Полный текст (94 стр.). Показаны 71–94 · переход к 76.
стр. 71
وَمَا ظهر فِيهَا هَذَا وَهَذَا فقد أفتى شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية بِأَنَّهُ يُرَاعى فِيهَا الجانبان فَلَا تُعْطى حكم الْإِسْلَام من كل وَجه وَلَا حكم الْكفْر من كل وَجه كَمَا نَقله عَنهُ ابْن مُفْلِح وَغَيره وَذكر بعض الْعلمَاء أَن الحكم للأغلب عَلَيْهَا
وَأما حكم العَاصِي الظَّالِم الْقَادِر على الْهِجْرَة الَّذِي لَا يقدر على إِظْهَار دينه فَهُوَ على مَا ظهر من حَاله فَإِن كَانَ ظَاهره مَعَ أهل بَلَده فَحكمه حكمهم فِي الظَّاهِر وَإِن كَانَ مُسلما يخفي إِسْلَامه لما روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من حَدِيث مُوسَى بن عقبَة قَالَ ابْن شهَاب حَدثنَا أنس بن مَالك أَن رجَالًا من الْأَنْصَار قَالُوا يَا رَسُول الله ائْذَنْ لنا فنترك لِابْنِ أُخْتنَا عَبَّاس فداءه فَقَالَ لَا وَالله لَا تَذَرُون مِنْهُ درهما
وَقَالَ يُونُس بن بكير عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن يزِيد بن رُومَان عَن عُرْوَة عَن الزُّهْرِيّ عَن جمَاعَة سماهم قَالُوا بعث قُرَيْش فِي فدى أَسْرَاهُم ففدى فِي كل قوم أسيرهم بِمَا رَضوا وَقَالَ الْعَبَّاس يَا رَسُول الله قد كنت مُسلما فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (أعلم بِإِسْلَامِك فَإِن يكون كَمَا يَقُول فَإِن الله يجْزِيك بِهِ وَأما ظاهرك فقد كَانَ علينا
стр. 72
فافتد نَفسك وابنى أَخِيك وأخويك نَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَعقيل بن أبي طَالب بن عبد الْمطلب وخليفك عتبَة بن عمر وَأخي بني الْحَارِث بن فهر) قَالَ مَا ذَاك عِنْدِي يَا رَسُول الله فَقَالَ (فَأَيْنَ المَال الَّذين دَفَنته أَنْت وَأم الْفضل فَقلت لَهَا إِن أصبت فِي سَفَرِي هَذَا فَهَذَا المَال الَّذِي دَفَنته لبني الْفضل وَعبد الله وَقثم) قَالَ وَالله يَا رَسُول الله إِنِّي لأعْلم أَنَّك رَسُول الله هَذَا لشَيْء مَا علمه غَيْرِي وَغير أم الْفضل فأحسب لي يَا رَسُول الله مَا أصبْتُم مني عشْرين أُوقِيَّة من مَال كَانَ معي فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا ذَاك شَيْء أَعْطَانَا الله تَعَالَى مِنْك) ففدى نَفسه وَابْني أَخَوَيْهِ وَحَلِيفه
الحَدِيث
فاستحل رَسُول الله ﷺ فداءه وَالْمَال الَّذِي كَانَ مَعَه لِأَن ظَاهره كَانَ مَعَ الْكفَّار بقعوده عِنْدهم وَخُرُوجه مَعَهم وَمن كَانَ مَعَ الْكفَّار فَلهُ حكمهم فِي الظَّاهِر وَمِمَّا يُوضح لَك أَن مَكَّة المشرفة قبل الْفَتْح بلد كفر وَحرب مَا قَالَه شيخ الْإِسْلَام ﵀ فِي الْكَلَام على قَوْله ﷺ (لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة وَإِذا استنفرتم فانفروا)
стр. 73
وَقَالَ (لَا تَنْقَطِع الْهِجْرَة مَا قوتل الْعَدو)
стр. 74
وَكِلَاهُمَا حق فَالْأول أَرَادَ بِهِ الْهِجْرَة الْمَعْهُودَة فِي زَمَانه وَهِي الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة من مَكَّة وَغَيرهَا من أَرض الْعَرَب فَإِن هَذِه الْهِجْرَة كَانَت مَشْرُوعَة لما كَانَت مَكَّة وَغَيرهَا دَار كفر وَحرب وَكَانَ الْإِيمَان بِالْمَدِينَةِ فَكَانَت الْهِجْرَة من دَار الْكفْر إِلَى دَار الْإِسْلَام وَاجِبَة لمن قدر عَلَيْهَا فَلَمَّا فتحت مَكَّة وَصَارَت دَار إِسْلَام وَدخلت الْعَرَب فِي الْإِسْلَام صَارَت هَذِه الأَرْض كلهَا دَار إِسْلَام فَقَالَ (لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح) وَكَون الأَرْض دَار كفر وَدَار إِيمَان وَدَار فاسقين لَيست صفة لَازِمَة لَهَا بل هِيَ صفة عارضة بِحَسب سكانها وكل أَرض سكانها الْمُؤْمِنُونَ المتقون هِيَ دَار أَوْلِيَاء الله فِي ذَلِك الْوَقْت وكل أَرض سكانها الْكفَّار فَهِيَ دَار كفر فِي ذَلِك الْوَقْت وكل أَرض سكانها الْفُسَّاق فَهِيَ دَار فسق فِي ذَلِك الْوَقْت فَإِن سكنها غير من ذكرنَا وتبدلت بغيرهم فَهِيَ دَارهم وَكَذَلِكَ الْمَسْجِد إِذا تبدل بخمارة أَو صَار دَار فسق أَو دَار ظلم أَو كَنِيسَة يُشْرك فِيهَا بِاللَّه كَانَ بِحَسب سكانه وَكَذَلِكَ دَار الْخمر والفسوق وَنَحْوهَا إِذا جعلت مَسْجِدا يعبد الله فِيهَا كَانَ
