← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 650

فقه العبادات على المذهب الحنفي

نجاح الحلبي

Полный текст (522 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة [المؤلفة]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. المذهب الحنفي أحد المذاهب الفقهية الأربعة التي يعود المسلمون إليها لمعرفة أحكام العبادات والمعاملات المختلفة، ولتطبيقها في حياتهم اليومية، بل هو أكثر هذه المذاهب انتشاراً في العالم الإسلامي، حيث استند القضاة إلى أحكامه في قضائهم ردحاً من الزمن إبان الخلافة العباسية، كما كان المذهب الرسمي للدولة العثمانية. وقد ترك لنا السلف تراثاً غنياً في هذا الموضوع في كتب عديدة، منها ما كتب في حياة إمام المذهب، ومنها ما كتب بعد من قبل مشاهير فقهائه. في هذه المراجع دونت نتائج الجهود الكبرى التي بذلها علماء السلف الذين استقصوا كل صغيرة وكبيرة في ميدان الفقه، ولم يتركوا زيادة لمستزيد، ومدوناتهم هذه، رغم مرور قرون على تأليفها، ما تزال وستبقى مرجع المسلم في معرفة تفاصيل أحكام الشريعة الإسلامية، لكن الخوض فيها، وعلى أهميته، ليس بالأمر اليسير على من يعيش في زمننا، لتفاوت ما بين أبناء العصرين في طريقة العرض وفي الأسلوب. لذا جاء هذا الكتاب جسراً يسهل على القارئ الاتصال مع تلك الكتب، فهو مدخل إليها؛ بالنسبة للباحث المتخصص، كما أنه مرجع عملي كاف لمن ينشد في كتب الفقه الإرشاد في سلوكه اليومي على ضوء قواعد الشريعة الإسلامية. وموضوعاته تقتصر على قسم العبادات في المذهب. في هذا الكتاب محاولة لتقديم المعلومات بطريقة تنسجم مع روح العصر؛ حيث يعتني الكتاب بالتقسيم والترقيم والعنونة والابتعاد عن الاستطرادات المطولة، كما يعتنون بعزو المعلومات إلى مراجعها بدقة، لتوثيقها ولتسهيل العودة إليها في الأصول لمن أراد. هذا الأسلوب في التأليف يلائم مادة الكتاب؛ حيث تتشعب القضايا ويلزم حفظها بعد فهمها للتطبيق العملي، وقد اعتمدته في كتابي، وأضفت شروحاً في الهوامش حيث اقتضى الأمر. كما حرصت على ذكر الأدلة محققة من الكتاب والسنة بالاعتماد على المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم والمعاجم المفهرسة للحديث وأمهات كتب الحديث. وقد صدرت بمقدمة عن حياة الإمام أبي حنيفة والفقه الحنفي. مع هذا الجهد المبذول أقر أنه ما كان لعمل بشري أن يبلغ الكمال، وإن طمع المرء لبلوغه، وما عاد مؤلف كتاب إلى ما كتبه مرة إلا وجد فيه ما يمكن إضافته أو حذفه أو تعديله بغية بلوغ العمل مرتبة أفضل. وإني إذ أضع مؤلفي هذا بين يدي القراء لأرجو من الله أن يتقبله مني وأن ينفع به المسلمين، آملة منهم تزويدي بملاحظاتهم حول ما فيه سلبيات لعلي أتدارك ما وقع منها في الطبعات القادمة إن شاء الله. وفي الختام لا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر لكل من ساهم معي بجهد في إنجاز هذا الكتاب، وأتوجه إلى الله بالدعاء أن يثيبه عني وعن المسلمين. المؤلفة -٣ ربيع الأول ١٤٠٦ هـ -١٥ تشرين الثاني ١٩٨٥ م

стр. 3

الإمام أبو حنيفة النعمان ﵁

стр. 4

- لمحة عن حياته (٨٠ - ١٥٠ هـ) . نسبه: هو الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت الفارسي، عرف بالإمام الأعظم. كان جده من أهل كابل قد أسر عند فتح بلاده ثم مُنّ عليه. وأبو حنيفة - وإن كان مولى - لم يجر عليه الرق ولا على أبيه، بل كان حر النفس أصيلاً، ولم يكن نسبه الفارسي غاضاً من قدره في عصر يقدم شرف التقوى على شرف النسب. وكان العلم في عصره أكثره في الموالي (١) ، فكانوا الوسط العلمي للدولة الإسلامية بعد الصحابة ردحاً طويلاً من الزمن، فصدقت فيه نبوءة رسول الله ﷺ : (لو كان العلم بالثريا لتناوله أناس من أبناء فارس) (٢) .

стр. 5

مولده ونشأته: ولد أبو حنيفة ﵁ في الكوفة سنة ثمانين للهجرة على رواية الأكثرين، ونشأ وتربى بها وعاش أكثر حياته فيها متعلماً ومجادلاً ومعلماً. ولد أبوه ثابت على الإسلام ويروى أنه التقى بعلي بن أبي طالب ﵁ صغيراً فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته. نشأ أبو حنيفة ﵁ في بيت إسلامي خالص، وقد ابتدأ حياته تاجراً ثم لفته الشعبي فقيه الأثر، لما لمح فيه من مخايل الذكاء وقوة الفكر، إلى الاختلاف إلى العلماء مع التجارة، فانصرف إلى العلم دون أن يهمل التجارة.

стр. 6

طلبه للعلم: تثقف أبو حنيفة ﵁ بالثقافة الإسلامية التي كانت في عصره، فقد حفظ القرآن على قراءة عاصم، ودرس الحديث، وعرف قدراً من النحو والأدب والشعر، كما درس علم الكلام وأصول الدين، وجادل الفرق المختلفة في مسائل الاعتقاد وما يتصل به، ثم عدل إلى الفقه واستمر عليه واستغرق كل مجهوده الفكري، وقد ذكر في اختياره للفقه قوله: "كلما قلبته وأدرته لم يزدد إلا جلالة ... ورأيت أنه لا يستقيم أداء الفرائض وإقامة الدين والتعبد إلا بمعرفته، وطلب الدنيا والآخرة إلا به". وقد اتجه أبو حنيفة ﵁ إلى دراسة الفتيا على المشايخ الكبار الذين كانوا في عصره، ولزم شيخه حماد بن أبي سليمان مذ كان في الثانية والعشرين من عمره إلى أن مات شيخه وأبو حنيفة ﵁ في الأربعين من عمره. ومع ملازمة أبي حنيفة ﵁ لشيخه حماد فقد كان كثير الرحلة إلى بيت الله الحرام حاجاً، يلتقي في مكة والمدينة بالفقهاء والمحدثين والعلماء، يروي عنهم الأحاديث ويذاكرهم الفقه ويدارسهم ما عندهم من طرائق. وكان يتتبع التابعين أينما وحيثما ثقفوا، وخصوصاً من اتصل منهم بصحابة امتازوا في الفقه والاجتهاد، وقد قال في ذلك: "تلقيت فقه عمر وفقه عبد الله بن مسعود وفقه ابن عباس عن أصحابهم". وقد جلس الإمام أبو حنيفة في الأربعين من عمره في مجلس شيخه حماد بمسجد الكوفة، وأخذ يدارس تلاميذه ما يعرض له من فتاوى وما يبلغه من أقضية، ويقيس الأشباه بأشباهها والأمثال بأمثالها بعقل قوي مستقيم ومنطق قويم، حتى وضع تلك الطريقة الفقهية التي اشتق منها المذهب الحنفي.

