:
«وتلاوة القرآن حق تلاوته هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب الاتعاظ، والتأثر بالأزجار والائتمار،
стр. 4
فاللسان يرتل، والعقل يترجم، والقلب يتعظ».
وقال : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو
الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩].
وقد جعل الله فى قلوب عباده من القوة ما شاء فضلاً منه ورحمة، ليتدبَّروه وليتذكروا ما فيه من طاعته وعبادته وأداء حقوقه، فلقد قال : ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١].
وهذا تمثيل وتخييل لعلو شأن القرآن، وقوة تأثير ما فيه من المواعظ كما ينطق به قوله
: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١].
أريد به توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وعدم خشوعه عند تلاوته وقلة تدبُّره فيه.
ومن الصحابة الذين علّمهم الرسول ﵊ عن سيدنا جبريل
﵇ أُبى بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، ولقد قال ﷺ في أولهم: «أقرؤُكُم أُبىٌ»، وفى ثانيهم: «من أحب أن يقرأ القرآن غضًّا طريًّا كما أُنزل فليقرأ قراءة ابن أُم عبد»، يعنى عبد الله بن مسعود. وقال أيضًا «خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبى حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأُبىّ ابن كعب».
وقد أخذ عن الصحابة المجيدين للتلاوة من تلاميذ الرسول ﷺ كثيرون من الصحابة والتابعين، فمثلاً أخذ عن أُبىٌ بن كعب من الصحابة: أبو هريرة وابن عباس وعبد الله بن السائب، ومن التابعين: عبد الله بن عياش ابن أبى ربيعة المخزومى، وأبو عبد الرحمن عبد الله ابن حبيب السلمي، وأبو العالية الرياحى حتى انتهى الأمر إلى أسانيد تسعة من الأئمة العشرة المتواترة قراءاتهم إلى اليوم وهم: نافع وأبو جعفر المدنيان، وعبد الله بن كثير المكي، وأبو عمرو، ويعقوب البصريان، وعاصم وحمزة والكسائى وخلف الكوفيون.
أما السند العاشر فهو عبد الله بن عامر الدمشقي، وقد أخذ قراءته عن أبى الدرداء وقيل عن عثمان بن عفان.
ولأنه كتاب الله الكريم وفرقانه المبين الذي يفرق بين الحق والباطل وهو نبراس البشرية الهادي لها في الظلمات فإن أهل الضلال الخائضين في الظلمات تحروا نقضه وتربصوا له يبغون رفضه فقام لهم سدنة الحق من العلماء، فشمروا عن ساعد الجد، وقاموا يدفعون عنه كل زيغ وضلال، ومن ثَم لم يحظ كتاب عبر تاريخ البشرية بمثل ما حظي به كتاب الله -تعالى- قراءة وحفظًا، وتجويدًا، وأداء،
стр. 5
ورسمًا وضبطًا، وفهمًا واستنباطًا. فمن حيث قراءاته، اتجهت همم السلف من علماء الأمة إلى العناية بعلم تجويده وترتيله، رواية ودراية، فألَّفوا فيه التآليف البديعة، وصنفوا التصانيف المفيدة، مؤصِّلين أصوله، ومقعدِّين قواعده، فكثرت التآليف وانتشرت التصانيف، واختلفت أغراضهم بحسب الإيجاز والتطويل والتقليل.
ومن ثَم عزيزي القارئ الكريم أردنا أن نضع بين يديك هذا السِفر الجليل:
* منار الهدى في بيان الوقف والابتدا *
وموضوع هذا الكتاب إنما يتبين بمعالجته لظاهرة الوقف والإبتداء، وهوجانب مهم في أداء العبارة القرآنية، فهو يوضح كيف وأين يجب أن ينتهي القارئ لآي القرآن الكريم بما يتفق مع وجوه التفسير واستقامة المعنى وصحة اللغة وما تقتضيه علومها من نحوٍ وصرفٍ ولغةٍ، حتى يستتم القارئ الغرض كله من قراءته، فلا يخرج على وجه مناسب من التفسير والمعنى من جهة، ولا يخالف وجوه اللغة، وسبل أدائها التي تُعين على أداء ذلك التفسير والمعنى، وبهذا يتحقق الغرض الذي من أجله يقرأ القرآن؛ ألا وهو الفهم والإدراك.
أما مؤلفه! فإننا لم نعثر على ترجمة له، ويبدو أن هذه المشكلة قديمة، إذ عندما أرادت مطبعة البابي الحلبي عام (١٩٣٤م) أن تطبع هذا الكتاب نسبته إلى أبي الحسن نور الدين علي بن محمد الأُشموني المتوفى في أوائل القرن العاشر، والمعاصر للإمام السخاوي الذي ترجم له في كتابه: الضوء اللامع؛ وذلك لأنها لم تعثر على ترجمة لأحمد بن عبد الكريم الأشموني على ما يبدو.
وكل ما عثرت عليه هو ما ذكره عمر رضا كحالة في معجم المؤلفين ٢/ ١٢١: أحمد الأشموني من علماء القرن الحادي عشر الهجري، الموافق للقرن السابع عشر الميلادي، أحمد ابن محمد بن عبد الكريم بن محمد بن أحمد بن عبد الكريم الأشموني، الشافعي، فقيه، مقرئ، من تصانيفه: منار الهدى في بيان الوقف والابتداء، والقول المتين في بيان أمور الدين. اهـ
ولقد أخرجنا هذا الكتاب في ثوبٍ قشيبٍ فيه من الجدة ما يثلج الصدور، وهو عون للقاري المبتدي وتذكرة للمقري المنتهي، يُعين العقول على فهم هذا العلم الجليل، وإدراك مبهمة، وإيضاح ما استغلق منه، وكان منهجنا في هذا السِفر ما سنوضحه فيما يلي:
منهج العمل بكتابنا هذا:
١ - قمنا بنسخ الأصول المتوفرة لدينا على ما يوافق قواعد الإملاء الحديثة.
٢ - أثبتنا علامات الترقيم والأقواس حسب المتعارف عليه الآن.
стр. 6
٣ - نظمنا النص على نسقٍ واحدٍ من أوله إلى آخره بما يفيد فهم النص فهمًا جيدًا، فتظهر معانيه ودِلالاته واضحة جلية.
٤ - وقع في بعض نصوص كتابنا أخطاء لغوية، وفي بعضها الآخر إسقاط في نص القرآن، فقد قمنا بإصلاح ذلك كله داخل النصوص؛ وذلك لكونها من أخطاء النُّساخ.
٥ - عُنينا عناية بالغة بمقابلة أسماء الأعلام، وكذا المادة التراجمية الواردة عنهم، ومقابلتها بما احتوته أمهات كتب التراجم المعنية بها، ولا سيما كتب تراجم القراء، فإذا وجدناها متفقة معها سكتنا، ولم نعلِّق على صحة الاسم أو المادة، أما إذا وجدنا خلافا فقد عُنينا بالتعليق عليه، ورجّحنا الصواب بعد التحليل، وأحلنا على الموارد التي أدت إلينا هذا الترجيح.
٦ - ترجمنا للأعلام؛ تتميمًا لعموم النفع.
٧ - بينّا المصطلحات الواردة بكتابنا هذا؛ شارحين لها ومعلِّقين عليها.
٨ - ذكرنا معاني الكلمات الغريبة التي تحتاج إلى شرح وإيضاح.
٩ - جعلنا ترقيم الآيات القرآنية ضمن مادة كتابنا، ولم نجعلها في الهامش؛ وذلك لعدم ثقل الهوامش، كما ذكرنا أرقام الآيات عند ورود كل سورة بجانبها ولم نذكرها بالهامش إلا في حالة إشارة المؤلف إلى ورود حرف ما بمواضع عديدة، فعند ذلك فقط نشير إلى أرقام تلك الآيات في الهامش.
١٠ - وأما القسم الخاص بفرش السور داخل كتابنا فإننا اكتفينا فيه بذكر رقم الآية بجانبها اعتمادًا منا على أن المصنف يناقش آيات سورةٍ واحدةٍ، فلا داعي لتكرار اسم السورة إلا إذا دعت الحاجة إلى عكس ذلك.
١١ - في ضبط الآيات القرآنية، قمنا بضبطها على ما يوافق قراءة حفص عن عاصم إلا إذا عمد المصنف إلى غير ذلك.
١٢ - خرَّجنا القراءات القرآنية على الكتب المعنية بها من كتب القراءات، وكتب حُجج القراءات وعللها، وكتب إعراب القرآن، والتفاسير، وكل ما له صلة بذلك.
١٣ - نظرنا في الشواهد الشعرية فضبطناها بالشكل وعزوناها إلى قائليها، وبينّا مواضعها في الدواوين، أو كتب اللغة والصرف والنحو.
١٤ - خرّجنا الأحاديث النبوية الشريفة من مظانها: (الصحاح، السنن، المسانيد).
١٥ - عرضنا النص وأخرجناه بصورة تُعين القارئ وتسهل عليه الرجوع إلى ما يريد.