стр. 75
بِحَسب ذَلِك وَكَذَلِكَ الرجل الصَّالح يصير فَاسِقًا أَو الْفَاسِق يصير صَالحا أَو الْكَافِر يصير مُؤمنا أَو الْمُؤمن يصير كَافِرًا وَنَحْو ذَلِك كل بِحَسب انْتِقَال الْأَحْوَال من حَال إِلَى حَال
إِلَى أَن قَالَ
فأحوال الْبِلَاد كأحوال الْعباد فَيكون الرجل تَارَة مُسلما وَتارَة كَافِرًا وَتارَة مُؤمنا وَتارَة منافقا وَتارَة برا تقيا وَتارَة فَاسِقًا وَتارَة فَاجِرًا شقيا وَهَكَذَا المساكن بِحَسب سكانها إِلَى آخر كَلَامه
وَهَذَا مِمَّا لَا إِشْكَال فِيهِ بِحَمْد الله فَهَذَا كَلَام أهل الْعلم وَمُوجب سنة رَسُول الله ﷺ فِي حكم الدَّار وساكنها
وَالْمَقْصُود بَيَان جهل هَذَا الرجل وَشدَّة غباوته وَعدم مَعْرفَته لكَلَام الْمُحَقِّقين من أهل الْعلم وَمَعَ هَذَا الْجَهْل يَقُول أَلا فافهموا نَص الْكتاب وحققوا زواجره وَهُوَ لم يفهم نَص الْكتاب وَلم يعظم زواجره باجتناب مَا حرم الله من مُوالَاة من حاد الله وَرَسُوله وامتثال أمره فِي معاداتهم ومقاطعتهم ومباعدتهم وبغضهم والبراءة مِنْهُم وَمِمَّنْ والاهم وركن إِلَيْهِم واتخذهم أَوْلِيَاء من دون الْمُؤمنِينَ وَينصب نَفسه هدفا دون من يُجَادِل عَنْهُم ويناضل وَيَقُول
(وَلَا تتبعوا أهل الْجَهَالَة إِنَّهُم ... يصدون عَن نهج الْهدى كل رَاغِب)
(ويسعون بالإفساد فِي الأَرْض جهدهمْ ... وَلَيْسوا على نهج من الدّين وَاجِب)
стр. 76
وَهُوَ قد اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله وأضل بمفهومه الْفَاسِد اتِّبَاع كل ناعق فِي تسهيله عَن مقاطعة أَعدَاء الله وَرَسُوله بِأَنَّهُم مُسلمُونَ وَأَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي تكفيرهم فَمن كفرهم فَإِنَّهُ يلْزم مِنْهُ تَكْفِير طوائف كثيرين من السّلف وَمن تَبِعَهُمْ وهب أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي تكفيرهم وَأَجْمعُوا على تبديعهم وتفسيقهم وضلالهم فَمَا المسوغ لموالاتهم ونصرتهم والذب عَنْهُم ومعادات من عاداهم من أهل الْإِسْلَام وأبغضهم وحذر عَن مجالستهم ومجامعتهم فِي أَي كتاب وجدت ذَلِك عَن أهل الْعلم بِاللَّه وبدينه وَكتابه وشرعه وَمَعَ ذَلِك يحض على فهم نَص الْكتاب وَقد جعل حكم السَّاكِن وأقسامه للدَّار عكس مَا نَص الله فِي كِتَابه فَكَانَ هُوَ أَحَق بالجهالة وبإضلال النَّاس عَن نهج الْهدى وَالسَّعْي بالإفساد فِي الأَرْض جهده فَالله الْمُسْتَعَان
وَإِذا كَانَ يعلم أَن جهمية دبي وَأبي ظَبْي وَنَحْوهم شَرّ فرقة وَأَن الجهمي رَدِيء الْمذَاهب وَيعلم أَن من فِي هَذِه البلدتين من الْمُسلمين عصاة ظَالِمُونَ لأَنْفُسِهِمْ وَيعلم أَن الْخَوَارِج من أهل الْبدع المارقين بِنَصّ رَسُول الله ﷺ وَأَنَّهُمْ كلاب النَّار وَأَنَّهُمْ دانوا بشر الْمذَاهب وَأَنَّهُمْ قد جَاءُوا بأعظم فِرْيَة فَمَا هَذَا التحامل والتجازف فِي مسَبَّة من عاداهم وأبغضهم وحذر عَن مجالستهم وَأَغْلظ فِي ذَلِك ولأي شَيْء نصب نَفسه غَرضا دونهم ويناضل أهل
стр. 77
الْإِسْلَام المكفرين للجهمية النافين لعلو الله على خلقه واستواءه على عَرْشه الجاحدين لصفات كَمَاله ونعوت جَلَاله الزاعمين أَنه تَعَالَى وتقدس عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا مُتَّصِلا بِهِ وَلَا مُنْفَصِلا عَنهُ وَلَا محايثا لَهُ وَأَنه لَيْسَ فَوق السَّمَاء إِلَه يعبد وَيصلى لَهُ وَيسْجد وَلَيْسَ فَوْقه إِلَّا الْعَدَم الْمَحْض وَأَنه لَيْسَ لله فِي الأَرْض كَلَام وَلَا يشار إِلَيْهِ بالأصابع إِلَى فَوق وَلَا ينزل مِنْهُ شَيْء وَلَا يصعد إِلَيْهِ شَيْء وَلَا تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح إِلَيْهِ وَلَا رفع الْمَسِيح إِلَيْهِ وَلَا عرج برَسُول الله ﷺ إِلَيْهِ وَلَا يتَكَلَّم بقدرته ومشيئته