Полный текст (94 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله رب الْعَالمين وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين وَلَا عدوان إِلَّا على الظَّالِمين وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ إِلَه الْأَوَّلين والآخرين وقيوم السَّمَوَات وَالْأَرضين وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله إِمَام الْمُتَّقِينَ وقائد الغر المحجلين وَصلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وصحبة وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدّين
أما بعد فَإِنِّي قد رَأَيْت سؤالا أوردهُ حُسَيْن بن الشَّيْخ حسن بن حُسَيْن على الشَّيْخ مُحَمَّد ابْن الشَّيْخ عبد اللَّطِيف هَذَا لَفظه بِحُرُوفِهِ
стр. 2
مَا يَقُول الشَّيْخ ابْن الشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد اللَّطِيف بن عبد الرَّحْمَن فِي أنَاس تنازعوا فَقَالَ بَعضهم الْجَهْمِية كفار وَالَّذِي مَا يكفرهم كَافِر وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بقول بعض الْعلمَاء من لم يكفر الْمُشْركين أَو شكّ فِي كفرهم فَهُوَ كَافِر
وَقَالَ الْآخرُونَ أما قَوْلكُم الْجَهْمِية كفار فَهَذَا حق إِن شَاءَ الله وَنحن نقُول بذلك وَهُوَ قَول جُمْهُور الْعلمَاء من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة كَمَا ذكر ذَلِك الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن حسن ﵀ فِي كِتَابه فتح الْمجِيد شرح كتاب التَّوْحِيد فِي الْكَلَام على أول بَاب من جحد شَيْئا من الْأَسْمَاء وَالصِّفَات وكما ذكره الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن حسن أَيْضا فِي جَوَابه على شُبْهَة الجهمي ابْن كَمَال الْمَذْكُور فِي مَجْمُوعَة التَّوْحِيد وكما ذكره ابْن الْقيم ﵀ فِي كِتَابه الكافية الشافية بقوله
(وَلَقَد تقلد كفرهم خَمْسُونَ فِي ... عشر من الْعلمَاء فِي الْبلدَانِ)
стр. 3
وَأما قَوْلكُم وَالَّذِي مَا يكفرهم كَافِر فَهَذَا بَاطِل مَرْدُود لما ذكره هَؤُلَاءِ الْأَعْلَام من تَكْفِير الْجُمْهُور من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة للجهمية وَعدم تَكْفِير البَاقِينَ من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة لَهُم أفيجوز تَكْفِير من لم يكفرهم من الْعلمَاء الْمَذْكُورين أَو غَيرهم مَعَ ذَلِك وَهل رَأَيْتُمْ أحدا من الْأَئِمَّة كفر هَؤُلَاءِ الْعلمَاء الَّذين لم يكفروا الْجَهْمِية
أما ورد فِي الحَدِيث (من كفر مُسلما فقد كفر) وَأَنْتُم كَفرْتُمْ أمة من الْعلمَاء وَمن الْمُسلمين أما يَتَّقُونَ الله وَمَعَ هَذَا الْبَيَان يَا شيخ مُحَمَّد لم يفهموا وَلم يرجِعوا بل فتنُوا وافتتنوا وَالْعِيَاذ بِاللَّه وَقَالُوا لَهُم أَيْضا فِي الْجَواب وَأما قَول بعض الْعلمَاء من لم يكفر الْمُشْركين أَو شكّ فِي كفرهم فَهُوَ كَافِر فَهَذَا حق وَنحن نعتقده بِحَمْد الله لَكِن هَذَا فِيمَن أجمع عُلَمَاء الْإِسْلَام على كفره وَأما من اخْتلفُوا فِيهِ فَلَا يُقَال فِيمَن لم يكفره ذَلِك إِذْ يلْزم مِنْهُ تَكْفِير طَائِفَة من عُلَمَاء السّلف من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَمن تَبِعَهُمْ مِمَّن سكت عَن تكفيرهم من عوام الْمُسلمين وَفِيه الْوَعيد الشَّديد وَالنَّهْي الأكيد كَمَا تقدم وَمَعَ
стр. 4
هَذَا كُله لم يفهموا لكَوْنهم من الْعَوام وَلَهُم مَقَاصِد سوء لَا يُمكن بَيَانهَا فِي هَذَا السُّؤَال انْتهى الْمَقْصُود مِنْهُ
وَقد أَخْبرنِي الشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد اللَّطِيف أَنه أَجَابَهُ بِجَوَاب مُجمل وَذكر لَهُ أَن هَذَا خلاف مَا عَلَيْهِ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَأَنه لم يقل أحد من الْعلمَاء بِهَذَا القَوْل فَلم ير عودا إِلَى جَوَابه بل كَابر وعاند وأصر على باطله وَهَذَا السُّؤَال سُؤال جَاهِل مركب لَا يدْرِي وَلَا يدْرِي أَنه لَا يدْرِي
أما أَولا فَلِأَنَّهُ كذب على الْعلمَاء وافترى عَلَيْهِم مَا لم يقولوه وَإِنَّمَا ظن بمفهومه الْفَاسِد أَنه لما ذكر بعض الْعلمَاء أَن الْجُمْهُور كفرُوا الْجَهْمِية أَو أَنه كفرهم كثير من الْعلمَاء وَأَن البَاقِينَ لَا يكفرونهم وَهَذَا لَيْسَ بِلَازِم وَلَا شَرط فِي عدم تَكْفِير البَاقِينَ لَهُم كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه
وَأما ثَانِيًا فَإِنَّهُ جهل وتناقض فِي كَلَامه وَمَا هَكَذَا طَريقَة أهل الْعلم وَالتَّحْقِيق
أما جَهله دَعْوَاهُ أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي تَكْفِير الْجَهْمِية وَلم يذكر إِمَامًا وَاحِدًا من أَئِمَّة الْمُسلمين خَالف فِي ذَلِك
стр. 5
وَأما تناقضه
فَإِنَّهُ ذكر أَولا أَن الْجَهْمِية كفار وَأَن هَذَا هُوَ الْحق ثمَّ زعم أَن بعض الْعلمَاء لَا يكفرونهم وانتصر لهَذَا القَوْل كَمَا قَالَ فِي قصيدته
(ناسبا ذَلِك عَن أهل الْعلم ... فَمَا كفرُوا الجهمي ردي الْمذَاهب)
(لأَنهم إِن كفرُوا شَرّ فرقة ... وهم تابعوا جهم بِكُل المعائب)
ثمَّ قَالَ أفيجوز تَكْفِير من لم يكفرهم من الْعلمَاء وَهُوَ قد ذكر أَنهم كفار وَأَنه هُوَ الْحق ثمَّ جعل الْكَلَام فِيمَن لم يكفرهم من الْعلمَاء وَمن عوام الْمُسلمين وَأَنه يلْزم من تكفيرهم تَكْفِير أمة من الْعلمَاء وَمن الْمُسلمين حَيْثُ لم يكفروهم لِأَن من كفر مُسلما فقد كفر
فأولا كفرهم وَذكر أَنه هُوَ الْحق
وَثَانِيا انتصر لقَوْل من لم يكفرهم فَلَا أَدْرِي أَيكُون الْحق مَعَ من كفرهم أَو مَعَ من انتصر لقَوْله وَأَنَّهُمْ مُسلمُونَ وَمن كفر مُسلما فقد كفر ثمَّ أضْرب عَن الْكَلَام فِي الْجَهْمِية وَأَن فيهم الْقَوْلَيْنِ وَجعل الْكَلَام فِي الْإِلْزَام بِكفْر من لم يكفرهم فأعجب لهَذَا التَّخْلِيط والتخبيط كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ﴾
стр. 6
اخْتِلَافا كثيرا) وأظن أَنه سمع بِالْخِلَافِ فِي الْجُهَّال المقلدين لَهُم وَقد قَالَ ابْن الْقيم رَحمَه الله تَعَالَى
وَلَا يدْرِي قدر الْكَلَام فِي هَذِه الطَّبَقَة إِلَّا من عرف مَا فِي كتب النَّاس ووقف على أَقْوَال الطوائف فِي هَذَا الْبَاب وانْتهى إِلَى غَايَة مرامهم وَنِهَايَة إقدامهم
إِلَى آخر كَلَامه
وَهَذَا الرجل لم يطلع على أَقْوَال الطوائف وَلَا انْتهى إِلَى غَايَة مرامهم وَنِهَايَة إقدامهم وَلَا عرف مَا فِي كتب النَّاس فلأجل عدم مَعْرفَته بأحوال هَذِه الطَّبَقَة وهم جهال المقلدين للجهمية ولعباد الْقُبُور وَقع فِيمَا لَا مخلص مِنْهُ إِن كَانَ عني بِكَلَامِهِ هَؤُلَاءِ وَأما ظَاهر كَلَامه فَهُوَ فِي الْجَهْمِية المعاندين حَيْثُ لم يفصل كَمَا قَالَ ابْن الْقيم رَحمَه الله تَعَالَى
