← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 650

فقه العبادات على المذهب الحنفي

نجاح الحلبي

Полный текст (522 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثالثاً: سؤر طاهر ضرورة أي مكروه استعماله تنزيهاً مع وجود غيره: -١ - سؤر الهرة والدجاجة المخلاة. -٢ - سؤر سباع الطير كالصقر والحدأة والغراب، لأنها تشرب بمنقارها وهو عظم طاهر، لكن لحومها نجسة فيحكم بكراهة سؤرها. -٣ - سؤر سواكن البيوت مما له دم سائل كالفأرة والحية مكروه، لأن حرمة اللحم أوجبت نجاسة السؤر إلا أنه سقطت النجاسة لعلة الطواف فبقيت الكراهة. ويكره حمل السؤر المكروه أو لبس ما أصابه سؤر مكروه في الصلاة. رابعاً: سؤر طاهر مشكوك (١) في طهوريته: وهو سؤر البغل (الذي أمه أتان) والحمار لتعارض الآثار في إباحة لحمه، فإن النبي ﷺ كان يركب حماراً مَعْروريّاً (٢) في حر الحجاز، ويصيب العرق ثوبه ويصلي في ذلك الثوب. ولكن لا يجوز استعماله إذا وجد غيره، فإن لم يجد غيره توضأ به وتيمم. والأفضل تقديم الوضوء. ويلحق بأحكام السؤر أحكام العَرَق لتولد العرق من اللحم، ولو خالط الماء فهو كسؤره.

стр. 37

التحرِّي: وهو بذل الجهد لنيل القصد. فلو اختلطت عند امرئ أواني ماء بعضها طاهر والآخر نجس ولا يملك غيرها تصرَّف كالتالي: -١ - إن كان أكثرها طاهراً يتحرى للوضوء والشرب. -٢ - إن كان أكثرها نجساً يتحرى للشرب فقط ويتيمم بدل الوضوء. أما في اللباس فإن اختلطت عليه وليس عنده ثوب مقطوع بطهارته يتحرى، لأن ستر العورة واجب. وإن صلى بالتحري ثم تبين له خطأ اجتهاده أعاد الصلاة في الوقت أو بعده. وهناك قاعدة في الشك حيث يرجع للأصل دائماً، مثلاً إنْ وجدنا ذبيحة وشككنا فيمن ذبحها أهو مسلم أو مجوسي حكمنا بنجاستها ما لم يثبت إيمان المذكّي. أما لو وجدنا ماء وشككنا بنجاسته فهو طاهر لأنه الأصل. وإذا طرأ الشك على شيء مجهول الأصل كمن كان في بعض ماله حرام فهنا تكره معاملته.

стр. 38

الباب الثاني (قَضَاءُ الحاجَة) .

стр. 39

الفصل الأول (سننها ومكروهاتها)

стр. 40

-١ - سنن قضاء الحاجة وآدابه: -١ - أن يقول عند الدخول: "بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (سَتْرُ ما بين أعين الجنّ وعورات بني آدم إذا وضعوا ثيابهم أن يقولوا: بسم الله) (١) ، وعنه أيضاً قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) (٢) . -٢ - أن يقدم رجله اليسرى على اليمنى عند الدخول. -٣ - يجب أن يستتر لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ومن أتى الغائط فلْيَسْتَتِر) (٣) . وألا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، وأن يسبل ثوبه قبل انتصابه. والمهم عدم كشف العورة إلا عند الضرورة وبقدرها، لحديث أنس ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض) (٤) . -٤ - أن يجلس معتمداً على يسراه لأنه أسهل لخروج الخرج، لحديث سراقة بن جعشم ﵁ قال: (علمنا رسول الله ﷺ إذا دخل أحدنا الخلاء أن يعتمد اليسرى وينصب اليمنى) (٥) . -٥ - يستحب أن يتجنب الأمكنة الصلبة حتى لا يصيبه رشاش البول وإلا يحترز من النجاسة لحديث أبي موسى ﵁ قال: إني كنت مع رسول الله ﷺ ذات يوم، فأراد أن يبول، فأتى دَمَثاً (٦) في أصل جدار، فبال، ثم قال النبي ﷺ : (إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتَد لبوله موضعاً) (٧) . -٦ - أن يخرج برجله اليمنى ويقول عند الخروج: "غفرانك الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاي" لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) (٨) ، وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الغائط قال: (غفرانك) (٩) . -٧ - أن يغسل يديه بالصابون عند الخروج، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تَوْر أو رَكوة فاستنجى ثم مسح يده على الأرض ثم أتيته بإناء آخر فتوضأ) (١٠) .

стр. 41

-٢ - مكروهات قضاء الحاجة: -١ - يكره الدخول إلى الخلاء ومعه شيء مكتوب فيه اسم الله، لحديث أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء نزع خاتمه) (١) . وقد ثبت أن نقش خاتمه ﷺ كان: محمد رسول الله. -٢ - يكره استقبال مهب الريح، وكذا استقبال الشمس والقمر. -٣ - يكره تحريماً استقبال القبلة بالفرج حال قضاء الحاجة أو استدبارها، ولو في البنيان، لحديث سلمان ﵁ قال: (لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستنجي برَجيع أو بعظم) (٢) . ولما روي عن أبي أيوب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا) (٣) . وكذا يكره إمساك الصبي نحو القبلة للبول. -٤ - يكره ذكر الله تعالى فلا يحمد إذا عطس ولا يَرُدّ سلاماً، ولا يجيب مؤذِّناً، لما روي عن المهاجر بن قنفذ ﵁ أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: (إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر) (٤) . كما يكره مطلق الكلام إلا لضرورة، لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك) (٥) . -٥ - يكره التخلي في طريق الناس أو في الظلّ أو تحت شجرة مثمرة، لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اتقوا اللاعِنَيْنِ، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلّهم) (٦) . -٦ - يكره التخلي في جُحْر (٧) ، لحديث عبد الله بن سَرْجَس ﵁ (أن رسول الله ﷺ نهى أن يبال في الجُحْر. قال: قالوا لقتادة: ما يكره من البول في الجحر؟ قال: كان يقال: إنها مساكن الجن) (٨) . -٧ - يكره التخلي في الماء الراكد، لما روي عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (لا يَبُولنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه) (٩) . وكذلك يكره بقرب بئر أو نهر أو حوض. -٨ - يكره البول قائماً إلا من عذر، لما روت عائشة ﵂ قالت: (من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً) (١٠) . -٩ - يكره النظر إلى فرجه أو إلى ما يخرج منه، وقيل: إنه يورث النسيان. -١٠ - يكره البول في محل الوضوء لأنه يورث الوسوسة، لحديث عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يبولن أحدكم في مستحمه، ثم يغتسل فيه، قال أحمد: ثم يتوضأ فإن عامة الوسواس منه) (١١) . -١١ - يحرم البول على القبر أو في المسجد أو على كل ما يحرم به الاستنجاء من طعام الجن أو الإنس.

стр. 42

الفصل الثاني: الاستنجاء

стр. 43

تعريف الاستنجاء: لغة: مسح موضع النجاسة أو غسله. شرعاً: هو إزالة نجس عن سبيل، ومعناه استعمال الماء بقصد إزالة النَّجْو أي الغائط. الفرق بين الاستبراء والاستنزاه والاستنقاء. الاستبراء: طلب براءة المَخْرج من أثر البول (للرجل فقط) ويكون بنقل الأقدام أو التنحنح (أما المرأة فتنتظر قليلاً ثم تستنجي) وحكمه لازم (وهو فوق الواجب) لفوات صحة الطهارة بفواته. الاستنزاه: طلب البعد عن الأقذار والتطهر من الأبوال. الاستنقاء: النقاوة بالدلك حتى يذهب أثر النجاسة بالأحجار عند الاستجمار وبالأصابع عند الاستنجاء بالماء. حكم الاستنجاء: هو سنة مؤكدة لإزالة الخارج من السبيلين عن مخرجه. أما إذا تجاوزت النجاسة المخرج بقدر الدرهم فتجب إزالتها بالماء، وكذا المرأة يجب أن تستنجي من البول دائماً لاتساع المخرج. وإذا زادت النجاسة المتجاوزة على قدر الدرهم افترض غسلها بالماء، كما يفترض غسل ما في المخرج عند الاغتسال من الجنابة والحيض والنفاس بالماء. ويصح أن تستنجي بالماء فقط، والأفضل الجمع بين الحجر والماء مرتباً فيمسح الخارج ثم يغسل المخرج بالماء، وذلك لأن الله تعالى أثنى على أهل قباء بإتباعهم الأحجار الماء، فعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيراً في الطهور فما طهوركم هذا، قالوا يا رسول الله نتوضأ للصلاة والغسل من الجنابة فقال رسول الله ﷺ : هل مع ذلك غيره. قالوا: لا غير أن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء. قال: هو ذاك) (١) . وعن ابن عباس ﵄ قال: (لما نزلت هذه الآية في أهل قباء: فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين. فسألهم رسول الله ﷺ فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء) (٢) . فكان الجمع سنة. روي عن عائشة ﵂ قالت: (مُرْنَ أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم، فإن رسول الله ﷺ كان يفعله) (٣) . ويصح استعمال الحجر أو الورق وحده في حالة كون النجاسة لم تتجاوز المخرج، والغسل بالماء أحب لحصول الطهارة وإقامة السنة على الوجه الأكمل. وفي الاقتصار على الحجر (الورق) يفضل التثليث، لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ومن استجمر فليوتر، ومن فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج) (٤) .