وَلَا ينزل إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الآخر فَيَقُول (هَل من سَائل فَيعْطى سؤله هَل من دَاع فَأُجِيبَهُ هَل من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ) إِلَى أَن ينفجر الْفجْر وَأَنه لَا يرى فِي الْآخِرَة وَلَا يقوم بِهِ فعل الْبَتَّةَ وَهل هَذَا إِلَّا الْكفْر والإلحاد الصَّرِيح ثكلتك أمك وَمن يشك فِي كفر هَؤُلَاءِ أَو كفر من يشك فِي كفرهم وَهُوَ مِمَّن يفهم وَلَا يجهل وَهل شم رَائِحَة الْإِيمَان وبالخصوص جهمية هَذَا السَّاحِل فَإِنَّهُم بَين أظهر الْمُسلمين يجادلونهم ويوضحون لَهُم الْأَدِلَّة ويبينون لَهُم مَا هم عَلَيْهِ من الضلال فقد بلغتهم الدعْوَة وَقَامَت عَلَيْهِم الْحجَّة وتوضحت لَهُم الْأَدِلَّة وانتشرت الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة وَظَهَرت ظهورا لَيْسَ بعده إِلَّا المكابرة والعناد وَلَا يُنكر هَذَا إِلَّا مباهت فِي الضروريات مكابر فِي الحسيات
стр. 78
يَا وَيلك أتدع مناضلة هَؤُلَاءِ وَإِظْهَار معاداتهم وتزعم أَنهم مُسلمُونَ لِأَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي تَكْفِير الْجَهْمِية وَهُوَ زعم كَاذِب وتشن الْغَارة على أهل الْإِسْلَام المكفرين لَهُم وَتظهر معاداتهم وتضع القصائد فِي هجوهم وَالْكذب عَلَيْهِم نَعُوذ بِاللَّه من رين الذُّنُوب وانتكاس الْقُلُوب فَإِذا كَانَ يعلم أَن هَذَا من مَذَاهِب الْجَهْمِية فلأي شَيْء لَا يكفرهم أَو يغار لمن شكّ فِي كفرهم بالمحامات والمجادلة دونه وتضيق الْبِلَاد بِهِ ذرعا عِنْد سَماع مسبتهم وتكفيرهم وَإِظْهَار معاداتهم والتحذير عَنْهُم وَعَن مجالسة من لَا يكفرهم ويضلل طلبة الْعلم وَيَزْعُم أَنهم افتتنوا وفتنوا ويجادل فِي الله بِغَيْر علم وَلَا هدى وَلَا كتاب مُنِير وَيَزْعُم أَن من كفرهم أَو كفر من شكّ فِي كفر هَؤُلَاءِ الْجَهْمِية الضلال الزَّنَادِقَة الَّذين قد قَامَت عَلَيْهِم الْحجَّة أَنهم جهال متبعون لأهل الْجَهْل وَأَنَّهُمْ يضلون النَّاس عَن نهج الْهدى ويسعون فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ جهدهمْ وَلَيْسَ مَعَهم دَلِيل على هَذِه الفضائح كلهَا لِأَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي تَكْفِير الْجَهْمِية بمفهومه الْفَاسِد وَلَيْسَ مَعَه فِي ذَلِك أثارة من علم إِلَّا قَول بعض الْعلمَاء وَقد كفرهم جُمْهُور الْعلمَاء أَو أَكْثَرهم وَهَذَا لَا يلْزم مِنْهُ أَن البَاقِينَ لَا يكفرونهم كَمَا فهمه هَذَا الرجل الْجَاهِل وَقد قَالَ شيخ الْإِسْلَام ﵀ وَلما اسْتحلَّ طَائِفَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ كقدامة بن مَظْعُون وَأَصْحَابه شرب الْخمر وظنوا أَنَّهَا تُبَاح لمن عمل
стр. 79
صَالحا على مَا فهموه من آيَة الْمَائِدَة اتّفق عُلَمَاء الصَّحَابَة كعمر وَعلي وَغَيرهمَا إِلَى آخر كَلَامه وَقد تقدم
فَلم يذكر ﵀ من عُلَمَاء الصَّحَابَة إِلَّا عمر وَعلي بن أبي طَالب وَقد كَانَ من الْمَعْلُوم أَن جَمِيع الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ من الْعلمَاء من أَئِمَّة السّلف لَا يخالفونهما فِي ذَلِك وَلم يقل أحد من الْعلمَاء أَن البَاقِينَ لَا يكفرونهم أَو استمروا على الاستحلال لأَنهم سكتوا
وَقد بَينا فِيمَا مضى فَسَاد مَفْهُومه وَأَن الْعلمَاء أَجمعُوا على كفرهم بل على كفر الأتباع الْجُهَّال المقلدين لَهُم وَبينا بطلَان إِلْزَامه وَأَنه لَو لزم فلازم الْمَذْهَب لَيْسَ بِمذهب كَمَا ذكره أهل الْعلم وَبينا أَن هَذَا الْإِلْزَام من وراثة أهل الْكَلَام الْمُحدث فِي الْإِسْلَام وَبينا أَن الْخلاف فِي نوع من أَنْوَاع الْجُهَّال المقلدين لَهُم لَا فِي جَمِيعهم
وَالْمَقْصُود هُنَا بَيَان جهل هَذَا المتنطع وَأَنه زبزب قبل أَن يحصرم وَتكلم قبل أَن يتَعَلَّم وَمن الْعجب أَنه ذكر الْخَوَارِج وَأَنَّهُمْ من أهل الْبدع وَأَنَّهُمْ دانوا بشر الْمذَاهب وَأَنَّهُمْ جَاءُوا بأعظم فِرْيَة فَإِذا قَالَ بعض الإخوان بِكفْر أباضية أهل هَذَا الزَّمَان لأَنهم زادوا فِي الشَّرّ على مَذْهَب أوائلهم وأسلافهم وعَلى مَذْهَب الْخَوَارِج بانتحال مَذْهَب الْمُعْتَزلَة وَأَنَّهُمْ على اعْتِقَاد عباد الْقُبُور فِي الذّبْح لغير الله