стр. 7
وفي الخاتمة فاللهَ أسألُ أن يكتبَ السداد والرشاد، وأن يُلْهِمَ الإخلاص في القول والعمل، فإن أصبت فذلك الفضل من الله وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، وما أجمل ما قاله القاضي البيساني ﵀: (إني رأيت أنه لا يكتب إنسانٌ كتاباً في يومه، إلا قال في غده: لو غُيِّرَ هذا لكان أحسن، ولو زِيدَ كذا لكان يُستحسن، ولو قُدِّمَ هذا لكان أفضل، ولو تُرِكَ هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليلٌ على استيلاء النقص على جملة البشر وصلِّ اللهمَّ وسلِّم وبارِك على عبدك ونبيك محمدٍ ﷺ ،،،
المحقق
عبد الرحيم الطرهوني
سوهاج في التاسع والعشرين من صفر سنة ١٤٢٣هـ
الموافق: الحادي عشر من مايو سنة ٢٠٠٢م
стр. 8
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي نوَّر قلوب أهل القرآن بنور معرفته تنويرًا، وكسا وجوههم من إشراق ضياء بهجته نورًا، وجعلهم من خاصة أحبابه إكرامًا لهم وتوقيرًا، فجعل صدورهم أوعية كتابه، ووفَّقهم لتلاوته آناء الليل وأطراف النهار؛ ليعظم لهم بذلك أجورًا، فترى وجوههم كالأقمار تتلألأ من الإشراق، وتبتهج سرورًا، وقد أخبر عنهم الصادق المصدوق ممثلًا بأنهم جراب مملوء مسكًا، وأَعْظِم بذلك فخرًا وتبشيرًا، فيا لها من نعمة طُهِّروا بها تطهيرًا! وحازوا بها عزًّا ومهابة وتحبيرًا؛ فهم أعلى الناس درجات في الجنان تخدمهم فيها الملائكة الكرام عشيًّا وبكورًا، ويقال لهم في الجنة تهنئة لهم وتبشيرًا: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾ [الإنسان: ٢٢].
فسبحانه من إله عظيم تعالى في ملكه عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
أحمده حمد من قام بواجب تجويد كلامه، ومعرفة وقوفه، ونسأله من فيض فضله وإحسانه لطفًا وعناية وتيسيرًا، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له شهادة يغدو قلب قائلها مطمئنًا مستنيرًا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد ﷺ عبده ورسوله الذي اختاره الله من القدم حبيبًا ونبيًّا ورسولًا، وأرسله إلى الثقلين بشيرًا ونذيرًا، وقد أخذ له العهد والميثاق على سائر المخلوقات، وكتب له بذلك منشورًا.
أما بعد: فيقول العبد الفقير، القائم على قدمي العجز والتقصير، الراجي عفو ربه القدير أحمد ابن الشيخ عبد الكريم ابن الشيخ محمد ابن الشيخ عبد الكريم عامل الله الجميع بفضله العميم، وأسكنهم من إحسانه جنات النعيم، هذا تأليف لم يسألني فيه أحد؛ لعلمهم أني قليل البضاعة، غير دريٍّ بهذه الصناعة، فإني والله لست أهلًا لقول ولا عمل، وإني والله من ذلك على وَجَل، لكن الكريم يقبل من تطفل، ولا يخيب من عليه عوَّل؛ فإني بالعجز معلوم، ومثلي عن الخطأ غير معصوم، وبضاعتي مزجاة، وتسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فشرعت فيما قصدت، وما لغيري وجدت، وذلك بعد لبثي حينًا من الدهر أتروَّى وأتأمل، وأنا إلى جميع ما تشتت من ذلك أميل، قادني إلى ذلك أمل ثواب الآخرة سائلًا من المولى الكريم الصواب والإعانة، متبرئًا من حولي وقوتي إلى من لا حول ولا قوة إلَّا به، والمأمول من ذي العزة والجلال أن ينفع به في الحال والمآل، وأن يكون تذكرة لنفسي في حياتي وأثرًا لي بعد وفاتي، فلا تكن ممن إذا رأى صوابًا غطَّاه، وإذا وجد سهوًا نادى عليه وأبداه، فمن رأى خطأ منصوصًا عليه فليضفه بطرته إليه، والنص عليه:
يَا مَنْ غَدَا نَاظِرًا فِيمَا كَتَبْتُ وَمَنْ ... أَضْحَى يُرَدِّدُ فِيمَا قُلْتُه النَّظَرَا
стр. 9
سَأَلْتُكَ اللهَ إِنْ عَايَنْتَ لِي خَطًا ... فَاسْتُرْ عَلَيَّ فَخَيْرُ النَّاسِ مَنْ سَتَرَا
فالموفَّق تكفيه الإشارة، ولا ينفع الحسود تطويل العبارة، وعلى الله اعتمادي في بلوغ التكميل، وهو حسبي ونعم الوكيل، وسميته:
* منار الهدى في بيان الوقف والابتدا *
مقدمًا أمام المقصود فوائد وتنبيهات تنفع القارئ وتعينه على معرفة الوقف والابتداء؛ ليكون على بصيرة إذا خاض في هذا البحر الزخَّار، الذي لا يدرك له قرار، ولا يسلك إلى قنته ولا يصار، من أراد السبيل إلى استقصائه لم يبلغ إلى ذلك وصولًا، ومن رام الوصول إلى إحصائه لم يجد إلى ذلك سبيلًا، قد أودع الله فيه علم كل شيء، وأبان فيه كل هدى وغي، فترى كل ذي فن منه يستمد، وعليه يعتمد، جعله للحكم مستودعًا، ولكل علم منبعًا، وإلى يوم القيامة نجمًا طالعًا، ومنارًا لامعًا، وعلمًا ظاهرًا، ولا يقوم بهذا الفن إلَّا من له باع في العربية، عالم بالقراءات، عالم بالتفسير، عالم باللغة التي نزل القرآن بها على خير خلقه، مزيل الغمة، بعثه به بشيرًا ونذيرًا إلى خير أمة، شهد به كتابه المبين عن لسان رسوله الصادق الأمين، جعله كتابًا فارقًا بين الشك واليقين، أعجز الفصحاء معارضته، وأعيا الألباء مناقضته، وأخرس البلغاء مشاكلته، جعل أمثاله عبرًا للمتدبرين، وأوامره هدى للمستبصرين، ضرب فيه الأمثال، وفرَّق فيه بين الحرام والحلال، وكرر القصص والمواعظ بألفاظ لا تمل، وهي مما سواها أعظم وأجل، ولا تخلق على كثرة الترديد، بل بكثرة تلاوتها حسنًا وحلاوة تزيد، قد حثنا على فهم معانيه، وبيان أغراضه ومبانيه، فليس المراد حفظ مبناه، بل فهم قارئه معناه، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. فقد ذم الله اليهود؛ حيث يقرءون التوراة من غير فهم، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾ [البقرة: ٧٨]. فعلى العاقل الأديب، والفطن اللبيب أن يربأ بنفسه عن هذه المنزلة الدنية، ويأخذ بالرتبة السَّنيَّة، فيقف على أهم العلوم وآكدها المتوقف عليها فهم الكتاب والسُّنَّة وهي بعد تجويد ألفاظه خمسة: علم العربية، والصرف، واللغة، والمعاني، والبيان.
стр. 10
فوائد مهمة تحتاج إلى صرف الهمة
[الأئمة الذين اشتهر عنهم هذا الفن]
الفائدة الأولى: في ذكر الأئمة الذين اشتهر عنهم هذا الفن وهو فن جليل قال عبد الله ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما: لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ ، فنتعلم حلالها وحرامها وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما تتعلمون أنتم اليوم القرآن، ولقد رأينا اليوم رجالًا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده، وكل حرف منه ينادي: أنا رسول الله إليك؛ لتعمل بي وتتعظ بمواعظي.
قال النحاس (١): فهذا يدل على أنهم كانوا يتعلمون الوقوف كما يتعلمون القرآن، حتى قال بعضهم: إن معرفته تُظْهِر مذهب أهل السنة من مذهب المعتزلة، كما لو وقف على قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] فالوقف على «يختار» هو مذهب أهل السنة؛ لنفي اختيار الخلق لاختيار الحق؛ فليس لأحد أن يختار، بل الخيرة لله تعالى، أخرج هذا الأثر البيهقي في سننه، وقال علي -كرم الله وجهه- في قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل: ٤]: الترتيل تجويد الحروف، ومعرفة الوقوف.
وقال ابن الأنباري (٢): من تمام معرفة القرآن معرفة الوقف والابتداء؛ إذ لا يتأتى لأحد معرفة معاني القرآن إلَّا بمعرفة الفواصل، فهذا أدل دليل على وجوب تعلمه وتعليمه. وحُكي أن عبد الله بن
стр. 11
عمر قد قام على حفظ سورة البقرة ثمان سنين، وعند تمامها نحر بدنة، أخرجه مالك في الموطأ. وقول الصحابي كذا له حكم المرفوع إلى النبي ﷺ أي: ولم يخالفه غيره ولم يكن للرأي فيه مجال، وهذا لا دخل للرأي فيه فلو خالفه غيره أو كان للرأي فيه مجال -لا يكون قوله حجة.