(فَعَلَيْك بالتفصيل والتبيين فالإجمال ... وَالْإِطْلَاق دون بَيَان)
(كم أفسدا هَذَا الْوُجُود وخبطا الآراء ... والأذهان كل زمَان)
وَقد أُتِي من سوء فهمه وضلال وهمه لِأَنَّهُ لَا إِلْمَام لَهُ بِهَذِهِ المباحث وَلَا غيرَة لَهُ من تَعْطِيل هَؤُلَاءِ الْجَهْمِية وكفرهم بِرَبّ الْعَالمين ويحاول أَن تمشي الْحَال مَعَ من هَب ودرج وَأَن لَيْسَ
стр. 7
فِي ذَلِك من عَار وَلَا حرج فلأجل ذَلِك تهور فِي القَوْل وَحكم بالعول
وَأما ثَانِيًا فَإِنَّهُ سَأَلَهُ ثمَّ أجَاب نَفسه وَعلل وَفصل وَبَين بِزَعْمِهِ وَقد قَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح على حَدِيث عَائِشَة وَقَول النَّبِي ﷺ (ائذني لَهُ تربت يَمِينك) فَقَالَ وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن المستفتي إِذا بَادر بِالتَّعْلِيلِ قبل سَماع الْفَتْوَى أنكر عَلَيْهِ لقَوْله (تربت يَمِينك) فَإِن فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنه كَانَ من حَقّهَا أَن تسْأَل عَن الْحِكْمَة فَقَط وَلَا تعلل انْتهى وَهَذَا الرجل استفتى وَعلل وَفصل وَبَين فِي زَعمه وَأجَاب نَفسه وَاسْتوْفى الدَّلِيل فَمَا فَائِدَة السُّؤَال حِينَئِذٍ لَوْلَا سوء الْأَدَب ورؤية النَّفس والإعجاب بهَا واحتقار الْمَسْئُول
ثمَّ إِنَّه بَلغنِي عَن هَذَا الرجل وَعَن أَصْحَاب لَهُ على هَذَا الْمَذْهَب انتحال هَذِه الطَّرِيقَة الضَّالة وراسلنا بعض الإخوان فِي ذَلِك فأعرضنا عَنْهُم بُرْهَة من الزَّمَان حَتَّى رَأينَا مَا نقل إِلَيْنَا عَنْهُم صَرِيحًا فِيمَا كتبه يُوسُف بن شبيب الكويتي فَتعين علينا بَيَان الْحق ونصرة الإخوان والذب عَنْهُم على مَا ظهر مِنْهُم واشتهر
стр. 8
فكتبنا رِسَالَة وجيزة فِي بَيَان غلط هَذَا الكويتي وتشبيهه بِكَلَام شيخ الْإِسْلَام ﵀ وَوَضعه فِي غير مَوْضِعه مَعَ أَنه لَا شُبْهَة فِي كَلَام شيخ الْإِسْلَام وَلَكِن من يرد الله فتْنَة فَلَنْ تملك لَهُ من الله شَيْئا وأعرضنا عَمَّن سوى يُوسُف ثمَّ إِنَّه بَلغنِي أَن حُسَيْن بن حسن وضع قصيدة ينتصر فِيهَا لهَؤُلَاء الْقَوْم ويهجونا فِيهَا نَحوا من إِحْدَى وَعشْرين بَيْتا وَلم أر مِنْهَا إِلَّا سِتَّة أَبْيَات هَذَا نَصهَا
(دهتك الدَّوَاهِي بِابْن سحمان كلهَا ... جَزَاء الْمقَال السوء إِذا أَنْت قَائِله)
(تسي ظنونا بالشبيبي وصهره ... وكل إِمَام بَان فِينَا فضائله)
(وَلَيْسَ كَمَا قد قلت يَا شَرّ واهم ... وَلَكِن سوء الْفَهم تبدو عواضله)
(وَمَا أَنْت إِلَّا شَاعِر ذُو قصائد ... فدع عَنْك فِي الْأَحْكَام مَا أَنْت جاهله)
(ولازم للا أَدْرِي وَلَا تكرهنها ... وَلَا تتبع ظنا تصبك غوائله)
(وَهَذَا قَلِيل فِي الْجَواب عجالة ... وسوف ترى مَا لَا تطِيق تحاوله)
وَقد كنت فِيمَا سلف معرضًا عَنهُ وَعَن غلطاته وورطاته مُرَاعَاة لحق وَالِده ولإخوانه وَلِأَنَّهُم يَزْعمُونَ أَن هَذَا مِمَّا قيل على لِسَانه وطلبوا مني أَن لَا أستعجل بِالْجَوَابِ حَتَّى أتحقق مِنْهُ ذَلِك لأَنهم ظنُّوا أَن هَذَا لَا يصدر مِنْهُ لِأَنَّهُ خلاف مَا يعتقدونه وَخلاف مَا عَلَيْهِ
стр. 9
شيخ الْإِسْلَام مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب والفضلاء النبلاء من أَوْلَاده وتلامذته بل هُوَ خلاف مَا عَلَيْهِ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فَلَمَّا رَأَيْت هَذِه الورطات وسفاسط هَذِه الغلطات بقلمه وتحققت ذَلِك مِنْهُ فِي هَذَا السُّؤَال عدلت عَن الْجَواب بالنظم وبينت لَهُ الْأَحْكَام الَّتِي زعم أَنِّي أجهلها وَهِي بِحَمْد الله لَا تخفى على أدنى طلبة الْعلم وَقد وضحها أهل الْعلم وبينوها وَلَكِن عميت عين بصيرته عَنْهَا وأخلد إِلَى الأَرْض وَاتبع هَوَاهُ
وليت شعري مَا هَذِه الْأَحْكَام الَّتِي أَشَارَ أَنِّي أَدعِي الْكَلَام فِيهَا لجهلي بهَا فِيمَا كتبته على رِسَالَة يُوسُف بن شبيب الكويتي وَمَا هَذَا الْمقَال السوء الَّذِي قلته فِيهَا أهل هَذِه الْأَحْكَام هِيَ الَّتِي زعم بمفهومه الْفَاسِد وتحصيله الكاسد أَن أهل الْعلم اخْتلفُوا فِي تَكْفِير الْجَهْمِية مُطلقًا أَو فِي جهمية دبي وَأبي ظَبْي
فَإِن كَانَ الْكَلَام فِي الْجَهْمِية مُطلقًا فَهَذَا كَلَام أهل الْعلم فيهم مَشْهُور ومعروف ذكر مِنْهُ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية قدس الله روحه بعض أَقْوَال أهل الْعلم فِي الرسَالَة الحموية وَذكر طرفا مِنْهُ فِي التدمرية وَاسْتوْفى الْكَلَام فِيهِ فِي مُوَافقَة الْعقل الصَّحِيح للنَّقْل الصَّرِيح وَفِي التسعينية وَذكر ذَلِك فِي غَالب مصنفاته وَذكر ابْن الْقيم مِنْهُ بَعْضًا فِي الجيوش الإسلامية وَفِي الكافية الشافية فِي
стр. 10
الِانْتِصَار للفرقة النَّاجِية وَفِي غَالب مصنفاته وَذكر عبد الله ابْن الإِمَام أَحْمد ﵀ مَا يشفي العليل ويروي الغليل فِي كتاب السّنة وَكَذَلِكَ الإِمَام عبد الْعَزِيز بن يحيى الْكِنَانِي صَاحب الحيدة وَالْإِمَام عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ وَذكر من صنف فِي السّنة تكفيرهم عَن عَامَّة أهل الْعلم والأثر وَمن آخر من ذكر ذَلِك عَنْهُم شَيخنَا وقدوتنا الشَّيْخ عبد اللَّطِيف ﵀ وَسَيَأْتِي كَلَامه
فَإِن كَانَ مَا ذكره أهل الْعلم ووضحوه ظَاهرا بَينا لَا غُبَار عَلَيْهِ كَمَا هُوَ كَذَلِك وأوضح من ذَلِك فَلَا كَلَام وَإِن كَانَ مَا ذَكرُوهُ ووضحوه لَيْسَ على ظَاهره بل لَهُ بَاطِن يُخَالف ظَاهره بِمَنْزِلَة الألغاز والأحاجي الَّتِي يُخَالف بَاطِنهَا ظَاهرهَا وَأَن أهل الْعلم قصروا فِي هَذَا الْبَاب وأوهموا بِمَا بَاطِنه مُخَالف لظاهره فَعَلَيهِ أَن يبين لنا هَذِه الْأَحْكَام الَّتِي جهلناها من كَلَام أهل الْعلم حَيْثُ لم يوضحوها على الْوَجْه الَّذِي يفهم من ظَاهرهَا وَإِن كَانَ الْكَلَام فِي جهمية دبي وَأبي ظَبْي الَّذين بالسَّاحل من أَرض عمان فستقف على كَلَام شَيخنَا قَرِيبا
فَإِن كَانَ الْخلاف الْمَنْسُوب إِلَى الْعلمَاء فِي هَؤُلَاءِ فَمن هم هَؤُلَاءِ الْعلمَاء من أهل هَذَا الزَّمَان الَّذين نَأْخُذ بأقوالهم ونترك كتاب الله وَسنة رَسُوله وَإِجْمَاع سلف الْأمة وأئمتها لأجل خلاف من لَا يؤبه
стр. 11
لَهُ وَلَا يعد من أهل الْعلم وَلَا يلْتَفت إِلَى خِلَافه وليذكر لنا وَاحِدًا مِنْهُم حَتَّى تعرف حَاله