стр. 80
وَدُعَاء الْأَوْلِيَاء وَالصَّالِحِينَ وَنفي الشَّفَاعَة وَعَذَاب الْقَبْر وَغير ذَلِك جعل يضللهم ويجهلهم وَيَزْعُم أَنهم ساعين بِالْفَسَادِ فِي الأَرْض جهدهمْ وَأَنه يلْزمهُم تَكْفِير جَمِيع الصَّحَابَة لَا سِيمَا عَليّ بن أبي طَالب لأَنهم مَا كفرُوا الْخَوَارِج كَمَا سَيَأْتِي فِي نظمه
ويل أمه مَا أجهله فَإِنَّهُ لَو لم يكن فِي الْجَهْمِية والأباضية إِلَّا أَنهم من أهل الْبدع لما سَاغَ لهَذَا الغبي مسَبَّة طلبة الْعلم وإيذائهم وَإِظْهَار عداوتهم وبغضهم كَيفَ وَقد حذر أهل الْعلم عَن مجالسة أهل الْبدع كَمَا فِي كتاب أَسد بن مُوسَى إِلَى أَسد بن الْفُرَات حَيْثُ قَالَ فِيهِ وَإِيَّاك أَن يكون لَك من أهل الْبدع أَخ أَو جليس أَو صَاحب فَإِنَّهُ جَاءَ فِي الْأَثر من جَالس صَاحب بِدعَة نزعت مِنْهُ الْعِصْمَة ووكل إِلَى نَفسه وَمن مَشى إِلَى صَاحب بِدعَة مَشى فِي هدم الْإِسْلَام وَجَاء مَا من إِلَه يعبد من دون الله أبْغض إِلَى الله من صَاحب هوى وَقد وَقعت اللَّعْنَة من رَسُول الله ﷺ على أهل الْبدع وَأَن الله لَا يقبل مِنْهُم صرفا وَلَا عدلا وَلَا فَرِيضَة وَلَا تَطَوّعا وَكلما ازدادوا اجْتِهَادًا أَو صوما وَصَلَاة ازدادوا من الله بعدا فَارْفض مجَالِسهمْ وأذلهم وأبعدهم كَمَا أبعدهم الله وأذلهم رَسُول الله ﷺ وأئمة الْهدى
وَقد ذكرته بِتَمَامِهِ فِي كشف الشبهتين
стр. 81
فصل
ثمَّ قَالَ فِي قصيدته سنة ١٣٢٤ هـ
(وَمن جِهَة أُخْرَى لقد كَانَ قَائِلا ... بتكفير خير النَّاس أزكى الأطايب)
(أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّبِي وَآله ... ولاسيما مِنْهُم عَليّ بن أبي طَالب)
(لأنهموا مَا كفرُوا الْخَوَارِج ... يرى وَصفهم بالْكفْر أوجب وَاجِب)
(وَمن لم يكفرهم لَدَيْهِ فكافر ... وَلَيْسَ بمستثن لتِلْك المعايب)
(فقد كَانَ أَصْحَاب النَّبِي جَمِيعهم ... على ضد مَا قَالَ فِي ذَا المطالب)
وَالْجَوَاب أَن يُقَال
وَهَذَا أَيْضا من جَهله وغباوته فَإِن تَكْفِير الأباضية خُصُوصا أباضية هَذَا الزَّمَان مُمكن مُتَّجه لأَنهم لَيْسُوا على مَذْهَب أوائلهم بل ازْدَادَ شرهم وكفرهم فَإِنَّهُم فِي هَذِه الْأَزْمِنَة جهمية على مَذْهَب أهل الاعتزال فِي زعمهم أَن الله لَا يرى فِي الْآخِرَة وعَلى مُعْتَقد عباد الْقُبُور فِي دُعَاء الْأَوْلِيَاء وَالصَّالِحِينَ وَالذّبْح للجن مَعَ إنكارهم للشفاعة وَالْمِيزَان وَعَذَاب الْقَبْر ونعيمه وَغير ذَلِك مِمَّا أحدثوه فِي الدّين وَخَرجُوا بِهِ عَن جمَاعَة الْمُسلمين وَقد اشْتهر أَمرهم وَظهر
стр. 82
خبرهم وَمَا هم عَلَيْهِ فِي سَاحل عمان وباطنه وَقد بلغتهم الدعْوَة وَقَامَت عَلَيْهِم الْحجَّة مُنْذُ أزمان متطاولة لَا يُنكر ذَلِك إِلَّا مكابر فَالْكَلَام وَالْخِصَام الْوَاقِع فِي أباضية هَذَا الزَّمَان لَا فِي الْخَوَارِج الَّذين خَرجُوا على عَليّ ﵁ وَمن على مَذْهَبهم مِمَّن جَاءَ بعدهمْ فَمن غالط بالْكلَام فِي الْخَوَارِج الَّذين خَرجُوا على عَليّ وَجعل حكم هَؤُلَاءِ الَّذين كَانُوا بِهَذَا السَّاحِل على مَا وَصفنَا حكم الْخَوَارِج الْمُتَقَدِّمين فَهُوَ مشبه ملبس يمزج الْحق بِالْبَاطِلِ وَمَعَ هَذَا التلبيس يزْعم أَن من كفر هَؤُلَاءِ على هَذِه الصّفة الَّتِي ذكرنَا لزمَه تَكْفِير جَمِيع الصَّحَابَة ﵃ لَا سِيمَا عَليّ بن أبي طَالب لأَنهم مَا كفرُوا الْخَوَارِج ثمَّ لَو سلمنَا أَنهم على مَذْهَب الْخَوَارِج لم يُجَاوِزُوهُ إِلَى غَيره لم يلْزم من ذَلِك تَكْفِير الصَّحَابَة كَمَا قدمنَا
