فرائض الغسل:
للغسل ركن واحد وهو تعميم البدن بالماء، ويشمل الفرض العملي والفرض الاعتقادي حيث لم يفصّل الله تعالى في فرائض الغسل كما فصّل في فرائض الوضوء، قال تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ (١) . والمبالغة في قوله تعالى: ﴿فاطهروا﴾ تفيد غسل الجسم ظاهراً وباطناً، ويسقط ما لا يمكن لوجود الحرج. وعلى هذا فرائض الغسل هي:
-١ - تعميم ما أمكن من البدن شَعْره وبَشره بالماء الطاهر، لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر) (٢) . فيجب تعهد ثنايا الجسم وتحت الإبطين والشعر بالغسل.
-٢ - المضمضة والاستنشاق، لما روى ابن عباس ﵄ عن خالته ميمونة قالت: وضعت لرسول الله ﷺ غسلاً فاغتسل من الجنابة وذكرت الحديث وفيه: (ثم مضمض واستنشق..) (٣) ويكفي في المضمضة الشرب عبَّاً.
-٣ - غسل الفرج الظاهر والسرّة، لحديث عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه) (٤) ، وعن ابن عمر ﵄ قال: (كان (٥) إذا اغتسل من الجنابة نضخ الماء في الماء عينيه وأدخل إصبعه في سرته) (٦) . أخذ السادة الأحناف من الحديث وجوب غسل السرة دون وجوب غسل العينين.
-٤ - إزالة ما يمنع من وصول الماء إلى الجسد.
-٥ - غسل تحت الشعر وتبليغ الماء إلى أصول الشعر، ويفترض نقض المضفور من شعر الرجل للغسل وتنقض المرأة ضفائرها إذا لم تتأكد من وصول الماء إلى أصل الشعر، بدليل ما روي عن أم سلمة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضَفْرَ رأسي فأنقضه لغُسْل الجنابة؟ قال: (لا إنما يكفيك أن تَحثْي على رأسك ثلاث حَثَيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) (٧) .
стр. 72
سنن الغسل:
يسن في الغسل ما يسن في الوضوء عدا الترتيب.
-١ - التسمية قبل كشف العورة، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه) (١) .
-٢ - النية، ليكون فعله قربة، والابتداء بالتسمية يصاحب النية لأن النية فعل القبل والتسمية باللسان.
-٣ - أن يبدأ المغتسل بيديه.
-٤ - أن يزيل الأذى والنجاسة إن كانت على بدنه.
-٥ - غسل الفرج إن لم يكن به نجاسة لفعل النبي ﷺ ، وليطمئن بوصول الماء إلى الجزء الذي ينضم من فرجه حال القيام. روي عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حَفَنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه) (٢) .
-٦ - أن يتوضأ وضوءه للصلاة فيثلث الغسل ويمسح الرأس ويؤخر غسل الرجلين إن كان يقف حال الاغتسال في محل يجمع فيه الماء لاحتياجه لغسلهما ثانية.
-٧ - تعهد مواضع الانعطاف.
-٨ - تخليل أصول الشعر ثلاثاً بيده المبللة.
-٩ - أن يفيض الماء على بدنه ثلاثاً، فالإفاضة سنة لأنه لو انغمس في ماء جار أو كثير طهر من الجنابة حكماً.
-١٠ - البداية من الرأس ثم الطرف الأيمن ثم الأيسر، لحديث جبير بم مطعم ﵁ قال: تذاكرْنا غسل الجنابة عند رسول الله ﷺ فقال: (أما أنا فآخذ ملء كفي ثلاثاً فأصب على رأسي ثم أفيضه بعد على سائر جسدي) (٣) . وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ (كان يتوضأ من الجنابة، ثم يدخل يده اليمنى في الماء، ثم يخلل بها شق رأسه الأيمن فيتبع أصول الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر بيده اليسرى كذلك يستبرئ البشرة، ثم يصب على رأسه ثلاثاً) (٤) .
-١١ - التكرار ثلاثاً، وهو في الغسل أولى منه في الوضوء.
-١٢ - الدلك في المرة الأولى ثم يصب الماء وهو واجب عند الإمام أبي يوسف.
-١٣ - الموالاة.
-١٤ - نقض الشعر للغسل سنة للمرأة إن أمكن التعميم بدونه، وإلا فهو فرض كما ذكرنا. ويصح بلة العضو من العضو السابق (بانتقال الماء) في الغسل ولكن بشرط التقاطر.
стр. 73
آداب الغسل:
-١ - استقبال القبلة على أن لا يكون مكشوف العورة حال الاغتسال وإلا فالأفضل عدم استقبالها.
-٢ - عدم التكلم أثناء الاغتسال ولو بدعاء. د
-٣ - عدم الإسراف في الماء أو التقتير فيه، لما روي عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء) (١) .
-٤ - أن يغتسل في مكان لا يراه فيه أحد.
-٥ - أن يستتر قدر الإمكان، لما روي عن يعلى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله حَيِيٌّ سِتّير. يحب الحياء والسِتّر. فإذا اغتسل أحدكم فليستتر) (٢) ، وذلك سواء أكان وحده أو معه أحد من جنسه. أما المرأة بين الرجال فتؤخر غسلها وتتيمم للصلاة ثم تعيد. ويجوز للمرأة أن تتجرد للغسل وكذا الرجل إذا كان المحل صغيراً جداً.
-٦ - يستحب بعد الغسل صلاة ركعتين كما في الوضوء.
стр. 74
ما يحرم بالحدث الأكبر:
-١ - يحرم بالحدث الأكبر ما يحرم بالحدث الأصغر وهو الصلاة والسجود للتلاوة والشكر، وكذلك الطواف - فرضاً أو نفلاً - ومس المصحف أو علاّقته، لقوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ (١) ، أما حمل المصحف تبعاً فلا يمنع منه كأن كان في صندوق فلا بأس للجنب أن يحمله.
-٢ - قراءة القرآن قليلاً كان أو كثيراً ولو بعض آية ما كانت بنية التلاوة، لما روي عن علي ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يقرأ القرآن على كل حال ليس الجنابة) (٢) ، ولحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يقرأ الجُنب والحائض شيئاً من القرآن) (٣) . تحرم قراءة القرآن على الجنب دون المحدث، بخلاف مسّ القرآن فإنه يحرم على الجميع، لأن الحدث حلَّ الجسم والجنابة حلت الفم.
أما قراءة آيات الذكر في القرآن بنية الذكر فجائزة، كقوله عند المصيبة: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، أو حتى قرأ آية الكرسي بنية الذكر أو قرأ بعض آية في حديثه ومواعظه يقصد بها الذكر فلا يحرم بشرط أن يكون في الآية أو بعضها ذكر كقوله "الحمد لله رب العالمين".
-٣ - دخول المسجد، وذلك لحديث أم سلمة ﵂ قالت: (دخل رسول الله ﷺ صَرْحَة (٤) هذا المسجد فنادى بأعلى صوته: إن المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض) (٥) . فلا يجوز للجنب دخول المسجد مطلقاً سواء للعبور أو المكث، إلا عند الضرورة، كما إذا كان الماء في المسجد ولا يوجد غيره أو كان داره داخل المسجد، فيتيمم ويَعْبُر.
стр. 75
الباب السادس (التَيَمُّم) .
стр. 76
- التيمم خَلَفٌ عن الوضوء والغسل، وهو من خصائص الأمة.
تعريفه:
لغة: القصد، قال الله تعالى: ﴿ولا تيَّمموا الخبيث منه تُنفقون﴾ (١) وقال أيضاً: ﴿ولا آمينّ البيت الحرام﴾ (٢) .
شرعاً: قصد صعيد مطهِّر واستعماله حقيقة أو حكماً بصفة مخصوصة.
معنى التعريف:
-١ - القصد هو النية، وهي شرط في التيمم.
-٢ - صعيد مطهِّر احترز بقوله مطهر عن الأرض التي وقعت عليها نجاسة وجفت؛ فتكون طاهرة غير مطهرة.