وَإِن كَانَ الْخلاف من الْعلمَاء الْمُتَقَدِّمين أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فليذكر لنا عددا من الْأَئِمَّة الْأَعْلَام الَّذين هم الْقدْوَة وبهم الأسوة فَإِن زعم أَن جهمية هَذَا السَّاحِل كلهم جهال مقلدون وَأَن الْخلاف يتناولهم وَيُرِيد أَن ينتصر لَهُم لأَنهم مُسلمُونَ قيل لَهُ
أَولا هَؤُلَاءِ الْجَهْمِية الَّذين بالسَّاحل قد بلغتهم الدعْوَة وَقَامَت عَلَيْهِم الْحجَّة مُنْذُ أعصار متطاولة لَا يُنكر ذَلِك إِلَّا مكابر فِي الضروريات مباهت فِي الحسيات وَهَؤُلَاء طلبة الْعلم فِي كل زمَان وَمَكَان يشنون الْغَارة عَلَيْهِم بِكَلَام أهل الْعلم ويبينون لَهُم كفرهم وضلالهم وَلَا يزيدهم ذَلِك إِلَّا عنادا وعتوا فَلَا عذر لَهُم بِالْجَهْلِ فَإِنَّهُم وَإِن لم يَكُونُوا زنادقة مستبصرين فَلَا ريب أَنهم زنادقة مقلدون بِمَنْزِلَة الْأَنْعَام والبهائم وَقد ذكر أهل الْعلم خُصُوصا الشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب وَأَوْلَاده من أهل الْعلم أَنه لَا يشْتَرط فِي إبلاغ الْحجَّة مِمَّن بلغته أَن يفهم عَن الله وَرَسُوله مَا يفهمهُ أهل الْإِيمَان وَالْقَبُول والانقياد لما جَاءَ بِهِ الرَّسُول
وَقيل ثَانِيًا إِنَّمَا الْخلاف الْوَاقِع بَين الْعلمَاء فِي نوع من جهال المقلدين لَهُم لَا فِي الْجُهَّال المقلدين لَهُم مُطلقًا كَمَا زَعمه هَذَا الرجل فِي قصيدته وَأما فِي سُؤَاله فَأطلق وأجمل وَلم يفصل وَلم
стр. 12
يسْتَثْن ابْن الْقيم ﵀ إِلَّا الْعَاجِز كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه
فَتبين من هَذَا أَنه لَا خلاف بَين الْعلمَاء فِي الْجَهْمِية مُطلقًا بل قد ذكر شيخ الْإِسْلَام فِي بعض أجوبته تَكْفِير الإِمَام أَحْمد للجهمية وَذكر كَلَام السّلف فِي تكفيرهم وإخراجهم من الثَّلَاث وَالسبْعين فرقة وَغلظ القَوْل فيهم وَذكر الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَكْفِير من لم يكفرهم وَذكر شَيخنَا الشَّيْخ عبد اللَّطِيف ﵀ أَن هَؤُلَاءِ الَّذين شبهوا بِكَلَام شيخ الْإِسْلَام لم يفهموه وَإِنَّمَا كَلَامه فِي طوائف مَخْصُوصَة وَأَن الْجَهْمِية وَعباد الْقُبُور وَأهل الْكتاب غير داخلين فِيهِ
وَإِن كَانَ مَا أجهله من الْأَحْكَام تكفيري لعباد الْقُبُور فَالْكَلَام فيهم كَالْكَلَامِ فِي الْجَهْمِية فالمعاند لَهُ حكم المعاند مِنْهُم والجهال المقلدون لَهُم حكمهم حكم المقلدين للجهمية لَا فرق وَإِن كَانَ فِي الأباضية فأباضية أهل هَذَا الزَّمَان على مَا بلغنَا جهمية عباد قُبُور لَيْسُوا على مَذَاهِب أسلافهم الماضين فَإِن كنت ترى أَنِّي أَدعِي الْكَلَام فِي هَؤُلَاءِ وَإِنَّمَا ذكرته فِي هَذَا وَفِي كشف الشبهتين من كَلَام الْعلمَاء لَيْسَ بِصَحِيح وَلَا هُوَ الْحق عنْدك وَلَيْسَ من
стр. 13
الْأَحْكَام الَّتِي وضحها أهل الْعلم وَأَن مَا ذكره أهل الْعلم لَيْسَ هُوَ على ظَاهره وَأَن دلَالَته لَيست بجلية بل لَهُ بَاطِن يُخَالف ظَاهره ودلالته ظنية لَيست بقطعية فَإِنِّي أشهد الله وَمَلَائِكَته وأولي الْعلم من خلقه أَنِّي أدين الله بِهَذِهِ الْأَحْكَام الَّتِي ذكرهَا الْعلمَاء ووضحوها وَأَنَّهَا على ظَاهرهَا وَأَن دلالتها قَطْعِيَّة جلية لَيست بظنية وَلَا خُفْيَة وَلَا أدع الْكَلَام فِيهَا لشناعة من شنع من الأغبياء الَّذين لَا معرفَة لَهُم بمدارك الْأَحْكَام وَلَا اطلَاع لَهُم على مَا ذكره أَئِمَّة الْإِسْلَام وَمَا أحسن مَا قيل
(وَقل للعيون الرمد للشمس أعين ... سواك ترَاهَا فِي مغيب ومطلع)
(وسامح نفوسا أطفأ الله نورها ... بأهوائها لَا تستفيق وَلَا تعي)
وَإِن كَانَ مَا أجهله من الْأَحْكَام إنكاري على من أنكر على الإخوان فِي تكفيرهم للجهمية وَعباد الْقُبُور وأباضة أهل هَذَا الزَّمَان وإنكاري معاداتهم لَهُم وبغضهم إيَّاهُم وتجهيلهم وتضليلهم وَالرَّدّ عَلَيْهِم حَيْثُ جعلُوا همتهم وسعيهم فِي التحذير عَن الْجَهْمِية وإيذاء من والاهم وَإِظْهَار بغضه وعداوته وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ للجهمي الْمُعَطل وَلمن يدعوا غير الله يَا جهمي وَيَا كَافِر وَيَا مُبْتَدع ويهجرون من لَا يعاديهم وَلَا يظْهر بغضهم ويحذرون
стр. 14
عَن مجالستهم وَلَا يسلمُونَ عَلَيْهِم هَذَا كَلَام أهل الْعلم قد ذكرته فِي كشف الشبهتين فَإِن كَانَ هَذَا لَيْسَ من الْأَحْكَام الَّتِي ذكرهَا أهل الْعلم فبينوا لنا هَذِه الْأَحْكَام وَالْحق ضَالَّة الْمُؤمن
فَإِن كَانَت الْأَحْكَام الَّتِي لَا يَنْبَغِي لي أَن أَتكَلّم فِيهَا أَن هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَة أَعدَاء الله وَرَسُوله المعطلين للصانع عَن عَرْشه وعلوه على خلقه الجاحدين لأسمائه وصفات كَمَاله ونعوت جَلَاله قد اخْتلف الْعلمَاء فِي تكفيرهم وَإِذا اخْتلف الْعلمَاء فيهم كَانَ الْوَاجِب السُّكُوت عَن بَيَان كفرهم وضلالهم وَأَنَّهُمْ زنادقة وَعَن بَيَان إلحادهم وتكفيرهم وتكفير من لَا يكفرهم أَو شكّ فِي كفرهم لأَنهم عِنْد من لَا يكفرهم مِمَّن لَا يؤبه لقَوْله مُسلمُونَ وَمن كفر مُسلما فقد كفر وَلِأَنَّهُ يلْزم من تكفيرهم أَو تَكْفِير من لم يكفرهم أَو شكّ فِي كفرهم تَكْفِير طوائف من الْعلمَاء لَا يُحْصى عَددهمْ أَو تَكْفِير من سكت عَن تكفيرهم من عوام الْمُسلمين وَكَذَلِكَ عباد الْقُبُور لِأَنَّهُ رُبمَا لم تبلغهم الدعْوَة وَلم تقم عَلَيْهِم الْحجَّة لأَنهم جهال مقلدون وَأَن مَكَّة المشرفة قبل الْفَتْح لَيست دَار كفر وَلَا حَرْب على التَّعْمِيم لِأَن الله قسم أَهلهَا ثَلَاثَة أَقسَام فَكَذَلِك كل بلد فِيهَا مُسلمُونَ حكمهَا كَذَلِك
стр. 15
فَلَا يكون فِي الدُّنْيَا على هَذَا القَوْل بلد كفر وَحرب إِلَّا أَمَاكِن الْيَهُود وَالنَّصَارَى لِأَنَّهُ لَا تَخْلُو الأَرْض من أهل الْإِسْلَام إِلَّا مَا شَاءَ الله حَتَّى إِلَّا ندرة بلد الأنقليز النَّصَارَى فِيهَا مُسلمُونَ على مَا بلغنَا فَإِن كَانَت هَذِه هِيَ الْأَحْكَام الَّتِي أجهلها فَإِنِّي لَا أدع الْكَلَام فِيهَا وَأَبْرَأ إِلَى الله من السُّكُوت عَن بَيَان غلط من وهم فِيهَا وَإِن كَانَ الحبيب المصافيا لأجل شناعة المشنعين من أهل الْجَهْل وَقد قَالَ القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن قَالَ الْمَرْوذِيّ قلت لأبي عبد الله ترى للرجل أَن يشْتَغل بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاة ويسكت عَن الْكَلَام فِي أهل الْبدع فكلح فِي وَجْهي وَقَالَ إِذا هُوَ صلى وَصَامَ وَاعْتَزل النَّاس أهوَ لنَفسِهِ قلت بلَى قَالَ فَإِذا تكلم كَانَ لَهُ وَلغيره يتَكَلَّم أفضل وَقَالَ أَبُو طَالب عَن الإِمَام أَحْمد كَانَ أَيُّوب يقدم الْجريرِي على سُلَيْمَان التَّيْمِيّ لِأَن الْجريرِي كَانَ يُخَاصم الْقَدَرِيَّة وَأهل الْبدع