стр. 7

أخلاقه: كان أبو حنيفة ﵁ بالغ التدين شديد التنسك عظيم العبادة، صائماً بالنهار قائماً بالليل تالياً لكتاب الله، خاشعاً دائباً في طاعة الله، قام الليل ثلاثين سنة وكان القرآن الكريم ديدنه وأنيسه. كان كثير البكاء يرحمه جيرانه لكثرة بكائه، كثير الحياء جم الأدب وخاصة مع شيوخه، باراً بوالديه يدعو لهما في كل صلاة ويتصدق عنهما. كان كثير الورع يقول: "لو أن عبداً عبد الله تعالى حتى صار مثل هذه السارية ثم إنه لا يدري ما يدخل في بطنه حلال أو حرام ما تقبل منه". ولذا كان شديد الحرج في كل ما تخالطه شبهة الإثم، فإن ظن إثماً أو توهمه في مال خرج منه وتصدق به على الفقراء والمحتاجين، وقد تصدق ببضاعته كلها عندما باع شريكه ثوباً معيباً دون أن يظهر عيبه. كان عظيم الأمانة في معاملاته حتى شبهه كثيرون في تجارته بأبي بكر الصديق ﵁، فكان مثلاً كاملاً للتاجر المستقيم كما هو في الذروة بين العلماء. قال فيه معاصره مليح بن وكيع: "كان أبو حنيفة عظيم الأمانة، وكان الله في قلبه جليلاً كبيراً عظيماً، وكان يؤثر رضا ربه على كل شيء، ولو أخذته السيوف في الله لاحتمل". ومن أخلاقه السماحة والجود، فقد كانت تجارته تدر عليه الدر الوفير رغم ورعه واكتفائه من الربح بالقدر اليسير، وكان ينفق أكثره على المشايخ والمحدثين اعترافاً بفضل الله عليه فيهم. قال فيه الفضيل بن عياض: "كان أبو حنيفة رجلاً فقيهاً معروفاً بالفقه، واسع المال معروفاً بالأفضال على كل من يطيف به، صبوراً على تعلم العلم بالليل والنهار، حسن الليل، كثير الصمت، قليل الكلام حتى ترد مسألة في حلال أو حرام فكان يحسن أن يدل على الحق، رهاباً من مال السلطان". كان ﵀ واحد زمانه، لو انشقت عنه الأرض لانشقت عن جبل من الجبال في العلم والكرم والمواساة والورع والإيثار لله تعالى. وكان أبو حنيفة ﵁ حريصاً على أن يكون مظهره كمخبره حسناً، فكان كثير العناية بثيابه كثير التطيب، حسن الهيئة يحث من يعرفه على العناية بملبسه وسائر مظهره مذكراً بحديث رسول الله ﷺ : (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) . (١)

стр. 8

محنته ووفاته: عاش أبو حنيفة ﵁ عصراً مليئاً بالمشاحنات والتيارات، فقد أدرك دولتي بني أمية والعباس، وكان موقفه واضحاً من كل ما يجري حوله، ولم يعرف عنه يوماً أنه خرج مع الخارجين أو ثار مع الثائرين ... لكن لما طلب منه عمر بن هبيرة والي الأمويين على الكوفة أن يعمل معه امتنع فسجن وعذب ثم هرب ولجأ إلى مكة، واتخذها مقاماً ومستقراً له من سنة (١٣٠ - ١٣٦) للهجرة، فعكف على الفقه والحديث يطلبهما بمكة التي ورثت علم ابن عباس ﵄. ولما استتب الأمر للعباسيين عاد إلى الكوفة وأعلن ولاءه لهم وتابع حلقات درسه في مسجد الكوفة. واستمر على ولائه للدولة العباسية، إلا أنه على ما يظهر انتقد موقف الخليفة المنصور من بعض آل البيت من أبناء علي ﵁، وكان حول الخليفة كثيرون يحسدون أبا حنيفة ﵁ ويوغرون صدر المنصور عليه، فكان أن عرض عليه الخليفة المنصور منصب القضاء امتحاناً لإخلاصه، فاعتذر الإمام عن قبول المنصب تحرجاً من الوقوع في الإثم لأنه يرى القضاء منصباً خطيراً لا تقوى نفسه على احتماله، وتعرض لمحنة قاسية بسبب رفضه؛ إذ وجد الخليفة المنصور الفرصة مواتية للنيل منه فسجن وعذب ثم أخرج من السجن على أن يفتي فكان يُرْجِعُ المسائل ولا يفتي فيها بشيء، فسجن من جديد ثم أخرج ومنع من الفتوى والناس والخروج من المنزل، فكانت تلك حاله إلى أن توفي ﵀ سنة (١٥٠) للهجرة على أصح الأقوال. وقيل إنه مات مقتولاً بالسم في سجنه ﵀. وكان قد أوصى أن يدفن بأرض الخيزران فحمل إليها. وقدر عدد من شيع جنازته وصلى عليها بخمسين ألفاً. وقد صلى المنصور نفسه عليها إقراراً منه بعظمة دينه وتقواه وقال: من يعذرني منك حياً وميتاً؟ رحم الله الإمام ورضي الله عنه وأرضاه.