-٣ - استعماله حقيقة في التراب وحكماً في الحجر الأملس.
-٤ - الصفة المخصوصة هي كيفية التيمم المأثورة عن النبي ﷺ .
стр. 77
دليله:
ثبتت مشروعية التيمم بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء، فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيباً﴾ (١) .
وأما السنة، فحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أُعْطيتُ خمساً لم يُعْطَهنَّ أحد قبلي، نُصِرت بالرّعب مسيرة شهر وجُعلت لي الأرض مسجداً وطَهُوراً فأيُّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأُحِلَّت لي المغانم ولم تحلَّ لأحد قبلي، وأُعطيت الشفَّاعة، وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس عامّة) (٢) .
стр. 78
سبب التيمم: إرادة ما لا يحل إلا به، فعن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ (رأى رجلاً معتزلاً، لم يصلّ في القوم فقال: يا فلان، ما منعك أن تصلي في القوم. فقال: يا رسول الله، أصابتني جنابة ولا ماء قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك) (١) .
стр. 79
شروط صحة التيمم:
يصح التيمم بشروط ثمانية هي:
أولاً: النية: وهي شرط في التيمم دون الوضوء، لأن الماء مطهِّر بطبعه فلا يحتاج إلى النية بخلاف التراب فهو ملوث بالأصل فلا يصير مطهِّراً إلا بالنية.
والنية: عقد القلب على إيجاد الفعل جزماً.
وقتها: عند ضرب يده على ما يتيمم به، أو عند مسح أعضائه بتراب أصابها.
شروط صحتها:
-١. الإسلام ليصير الفعل سبباً للثواب.
-٢. التمييز ليفهم ما يتكلم به.
-٣. العلم بما ينويه.
صيغتها:
-١. نية الطهارة من الحدث القائم.
-٢. نية استباحة الصلاة.
-٣. نية استباحة عبادة مقصودة لا تصح إلا بطهارة.
ولو قيد النية بأن نوى التيمم لقربة لا يُشترط لها الطهارة من الحدث الأصغر كدخول المسجد أو قراءة القرآن من الذاكرة، فلا تصح به الصلاة لأن نية الأدنى لا تكون نية للأعلى، بعكس ما لو نوى التيمم للصلاة فإنه يصح له بهذا التيمم كل الأعمال. ولو تيمم للدخول في الإسلام فلا تصح الصلاة بهذا التيمم، إلا عند الإمام أبي يوسف فتجوز.
ثانياً: وجود عذر مبيح للتيمم:
-١ً - بُعْدُ الشخص ميلاً عن الماء، وهو ما يعادل ثلث فرسخٍ (١) . ويجب عليه قبل أن يتيمم أن يطلب الماء إن ظنّ قربه بمقدار (٤٠٠) خطوة، أو أن يطلبه من رفقته، كما يلزمه شراؤه بثمن مثله وبغبن يسير إن كان معه فاضلاً عن نفقته.
-٢ً - المرض، لما روي عن ابن عباس ﵄ قال: "رخص للمريض التيمم بالصعيد". وهناك حالات:
أ - ضرر الماء إنْ كان في استعماله حصول المرض، أو اشتداده، أو بطء في الشفاء، بتجربة أو إخبار طبيب مسلم عَدْل (٢) . لما روي عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ قال: "إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله أو القروح أو الجدري فيجنب فيخاف أن يموت إن اغتسل، يتيمم" (٣) .
ب - عجزه عن التحرك لاستعمال الماء (كمن أجري له عمل جراحي) .
جـ - عجزه عن الفعل بنفسه كالمقعد أو المشلول، ففي هذه الحالة:
-١ - إن لم يجد من يوضئه جاز له التيمم إجماعاً، قال الحسن "في المريض عنده الماء ولا يجد من يناوله يتيمم" (٤) .
-٢ - وجد من يوضئه لكنه ليس من أهل طاعته جاز له التيمم.
-٣ - إن وجد من يطيعه فمختلف فيه (لا يجب على أحد الزوجين أو يوضئ صاحبه ولا أن يتعهده فيما يتعلق بالصلاة، ولا يعتبر أحدهما قادراً بقدرة الآخر) .
د - مريض مرضاً لا يستطيع الوضوء ولا التيمم بنفسه أو بغيره:
-١ - لا يصلي حتى يقدر على أحدهما برأي الإمام.
-٢ - قال الإمام أبو يوسف يصلي تشّبهاً ويعيد.
-٣ً - إن كان نصف البدن أو أكثر جريحاً، وتعتبر الكثرة بعدد الأعضاء؛ فلو كانت الجراحة بالرأس والوجه واليدين جراحة ولو قليلة، يتيمم.
أما إذا كان أكثر البدن صحيحاً، غسل الصحيح ومسح الجريح بمرّ يده على الجسد، فإن لم يستطع فبخرقة، وإن ضرَّه المسح تركه، لما روي عن ابن عمر ﵄ قال: "من كان له جرح معصوب عليه توضأ ومسح على العصائب ويغسل ما حول العصائب" (٥) .
وإن كانت الجراحة في بطنه ويضره استعمال الماء صار كغالب الجراحة حكماً للضرورة. ولا يصح أن يجمع بين الغسل والتيمم.
-٤ً - بَرْد شديد غلب على الظن تلف بعض الأعضاء بسببه، وهذا غالباً ما يكون خارج المصر، أي العمران، إذ أن تسخين الماء في البيت ممكن. وقد يكون في المصر لكن لا يجد ما يسخن به الماء. وذلك لما روي عن عمرو بن العاص ﵁ قال: "احتلمت في ليلة باردة، في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: (يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟) فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً﴾ فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئاً) (٦) .
-٥ً - خوف عدو آدمي أو غيره على ماله أو نفسه، أو خوف فاسق عند الماء.
-٦ ً - عنده ماء قليل لكن خاف على نفسه أو ما معه من حيوانات العطش. لما روي عن علي ﵁ قال: "في الرجل يكون في السفر، فتصيبه الجنابة ومعه الماء القليل يخاف أن يعطش، قال: يتيمم ولا يغتسل" (٧) .
-٧ً - خوف فوت صلاة الجنازة أو عيد ولو جنباً يتيمم لهما، لأنهما تفوتان بلا خَلَف.
لما روي عن ابن عمر ﵄ "أنه أتي بجنازة وهو على غير وضوء فيتمم ثم صلى عليها" (٨) .
ثالثاً: أن يكون التيمم بطاهر من جنس الأرض، كالتراب المُنْبِت والرمل والحجر والعقيق ولو لم يكن عليها غبار. وكل ما يحترق بالنار ليس من جنس الأرض، وكذا كل ما ينطبع ويلين بالنار ليس من جنس الأرض أيضاً كالذهب والفضة. قال تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾ (٩) والصعيد اسم لوجه الأرض تراباً كان أو حجراً وقال تعالى: ﴿صعيداً زلقاً﴾ (١٠) أي حجراً أملس.
رابعاً: استيعاب الوجه واليدين بالمسح. فيجب نزع الخاتم ولو واسعاً والسوار الضيق وتخليل الأصابع، لأن التيمم قائم مقام الوضوء فيشترط فيه ما يشترط في الوضوء.
خامساً: أن يمسح الأعضاء بجميع اليد أو بأكثرها، فلا يجزئ المسح بأقل من ثلاث أصابع.
سادساً: أن يكون التيمم بضربتين بباطن الكفين، لحديث عمار بن ياسر ﵄ (أنه كان يحدث أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر فضربوا بأكفهم الصعيد، ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا، فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم) (١١) . ويقوم مقام الضربتين إذا أصاب التراب جسده فمسحه بنية التيمم. وقوله: ضربتان خرج مخرج الغالب، والمهم هو مسح الوجه واليدين بالغبار بنية التيمم.
سابعاً: انقطاع ما ينافي الطهارة من حيض أو نفاس أو حدث.
ثامناً: زوال ما يمنع المسح على البشرة كشمع أو شحم.