стр. 44

سنن الاستنجاء: -١ - الاعتماد على الوسطى في الدبر في ابتداء الاستنجاء، ثم يصعد البنصر وغيرها. -٢ - التجفيف بعد الغسل احتياطاً من الماء المستعمل. -٣ - غسل اليدين بعده بالصابون، لحديث ميمونة ﵂ قالت: (وضع رسول الله ﷺ وضوءاً لجنابة فأكفأ (١) على شماله مرتين أو ثلاثاً ثم غسل فرجه ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثاً) (٢) .

стр. 45

مكروهات الاستنجاء: -١ - أن يستنجي باليد اليمنى، لما روي عن أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا بال أحدكم فلا يأخذنّ ذَكره بيمينه، ولا يستنج بيمينه، ولا يتنفّس في الإناء) (١) . -٢ - أن يستنجي بعظم أو روث، لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم الجنّ) (٢) ، وعنه أيضاً أن النبي ﷺ قال: (أتاني داعي الجن.. فذكر الحديث وفيه: كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً وكل بعرة علف لدوابكم) (٣) . وينهي أيضاً عن الاستنجاء بزجاج أو جصٍّ أو فحم أو خزف أو بشيء محترم لقيمته والنهي هنا يقتضي كراهة التحريم.

стр. 46

الباب الثالث (الوُضوُءُ) .

стр. 47

الفصل الأول: تعريفه، سببه، شروطه، حكمه

стр. 48

تعريفه: الوضوء لغة: من الوضاءة، وهي الحسن والنظافة. وشرعاً: نظافة مخصوصة. والمعنى الشرعي مأخوذ من اللغوي، لأن الوضوء يُحسِّن أعضاء الوضوء في الدنيا بالنظافة وفي الآخرة بالتحجيل (١) .

стр. 49

سببه: أ - استباحة ما لا يحل بدونه، فرضاً كان أو واجباً (الصلاة، مس المصحف، الطواف) . ب - وجوب الصلاة. جـ - وقيل سببه الحدث. والحدث لغةً: الشيء الحادث، وشرعاً وصف شرعي يحل بالأعضاء فيزيل الطهارة. د - وقال أهل الظاهر: سببه القيام إلى الصلاة لقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ (١) .

стр. 50

شروطه: أ - شروط وجوب الوضوء: -١ - العقل: إذ لا خطاب بدونه. -٢ - البلوغ: لأنه لا يكلَّف القاصر. -٣ - الإسلام: لأن الكافر لا يكلَّف بالفروع. -٤ - القدرة على استعمال الماء الطَّهور الكافي لجميع الأعضاء مرة مرة. -٥ - وجود الحدث: فلا يَلْزم الوضوء على الوُضوء. -٦ - النَّقاء من الحيض والنَّفاس بانقطاعهما شرعاً. -٧ - ضيق الوقت: لتوجه الخطاب مُضيَّقاً وموسَّعاً في ابتدائه: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ . ب - شروط صحة الوضوء: -١ - عدم الحيض أو النّفاس. -٢ - أن يعم البشرة، فلو بقي مقدار غرزة الإبرة لم يصح الوضوء. -٣ - زوال ما يمنع وصول الماء إلى البشرة لجرم الحائل، كشمع أو شحم وكذا طلاء الأظافر. أما الدسومة التي لا جرمية لها فلا مانع كدسومة الزيت وما شابهه. ويلزم تحريك الخاتم الضيق. -٤ - أن لا يحصل ناقض أثناء الوضوء. -٥ - التَّقاطر. حكمه: -١ - هو فرض للصلاة، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ (١) - ونزلت هذه الآية في المدينة المنورة ولكن الوضوء فُرِضَ في مكة المكرمة عندما فُرضت الصلاة، نزل جبريل ﵇ وعلَّمه لرسول الله ﷺ وكذا لحديث ابن عمر ﵄ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تُقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة بغير غَلول) (٢) . وسواء كانت الصلاة فرضاً أم نافلة أم صلاة جنازة، أو كانت من أجزاء الصلاة كسجدة التلاوة وغيرها مما في معنى الصلاة، فإنها لا تصح إلا بالوضوء. ويكفر من أنكر فريضة الوضوء للصلاة، أما لغير الصلاة فلا يكفر. وهو فرض أيضاً لمس المصحف لقوله تعالى: ﴿لا يمسُّه إلاّ المطهرون﴾ (٣) ، ولما روى عبد الله ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (لا يَمَسَّ القرآن إلاّ طاهراً) (٤) -٢ - واجب للطواف حول الكعبة، لحديث طاووس عن رجل قد أدرك النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال: (إنما الطواف صلاة، فإذا طفتم فأقِلُّوا الكلام) (٥) ، وباعتباره أشبه الصلاة من وجه دون وجه لذا وجبت الطهارة فيه، فلا تتوقف صحة الطواف على الوضوء. -٣ - سنة للنوم، لحديث البراء بن عازب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إذا أتيت مضجعك فنتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شِقّك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، فوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مُتَّ من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به) (٦) . -٤ - مندوب في ثلاثين موضعاً، نذكر منها: عقب الغضب لحديث عطية وقد كانت له صحبة قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) (٧) . وبعد القهقهة خارج الصلاة. وللجلوس في المسجد، لما روي عن عثمان بن عفان ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: (من توضأ وضوئي هذا ثم أتى المسجد فركع فيه ركعتين غفر له ما تقدم من ذنبه) (٨) . كما يندب الوضوء لجُنُب يريد أكلاً أو شرباً أو نوماً أو جماعاً آخر، لحديث عائشة رضي الله قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا كان جنباً، فأراد أن يأكل أو ينام، توضأ وضوءه للصلاة) (٩) ، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود فليتوضأ) (١٠) . ويندب الوضوء عقب الخطايا والذنوب الصغائر لأنه يكفرها، فعن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده، حتى تخرج من تحت أظفاره) (١١) . وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا توضأ العبد المسلم - أو المؤمن - فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء - أو مع آخر قطْر الماء - فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء - أو مع آخر قطْر الماء - فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء - مع آخر قطْر الماء - حتى يخرج نقياً من الذنوب) (١٢) . ويندب بعد الكذب أيضاً. كما يندب لقراءة القرآن غيباً وعند ذكر الله ، لما روي عن المهاجر بن قنفذ ﵁ أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: (إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر) (١٣) . ويندب لحضور مجالس العلم أو غير ذلك.

стр. 51

الفصل الثاني: فرائض الوضوء

стр. 52

وهي أربع لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ (١) . أولاً: غسل الوجه: الغسل هو إسالة الماء على الوجه حتى يتقاطر، والوجه هو ما تقع به المواجهة. وحدّه طولاً من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن، وعرضاً ما بين شحمتي الأذنين. وهو يشمل الحاجبين والشاربين شعراً وبشراً. أما اللحية فإن كانت خفيفة فيجب إيصال الماء إلى البشرة، وإن كانت كثيفة فيكفي غسل ظاهر الشعر، ولا يجب غسل ما زاد على دائرة الوجه مما استرسل من اللحية. ثانياً: غسل اليدين مع المرفقين: وتشمل اليد: الكف والساعد والمرفق. وقد اتفق الفقهاء على أن المرفق داخل بالغسل وخالف الإمام زُفَر، ودليل الجمهور حديث نعيم بن عبد الله المجمر قال: (رأيت أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ) (٢) . ومن قطعت يده من المرفق فلا يغسل سوى محل القطع. ثالثاً: مسح الرأس: والمسح إمرار اليد المبتلَّة على العضو. والمقدار المطلوب مسحه مُخْتَلَفٌ فيه على أقوال: أ - مقدار ثلاث أصابع من أصابع اليد، ودليل أصحاب هذا القول أن الباء في قوله تعالى ﴿برؤوسكم﴾ للإلصاق. وهي إن اتصلت بالمسموح دلّ على استيعاب الآلة يعني اليد، والمراد أكثرها وهو يتحقق بثلاث أصابع. ب - وقال بعضهم المقصود ربع الرأس سواء أكان من مقدم الرأس أو من الناصية على أن يكون فوق الأذنين، فلو مسح على أسفل الذوائب لا يصح، وذلك لأنه الوارد عن رسول الله ﷺ ، ولأن استيعاب اليد يقتضي مسح ربع الرأس؛ ففي حديث أنس ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وعليه عمامة قِطرية، فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مُقدَّم رأسه ولم ينقض العمامة) (٣) . جـ - وذكر الكرخي والطحاوي أن المقصود هو مقدار ناصية الرأس، لحديث المغيرة ابن شعبة ﵁ قال: (إن النبي ﷺ توضأ ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين) (٤) . رابعاً: غسل الرجلين مع الكعبين: والكعبان هما العظمان المرتفعان في جانبي القدم، وهما داخلان بالغسل مع القدمين للحديث المتقدم: (.. ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق) ، ولقوله ﷺ بعدما غسل رجليه - فيما رواه بريدة عنه ﵁ (هذا الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به) (٥) ، ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: (أسبغوا الوضوء فإن أبا القاسم قال: ويل للأعقاب من النار) (٦) . ويجب غسل شقوق الأرجل إن قدر، ولا يضر أن يمسح عليها إ لم يقدر أو كان عليها دواء، فإن لم يستطع الغسل ولا المسح ولا إمرار الماء على الدواء الذي وضعه عليها، يتوضأ ويدع ما يضره من شقوق في رجليه.