واشتهر هذا الفن عن جماعة من الخلف، وهم: نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني القارئ (١)، وعن صاحبه يعقوب بن إسحاق الحضرميِّ البصريِّ (٢)، وعن أبي حاتم السجستاني (٣)، وعن محمد بن عيسى، وعن أحمد بن موسى (٤)، وعن علي بن حمزة الكسائي (٥)، وعن القراء الكوفيين، وعن الأخفش سعيد (٦)، وعن أبي عبيدة معمر بن
стр. 12
المثنى (١)، وعن محمد بن يزيد (٢)، والقتبيِّ الدينوريِّ (٣)، وعن أبي محمد الحسن بن علي العماني (٤)، وعن أبي عمرو عثمان الداني (٥)، وعن أبي جعفر محمد بن طيفور السجاوندي (٦)، وعن أبي جعفر يزيد بن
стр. 13
القعقاع (١) أحد أعيان التابعين، وغيرهم من الأئمة الأعلام، والجهابذة العظام، فكان أحدهم آخذًا بزمام التحقيق والتدقيق وتضرب إليه أكباد الإبل من كل مكان سحيق:
أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ ... إِذَا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيرُ المَجَامِعُ (٢)
وما حكاه ابن برهان (٣) عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة (٤): من أن تسمية الوقوف بالتام والحسن والقبيح بدعة، ومتعمد الوقف على ذلك مبتدع؛ قال: لأن القرآن معجز وهو كالقطعة
стр. 14
الواحدة؛ فكله قرآن وبعضه قرآن، فليس على ما ينبغي. وضعف قوله: غني عن البيان بما تقدم عن العلماء الأعلام، ويبعده قول أهل هذا الفن: الوقف على رءوس الآي سُنَّة متبعة، والخير كله في الاتباع، والشر كله في الابتداع، ومما يبيَّن ضعفه ما صح عن رسول الله ﷺ أنه نهى الخطيب؛ لما قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما. ووقف، فقال له النبي ﷺ : «بئس خطيب القوم أنت، قل ومن يعص الله ورسوله فقد غوى» (١) ففي الخبر دليل واضح على كراهة القطع، فلا يجمع بين من أطاع ومن عصى، فكان ينبغي للخطيب أن يقف على قوله: فقد رشد، ثم يستأنف: ومن يعصهما فقد غوى، وإذا كان مثل هذا مكروهًا مستقبحًا في الكلام الجاري بين الناس -فهو في كلام الله أشد كراهة وقبحًا، وتجنبه أولى وأحق.
وفي الحديث: أنَّ جبريل أتى النبي ﷺ فقال: «اقرأ القرآن على حرف فقال ميكائيل استزده حتى بلغ سبعة أحرف كل شاف ما لم تختم آية عذاب بآية رحمة، أو آية رحمة بآية عذاب» (٢).
فالمراد بالحروف: لغات العرب، أي: أنها مفرقة في القرآن فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن، وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه، على أنه قد جاء في القرآن ما قد قرئ بسبعة أوجه، وعشرة أوجه كـ «مالك يوم الدين» (٣)، وفي البحر إنّ قوله: «وعبد الطاغوت» اثنتين وعشرين قراءة (٤)، وفي «أف» لغات أوصلها الرماني (٥) إلى سبع وثلاثين لغة، قال في فتح الباري: قال أبو شامة (٦): ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في
стр. 15
الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وقال مكي بن أبي طالب (١): وأما من ظن أن قراءة هؤلاء القراء السبعة، وهم: نافع، وابن كثير (٢)، وأبو عمرو (٣)، وابن عامر (٤)، وعاصم (٥)،
стр. 16
وحمزة (١)، والكسائي -هي الأحرف السبعة التي في الحديث، فقد غلط غلطًا عظيمًا. قال: ويلزم من هذا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة، ووافق خط المصحف العثماني لا يكون قرآنًا، وهذا غلط عظيم؛ إذ لا شك أن هذه القراءات السبع مقطوع بها من عند الله تعالى وهي التي اقتصر عليها الشاطبي (٢)، وبالغ النووي (٣) في أسئلته؛ حيث قال: لو حلف إنسان بالطلاق الثلاث: إن قرأ القراءات السبع لا حنث عليه، ومثلها الثلاث التي هي قراءة: أبي جعفر، ويعقوب، وخلف (٤).
стр. 17
وكلها متواتر تجوز القراءة به في الصلاة وغيرها، واختلف فيما وراء العشرة وخالف خط المصحف الإمام، فهذا لا شك فيه أنه لا تجوز قراءته في الصلاة ولا في غيرها، وما لا يخالف تجوز القراءة به خارج الصلاة، وقال ابن عبد البر (١): لا تجوز القراءة بها ولا يصلى خلف من قرأ بها، وقال ابن الجزري (٢): تجوز مطلقًا إلَّا في الفاتحة للمصلي، انظر: شرح العباب للرملي (٣).
стр. 18
والشاذ: ما لم يصح سنده نحو: «لقد جاءكم رسول من أنفَسكم» بفتح الفاء (١)، و «إنما يخشى اللهُ من عباده العلماءَ» برفع (اللهُ)، ونصب (العلماءَ) (٢)، وكذا كل ما في إسناده ضعف؛ لأن القرآن لا يثبت إلَّا بالتواتر عن النبي ﷺ سواء وافق الرسم أم لا. قال مكي: ما روي في القرآن ثلاثة أقسام: قسم يقرأ به ويكفر جاحده وهو ما نقله الثقات ووافق العربية وخط المصحف، وقسم صح نقله عن الأجلاء وصح في العربية وخالف لفظه الخط فيقبل ولا يقرأ به، وقسم نقله ثقة ولا وجه له في العربية، أو نقله غير ثقة فلا يقبل، وإن وافق خط المصحف؛ فالأول: كـ «ملك»، و «مالك». والثاني: كقراءة ابن عباس: «وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة» (٣) واختلف في القراءة بذلك، فالأكثر على المنع؛ لأنها لم تتواتر وإن ثبتت بالنقل فهي منسوخة بالعرضة الأخيرة. ومثال الثالث وهو ما نقله غير ثقة كثير، وأما ما نقله ثقة ولا وجه له في العربية فلا يكاد يوجد.
وقد وضع السلف علم القراءات دفعًا للاختلاف في القرآن، كما وقع لعمر بن الخطاب مع أُبَيِّ بن كعب (٤) حين سمعه يقرأ سورة الفرقان على غير ما سمعها هو من النبي ﷺ فأخذه ومضى به إلى رسول الله ﷺ فأمر النبي ﷺ كل واحد أن يقرأ، فقرأ كل واحد ما سمعه فقال النبي ﷺ : «هكذا أنزل» (٥)، ولا
стр. 19
شك أن القبائل كانت ترد على النبي ﷺ وكان يترجم لكل أحد بحسب لغته، فكان يمد قدر الألف والألفين والثلاثة لمن لغته كذلك، وكان يفخم لمن لغته كذلك، ويرقق لمن لغته كذلك، ويميل لمن لغته كذلك.
وأما ما يفعله قراء زماننا من أن القارئ كل آية يجمع ما فيها من اللغات فلم يبلغنا وقوعه عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه، قاله الشعرواي (١) في (الدرر المنثورة في بيان زبدة العلوم المشهورة).
وينبغي للقارئ أن يقطع الآية التي فيها ذكر النار، أو العقاب عما بعدها إذا كان بعدها ذكر الجنة، ويقطعها أيضًا عما بعدها إن كان بعدها ذكر النار، نحو قوله: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾ هنا الوقف، ولا يوصل ذلك بقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾، ونحو:
﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ هنا الوقف، ولا يوصله بما بعده، ونحو: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ هنا الوقف، فلا يوصله بما بعده من قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾، ونحو قوله في التوبة: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ هنا الوقف، فلا يوصله بما بعده من قوله: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾، وكذا كل ما هو خارج عن حكم الأول -فإنه يقطع.
стр. 20
قال السخاوي (١): ينبغي للقارئ أن يتعلم وقف جبريل؛ فإنه كان يقف في سورة آل عمران عند قوله: ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾، ثم يبتدئ: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، والنبي ﷺ يتبعه، وكان النبي ﷺ يقف في سورة البقرة، وسورة المائدة عند قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، وكان يقف على قوله: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾، وكان يقف: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾، ثم يبتدئ: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، وكان يقف: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾، ثم يبتدئ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾، وكان يقف: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾، ثم يبتدئ: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾، وكان يقف: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾، ثم يبتدئ: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾، وكان يقف: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فحشر﴾، ثم يبتدئ: ﴿فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾، وكان يقف: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، ثم يبتدئ: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾، فكان ﷺ يتعمد الوقف على تلك الوقوف، وغالبها ليس رأس آية، وما ذلك إلَّا لعلم لدنيٍّ عَلِمَه مَنْ عَلِمَه، وجهله من جهله، فاتباعه سُنَّة في جميع أقواله وأفعاله.