стр. 80
شروط وجوب التيمم:
-١ - العقل.
-٢ - البلوغ.
-٣ - الإسلام.
-٤ - وجود الحدث.
-٥ - عدم المنافي.
-٦ - ضيق الوقت مع وجود العذر المبيح.
-٧ - القدرة على ما يجوز به التيمم.
стр. 81
أركان التيمم:
للتيمم ركنان، لقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ (١) .
الركن الأول: مسح الوجه.
الركن الثاني: مسح اليدين إلى المرفقين. وجاءت الآية في اليدين مطلقاً بينما جاءت آية الوضوء مقيدة بالمرفقين فحمل المطلق على المقيد، وقد وردت أحاديث صحيحة تدل على أن المسح إلى المرفقين فقط، فعن أبي جهم ﵁ قال: (أقبل رسول الله ﷺ من بئر جمل إما من غائط أو من بول. فسلمت عليه فلم يرد علي السلام. فضرب الحائط بيده ضربة فمسح بها وجهه، ثم ضرب أخرى فمسح بها ذراعيه إلى المرفقين ثم رد علي السلام) (٢) . وعن ابن عمر ﵄ قال: "التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين" (٣) .
стр. 82
كيفية التيمم:
ذكر الإمام الأعظم كيفية التيمم عندما سأله عنها الإمام أبو يوسف فقال: "أن يضرب المتيمم بيديه على الأرض ضربة واحدة يُقْبِل بهما ويدبر، ثم يرفعهما وينفضهما أو ينفخ فيهما، ثم يمسح بهما وجهه، ثم يضرب بهما الأرض مرة أخرى فيقبل بهما ويدبر، ثم ينفضهما، ثم يمسح بأربع أصابع يده اليسرى ظاهر يده اليمنى من رؤوس الأصابع إلى المرفق، ثم يمسح بكفه اليسرى باطن يده اليمنى ويمر بباطن إبهام يده اليسرى على ظاهر إبهام يده اليمنى، ثم يفعل باليسرى كذلك".
وهذه هي الكيفية سواء أكان عن الوضوء أم الغسل، لما روي عن عمار بن ياسر ﵄ قال: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء. فتمرَّغت في الصعيد كما تَمَرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: (إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا. ثم ضرب بيديه ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفَّيْه ووجهه) (١) ، وللحديث المتقدم: (التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين) .
стр. 83
سنن التيمم:
-١ - التسمية في أوله.
-٢ - الترتيب، بأن يبدأ بالوجه ثم اليدين، لحديث أبي جم المتقدم.
الموالاة.
-٣- التيامن، لحديث عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) (١) .
-٤ - الإقبال باليدين وإدبارهما ونفضهما، لحديث عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، وفيه (أن النبي ﷺ ضرب بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه) (٢) .
-٥ - تفريج الأصابع.
-٦ - يندب تأخير التيمم حتى آخر الوقت لمن يرجو أن يجد الماء قبل فوات الصلاة، لما روي عن علي ﵁ قال: "إذا أجنب الرجل في السفر تلوَّم ما بينه وبين آخر الوقت، فإن لم يجد الماء تيمم وصلى" (٣) .
стр. 84
صفة التيمم:
التيمم بدل عن الوضوء (١) ، فهو يرفع الحدث إلى وقت وجود الماء، وذلك لحديث أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الصعيد الطيب طَهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإن وجد الماء فليُمسه بشرته فإن ذلك خير) (٢) .
ويترتب على هذا ما يلي:
-١ - يصح التيمم قبل دخول الوقت أو بعده، لعموم قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ يدل على جوازه قبل الوقت وكما جاز الوضوء قبله فكذا التيمم لابد منه (٣) .
-٢ - يصلي المتيمم ما شاء من الفرائض والنوافل.
-٣ يصلي المتيمم فرضي صلاة أو أكثر، ويجوز أن يتيمم للفريضة أو النافلة، والأَوْلى أن يتيمم لكل فرض وبعد دخول الوقت للخروج من خلاف الفقهاء.
-٤ - لا يجمع بين الغسل والتيمم، لأنه لا يجوز شرعاً أن يجمع بين البدل والمبدل.
يجوز أن يقتدي المتوضئ بالمتيمم عند الإمام أبي حنيفة والإمام أبي يوسف خلافاً للإمام محمد.
стр. 85
نواقض التيمم:
-١ - ينقض التيمم كل ما ينقض الوضوء والغسل، لأن ناقض الأصل ناقض البدل.
-٢ - زوال العذر المبيح للتيمم.
-٣ - إذا وجد الماء أثناء الصلاة بطلت صلاته، أما لو وجده بعد الصلاة صحت ولا تجب الإعادة في حقه لا في الوقت ولا في بعده. لما روي عن نافع قال: "تيمم ابن عمر على رأس ميل أو ميلين من المدينة فصلى العصر فقدم والشمس مرتفعة فلم يعد الصلاة" (١) .
стр. 86
الباب السابع (الحَيْض والنِّفاس والاسْتِحَاضَة) .
стр. 87
- إن معرفة مسائل الحيض والنفاس مهمة جداً لما يترتب عليها من أحكام: كالطهارة، والصلاة، والقراءة، والصوم، والاعتكاف، والحج، والبلوغ، والوطء، والطلاق، والعِدّة والاستبراء.
أولاً: الحيض:
تعريفه:
لغة: السيلان، يقال حاض الوادي إذا سال ماؤه، وحاضت الشجرة إذا نزل منها الصمغ.
شرعاً:
-١ - من حيث هو حدث: صفة شرعية مانعة لما تشترط له الطهارة.
-٢ - من حيث هو نجس: دم يخرج من رحم امرأة بالغة لا داءَ بها ولا حَبَل ولم يبلغ سن اليأس.
صفته: دم أسود لذّاع كريه الرائحة.
سبب الحيض: ما ورد في حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم) (١) .
стр. 88
ركن الحيض: بروز الدم إلى خارج الفرج. (وقال الإمام محمد إنه يثبت بإحساس المرأة ولو لم ينزل إلى الفرج الخارج، فيجب عليها إعادة يوم رمضان إن أحست بنزول الدم إلى الفرج ولو لم ترَ الدم قبل الغروب) أما عند الإمام والمفتى به أنه لا يثبت الحيض إلا برؤية الدم.
شروط الحيض:
-١ - تقدم نصاب الطهر وهو خمسة عشر يوماً ولو حكماً.
-٢ - أن يدوم ثلاثة أيام بلياليها على الأقل، فإذا انقطع قبل مضي ثلاثة أيام تتوضأ وتصلي ما فاتها لأنه حينذاك لا يكون حيضاً. ولا يشترط أن يستمر الدم دون انقطاع بل العبرة لأوله وآخره.
مدة الحيض:
أقل الحيض ثلاثة أيام بلياليهن، وأكثره عشرة أيام بلياليها. وما نقص عن الثلاث أو زاد على العشرة فهو استحاضة، إلا أن تكون لها عادة فتردّ إلى عادتها. واستُدل على ذلك بعدة أحاديث أكثرها موقوف (١) أو في إسناده ضعف، إلا أن تعدُّد طرق الحديث يرفعه ويقويه. ومن هذه الأحاديث ما روي عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أقل ما يكون من المحيض للجارية البكر والثيب ثلاث، وأكثر ما يكون المحيض عشرة أيام، فإذا رأت الدم أكثر من عشرة أيام فهي مستحاضة) (٢) .
وعن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام) (٣) .
стр. 89
ألوان الحيض: يُعد ما تراه الحائض من الألوان في مدة حيضها حيض، لما روي أن النساء كن يبعثن عائشة بالدُّرجة فيها الكُرْسُف فيه الصفرة فتقول: "لا تعجلْنَ حتى ترين القَصَّة البيضاء" (١) . تريد بذلك الطهر من الحيضة. والمعتمد أن الكدرة حيض في أوله وآخره، وقال الإمام أبو يوسف: هي قبل الدم طُهْر وبعده حيض. والمعتمد باللون حال الرؤية لا بعد التغير.