стр. 53

الفصل الثالث: سنن الوضوء

стр. 54

-١ - النية: وهي لغة: عزم القلب على الفعل. وشرعاً قصد القلب إيجاد الفعل جزماً، أو إزالة الحدث أو استباحة الصلاة. وقد اعتبر السادة الحنفية النية سنة في الوضوء، وهي فرض عند غيرهم، وذلك: أ - لأنهم قسموا العبادات إلى: -١ - مقاصد وتكون النية فيها فرضاً كالصلاة والصوم. -٢ - وسائل أو بدايات؛ ولا تكون النية فرضاً ولكن لا يؤجر الإنسان عليها إلا بالنية، لحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنما الأعمال بالنيات) (١) . ب - ولأن آية الوضوء لم تأمر بالنية، وإنما أمرت بالغسل والمسح، وثبتت النية بحديث آحاد (٢) فهي زيادة على النص، ولا تكون إلا بقطعي كالقرآن حسب ما قرروه في أصولهم (٣) . جـ - إن الوضوء طهارة بالماء فلا تشترط له النية كإزالة النجاسة. وعلى هذا من اغتسل أو انغمس في ماء للتبرد أو السباحة صح وضوؤه. ومحل النية: القلب، وصيغتها: أن ينوي رفع الحدث أو إقامة الصلاة أو الوضوء. وزمنها: عند غسل الوجه، وفي قولٍ قبل جميع السنن أي عند غسل اليدين. وقيل: قبل الاستنجاء حتى يكون جميع عمله قربة. والنية فرض في التيمم لأن التراب ليس له مطهراً أصلاً. -٢ - الترتيب: ومعناه تطهير الأعضاء واحداً بعد واحد على الوجه الذي جاءت به آية الوضوء، واستدل السادة الأحناف على أنه سنة بما يلي: أ - إن النصّ في آية الوضوء عطف المفروضات بالواو، وهي لا تقضي إلا مطلق الجمع، ولو أراد الترتيب لعطف بينها بالفاء أو بثم. ب - لقول علي ﵁: "ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأيِّ أعضائي بدأت" (٤) . وعن مجاهد قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: "لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك" (٥) . جـ - إن حكمة الوضوء المقصودة منه لا تتوقف على الترتيب وهي الوضاءة والحسن والنظافة. وما ورد من أحاديث عن وضوئه ﷺ يفيد السميّة لا الفَرَضية. -٣ - التسمية في أوله حتى لو نسيها أثناء الوضوء لم يحصل المقصود، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من توضأ وذكر اسم الله تطهر جسده كله، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله لم يتطهر إلا موضع الوضوء) (٦) . وصيغة التسمية: "بسم الله العظيم والحمد لله على دين الإسلام"، وقيل: "بسم الله الرحمن الرحيم". ودليل التسمية: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه) (٧) . -٤ - غسل اليدين إلى الرسغين في ابتداء الوضوء، لأنهما آلة التطهير فيبدأ بهما. والرسغ هو المفصل بين الساعد والكفّ وبين الساق والقدم، ولحديث أوس بن أوس ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ استوكف ثلاثاً) (٨) ، وعن حمران مولى عثمان ﵁ أن عثمان بن عفان ﵁ دعا بوَضوء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم مضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا. ثم قال رسول الله ﷺ : (من توضأ وضوئي هذا، ثم قام فركع ركعتين، لا يحدث فيهما نفسه، غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه) (٩) . وغسل اليدين للمستيقظ من النوم آكد لما ثبت عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده) (١٠) . كيفية غسلهما: إن كان الإناء صغيراً فيجب رفعه أو إمالته وصبُّ الماء باليد اليسرى على اليمنى، وإن كان كبيراً لا يمكن إمالته فيغمس أصابع يسراه دون الكفّ فيصب على يمناه ثلاثاً، ثم يدخل اليمنى فيغسل يده اليسرى ثلاثاً، وذلك حتى لا يصير الماء مستعملاً. وإن زاد على قدر الضرورة بإدخال الكف مع الأصابع صار الماء مستعملاً (أي الملاقي للكف إذا انفصل لا جميع الماء) إلا أن ينوي الاغتراف، لأن غسل اليدين في ابتداء الوضوء يجزي عن الفرض ويسقط حدثهما، فهي سنة تنوب عن الفرض كما أن قراءة الفاتحة في الصلاة واجب ينوب عن الفرض وهو التلاوة. فمثلاً إذا نقيت الحائض وأدخلت يدها في الإناء، فإنه يسقط حدث يدها ولو بدون نية، لكن يسن عند غسل الذراعين إعادة غسل الكفين. ويكون غسل اليدين إلى الرسغين سنة إن كانتا طاهرتين. أما إن كانتا متنجستين ولو قلت النجاسة فغسلهما على وجه لا ينجس الماء فرض، فإن أفضى إلى ذلك تركه - إذا لم يمكنه الاغتراف بشيء ولو بمنديل أو بفمه، وتيمم وصلى ولم يعد. -٥ - الاستياك: وهو سنة مؤكدة عند المضمضة، لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء) (١١) . وهو سنة للوضوء لا للصلاة، فلو توضأ بسواك يحصل الفضل في كل صلاة أداها بهذا الوضوء. وإن توضأ بدون سواك نُدب له السواك عند الصلاة. كما أن السواك مستحب عند تغير رائحة الفم، والقيام إلى الصلاة إن لم يخشَ نقض الوضوء بخروج دم من اللثة، وقراءة القرآن، ودخول البيت، واجتماع الناس، روي عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (تسوكوا فإن السِّواك مَطْهَرَة للفم، مرضاة للرب، ما جاءني جبريل إلاّ أوصاني بالسِّواك حتى لقد خشيتُ أن يُفْرض عليَّ وعلى أمتي، ولولا أني أخاف أن أشُقَّ على أمتي لفرضْتُه لهم، وإني لأستاك حتى لقد خَشيت أن أحَفْي مقادِمَ فمي) (١٢) ، وعن عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك) (١٣) . ويصح الاستياك بالإصبع أو بخرقة خشنة، لما روي عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلاً من الأنصار من بني عمرو بن عوف قال: يا رسول الله إنك رغبتنا في السواك فهل دون ذلك من شيء؟ قال: (إصبعاك سواك عند وضوئك تمرهما على أسنانك) (١٤) . ويندب أن يكون السواك، وهو العود الذي يستاك به، ليناً بلا عُقَد، في غِلظ خنصر وطول شبر، ويسن أن يكون من الأراك (١٥) . كيفية الاستياك: يجعل خنصر يده اليمنى تحت السواك، ويجعل البنصر والوسطى والسبابة فوقه، والإبهام أسفل رأس السواك، ويستاك به عرضاً لا طولاً. وأقل السواك ثلاث مرات للأعالي وثلاث مرات للأسافل بثلاث مياه. -٦ - المضمضة والاستنشاق: المضمضة اصطلاحاً هي استيعاب الماء جميع الفم، ويسن أن تكون ثلاثاً لما روى عبد الله بن زيد ﵁ في صفة وضوئه ﷺ قال: (فمضمض واستنشق واستنثر من ثلاث غرفات) (١٦) . والاستنشاق من النَّشق وهو جذب الماء أو إيصال الماء إلى المارِن وهو ما لان من الأنف. وتسن المبالغة في المضمضة والاستنشاق لغير الصائم لحديث لقيط بن صبرة ﵁ قال: فقلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء، قال: (أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) (١٧) . ويسن في المضمضة والاستنشاق خمسة أشياء هي: الترتيب، والتثليث، وتجديد الماء، وأن يكون الاستنشاق باليمنى والاستنثار باليسرى، والمبالغة فيهما بالغرغرة ومجاوزة المارن. ودليل ذلك الأحاديث المتقدمة وما روي عن علي ﵁ في صفة وضوء النبي ﷺ : (فأدخل يده اليمنى في الإناء فملأ فمه فتمضمض واستنشق واستنثر بيده اليسرى ففعل ذلك ثلاثاً) (١٨) . -٧ - تخليل اللحية الكثّة: ويكون بتفريق الشعر من الأسفل إلى الأعلى، ويكون بعد غسل الوجه. وذلك لما روي عن عثمان ﵁ (أن رسول الله ﷺ توضأ فخلل لحيته) (١٩) ، وعن أنس بن مالك ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته وقال: هكذا أمرني ربي (٢٠) . -٨ - تخليل الأصابع في اليدين بإدخال بعضهما في بعض، وتخليل الأصابع في الرجلين بأن يدخل خنصر يده اليسرى فيبتدئ من خنصر رجله اليمنى وينتهي بخنصر رجله اليسرى؛ وذلك من أسفل الأصابع إلى أعلاها. لما حدث المستورد بن شداد ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ توضأ فخلل أصابه رجليه بخصره) (٢١) ، وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا توضأت فخلل بين أصابع يديك ورجليك) (٢٢) . والتخليل سنة فإذا كانت الأصابع منضمة كان تخليلها فرضاً. -٩ - تثليث الغسل لأحاديث كثيرة وردت في صفة وضوئه ﷺ ، ومنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله كيف الطَّهور؟ فدعاء بماء في إناء، فغسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه فأدخل أصبعيه السبَّاحتين في أذنيه ومسح بإبهامه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" (٢٣) وزاد في رواية: (أو تعدّى) (٢٤) . وغسل المرة فرض والمرتين يضاعف بهما الأجر مرتين، لما روي عن أبي بن كعب ﵁ (أن رسول الله ﷺ دعا بماء فتوضأ مرة مرة، فقال: هذا وظيفة الوضوء أو قال: وضوء من لم يتوضأه لم يقبل الله له صلاة، ثم توضأ مرتين مرتين ثم قال: هذا وضوء من توضأه أعطاه الله كفلين من الأجر، ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً فقال: هذا وضوئي ووضوء المرسلين من قبلي) (٢٥) . -١٠ - استيعاب الرأس بالمسح مرة واحدة، ولا يندب التثليث لأن الوارد في أكثر الأحاديث في صفة وضوئه ﷺ التثليث في المغسولات وأن السنة في الرأس استيعابه بالمسح، فعن أبي عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "رأيت علياً ﵁ توضأ فغسل وجهه ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه مرة واحدة، ثم قال: هكذا توضأ رسول الله ﷺ " (٢٦) . كيفية المسح: يضع كفيه وأصابع يديه على مقدم رأسه ويمرّهما إلى القفا على وجه يستوعب جميع الرأس، لما روي عن المقدام بن معد يكرب ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ توضأ، فلما بلغ مسح رأسه وضع كفيه على مقدم رأسه فأمرهما حتى بلغ القفا ثم ردهما إلى المكان الذي منه بدأ" (٢٧) . -١١ - البداءة بالمسح من مقدم الرأس للحديث المتقدم، وهي من المستحبات. -١٢ - مسح الأذنين: يسن مسح الأذنين ولو بماء الرأس، لما ورد أنه ﷺ غرف غرفة فمسح بها رأسه وأذنيه فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ في صفة الوضوء، وفيه: (ثم مسح رأسه، فأدخل أصبعيه في أذنيه، ومسح بإبهامه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه) (٢٨) وإن أخذ لهما ماءً جديداً كان حسناً. ويكون مسح الأذنين بأن يمسح ظاهرهما بالإبهامين وداخِلَهما بالسبَّابتين، ويُدخل الخنصرين في حِجْرَيْهِما ويحركهما لحديث الربيع بنت معوذ بن عفراء ﵂ "أن النبي ﷺ توضأ فأدخل أصبعيه في حجري أذنيه" (٢٩) . -١٣ - الدلك بعد الغسل بإمرار يديه على الأعضاء، لحديث عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ (أن النبي ﷺ توضأ فجعل يقول هكذا يدلك) (٣٠) . -١٤ - البداءة بالميامن وذلك في اليدين والرجلين، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا توضأتم فابدءُوا بميامنكم) (٣١) ، ولحديث عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) (٣٢) . -١٥ - البداءة بالغسل من رؤوس الأصابع باليدين والرجلين، لأن الله تعالى جعل المرفقين والكعبين غاية الغسل فتكون منتهى الفعل، ولصفة وضوئه ﷺ . -١٦ - مسح الرقبة، لأن رسول الله ﷺ توضأ وأومأ بيديه من مقدم رأسه حتى بلغ بهما أسفل عنقه من قبل قفاه، ولقوله ﷺ : (مسح الرقبة أمان من الغل يوم القيامة) (٣٣) . ولا يسن مسح الحلقوم لأنه بدعة. وتعتبر السنن الثلاث الأخيرة من المستحبات. الموالاة: أي إنجاز أفعال الوضوء متتابعة بحيث لا يوجد بينها ما يعد فاصلاً بالعُرْف (أي متابعة غسل الأعضاء قبل جفاف ما قبلها) ، وقد صح عن بعض أصحاب النبي ﷺ (أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لُمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة) (٣٤) .