الفائدة الثانية في الوقف والابتداء: وهو لغةً: الكف عن الفعل والقول، واصطلاحًا: قطع الصوت آخر الكلمة زمنًا ما، أو هو قطع الكلمة عما بعدها، والوقف والقطع والسكت بمعنى، وقيل: القطع عبارة عن قطع القراءة رأسًا، والسكت عبارة عن قطع الصوت زمنًا ما دون زمن الوقف عادة من غير تنفس، والناس في اصطلاح مراتبه مختلفون كل واحد له اصطلاح، وذلك شائع؛ لما اشتهر أنه لا مشاحة في الاصطلاح، بل يسوغ لكل أحد أن يصطلح على ما شاء كما صرح بذلك صدر الشريعة وناهيك به، فقال ابن الأنباري (٢)، والسخاوي: مراتبه ثلاثة: تام، وحسن، وقبيح. وقال غيرهما: أربعة: تام مختار، وكاف جائز، وحسن مفهوم، وقبيح متروك، وقال السجاوندي: خمسة: لازم، ومطلق، وجائز، ومجوز لوجه، ومرخص ضرورة، وقال غيره: ثمانية: تام، وشبيه، وناقص، وشبيه،
стр. 21
وحسن، وشبيه، وقبيح، وشبيه. وجميع ما ذكروه من مراتبه غير منضبط ولا منحصر؛ لاختلاف المفسرين والمعربين؛ لأنه سيأتي أن الوقف يكون تامًّا على تفسير وإعراب وقراءة، غير تام على آخر؛ إذ الوقف تابع للمعنى، واختلفوا فيه أيضًا فمنهم من يطلق الوقف على مقاطع الأنفاس؛ على القول بجواز إطلاق السجع في القرآن ونفيه منه أجدر؛ لقوله ﷺ : «أسجع كسجع الكهان؟» (١) فجعله مذمومًا، ولو كان فيه تحسين الكلام دون تصحيح المعنى، وفرق بين أن يكون الكلام منتظمًا في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود منه، وبين أن يكون منتظمًا دون اللفظ؛ لأن في القرآن اللفظ تابع للمعنى، وفي السجع المعنى تابع للفظ، ومنهم من يطلقه على رءوس الآي، وأن كل موضع منها يسمى وقفًا وإن لم يقف القارئ عليه؛ لأنه ينفصل عنده الكلامان، والأعدل أن يكون في أواسط الآي، وإن كان الأغلب في أواخرها كما في آيتي المواريث؛ ففيهما ثلاثة عشر وقفًا، فـ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾، وما عطف عليه فيه تعلق معنوي؛ لأن عطف الجمل -وإن كان في اللفظ منفصلًا- فهو في المعنى متصل؛ فآخر الآية الأولى: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، وآخر الثانية: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ كما سيأتي مفصَّلًا في محله إن شاء الله تعالى.
وليس آخر كل آية وقفًا، بل المعتبر المعاني، والوقف تابع لها؛ فكثيرًا ما تكون آية تامة وهي متعلقة بآية أخرى ككونها استثناء، والأخرى مستثنى منها، أو حالًا مما قبلها، أو صفة، أو بدلًا كما يأتي التنبيه عليه في محله، وإذا تقاربت الوقوف بعضها من بعض لا يوقف عند كل واحد إن ساعده النَّفَس، وإن لم يساعده وقف عند أحسنها؛ لأن ضيق النفس عن بلوغ التمام يسوغ الوقف، ولا يلزم الوقف على رءوس الآي كذا جعل شيخ الإسلام طول الكلام مسوغًا للوقف، قال الكواشي (٢): وليس هذا العذر بشيء، بل يقف عند ضيق النفس، ثم يبتدئ من أول الكلام حتى ينتهي الوقف المنصوص عليه، كما سيأتي في سورة الرعد؛ ليكون الكلام متصلًا بعضه ببعض، وهذا هو الأحسن ولو كان في وسع القارئ أن يقرأ القرآن كله في نَفَس واحد ساغ له ذلك.
стр. 22
مطلب تنوع الوقف
ويتنوع الوقف نظرًا للتعلق خمسة أقسام؛ لأنه لا يخلو إما أن لا يتصل ما بعد الوقف بما قبله لا لفظًا ولا معنى -فهو التام. أو يتصل ما بعده بما قبله لفظًا ومعنى -وهو القبيح. أو يتصل ما بعده بما قبله معنى لا لفظًا -وهو الكافي. أو لا يتصل ما بعده بما قبله معنى ويتصل لفظًا -وهو الحسن. والخامس متردد بين هذه الأقسام فتارة يتصل بالأول، وتارة بالثاني على حسب اختلافهما قراءة وإعرابًا وتفسيرًا؛ لأنه قد يكون الوقف تامًّا على تفسير وإعراب وقراءة، غير تام على غير ذلك، وأمثلة ذلك تأتي مفصلة في محلها.
مطلب مراتب الوقف
وأشرت إلى مراتبه بتام وأتم، وكافٍ وأكفى، وحسن وأحسن، وصالح وأصلح، وقبيح وأقبح، فالكافي والحسن يتقاربان، والتام فوقهما، والصالح دونهما في الرتبة؛ فأعلاها الأتم، ثم الأكفى، ثم الأحسن، ثم الأصلح ويعبر عنه بالجائز.
وأما وقف البيان وهو أن يبين معنى لا يفهم بدونه كالوقف على قوله تعالى: ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ فرق بين الضميرين، فالضمير في: ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ للنبي ﷺ وفي ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ لله تعالى، والوقف أظهر هذا المعنى المراد، والتام على قوله: ﴿وَأَصِيلًا﴾، وكالوقف على قوله: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾، ثم يبتدئ: ﴿الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ بين الوقف على: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أن الظرف بعده متعلق بمحذوف وليس متعلقًا باسم لا؛ لأن اسمها حينئذ شبيه بالمضاف، فيجب نصبه وتنوينه. قاله في (الإتقان).
فالتام سُمِّي تامًّا؛ لتمام لفظه بعد تعلقه وهو ما يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده ولا يتعلق ما بعده بشيء مما قبله لا لفظًا ولا معنى، وأكثر ما يوجد عند رءوس الآي غالبًا، وقد يوجد قرب آخرها كقوله: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ هنا التمام؛ لأنه آخر كلام بلقيس، ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وهو أتم، ورأس آية أيضًا، ولا يشترط في التام أن يكون آخر قصة كقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ فهو تام؛ لأنه مبتدأ وخبر وإن كانت الآيات إلى آخر السورة قصة واحدة، ونحوه: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ هنا التام؛ لأنه آخر كلام الظالم أُبَيِّ بن خلف، ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ وهو أتم، ورأس آية أيضًا، وقد يوجد بعد رأس الآية كقوله: ﴿مُصْبِحِينَ (٦٦) وَبِاللَّيْلِ﴾ هنا التام؛ لأنه معطوف على المعنى، أي: تمرون عليهم بالصبح وبالليل، فالوقف عليه تام، وليس رأس آية وإنما رأسها: ﴿مُصْبِحِينَ﴾، و ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أتم؛ لأنه آخر القصة، ومثله: ﴿يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا﴾ رأس الآية: ﴿يَتَّكِئُونَ﴾، ﴿وَزُخْرُفًا﴾ هو التمام؛ لأنه معطوف على: ﴿سَقْفًا﴾، ومن مقتضيات الوقف التام الابتداء بالاستفهام ملفوظًا به، أو مقدَّرًا. ومنها أن يكون آخر كل قصة وابتداء أخرى كل سورة، والابتداء بياء النداء غالبًا، أو الابتداء بفعل الأمر، أو الابتداء بلام القسم، أو الابتداء بالشرط؛
стр. 23
لأن الابتداء به ابتداء كلام مؤتنف، أو الفصل بين آية عذاب بآية رحمة، أو العدول عن الإخبار إلى الحكاية، أو الفصل بين الصفتين المتضادتين، أو تناهي الاستثناء، أو تناهي القول، أو الابتداء بالنفي، أو النهي، وقد يكون الوقف تامًّا على تفسير وإعراب وقراءة، غير تام على آخر نحو: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ تام إن كان ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ مبتدأ خبره ﴿يَقُولُونَ﴾ على أن الراسخين لم يعلموا تأويل المتشابه. غير تام إن كان معطوفًا على الجلالة، وإن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه كما سيأتي بأبسط من هذا في محله.
والكافي: ما يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده إلَّا أن له به تعلقًا ما من جهة المعنى؛ فهو منقطع لفظًا متصل معنى، وسمي كافيًا لاكتفائه واستغنائه عما بعده واستغناء ما بعده عنه بأن لا يكون مقيدًا له، وعود الضمير على ما قبل الوقف لا يمنع من الوقف؛ لأن جنس التام والكافي جميعه كذلك، والدليل عليه ما صح عن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- قال: قال لي رسول الله ﷺ : «اقرأ عليَّ»، فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ فقال: «إني أحب أن أسمعه من غيري» قال: فافتتحت سورة النساء فلما بلغت: ﴿شَهِيدًا﴾، فقال لي: «حسبك» (١)، ألا ترى أن الوقف على شهيدًا كاف وليس بتام؟ والتام: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾؛ لأنه آخر القصة وهو في الآية الثانية، وقد أمره النبي ﷺ أن يقف دون التام مع قربه فدل هذا دلالة واضحة على جواز الوقف على الكافي؛ لأنَّ قوله: يومئذ إلخ ليس قيدًا لما قبله، وفي الحديث نوع إشارة إلى أن ابن مسعود كان صيتًا.
قال عثمان النهدي (٢) صلى بنا ابن مسعود المغرب بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فوددنا أنه لو قرأ سورة البقرة من حسن صوته وترتيله، وكان أبو موسى الأشعري كذلك. ورد أن رسول الله ﷺ سمع صوته وهو يقرأ القرآن، فقال: «لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود» (٣) كان داود ﵇ إذا قرأ الزبور تدنو
стр. 24
إليه الوحوش حتى تؤخذ بأعناقها.
والمراد بقوله: وآتاه الله الملك هو الصوت الحسن قاله السمين، وعلامته أن يكون ما بعده مبتدأ، أو فعلًا مستأنفًا، أو مفعولًا لفعل محذوف نحو: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾، و ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾، أو كان ما بعده نفيًا، أو أن المكسورة، أو استفهامًا، أو بل، أو ألَا المخففة، أو السين، أو سوف؛ لأنها للوعيد، ويتفاضل في الكفاية نحو: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ صالح. ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أصلح منه. ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أصلح منهما، وقد يكون كافيًا على تفسير وإعراب وقراءة، غير كاف على آخر نحو: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ كاف إن جعلت ما نافية. حسن إن جعلتها موصولة، وتأتي أمثلة ذلك مفصلة في محالها.