ويستحب وضع القطن للمرأة في حالة الحيض للبكر، وفي حالة الحيض والطهر للثيب.
стр. 90
ثانياً: النِفّاس:
تعريفه:
لغة: الولادة.
شرعاً: هو الدم الخارج عقب الولادة، أو هو خروج أكثر الولد ولو سَقْطاً بشرط أن يكون متخلقاً (١) . ولو أخرج الولد عن غير طريق الفرج إن سال الدم عقب ولادتها من الرحم فنفساء وإلا فذات جرح لا تعطى حكم النفساء.
стр. 91
مدته: لا حد لأقله عند جمهور العلماء، فقد ينقطع حال استهلال المولود. وأكثر النفاس أربعين يوماً بلياليها، لما روت أم سلمة ﵂ قالت: "كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ أربعون يوماً" (١) ، وعن أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ وقّت للنفساء أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك) (٢) .
وما زاد على أربعين يوماً فهو استحاضة، إلا أن يكون لها عادة فتردّ إلى عادتها فإذا رأت الدم أكثر من عادتها يتبع النفاس، فإذا انقطع قبل الأربعين أو عنده دل على تغير عادتها، وإن استمر بعد الأربعين تقضي ما زاد على عادتها من الصلاة والصوم.
النفساء لتوأمين: يجب أن يكون بين الولدين أقل من ستة أشهر، ويعتبر النفاس من ولادة الأول. فلو وضعت الثاني بعد الأربعين فلا نفاس لها بعد الثاني بل تغتسل وتصلي.
ويكون انقضاء العدة (الطلاق أو الوفاة) بعد نزول الثاني لأن العبرة لبراءة الرحم.
مسألة: هل لمن أسقطت نفاس؟ الجواب: يكون الجنين نطفة (٤٠) يوماً، ثم علقة (٤٠) يوماً، ثم مضغة (٤٠) يوماً. والمضغة يكون عمرها من الـ (٨١ - ١٢٠) يوماً وخلال هذه المدة يظهر تخلقها. فإذا كان السَّقْط مضغة غير مخلَّقة فما دون، فليس لها نفاس وإنما يكون حيضاً. وإن كان السَّقط مضغة ظهر بعض تخلقها فللمرأة نفاس وعليها غسل.
стр. 92
الطهر:
تعريفه: هو المدة التي تفصل بين حيضتين أو بين حيض ونفاس.
مدته: أقل الطهر بين حيضتين أو بين حيض ونفاس بعد أن أتمت أكثر النفاس خمسة عشر يوماً. ولا حدّ لأكثره. لما روي عنه ﷺ أنه قال: (أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة، وأقل ما بين الحيضتين خمسة عشر يوماً) . إما إذا استمر الدم فتحدد مدة الطهر كما يلي:
أ - المعتادة: وهي التي سبق لها دم وطهر صحيحان، فطهرها وحيضها ما اعتادت إن كان طهرها أقل من ستة أشهر، فإن كان ستة أشهر أو أكثر ترد إلى ستة أشهر إلا ساعة وحيضها بحاله. وهذا على قول الأكثر.
ب - المبتدأة: وهي مراهقة بلغت وهي مستحاضة واستمر بها الدم، فحيضها من أول ابتداء الدم عشرة أيام وطهرها عشرون يوماً، ونفاسها أربعون يوماً وطهرها بعد النفاس عشرون يوماً. وفي حالة العدة تعتبر عدتها تسعين يوماً (عشرين طهر وعشرة حيض) .
جـ - المتحيرة: وهي التي نسيت عادتها، فلا يقدر حيضها وطهرها إلى في حق العدة (١) والصلاة.
стр. 93
الطهر بين الدمين: إذا انقطع الدم ثم عاد، فإن كانت المدة خمسة عشر يوماً فأكثر يكون فاصلاً بين الدمين في الحيض اتفاقاً فما بلغ من كل الدمين نصاباً جعل حيضاً وأنه إذا كان أقل من ثلاثة أيام لا يكون فاصلاً وإن كان أكثر من الدمين اتفاقاً. واختلفوا فيما بين ذلك على عدة أقوال الأَوّلى الأخذ بقول أبي يوسف وهو قول الإمام الآخر: إن الطهر المتخلل بين الدمين لا يفصل بل يكون كالدم المتوالي بشرط إحاطة الدم لطرفي الطهر المتخلل. فلو رأت مبتدأة يوماً دماً وأربعة عشر طهراً ويوماً دماً فالعشرة الأولى حيض. ولو رأت المعتادة قبل عادتها يوماً دماً وعشرة طهراً ويوماً دماً فالعشرة التي لم تر فيها الدم حيض إن كانت عادتها وإلا ردت إلى أيام عادتها. وقيل إن الشرط في جعل الطهر المتخلل بين الدمين حيضاً كون الدمين المحيطين به في مدة الحيض لا في مدة الطهر.
أما الطهر المتخلل بين الأربعين في النفاس فلا يفصل عند الإمام أبي حنيفة سواء كان خمسة عشر أو أقل أو أكثر ويجعل إحاطة الدمين بطرفيه كالدم المتوالي وعليه الفتوى. وعندهما الخمسة عشر تفصل. فلو رأت بعد الولادة يوماً دماً وثمانية وثلاثين طهراً ويوماً دماً فعنده الأربعون نفاس وعندهما الدم الأول.
أحكام الحيض والنفاس وما يحرم على المرأة فيهما:
-١ - يمنع الحيض والنفاس صحة الطهارة، إلا إذا قصدت التنظيف فلا يحرم، لأنه يستحب للحائض أو النفساء أن تتوضأ لوقت كل صلاة وتقعد في مصلاها تسبح وتهلل وتكبر بقدر أدائها كي لا تفتر همتها.
-٢ - يمنع الاعتكاف ويفسده إذا طرأ عليه.
-٣ - يمنع وجوب طواف الصَّدر أو الوداع (أي يصبح سنة في حقها) ، لما روى ابن عباس ﵄ قال: (أُمِرَ الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفِّفَ عن الحائض) (١) .
-٤ - يحرم الطلاق في أثنائهما، لما روي عن ابن عمر ﵄ أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن ذلك. فقال له رسول الله ﷺ : (مُرْه فليراجعها..) (٢) ولكن يقع الطلاق وإن كان بدعياً.
-٥ - تَبْلُغ الصبيَّة بالحيض سِنّ التكليف، لحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) (٣) .
-٦ - يُوجب الغسل عند الانقطاع، لحديث عائشة ﵂ قالت: إن أم حبيبة ﵂ سألت رسول الله ﷺ عن الدم ... فقال رسول الله ﷺ : (امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي) (٤) .
-٧ - يقطع الحيض التتابع في صوم كفارة اليمين، ولا يقطعه في صوم كفارة القتل والإفطار. أما النفاس فيقطع التتابع في كل الكفارات.
-٨ - يمنع الصلاة فلا تصح، وتحرم، ولا يجب عليها القضاء للحرج، فقد ثبت في حديث عائشة ﵂ قول النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش ﵂: (فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة) (٥) . ويتبع الصلاة سجود التلاوة وسجود الشكر، وكل ما هو من نوع الصلاة.
-٩ - يمنع صحة الصوم، لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال للنساء: (أليس إذا حاضت - يعني المرأة - لم تصل ولم تصم) (٦) . ويثبت وجوبه في الذمة فيجب عليها قضاؤه، لما روت عائشة ﵂ قالت: (كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نمر بقضاء الصلاة) (٧) . ولو شرعت بالصوم أو بالصلاة تطوعاً ثم حاضت وجب عليها قضاء ذلك اليوم، لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ (٨) .
-١٠ - يمنع دخول المسجد، إلا المرور فيجوز بشرط أن يكون باب الدار داخل المسجد ولم يمكن تحويله ولا السكنى في غيره، فحينئذ تتيمم وتمر. روت عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) (٩) . ولو حاضت امرأة في المسجد تتيمم وتخرج.