стр. 55

الفصل الرابع: آداب الوضوء

стр. 56

الآداب: جمع أدب وهو لغة: الخصلة الحميدة، وشرعاً ما فعله النبي ﷺ مرة وتركه أخرى. وتسمى أيضاً مندوبات أو مستحبات أو تطوعاً. وحكمه: الثواب بفعله وعدم اللوم على تركه. وآداب الوضوء هي: -١ - استقبال القبلة، لأنه أقرب إلى قبول الوضوء باعتباره عبادة، وقبول الدعاء فيه. -٢ - الجلوس في مكان مرتفع تحرزاً من الغُسَالة. -٣ - الجمع بين القلب واللسان في تحصيل النية. -٤ - الدعاء بالمأثور عن النبي ﷺ وعن أصحابه رضوان الله عليهم فيقول عند المضمضة: "اللهم أعني على تلاوة القرآن وذكرك وشكرك وحسن عبادتك". وعند الاستنشاق: "اللهم أرِحْني رائحة الجنة ولا تُرِحْني رائحة النار". وعند غسل الوجه: "اللهم بيّض وجهي بنورك يوم تبيّض وجوه وتسودّ وجوه". وعند غسل اليد اليمنى: "اللهم أَعْطِني كتابي بيميني وحاسبني حساباً يسيراً". وعند غسل اليد اليسرى: "اللهم لا تعطني كتابي بيساري ولا من وراء ظهري ولا تحاسبني حساباً عسيراً". وعند مسح الرأس: "اللهم أظلّني تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك ولا باقي إلا وجهك". وعند مسح الرقبة: "اللهم أعتق رقبتي من النار". ويقول عند غسل الرجل اليمنى: "اللهم ثبِّتْ قدمي على الصراط يوم تزلّ الأقدام". ويقول عند غسل الرجل اليسرى: "اللهم اجعل عملي مشكوراً وذنبي مغفوراً وتجارتي لن تبور". -٥ - تحريك الخاتم الواسع مبالغة في الغسل، لما روي عن أبي رافع قال: (كان رسول الله ﷺ إذا توضأ حرك خاتمه) (١) . -٦ - أن تكون المضمضة والاستنشاق باليد اليمنى والاستنثار باليد اليسرى، لحديث علي ﵁ في صفة وضوئه ﷺ : (.. فأدخل يده اليمنى في الإناء فملأ فمه فتمضمض واستنشق واستنثر بيده اليسرى ففعل ذلك ثلاثاً) (٢) . -٧ - إدخال الخنصر في صِماخ (٣) الأذنين مبالغة في النظافة. -٨ - التسمية والنية عند كل عضو، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا توضأت فقل بسم الله والحمد لله فإن حفظتك لا تبرح تكتب لك الحسنات حتى تحدث من ذلك الوضوء) (٤) . -٩ - الوضوء قبل دخول الوقت استعداداً للصلاة، إلا المعذور لأنه ينتقض وضوؤه بخروج الوقت. -١٠ - التشهد بعد الوضوء، وذلك لحديث عقبة بن عامر وفيه قول مر ﵁ قال - يعني النبي ﷺ (ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يقول حين يفرغ من وضوئه: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيّها شاء) (٥) . -١١ - ترك التجفيف إبقاء على آثار الوضوء. -١٢ - أن يشرب من فضل وضوئه قائماً مستقبلاً القبلة كما يفعل في شربه من ماء زمزم. روي عن علي ﵁ "أنه توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ثم قام فشرب فضل وضوئه وقال: صنع رسول الله ﷺ كما صنعت" (٦) . والأفضل، فيما سوى ذلك، أن يشرب قاعداً لنهيه ﷺ عن الشرب قائماً؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يشربنَّ أحد منكم قائماً فمن نسي فليستقئ) (٧) والنهي لأمر طبي لا ديني. -١٣ - أن يقرأ سورة القدر ثلاثاً إثر وضوئه. -١٤ - تهيئة ماء الوضوء للمرة الثانية.