فَإِذا كَانَ هَذَا حَال السّلف الصَّالح فَإِنِّي إِن شَاءَ الله تَعَالَى لَا أدع الْكَلَام فِي عيب أهل الْبدع والطعن عَلَيْهِم وَلَا أدع الْكَلَام فِيمَن خرج عَن طَريقَة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل نعم الْمولى وَنعم النصير
стр. 16
وَقد أرسل حُسَيْن بن حسن هَذَا النّظم عجالة فِي زَعمه ووعد أَنِّي أرى مَا لَا أُطِيق أحاوله فلأجل ذَلِك أَمْسَكت عنان الْقَلَم حَتَّى يأتينا مَا وعدنا بِهِ مِمَّا لَا نطيق نحاوله بِزَعْمِهِ ويأتينا النّظم بِتَمَامِهِ الَّذِي يزْعم أَنه عجالة بقلم يَده وَأما الغزاونة صهر الشبيبي وَهَؤُلَاء الْأَئِمَّة الَّذين بَان لَهُ فَضلهمْ فَإِنَّهُ لم يسمهم بِأَسْمَائِهِمْ وَلم نر شَيْئا من أَقْوَالهم مَنْسُوبا إِلَيْهِم وَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى الْبَحْث عَنْهُم فَإِن كَانُوا على هَذَا الْمَذْهَب فَأَي فَضِيلَة مَعَ التَّلَبُّس بِهَذِهِ الفضائح والتلوث بِهَذِهِ القبائح فَنحْن نبرأ إِلَى الله مِنْهُم
وَقد رَأَيْت رِسَالَة لبَعْضهِم أرسلها إِلَى الشَّيْخ عبد الله يعْتَذر عَن صهر الشبيبي ويتنصل من هَذِه الْأَقْوَال وَأَنه لَا يَقُول بهَا وَأَن مَا قيل عَنهُ كذب عَلَيْهِ فلأجل ذَلِك أعرضنا عَنْهُم وَلَا نذْكر إِلَّا من شهر نَفسه ونصبها هدفا دون أَعدَاء الله وَرَسُوله وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل على الله توكلنا رَبنَا افْتَحْ بَيْننَا وَبَين قَومنَا بِالْحَقِّ وَأَنت خير الفاتحين وَهَذَا بعض الْإِشَارَة إِلَى بعض مَا فِي كَلَامه من الْجَهْل وَالظُّلم وَالْكذب على الْعلمَاء ليتبين لكل منصف عور كَلَامه وَسُوء مرامه فِي قَوْله
стр. 17
(وَلَيْسَ كَمَا قد قلت يَا شَرّ واهم ... وَلَكِن سوء الْفَهم تبدو عواضله)
قَالَ فِي سُؤَاله بقلمه وَأما قَوْلكُم وَالَّذِي مَا يكفرهم كَافِر فَهَذَا بَاطِل مَرْدُود لما ذكره هَؤُلَاءِ الْأَعْلَام من تَكْفِير الْجُمْهُور من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة للجهمية وَعدم تَكْفِير البَاقِينَ من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة لَهُم
فَالْجَوَاب أَن يُقَال لهَذَا الغبي الْجَاهِل قد ذكر أهل الْعلم أَن من لم يكفر الْمُشْركين أَو شكّ فِي كفرهم فَهُوَ كَافِر كَمَا قَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب فِي نواقض الْإِسْلَام الْعشْرَة الثَّالِث من لم يكفر الْمُشْركين أَو شكّ فِي كفرهم أَو صحّح مَذْهَبهم فَهُوَ كَافِر
وَقد ذكر أهل الْعلم تَكْفِير الْجَهْمِية وَلم يَخْتَلِفُوا فِي تكفيرهم وَأَنَّهُمْ ضلال زنادقة فَمن ذكر عَنْهُم غير ذَلِك فقد كذب عَلَيْهِم وافترى فَلَو ذكر من أَئِمَّة الْمُسلمين عددا يبلغ معشار مَا ذكره أهل الْعلم فِي عدم تكفيرهم لَكَانَ ذَلِك كَافِيا وجوابا شافيا لكنه لم يذكر وَلَو رجلَيْنِ من أَئِمَّة الْإِسْلَام وَهُدَاة الْأَنَام يصرحون بِعَدَمِ تَكْفِير الْجَهْمِية وَأَنَّهُمْ مُسلمُونَ
وَأما مَا فهمه هَذَا الغبي من قَول ابْن الْقيم رَحمَه الله تَعَالَى
(وَلَقَد تقلد كفرهم خَمْسُونَ فِي ... عشر من الْعلمَاء فِي الْبلدَانِ)
فَهُوَ مَفْهُوم فَاسد وَلَا يدْرِي كَلَام ابْن الْقيم إِلَّا أهل الْعلم فَإِن هَذَا الْجَاهِل زعم أَن مَا عدى هَذَا الْعدَد الْمَذْكُور فِي كَلَام ابْن الْقيم
стр. 18
وَنَحْوهم لَا يكفرون الْجَهْمِية وَإِنَّمَا كفرهم جُمْهُور أهل الْعلم وَلم يكفرهم الْبَاقُونَ وَهَذَا الْمَفْهُوم يردهُ صَرِيح مَنْطُوق مَا ذكره الْعلمَاء من أهل التَّحْقِيق الَّذين هم أعلم بِاللَّه وبدينه وشرعه وبكلام أهل الْعلم من هَؤُلَاءِ المتعمقين المتمعلمين الصعافقة الَّذين تكلفوا أَن يتجرؤا فِينَا بِلَا أَثمَان
قَالَ شَيخنَا الشَّيْخ عبد اللَّطِيف بن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن فِي جَوَاب سُؤال ورد عَلَيْهِ من سَاحل عمان وَجَوَاب هَذَا لَو سلم من أوضح الواضحات عِنْد طلبة الْعلم وَأهل الْأَثر وَذَلِكَ أَن الإِمَام أَحْمد وَأَمْثَاله من أهل الْعلم والْحَدِيث لَا يَخْتَلِفُونَ فِي تَكْفِير الْجَهْمِية وَأَنَّهُمْ ضلال زنادقة وَقد ذكر من صنف فِي السّنة تكفيرهم عَن عَامَّة أهل الْعلم والأثر وعد اللالكائي رَحمَه الله تَعَالَى مِنْهُم عددا يتَعَذَّر ذكرهم فِي هَذِه الرسَالَة وَكَذَلِكَ ابْن الإِمَام أَحْمد رَحمَه الله تَعَالَى فِي كتاب السّنة والخلال فِي كتاب السّنة وَابْن أبي مليكَة فِي كتاب السّنة وَإِمَام الْأَئِمَّة ابْن خُزَيْمَة قد قرر كفرهم وَنَقله عَن
стр. 19
أساطين الْأَئِمَّة وَقد حكى كفرهم شمس الدّين ابْن الْقيم رَحمَه الله تَعَالَى فِي كافيته عَن خَمْسمِائَة من أَئِمَّة الْمُسلمين وعلمائهم
وَالصَّلَاة خَلفهم لَا سِيمَا الْجُمُعَة لَا تنَافِي القَوْل بتكفيرهم لَكِن تجب الْإِعَادَة حَيْثُ لَا تمكن الصَّلَاة خلف غَيرهم
وَقد يفرق بَين من قَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة الَّتِي يكفر تاركها وَبَين من لَا شُعُور لَهُ بذلك وَهَذَا القَوْل يمِيل إِلَيْهِ شيخ الْإِسْلَام فِي الْمسَائِل الَّتِي قد يخفى دليلها على بعض النَّاس وعَلى هَذَا القَوْل فالجهمية فِي هَذِه الْأَزْمِنَة قد بلغتهم الْحجَّة وَظهر الدَّلِيل وَعرفُوا مَا عَلَيْهِ أهل السّنة واشتهرت الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة وَظَهَرت ظهورا لَيْسَ بعده إِلَّا المكابرة والعناد وَهَذَا حَقِيقَة الْكفْر والإلحاد كَيفَ لَا وَقَوْلهمْ يَقْتَضِي تَعْطِيل الذَّات وَالصِّفَات وَالْقَوْل بِمَا اتّفق عَلَيْهِ الرسَالَة والنبوات وَشهِدت بِهِ الْعُقُول السليمات مَا لَا يبْقى مَعَه حَقِيقَة للربوبية والألوهية وَلَا وجود للذات المقدسة المتصفة بجميل الصِّفَات وهم إِنَّمَا يعْبدُونَ عدما لَا حَقِيقَة لوُجُوده ويعتمدون من الخيالات والشبه مَا يعلم فَسَاده بضرورة الْعقل وبالضرورة من دين الْإِسْلَام عِنْد من عرفه وَعرف مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل من الْإِثْبَات
ولبشر المريسي وَأَمْثَاله من الشّبَه وَالْكَلَام من نفي الصِّفَات مَا هُوَ من جنس هَذَا الْمَذْكُور من الْجَهْمِية الْمُتَأَخِّرين بل كَلَامه أخف إلحادا من بعض هَؤُلَاءِ الضلال وَمَعَ ذَلِك فَأهل الْعلم متفقون على تكفيره
стр. 20