стр. 9

منزلته العلمية ومصادر علمه: كان الإمام أبو حنيفة فقيهاً مستقلاً قد سلك في تفكيره مسلكاً استقل به وتعمق فيه. وقد بقيت أصوات الثناء تتجاوب في الأجيال تعطر سيرته، قال أحد العلماء: "أقمت على أبي حنيفة خمس سنين فما رأيت أطول منه صمتاً، فإذا سئل عن شيء من الفقه تفتح وسال كالوادي وسمعت له دوياً وجهارة بالكلام". كما وصفه معاصره الورع التقي عبد الله بن المبارك بأنه مخ العلم، فهو قد أصاب من العلم اللباب ووصل فيه إلى أقصى مداه، وكان يستبطن المسائل ويستكنه كنهها ويتعرف أصولها ويبني عليها. ولقد شغل عصره بفكره وعلمه ومناظراته، فهو بين المتكلمين يناقشهم ويدفع أهواء ذوي الأهواء؛ ويناقش الفرق المختلفة وله رأي في مسائل علم الكلام أثر عنه؛ بل هناك رسائل نسبت إليه، وله في الفقه والتخريج وفهم الأحاديث واستنباط علل أحكامها والبناء عليها المقام الأعلى، حتى إن بعض معاصريه قال: "إنه لم يعرف أحداً أحسن فهماً للحديث منه". من أين جاء لأبي حنيفة ﵁ كل هذا العلم؟ ما مصادره؟ ما مهيئاته؟ ما الذي توافر له حتى كان منه ما رواه تاريخ العالم الإسلامي؟. لقد تهيأ لتوجيه أبي حنيفة ﵁ توجيهاً علمياً ولنبوغه في وجهته أمور أربعة، أولها: صفاته التي جبل عليها، ثانيها: شيوخه الموجهون الذين التقى بهم وأثروا فيه، ثالثها: حياته الشخصية وتجاربه، ورابعها: العصر الذي أظله والبيئة الفكرية التي عاش فيها. وسنخص كل واحد من هذه العناصر بكلمة: -١ - صفاته: اتصف أبو حنيفة ﵁ بصفات جعلته في الذروة بين العلماء، صفات العالم الحق الثبت الثقة، البعيد المدى في تفكيره، المتطلع إلى الحقائق، الحاضر البديهة الذي تسارع إليه الأفكار. كان ﵁ ضابطاً لنفسه مستولياً على مشاعره، لا تعبث به الكلمات العارضة ولا تبعده عن الحق العبارات النابية، كان يقول: "اللهم من ضاق بنا صدره فإن قلوبنا قد اتسعت له". وقد أوتي استقلالاً في تفكيره جعله لا يخضع في رأيه إلا لنص من كتاب أو سنة أو فتوى صحابي، ولم يؤثر فيه الحب والبغض. كان عميق الفكرة بعيد الغور في المسائل، لا يكتفي بالبحث في ظواهر الأمور والنصوص ولا يقف عند ظاهر العبارة بل يسير وراء مراميها البعيدة أو القريبة، ولعل ذلك العقل الفلسفي المتعمق هو الذي دفعه لأن يتجه أول حياته إلى علم الكلام كما دفعه لدراسة الحديث دراسة متعمقة، يبحث عن علل ما اشتمل عليه من أحكام مستعيناً بإشارات الألفاظ ومرامي العبارات. كان حاضر البديهة، لا تحتبس فكرته ولا يفحم في جدال، واسع الحيلة يعرف كيف ينفذ إلى ما يفحم به خصمه من أيسر السبل، وله في ذلك غرائب ومدهشات حتى قيل فيه: إنه لو أراد أن يثبت الحكم وعكسه لما أعجزه ذلك. كان مخلصاً في طلب الحق مما نور قلبه وأضاء بصيرته، فكان لا يهمه إلا الحق سواء كان غالباً أو مغلوباً. وكان لإخلاصه لا يفرض في رأيه أنه الحق المطلق بل يقول: "قولنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاء بأحسن من قولنا فهو أولى بالصواب منا". هذه جملة الصفات التي جعلت من أبي حنيفة ﵁ فقيهاً انتفع بكل غذاء روحي وصل إليه. -٢ - شيوخه والموجهون الذين التقى بهم: التقى الإمام أبو حنيفة بعدد من الذين عمروا من الصحابة، منهم أنس بن مالك وعبد الله ابن أبي أوفى وسهل بن سعد رضوان الله عليهم، ولكنه لم يرو عنهم إذ كان في سن لقائه بهم صغيراً، ولكن أجمع العلماء على أنه التقى بكبار التابعين وجالسهم ودارسهم وروى عنهم وتلقى فقههم. وقد قال: "كنت في معدن العلم والفقه فجالست أهله ولزمت فقيهاً من فقهائهم". وهذا يدل على أنه عاش في وسط علمي وجالس العلماء وعرف مناهج بحثهم ثم اختار من بينهم فقيهاً وجد فيه ما يرضي نزوعه العلمي وهو حماد بن أبي سليمان الذي انتهت مشيخة الفقه العراقي في عصره، فلزمه ثماني عشرة سنة. وكان حماد قد تلقى معظم فقهه على إبراهيم النخعي فقيه الرأي كما تلقى عن الشعبي فقيه الأثر، وهما اللذان انتهى إليهما فقه الصحابيين الجليلين عبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب ﵄، وكانا قد أقاما بالكوفة وأورثا أهلها تراثاً فقهياً عظيماً. ومن شيوخه عطاء بن أبي رباح الذي أخذ خلاصة علم ابن عباس ﵄ عن مولاه عكرمة. وكان أبو حنيفة ﵁ يلازمه ما دام مجاوراً لبيت الله الحرام. ومنهم نافع مولى ابن عمر ﵄ وقد أخذ عنه أبو حنيفة ﵁ علم ابن عمر وعلم عمر ﵄. وهكذا اجتمع للإمام أبي حنيفة علم عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر ﵃ عن طريق من تلقى عنهم من تابعيهم ﵃ أجمعين. ولم يقتصر الإمام أبو حنيفة على الأخذ عن هؤلاء الفقهاء بل تجاوز ذلك إلى أئمة آل البيت فأخذ عنهم ودارسهم، منهم الإمام زيد بن علي زين العابدين ومحمد الباقر وجعفر الصادق وعبد الله بن الحسن بن الحسن. ولم يكن اتصال أبي حنيفة، ﵁، العلمي مقصوراً على رجال الجماعة وأئمة آل البيت بل اتصل بمختلف الفرق وتعرف على آرائهم وأقوالهم، فكان يأخذ من كل هذه العناصر ثم يخرج منها بفكر جديد ورأي قويم لم يكن من نوعها وإن كان فيه خيرها. وهكذا نستطيع أن نقول إنه تلقى فقه الجماعة الإسلامية بشتى منازعها وإن كان قد غلب عليه تفكير أهل الرأي بل عُدّ شيخ أهل الرأي. -٣ - دراسته الخاصة وتجاربه: كانت حياة الإمام أبي حنيفة ودراساته وتجاربه تتجه به نحو تكوين فقيه العراق الأول. فقد زاول التجارة وكان عليماً بأحوال البيع والعرف التجاري مما جعله يتكلم في معاملات الناس وأحكامها كلام الخبير الفاهم؛ فجعل للعرف مكاناً في تخريجه الفقهي، وأحسن التخريج بالاستحسان عندما يكون في القياس منافاة للمصلحة أو العدالة. كما كان كثير الرحلة إلى الحج وغيره يلتقي بالعلماء يدارس ويذاكر ويناظر ويروي ويفتي. هذا إلى ما تفيده الرحلات نفسها من فتق للذهن ومعرفة بمواطن الوحي والبلاد المختلفة؛ فيحيط خبراً بمعاني الآثار ودقائق الأخبار ويحسن التفريع في المسائل الفقهية ويحكم تصورها والإلمام بأحكامها. وقد كان أبو حنيفة ﵁ مغرماً بالجدل والمناظرة منذ شب في طلب العلم، ومجادلته في العقائد أرهفت تفكيره وعمقت مداركه، ومناظراته في الفقه أطلعته على أحاديث وأوجه للقياس وفتاوى للصحابة لم يكن مطلعاً عليها. وطريقة الإمام أبي حنيفة الخاصة في التدريس جعلت درسه مجالاً لتثقيف المعلم والمتعلم معاً، فقد كان يطرح الفكرة ويناقشها مع تلاميذه، كل يدلي برأيه مخالفاً أو موافقاً، وبعد تقليب النظر يدلي هو بالرأي الذي تنتجه هذه الدراسة فيقر الجميع به. وهذا جعل علمه في نمو متواصل وفكره في تقدم مستمر. -٤ - عصره: أدرك الإمام أبو حنيفة العصر الأموي في عنفوانه وقوته ثم في تحدره وانهياره، وأدرك الدولة العباسية في نشأتها قوية ظافرة ناهضة مسيطرة. وعاش أبو حنيفة ﵁ في العصر الأموي اثنتين وخمسين سنة، وهي السن التي تربى فيها وبلغ أشده، ثم بلغ أوجه العلمي ونضجه الفكري الكامل. ولم يدرك من العصر العباسي إلا ثماني عشرة سنة، وكانت عاداته الفكرية ومناهجه العلمية قد استقامت، وصار ينتج الكثير ولا يأخذ إلا القليل. وعلى هذا فما أخذه الإمام أبو حنيفة من عصره كان أكثره من الأموي وأقله من العباسي، وكان العصر العباسي نمواً لما في العصر الأموي ونتائج لمقدمات بدأت قبله. وقد أغنت الحياة السياسية الحافلة بالصراعات والاتجاهات، والحياة الاجتماعية التي ضمت عناصر مختلفة لكل منها طابع خاص رغم أنها انصهرت جميعها في بوتقة الإسلام، والمشاغل الفكرية في أمور العقيدة وما نشأ عنها من فرق ونحل، وازدهار حركة الترجمة عن الفكر اليوناني والفارسي والهندي، وتفرغ العلماء للخوض في علوم الدين الذي أثمر حركة التدوين للحديث وكثرة المناظرات والرحلات العلمية. أغنت هذه الأجواء، السياسية والاجتماعية والفكرية والعلمية، مدارك الفقهاء وساعدت في تفتق أذهان العلماء وأوجدت مناخاً ملائماً ساعد في استخراج المسائل وفي فرض الفروض والتصورات.