стр. 57

الفصل الخامس: مكروهات الوضوء

стр. 58

المكروه هو ضد المحبوب من العمل. ويكره للمتوضئ فعل كل ما هو ضد المستحب. -١ - الإسراف في صب الماء، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ مرَّ بسعد وهو يتوضأ فقال: (ما هذا السَّرَف؟ فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم وإن كنت على نهرٍ جارٍ) (١) . ومنه تثليث المسح بماء جديد. -٢ - الزيادة على الثلاث في الغسل وكذا النقص عن الثلاث، لأنه خلاف السنة، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه الوضوء ثلاثاً ثلاثاً ثم قال: (هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا، فقد أساء وتعدى وظلم) (٢) وفي رواية أبي داود: (فمن زاد على هذا أو نقص) (٣) . -٣ - التقتير والاقتصاد الزائد في صب الماء بحيث يصير الغسل كأنه مسح، إذ لابد من التقاطر حتى يسمى غسلاً لحديث طلحة عن أبيه عن جده قال: (دخلت - يعني على النبي ﷺ وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره) (٤) . -٤ - لطم الوجه بالماء لمنافاة شرف الوجه، فينبغي أن يغسل وجهه برفق، ولا يغمض عينه، ولا يطبق شفتيه حتى يستوعب الغسل الوجه كله. -٥ - يكره التكلم بكلام الناس أثناء الوضوء إلا لضرورة، لأن الكلام يصرف الإنسان عن الحضور والذكر والعبادة، وذكر بعض الصالحين أن الاستحضار في الصلاة يتبع الحضور في الوضوء؛ وعدمه في عدمه. -٦ - يكره الاستعانة بغيره بدون عذر، لحديث ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ لا يَكِلُ طهوره إلى أحد ولا صدقَتَه التي يتصدق بها، يكون هو الذي يتولاها بنفسه) (٥) ، ولحديث عمر ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ يستقي ماء لوضوئه فبادرته أستقي له فقال: مه يا عمر فإني أكره أن يشركني في طهوري أحد) (٦) . -٧ - الوضوء في موضع نجس، لحديث عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يبولنّ أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه) قال أحمد: ثم يتوضأ فيه، فإن عامة الوسواس منه) (٧) . -٨ - يكره أن يستخلص لنفسه إناء دون غيره، كما يكره أن يكون الإناء من خزف.

стр. 59

الفصل السادس: نواقض الوضوء

стр. 60

النواقض جمع ناقض وهو كل ما يُبطل المراد أو المقصود منه، وناقض الوضوء: هو ما يجعله غير صالح لإفادة العبادات التي لا تصح بلا وضوء. والنواقض قسمان: أ - النواقض الحقيقية: -١ - كل خارج من السبيلين من بول أو غائط أو ريح أو مذي أو ودي وإن كان قليلاً سواء أكان معتاداً أم غير معتاد كالدودة والحصاة. ودليل الانتقاض في الغائط قوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط ... فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (١) . أما البول فبالسنة المستفيضة والإجماع والقياس على الغائط. وأما الريح فلحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ) . قال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط (٢) . وروي عن عباد بن تميم عن عمه ﵁ قال شكا إلى رسول الله ﷺ : الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: (لا ينفتل - أو ينصرف - حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) (٣) . وهذا يخص الريح من الدبر، أما من القبل فلا يفسد الوضوء لأنه اختلاج. وأما المذي فعن ابن عباس ﵄ قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: أرسلنا المقداد بن الأسود إلى رسول الله ﷺ فسأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به؟ فقال رسول الله ﷺ : (توضأ وانضح فرجك) (٤) . وأما الودي فلما روي عن ابن مسعود ﵁ قال: "الودي الذي يكون بعد البول فيه الوضوء" (٥) . وأما أدلة انتقاض الوضوء في الخارج غير المعتاد فعموم قوله ﷺ فيما رواه عنه ابن عباس ﵄: (الوضوء مما خرج وليس مما دخل) (٦) ، وما روي عن عطاء بن أبي رباح أنه قال في الذي يتوضأ فيخرج الدود من دبره: "عليه الوضوء" (٧) . وكذا إذا حشى الإحليل بقطنة فظهر البلل للطرف الخارج انتقض وضوؤه، ولو أدخل إصبعه في دبره ينتقض وضوؤه. -٢ - كل نجاسة سائلة من غير السبيلين كالدم والقيح، لما روى تميم الداري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الوضوء من كل دم سائل) (٨) . ويشترط السيلان عن موضع الجرح، وهو خروج النجاسة وتجاوز محلها يطلب تطهيره ولو ندباً، كدم وقيح وصديد وماء الثدي وماء السُرَّة والأذن إن كان لمرض ولو سال بالعصر، أو كلما خرج مسحه إذ لو تركه لسال فيعتبر ناقضاً. أما لو كان الخروج في مجالس متفرقة كلما خرج مسحه قبل أن يسيل فلا ينقض. وإذا انتفخ رأس الجرح فظهر به قيح لا ينقض ما لم يتجاوز الورم لأنه لا يجب غسل موضع الورم أي إذا كان يضره غسل ذلك المتورم ومسحه وإلا فينبغي أن ينتقض. ولا يُنْقَضُ الوضوء لو خرج ماء صاف عن حرق أو عين أو غيره إلا أن يشوبه دم أو قيح. ولو وضع المريض قطنة أو رباطاً على الجرح فلم يسل الدم لا يفسد الوضوء إلا عند فك الرباط وحينئذ فقط ينفصل الدم عن الجرح، كذلك يفسد الوضوء عند سيلان الدم حول العِصابة (٩) ، وكذا لو تشربت القطنة القيح. -٣ - القيء إن ملأ الفم، مهما كان نوعه طعاماً أو دماً، ولو لم يتغير. لحديث أبي الدرداء ﵁: (إن رسول الله ﷺ قاء فتوضأ) . قال أبو الدرداء: فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له فقال: "صدق أنا صببت له وضوءه" (١٠) وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أصابه قيء أو رعاف (١١) أو قَلْس (١٢) أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم) (١٣) . وضابط ملء الفم ما لا يمسكه الفم ويطبق عليه بمشقة، وقيل ما يمنع الكلام. ولو قاء على فترات يبلغ مجموعها ملء الفم ينقض وضوؤه إذا اتحد المجلس عند الإمام أبي يوسف، أما الإمام محمد فيقول بانتقاضه ولو لم يتحد المجلس بشرط اتحاد السبب للقيء. ويكون القيء نجساً مطلقاً إن كان خارجاً من المعدة، أما لو كان خارجاً من المري قبل وصوله إلى المعدة فليس بنجس كالصبي إذا تقيأ ساعة رضاعته فوراً، وكذا ماء فم النائم فهو ليس بنجس ولو كان بحيث لو جُمع لملأ الفم إلا أن يكون منتناً أو أصفراً فهو نجس (١٤) على قول الإمام أبي يوسف. أما ماء فم الميت فنجس مطلقاً. -٤ - نزول دم من الأسنان أو الفم إذا غلب البصاق أو ما ساواه، والعبرة باللون. أما إن كان من المعدة أو الرأس فهو ناقض مطلقاً بسيلانه إلى الفم وإن قلَّ، وإن كان بشكل علقة فيعتبر فيه ملء الفم. -٥ - لو مصت علقة عضواً فامتلأت من الدم يفسد الوضوء، ويقاس عليها إبرة الدم حيث يخرج دم مسفوح، أما إن كان قليلاً فلا ينقض كالبّق والذباب. -٦ - المباشرة دون حائل، لأنه مظنة خروج المذي، والعبرة لوجود الشهوة إذا كانت فاحشة بتماس فرجين ولو بين امرأتين أو رجلين أو رجل وصبي أو رجل وامرأة مع الانتشار ولو بلا بلل. ب - نواقض الوضوء الحكمية: أي أنها ليست إحداثاً بذاتها بل هي أسباب للأحداث وهي: -١ - نوم غير المتمكن، والناقض هنا عدم وعي الحدث لحديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (وكاء السَّه العينان، فمن نام فليتوضأ) (١٥) . -٢ - القهقهة في الصلاة تفسد الوضوء والصلاة معاً، إذا كان المصلي بالغاً، لما روي عن معبد ﵁ عن النبي ﷺ قال: بينما هو في الصلاة إذ أقبل أعمى يريد الصلاة، فوقع في زبية فاستضحك القوم حتى قهقهوا، فلما انصرف النبي ﷺ قال: (من كان منكم قهقه فليعد الوضوء والصلاة) (١٦) . وضابط القهقهة أن يسمع مَن بجواره صوته، وإن لم يسمعه من بجواره ففيه إعادة الصلاة فقط. وليس على التبسم شيء لأنه ﷺ تبسم عندما جاءه جبريل ﵇ في الصلاة وأخبره أن من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشراً ... ولم يعد صلاته. والقهقهة مفسدة للوضوء زجراً لأنه انتهاك لحرمة الصلاة لذا يشترط البلوغ لأن الصبي لا يعاقب. وإذا قهقه الإمام في الصلاة أو أحدث عمداً بطلت صلاته ووضوؤه وبطلت صلاة المؤتمين، فإذا ضحكوا قهقهة بعده لا يبطل وضوؤهم لأنهم تقهقهوا بعد فساد الصلاة. ولو كانت القهقهة عند السلام لا يبطل الصلاة بل تنقض الوضوء لخروجه بها من الصلاة إلا أنه تارك واجب السلام. -٣ - الإغماء: وهو مرض يُضْعف القوى ويستر العقل. -٤ - الجنون: وهو مرض يزيل العقل ويزيد القوى. -٥ - السُّكْر: وهو خِفّة يظهر أثرها بالتمايل وتلعثم الكلام. ملحق: هناك أشياء غير ناقضة للوضوء نجملها فيما يلي: -١ - ظهور دم لم يسل عن محل خروجه. -٢ - سقوط لحم من غير سيلان دم. -٣ - خروج دودة من غير السبيلين. -٤ - مس العورة، لحديث طلق بن علي ﵁ قال: قدمنا على نبي الله ﷺ ، فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا نبي الله، ما ترى في مسِّ الرجل ذكره بعدما يتوضأ فقال: (هل هو إلا مضغة منه أو قال: بضعة منه) (١٧) . -٥ - مس امرأة غير محرم مطلقاً، لحديث عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ قبّل امرأة من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة، ولم يتوضأ) (١٨) ، ولأن تفسير ﴿أو لامستم النساء﴾ (١٩) في الآية المقصود به الجماع، لكن يندب الوضوء للخروج من الخلاف. -٦ - قيء لا يملأ الفم. -٧ - قيء بلغم (٢٠) ولو كان كثيراً. -٨ - تمايل نائم احتمل زوال مقعدته، لما روي عن أنس ﵁ قال: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تَخفِق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون) (٢١) . -٩ - نوم مصلٍّ قائماً أو راكعاً أو ساجداً على الهيئة المسنونة بأن أبدى ذراعيه وجافى بطنه عن فخذيه (ولو في غير الصلاة على المعتمد) لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يجب الوضوء على من نام جالساً أو قائماً أو ساجداً حتى يضع جنبيه، فإنه إذا وضع جنبيه استرخت مفاصله) (٢٢) . وكذا لا ينقض وضوء من نام متوركاً أو محتبياً (٢٣) إذا كانت مقعدته متمكنة. وإلا فعليه الوضوء بالنوم الذي لا يفهم معه الخطاب. لما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: "ليس على المحتبي النائم ولا على القائم النائم ولا على الساجد النائم وضوء حتى يضطجع فإذا اضطجع توضأ" (٢٤) . ولا شبه المنكّب على وجهه (٢٥) . وكذا نوم قاعد متمكّن مستند إلى شيء كحائط أو وسادة بحيث لو زال أو أزيل المستَندُ إليه لسقط الشخص، لما روي عن ابن عباس ﵄ قال: "من نام وهو جالس فلا وضوء عليه، وإن اضطجع فعليه الوضوء" (٢٦) . ما يحرم بالحدث الأصغر: -١ - الصلاة وكل ما كان مثلها كسجدة التلاوة وسجدة الشكر وصلاة الجنازة، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ) (٢٧) . -٢ - مس المصحف ولو آية، إلا بغلاف منفصل، لقوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ (٢٨) . -٣ - الطواف لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير) (٢٩) . تعقيبات: -١ - إن شك في بعض وضوئه أعاد إن لم يكن له عادة في الشك. -٢ - إن تيقن الوضوء وشك بالحدث فهو متوضئ، أما لو تيقن الحدث وشك بالوضوء بعده فهو محدث. وذلك عملاً باليقين. لما روى عباد بن تميم عن عمه ﵁ قال: شكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة. قال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) (٣٠) . -٣ - إن شك في نجاسة ماء أو ثوب أو طلاق أو عِتْق لم يعتبر.