والحسن: ما يحسن الوقف عليه، ولا يحسن الابتداء بما بعده؛ إذ كثيرًا ما تكون آية تامة وهي متعلقة بما بعدها؛ ككونها استثناء، والأخرى مستثنى منها؛ إذ ما بعده مع ما قبله كلام واحد من جهة المعنى
-كما تقدم- أو من حيث كونه نعتًا لما قبله، أو بدلًا، أو حالًا، أو توكيدًا، نحو: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ حسن؛ لأنه في نفسه مفيد يحسن الوقف عليه دون الابتداء بما بعده؛ للتعلق اللفظي، وإن رُفِع: ﴿رَبِّ﴾ على إضمار مبتدأ، أو نُصِب على المدح وبه قرئ (١).
وحكى سيبويه: (الحمد لله أهل الحمد) برفع اللام ونصبها فلا يقبح الابتداء به، كأن يكون رأس آية، نحو: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يجوز الوقف عليه؛ لأنه رأس آية، وهو سُنَّة وإن تعلق ما بعده بما قبله؛ لِمَا ثبت متصل الإسناد إلى أم سلمة ﵂: أن النبي ﷺ كان إذا قرأ قطَّع قراءته، يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم»، ثم يقف، ثم يقول: «الحمد لله رب العالمين»، ثم يقف، ثم يقول «الرحمن الرحيم»، ثم يقف (٢).
وهذا أصل معتمد في الوقف على رءوس الآي، وإن كان ما بعد كل مرتبطًا بما قبله ارتباطًا معنويًّا، ويجوز الابتداء بما بعده؛ لمجيئه عن النبي ﷺ .
وقد يكون الوقف (حسنًا) على قراءة، غير حسن على أخرى، نحو الوقف على: ﴿مُتْرَفِيهَا﴾، فمن قرأ: ﴿أَمْرِنَا﴾ بالقصر والتخفيف (٣)، وهي قراءة العامة من الأمر، أي: أمرناهم بالطاعة فخالفوا، فلا
стр. 25
يقف على: ﴿مُتْرَفِيهَا﴾، ومن قرأ (١): ﴿أَمْرِنَا﴾ بالمد والتخفيف بمعنى: كثرنا، أو قرأ: ﴿أَمْرِنَا﴾ بالقصر والتشديد (٢)، من الإمارة بمعنى: سلَّطنا حسن الوقف على: ﴿مُتْرَفِيهَا﴾ وهما شاذتان لا تجوز القراءة بهما، وقد يكون الوقف حسنًا، والابتداء قبيحًا، نحو: ﴿يخرجون الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ الوقف حسن، والابتداء بـ ﴿إِيَّاكُمْ﴾ قبيح لفساد المعنى؛ إذ يصير تحذيرًا عن الإيمان بالله تعالى، ولا يكون الابتداء إلَّا بكلام موفٍّ للمقصود.
والجائز: هو ما يجوز الوقف عليه وتركه، نحو: ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ فإنَّ واو العطف تقتضي عدم الوقف، وتقديم المفعول على الفعل يقتضي الوقف؛ فإن التقدير ويوقنون بالآخرة؛ لأن الوقف عليه يفيد معنى، وعلامته أن يكون فاصلًا بين كلامين من متكلمين، وقد يكون الفصل من متكلم واحد كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ الوقف جائز فلما لم يجبه أحد أجاب نفسه بقوله: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، وكقوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ هنا الوقف، ثم يبتدئ: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ على أنه منصوب بفعل مقدر؛ لأنَّ اليهود لم يقروا بأن عيسى رسول الله فلو وصلنا ﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾
بـ ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ -لذهب فهم من لا مساس له بالعلم: أنه من تتمة كلام اليهود، فيفهم من ذلك أنهم مقرون أنه رسول الله، وليس الأمر كذلك، وهذا التعليل يرقيه ويقتضي وجوب الوقف على ابن مريم، ويرفعه إلى التام.
والقبيح: وهو ما اشتد تعلقه بما قبله لفظًا ومعنى، ويكون بعضه أقبح من بعض، نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾، ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾؛ فإنه يوهم غير ما أراده الله تعالى؛ فإنه يوهم وصفًا لا يليق بالباري ، ويوهم أن الوعيد بالويل للفريقين، وهو لطائفة مذكورين بعده، ونحو: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ يوهم إباحة ترك الصلاة بالكلية، فإن رجع ووصل الكلام بعضه ببعض غير معتقد لمعناه فلا إثم عليه، وإلَّا أثم مطلقًا وقف أم لا، ومما يوهم الوقف على الكلام المنفصل الخارج عن حكم ما وصل به، نحو: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى﴾؛ لأن الموتى لا يسمعون، ولا يستجيبون، إنما أخبر الله عنهم أنهم يبعثون، ومنه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا﴾، ونحو: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾،
стр. 26
ونحو: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ﴾، ونحو: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾، ونحو: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي﴾، وشبه ذلك من كل ما هو خارج عن حكم الأول من جهة المعنى؛ لأنه سوَّى بالوقف بين حال من آمن ومن كفر، وبين من ضل ومن اهتدى؛ فهذا جليُّ الفساد، ويقع هذا كثيرًا ممن يقرأ تلاوتة؛ لحرصه على النَّفَس فيقف على بعض الكلمة دون بعض، ثم يبني على صوت غيره ويترك ما فاته، ومثل ذلك ما لو بنى كل واحد على قراءة نفسه؛ إذ لابد أن يفوته ما قرأه بعضهم، والسُّنَّة: المدارسة؛ وهو أن يقرأ شخص حزبًا، ويقرأ آخر عين ما قرأه الأول، وهكذا فهذه هي السُّنَّة التي كان يدارس جبريل النبي ﷺ بها في رمضان، فكان جبريل يقرأ أوَّلًا، ثم يقرأ النبي ﷺ عين ما قرأه جبريل، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ أي: على لسان جبريل ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ﴾.
وأما الأقبح: فلا يخلو إما أن يكون الوقف والابتداء قبيحين، أو يكون الوقف حسنًا، والابتداء قبيحًا؛ فالأول كأن يقف بين القول والمقول، نحو: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾، ثم يبتدئ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾، أو: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى﴾، ثم يبتدئ: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، أو: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾، ثم يبتدئ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، أو: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا﴾، ثم يبتدئ: ﴿إِن اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾، وشبه ذلك من كل ما يوهم خلاف ما يعتقده المسلم.
قال أبو العلاء الهمذاني (١): لا يخلو الواقف على تلك الوقوف: إما أن يكون مضطرًا، أو متعمدًا؛ فإن وقف مضطرًا، وابتدأ ما بعده غير متجانف لإثم، ولا معتقد معناه -لم يكن عليه وزر.
وقال شيخ الإسلام (٢): عليه وزر إن عرف المعنى؛ لأنَّ الابتداء لا يكون إلَّا اختياريًّا.
стр. 27
وقال أبو بكر بن الأنباري: لا إثم عليه وإن عرف المعنى؛ لأن نيته الحكاية عمن قاله، وهو غير معتقد لمعناه، وكذا لو جهل معناه، ولا خلاف بين العلماء أن لا يحكم بكفره من غير تعمد واعتقاد لمعناه، وأما لو اعتقد معناه -فإنه يكفر مطلقًا وقف أم لا، والوصل والوقف في المعتقد سواء.
إذا علمت هذا عرفت بطلان قول من قال: لا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف على سبعة عشر موضعًا، فإن وقف عليها وابتدأ ما بعدها -فإنه يكفر ولم يفصِّل.
والمعتمد ما قاله العلامة النكزاوي (١): أنه لا كراهة إن جمع بين القول والمقول؛ لأنه تمام قول اليهود والنصارى، والواقف على ذلك كله غير معتقد لمعناه، وإنما هو حكاية قول قائلها حكاها الله عنهم، ووعيد ألحقه الله بالكفار، والمدار في ذلك على القصد وعدمه.
وما نسب لابن الجزري من تكفير مَن وقف على تلك الوقوف ولم يفصِّل -ففي ذلك نظر.
نعم إن صح عنه ذلك حُمِل على ما إذا وقف عليها معتقدًا معناها -فإنه يكفر سواء وقف أم لا، والقارئ والمستمع المعتقدان ذلك سواء، ولا يكفر المسلم إلَّا إذا جحد ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وما نُسب لابن الجزري من قوله:
مَغْلُولَةٌ فَلَا تَكُنْ بِوَاقِفِ ... فَإِنَّهُ حَرَامٌ عِنْدَ الْوَاقِف
مَا لَمْ يَكُنْ قَدْ ضَاقَ مِنْكَ النَّفَسُ ... فَإِنْ تَكُنْ تُصْغِي فَأَنْتَ الْقَبَسُ
وَلَا عَلَى إِنَّا نَصَارَى قَالُوا ... أَيْضًا حَرَامٌ فَاعْرِفَنْ مَا قَالُوا
وَلَا عَلَى الْمَسِيحِ ابْنِ اللهِ ... فَلَا تَقِفْ وَاسْتَعِذَنَّ بِالله
فَإِنَّهُ كُفْرٌ لِمَنْ قَدْ عَلِمَا ... قَدْ قَالَهُ الْجَزَرِيُّ نَصًّا حَسْبَمَا
وَقِسْ عَلَى الْأَحْكَامِ فِيمَا قَدْ بَقي ... فَإِنَّهُ الْحَقُّ فَعِي وَحَقِّق
وَلَا تَقُلْ يَجُزْ عَلَى الْحِكَايَةِ ... فَإِنَّهُ قَوْلٌ بِلَا دِرَايَة
стр. 28
مخالف للأئمة الأعلام، وما جزاء من خالفهم إلَّا أن يمحى اسمه من ديوان العقلاء فضلًا عن الفضلاء، وما علمت وجه تكفيره الواقف على قوله: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ وهو وقف جائز على أن جواب ﴿لَمَّا﴾ محذوف، وعليه فلا كراهة في الابتداء بقوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾.