-١١ - يحرم بهما الطواف بالكعبة، لقوله ﷺ لعائشة ﵂ حين حاضت في الحج: (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) (١٠) . ولو طافت حائض طواف الركن جاز منها ولزمها بَدَنة فتحل به، أما لو طاف محدث حدثاً أصغر لزمه شاة لشرف البيت، إلا أن يعاد على طهارة في أيام النحر.
-١٢ - يحرم بهما مس المصحف إلا بغلاف منفصل عنه، لقوله تعالى: ﴿لا يمسّه إلا المطهرون﴾ (١١) . ويكره حمله بالكمّ تحريماً لتبعية اللباس للابسه. ويلحق بالقرآن كتب التفسير التي غلبت فيها الآيات القرآنية التفسير، كما يحرم مسّ أي آية كتبت على لوح أو جدار أو قطعة ورق. ويجوز لأهل العلم أخذ الكتب بحائل لضرورة الدراسة، كما يجوز تقليب ورق المصحف بنحو قلم، أو أمر صبي بحمله (١٢) . أما كتابة القرآن فلا بأس بها بحيث لا تحمل الكتابة.
-١٣ - تحرم قراءة القرآن ولو آية واحدة، لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يقرأ الجنب والحائض شيئاً من القرآن) (١٣) ، وأبيح لمن تُعَلِّم القرآن أن تقرأ كلمة أو أقل من آية. أما لو قرأت على وجه الدعاء فلا مانع كما لو قرأت آيات الدعاء أو آية الكرسي أو غيرها. ولا بأس بقراءة أدعية من القرآن.
-١٤ - يحرم وطئوها، لقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يَطْهرن﴾ (١٤) ، ولما روى أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اصنعوا كل شيء إلا الجماع) (١٥) . والنهي للتحريم، وقيل يكفر مستحله لأن حرمته ثبتت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وقيل لا يكفر مستحلّه لأنه حرام لغيره لا لعينه. وإن وطئها في الحيض أثما إن كانا طائعَيْن، ويكفيهما الاستغفار والتوبة، ويُستحب أن يتصدق بدينار إن كان أول الحيض، وبنصف دينار إن كان آخر الحيض، لما روي عن ابن عباس ﵄ قال: "إذا أصابها في أول الدم فدينار، وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار" (١٦) ، وعنه أيضاً أن النبي ﷺ قال: (إذا كان دماً أحمر فدينار، وإذا كان دماً أصفر فنصف دينار) (١٧) . أما إذا كان أحدهما طائعاً والآخر مُكرهاً فيأثم الطائع دون المكره.
-١٥ - يحرم استمتاع الزوج بها ما بين السرة والركبة إلا بحائل، لما روي عن زيد بن أسلم ﵁ أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض، فقال رسول الله ﷺ : (لِتَشُدَّ إزارها، ثم شأنك بأعلاها) (١٨) ، وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يأمرني فأتَّزر فيباشرني وأنا حائض) (١٩) . وقال الإمام محمد: يجتنب شعار الدم أي الجماع فقط، لما روي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (واصنعوا كل شيء غير النكاح) (٢٠) ، ولكنه قال: "هو رتع حول الحمى" فيمنع منه حذراً من الوقوع في المحرم. وعن عائشة ﵂ قالت: "وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله ﷺ يملك إربه" (٢١) . وعند الإمام أبي حنيفة لا يجوز الاستمتاع بما تحت الإزار ولا بالنظر.
стр. 94
متى تنتهي المرأة من حيضها ويحل لها ما حرم به؟
-١ - إذا انقطع الدم لأكثر الحيض وهو عشرة أيام. ويجوز في هذه الحالة الوطء قبل الغسل، إلا أنه يستحب في هذه الحالة الغسل للخروج من خلاف العلماء، ولقراءة التشديد في قوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن﴾ . ويجوز أيضاً أن تغتسل وتصلي ولو لم ينقطع الدم، كما يجوز لها التيمم لصلاة الجنازة والعيد لأنهما تفوتان لغير عوض.
-٢ - أن ينقطع الدم لأقل من عشرة أيام ودون عادتها وأكثر من ثلاثة أيام، كأن تكون عادتها سبعاً فينقطع الدم لستة أيام، تغتسل وتصلي وتصوم ولا يحل وطؤها احتياطاً لاحتمال عود الدم.
-٣ - أن ينقطع الدم لعادتها ولدون عشرة أيام، تغتسل وتصلي وتصوم. ويحل وطؤها بأحد ثلاثة أشياء: إما أن تغتسل، أو تتيمم لعذر مبيح للتيمم وتصلي على الأصح، أو تصير الصلاة ديناً في ذمتها وذلك بأن تجد بعد الانقطاع زمناً يسع الغسل والتحريمة فما فوقهما ولكن لم تغتسل ولم تتيمم حتى خرج الوقت فبمجرد خروجه يحل وطؤها.
تعقيب: إذا طهرت المرأة قبل خروج الوقت بما لا يتسع للغسل والتحريمة، فلا تجب عليها الصلاة. أما إذا طهرت لتمام عشر، فتجب عليها الصلاة وتثبت في ذمتها ولو طهرت قبل فوت الوقت بمقدار التحريمة.
ثالثاً - الاستحاضة وأحكامها:
الاستحاضة بالتعريف: هي كل دم تراه المرأة أقل من ثلاثة أيام، وما زاد على الأكثر الحيض، وكذا ما تراه المرأة في طهرها، والصغيرة قبل تسع سنين من العمر، وما تراه الآيسة والحامل قبل خروج أكثر الولد، وما زاد على أكثر النفاس. روي عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أقل ما يكون من المحيض عشرة أيام، فإذا رأت الدم أكثر من عشرة أيام فهي مستحاضة) (١) .
стр. 95
أحكام الاستحاضة:
-١ - لا تمنع الاستحاضة الصلاة، لحديث عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر. أفأدع الصلاة. قال: (لا. إنما ذلك عرق وليس بالحيضة. اجتنبي الصلاة أيام محيضك ثم اغتسلي وتوضئي لكل صلاة وإن قطر الدم على الحصير) (١) .
-٢ - لا تمنع الصوم ولا الجماع، لأن الصلاة لا تصح إلا بالطهارة ومع ذلك صحت منها، ولما روى عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال في المستحاضة: (تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها، ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم وتصلي) (٢) ، وعن عكرمة قال: "كانت أم حبيبة تُسْتحاض فكان زوجها يغشاها" (٣) . وحكم المستحاضة هو نفس حكم المعذور دائم العذر.
стр. 96
أحكام المعذور وشروطه:
تعريف المعذور: هو كل من به عذر دائم كالمستحاضة، ومن به سلس بول، أو استطلاق بطن، أو جرح ينز، أو رعاف دائم. وطهارة هؤلاء ضرورية أي ليست حقيقية لمقارنة الحدث.
ومن الأدلة على ذلك، ما روي عن خارجة بن زيد قال: "كبر زيد حتى سلسل منه البول فكان يداويه ما استطاع فإذا غلبه توضأ وصلى" (١) .
وعن المسور بن مخرمة "أنه دخل على عمر بن الخطاب ﵁ بعد أن صلى الصبح من الليلة التي طعن فيها، فأوقظ عمر فقيل له الصلاة الصبح. فقال: نعم. ولاحظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة فصلى عمر وجرحه يثعب دماً" (٢) .
وعن عكرمة قال: في الرعف لا يرقأ: "يسد أنفه ويتوضأ ويصلي" (٣) .
стр. 97
أحكام المعذور:
-١ - يتوضأ لكل وقت صلاة، لا لكل فرض، لما روت عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله: إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: (لا. إنما ذلك عرق وليس بالحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي) . قال: قال أبي (١) ، ثم (توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت) (٢) . ويصلي بوضوئه هذا ما شاء من الفرائض، أداء للوقتية وقضاء لغيرها، والنوافل، ويقرأ القرآن، ويصلي الواجبات كالوتر والعيد والجنازة.