وَقد حكى شيخ الْإِسْلَام فِي الْفَتَاوَى فِي تَكْفِير الْخَوَارِج وَنَحْوهم عَن مَالك قَوْلَيْنِ وَعَن الشَّافِعِي كَذَلِك وَعَن أَحْمد أَيْضا رِوَايَتَيْنِ وَأَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَأَصْحَابه لَهُم قَولَانِ وَالْخلاف فيهم مَشْهُور فعلى قَول هَذَا الْجَاهِل أَنه يلْزم من كفرهم على الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَن أَحْمد وعَلى القَوْل الثَّانِي عَن مَالك وَعَن الشَّافِعِي تَكْفِير أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ لأَنهم مَا كفرُوا الْخَوَارِج وعَلى القَوْل الأول يلْزم من لم يكفرهم تضليل من كفرهم من الْعلمَاء أَو تكفيره لِأَنَّهُ ورد
стр. 83
فِي الحَدِيث (من كفر مُسلما فقد كفر) وَهَذَا كُله إِلْزَام بِالْبَاطِلِ وَقد بَينا فِيمَا تقدم أَن هَذَا لَيْسَ بِلَازِم وَلَو لزم فلازم الْمَذْهَب لَيْسَ بِمذهب فَإِذا علمت هَذَا فَمن كفر بعض فرق الطوائف المبتدعة كالخوارج الْمُتَقَدِّمين يحْتَج بالنصوص المكفرة لَهُم من كتاب الله وَسنة رَسُوله كَقَوْلِه ﷺ (يَمْرُقُونَ من الدّين كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية ثمَّ لَا يعودون إِلَيْهِ إِلَّا كَمَا يعود السهْم إِلَى فَوْقه) وَغير ذَلِك من النُّصُوص الَّتِي يحْتَج بهَا من كفرهم وَلَا يلْزم من هَذَا تَكْفِير من لم يكفرهم أوشك فِي كفرهم لِأَنَّهُ غير لَازم لاحْتِمَال مَانع يمْنَع من ذَلِك عِنْده وَلَو كَانَ لَازِما لقَالَ بِهِ الْعلمَاء ووضحوه وَمن لم ير تكفيرهم وَهُوَ الصَّحِيح فحجته أَن أصل الْإِسْلَام الثَّابِت لَا يحكم بزواله إِلَّا بِحُصُول منَاف لحقيقته مُنَاقض لأصله لِأَن الْعُمْدَة اسْتِصْحَاب الأَصْل وجودا وعدما وَلقَوْل عَليّ ﵁ لما سُئِلَ عَنْهُم أكفار هم قَالَ من الْكفْر فروا وَلم يُخَالِفهُ أحد من الصَّحَابَة وَلَا يلْزم من هَذَا تضليل من كفرهم أَو تكفيرهم لِأَنَّهُ ورد فِي الحَدِيث (من كفر مُسلما فقد كفر) فَإِنَّهُ غير لَازم لما ذكرنَا
стр. 84
وَالْمَقْصُود بَيَان غلط هَذَا الْجَاهِل المتمعلم المتعيقل فِي إِلْزَام من كفر الْخَوَارِج بتكفير الصَّحَابَة لأَنهم مَا كفرُوا الْخَوَارِج فَكيف بأباضية أهل هَذَا الزَّمَان بل هَذَا القَوْل وَهَذَا الْإِلْزَام من أَقْوَال أهل الْكَلَام الْمُحدث فِي الْإِسْلَام حَيْثُ ألزموا بِهِ السّلف فِي إِثْبَات الْعُلُوّ وَإِثْبَات الصِّفَات وَزَعَمُوا أَن من قَالَ بِهَذَا فَهُوَ مجسم إِلَى غير ذَلِك من إلزاماتهم الْبَاطِلَة إِذا تحققت هَذَا فَنحْن لَا نكفر الْخَوَارِج الأول مَعَ أَنهم من أظهر النَّاس بِدعَة وقتالا للْأمة وتكفيرا لَهَا لِأَن من كَانَ أصل الْإِيمَان فِي قلبه لَا نكفره بِمُجَرَّد تَأْوِيله
стр. 85
فصل
وَأما قَوْله
(وتكفير من قد كَانَ للشرك فَاعِلا ... إِذا كَانَ ذَا جهل فَلَيْسَ بصائب)
(على الْفَوْر بل من بعد تبيان حجَّة ... إِذا قَارن الْإِشْرَاك شَرّ المعائب)
(يجوز لنا التَّكْفِير للشَّخْص عينه ... وَلَيْسَ بِهِ بَأْس لَدَى كل صائب)
(وَهَذَا سَبِيل الْمُرْسلين وَمن قفى ... لآثارهم من كل آل وَصَاحب)
فَالْجَوَاب أَن يُقَال إِن الله تَعَالَى أرسل الرُّسُل مبشرين ومنذرين لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل فَكل من بلغه الْقُرْآن ودعوة الرَّسُول ﷺ فقد قَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة قَالَ الله تَعَالَى ﴿لأنذركم بِهِ وَمن بلغ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾
وَقد أجمع الْعلمَاء على أَن من بلغته دَعْوَة الرَّسُول ﷺ أَن حجَّة الله قَائِمَة عَلَيْهِ وَمَعْلُوم بالاضطرار من الدّين أَن الله سُبْحَانَهُ بعث
стр. 86
مُحَمَّدًا ﷺ بِالْهدى وَدين الْحق وَأنزل عَلَيْهِ الْكتاب ليعبد وَحده لَا يُشْرك مَعَه غَيره فَلَا يدعى إِلَّا هُوَ وَلَا يذبح إِلَّا لَهُ وَلَا ينذر إِلَّا لَهُ وَلَا يتوكل إِلَّا عَلَيْهِ وَلَا يخَاف خوف السِّرّ إِلَّا مِنْهُ وَالْقُرْآن مَمْلُوء من هَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا تدعوا مَعَ الله أحدا﴾ وَقَالَ ﴿لَهُ دَعْوَة الْحق﴾ وَقَالَ ﴿وَلَا تدع من دون الله مَا لَا ينفعك وَلَا يَضرك﴾ وَقَالَ ﴿فصل لِرَبِّك وانحر﴾ وَقَالَ ﴿وعَلى الله فتوكلوا إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ وَقَالَ ﴿فاعبده وتوكل عَلَيْهِ﴾ وَقَالَ ﴿فإياي فارهبون﴾ وَقَالَ ﴿فَلَا تخافوهم وخافون إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ وَقَالَ ﴿وَلم يخْش إِلَّا الله فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا من المهتدين﴾