قال السمين (١): قال ابن عصفور (٢): يجوز أن يكون الله قد أسند إلى نفسه ذهابًا يليق بجلاله، كما أسند المجيء والإتيان على معنى يليق به تعالى، فلعل تكفيره الواقف لاحظ أن الله لا يوصف بالذهاب ولا بالمجيء، وكذلك لا وجه لتكفيره الواقف على قوله: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ مع أنَ الهمداني والعبادي (٣) قالا: إنه جائز، والكتابة على بقية ما نسب لابن الجزري تطول -أضربنا عنها تخفيفًا.
ويدخل الواقف على الوقوف المنهي عنها في عموم قوله ﷺ في حق من لم يعمل بالقرآن: «رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه» كأن يقرأه بالتطريب والتصنع فهذه تخل بالمروءة وتسقط العدالة.
قال التتائي (٤): ومما يردُّ الشهادة التغني بالقرآن. أي: بالألحان التي تفسد نص القرآن ومخارج حروفه بالتطريب وترجيع الصوت، من لحن بالتشديد طرب، وأما الترنم بحسن الصوت فهو حسن؛ فقد ورد أن النبي ﷺ سمع صوت عبد الله بن قيس المكنى بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ القرآن، فقال: «لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود» (٥).
стр. 29
تنبيهات
[اتباع رسم المصحف]
الأول: يجب اتباع ما رُسِم في المصحف العثماني من المقطوع والموصول، وما كُتِب بالتاء المجرورة، وما كتب بالهاء، وتأتي مفصلة في محالها.
[ذكر إنما]
كل ما في القرآن من ذكر: (إنما)، من كل حرفين ضم أحدهما إلى الآخر فهو في المصحف الإمام حرف واحد، فلا تفصل (أن) عن (ما) إن كان لا يحسن موضع (ما) الذي نحو: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فلا يقال: إن الذي نحن مصلحون، وإن كان يحسن موضع (ما) الذي نحو: ﴿إِن مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ﴾ فهما حرفان، ولم يقطع في القرآن غيره.
[ذكر عمّا]
وكل ما في القرآن من ذكر: (عما)، فهو حرف واحد إلا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾ فهما حرفان؛ لأن المعنى: الذي نهوا عنه، ولم يقطع في القرآن غيره.
[ذكر ماذا]
وكل ما في القرآن من ذكر: (ماذا)، فلك فيه وجهان:
أحدهما: أن تجعل (ما) مع (ذا) كلمة واحدة، و (ذا) ملغاة.
والثاني: أن تجعل (ما) وحدها استفهامًا محلها رفع على الابتداء، و (ذا) اسمًا موصولًا بمعنى: الذي محله خبر (ما)؛ لأنها لم تلغ فهما كلمتان، واشترطوا في استعمال (ذا) موصولة أن تكون مسبوقة بـ (ما)، أو (مَن) الاستفهاميتين.
نحو قوله:
وَقَصِيدَةً تَأْتِي الْمُلُوكَ غَرِيبَةً ... قَدْ قُلْتُهَا لِيُقَالُ: مَنْ ذَا قَالَهَا؟ (١)
أي: من الذي قالها؟ وإن لم يتقدم على (ذا) (ما)، ولا (من) الاستفهاميتان -لم يجز أن تكون موصولة، وأجازه الكوفيون تمسكًا بقول الشاعر:
стр. 30
عَدْسُ مَا لِعَبَّادِ عَلَيْكَ إِمَارَةٌ ... نَجَوْتَ وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ (١)
فزعموا أن التقدير: والذي تحملينه طليق، فـ (ذا) موصول مبتدأ، وتحملين صلة، والعائد محذوف، وطليق خبر، وعدس اسم صوت تزجر به البغلة، وفيه الشاهد على مذهب الكوفيين: أن (هذا) بمعنى (الذي)، ولم يتقدم على (ذا) (ما)، ولا (مَن) الاستفهاميتان، ومن ذلك: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ فمن نصب (العفو) له وجهان: أحدهما: جعل (ماذا) كلمة واحدة، ونصبه بـ (ينفقون)، ونصب (العفو) بإضمار (ينفقون) أي: ينفقون العفو. الثاني: جعل (ماذا) حرفين (ما) وحدها استفهامًا محلها رفع على الابتداء، و (ذا) اسمًا موصولًا بمعنى: الذي محله رفع خبر (ما)؛ لأنها لم تلغ ونصب (العفو) بإضمار ينفقون.
[ذكر أينما]
وكل ما فيه من ذكر: (أينما)، فهو في الإمام كلمة واحدة في قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ في البقرة، و ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ في النحل، و ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢)﴾ في الشعراء.
[ذكر كل ما]
وكل ما فيه من ذكر: (كل ما)، فـ (كل) مقطوعة عن (ما) قال الزجاجي (٢): إن كانت (كلما) ظرفًا فهي موصولة، وإن كانت شرطًا فهي مقطوعة كقوله: ﴿وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ فـ (كل) مقطوعة من غير خلاف، وما عدا ذلك فيه خلاف، وكل ما فيه من ذكر (أمَّن) فهو بميم واحدة إلَّا أربعة مواضع فبميمين، وهي:
١ - ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾ في النساء.
стр. 31
٢ - و ﴿أَمْ مَنْ أَسَّسَ﴾ في التوبة.
٣ - و ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ في الصافات.
٤ - و ﴿أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا﴾ في فصلت.
[ذكر فإن لم]
وكل ما فيه من ذكر: (فإن لم)، فهو بنون إلَّا قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ في هود.
[ذكر إمَّا]
وكل ما فيه من ذكر (إمَّا) فهو بغير نون إلَّا قوله: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ﴾ في الرعد فبنون.
[ذكر إلَّا]
وكل ما فيه من ذكر (إلَّا) فبغير نون كلمة واحدة إلَّا عشرة مواضع فبنون:
١، ٢ - اثنان في الأعراف: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ﴾، و ﴿أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾.
٣ - و ﴿أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ﴾ في التوبة.
٤، ٥ - واثنان في هود: ﴿وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، و ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ الثاني.
٦ - و ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ في الحج.
٧ - و ﴿أَن لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ في يس.
٨ - و ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾ في الدخان.
٩ - و ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ في الممتحنة.
١٠ - و ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ﴾ في نون.
[ذكر كيلا، لكيلا]
وكل ما فيه من ذكر (كيلا)، و (لكيلا) فموصول كلمة واحدة في آل عمران:
١ - ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾.
٢ - وفي الحج: ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾.
٣ - وثانيه الأحزاب: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾.
٤ - وفي الحديد: ﴿لِكَيلَا تَأْسَوْا﴾.
٥ - وأما: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ في الحشر.
٦ - و ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ في الأحزاب -فهما كلمتان.
[ذكر نعمة]
وكل ما فيه من ذكر (نعمة) فبالهاء إلَّا في أحد عشر موضعًا فهي بالتاء المجرورة:
١ - ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ في البقرة وآل عمران.
стр. 32
٢ - ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ في المائدة.
٣، ٤ - و ﴿بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ في إبراهيم، وفيها: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾.
وثلاثة في النحل:
٥ - ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾.
٦ - و ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾.
٧ - و ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾.
٨ - و ﴿بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ في لقمان.
٩ - و ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ في فاطر.
١٠ - و ﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩)﴾ في الطور.
[ذكر امرأة مقرونة بزوجها]
وكل امرأة ذكرت فيه مع زوجها فهي بالتاء المجرورة كـ (امرأت عمران، وامرأت العزيز) معًا بيوسف، و (امرأت فرعون، وامرأت نوح، وامرأت لوط)، ولم تذكر امرأة باسمها في القرآن إلَّا مريم في أربعة وثلاثين موضعًا (١).