стр. 10

فقه أبي حنيفة ﵁: كان أبو حنيفة ﵁ أشهر فقهاء الرأي كما كان مالك أشهر فقهاء الحديث. ويقصد بالرأي: كل ما يفتي فيه الفقيه في الأمور التي لا يجد فيها نصاً، ويعتمد في فتواه على ما عرف من الدين بروحه العامة، أو ما يتفق مع أحكامه في جملتها في نظر المفتي، أو ما يكون مشابهاً لأمر منصوص عليه فيها فيلحق الشبيه بالشبيه. وعلى ذلك يكون الرأي شاملاً للقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والعرف. وأساس الاختلاف بين أهل الرأي وأهل الحديث ليس في الاحتجاج بالسنة بل في أمرين: في الأخذ بالرأي، وفي تفريغ المسائل تحت سلطانه. فقد كان أهل الحديث لا يأخذون بالرأي إلا اضطراراً ولا يفرغون المسائل، فلا يستخرجون أحكاماً لمسائل لم تقع، بل لا يفتون إلا فيما يقع من الوقائع. أما أهل الرأي فيكثرون في الإفتاء بالرأي ما دام لم يصح لديهم حديث في ذلك الموضوع الذي يجتهدون فيه، ولا يكتفون باستخراج أحكام المسائل الواقعة بل يفرضون مسائلا غير واقعة ويضعون لها أحكاماً بآرائهم. وكان أكثر أهل الحديث بالحجاز، لأنه موطن الصحابة الأول ومكان الوحي، ولأن التابعين الذين أقاموا فيه تخرجوا على صحابة لم يكثروا من الرأي. وأكثر أهل الرأي كانوا بالعراق، لأنهم تخرجوا على ابن مسعود ﵁ وهو ممن كانوا يتحرجون في الرواية عن رسول الله ﷺ ولا يتحرج في الاجتهاد برأيه، ولأن العراق كان موطناً لفلسفات وعلوم مدارس قديمة، كما أن أسباب الرواية لم تتوافر عند أهله. وقد عرف أبو حنيفة ﵁ باتجاهه إلى الفرض والتقدير فكان يقدر مسائل لم تقع ويبين حكمها ويوضح أدلتها ويقول في ذلك: "إنا نستعد للبلاء قبل نزوله فإذا ما وقع عرفنا الدخول فيه والخروج منه". وهكذا زاد أبو حنيفة ﵁ الفقه التقديري نمواً وأكثر فيه، وسلك الفقهاء من بعده مسلك الفرض والتقدير واختلفوا في المقدار. ذكر العلماء مسنداً من الأحاديث والآثار منسوباً إلى أبي حنيفة ﵁، ولكن أكثر الآراء على أن أبا حنيفة ﵁ لم يدون في الفقه كتاباً مبوباً؛ فقد كان المعروف أن تلاميذه يدونون آراءه ويقيدونها، وربما كان ذلك بإملاءه أحياناً، وكان هو يراجع ما دُوّن أحياناً ليقره أو ليغيره. وكان في جلساته الفقهية مع تلاميذه يلقي مسألة مسألة يقلبها ويسمع ما عندهم ويقول ما عنده ويناظرهم حتى يستقر أحد الأقوال فيها ثم يثبتها أبو يوسف في الأصول حتى أثبت الأصول كلها. وبهذا النحو من التحرير دُوّن مذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه، ونشره أصحابه كتباً مبوبة مرتبة منظمة. وكانت الأقوال التي نقلها أصحاب الإمام أبي حنيفة خالية من الدليل، إلا ما يكون من أثر منقول أو خبر مشهور أو اعتماد على فتوى صحابي أو انتهاء إلى رأي تابعي، وقليلاً ما يذكر قياسها أو عماد استحسانها، اللهم إلا ما كتب أبي يوسف ولا تحكي إلا القليل. ولا شك أن ذلك يبعد بنا عن معرفة الإمام أبي حنيفة القياس صاحب الاستحسان الذي عد أقوى قائس في عصره، فلم يجرؤ أحد على منازعته القياس إذا قايس أو استحسن. وإذا كانت الطبقة التي وليت أصحاب أبي حنيفة ﵁ قد عنيت بالاستدلال واستخراج الأقيسة في الأحكام وبيان أوجه الاستحسان وأحكام العرف، فإننا لسنا على ثقة كاملة من أن هذا الاستدلال الذي يسوقونه هو نفس ما كان يفكر فيه الإمام أبو حنيفة وما اهتدى على ضوئه إلى ما قرره من أحكام. تلاميذه: كان لأبي حنيفة ﵁ تلاميذ كثيرون، منهم من كان يرحل إليه ويستمع أمداً ثم يعود إلى بلده بعد أن يأخذ طريقه ومنهاجه، ومنهم من لازمه. وقد قال هو في أصحابه الذين لازموه: "هؤلاء ستة وثلاثون رجلاً منهم ثمانية وعشرون يصلحون للقضاء، وستة يصلحون للفتوى، واثنان أبو يوسف وزُفَر يصلحان لتأديب القضاة وأرباب الفتوى". ولا شك أن هؤلاء الصحاب الذين يقرر أبو حنيفة ﵁ صلاحيتهم للقضاء والإفتاء وتأديب القضاة كانوا في حياته من النضج العلمي بحيث يمكن أن تعهد إليهم هذه الأمور الخطيرة، وكانوا في سن تؤهلهم لها. أما محمد بن الحسن فقد كان في الثامنة عشر من عمره حينما توفي أبو حنيفة ﵀ ولم تكن سنه تؤهله للقضاء، مع أننا سنجد فقه أبي حنيفة ﵁ خاصة وفقه العراقيين عامة مدين لمحمد ابن الحسن بكتبه، فهي التي حفظته وأبقته للأخلاف مرجعاً يرجع إليه ومنهلاً يستقى منه.