стр. 61

الباب الرابع (المسح على الخفين) .

стр. 62

- الخف هو لباس القدم الساتر للكعبين، وأخذ من الخِفَّة لأن الحكم فيه يخفف من الغسل إلى المسح رخصة. حكمه: يجوز المسح على الخفين في الوضوء لا الغسل في سفر وحضر للرجال والنساء. دليله: ثبتت مشروعية المسح على الخفين بأحاديث كثيرة بلغت حد التواتر فزادت على ثمانين حديث. لذا يُخشى على من أنكر مشروعيته الكفر. ولو اعتقد المكلف جوازه ولكن تكلَّف نزعه يثاب على العزيمة. ومن الأدلة: ما روى المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأهويت لأنزع خفيه فقال: (دَعْهما فإني أدخلتهما طاهرتَيْن، فمسح عليهما) (١) . وعن صفوان بن عسال ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سَفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم) (٢) . وقال الإمام أبو حنيفة ﵁: "ما قلت بالمسح حتى جاءني فيه مثلُ ضوءِ النهار".

стр. 63

شروط جواز المسح على الخفين: -١ - لبسهما بعد رفع الحدث عن القدمين، لقول رسول الله ﷺ في الحديث المتقدم: (دَعْهما فإني أدخلتهما طاهرتين) يعني قدميه. -٢ - كون الخفين ساترين للكعبين من الجوانب. -٣ - إمكان متابعة المشي فيهما فرسخاً أي ما يقدر بـ (٥. ٥) كم تقريباً. -٤ - خلوّ كلّ منهما عن خَرْقٍ يزيد على ثلاث أصابع من أصغر أصابع القدم. -٥ - استمساكهما على الرجلين من غير شدِّ. -٦ - أن لا يشفّا الماء، فيجب أن يمنعا وصول الماء إلى القدمين. -٧ - أن يبقى من قدمه ما يكفي للمسح، فإن كان مقطوع مقدم القدم لا يمسح الباقي بل يغسل. مدة المسح على الخفين: يمسح المقيم يوماً وليلى، ويمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليهن، لما روي عن شريح بن هانئ قال: أتيت عائشة ﵂ أسألها عن المسح على الخفين فقالت: عليك بابن أبي طالب فسله فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ فسألناه فقال: (جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم) (١) . ولو مسح المكلف وهو مقيم ثم سافر تمم المدة إلى ثلاثة أيام، ولو مسح وهو مسافر ثم أقام بعد يوم وليلة انتهت مدة المسح. أما المعذور فإذا لبس الخفين أثناء انقطاع عذره فمدة مسحه كغيره، وإن لبسهما أثناء استمرار عذره انتهت مدة المسح في آخر الوقت الذي توضأ فيه. وتبدأ مدة المسح من وقت الحدث الحاصل بعد لبس الخفين، لأنه منذ وقوع الحدث بدأ عمل الخفين في منع سراية الحدث إلى الرجلين، فيصح لذلك رفع الحدث عنهما بالمسح دون الغسل. وقيل: إنها تبدأ من وقت لبس الخفين، وقيل أيضاً إنها تبدأ من أول وضوء بعد لبسهما.

стр. 64

محل المسح على الخفين وكيفيته: إن المطلوب هو مسح ظاهر الخفين وأعلاهما فقط، لما روي عن علي ﵁ قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخفّ أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه) (١) . والمقدار المفروض مسحه هو ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد. كيفيته المسنونة: أن يبدأ من رؤوس أصابع القدم، فيضع يديه مفرَّجتي الأصابع قليلاً، ثم يمرّهما خطوطاً على مشطي قدميه إلى ساقيه. ولو بدأ من الساق أو مسح عرضاً صح ولكن خالف السنة.

стр. 65

نواقض المسح على الخفين: -١ - كل ما ينقض الوضوء ينقض المسح، وفي هذه الحالة يتوضأ ويمسح إذا كانت المدة باقية. -٢ - نزعهما، فإذا نزع أحد الخفين انتقض المسح ولزمه نزع الآخر وغسل رجليه. -٣ - إصابة الماء أكثر إحدى القدمين. -٤ - انقضاء المدة. وفي الحالات الثلاث الأخيرة لا يجب عليه الوضوء بل يكفي غسل القدمين. ملاحظة: لا يجوز المسح على العمامة والقلنسوة والقفازين قياساً على الخفين، لأن المسح على الخفين ثبت على خلاف القياس، وما ثبت على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس. المسح على الجوربين: دليله: ما روى المغيرة بن شعبة ﵁ (أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين) (١) . ويشترط لجواز المسح على الجوربين أن يكونا منعلَّين أو مجلَّدين بالاتفاق بين أئمة الحنفية. أما إذا كانا غير منعلين ولا مجلدين فيجوز المسح عليهما عند الصاحبين (٢) إذا كانا صفيقين (٣) ثخينين لا يشفّان الماء، ويمكن متابعة المشي فيهما، فإن كانا رقيقين يشفّان الماء فلا يجوز المسح عليهما بالاتفاق.