وعَلى أَن الصَّلَاة لَا تصح خلف كَافِر جهمي أَو غَيره وَقد صرح الإِمَام أَحْمد فِيمَا نقل عَنهُ ابْنه عبد الله وَغَيره أَنه كَانَ يُعِيد صَلَاة الْجُمُعَة وَغَيرهَا وَقد يَفْعَله الْمُؤمن مَعَ غَيرهم من الْمُرْتَدين إِذا كَانَ لَهُم شَوْكَة ودولة والنصوص فِي ذَلِك مَعْرُوفَة مَشْهُورَة نحيل طَالب الْعلم على أماكنها ومظانها وَبِهَذَا ظهر الْجَواب عَن السُّؤَال الَّذِي وصل مِنْكُم انْتهى
فَإِذا تحققت مَا قَالَه أهل الْعلم وَمَا قَرَّرَهُ شَيخنَا رَحمَه الله تَعَالَى علمت أَن هَذَا الغبي الْجَاهِل الَّذِي يَتَخَلَّل بِلِسَانِهِ كَمَا تتخلل الْبَقَرَة بلسانها قد نزع بهَا الْمَفْهُوم الَّذِي لم يسْبق إِلَيْهِ وَأَنه بنى كَلَامه على أصل فَاسد فَإِنَّهُ ظن أَنه لَا يكفر الْجَهْمِية من أهل الْعلم إِلَّا هَذَا الْعدَد الَّذِي ذكره ابْن الْقيم فَقَط لِأَنَّهُ لَا إِلْمَام لَهُ بِكَلَام الْعلمَاء وَلَا اطلَاع لَهُ على ذَلِك وخفي عَلَيْهِ مَا نَقله الْعلمَاء من أَئِمَّة أهل السّنة من تَكْفِير الْجَهْمِية عَن عَامَّة أهل الْعلم والأثر أفيجول فِي خلد أحد أَنه إِذا نقل بَعضهم عَن جُمْهُور أهل السّنة تكفيرهم أَن البَاقِينَ لَا يكفرونهم وَأَنه يلْزم من كفرهم أَو كفر من شكّ فِي كفرهم تَكْفِير هَؤُلَاءِ البَاقِينَ وَهل هَذَا إِلَّا تمويه على خفافيش البصائر مَعَ أَنه لم يقل بِهَذَا القَوْل أحد فِيمَا نعلم قبل هَذَا المتنطع وَلَا ذكره هُوَ عَن أحد من الْعلمَاء يجب الْمصير إِلَى قَوْله بِالْحجَّةِ القاطعة
стр. 21
وَقد رغب هَذَا الرجل عَمَّا نَقله عُلَمَاء أهل السّنة عَن خَمْسمِائَة إِمَام من أَئِمَّة الْمُسلمين إِلَى خيال توهمه بمفهومه أَن مَا سوى هَذَا الْعدَد لَا يكفرون الْجَهْمِية وَهَذَا الْمَفْهُوم بَاطِل مَرْدُود بِمَا نَقله بَعضهم عَن عَامَّة أهل الْعلم والأثر
وَتَأمل أَيهَا الْمنصف مَا ذكره شَيخنَا ﵀ عَن شيخ الْإِسْلَام من أَنه قد يفرق بَين من قَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة الَّتِي يكفر تاركها وَبَين من لَا شُعُور لَهُ بذلك وَأَن شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية يمِيل إِلَى هَذَا القَوْل فِي الْمسَائِل الَّتِي قد يخفى دليلها على بعض النَّاس وَتَأمل قَوْله وعَلى هَذَا القَوْل فالجهمية فِي هَذِه الْأَزْمِنَة قد بلغتهم الْحجَّة وَظهر الدَّلِيل وَعرفُوا مَا عَلَيْهِ أهل السّنة واشتهرت الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة وَظَهَرت ظهورا لَيْسَ بعده إِلَّا المكابرة والعناد وَهَذَا حَقِيقَة الْكفْر والإلحاد إِلَى آخر كَلَامه
وَقد تقدم فَلَيْسَ بعد هَذَا التَّفْصِيل وَالْكَلَام الْفَاصِل الْوَاضِح الْجَلِيل حجَّة للمخالف وَلَا دَلِيل أفيظن هَذَا الْجَاهِل الْمِسْكِين أَنا نَأْخُذ بقوله وَمَفْهُومه أَو نَدع الْكَلَام عَن بَيَان غلطه ووهمه ونترك مَا وضحه أهل الْعلم وبينوه بَيَانا شافيا لَا غُبَار عَلَيْهِ ويل أمه من متمعلم قد ضل عَن مَنْهَج السَّبِيل ونكب عَن مُوجب النَّص وَالدَّلِيل وَمَا عَلَيْهِ أَئِمَّة الْإِسْلَام وَهُدَاة الْأَنَام
стр. 22
قَالَ الشَّيْخ عبد الله ابْن الشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب رَحمَه الله تَعَالَى فِي جَوَاب سُؤال ورد عَلَيْهِ فَاعْلَم ألهمك الله للصَّوَاب وأزال عَنْك ظلم الشَّك والارتياب أَن الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ من الْعلمَاء أَن أهل الْبدع كالخوارج والمرجئة والقدرية وَنَحْوهم لَا يكفرون وَذَلِكَ أَن الْكفْر لَا يكون إِلَّا بإنكار مَا علم بِالضَّرُورَةِ وَأما الْجَهْمِية فَالْمَشْهُور من مَذْهَب أَحْمد ﵀ وَعَامة أَئِمَّة السّنة تكفيرهم فَإِن قَوْلهم صَرِيح فِي مناقضة مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل من الْكتاب وَالسّنة وَحَقِيقَة قَوْلهم جحود الصَّانِع وجحود مَا أخبر بِهِ عَن نَفسه وعَلى لِسَان رَسُوله بل وَجَمِيع الرُّسُل وَلِهَذَا قَالَ عبد الله بن الْمُبَارك إِنَّا لنحكي كَلَام الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَلَا نستطيع أَن نحكي كَلَام الْجَهْمِية
وَبِهَذَا كفرُوا من يَقُول الْقُرْآن مَخْلُوق وَأَن الله لَا يرى فِي الْآخِرَة وَأَن الله لَيْسَ على الْعَرْش وَأَنه لَيْسَ لَهُ علم وَلَا قدرَة وَلَا رَحْمَة وَلَا غضب وَلَا غير ذَلِك من صِفَاته وهم عِنْد كثير من السّلف مثل ابْن الْمُبَارك ويوسف بن أَسْبَاط وَطَائِفَة من أَصْحَاب أَحْمد لَيْسُوا من الثَّلَاث وَسبعين فرقة الَّتِي افْتَرَقت عَلَيْهَا الْأمة انْتهى
стр. 23
وَقد رَأَيْت هَذَا الْكَلَام الَّذِي ذكره الشَّيْخ عبد الله فِي بعض أجوبة شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية قدس الله روحه وَالَّذِي غر هَذَا الْجَاهِل فِيمَا أَظن مَا ذكره ابْن الْقيم رَحمَه الله تَعَالَى فِي الكافية بقوله بعد أَبْيَات ذكرهَا
(فاسمع إِذا يَا منصفا حكميهما ... وَانْظُر إِذا هَل يَسْتَوِي الحكمان)
(هم عندنَا قِسْمَانِ أهل جَهَالَة ... وذووا العناد وَذَلِكَ القسمان)
(جمع وَفرق بَين نوعيهم هما ... فِي بِدعَة لَا شكّ يَجْتَمِعَانِ)
(وذووا العناد فَأهل كفر ظَاهر ... والجاهلون فَإِنَّهُم نَوْعَانِ)
(متمكنون من الْهدى وَالْعلم بالأسباب ... ذَات الْيُسْر والإمكان)
(لَكِن إِلَى أَرض الْجَهَالَة أخلدوا ... واستسهلوا التَّقْلِيد كالعميان)
(لم يبذلوا الْمَقْدُور فِي إدراكهم ... للحق تهوينا بِهَذَا الشان)
(فهم الأولى لَا شكّ فِي تفيسقهم ... وَالْكفْر فِيهِ عندنَا قَولَانِ)
(وَالْوَقْف عِنْدِي فيهمو لست الَّذِي ... بالْكفْر أنعتهم وَلَا الْإِيمَان)
(وَالله أعلم بالبطانة منهموا ... وَلنَا ظهارة حلَّة الْإِيمَان)
(لكِنهمْ مستوجبون عِقَابه ... قطعا لأجل الْبَغي والعدوان)
стр. 24
ثمَّ قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
(وَالْآخرُونَ فَأهل عجز عَن بُلُوغ ... الْحق مَعَ قصد وَمَعَ إِيمَان)
(بِاللَّه ثمَّ رَسُوله ولقائه ... وهموا إِذا ميزتهم ضَرْبَان)
(قوم دهاهم حسن ظنهموا بِمَا ... قالته أَشْيَاخ ذَوُو أَسْنَان)
(وديانة فِي النَّاس لم يَجدوا سوى ... أَقْوَالهم فرضوا بهَا بِأَمَان)
(لَو يقدرُونَ على الْهدى لم يرتضوا ... بَدَلا بِهِ من قَائِل الْبُهْتَان)
(فأولاء معذورون إِن لم يظلموا ... ويكفروا بِالْجَهْلِ والعدوان)
(وَالْآخرُونَ فطالبون الْحق لَكِن ... صدهم عَن علمه شَيْئَانِ)
(مَعَ بحثهم ومصنفات قصدهم ... مِنْهَا وصولهموا إِلَى الْعرْفَان)
(إِحْدَاهمَا طلب الْحَقَائِق من سوى ... أَبْوَابهَا متسوري الجدران)