وَقد ذكر الله استواءه على عَرْشه فِي سَبْعَة مَوَاضِع من كِتَابه وَذكر فوقيته على خلقه فِي مَوَاضِع كَثِيرَة وَذكر أَسْمَائِهِ وَصِفَاته فِي آيَات
стр. 87
كَثِيرَة وَالله سُبْحَانَهُ لَا يعذب خلقه إِلَّا بعد الْإِعْذَار إِلَيْهِم فَأرْسل رسله وَأنزل كتبه لِئَلَّا يَقُولُوا ﴿لَوْلَا أرْسلت إِلَيْنَا رَسُولا فنتبع آياتك ونكون من الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو أَنا أهلكناهم بِعَذَاب من قبله لقالوا رَبنَا لَوْلَا أرْسلت إِلَيْنَا رَسُولا فنتبع آياتك من قبل أَن نذل ونخزى﴾
فَكل من بلغه الْقُرْآن فَلَيْسَ بمعذور فَإِن الْأُصُول الْكِبَار الَّتِي هِيَ أصل دين الْإِسْلَام قد بَينهَا الله فِي كِتَابه ووضحها وَأقَام بهَا حجَّته على عباده وَلَيْسَ المُرَاد بِقِيَام الْحجَّة أَن يفهمها الْإِنْسَان فهما جليا كَمَا يفهمها من هداه الله ووفقه وانقاد لأَمره فَإِن الْكفَّار قد قَامَت عَلَيْهِم حجَّة الله مَعَ إخْبَاره بِأَنَّهُ جعل على قُلُوبهم أكنة أَن يفقهوا كَلَامه فَقَالَ ﴿وَجَعَلنَا على قُلُوبهم أكنة أَن يفقهوه وَفِي آذانهم وقرا﴾ وَقَالَ ﴿قل هُوَ للَّذين آمنُوا هدى وشفاء وَالَّذين لَا يُؤمنُونَ فِي آذانهم وقر وَهُوَ عَلَيْهِم عمى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّهُم اتَّخذُوا الشَّيَاطِين أَوْلِيَاء من دون الله وَيَحْسبُونَ أَنهم مهتدون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل هَل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا﴾
стр. 88
والآيات فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة
يخبر تَعَالَى أَنهم لم يفهموا الْقُرْآن وَلم يفقهوه وَالله عاقبهم بالأكنة على قُلُوبهم والوقر فِي آذانهم وَأَنه ختم على قُلُوبهم وأسماعهم وأبصارهم فَلم يعذرهم الله مَعَ هَذَا كُله بل حكم بكفرهم فَهَذَا يبين لَك أَن بُلُوغ الْحجَّة نوع وفهمها نوع آخر إِذا تقرر هَذَا فَلَا يلْزم من قيام الْحجَّة وبلوغها أَن يبلغهَا الْإِنْسَان لكل فَرد من أَفْرَاد الْجَهْمِية وَعباد الْقُبُور وَغَيرهم مِمَّن تخرجه بدعته من الْإِسْلَام كغلاة الْقَدَرِيَّة والمرجئة وغلاة الرافضة كَمَا يزعمه هَؤُلَاءِ الْجُهَّال الَّذين يَزْعمُونَ أَن حجَّة الله بِالْقُرْآنِ لم تبلغ جَمِيع الْخلق وَأَنه لابد من إبلاغها لكل فَرد وَمَا علمت هَذَا عَن أحد من أهل الْعلم وَالَّذِي ذكر أهل الْعلم أَن هَذَا لَا يلْزم إِلَّا من نَشأ ببادية بعيدَة أَو كَانَ حَدِيث عهد بِالْإِسْلَامِ أَو يكون ذَلِك فِي الْمسَائِل الْخفية الَّتِي قد يخفى دليلها على بعض النَّاس وَأما من كَانَ بَين أظهر الْمُسلمين كجهمية دبي وَأبي ظَبْي وأباضية أهل هَذَا السَّاحِل وجهميته فَهَؤُلَاءِ قد بلغتهم الدعْوَة وَقَامَت عَلَيْهِم الْحجَّة وَقد وَقعت الْمُخَاصمَة والمجادلة بَينهم وَبَين من هُنَاكَ من طلبة الْعلم وراسلوا المشائخ وأجابوهم على مسائلهم وَأَقَامُوا عَلَيْهِم الْحجَّة بِالدَّلِيلِ فوضحت
стр. 89
لَهُم فَلم يبْق لَهُم عذر كَمَا تقدم فِي كَلَام الشَّيْخ عبد اللَّطِيف ﵀ وكما هُوَ مَوْجُود مَشْهُور فِي رسائل قد وَردت على الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن حسن ﵀