стр. 66

المسح على الجبيرة: الجبيرة: هي كل شُدَّ على جرح أو كسر بخرقة أو خشب أو غيرها. وكل من لا يستطيع غسل العضو أو مسحه ولو مرة واحدة جاز له المسح على الجبيرة. ودليله: ما روي عن علي ﵁ قال: انكسرت إحدى زَنْدَيَّ فسألت النبي ﷺ (فأمرني أن أمسح على الجبائر) (١) . وقال الفقهاء: إن الحرج فيها فوق الحرج في نزع الخف فكانت أولى بشرع المسح. حكمه: قيل هو فرض بدلاً من غسل العضو المريض أو مسحه، لما روى ثوبان ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فأصابهم البرد، فلما قدموا على رسول الله ﷺ أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتّساخين) (٢) ولحديث علي ﵁ المتقدم. ولا يجب فيه استيعاب. وقال الإمام: إن المسح على الجبيرة واجب لأن العذر أسقط فرضية الغسل عن العضو المصاب، وقد ثبتت فرضية غسل الصحيح بأمر قطعي فلا يخُصُّ بالظني الذي هو حديث رسول الله ﷺ (فيكون المسح على الجبيرة فرضاً عملياً لثبوته بظني. وهذا قولهما وإليه رجع الإمام وعليه الفتوى) . ولو ضره المسح على الجرح تركه دفعاً للحرج لأن الغسل سقط بالعذر فالمسح أولى، وليس عليه إعادة صلاة ولو كان الجرح بأعضاء التيمم. فروق بين المسح على الخفين والمسح على الجبائر: -١ - لا يشترط في الجبيرة وضعها على طهارة. -٢ - لا يتقيد المسح على الجبيرة بمدة. -٣ - يجوز مسح الجبيرة عن رِجْل وغسل الأخرى. -٤ - لا يسقط حكم المسح بسقوط الجبيرة إلا أن تسقط عن بُرْء، فلو سقطت عن برء أثناء الصلاة بطلت. -٥ - الجنابة والحدث سواء في حق الجبيرة بخلاف المسح على الخفين. -٦ - المسح على الجبيرة مشروط بالعجز عن مسح الموضع ذاته أو غسله، ولا يشترط هذا في الخفين. -٧ - لا تُمسح العصابة السفلى إذا نُزعت العليا، ولا يبطل مسحها بابتلال ما تحتها، ويجوز تبديلها بغيرها بعد مسحها ولا يجب إعادة المسح عليها. ويضاف إلى الجبيرة المسافات حول الرباط إن ضرَّ حلُّه. ويقاس على الجبيرة كل موضع فيه دواء على جرح يتعذر بلّه، وكذلك العين لو رمدت وضرَّ بلُّها مسح عليها.

стр. 67

الباب الخامس (الغُسْلُ) .

стр. 68

تعريف الغسل: لغة: تمام غسل الجسد، واسم للماء الذي يغتسل به. شرعاً: غسل البدن من جنابة أو حيض أو نفا (أي الغسل الذي هو فرض) . قال تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطَّهروا﴾ (١) .

стр. 69

سبب الغسل: إرادة ما لا يحل مع الحدث الأكبر إلا به.

стр. 70

حكم الغسل: أ - فرض: يكون الغسل فرضاً في الحالات التالية (وهي موجباته) : -١ - خروج المني بشهوة إلى ظاهر الجسد، لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما الماء من الماء) (١) . إذا انفصل عن مقره أي عن الصلب للرجل وعن الترائب (٢) للمرأة. ولا يشترط دوام الشهوة حتى يخرج المني إلى الظاهر بل يكفي وجودها عند انفصاله من الصلب خلافاً لأبي يوسف. وسواء كان نزول المني عن جماع أو احتلام أو نظر أو استمناء فإنه موجب للغسل، ودليل وجوب الغسل حال الاحتلام حديث أم سلمة ﵂ قالت: جاءت أم سليم إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ : (نعم إذا رأت الماء) . فقالت أم سلمة: يا رسول الله وتحتلم المرأة؟ فقال: (تَربَتْ يداك فبم يشبهها ولدها) (٣) . وإذا استيقظ من النوم فوجد منياً ولم يتذكر احتلاماً وجب عليه الغسل، لما روت عائشة ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً. قال: (يغتسل) (٤) . أما من ذكر حلماً ولم ير بللاً فلا غسل عليه. ويوجب الغسل: إنزال المني بوطء ميتة أو بهيمة أو إدخال إصبع فإن نزل المني وجب الغسل لقصور الشهوة. وكذا لو وجد المني بعد سكر أو إغماء. ولو خرج المني بدون شهوة عن مرض، أو تعب، أو حمل ثقيل، أو ضرب على الصلب، فلا غسل عليه. وذلك لما روي عن مجاهد قال: "بيننا نحن أصحاب ابن عباس حلق في المسجد، طاووس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وابن عباس قائم يصلي، إذ وقف علينا رجل فقال: هل من مُفتٍ؟ فقلنا: سل. فقال: إني كلما بلت تبعه الماء الدافق، قلنا: الذي يكون منه الولد؟ قال: نعم، قلنا: عليك الغسل، قال: فولى الرجل وهو يرجع، قال: وعجل ابن عباس في صلاته، ثم قال لعكرمة: عليَّ بالرجل، وأقبل علينا فقال: أرأيتم ما أفتيتم به هذا الرجل عن كتاب الله؟ قلنا: لا، قال: فعن رسول الله ﷺ ؟ قلنا: لا، قال: فعن أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قلنا: لا، قال: فعمَّه؟ قلنا: عن رأينا، قال: فلذلك قال رسول الله ﷺ : فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد. قال: وجاء الرجل، فأقبل عليه ابن عباس فقال: أرأيت إذا كان ذلك منك أتجد شهوة في قبلك؟ قال: لا، قال: فهل تجد خدراً في جسدك؟ قال: لا، قال: إنما هي إبردة يجزيك منها الوضوء". -٢ - التقاء الختانين ولو بدون إنزال، لما روي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إذا جلس بين شُعبها الأربع، ومسّ الختان الختان، فقد وجب الغسل) (٥) ، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع وأجهد نفسه فقد وجب الغسل، أنزل أم لم ينزل) (٦) . وكذا يجب الغسل إذا كان الإيلاج في الدبر، قال علي ﵁: "توجبون فيه الحد ولا توجبون فيه صاعاً من ماء". -٣ - انقطاع الحيض والنفاس، لقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن، فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ (٧) . ويجب الغسل بعد الولادة ولو كانت بغير دم. -٤ - الموت: ووجوب الغسل بحق الميت المسلم فقط، وغسله فرض كفاية على المسلمين، لما روي عن ابن عباس ﵄ أن رجلاً كان مع النبي ﷺ فوقصته ناقته وهو محرم فمات فقال رسول الله ﷺ : (اغسلوه بماء وسِدْر) (٨) . ويجب الغسل احتياطاً لمن أصاب كل جسده نجاسة أو بعضه وخفي مكانها. ب - سنة: ويكون الغسل سنة لأمور: -١ - لصلاة الجمعة، لحديث عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل) (٩) . والغسل للصلاة فلو اغتسل ثم أحدث فتوضأ لم تحصل السنة، وقيل الغسل لليوم. -٢ - لصلاة العيدين، لما روى الفاكه بن سعد - وكانت له صحبة ﵁ أن رسول الله ﷺ (كان يغتسل يوم الجمعة ويوم عرفة ويوم الفطر ويوم النحر) (١٠) . والحكمة من الغسل في أيام الاجتماعات لدفع أذى الرائحة الكريهة. -٣ - للوقوف بعرفة بعد الزوال لفضل زمان الوقوف، للحديث المتقدم ولما روي عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "اغتسلت مع ابن مسعود يوم عرفة تحت الأراك" (١١) . ويسقط عنه إن لم يجد ساتراً. -٤ - للإحرام بالحج أو العمرة، والغاية منه التنظيف لا التطهير، لذا يسن للمرأة الحائض والنفساء. وذلك لما روي عن زيد بن ثابت ﵁ أنه (رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل) (١٢) . ولا يتيمم بدله إن فقد الماء. -٥ - للإسلام، إن أسلم وهو طاهر عن موجبات الغسل. -٦ - البلوغ بالسن لا بالاحتلام. جـ - مندوب: -١ - يندب الغسل لمن أفاق من جنون أو سكر أو إغماء، لما روي عن عبيد الله بن عبد الله قال: دخلت على عائشة فقلت لها: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ ؟ قالت: بلى. (ثقل النبي ﷺ . فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا. وهم ينتظرونك يا رسول الله! قال: ضعوا لي ماء في المِخْضَبِ. ففعلنا. فاغتسل. ثم ذهب ليَنُوء فأغمي عليه. ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا. وهم ينتظرونك يا رسول الله فقال: ضعوا لي ماء في المخضب. ففعلنا. فاغتسل..) (١٣) . -٢ - لإحياء الليالي الوارد إحياؤها عن رسول الله ﷺ كليلة النصف من شعبان وليلة القدر. -٣ - بعد تغسيل الميت، لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من غسَّل ميتاً فليغتسل) (١٤) . -٤ - لصلاة الكسوف والخسوف والاستسقاء وصلاة الخوف. -٥ - لمن حكم عليه بالقتل، فيغتسل قبل أن ينفذ فيه الحكم. -٦ - للقادم من السفر. -٧ - للتائب من الذنب. -٨ - لمن أصابته نجاسة وخفي عليه مكانها. -٩ - لدخول مكة أو المدينة، فعن ابن عمر ﵄ أنه (كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى، حتى يصبح ويغتسل، ثم يدخل مكة نهاراً ويذكر عن النبي ﷺ أنه فعله) (١٥) . -١٠ - لرمي الجمار. -١١ - للوقوف بمزدلفة. -١٢ - لطواف الزيارة. -١٣ - المستحاضة إذا انقطع عنها الدم. -١٤ - بعد الحجامة.