(وسلوك طرق غير موصلة إِلَى ... دَرك الْيَقِين ومطلع الْإِيمَان)
(فتشابهت تِلْكَ الْأُمُور عليهموا ... مثل اشْتِبَاه الطّرق بالحيران)
(فترى أفاضلهم حيارى كلهم ... فِي التيه يقرع ناجذ الندمان)
(وَيَقُول قد كثرت عَليّ الطّرق لَا ... أَدْرِي الطَّرِيق الْأَعْظَم السُّلْطَان)
(بل كلهَا طرق مخوفات بهَا الْآفَات ... حَاصِلَة بِلَا حسبان)
стр. 25
(فالوقف غَايَته وَآخر آمره ... من غير شكّ مِنْهُ فِي الرحمان)
(أَو دينه وَكتابه وَرَسُوله ... ولقائه وقيامة الْأَبدَان)
(فأولاء بَين الذَّنب والأجرين أَو ... إِحْدَاهمَا أَو وَاسع الغفران)
إِلَى آخر كَلَامه ﵀
وَقد فصل وَبَين حكم هَذِه الْمَسْأَلَة ووضحها فِي الطَّبَقَات وَسَيَأْتِي بَيَانه وَأَنه لم يسْتَثْن إِلَّا الْعَاجِز عَن إِدْرَاك الْحق مَعَ شدَّة طلبه وإرادته لَهُ وَلَيْسَ كَلَامه فِي خُصُوص الْجَهْمِية النفاة المعطلين أهل العناد وأتباعهم المعرضين عَن طلب الْحق بل صَرِيح كَلَامه فِي الْجُهَّال المقلدين لَهُم من الْمُتَكَلِّمين وَغَيرهم مِمَّن دخل عَلَيْهِ شَيْء من كَلَام الْجَهْمِية من أهل الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَغَيرهم من طوائف أهل الْبدع الَّذين أَحْسنُوا الظَّن بِمن قلدوه مِمَّن نزع إِلَى مَذْهَب الْجَهْمِية فأعرضوا عَن طلب الْحق واستسهلوا التَّقْلِيد وردوا قَول الرَّسُول وطعنوا فِي دينه لظنهم أَن مَا قالته أَشْيَاخهم هُوَ الْحق وَسَيَأْتِي تَفْصِيله فِي هَؤُلَاءِ
وَأما من صدر عَنهُ مَا يُوجب كفره من الْأُمُور الَّتِي هِيَ مَعْلُومَة من ضروريات الدّين مثل عبَادَة الله وَإِثْبَات علوه على عَرْشه وَإِثْبَات أَسْمَائِهِ وَصِفَاته فَمن أشرك بِاللَّه تَعَالَى وَجحد علو الله على خلقه واستوائه على عَرْشه وَنفى صِفَات كَمَاله ونعوت جَلَاله الذاتية والفعلية وَمَسْأَلَة علمه بالحوادث والكائنات قبل
стр. 26
كَونهَا فَإِن الْمَنْع من التَّكْفِير والتأثيم بالْخَطَأ وَالْجهل فِي هَذَا كُله رد على من كفر معطلة الذَّات ومعطلة الربوبية ومعطلة الْأَسْمَاء وَالصِّفَات ومعطلة إِفْرَاد الله تَعَالَى بالإلهية والقائلين بِأَن الله لَا يعلم الكائنات قبل كَونهَا كغلاة الْقَدَرِيَّة وَمن قَالَ بِإِسْنَاد الْحَوَادِث إِلَى الْكَوَاكِب العلوية وَمن قَالَ بالأصلين النُّور والظلمة فَإِن من الْتزم هَذَا كُله فَهُوَ أكفر وأضل من الْيَهُود وَالنَّصَارَى
وَشَيخ الْإِسْلَام وتلميذه ابْن الْقيم رحمهمَا الله تَعَالَى قد صرحا فِي غير مَوضِع أَن الْخَطَأ وَالْجهل قد يغفرا لمن لم يبلغهُ الشَّرْع وَلم تقم عَلَيْهِ الْحجَّة فِي مسَائِل مَخْصُوصَة إِذا اتَّقى الله مَا اسْتَطَاعَ واجتهد بِحَسب طاقته وَأَيْنَ التَّقْوَى وَأَيْنَ الِاجْتِهَاد الَّذِي يَدعِيهِ عباد الْقُبُور والداعون للموتى والغائبين والمعطلون للصانع عَن علوه على خلقه وَنفي أَسْمَائِهِ وصفات كَمَاله ونعوت جَلَاله كَيفَ وَالْقُرْآن يُتْلَى فِي الْمَسَاجِد والمدارس والبيوت ونصوص السّنة النَّبَوِيَّة مَجْمُوعَة مدونة مَعْلُومَة الصِّحَّة والثبوت
وَقد بَين ابْن الْقيم رَحمَه الله تَعَالَى فِي الطَّبَقَات تنويع الْجُهَّال المقلدين لأهل الْكفْر من الْجَهْمِية وَعباد الْقُبُور وَغَيرهم وَفصل النزاع وأزال الْإِشْكَال فَقَالَ رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 27
الطَّبَقَة السَّابِعَة عشر طبقَة المقلدين وجهال الْكَفَرَة وأتباعهم وحميرهم الَّذين هم مَعَهم تبع يَقُولُونَ ﴿إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة﴾ وَلنَا أُسْوَة بهم وَمَعَ هَذَا فهم مسالمون لأهل الْإِسْلَام غير محاربين لَهُم كنساء الْمُحَاربين وخدمهم وأتباعهم الَّذين لم ينصبوا أنفسهم لما نصب لَهُ أُولَئِكَ أنفسهم من السَّعْي فِي إطفاء نور الله وَهدم دينه وإخماد كَلِمَاته بل هم بِمَنْزِلَة الدَّوَابّ وَقد اتّفقت الْأمة على أَن هَذِه الطَّبَقَة كفار وَإِن كَانُوا جُهَّالًا مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم إِلَّا مَا يحْكى عَن بعض أهل الْبدع أَنه لم يحكم لهَؤُلَاء بالنَّار وجعلهم بِمَنْزِلَة من لم تبلغه الدعْوَة وَهَذَا مَذْهَب لم يقل بِهِ أحد من أَئِمَّة الْمُسلمين لَا الصَّحَابَة وَلَا التابعون وَلَا من بعدهمْ وَإِنَّمَا يعرف عَن بعض أهل الْكَلَام الْمُحدث فِي الْإِسْلَام
إِلَى أَن قَالَ
وَالْإِسْلَام هُوَ تَوْحِيد الله وعبادته وَحده لَا شريك لَهُ وَالْإِيمَان بِرَسُولِهِ واتباعه فِيمَا جَاءَ بِهِ فَمَا لم يَأْتِ العَبْد بهَا فَلَيْسَ بِمُسلم وَإِن لم يكن كَافِرًا معاندا فَهُوَ كَافِر جَاهِل فغاية هَذِه الطَّبَقَة أَنهم
стр. 28
كفار جهال غير معاندين وَعدم عنادهم لَا يخرجهم عَن كَونهم كفَّارًا فَإِن الْكَافِر من جحد تَوْحِيد الله تَعَالَى وَكذب رَسُوله إِمَّا عنادا وَإِمَّا جهلا وتقليدا لأهل العناد فَهَذَا وَإِن كَانَ غَايَته أَنه غير معاند فَهُوَ مُتبع لأهل العناد وَقد أخبر الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن فِي غير مَوضِع بِعَذَاب المقلدين لأسلافهم من الْكفَّار وَأَن الأتباع مَعَ متبوعيهم فَإِنَّهُم يتحاجون فِي النَّار وَأَن الأتباع يَقُولُونَ ﴿رَبنَا هَؤُلَاءِ أضلونا فآتهم عذَابا ضعفا من النَّار﴾
وَذكر آيَات نَحْو هَذِه
فَانْظُر أَيهَا الْمنصف كَلَام شمس الدّين ابْن الْقيم وتكفيره لهَؤُلَاء الْجُهَّال المقلدين للمعاندين وَهَذَا الرجل الَّذِي أعمى الله قلبه يَقُول إِن بعض أهل السّنة وَالْجَمَاعَة لَا يكفرون الْجَهْمِية أفيجوز تَكْفِير من لم يكفرهم من الْعلمَاء الْمَذْكُورين وَأما جُمْهُور الْعلمَاء فهم يكفرونهم وَمرَاده بذلك الرَّد على من قَالَ من الْعلمَاء بتكفير من لم يكفر الْكَافِر وَالْعُلَمَاء لم يَخْتَلِفُوا فِي تَكْفِير الْجَهْمِية النفاة المعطلين للذات والأسماء وَالصِّفَات بل قد اتّفقت الْأمة على تَكْفِير الأتباع الْجُهَّال المقلدين لرؤسائهم وأئمتهم الَّذين هم تبع
стр. 29
لَهُم وَإِنَّمَا ذكر ابْن الْقيم ﵀ الْقَوْلَيْنِ للْعُلَمَاء فِي الْجُهَّال المقلدين الَّذين أَحْسنُوا الظَّن بِمن قلدوه وأعرضوا عَن قبُول الْحق تقليدا لأشياخهم الَّذين تمكنوا من الْعلم والمعرفة وَقد فصل النزاع وَبَين أَنْوَاع هَؤُلَاءِ بقوله
نعم لابد فِي هَذَا الْمقَام من تَفْصِيل بِهِ يَزُول الْإِشْكَال وَهُوَ الْفرق بَين مقلد تمكن من الْعلم وَمَعْرِفَة الْحق فَأَعْرض عَنهُ ومقلد لم يتَمَكَّن من ذَلِك والقسمان واقعان فِي الْوُجُود فالمتمكن المعرض تَارِك للْوَاجِب لَا عذر لَهُ عِنْد الله وَأما الْعَاجِز عَن السُّؤَال وَالْعلم الَّذِي لَا يتَمَكَّن من الْعلم بِوَجْه فهم قِسْمَانِ