-٢ - ينتقض وضوء المعذور:
أ - بكل ناقض للوضوء ما عدا الناقض الذي هو سبب العذر.
ب - بدخول الوقت الآخر عند الإمام زُفَر، وبخروج الوقت عند الإمام أبي حنيفة والإمام محمد، وبدخوله وخروجه عند الإمام أبي يوسف. ويظهر أثر الخلاف في صلاة الضحى بوضوء الصبح إذا لم يحدث المعذور، فعند الإمام زُفَر لا تصح صلاة الظهر بوضوء الضحى وتصح عند الإمام.
стр. 98
شروط المعذور:
-١ - ثبوت العذر (متى يكون المرء معذوراً) : أن يستوعب العذر وقتاً كاملاً حقيقة باستمرار السيلان بلا انقطاع بقدر الوضوء والصلاة، أو حكماً بأن ينقطع لمدة أقل مما يكفي للطهارة والصلاة.
-٢ - دوام العذر: أي وجود العذر بعد ثبوته، بأن لا يخلو وقت كامل منه ولو مرة واحدة في الوقت.
-٣ - شرط انقطاع العذر: خلوّ وقت كامل عن العذر بانقطاعه كل الوقت.
مثاله: رجل رعف أو سال جرحه في أثناء الوقت، ينتظر آخر الوقت. فإن انقطع الدم فبها، وإن لم ينقطع توضأ وصلى قبل خروج الوقت، فإذا فعل ذلك ثم دخل وقت صلاة أخرى ثانية وانقطع ودام الانقطاع، تبين أنه صحيح صلى صلاة المعذورين (أي يجب عليه إعادة الصلاة الأولى) ، وإن لم ينقطع الدم في وقت الصلاة الثانية حتى خرج الوقت، جازت الصلاة لأنه تبين أنه معذور. فالوقت الثاني هو المعتبر في إثبات العذر وعدمه لمن ابتدأه العذر في أثناء الوقت الأول. فمن سال جرحه قبل دخول وقت العصر ينتظر إلى آخر الوقت فيصلي الظهر آخر الوقت مع سيلان الجرح، فإذا دخل وقت العصر ودام السيلان إلى المغرب، تبين أنه صار معذوراً لاستيعاب وقتاً كاملاً، وعندها تبين صحة صلاة الظهر. أما من ابتدأه العذر مع ابتداء الوقت الأول فلا يحتاج لإثبات عذره استيعاب الوقت الثاني.
ملاحظة هامة: لا يجب على المعذور قضاء الأوقات التي صلاها أيام عذره لأنها صحت منه.
مسألة: لو أصاب ثوب المعذور نجاسة من عذره فلا يجب عليه غسله، إلا إذا كان يضمن أنه لا يتلوث خلال الصلاة، لأن طهارة الجسد آكد من طهارة الثوب وقد صحت الصلاة بدونها. هذا عن النجاسة في ثوب المعذور، أما في ثوب غيره فيجب غسلها بالإجماع.
стр. 99
الباب الثامن (الطهارة من النجاسات الحقيقية) .
стр. 100
تعريف النجاسة:
النجاسة لغة: ما يستقذر.
وشرعاً: اسم لعين مستقذرة شرعاً.
أقسامها: النجاسة قسمان:
-١ - نجاسة حقيقية وتكون من الخبث.
-٢ - ونجاسة حكمية وتكون من الحدس.
وبعد أن تكلمنا عن النجاسة الحكمية وكيفية التطهر منها، نبحث في النجاسة الحقيقية وكيفية تطهير محلّها.
والنجاسة الحقيقية قسمان:
أ - نجاسة مغلَّظة.
ب - نجاسة مخَّففة.
والمعتبر في التقسيم هو المقدار المعفوّ عنه من كل منها لا كيفية تطهيرها.
أ - النجاسة المغلظة:
وهي عند الإمام: ما توافقت على نجاستها الأدلة، أي ورد في نجاستها نص لم يعارضه نص آخر وهي عند الصاحبين: ما اتفق العلماء على نجاستها ولا بلوى في إصابتها.
وتشمل النجاسات المغلظة ما يلي:
-١ - الخمر: وهو ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف الزبد. وقد ورد النص بنجاستها قال تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ (١) ، ولم يعارض بنصّ آخر، ولم يختلف الفقهاء في نجاستها فهي مغلظة بالاتفاق. أما نوع المسْكِرات ففيها ثلاثة أقوال: التغليظ والتخفيف والطهارة، والراجح أنها نجاسة مخففة. ويتبع الخمر الكحول فهو لا يصنع إلا من الخمر، ويعفى (٢) عنه عند استعماله للجروح لعموم البلوى.
-٢ - الدم المسفوح من سائر الحيوانات التي لها دم سائل، قال تعالى: ﴿أو دماً مسفوحاً فإنه رجس﴾ (٣) ، ويستثنى من الدم ما يبقى في اللحم بعد الذبح، وما يبقى في العروق والكبد والطحال، كما يعفى عن دم السمك، وذلك لما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أحلت لكم ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال) (٤) . أما الدم غير المسفوح فطاهر ما لم يسل على المختار، إذ ما لم يكن حدثاً فليس بنجس، وقال الإمام محمد: إنه نجس احتياطاً. ودم الشهيد طاهر في حقه للضرورة.
-٣ - كل ما يخرج من جسم الإنسان وينقض الوضوء كالبول، والغائط، والدم، والصَّديد، والقيح، والمذي، والودي، والمني، هو نجس. وبول الصغير كالكبير أكل أو لم يأكل. أما البول فنجس، لحديث ابن عباس ﵄ قال: مر النبي ﷺ بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) (٥) . وأما الغائط، فلما روى أنس بن مالك ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا تبرز لحاجته، أتيته بماء فيغسل به) (٦) . وأما الدم، فلما روت أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن دم الحيض يكون في الثوب. قال: (اقرصيه واغسليه وصلي فيه) (٧) ، وعن حماد قال: "البول عندنا بمنزلة الدم ما لم يكن قدر الدرهم فلا بأس فيه" (٨) . وأما الصديد والقيح فإنهما نجسان قياساً على الدم. وأما المذي والودي، فعن ابن عباس ﵄ قال: "المني والمذي والودي. فالمني منه الغسل ومن هذين الوضوء، يغسل ذكره ويتوضأ" (٩) . وأما المني، فلما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت في المني: (كنت أغسله من ثوب رسول الله ﷺ ، فيخرج إلى الصلاة، وأثر الغسل في ثوبه: بُقع الماء) (١٠) .
-٤ - الخنزير نجس العين، وكل ما يخرج منه من لعاب وغيره نجس، لقوله تعالى: ﴿أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ (١١) .
-٥ - بول ما يؤكل لحمه من الحيوان، وروثه، ولعابه، كنجو الكلب ورجيع السباع وبول الفأرة كلها نجسة مطلقاً إذا حلت بالماء. ويعفى عن قليله في الثوب والطعام للضرورة.
-٦ - ميتة الحيوان ذي الدم السائل، لقوله تعالى: ﴿حرَّمت عليكم الميتة﴾ (١٢) . والإنسان إذا مات فهو نجس، فإن كان الميت مسلماً إذا غسل فطاهر وقبل الغسل مختلف في نجاسته حدث أو خبث. ويستثنى من الميتة العظم والشعر فهما طاهران، لقوله ﷺ لثوبان ﵁: (يا ثوبان اشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج) (١٣) ، أما الجلد فهو نجس قبل الدبغ لحديث ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا دبغ الإهاب فقد طهر) (١٤) .
-٧ - خرء الدجاج والبط والإوز وكل حيوان طائر يزرق على الأرض خرؤه، فهو نجس.