стр. 71

فرائض الغسل: للغسل ركن واحد وهو تعميم البدن بالماء، ويشمل الفرض العملي والفرض الاعتقادي حيث لم يفصّل الله تعالى في فرائض الغسل كما فصّل في فرائض الوضوء، قال تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ (١) . والمبالغة في قوله تعالى: ﴿فاطهروا﴾ تفيد غسل الجسم ظاهراً وباطناً، ويسقط ما لا يمكن لوجود الحرج. وعلى هذا فرائض الغسل هي: -١ - تعميم ما أمكن من البدن شَعْره وبَشره بالماء الطاهر، لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر) (٢) . فيجب تعهد ثنايا الجسم وتحت الإبطين والشعر بالغسل. -٢ - المضمضة والاستنشاق، لما روى ابن عباس ﵄ عن خالته ميمونة قالت: وضعت لرسول الله ﷺ غسلاً فاغتسل من الجنابة وذكرت الحديث وفيه: (ثم مضمض واستنشق..) (٣) ويكفي في المضمضة الشرب عبَّاً. -٣ - غسل الفرج الظاهر والسرّة، لحديث عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه) (٤) ، وعن ابن عمر ﵄ قال: (كان (٥) إذا اغتسل من الجنابة نضخ الماء في الماء عينيه وأدخل إصبعه في سرته) (٦) . أخذ السادة الأحناف من الحديث وجوب غسل السرة دون وجوب غسل العينين. -٤ - إزالة ما يمنع من وصول الماء إلى الجسد. -٥ - غسل تحت الشعر وتبليغ الماء إلى أصول الشعر، ويفترض نقض المضفور من شعر الرجل للغسل وتنقض المرأة ضفائرها إذا لم تتأكد من وصول الماء إلى أصل الشعر، بدليل ما روي عن أم سلمة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضَفْرَ رأسي فأنقضه لغُسْل الجنابة؟ قال: (لا إنما يكفيك أن تَحثْي على رأسك ثلاث حَثَيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) (٧) .

стр. 72

سنن الغسل: يسن في الغسل ما يسن في الوضوء عدا الترتيب. -١ - التسمية قبل كشف العورة، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه) (١) . -٢ - النية، ليكون فعله قربة، والابتداء بالتسمية يصاحب النية لأن النية فعل القبل والتسمية باللسان. -٣ - أن يبدأ المغتسل بيديه. -٤ - أن يزيل الأذى والنجاسة إن كانت على بدنه. -٥ - غسل الفرج إن لم يكن به نجاسة لفعل النبي ﷺ ، وليطمئن بوصول الماء إلى الجزء الذي ينضم من فرجه حال القيام. روي عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حَفَنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه) (٢) . -٦ - أن يتوضأ وضوءه للصلاة فيثلث الغسل ويمسح الرأس ويؤخر غسل الرجلين إن كان يقف حال الاغتسال في محل يجمع فيه الماء لاحتياجه لغسلهما ثانية. -٧ - تعهد مواضع الانعطاف. -٨ - تخليل أصول الشعر ثلاثاً بيده المبللة. -٩ - أن يفيض الماء على بدنه ثلاثاً، فالإفاضة سنة لأنه لو انغمس في ماء جار أو كثير طهر من الجنابة حكماً. -١٠ - البداية من الرأس ثم الطرف الأيمن ثم الأيسر، لحديث جبير بم مطعم ﵁ قال: تذاكرْنا غسل الجنابة عند رسول الله ﷺ فقال: (أما أنا فآخذ ملء كفي ثلاثاً فأصب على رأسي ثم أفيضه بعد على سائر جسدي) (٣) . وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ (كان يتوضأ من الجنابة، ثم يدخل يده اليمنى في الماء، ثم يخلل بها شق رأسه الأيمن فيتبع أصول الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر بيده اليسرى كذلك يستبرئ البشرة، ثم يصب على رأسه ثلاثاً) (٤) . -١١ - التكرار ثلاثاً، وهو في الغسل أولى منه في الوضوء. -١٢ - الدلك في المرة الأولى ثم يصب الماء وهو واجب عند الإمام أبي يوسف. -١٣ - الموالاة. -١٤ - نقض الشعر للغسل سنة للمرأة إن أمكن التعميم بدونه، وإلا فهو فرض كما ذكرنا. ويصح بلة العضو من العضو السابق (بانتقال الماء) في الغسل ولكن بشرط التقاطر.

стр. 73

آداب الغسل: -١ - استقبال القبلة على أن لا يكون مكشوف العورة حال الاغتسال وإلا فالأفضل عدم استقبالها. -٢ - عدم التكلم أثناء الاغتسال ولو بدعاء. د -٣ - عدم الإسراف في الماء أو التقتير فيه، لما روي عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء) (١) . -٤ - أن يغتسل في مكان لا يراه فيه أحد. -٥ - أن يستتر قدر الإمكان، لما روي عن يعلى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله حَيِيٌّ سِتّير. يحب الحياء والسِتّر. فإذا اغتسل أحدكم فليستتر) (٢) ، وذلك سواء أكان وحده أو معه أحد من جنسه. أما المرأة بين الرجال فتؤخر غسلها وتتيمم للصلاة ثم تعيد. ويجوز للمرأة أن تتجرد للغسل وكذا الرجل إذا كان المحل صغيراً جداً. -٦ - يستحب بعد الغسل صلاة ركعتين كما في الوضوء.

стр. 74

ما يحرم بالحدث الأكبر: -١ - يحرم بالحدث الأكبر ما يحرم بالحدث الأصغر وهو الصلاة والسجود للتلاوة والشكر، وكذلك الطواف - فرضاً أو نفلاً - ومس المصحف أو علاّقته، لقوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ (١) ، أما حمل المصحف تبعاً فلا يمنع منه كأن كان في صندوق فلا بأس للجنب أن يحمله. -٢ - قراءة القرآن قليلاً كان أو كثيراً ولو بعض آية ما كانت بنية التلاوة، لما روي عن علي ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يقرأ القرآن على كل حال ليس الجنابة) (٢) ، ولحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يقرأ الجُنب والحائض شيئاً من القرآن) (٣) . تحرم قراءة القرآن على الجنب دون المحدث، بخلاف مسّ القرآن فإنه يحرم على الجميع، لأن الحدث حلَّ الجسم والجنابة حلت الفم. أما قراءة آيات الذكر في القرآن بنية الذكر فجائزة، كقوله عند المصيبة: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، أو حتى قرأ آية الكرسي بنية الذكر أو قرأ بعض آية في حديثه ومواعظه يقصد بها الذكر فلا يحرم بشرط أن يكون في الآية أو بعضها ذكر كقوله "الحمد لله رب العالمين". -٣ - دخول المسجد، وذلك لحديث أم سلمة ﵂ قالت: (دخل رسول الله ﷺ صَرْحَة (٤) هذا المسجد فنادى بأعلى صوته: إن المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض) (٥) . فلا يجوز للجنب دخول المسجد مطلقاً سواء للعبور أو المكث، إلا عند الضرورة، كما إذا كان الماء في المسجد ولا يوجد غيره أو كان داره داخل المسجد، فيتيمم ويَعْبُر.

стр. 75

الباب السادس (التَيَمُّم) .
следующие страницы →