أَحدهمَا مُرِيد للهدى مُؤثر لَهُ محب لَهُ غير قَادر عَلَيْهِ وَلَا على طلبه لعدم من يرشده هَذَا حكمه حكم أَرْبَاب الفترات وَمن لم تبلغه الدعْوَة
قلت وعَلى هَذَا فجهمية دبي وَأبي ظَبْي الَّذين وَقع الْخلاف فيهم خارجون عَن هَذَا الْقسم وَلَا يَقُول مُسلم أَنهم غير متمكنين من الْعلم وَمَعْرِفَة الْحق وَلَا هم كَذَلِك عاجزون عَن السُّؤَال وَالْعلم الَّذِي يتمكنون بِهِ من الْعلم وَطلب الْهدى بل هم قادرون على طلبه والمرشدون لهَذَا الدّين والداعون إِلَيْهِ موجودون غير معدومين وهم
стр. 30
مَعَ ذَلِك بَين أظهر الْمُسلمين وَقد بلغتهم الدعْوَة وَقَامَت عَلَيْهِم الْحجَّة كَمَا تقدم فِي كَلَام الشَّيْخ عبد اللَّطِيف ﵀ لكِنهمْ غير مريدين للهدى وَلَا مؤثرين لَهُ وَلَا محبين لَهُ بل معرضين عَنهُ رَأْسا راضين بِمَا هم عَلَيْهِ ويكفرون أهل الْإِسْلَام وهم معادون لَهُم مبغضون لَهُم محاربون لَهُم غير مسالمين لَهُم ناصبين أنفسهم للسعي فِي إطفاء نور الله وَهدم دينه وإخماد كَلِمَاته فَلَا يكون حكمهم حكم أَرْبَاب الفترات وَمن لم تبلغه الدعْوَة وَلَا يَقُول ذَلِك إِلَّا من أعمى الله قلبه مَعَ أَنه قد انتصب أنَاس جهال فِي الذب عَنْهُم وَأَنَّهُمْ مُسلمُونَ على دَعْوَى قَول طوائف من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة الَّذين لم يكفروا الْجَهْمِية وَهُوَ قَول لَا دَلِيل عَلَيْهِ ويستدل بقوله (من كفر مُسلما فقد كفر) ثمَّ قَالَ ابْن الْقيم
الثَّانِي معرض لَا إِرَادَة لَهُ وَلَا يحدث نَفسه بِغَيْر مَا هُوَ عَلَيْهِ
فَالْأول يَقُول يَا رب لَو أعلم لَك دينا خيرا مِمَّا أَنا عَلَيْهِ لدنت بِهِ وَتركت مَا أَنا عَلَيْهِ وَلَكِن لَا أعرف سوى مَا أَنا عَلَيْهِ وَلَا أقدر إِلَّا عَلَيْهِ فَهُوَ غَايَة جهدي وَنِهَايَة معرفتي
وَالثَّانِي رَاض بِمَا هُوَ عَلَيْهِ لَا يُؤثر غَيره وَلَا تطلب نَفسه سواهُ وَلَا فرق عِنْده بَين حَال عَجزه وَقدرته وَكِلَاهُمَا عَاجز وَهَذَا
стр. 31
لَا يجب أَن يلْحق بِالْأولِ لما بَينهمَا من الْفرق
فَالْأول كمن طلب الدّين فِي الفترة فَلم يظفر بِهِ فَعدل عَنهُ بعد استفراغه الوسع فِي طلبه عَجزا أَو جهلا
وَالثَّانِي كمن لم يَطْلُبهُ بل مَاتَ على شركه وَإِن كَانَ لَو طلبه لعجز عَنهُ فَفرق بَين عجز الطَّالِب وَعجز المعرض فَتَأمل هَذَا الْموضع وَالله يقْضِي بَين عباده يَوْم الْقِيَامَة بعدله وحكمته وَلَا يعذب إِلَّا من قَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة بالرسل فَهُوَ مَقْطُوع بِهِ فِي جملَة الْخلق
وَأما كَون زيد بِعَيْنِه وَعَمْرو قد قَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة أم لَا فَذَلِك مِمَّا لَا يُمكن الدُّخُول بَين الله وعباده فِيهِ بل الْوَاجِب على العَبْد أَن يعْتَقد أَن كل من دَان بدين غير دين الْإِسْلَام فَهُوَ كَافِر وَأَن الله سُبْحَانَهُ لَا يعذب أحدا إِلَّا بعد قيام الْحجَّة عَلَيْهِ بالرسول هَذَا فِي الْجُمْلَة وَالتَّعْيِين موكول إِلَى علم الله تَعَالَى وَحكمه هَذَا فِي أَحْكَام الثَّوَاب وَالْعِقَاب وَأما فِي أَحْكَام الدُّنْيَا فَهِيَ جَارِيَة على ظَاهر الْأَمر فأطفال الْكفَّار ومجانينهم كفار فِي أَحْكَام الدُّنْيَا لَهُم حكم أَوْلِيَائِهِمْ وَبِهَذَا التَّفْصِيل يَزُول الْإِشْكَال فِي الْمَسْأَلَة إِلَى آخر كَلَامه ﵀
وَالَّذِي ندين الله بِهِ أَن من نفى علو الله على خلقه واستوائه على
стр. 32
عَرْشه وَجحد صِفَات كَمَاله ونعوت جَلَاله وَأَن الله لَا يتَكَلَّم بمشيئته وَقدرته وَلَا نزل مِنْهُ شَيْء وَلَا يصعد إِلَيْهِ شَيْء إِلَى غير ذَلِك من صِفَات كَمَاله أَنه قد دَان بدين غير دين الْإِسْلَام
قَالَ شَيخنَا الشَّيْخ عبد اللَّطِيف ﵀ فِي رده على دَاوُد الْعِرَاقِيّ لما ذكر كَلَام ابْن الْقيم الْمُتَقَدّم ذكره قَالَ
فقف هُنَا وَتَأمل هَذَا التَّفْصِيل البديع فَإِنَّهُ ﵀ لم يسْتَثْن إِلَّا من عجز عَن إِدْرَاك الْحق مَعَ شدَّة طلبه وإرادته لَهُ فَهَذَا الصِّنْف هُوَ المُرَاد فِي كَلَام شيخ الْإِسْلَام وَابْن الْقيم وأمثالهما من الْمُحَقِّقين وَأما الْعِرَاقِيّ وإخوانه المبطلون فشبهوا أَن الشَّيْخ لَا يكفر الْجَاهِل وَأَنه يَقُول هُوَ مَعْذُور وأجملوا القَوْل وَلم يفصلوا وَجعلُوا هَذِه الشُّبْهَة ترسا يدْفَعُونَ بهَا الْآيَات القرآنية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة وصاحوا على عباد الله الْمُوَحِّدين كَمَا جرى لأسلافهم من عباد الْقُبُور وَالْمُشْرِكين وَإِلَى الله الْمصير وَهُوَ الْحَاكِم بِعِلْمِهِ بَين عباده فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ انْتهى
стр. 33
وَهَذَا الرجل وَأَضْرَابه من الْجُهَّال سلكوا مَسْلَك دَاوُد بإلقاء الشّبَه وَزَعَمُوا أَن أهل الْعلم لَا يكفرون الْجَاهِل بل الْجَهْمِية مُطلقًا وأجملوا وَلم يفصلوا وصاحوا على عباد الله الْمُوَحِّدين وَلكُل قوم وَارِث وَقد أورد يُوسُف بن شيب الكويتي كَلَام شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية الَّذِي أوردهُ دَاوُد فِي كِتَابه صلح الإخوان وَشبه بِهِ على عباد الله وَزعم كَمَا زعم دَاوُد أَن الْجَاهِل المخطيء مَعْذُور وسمى رسَالَته نصيحة الْمُؤمنِينَ عَن تَكْفِير الْمُسلمين وانتصر لَهُ حُسَيْن بن حسن بقصائد يهجوا فِيهَا أهل الْإِسْلَام وَجَهل وضلل من اعْترض عَلَيْهِ وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل
وَالْمَقْصُود أَن هَذَا الْجَاهِل الغبي زعم أَن لأهل الْعلم فِي الْجَهْمِية قَوْلَيْنِ طَائِفَة تكفرهم وهم الْجُمْهُور وَطَائِفَة لَا يكفرونهم فأجمل الغبي وَلم يفصل وَالْخلاف إِنَّمَا هُوَ فِي الْقسم الثَّانِي من جهالهم المقلدين المتمكنين من الْهدى وَالْعلم المعرضين عَن طلبه وَقد قطع النزاع وأزال الْإِشْكَال وَلم يسْتَثْن إِلَّا من عجز عَن إِدْرَاك الْحق مَعَ شدَّة طلبه لَهُ وإرادته لَهُ وَهَؤُلَاء العاجزون عَن بُلُوغ الْحق ضَرْبَان
стр. 34
فالضرب الأول من قلد أَشْيَاخ الضلال الَّذين سلكوا على طَريقَة الْجَهْمِية وقفُوا آثَارهم فقلدهم هَؤُلَاءِ وأحسنوا بهم الظَّن لأجل ديانتهم فِي النَّاس وَلم يَجدوا سوى أَقْوَالهم فقنعوا بهَا وَرَضوا بهَا وَلَو يقدرُونَ على الْهدى وسلوك الصِّرَاط الْمُسْتَقيم الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وتابعوهم لم يرتضوا بسواه وَلم يستبدلوا بِهِ أَقْوَال من صدف عَن الْحق ونكب عَنهُ وَقَالَ بالبهتان فَهَؤُلَاءِ معذورون إِن لم يظلموا ويكفروا بِالْجَهْلِ والعدوان