стр. 11

وقد أضفت خدمة تلاميذ الإمام أبي حنيفة لمذهبه وعنايتهم بذلك جلالاً على المذهب وإمامه. وسنخص بالذكر بعض أصحابه ممن كان لهم أثر في نقل فقهه إلى الأجيال اللاحقة. أبو يوسف (١١٣ - ١٨٢ هـ) : وهو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب، الأنصاري نسباً والكوفي منشأً وتعلماً ومقاماً. نشأ فقيراً تضطره الحاجة للعمل ثم أمده الإمام أبو حنيفة بالمال فانصرف إلى طلب العلم. جلس إلى ابن أبي ليلى الفقيه قبل أن يجلس إلى أبي حنيفة ﵁، ثم انقطع إليه مع اتصاله بالمحدثين. وكان فقيهاً عالماً حافظاً، كثير الحديث، عُدّ أحفظ أصحاب الإمام أبي حنيفة للحديث. ولي القضاء لثلاثة من الخلفاء العباسيين: المهدي والهادي ثم الرشيد الذي كانت له عنده مكانة وحظوة. وقد استفاد الفقه الحنفي من أبي يوسف فوائد جليلة، إذ أن اختباره للقضاء جعله يصقل المذهب صقلاً علمياً بسبب اطلاعه على الشؤون العامة ومشاكل الناس، فأصبح قياسه واستحسانه مشتقاً من الحياة العملية لا من الفروض النظرية فقط. وقد استمد المذهب الحنفي نفوذاً مكيناً بتولي أبي يوسف القضاء وكونه القاضي الأول للدولة. ولعل أبا يوسف أول فقهاء الرأي الذين دعموا آراءهم بالحديث وبذلك جمع بين طريقة أهل الرأي وطريقة أهل الحديث. ولأبي يوسف كتب كثيرة دوّن فيها آراءه وآراء شيخه، منها كتاب الآثار وكتاب أبي حنيفة وابن أبي ليلى وكتاب الرد على سير الأوزاعي وغيرها. وفي كتبه جمال في التعبير ووضوح وجزالة ودقة قياس وإحكام فكر، إلى جانب بعض الأدلة الفقهية المصورة لاتجاه الإمام أبي حنيفة في تفكيره. محمد بن الحسن الشيباني (١٣٢ - ١٨٩ هـ) : يكنى أبا عبد الله، وينتسب إلى شيبان بالولاء. كانت سنه عند موت الإمام أبي حنيفة ثماني عشرة سنة، فلم يتلق عنه أمداً طويلاً، ولكنه أتم دراسته لفقه العراق الذي صقله القضاء على أبي يوسف، كما تلقى فقه الحجاز عن مالك ﵁، وروايته للموطأ من أجود الروايات، وتلقى فقد الشام عن الأوزاعي. وكانت له قدرة ومهارة في التفريع والتخريج بالإضافة إلى درايته الواسعة البالغة في الأدب وامتلاكه أعنة البيان. قال فيه الشافعي: "كان محمد بن الحسن يملأ العين والقلب، وكان أفصح الناس، إذ تكلم خيل إلى سامعه أن القرآن نزل بلغته". وقد تمرس بالقضاء أيضاً مما أفاده علماً وتجربة وقرب فقهه من الناحية العملية التي لا تقتصر على التصور والنظر المجرد. وكان عنده اتجاه إلى التدوين فهو يعد بحق ناقل فقه العراقيين إلى الأخلاف، وتعد كتبه المرجع الأول لفقه أبي حنيفة ﵁، سواء في ذلك ما كان بروايته عن أبي يوسف ومراجعته عليه، وما كان قد دوّنه من فقه أهل العراق وتلقاه عن أبي يوسف وغيره. وأهم كتبه: المبسوط والزيادات والجامع الصغير والسير الصغير والسير الكبير والجامع الكبير، وتسمى الأصول وسميت كتب ظاهر الرواية لأنها رويت عن محمد برواية الثقات فهي ثابتة عنه إما متواترة أو مشهورة. ومن كتبه أيضاً كتاب الآثار الذي جمع فيه الأحاديث والآثار التي رواها أبو حنيفة ﵁، وهو يتلاقى في كثير من مروياته مع كتاب الآثار لأبي يوسف وكلاهما يعد مسنداً لأبي حنيفة ﵁ وقد جمعا بعناوين فقهية مرتبة. وهذه الكتب هي عماد النقل في الفقه الحنفي وتعد الأصل الذي يرجع إليه في فقه الإمام أبي حنيفة وأصحابه. زُفَر بن هذيل (١١٠ - ١٥٨ هـ) : وهو أقدم صحبة لأبي حنيفة، ﵁، من صاحبيه أبي يوسف ومحمد. كان ذكياً قوي الحجة أخذ عن الإمام أبي حنيفة فقه الرأي وكان أحد أصحابه قياساً. ليس له كتب بل عمل على نشر آراء أبي حنيفة ﵁ بلسانه في مناظراته الفقهية مع علماء البصرة، وكان قد تولى قضاءها في حياة شيخه. وقد خلف زُفَر أبا حنيفة ﵁ في حلقته ثم خلفه من بعده أبو يوسف.

стр. 12

المذهب الحنفي وانتشاره: المذهب الحنفي الذي تلقته الأجيال وخرج العلماء المسائل على ما استنبط من أصوله هو مدرسة فقهية تجمع آراء الإمام أبي حنيفة واجتهاداته إلى أقوال واجتهادات أصحابه وتلاميذه وبعض معاصريه، كما تضم ما أضافه فقهاء آخرون تبنوا المذهب وساروا على نفس أصوله وإن لم يعاصروا شيخه. فكان لاختلاط الرواية عن الإمام أبي حنيفة بالرواية عن غيره ولاتحاد الأصول أثر في مزج الآراء وجعل مجموعها مذهباً واحداً. وقد نشأ المذهب في موطن الإمام في الكوفة ثم تدارسه العلماء ببغداد بعد وفاة شيخه ثم شاع وانتشر في أكثر البقاع الإسلامية، فكان في العراق ثم في مصر والشام وبلاد الروم وما وراء النهر، ثم اجتاز الحدود فكان في الهند والصين حيث لا منافس له ولا مزاحم، ويكاد يكون المنفرد في تلك الأصقاع النائية إلى الآن، إذ المسلمون في الهند والصين يسيرون في عبادتهم وفي تنظيم أسرهم عليه دون سواه. وقد ابتدأ ينال المنزلة الرسمية التي يسرت له الانتشار منذ أن ولي أبو يوسف منصب القضاء للرشيد ثم صار قاضي القضاة، فكان لا يعين قاضياً في البلاد الإسلامية، من أقصى المشرق إلى شمالي إفريقية، إلا أن يكون حنفياً. فكان المذهب الحنفي المذهب الرسمي للدولة وفي عهد العباسيين ثم العثمانيين. وإذا كان انتشار المذهب الحنفي في أول الأمر بسبب اختيار الخلفاء للقضاة من أئمته فقد اكتسب نفوذاً قوياً بسبب إلف الناس له ونشاط العلماء والمناظرات فيه. كما أن طبيعة المذهب المرنة جعلته قابلاً لكل الأزمنة ملائماً لكل الظروف والبيئات.

стр. 13

تعريف بالأحكام التكليفية

стр. 14

تختلف الأحكام التكليفية بحسب ثبوت طلبها من الشارع وترتيب العقوبة على تركها. وهي:

стр. 15

-١ - الفَرض: لغة: التقدير. شرعاً: هو ما يطلب فعله على وجه اللزوم ويحرم تركه ويعاقب عليه، وتفوت الصحة بتركه. وهو قسمان: آ - فرض قطعي: ويثبت به الفرض والحرام، وهو ما كان قطعي الثبوت والدلالة كالآيات القرآنية والأحاديث المتواترة (١) التي لا تحتمل التأويل. وهو يوجب العلم والعمل ويكفر جاحده. ومثاله: غسل الوجه للوضوء، ومقتضى تركه التحريم. ب - فرض عملي: ويثبت به الواجب وكراهة التحريم، وهو ما كان قطعي الثبوت ظني الدلالة، وهو ما يثبت بالأحاديث والآيات المؤولة، لا يكفر جاحده، لكن مقتضى تركه عدم صحة العمل مع الإثم إن كان عمداً. مثاله: اعتقاد مسح الرأس في الوضوء فرض قطعي، أما المقدار المسموح من الرأس فهو فرض عملي. وقد يكون الفرض بنوعيه: ركناً: وهو ما توقف عليه وجود العمل وكان داخلاً في ماهيته كالركوع في الصلاة. شرطاً: وهو ما توقف عليه وجود العمل وكان خارجاً عن ماهيته كالوضوء في الصلاة. والفرض بنوعيه إما فرض عين: وهو ما يلزم بفعله كل إنسان، ولا يسقط بفعل البعض. وإما فرض كفاية: وهو فرض على المجتمع المسلم، يجب على البعض أن يقوم به فإن قصَّر أثم الجميع وإذا قام به البعض سقط عن الباقين. -٢ - الواجب: وهو ما كانت أدلته ظنية من الحديث أو القياس، ومقتضى تركه كراهة التحريم مع العمد وتجب الإعادة في الوقت. أما تركه سهواً فيسقط الإثم ويجب سجود السهو إن كان في الصلاة، وقد يطلق الواجب ويراد به الفرض العملي. ويجب قضاؤه إن فات. -٣ - السنة: لغة: الطريقة. شرعاً: الطريقة المسلوكة في الدين من غير لزوم. وهي في كل ما كان ظني الثبوت والدلالة من الأحكام، أو ما كان طلبه غير جازم. وهي نوعان: آ - سنة مؤكدة: وهي ما واظب عليه رسول الله ﷺ ، مع تركه مرة واحدة أو مرتين، ويلام تاركها عمداً، ويؤجر فاعلها، ويفيد تركها عمداً كراهة التنزيه. ب - سنة غير مؤكدة: وهي ما فعله النبي ﷺ مرة وتركه أخرى. ولا يلزم بتركها كراهة، بل خلاف الأَوْلى. وحكمها: الثواب على فعلها وعدم اللوم على تركها. ومنها: المندوبات، والمستحبات، والتطوع، والآداب. -٤ - التحريم: وهو ما ورد النهي عنه بدليل قطعي. وهو ما يحرم فعله ويعاقب عليه ويطلب تركه لزوماً ويثاب على تركه. -٥ - المكروه: وهو ضد المحبوب من العمل. وهو لا يثبت إلا بدليل خاص. وهو نوعان: آ - مكروه تحريماً: وهو مخالفة الواجب أو السنة الواردة بلفظ النهي. وهو إلى الحرام أقرب. ب - مكروه تنزيهاً: إذا كان الدليل يفيد النهي غير الجازم، أو ما كان خلاف السنة غير الناهية.

стр. 16

- القواعد العامة في ترجيح أقوال أئمة الحنفية

стр. 17

أولاً: إذا اتفق الإمام أبو حنيفة وصاحباه على جواب واحد في مسألة من المسائل لا يجوز العدول عنه مطلقاً. ثانياً: إذا وافق الإمام أحد صاحبيه لا يعدل عن قولهما إلى المخالف. ثالثاً: إذا انفرد الإمام واتفق صاحباه يرجح قول الإمام على الغالب - في العبادات - أما في القضاء فيقدم قول أبي يوسف. وفيما يتعلق بذوي الأرحام يؤخذ بقول الإمام محمد. رابعاً: قرروا جميعاً أن الاستحسان مقدم على القياس. خامساً: إذا اقترن قول بالفتوى وقول بالصحيح يحكم بالقول المقترن بالفتوى. سادساً: لفظ الصحيح مقدم على لفظ الأصح. سابعاً: لا يحكم ولا يفتي بالقول الضعيف، إلا لنفسه أو للضرورة. ثامناً: يعرف المفتي بأنه مخبر عن الحكم والقاضي ملزم به. تاسعاً: الحكم الملفق باطل، والتلفيق هو الفساد بالمذهبين كأن يَفْسُدَ وضوؤه بمسّ يد زوجته (يفسد عند السادة الشافعية) ويرعف من أنفه (يفسد عند السادة الأحناف) . عاشراً: الرجوع عن التقليد بعد العمل باطل. أحد عشر: التقليد لمذهب في عبادة ما يوجب إتمامها على المذهب نفسه (١) ، إلا في الحج فيجوز طوافه حنفياً ووقوفه في المزدلفة شافعياً أو مالكياً مثلاً.

стр. 18

[متن الكتاب]

стр. 19

كتاب الطهارة

стр. 20

الباب الأول [المياه، الآسار]

стр. 21

- تقدم العبادات على غيرها من أبواب الفقه اهتماماً بشأنها. والصلاة التالية للإيمان، والطهارة مفتاحها، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مفتاح الصلاة الطّهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) (١) . تعريف الطهارة: الطهارة لغة: بفتح الطاء مصدر بمعنى النظافة، وبكسرها آلة التطهير، وبضمها فَضْل ما يتطهر به. شرعاً: النظافة من حَدَثٍ (٢) أو خَبَث (٣) . سببها: أي سبب وجوبها. وهو إرادة ما يحل بدونها فرضاً كان أو واجباً أو نفلاً. وقيل: سببها: الحدث في الحكمية، والخبث في الحقيقة. دليلها: قوله تعالى: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ (٤) . وحديث أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الطهور شطر الإيمان) (٥) . أقسامها: آ - الطهارة من الحدث: والحدث قسمان: -١ - أصغر والطهارة منه بالوضوء. -٢ - أكبر وتكون الطهارة منه بالغسل. ب - الطهارة من الخبث: وتكون بغسل عين النجاسة. والمزيل للحدث والخبث الماء اتفاقاً. أما الخبث فيجوز على المعتمد إزالته بغير الماء من المائعات (٦) .

стр. 22

الفصل الأول: المياه

стр. 23

- المياه التي يصح التطهير بها سبعة، وهي كل ما نزل من السماء أو نبع من الأرض. وتفصيلها كما يلي: -١ - المطر لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهوراً﴾ (١) . -٢ - ماء البحر، لحديث أبي هريرة ﵁ أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن ماء البحر فقال: (هو الطهور ماؤه، الحِلُّ ميتته) (٢) . كما يُرفع الحدث بماء مهيئ لأن ينعقد ملحاً لا بماء حاصل وبذوبان ملح وهو الذي يجمد في الصيف ويذوب في الشتاء لبقاء الأول على طبيعته الأصلية وانقلاب الثاني إلى طبيعته الملحية. -٣ - ماء النهر. -٤ - ماء البئر. -٥ - ماء الثلج والبرد، لحديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقول: (اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد. اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ) (٣) . -٦ - ماء العين.

стр. 24

أقسام المياه: تقسم المياه من حيث أوصافها الشرعية إلى: أولاً - ماء طاهر مُطَهِّر غير مكروه الاستعمال: وهو الماء المطلق الذي يخالطه ما يصير به مقيداً. وهو الذي يرفع الحدث ويزيل النجس. أما ماء زمزم فثوابه أكبر في الوضوء والغسل، لما روى أبو ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (فُرج سقفي وأنا بمكة، فنزل جبريل ﵇ ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم) (١) . لكن يكره الاستنجاء وإزالة النجاسة بماء زمزم تحريماً لأنه يستعمل للتبرك. ويبقى الماء طاهراً مطهِّراً في الحالات التالية: -١ - إن خالطه شيء من الطاهرات الجامدة، فغيرت أحد أوصافه أو كلها على أن لا تزيل سيولته وأن لا يحدث له اسم غير الماء، كالزعفران والأشنان وورق الشجر، لما روت أم هانئ ﵂ (أنها دخلت على النبي ﷺ يوم فتح مكة، وهو يغتسل، قد سترته بثوب دونه، في قصعة فيها أثر العجين) (٢) ، وما روي عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ (أنه كان يغسل رأسه بالخَطْميّ (٣) وهو جنب يجتزي بذلك ولا يصب عليه الماء) (٤) . -٢ - إن خالطه شيء من الطاهرات المائعة، ولم تغلب عليه، والغلبة تحصل بظهور وصف واحد من مائع له وصفان، كاللبن له وصفان: اللون والطعم. فإن لم يوجد جاز به الوضوء وإن وجد أحدهما لم يجز كما لو كان المخالط له وصف واحد فظهر وصفه. أما إن كان للمائع ثلاثة أوصاف كالخل وظهر وصف واحد فيبقى الماء طاهراً مطهراً. وتكون الغلبة للمائع الذي له نفس أوصاف الماء بالوزن، فإن اختلط رطلان مثلاً من الماء المستعمل أو ماء الورد الذي انقطعت رائحته برطل من الماء المطلق لا يجوز به الوضوء. وبالعكس لو كان الأكثر المطلق جاز به الوضوء. -٣ - إن مات فيه ما لا دم له سائلاً، كالحشرات والذباب والبعوض والعقرب والصرصور، لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء) (٥) . -٤ - إن مات فيه حيوان مائي المولد كالسمك وكلب البحر، للحديث المتقدم (هو الطَّهور ماؤه، الحلُّ مَيْتَتُه) . -٥ - ماء مستعمل خالطه ماء مطلق غلب عليه. -٦ - ماء تغير بطول المكث. -٧ - ماء مات فيه ضفدع مائي المولد، فلا ينجسه ويجوز التطهر به، ولكن يحرم شربه لحرمة أكل لحم الضفادع (٦) .