وَقد سُئِلَ الشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب رَحمَه الله تَعَالَى عَن هَذِه الْمَسْأَلَة فَأجَاب السَّائِل بقوله هَذَا من الْعجب العجاب كَيفَ تشكون فِي هَذَا وَقد وضحته لكم مرَارًا فَإِن الَّذِي لم تقم عَلَيْهِ الْحجَّة هُوَ الَّذِي حَدِيث عهد بِالْإِسْلَامِ وَالَّذِي نَشأ ببادية بعيدَة أَو يكون ذَلِك فِي مَسْأَلَة خُفْيَة مثل الصّرْف والعطف فَلَا يكفر حَتَّى يعرف وَأما أصُول الدّين الَّتِي وضحها الله وأحكمها فِي كِتَابه فَإِن حجَّة الله هِيَ الْقُرْآن فَمن بلغه فقد بلغته الْحجَّة وَلَكِن أصل الْإِشْكَال أَنكُمْ لم تفَرقُوا بَين قيام الْحجَّة وَفهم الْحجَّة فَإِن أَكثر الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ لم يفهموا حجَّة الله مَعَ قِيَامهَا عَلَيْهِم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿أم تحسب أَن أَكْثَرهم يسمعُونَ أَو يعْقلُونَ إِن هم إِلَّا كالأنعام بل هم أضلّ سَبِيلا﴾ وَقيام الْحجَّة وبلوغها نوع وفهمهم إِيَّاهَا نوع
стр. 90
آخر وكفرهم الله ببلوغهم إِيَّاهَا مَعَ كَونهم لم يفهموها وَإِن أشكل عَلَيْكُم ذَلِك فانظروا قَوْله ﷺ فِي الْخَوَارِج (أَيْنَمَا لقيتموهم فاقتلوهم) مَعَ كَونهم فِي عصر الصَّحَابَة ويحقر الْإِنْسَان عمل الصَّحَابَة مَعَهم وَمَعَ إِجْمَاع النَّاس أَن الَّذِي أخرجهم من الدّين هُوَ التشدد والغلو وَالِاجْتِهَاد وهم يظنون أَنهم مطيعون الله وَقد بلغتهم الْحجَّة وَلَكِن لم يفهموها وَكَذَلِكَ قتل عَليّ بن أبي طَالب ﵁ الَّذين اعتقدوا فِيهِ الإلهية وحرقهم بالنَّار مَعَ كَونهم تلاميذ الصَّحَابَة وَمَعَ عِبَادَتهم وهم أَيْضا يظنون أَنهم على حق وَكَذَلِكَ إِجْمَاع السّلف على تَكْفِير أنَاس من غلاة الْقَدَرِيَّة وَغَيرهم مَعَ كَثْرَة علمهمْ وَشدَّة عِبَادَتهم وكونهم يظنون أَنهم
стр. 91
يحسنون صنعا وَلم يتَوَقَّف أحد من السّلف فِي تكفيرهم لأجل أَنهم لم يفهموا فَإِن هَؤُلَاءِ كلهم لم يفهموا انْتهى كَلَامه ﵀
فَإِذا علمت هَذَا وتحققته فَاعْلَم أَن هَذَا هُوَ سَبِيل الْمُرْسلين وَمن قفى أَثَرهم من الْآل وَالْأَصْحَاب وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ من الْأَئِمَّة المهتدين فحجة الله هِيَ الْقُرْآن فَمن بلغه الْقُرْآن فَلَا عذر وَلَيْسَ كل جهل يكون عذرا لصَاحبه فَهَؤُلَاءِ جهال المقلدين لأهل الْكفْر كفار بِإِجْمَاع الْأمة اللَّهُمَّ إِلَّا من كَانَ مِنْهُم عَاجِزا عَن بُلُوغ الْحق ومعرفته لَا يتَمَكَّن مِنْهُ بِحَال مَعَ محبته لَهُ وإرادته وَطَلَبه وَعدم المرشد إِلَيْهِ أَو من كَانَ حَدِيث عهد بِالْإِسْلَامِ أَو من نَشأ ببادية بعيدَة فَهَذَا الَّذِي ذكر أهل الْعلم أَنه مَعْذُور لِأَن الْحجَّة لم تقم عَلَيْهِ فَلَا يكفر الشَّخْص الْمعِين حَتَّى يعرف وَتقوم عَلَيْهِ الْحجَّة بِالْبَيَانِ وَأما التمويه والمغالطة من بعض هَؤُلَاءِ بِأَن شيخ الْإِسْلَام توقف فِي تَكْفِير الْمعِين الْجَاهِل فَهُوَ من التلبيس والتمويه على خفافيش البصائر فَإِنَّمَا الْمَقْصُود بِهِ فِي مسَائِل مَخْصُوصَة قد يخفى دليلها على بعض النَّاس كَمَا فِي مسَائِل الْقدر والإرجاء وَنَحْو ذَلِك مِمَّا قَالَه أهل الْأَهْوَاء فَإِن بعض أَقْوَالهم تَتَضَمَّن أمورا كفرية من رد أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة المتواترة فَيكون القَوْل المتضمن لرد بعض النُّصُوص كفرا وَلَا يحكم على قَائِله بالْكفْر لاحْتِمَال وجود مَانع يمْنَع مِنْهُ
стр. 92
كالجهل وَعدم الْعلم بِنَفس النَّص أَو بدلالته فَإِن الشَّرَائِع لَا تلْزم إِلَّا بعد بُلُوغهَا وَلذَلِك ذكرهَا فِي الْكَلَام على بدع أهل الْأَهْوَاء وَقد نَص على هَذَا فَقَالَ فِي تَكْفِير أنَاس من أَعْيَان الْمُتَكَلِّمين بعد أَن قرر هَذِه الْمَسْأَلَة قَالَ وَهَذَا إِذا كَانَ فِي الْمسَائِل الْخفية فقد يُقَال بِعَدَمِ الْكفْر وَأما مَا يَقع مِنْهُم فِي الْمسَائِل الظَّاهِرَة الجلية أَو مَا يعلم من الدّين بِالضَّرُورَةِ فَهَذَا لَا يتَوَقَّف فِي كفر قَائِله
وَهَؤُلَاء الأغبياء أجملوا الْقَضِيَّة وَجعلُوا كل جهل عذرا وَلم يفصلوا وَجعلُوا الْمسَائِل الظَّاهِرَة الجلية وَمَا يعلم من الدّين بِالضَّرُورَةِ كالمسائل الْخفية الَّتِي قد يخفى دليلها على بعض النَّاس وَكَذَلِكَ من كَانَ بَين أظهر الْمُسلمين كمن نَشأ ببادية بعيدَة أَو كَانَ حَدِيث عهد بِالْإِسْلَامِ فضلوا وأضلوا كثيرا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيل
إِذا عرفت هَذَا فمسألة علو الله على خلقه واستوائه على عَرْشه وَإِثْبَات صِفَات كَمَاله ونعوت جَلَاله من الْمسَائِل الجلية الظَّاهِرَة وَمِمَّا علم من الدّين بِالضَّرُورَةِ فَإِن الله قد وضحها فِي كِتَابه وعَلى لِسَان رَسُوله فَمن سمع الْآيَات القرآنية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة فقد قَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة وَإِن لم يفهمها فَإِن كَانَ مِمَّن يقْرَأ الْقُرْآن فَالْأَمْر أعظم وأطم لَا سِيمَا إِن عاند وَزعم أَن مَا كَانَ عَلَيْهِ هُوَ الْحق وَأَن الْقُرْآن لم يبين ذَلِك بَيَانا شافيا كَافِيا فَهَذَا كفره أوضح من الشَّمْس فِي نحر
стр. 93
الظهيرة وَلَا يتَوَقَّف فِي كفره من عرف الْإِسْلَام وَأَحْكَامه وقواعده وَبِالْجُمْلَةِ فَمن دَان بدين غير دين الْإِسْلَام وَقَامَ بِهِ هَذَا الْوَصْف الَّذِي يكون بِهِ كَافِرًا فَهُوَ كَافِر وَلَا نحكم على معِين بالنَّار بل نكل أمره إِلَى الله وَإِلَى علمه وَحكمه فِي بَاطِن أمره هَذَا فِي أَحْكَام الثَّوَاب وَالْعِقَاب وَأما فِي أَحْكَام الدُّنْيَا فَهِيَ جَارِيَة على ظَاهر الْأَمر
فَإِذا علمت هَذَا وتحققته علمت أَن هَذَا الرجل ملبس مموه فِي إِنْكَاره على من أطلق الْكفْر على من قَامَ بِهِ وصف الْكفْر وَقد كَانَ فِي جملَة من بلغتهم الدعْوَة وَقَامَت عَلَيْهِم الْحجَّة وَلم يقم بِهِ شَيْء من الْمَوَانِع الَّتِي تمنع من قيام الْحجَّة وَمرَاده بذلك التشنيع على الإخوان فِيمَا فَعَلُوهُ وقالوه من تَكْفِير الْجَهْمِية وَعباد الْقُبُور وأباضية أهل هَذَا الزَّمَان ويلزمهم باللوازم الَّتِي لَا تلزمهم وهم يبرؤن إِلَى الله من القَوْل بهَا وَقد قَالَ أَبُو الوفا ابْن عقيل ﵀
نَعُوذ بِاللَّه من أَن نلزم إنْسَانا بِلَازِم قَول وَهُوَ يفر مِنْهُ انْتهى فَكيف إِذا لم يلْزمه ثمَّ لم يكتف بذلك حَتَّى قَامَ يَدْعُو إِلَى هَذَا الْمَذْهَب وَيَزْعُم أَن كل من تكلم فِيهِ وَبَينه ووضحه وعادى أَهله وَبَين غلطهم لَا يعرف الْأَحْكَام فِي هَذِه الْمسَائِل المهمة الْعِظَام لِأَنَّهُ فِيهَا جَاهِل فَهَلا بَينهَا ووضحها وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فَنَقُول ﴿هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ ﴿هَل عنْدكُمْ﴾
стр. 94
من علم فتخرجوه لنا إِن تتبعون إِلَّا الظَّن وَإِن أَنْتُم إِلَّا تخرصون) لكنه قد وعدنا أَنا سنرى مَا لَا نطيق نحاوله من الِاعْتِذَار للجهمية وَعباد الْقُبُور وأباضيه هَذَا الزَّمَان لأَنهم عِنْده جهال أَو مُسلمُونَ كَمَا صرح بذلك وَكَذَلِكَ الِاعْتِذَار لمن والاهم وذب عَنْهُم وَحِينَئِذٍ فَلَا عذر لَهُ عَن بَيَان هَذِه الْأَحْكَام الَّتِي جهلناها من كَلَام أَئِمَّة الْإِسْلَام وَهُدَاة الْأَنَام إِلَى دَار السَّلَام من عدم تَكْفِير الْجَهْمِية وأباضية أهل هَذَا الزَّمَان الْجَهْمِية الْمُعْتَزلَة عباد الْقُبُور وَبَيَان أَن من كفرهم يلْزمه تَكْفِير طوائف من عُلَمَاء السّلف لأَنهم مَا كفرُوا الْجَهْمِية وَعَمن نقل ذَلِك وَقَالَ بِهِ من الْعلمَاء وَيبين لنا الْأَحْكَام فِي أَن من كفر أباضية هَذَا الزَّمَان فقد كفر جَمِيع الصَّحَابَة لأَنهم مَا كفرُوا الْخَوَارِج الَّذين خَرجُوا على عَليّ
وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَصلى الله على مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدّين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
السلسة السلفية للرسائل والكتب النجدية ٦
الرسَالَة الثَّانِيَة
تَمْيِيز الصدْق من المين فِي محاورة الرجلَيْن
تأليف الشَّيْخ الْعَلامَة سُلَيْمَان بن سحمان الفزعي الْخَثْعَمِي (١٢٦٦ - ١٣٤٩ هـ)
تَحْقِيق وَتَخْرِيج عبد الْعَزِيز بن عبد الله الزير آل حمد