[كراهة التأكل بالقرآن]
التنبيه الثاني: يُكره اتخاذ القرآن معيشة وكسبًا، والأصل في ذلك ما رواه عمران بن حصين مرفوعًا: «من قرأ القرآن فليسأل الله به؛ فإنه سيأتي قوم يقرءون القرآن يسألون الناس به» (٢)، وفي (تاريخ البخاري) بسند صالح: «من قرأ القرآن عند ظالم؛ ليرفع منه لعن بكل حرف عشر لعنات» (٣) قاله السيوطي في (الإتقان) أي: لأن في قراءته عنده نوع إهانة ينزه القرآن عنها، ونصب (عشر) على أنه مفعول (لعن)، ونائب الفاعل مستتر يعود إلى (من)، وللسيوطي في (الجامع): «من أخذ على القرآن أجرًا فذاك حظه من القرآن» (٤). حل عن أبي هريرة، وفيه: «من قرأ القرآن يتأكل به الناس جاء يوم
стр. 33
القيامة ووجهه عظم ليس عليه لحم» (١). هب عن بريدة، ويدخل في الوعيد كل من ركن إلى ظالم وإن لم يرفع منه شيئا؛ لعموم قوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، وقراءة القرآن أو غيره عنده تُعدُّ ميلًا وركونًا، قال السمين: ولما كان الركون إلى الظالم دون مشاركته في الظلم، واستحق العقاب على الركون دون العقاب على الظلم أتى بلفظ المس دون الإحراق، وهذا يسمى في علم البديع: الاقتدار؛ وهو أن يبرز المتكلم المعنى الواحد في عدة صور اقتدارًا على نظم الكلام، وركن من بابي علم وقتل، قرأ العامة (٢): ﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾ بفتح التاء والكاف ماضيه ركِن بكسر الكاف من باب علِم، وقرأ قتادة (٣) بضم الكاف مضارع: ركَن بفتح الكاف من باب قَتَل، والمراد بالظالم: من يوجد منه الظلم سواء كان كافرًا أو مسلمًا.
[تعلُّق الكلم بعضه ببعض]
التنبيه الثالث: اعلم أن كل كلمة تعلقت بما بعدها، وما بعدها من تمامها لا يوقف عليها كالمضاف دون المضاف إليه، ولا على المنعوت دون نعته ما لم يكن رأس آية، ولا على الشرط دون جوابه، ولا على الموصوف دون صفته، ولا على الرافع دون مرفوعه، ولا على الناصب دون منصوبه، ولا على المؤكد دون توكيده، ولا على المعطوف دون المعطوف عليه، ولا على البدل دون المبدل منه، ولا على (أنَّ، أو كان، أو ظن) وأخواتهن دون اسمهنَّ، ولا اسمهنَّ دون خبرهنَّ، ولا على المستثنى منه دون المستثنى، لكن إن كان الاستثناء منقطعًا فيه خلاف: المنع مطلقًا لاحتياجه إلى ما قبله لفظًا، والجواز مطلقًا؛ لأنه في معنى مبتدأ حذف خبره للدلالة عليه، الثالث التفصيل فإن صرح بالخبر جاز، وإن لم يصرح به فلا. قاله ابن الحاجب (٤) في أماليه. ولا يوقف على الموصول دون صلته، ولا على الفعل دون مصدره، ولا
стр. 34
على حرف دون متعلقه، ولا على شرط دون جوابه سواء كان الجواب مقدمًا أو مؤخرًا؛ فالمقدم كقوله: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾؛ لأنَّ قوله: ﴿إِنْ عُدْنَا﴾ متعلق بسياق الكلام، والافتراء مقيد بشرط العود، والمؤخر كقوله: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾؛ فإن قوله: ﴿فَإِن اللَّهَ﴾ جزاء (مَن) في: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾، ولا على الحال دون ذيها، ولا على المبتدأ دون خبره، ولا على المميز دون مميزه، ولا على القسم دون جوابه، ولا على القول دون مقوله؛ لأنهما متلازمان كل واحد يطلب الآخر، ولا على المفسر دون مفسره؛ لأن تفسير الشيء لاحق به، ومتتم له، وجار مجرى بعض أجزائه، ويأتي التنبيه على ذلك في محله.
[الوقف الاضطراري]
التنبيه الرابع: إذا اضطر القارئ ووقف على ما لا ينبغي الوقف عليه حال الاختيار -فليبتدئ بالكلمة الموقوف عليها إن كان ذلك لا يغير المعنى، فإن غيَّر فليبتدئ بما قبلها؛ ليصح المعنى المراد، فإن كان وقف على مضاف فليأت بالمضاف إليه، أو وقف على المفسَّر فليأت بالمفسِّر، أو على الأمر فليأت بجوابه، أو على المترجَم فليأت بالمترجِم، نحو: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ فلا يوقف عليه حتى يأتي بالمترجم.
[المُتَعَسَّفُ الموقوف عليه]
التنبيه الخامس: قال ابن الجزري: ليس كل ما يتعسفه بعض القراء مما يقتضي وقفًا يوقف عليه، كأن يقف على قوله: ﴿أَمْ لَمْ تُنْذِرْ﴾، ويبتدئ: ﴿هُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ على أنها جملة من مبتدأ وخبر، وهذا ينبغي أن يردَّ، ولا يلتفت إليه، وإن كان قد نقله الهذلي (١) في (الوقف والابتداء)، وكأن يقف على قوله: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ﴾، ثم يبتدئ: ﴿بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا﴾، ونحو: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ﴾، ثم يبتدئ: ﴿اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، ونحو: ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾، ثم يبتدئ: ﴿عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، ونحو: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بحقٍ﴾، ثم يبتدئ: ﴿بحقٍ﴾ وهو خطأ من وجهين: أحدهما: أن حرف الجر لا يعمل فيما قبله، قال بعضهم: إن صح ذلك عن أحد كان معناه: إن كنت قلته فقد علمته بحق. الثاني: أنه ليس موضع قسم، وجواب آخر أنه إن كانت الباء غير متعلقة بشيء فذلك غير جائز، وإن كانت للقسم لم يجز؛ لأنه لا جواب ههنا، وإن كان ينوي بها التأخير كان خطأ؛ لأن التقديم والتأخير مجاز، ولا يستعمل
стр. 35
المجاز إلَّا بتوقيف عن رسول الله ﷺ أو حجة قاطعة، ونحو: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾، ثم يبتدئ: ﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾، وجعل الباء حرف قسم، ونحو: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾، ثم يبتدئ: ﴿إِن الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾، وذلك خطأ؛ لأن باء القسم لا يحذف معها الفعل، بل متى ما ذكرت الباء تعين الإتيان بالفعل كقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ يحلفون بالله، ولا تجد الباء مع حذف الفعل، ونحو: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾، ثم يبتدئ: ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا﴾ وليس بشيء؛ لأنَّ الجواب بعده، و (ثَم) ظرف لا يتصرف فلا يقع فاعلًا ولا مفعولًا، وغلط من أعربه مفعولًا لرأيت، أو جعل الجواب محذوفًا، والتقدير: إذا رأيت الجنة رأيت فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ونحو: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، ثم يبتدئ:
﴿عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ بنصب (علم) على إسقاط حرف القسم وبقاء عمله وهو ضعيف، وذلك من خصائص الجلالة فلا يشركها فيه غيرها عند البصريين، وجواب القسم ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ أي: والله لترون الجحيم كقول امرئ القيس:
فَقَالَتْ يَمِينُ اللهِ مَا لَكَ حِيلَةً ... وَمَا إِنْ أَرَى عَنْكَ الْغِوَايَةَ تَنْجَلِي (١)
فهذا كله تعنت وتعسف لا فائدة فيه، فينبغي تجنبه وتحريه؛ لأنه محض تقليد، وعلم العقل لا يعمل به إلَّا إذا وافقه نقل، وسقت هذا هنا؛ ليُجتنب فإني رأيت من يدَّعي هذا الفن يقف على تلك الوقوف، فيلقي في أسماع الناس شيئًا لا أصل له، وأنا محذر من تقليده واتباعه، وكذا مثله ممن يتشبه بأهل العلم وهم عنهم بمعزل، اللهم أرنا الحق حقًّا فنتبعه، والباطل باطلًا فنجتنبه.
стр. 36
[المراعة في الوقف]
التنبيه السادس: ينبغي للقارئ أن يراعي في الوقف الازدواج، والمعادل، والقرائن، والنظائر. قال ابن نصير النحوي (١): فلا يوقف على الأول حتى يأتي بالمعادل الثاني؛ لأن به يوجد التمام، وينقطع تعلقه بما بعده لفظًا نحو: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾، والأولى الفصل والقطع بين الفريقين، ولا يخلط أحدهما مع الآخر، بل يقف على الأول، ثم يبتدئ بالثاني.
[ذكر الذين، الذي]
التنبيه السابع: كل ما في القرآن من ذكر (الذين)، و (الذي) يجوز فيه الوصل بما قبله نعتًا، والقطع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ حذف خبره، إلَّا في سبعة مواضع فإنه يتعين الابتداء بها:
١ - ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ﴾ في البقرة.
٢ - وفيها أيضًا: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾.
٣ - وفيها أيضًا: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾.
٤ - وفي التوبة: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾.
٥ - وفي الفرقان: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾.
٦ - وفي غافر: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ لا يجوز وصلها بما قبلها؛ لأنه يوقع في محظور، كما بيَّن فيما تقدم.
٧ - وفي سورة الناس: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ﴾ على أنه مقطوع عما قبله.
وفصّل الرمّاني: إن كانت الصفة للاختصاص امتنع الوقف على موصوفها؛ لأنها لتعريفه، فيلزم أن تتبعه في إعرابه ولا تقطع، وإن كانت للمدح لا لتعريفه جاز القطع والاتباع، والقطع أبلغ من إجرائها؛ لأن عاملها في المدح غير عامل الموصوف.