стр. 25

ثانياً - ماء طاهر مطهر مكروه الاستعمال تنزيهاً مع وجود غيره (١) : وهو الماء الذي شرب منه حيوان مثل الهرة والدجاجة المُخلاَّة (٢) وسباع الطير. وقد وردت النصوص بطهارة الهرة لشدة تطوافها على الناس وعدم إمكان الاحتراز من سؤرها، فعن أبي قتادة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال في الهرة: (إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات) (٣) .

стр. 26

ثالثاً - ماء طاهر في نفسه غير مطهر لغيره (١) : آ - الماء المستعمل: ويعرف بأنه الماء الذي أزيل به حَدَثٌ، كغسالة الوضوء والماء المنفصل من غسل المحدث، والماء المستعمل في البدن بنية القربة كالوضوء على الوضوء، وغسل اليدين قبل الطعام لما روى سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده) (٢) . أو وضوء الحائض لتسبيحة الفريضة، أو المنفصل من سنة المضمضة والاستنشاق في الوضوء. والقول الراجح: إن الماء يصير مستعملاً عندما ينفصل عن العضو وإن لم يستقر. ب - ماء الشجر والثمر. جـ - ماء زال عن رقته بالطبخ، كماء الحمص والعدس، وماء خالطه أحد الجامدات الطاهرات فزالت سيولته. د - الماء الذي حصل له اسم غير الماء بمخالطة الجامدات الطاهرات، وإن بقي على سيولته، مثل العرق سوس.

стр. 27

رابعاً - الماء المتنجس: وهو قسمان: آ - ماء جارٍ: وهو ما يعدّه الناس جارياً على الأصح، وقيل ما يذهب بتبنة. ولا يعد هذا الماء نجساً إلا بتغير أحد أوصافه من لون أو طعم أو ريح. ويعتبر حوض الحمام جارياً إذا كان الصنبور والمصرف مفتوحين لو الماء نازلاً والغرف متدارك بحيث لا يسكن الماء. ب - الماء الراكد: وهو إما أن يكون قليلاً أو كثيراً. -١ - القليل: يَنْجُس بوقوع النجاسة فيه ولو لم يظهر أثرها، لما روي عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه) (١) . ويطهر بالتطفيف، أي بإضافة ماء طاهر إليه حتى يجري فيحكم بطهارته ما لم تظهر أثر النجاسة فيه. -٢ - الكثير: وهو ما لا يخلص بعضه إلى بعض أي لا يتحرك أحد طرفيه بتحرك الآخر. وقال الإمام أبو حنيفة: العبرة في ذلك رأي المُبتلى. وحدد علماء الحنفية الخلوص بالمساحة فقدَّروها بعشر في عشر من ذراع الكِرباس (٢) . أي ما يساوي (٤٩) م ٢ مساحة سطح الماء. وعمق ما لا ينجلي بالاغتراف أو لا ينحسر أسفله أي لا تبدو أرضه إذا اغترف منه. وحكم الماء الكثير أنه لا ينجس إلا بتغير أحد أوصافه، وإذا كانت النجاسة مرئية وظاهرة فلا يتوضأ من مكانها.

стр. 28

خامساً - ماء طاهر مشكوك في طهوريته: وهو سؤر (١) كل حيوان مختلف في جواز أكل لحمه، كالحمار الأهلي والبغل الذي أمه أتان (٢) . حكمه: آ - يعود طاهراً مطهراً إن خالطه ماء مطلق أكثر منه. ب - لا يجوز استعماله في الغسل والوضوء مع وجود غيره. وعند فقد الماء يتوضأ ويتيمم للشك. جـ - تجوز إزالة النجاسة به عن الثوب والبدن.

стр. 29

مياه الآبار والصهاريج

стр. 30

- تعتبر مياه الآبار من المياه الراكدة القليلة ولا علاقة لعمق البئر وغزارته. حكم مياه الآبار: إذا وقعت في البئر نجاسة، سواء كانت مخففة أو مغلظة ولو قطرة دم أو بول، فإنه يتنجس. ويعفى عما لا يمكن الاحتراز منه كسقوط الرَّوْث (١) والبعر إن كان قليلاً. أما إن كان كثيراً فيتنجس. وضابط الكثير ما يستكثره الناظر أو أن لا يخلو دلو منه. ولا يتنجس البئر بوقوع آدمي (٢) أو حيوان إن لم يكن نجس العين وليس على بدنه نجاسة وأخرج حياً. وإن أصاب فمه الماء فحكمه حكم سؤره (كما هو مبين في أحكام السؤر) .

стр. 31

كيفية تطهير البئر: أولاً: يطهر بنزح كل ماء البئر بعد إخراج النجاسة منه، ولو نزح قسم من الماء ثم زاد ماء البئر فينزح بمقدار ما بقي وقت وقوع النجاسة. أما إذا كان البئر غزيراً فينزح من (٢٠٠ - ٣٠٠) دلواً متوسطاً (أو ما يسع صاعاً) (١) . ويكون ذلك: -١ - إذا وقع في البئر خنزير ولو خرج حياً ولم يصب فمه الماء لنجاسة عينه. -٢ - إذا وقع فيه كلب، أو أي سبع من سباع البهائم، وأصاب فمه الماء. -٣ - إذا ماتت فيه شاة، أو كلب، أو آدمي. بدليل ما روي عن محمد بن سيرين "أن زنجياً وفقع في زمزم يعني فمات، فأمر به ابن عباس فأخرج، وأمر بها أن تنزح" (٢) . -٤ - إذا مات فيه حيوان وانتفخ (٣) أو تفسخ أو تمعّط شعره مهما كان صغيراً. ثانياً: ينزح من (٤٠ - ٦٠) دلواً بعد إخراج النجاسة، وذلك: -١ - إذا ماتت فيه دجاجة أو هرة أو نحوهما في الجثة ولم تنتفخ أو تتفسخ. -٢ - إذا مات فيه حيوان بين الدجاجة والشاة ولم ينتفخ أو يتفسخ. ثالثاً: ينزح من (٢٠ - ٣٠) دلواً بعد إخراج النجاسة، وذلك: -١ - إذا ماتت فيه فأرة أو نحوها كعصفور، ولم تنتفخ أو تتفسخ لقول أنس ﵁ في فأرة ماتت في البئر وأخرجت من ساعتها: "ينزح عشرون دلواً". -٢ - إذا مات فيه حيوان بين الحمامة والفأرة ولم يتمعط أو تنتفخ. يطهر البئر بنزح الماء المطلوب كما يطهر كل ما حول البئر من بكرة وحبل ودلو وغيرها بعد انفصال آخر قطرة عن الدلو.