-٨ - رَوْث وبعر ما يؤكل لحمه من الحيوان هو نجس نجاسة مغلظة عند الإمام، لما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: (أتى النبي ﷺ الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار ... فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا رِكْس) (١٥) . وهو نجاسة مخففة عند الصاحبين لقول الإمام مالك بطهارته، ولعموم البلوى لكثرته في الشوارع وعدم إمكان الناس التحرزّ منه.
стр. 101
ب - النجاسة المخففة:
وهي عند الإمام: ما تعارض نصان في نجاستها وطهارتها.
وعند الصاحبين: ما اختلف العلماء في نجاستها أو عمت بها البلوى.
والنجاسات المخففة هي:
-١ - بول ما يؤكل لحمه مطلقاً، لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه) (١) ، ولحديث أنس ﵁ قال: (إن ناساً اجتووا في المدينة، فأمرهم النبي ﷺ أن يلحقوا براعيه، يعني الإبل، فيشربوا من ألبانها وأبوالها) (٢) . ولذا فهو نجس نجاسة مخففة عند الإمام لتعارض النصين، وعند الصاحبين لأن السادة المالكية قالوا بطهارته فوقع الخلاف في طهارته ونجاسته. واختلف في بول الفرس قيل طاهر، والأصح أنه نجس.
-٢ - خَرء سباع الطير وكل ما لا يؤكل لحمه من الطيور التي تزرق في الهواء. أما الطيور الأهلية والتي يؤكل لحمها فخرؤها طاهر كالحمام والعصفور.
-٣ - سؤر البغل والحمار مشكوك في طهوريته، وهو طاهر على الأظهر، لما روي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قيل يا رسول الله أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: (نعم وبما أفضلت السباع كلها) (٣) .
стр. 102
المقدار والمعفو عنه من النجاسات:
-١ - المغلّظة: يُعفى عن قدر الدرهم بالوزن أو ما يعادل مساحة مُقعّر الكفّ داخل مفاصل الأصابع.
-٢ - المخفّفة: يُعفى عن قدر ما دون ربع الثوب الكامل أو البدن على الصحيح، وذلك لقيام الربع مقام الكل، كقيام ربع الرأس مقام كل المسح. وقيل إن المعفوَّ عنه هو مقدار ربع جزء من العضو أو الثوب الذي أصابته النجاسة (الكم، أو الطَّرَف، أو البَنِيقه) (١) .
стр. 103
نجاسات معفو عنها:
-١ - يعفى عن رشاش البول كرؤوس الإبر في الثوب والبدن والمكان للضرورة، ولو أصاب الماء لا ينجسه سواء أكان الماء جارياً أو راكداً. قال ابن عباس ﵄: "إنا لنرجو من الله تعالى أوسع من هذا".
-٢ - يعفى عما لا يمكن الاحتراز منه من الغُسَالة عند تغسيل الميت إذا كان على بدنه نجاسة.
-٣ - إذا انتشر الدهن المتنجس فزاد على المقدار المعفو عنه لا يضر على أحد قولين.
-٤ - يعفى عن طين الشارع، لكن لو مشى حافياً في الشارع فابتلت قدماه لم تجز صلاته لغلبة النجاسة.
-٥ - إذا نام على فراش متنجس فعرق، لا يحكم بنجاسته إلا إذا ظهر أثر النجاسة في الثوب وكذا لا ينجس ثوب طاهر جاف إذا لُفَّ بثوب نجس رطب، إلا إذا تسرب أثر النجاسة.
-٦ - إذا نشر ثوب رطب على أرض نجسة فلا ينجس، وكذا لو هَّبت ريح من أرض نجسة على ثياب طاهرة لا تَنْجُس. والحاصل: يبقى الثوب الطاهر على أصله ما لم يظهر أثر النجاسة عليه.
كيفية التطهير:
الماء المطلق هو الأصل في إزالة النجاسة ولا تزول النجاسة الحكمية إلا به، أما النجاسات الحقيقية فتزول بالماء ولو كان مستعملاً، وبكل مائع طاهر قالع للنجاسة، كماء الخلّ أو الورد على الأصح.
وتكون كيفية التطهير بالماء على الشكل التالي:
أولاً: النجاسات المرئية:
-١ - تزول بزوال عين النجاسة عن الجسم أو الثوب أو المكان بغسلها ولو مرة واحدة بشرط أن يُصبَّ الماء عليها أو يكون جارياً، أما لو غسلت في إناء فلا بد من ثلاث مرات تعصر في كل مرة، ولا يضر بقاء أثر من لون أو رائحة، لحديث أبي هريرة ﵁ أن خولة بنت يسار أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إنه ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ قال: (إذا طهرت فاغسليه ثم صلي فيه. فقالت: فإن لم يخرج الدم؟ قال: يكفيك غسل الدم ولا يضرك أثره) (١) . ويطهر الثوب المصبوغ بمتنجس بالغسل حتى يصير الماء صافياً، وقيل يغسل بعد أن يصبح الماء صافياً ثلاث مرات.
-٢ - تزول النجاسة عن الجروح والحجامة بمسحها بثلاث خرق رطبات، ويقوم هذا مقام الغسل.
-٣ - أما الحصير والسجاد وما لا يمكن عصره فذهب الإمام محمد إلى أنه لا يطهر، وقال الإمام أبو يوسف: يجفف ثلاث مرات بعد الغسل فيطهر. وقيل لو صبّ عليه الماء بشدة يطهر (٢) .
-٤ - تطهر الأواني الفخارية والخشب القديم بالغسل بالماء ثلاثاً وبانقطاع تقاطره في كل مرة، وقيل يحرق الفخار إن كان جديداً، أما الخشب فيُنْحت.
-٥ - تطهر المائعات كالسَّمن والدُّهن والزيت بصبّ الماء عليها ثلاثاً ثم رفعه عنها. أما المائعات الأخرى كنحو العسل والدبس فتطهر بصب الماء عليها ثلاثاً وغليها حتى تعود كما كانت.
стр. 104
ثانياً: النجاسات غير المرئية:
يُغسل الثوب إذا كانت النجاسة غير مرئية بالماء ثلاث مرات وجوباً ويعصر الثوب في كل مرة، أما إذا وضع المتنجس في الماء الجاري أو صب عليه ماء كثير وجرى عليه الماء فيطهر بدون عصر ولا تثليث غسل.
أما إذا كانت النجاسة نجاسة كلب فتغسل سبعاً مع التتريب ندباً، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (طهور إناء أحدكم، إذا ولغ فيه الكلب، أن يغسله سبع مرات. أولاهن بالتراب) (١) ، فحُمل الحديث على الندب وذلك لما روي أنه سئل رسول الله ﷺ عن الكلب يَلِغُ في الإناء. فقال: (يُغْسَل ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً) ، وعن أبي هريرة ﵁ قال: "يغسل من ولوغه ثلاث مرات" (٢) .
وهناك طرق أخرى للتطهير نوضحها فيما يلي:
-١ - اللحس يُطهِّر الفم، والإصبع تَطْهُر بلحسها ثلاث مرات، كما يطهر الثدي بلحسه. والهرة تطهر بلعق جسمها.
-٢ - الدلك للخفين والنعل، فيطهر النعل بالدلك والتراب حتى يزول أثر النجاسة ذات الجرم، لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا وطئ أحدكم بنَعْلِه الأذى فإن التراب له طَهور) (٣) بشرط أن لا يكون في النعل نتوء تمنع إزالة النجاسة بالدلك. أما إذا كان كذلك، أو كانت النجاسة مائعة يتشربها النعل، فلا بد من الغسل.
-٣ - المسح للمرايا والسيوف والزجاج وكل الأشياء المصقولة، فقد كان الصحابة ﵃ يجاهدون ويمسحون سيوفهم ويصلون فيها.