وَالضَّرْب الثَّانِي من طلب الْحق وَبحث وصنف وقصده التَّوَصُّل إِلَى معرفَة الْحق لَكِن طلبه للحق لَيْسَ هُوَ من بَابه بل سلك طرقا تُفْضِي بِهِ إِلَى غير الْحق ودرك الْيَقِين وحقائق الْإِيمَان فَلم يتَبَيَّن لَهُ الْحق من الْبَاطِل بل اشتبهت عَلَيْهِ الْأُمُور وموارد الطّرق الَّتِي تورده إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَإِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ السّلف الصَّالح فَوقف متحيرا لَا يدْرِي أَيْن طَرِيق الْحق الَّذِي ينجيه من طَرِيق الْبَاطِل الَّذِي يرديه مَعَ حسن قَصده وَعدم شكه فِي الله وَدينه وَكتابه وَرَسُوله ولقائه فَهَذَا الضَّرْب بَين الذَّنب والأجرين أَو أَحدهمَا أَو مغْفرَة الله وَهَذَا بِخِلَاف الْعَاجِز المعرض الَّذِي لم يرفع رَأْسا بدين الْإِسْلَام بل هُوَ رَاض بِمَا هُوَ عَلَيْهِ لَا يُؤثر غَيره وَلَا تطلب نَفسه سواهُ وَلَا طلب الْحق وَلَا أحبه وَلَا أَرَادَهُ وَهَؤُلَاء الْأَقْسَام كلهم مجتمعون فِي الْبِدْعَة وَإِن اخْتلفت أحكامهم وَإِذا
стр. 35
كَانُوا أهل بِدعَة وضلالة فَمَا المسوغ للذب عَنْهُم والمجادلة دونهم بِالْبَاطِلِ ومعادات من عاداهم وَأظْهر الشناعة عَلَيْهِم لَوْلَا مُتَابعَة الْهوى وحمية الْجَاهِلِيَّة وَمن يرد الله فتنته فَلَنْ تملك لَهُ من الله شَيْئا وَمن لم يَجْعَل الله نورا فَمَا لَهُ من نور
стр. 36
فصل
ونزيد هَذَا الْمقَام إيضاحا وبيانا بِمَا ذكره شمس الدّين ابْن الْقيم رَحمَه الله تَعَالَى فِي الجيوش الإسلامية لِئَلَّا يتَوَهَّم من لَا معرفَة لَدَيْهِ بمدارك الْأَحْكَام وَلَا تَمْيِيز لَهُ بِمَا عَلَيْهِ أَئِمَّة الْإِسْلَام أَن هَذَا الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ فِي عُمُوم الْكفَّار مِمَّن أشرك بِاللَّه فِي عِبَادَته وَعدل بِهِ سواهُ فِي تَوْحِيد الربوبية وتوحيد الإلهية وَأما الْجَهْمِية نفات الذَّات وَالصِّفَات فَلَيْسَ هَذَا الْكَلَام فيهم لِأَن الْعلمَاء قد اخْتلفُوا فِي تكفيرهم فَلهم فيهم قَولَانِ كَمَا قد توهمه هَذَا الغبي وَأَضْرَابه
فَقَالَ ﵀
قَالَ شَيخنَا يَعْنِي شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية قدس الله روحه النَّاس فِي الْهدى الَّذِي بعث الله بِهِ رَسُوله ﷺ أَرْبَعَة أَقسَام قد اشْتَمَلت عَلَيْهِم هَذِه الْآيَات من أول السُّورَة فَذكر الْقسم الأول الَّذِي قبلوا الْهدى بَاطِنا وظاهرا وهم نَوْعَانِ ثمَّ قَالَ
стр. 37
الْقسم الثَّانِي من رده بَاطِنا وظاهرا وَكفر بِهِ وَلم يرفع بِهِ رَأْسا وَهَؤُلَاء أَيْضا نَوْعَانِ
أَحدهمَا عرفه وتيقن صِحَّته وَأَنه حق وَلَكِن حمله الْحَسَد وَالْكبر وَحب الرِّئَاسَة وَالْملك والتقدم بَين قومه على جَحده وَدفعه بعد البصيرة وَالْيَقِين
النَّوْع الثَّانِي أَتبَاع هَؤُلَاءِ الَّذين يَقُولُونَ هَؤُلَاءِ سَادَاتنَا وكبراؤنا وهم أعلم منا بِمَا يقبلونه وَمَا يردونه وَلنَا أُسْوَة بهم وَلَا نرغب بِأَنْفُسِنَا عَن أنفسهم وَلَو كَانَ حَقًا كَانُوا هم أَهله وَأولى بقبوله وَهَؤُلَاء بِمَنْزِلَة الدَّوَابّ والأنعام يساقون حَيْثُ يسوقهم راعيهم وهم الَّذين قَالَ الله فيهم ﴿إِذْ تَبرأ الَّذين اتبعُوا من الَّذين اتبعُوا وَرَأَوا الْعَذَاب وتقطعت بهم الْأَسْبَاب﴾ الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَوْم تقلب وُجُوههم فِي النَّار يَقُولُونَ يَا ليتنا أَطعْنَا الله وأطعنا الرسولا وَقَالُوا رَبنَا إِنَّا أَطعْنَا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا﴾ الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى فيهم ﴿وَإِذ يتحاجون فِي النَّار فَيَقُول الضُّعَفَاء للَّذين استكبروا إِنَّا كُنَّا لكم تبعا فَهَل أَنْتُم مغنون عَنَّا نَصِيبا من النَّار﴾ الْآيَة وَقَالَ فيهم ﴿هَذَا فليذوقوه حميم وغساق وَآخر من شكله أَزوَاج﴾
стр. 38
إِلَى قَوْله ﴿فبئس الْقَرار﴾
إِلَى أَن قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 39
فصل
الْقسم الثَّالِث الَّذين قبلوا مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ وآمنوا بِهِ ظَاهرا وجحدوه وَكَفرُوا بِهِ بَاطِنا وهم المُنَافِقُونَ الَّذين ضرب الله لَهُم هَذَانِ المثلان بمستوقد النَّار وبالصيب وهم أَيْضا نَوْعَانِ
أَحدهمَا من أبْصر ثمَّ عمي وَعلم ثمَّ جهل وَأقر ثمَّ أنكر وآمن ثمَّ كفر فَهَؤُلَاءِ رُؤُوس أهل النِّفَاق وساداتهم وأئمتهم وَمثلهمْ مثل من استوقد نَارا ثمَّ حصل بعْدهَا على الظلمَة
وَالنَّوْع الثَّانِي ضعفاء البصائر الَّذين أعشى بصائرهم ضوء الْبَرْق فكاد أَن يَخْطفهَا لِضعْفِهَا وقوته وأصم آذانهم صَوت الرَّعْد فهم يجْعَلُونَ أَصَابِعهم فِي آذانهم من الصَّوَاعِق فَلَا يقربون من سَماع الْقُرْآن وَالْإِيمَان بل يهربون مِنْهُ وَيكون حَالهم من يسمع الرَّعْد الشَّديد فَمن شدَّة خَوفه مِنْهُ يَجْعَل أَصَابِعه فِي أُذُنَيْهِ وَهَذِه
стр. 40
حَال كثير من خفافيش البصائر فِي كثير من نُصُوص الْوَحْي إِذا وَردت عَلَيْهِ مُخَالفَة لما تَلقاهُ عَن أسلافه وَذَوي مذْهبه وَمن يحسن بِهِ الظَّن وَرَآهَا مُخَالفَة لما عِنْده عَنْهُم هرب من النُّصُوص وَكره من يسمعهُ إِيَّاهَا وَلَو أمكنه لسد أُذُنَيْهِ عِنْد سماعهَا وَيَقُول دَعْنَا من هَذِه وَلَو قدر لعاقب من يتلوها وحفظها وينشرها وَيعلمهَا فَإِذا ظهر لَهُ مِنْهَا مَا يُوَافق مَا عِنْده مَشى فِيهَا وَانْطَلق فَإِذا جَاءَت بِخِلَاف مَا عِنْده أظلمت عَلَيْهِ فَقَامَ حائرا لَا يدْرِي أَيْن يذهب ثمَّ يعزم لَهُ التَّقْلِيد وَحسن الظَّن برؤسائه وسادته على اتِّبَاع مَا قَالُوهُ دونهَا وَيَقُول مِسْكين الْحَال هم أخبر بهَا مني وَأعرف فيالله الْعجب أوليس أَهلهَا والذابون عَنْهَا والمنتصرون لَهَا والمعظمون لَهَا والمخالفون لأَجلهَا آراء الرِّجَال المقدمون لَهَا على مَا خالفها أعرف بهَا أَيْضا مِنْك وَمِمَّنْ اتبعته فَلم كَانَ من خالفها وعزلها عَن الْيَقِين وَزعم أَن الْهدى وَالْعلم لَا يُسْتَفَاد مِنْهَا وَأَنَّهَا أَدِلَّة لفظية لَا تفِيد شَيْئا من الْيَقِين وَلَا يجوز أَن يحْتَج بهَا على مَسْأَلَة وَاحِدَة من مسَائِل التَّوْحِيد وَالصِّفَات ويسميها الظَّوَاهِر النقلية ويسمي مَا خالفها القواطع الْعَقْلِيَّة فَلم كَانَ هَؤُلَاءِ أَحَق بهَا وَأَهْلهَا وَكَانَ أنصارها والذابون عَنْهَا والحافظون لَهَا هم أعداؤها ومحاربوها
следующие страницы →