[أصل بلى]
التنبيه الثامن: أصل (بلى) عند الكوفيين (بل) التي للإضراب، زيدت الياء في آخرها علامة لتأنيث الأداة؛ ليحسن الوقف عليها، يعنون بالياء الألف، وإنما سمَّوها ياءً؛ لأنها تمال وتكتب بالياء؛ لأنها للتأنيث كألف حبلى، وقال البصريون: (بلى) حرف بسيط، وتحقيق المذهبين في غير هذا، وهي للنفي
стр. 37
المتقدم في اثنين وعشرين موضعًا في ست عشرة سورة (١)، يمتنع الوقف على سبعة، وخمسة فيها خلاف، وعشرة يوقف عليها أشار إلى ذلك العلامة السيوطي نظمًا، فقال:
حُكْمُ بَلَى فِي سَائِرِ القُرْآنِ ... ثَلَاثَةٌ عَنْ عَابِدِ الرَّحْمَن
أَعْنِي السُّيوطِي جَامِعَ الْإتْقَانِ ... عَنْ عُصْبَةِ التَّفْسِيرِ وَالبُرْهَان
فَالوَقْفُ فِي سَبْعٍ عَلَيْهَا قَدْ مَنَعَ ... لِمَا لَهَا تَعَلُّقٌ بِمَا جَمَعَ
قَالُوا بَلْ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ ... وَالنَّخْلِ وَعْدًا عَنْ ذَوِي الَأَفْهَام
وَقُلْ بَلَى فِي سَبَأٍ قَدِ اسْتَقَرْ ... كَذَا بَلَى قَدْ فَاتْلُونَهَا فِي الزُّمَرْ
قَالُوا بَلَى فِي آَخِرِ الْأَحْقَافِ ... وَفِي التَّغَابُنِ لِلذَّكِيِّ الْوَافِي
وَقُلْ بَلَى فِي سُورَةِ الْقِيَامَةِ ... فَاحْذَرْ مِنَ التَّفْرِيطِ وَالْمَلَامَة
وَخَمْسَةٌ فِيهَا خِلَافَ زُبُرًا ... بِالْمَنْعِ وَالْجَوَازِ حَيْثُ حُرِّرَا
بَلَى وَلَكِنْ قَدْ أَتَى فِي الْبَقَرَهْ ... وَفِي الزُّمَرِ بَلَى وَلَكِنْ حَرَّرَهْ
بَلَى وَرُسُلُنَا أَتَى فِي الزُّخْرُفِ ... وَفِي الْحَدِيدِ مِثْلُهَا عَنْهُمُ قُفِي
قَالُوا بَلَى فِي الْمُلْكِ ثُمَّ جَوَّزُوا ... فِي ثَالِثِ الْأَقْسَامِ وَقْفًا أَبْرَزُوا
وَعَدَّهَا عَشْرٌ سِوَى مَا قَدْ ذُكِرْ ... لَمْ تَخْفَ عَنْ فَهْمِ الذَّكِيِّ الْمُسْتَقِرّ
قوله: وعدها، أي: ما الاختيار جواز الوقف عليه وهو العشرة الباقية.
[ذكر بلى، نعم، كلّا]
التنبيه التاسع: اعلم أن (كلَّا) حرف لا حظَّ له في الإعراب، وكذا جميع الحروف لا يوقف عليها، إلَّا (بلى، ونعم، وكلا)، وحاصل الكلام عليها: أن فيها أربعة أقوال يوقف عليها في جميع القرآن، لا يوقف عليها في جميعه، لا يوقف عليها إذا كان قبلها رأس آية، الرابع التفصيل: إن كانت للردع والزجر وقف عليها، وإلَّا فلا. قاله الخليل (٢) ........................
стр. 38
وسيبويه (١)، وهي في ثلاثة وثلاثين موضعًا في خمس عشرة سورة في النصف الثاني (٢)، وسئل جعفر ابن محمد عن (كلَّا) لِمَ لم تقع في النصف الأول منه؟ فقال: لأنَّ معناها الوعيد، فلم تنزل إلَّا بمكة إيعاد للكفار.
[سور القرآن: أسمائها، ترتيبها، عددها، آيها]
التنبيه العاشر: اعلم أن ترتيب السورة، وتسميتها، وترتيب آيها، وعدد السور -مسموع من رسول الله ﷺ ومأخوذ عنه، وهو عن جبريل، فكان جبريل يعلمه عند نزول كل آية أن هذه تكتب عقب آية كذا في سورة كذا، وجمعته الصحابة من غير زيادة ولا نقصان، وترتيب نزوله في التلاوة والمصحف، وترتيبه في اللوح المحفوظ كما هو في مصاحفنا، كل حرف كجبل قاف، ولم يزل يتلقى القرآن العدول عن مثلهم إلى أن وصل إلينا وأدوه أداءً شافيًا، ونقله عنهم أهل الأمصار، وأدوه إلى الأئمة الأخيار، وسلكوا في نقله وأدائه الطريق التي سلكوها في نقل الحروف وأدائها من التمسك بالتعليم والسماع دون الاستنباط والاختراع، ولذلك صار مضافًا إليهم وموقوفًا عليهم إضافة تمسك، ولزوم، واتباع، لا إضافة استنباط ورأي واختراع، بل كان بإعلام رسول الله ﷺ لأصحابه، فعنه أخذوا رءوس الآي آية آية، وقد أفصح الصحابة بالتوقيف بقولهم: كان رسول الله ﷺ يعلمنا العشر، فلا نتجاوزها إلى عشر أخر، حتى نتعلم ما فيها من العلم والعمل. وتقدم أن عبد الله بن عمر قام على حفظ سورة البقرة ثمان
стр. 39
سنين. أخرجه مالك في موطأه، وما نقل عن الصحابة فالنفس إليه أميل مما نقل عن التابعين؛ لأن قول الصحابي كذا له حكم المرفوع إلى النبي ﷺ خصوصًا من دعا له النبي ﷺ كابن عباس، حيث قال له: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (١) قال ابن عباس: قال لي رسول الله ﷺ : «لما رأيت جبريل لم يره خلق إلا عمي إلَّا أن يكون نبيًّا، ولكن يكون ذلك في آخر عمرك» (٢).
[تسبيع السبعة]
التنبيه الحادي عشر: أول من اقتصر على جمع قراءة السبعة المشهورين أثناء المائة الرابعة أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد (٣)، واختلاف القراء اختلاف تنوع وتغاير، لا اختلاف تضاد وتناقض؛ فإن هذا محال أن يكون في كلام الله تعالى، وهو إما في اللفظ فقط والمعنى واحد، وإما فيهما مع جواز اجتماعهما في شيء واحد، أو اختلافهما معًا مع امتناع جواز اجتماعهما في شيء واحد، بل يتفقان من وجه آخر لا يقتضي التضاد؛ فالأول: كالاختلاف في ﴿الصِّرَاطَ﴾. والثاني: نحو: ﴿مَالِكِ﴾ بالألف، و ﴿مَلِكِ﴾ بغيرها. والثالث: نحو: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ مشددًا ومخففًا، فمعنى المشدد: أن الرسل تيقنوا أن قومهم قد كذبوهم، ومعنى المخفف: أن الرسل توهموا أن قومهم قد كذبوهم فيما أخبروهم به، فالظن في الأولى يقين، وفي الثانية شك، والضمائر الثلاثة للرسل؛ فكل قراءة حق وصدق نزلت من عند الله نقطع بذلك ونؤمن به.
[عدّ الآي، ومن قام به]
التنبيه الثاني عشر: قد عدَّ أربعة من الصحابة الآي: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وعائشة، ونقله عنهم التابعون.
فمن أهل المدينة: عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز.
ومن أهل مكة: عطاء بن أبي رباح، وطاوس.
ومن أهل الكوفة: أبو عبد الرحمن السلمي، وزر بن حبيش، وسعيد بن جبير، والشعبي، وإبراهيم
стр. 40
النخعي، ويحيى بن وثاب.
ومن أهل البصرة: الحسن البصري، وابن سيرين، ومالك بن دينار، وثابت البناني، وأبو مجلز.
ومن أهل الشام: كعب الأحبار، فكان هؤلاء لا يرون بأسًا بعدِّ الآي، ورُوي أن عليًّا عدَّ ﴿الم﴾ آية، و ﴿كهيعص﴾ آية، و ﴿حم﴾ آية، وكذا بقية الحروف أوائل السور -فهي عنده كلمات لا حروف؛ لأن الحرف لا يسكت عليه، ولا ينفرد وحده في السورة، وقد يطلق الحرف على الكلمة، والكلمة على الحرف مجازًا، فما عدَّه أهل الكوفة عن أهل المدينة ستة آلاف آية ومائتا آية وسبع عشرة آية، ثم عدَّ ثانيًا ستة آلاف آية ومائتي آية وأربع عشرة آية.
وعدَّه المكيون: ستة آلاف آية ومائتي آية وتسع عشرة آية.
وعده الكوفيون: ستة آلاف آية ومائتي آية وثلاثين وست آيات.
وعده البصريون ستة آلاف ومائتين وأربع آيات.
[عدد كلماته، حروفه، نقطه]
وأما عدد كلمه وحروفه على قول عطاء بن يسار: فسبعة وسبعون ألفًا وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة.
وحروفه: ثلاثمائة ألف وثلاثة وعشرون ألفًا وخمسة عشر حرفًا.
وقال ابن عباس: حروف القرآن ثلاثمائة ألف وثلاثة وعشرون ألف حرف وستمائة حرف وأحد وسبعون حرفًا.
فحروف القرآن متناهية ومعانيها غير متناهية، وفي (الجامع الصغير): «القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف، فمن قرأه صابرًا محتسبًا كان له بكل حرف زوجان من الحور العين» (١). طس عن عمر قال أبو نصر: غريب الإسناد والمتن.
أول من جمع الناس في القرآن على حرف واحد ورتب سوره: عثمان بن عفان.