-٤ - الجفاف، تطهر الأرض بجفافها بالشمس والريح، ويطهر تبعاً لها كل ما نبت عليها من شجر أو غيره، وذلك لما روي عن نافع قال: سئل ابن عمر عن الحيطان تكون فيها العذرة وأبوال الناس وروث الدواب فقال: "إذا سالت عليها الأمطار وجففته الرياح فلا بأس بالصلاة فيه". يذكر ذلك عن النبي ﷺ (٤) / وعن أبي قلابة قال: "جُفوف الأرض طَهورُها". هذا ويجوز بعدها الصلاة عليها لا التيمم بها، وذلك لاشتراط الطّيب نصّاً في التيمم بقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾ ، ولأن التراب طاهر مطهر وبالجفاف بعد النجاسة يعود طاهراً غير مطهر.
-٥ - الفَرْك للمني الجاف على الثوب، ولا يضر بقاء أثره، لما روي عن عائشة ﵂ في المني. قالت: (كنت أفْرُكُه من ثوب رسول الله ﷺ (٥) ، أما إذا كان طرياً فلا يطهر إلا بالغسل، لما روي عن عائشة أيضاً ﵂ قالت: (كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان يابساً وأغسله إذا كان رطباً) (٦) .
-٦ - التَّقْوير: يطهر السَّمن الجامد بالتقوير إذا وقعت به نجاسة فتطرح وما حولها. لما روت ميمونة ﵂ قالت: سئل النبي ﷺ عن فأرة وقعت في سمن فماتت. فقال: (ألقوها وما حولها وكلوه) (٧) .
-٧ - الاستحالة (٨) : كالخمر تطهر إذا تخّللت، والميتة إذا صارت ملحاً، والرَوْث إذا صار رماداً، والزيت إذا تنجس فصُنع صابوناً طَهُر. وبالاستحالة يصبح المسك طاهراً طيّباً، وهو في الأصل دم الغزال يستحيل طيباً فيصبح طاهراً، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أطيب الطِّيب المسك) (٩) . كما يطهر العنبر والزباد وهو وسخ يجتمع تحت ذَنَب السَّنَّور) بالاستحالة أيضاً. ولا يعتبر التقطير استحالة فبخار الماء النجس نجس.
-٨ - التَّمويه: هو إدخال المعدن المسقيّ بالنجس في النار حتى يصير كالجمر ثم يُطفأ بالماء الطاهر ثلاث مرات مع التجفيف.
-٩ - النَّدف للصوف والقطن يطهرهما.
-١٠ - التغوير للبئر، إذا لم يبق للنجاسة أثر، أو النَّزْح بعد إخراج النجاسة منها.
-١١ - التفريق للحبوب، كما لو بالت حمرٌ على حبوب تدوسها يفرق بعضه ببَيْع أو هِبة فيَطْهُر الباقي.
-١٢ - الدباغة: وهي إخراج الرطوبة النجسة من الجِلْد الطاهر بالأصل، روي عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أيَّما إهاب دُبغ فقد طَهُر) (١٠) . فتطهر جميع الجلود التي تحتمل الدبغ إلا جلد الخنزير لنجاسة عينه وجلد الإنسان لكرامته. وتجوز الصلاة على الجلد المدبوغ والوضوء منه سواء أكان الدابغ مسلماً أم كافراً أم امرأة، وسواء أكانت الدباغة حقيقية بالقَرَظ والعفص (١١) وقشور الرمان والشبّ (١٢) والملح، أو دباغة حكمية بالتتريب والتشميس والإلقاء في الهواء. وقميص الحية طاهر بدون دبغ.
-١٣ - الذَّكاة الشرعية: وهي لغة: الذبح، وشرعاً: تَسْييل الدم النجس، فعن رافع بن خديج ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ( ... ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل ... ) (١٣) . والذكاة تطهر لحم الحيوان المأكول، أما غير المأكول فيطهر جلده بالذبح دون لحمه، والذكاة تطهر الحيوان المذبوح سواء أكان الذابح مسلماً أم كتابياً، ويبقى كل ما لا تحله من الحيوان طاهراً كالريش والمنقار والشعر والحافر والعظم، ما لم يكن به (أي العظم) وَدَك (أي دسم) فهو نجس؛ فإذا زال عنه الدسم طهر.
-١٤ - النَّحت للخشب الجديد، لأنه يتشرب النجاسة، ويكفي في الخشب القديم الغسل.
-١٥ - غَسْلُ طرف الثوب يغني عن غسله كله إذا نسي مكان النجاسة.
-١٦ - النار: كل ما يحرق بالنار يطهر. (والعاصي يطهر في نار جهنم) .
-١٧ - الغَلْي: يُطهر اللحم المطبوخ بالنجاسة بغليه ثلاث مرات وإراقة المرق، والأصح أنه لا يطهر. وإذا إلى الماء وفيه الدجاجة مع أحشائها تطهر بالغلي ثلاث مرات بعد إخراج النجاسة منها. أما إذا سخنت لإزالة الريش فطهارتها بالغسل من غير غليان.
-١٨ - التطفيف للحليب والزيت، وكل مائع يضاف له من جنسه طاهر حتى يفيض على الأرض.
стр. 105
حكم الغُسالة:
-١ - غسالة النجاسة الحكيمة: طاهرة غير مطهرة على أظهر الأقوال.
-٢ - غسالة النجاسة الحقيقية: نجسة سواء انفصلت متغيرة أو غير متغيرة، وسواء انفصلت الغُسالة عن المحل طاهراً كان أم نجساً؛ لأن حكم الغُسالة هي حكم المحل قبل ورود الماء عليه.
لكن لو أصابت النجاسة ثوباً أو محلاً فإنه يطهر بالغسل مرات مختلفة حسب انفصاله عن المحل بعد الغسلة الأولى أو الثانية.
стр. 106
كتاب الصلاة
стр. 107
الباب الأول (مقدمات) .
стр. 108
- هي لغة: الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وصَلِّ عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ (١) أي ادع لهم.
وشرعاً: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم.
صفتها: إما فرض في الصلوات الخمس، أو واجبة في الوتر، أو سنة فيما سواهن من الصلوات.
стр. 109
دليل فرضية الصلوات الخمس:
ثبتت فرضيتها بالكتاب والسنة والإجماع.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير﴾ (١) .
ومن السنة: حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان) (٢) .
وحديث طلحة بن عبيد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال للسائل عن الإسلام: (خمس صلوات في اليوم والليلة. فقال: هل علّي غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تَطَّوَّع) (٣) .
وقد أجمعت الأمة على فرضية الصلوات الخمس.
стр. 110
حكمة تشريعها:
الصلاة مناجاة وخشوع ورياضة روحية وتفريغ من هموم الدنيا، وهي صلة بين الخالق والمخلوق تشعر بالقوة والسّند الروحي ووجهة الالتجاء، وهي معراج للروح ودرس الحياة اليومي العملي المتكرر، وهي تطهير للروح من أدران الذنوب وعصمة من السوء وإعمار للقلب، وهي شكر الله على نعم لا تعد ولا تحصى.
ولم تَخْلُ عنها شريعة مُرْسَل. ومما اختص به ﷺ مجموع الصلوات الخمس إذ لم تجتمع لأحد من الأنبياء ﵈، وخُصَّ بالأذان والإقامة وافتتاح الصلاة بالتكبير والتأمين وبتحريم الكلام فيها.
بدء فرضيتها:
فرضت الصلاة بمكة، وكانت ركعتين قبل طلوع الشمس وركعتين قبل غروبها، وذلك منذ بدأت الرسالة. ثبت ذلك فيما روي أن جبريل ﵇ بدا لرسول الله ﷺ في أحسن صورة وأطيب رائحة. فقال: يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول لك: أنت رسولي إلى الجن والإنس، وادعهم إلى قول لا إله إلا الله. ثم ضرب برجله الأرض فنبعت عين ماء فتوضأ منها جبريل، ثم أمره أن يتوضأ، وقام جبريل يصلي وأمره أن يصلي معه (١) .
ثم فرضت الصلوات الخمس في حادثة الإسراء والمعراج، وذلك في السابع عشر من رمضان قبل الهجرة بسنة ونصف، وقيل: في السابع والعشرين من رجب. وفرضت بالأصل ركعتين إلا المغرب، ثم أقرّت بالسفر وزيدت في الحضر إلا الفجر.