стр. 32

أحكام الصهاريج وخزانات المياه: لا تقاس الصهاريج وخزانات المياه على الآبار، إلا إذا كان أكثرها مطموراً في الأرض أو الزير (١) الكبير، لأن النصوص جاءت خاصة بالآبار فلا يقاس عليها. فلو وقعت نجاسة في صهريج ماؤه دون العشر في عشر (٤٩ م ٢ مساحة مع عمق ٢٥ سم) ، يراق كله. أما إن كان مساحة سطح الماء عشراً في عشر فأكثر، فالمعتبر هو ظهور أثر النجاسة. ولكن ما مقدار الزمن الذي يحكم به بنجاسة البئر أو الصهريج إن وجد فيه حيوان؟ الجواب: إذا أخرج حيوان من صهريج أو بئر فعلى المتوضئ أو المغتسل من هذا الماء أن يعيد صلاة يوم وليلة إن لم يتفسخ الحيوان، وثلاثة أيام بلياليها إن تفسخ. أما إن غسل ثوبه دون أن يتوضأ فيعيد غسل الثوب دون الصلاة إن كان غسله من نجاسة.

стр. 33

الفصل الثاني: الأَسْآر

стр. 34

تعريف السّؤْر: لغة: هو البقية والفضلة. شرعاً: بقية الماء في الإناء أو الحوض بعد شرب حيوان أو إنسان. حكمه: طهارة السّؤر تعتبر بطهارة لحم الحيوان لأن اللعاب متولد من اللحم. أقسامه: يقسم أربعة أقسام: أولاً: سؤر طاهر مطهر: وهو: -١ - سؤر الآدميّ مطلقاً رجل أو امرأة ولو كان حائضاً أو جنباً مسلماً كان أم كافراً، لما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: (كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيِّ فيشرب، وأتعرق العَرِق (١) وأنا حائض ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيِّ) (٢) . -٢ - سؤر ما لا دم له سائلاً. -٣ - سؤر الفرس وكل ما يؤكل لحمه من الحيوان.

стр. 35

ثانياً: سؤر نجس مطلقاً: -١ - سؤر الكلب والخنزير، لما روي عن الدارقطني عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (في الكلب يلغ في الإناء أن يغسله ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً) (١) ، ولقوله تعالى: ﴿أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ (٢) . وكذلك سؤر سباع الحيوانات غير الطيور، كالضبع والفهد وابن آوى وكل ما لا يؤكل لحمه. -٢ - سؤر شارب الخمر بعد شربها ولو بزمن قليل. -٣ - سؤر هرة ودجاجة وإبل وبقر علم نجاسة فمها.

стр. 36

ثالثاً: سؤر طاهر ضرورة أي مكروه استعماله تنزيهاً مع وجود غيره: -١ - سؤر الهرة والدجاجة المخلاة. -٢ - سؤر سباع الطير كالصقر والحدأة والغراب، لأنها تشرب بمنقارها وهو عظم طاهر، لكن لحومها نجسة فيحكم بكراهة سؤرها. -٣ - سؤر سواكن البيوت مما له دم سائل كالفأرة والحية مكروه، لأن حرمة اللحم أوجبت نجاسة السؤر إلا أنه سقطت النجاسة لعلة الطواف فبقيت الكراهة. ويكره حمل السؤر المكروه أو لبس ما أصابه سؤر مكروه في الصلاة. رابعاً: سؤر طاهر مشكوك (١) في طهوريته: وهو سؤر البغل (الذي أمه أتان) والحمار لتعارض الآثار في إباحة لحمه، فإن النبي ﷺ كان يركب حماراً مَعْروريّاً (٢) في حر الحجاز، ويصيب العرق ثوبه ويصلي في ذلك الثوب. ولكن لا يجوز استعماله إذا وجد غيره، فإن لم يجد غيره توضأ به وتيمم. والأفضل تقديم الوضوء. ويلحق بأحكام السؤر أحكام العَرَق لتولد العرق من اللحم، ولو خالط الماء فهو كسؤره.

стр. 37

التحرِّي: وهو بذل الجهد لنيل القصد. فلو اختلطت عند امرئ أواني ماء بعضها طاهر والآخر نجس ولا يملك غيرها تصرَّف كالتالي: -١ - إن كان أكثرها طاهراً يتحرى للوضوء والشرب. -٢ - إن كان أكثرها نجساً يتحرى للشرب فقط ويتيمم بدل الوضوء. أما في اللباس فإن اختلطت عليه وليس عنده ثوب مقطوع بطهارته يتحرى، لأن ستر العورة واجب. وإن صلى بالتحري ثم تبين له خطأ اجتهاده أعاد الصلاة في الوقت أو بعده. وهناك قاعدة في الشك حيث يرجع للأصل دائماً، مثلاً إنْ وجدنا ذبيحة وشككنا فيمن ذبحها أهو مسلم أو مجوسي حكمنا بنجاستها ما لم يثبت إيمان المذكّي. أما لو وجدنا ماء وشككنا بنجاسته فهو طاهر لأنه الأصل. وإذا طرأ الشك على شيء مجهول الأصل كمن كان في بعض ماله حرام فهنا تكره معاملته.

стр. 38

الباب الثاني (قَضَاءُ الحاجَة) .

стр. 39

الفصل الأول (سننها ومكروهاتها)

стр. 40

-١ - سنن قضاء الحاجة وآدابه: -١ - أن يقول عند الدخول: "بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (سَتْرُ ما بين أعين الجنّ وعورات بني آدم إذا وضعوا ثيابهم أن يقولوا: بسم الله) (١) ، وعنه أيضاً قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) (٢) . -٢ - أن يقدم رجله اليسرى على اليمنى عند الدخول. -٣ - يجب أن يستتر لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ومن أتى الغائط فلْيَسْتَتِر) (٣) . وألا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، وأن يسبل ثوبه قبل انتصابه. والمهم عدم كشف العورة إلا عند الضرورة وبقدرها، لحديث أنس ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض) (٤) . -٤ - أن يجلس معتمداً على يسراه لأنه أسهل لخروج الخرج، لحديث سراقة بن جعشم ﵁ قال: (علمنا رسول الله ﷺ إذا دخل أحدنا الخلاء أن يعتمد اليسرى وينصب اليمنى) (٥) . -٥ - يستحب أن يتجنب الأمكنة الصلبة حتى لا يصيبه رشاش البول وإلا يحترز من النجاسة لحديث أبي موسى ﵁ قال: إني كنت مع رسول الله ﷺ ذات يوم، فأراد أن يبول، فأتى دَمَثاً (٦) في أصل جدار، فبال، ثم قال النبي ﷺ : (إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتَد لبوله موضعاً) (٧) . -٦ - أن يخرج برجله اليمنى ويقول عند الخروج: "غفرانك الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاي" لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) (٨) ، وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الغائط قال: (غفرانك) (٩) . -٧ - أن يغسل يديه بالصابون عند الخروج، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تَوْر أو رَكوة فاستنجى ثم مسح يده على الأرض ثم أتيته بإناء آخر فتوضأ) (١٠) .
следующие страницы →