← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 650

فقه العبادات على المذهب الحنفي

نجاح الحلبي

Полный текст (522 стр.). Показаны 491–522 · переход к 496.

стр. 491

للحج تحللان، يحصل الأول برمي جمرة العقبة ثم الحلق، والثاني يحصل بطواف الإفاضة (١) . هذا بالنسبة للحاج المفرد. ويحل بالتحلل الأول كل محرمات الإحرام، إلا النساء. ومتى طاف بعد ذلك حلت له النساء. ودليل ذلك ما روي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا رميتم الجمرة فقد حللتم من كل شيء كان عليكم حراماً إلا النساء، حتى تطوفوا بالبيت) (٢) . أما الحاج المتمتع أو القارن فيحصل له التحلل الأول بالرمي ثم الذبح ثم الحلق. فإن طاف بعد ذلك حلّ له النساء.

стр. 492

الفصل الثالث: الحَجّ عن الغير

стр. 493

هل يسقط الفرض بالنيابة: قسم العلماء العبادات من هذه الناحية إلى أنواع: -١ - العبادات المالية المحضة، كالزكاة وصدقة الفطر والعشر والنفقات: قالوا تصح فيها النيابة مطلقاً، لأن المقصود منها إيصال المال إلى الفقراء؛ وهو حاصل بفعل الإنابة وينوي المستنيب عند الدفع إلى النائب. -٢ - العبادات البدنية المحضة: لا تصح فيها النيابة مطلقاً لأن المقصود منها الابتلاء والمشقة وإتعاب النفس بأفعال مخصوصة؛ وهذه لا تتحقق بفعل النائب كالصلاة والصوم. -٣ - العبادات المالية والبدنية معاً كالحج والقياس أن لا تجزئ فيها النيابة، لكنه تعالى رخص في إسقاط فرض الحج عن المكلف بالنيابة عند العجز المستمر إلى الموت أو بعد الموت بأن أوصى أو تبرع عنه وارثه رحمة منه وفضلاً، بأن يتكلف المكلف المال ويقوم بالحج نائبه؛ فتقع الحجة فرضاً للمنيب ونفلاً للمأمور. والدليل على ذلك ما روي عن ابن عباس ﵄: أن امرأة من جهينة، جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: (نعم. حجي عنها. أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء) (١) . وروى ابن عباس ﵄ أيضاً قال: جاءت امرأة من خثعم عام حجة الوداع، قالت: (يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج، أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال: نعم) (٢) .

стр. 494

شروط قبول الحج عن الغير: -١ - أن يكون الحج عن ميت، أو عاجزاً عجزاً مستمراً إلى الموت؛ فلو قدر على الحج بعد أن يحج عنه غيره لزمته الإعادة، إلا أن يكون زَمِناً أو أعمى فلا تلزمه الإعادة بالبرء بل يسقط عنه الفرض مطلقاً. -٢ - أن يُدخِل المستناب نية الحج عن الغير في نيته فيقول: أحرمت عن فلان بحجة لبيك اللهم بحجة عن فلان لبيك. ويقول بعد صلاة ركعتي الإحرام: اللهم إني أريد الحج عن فلان فيسره لي وتقبله مني ومن فلان. وتكفي نية القلب. -٣ - أن يأمر المحجوج عنه بذلك: فلا يقع فرض الحج لو حج إنسان عن غيره بدون إذنه، إلا الوارث فيحج عن مورثه. -٤ - أن يكون المأمور أهلاً للحج ولو امرأة أو عبداً. ولا يشترط له أن يكون حج عن نفسه حجة الفرض (١) . وإن أوصى رجل بحجة مطلقاً، فيجل على الورثة إخراج نفقة الحج من منزله لأنه المتعارف، إلا أن تكون النفقة قليلة لا تكفي فمن حيث تبلغ. وإذا أحصر المأمور كان دم الإحصار على الآمر، أما دم التمتع والقران والجنايات فهي على المأمور إن أذِن له الآمر بالتمتع أو القران. وإذا أفسد المأمور حجه لزمه الضمان.

стр. 495

هل يجب على العاجز أن يوصي أن يحج عنه: -١ - إذا قدر على الحج فوجب عليه ولم يحج ثم عجز، يجب عليه أن ينيب من يحج عنه اتفاقاً. -٢ - إذا لم يقدر على نفقة الحج حتى عجز فأدركته فريضة الحج عاجزاً، اختلف فيه على قولين: أ - قال الإمام: لا يجب عليه أن ينيب، لأن صحة البدن شرط لوجوب الحج. ب - قال الصاحبان: يجب عليه أن ينيب، لأن صحة البدن عندهما شرط لوجوب الأداء. وتصح النيابة في النفل مطلقاً. تعقيب: هل يصح أن يهب الإنسان ثواب عمله؟ يصح مطلقاً أن يعمل الإنسان ويتعبد ويهب الثواب لغيره، فيكون الثواب له ولغيره، سواء نوى العمل أو نواه لنفسه ثم وهبه. وخالف المعتزلة مستدلين بقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ (١) . وأجيب بأن هذا النص خاص فيما إذا لم يهبه، فإذا تبرع صاحب العمل فوهبه يصل ثوابه سواء كان الموهوب له حياً أو ميتاً. والأدلة على ذلك كثيرة وبلغت مبلغ التواتر: فقد روي أن رسول الله ﷺ ضحى بكبشين أملحين واحد لنفسه وواحد عن أمته. وروي عن مالك بن ربيعة الساعدي قال: بينا نحن عند رسول الله إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: (نعم، الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما) (٢) . وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا تصدق بصدقة تطوعاً فليجعلها عن أبويه، فيكون لهما أجرها ولا ينتقص من أجره شيئاً) (٣) . وروي عن معقل بن يسار قال: قال النبي ﷺ : (اقرؤوا يس على موتاكم) (٤) .

стр. 496

الباب السادس (العمرة) .

стр. 497

تعريف العمرة: لغة: الزيارة. شرعاً: زيارة البيت الحرام للنسك. حكمها: المعتمد في المذهب أنها سنة مؤكدة في العمر مرة، لحديث طلحة بن عبد الله ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (الحج جهاد والعمرة تطوع) (١) . وتكون واجبة في حق من أراد دخول مكة وهو لا يريد الحج، فيجب أن لا يتجاوز الميقات إلا محرماً، فإذا اختار العمرة صارت واجبة في حقه. كما يكون إتمامها واجباً إذ بدأ فيها تطوعاً.

стр. 498

ميقات العمرة: -١ - ميقاتها الزماني: كل أيام السنة، وتندب في رمضان لحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (عمرة في رمضان تعدل حجة) (١) . وأفضل وقت للإتيان بها بعد الفراغ من الحج، لما روي عن عامر بن ربيعة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تَابعوا بين الحج والعمرة، فإن متابعة ما بينهما تزيد في العمر والرزق وينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد) (٢) . ويكره تحريماً إنشاؤها: أ - في خمسة أيام في السنة: يوم عرفة، يوم النحر، ثلاثة أيام التشريق. ولو أهلَّ بها في هذه الأيام لزمه رفضها ووجب قضاؤها ووجب عليه دم للرفض، وإن تابعها صحت مع الكراهة وعليه دم. ب - في أشهر الحج لأهل مكة، ومن كان مقيماً داخل المواقيت إن أراد الحج في تلك السنة. -٢ - ميقاتها المكاني: أ - للآفاقي: هي نفس مواقيت الإحرام بالحج. ب - لأهل مكة وكل من كان مقيماً داخل المواقيت أو غيره: ميقاتهم الحِلّ وذلك ليتحقق لهم نوع سفر. وأفضل مكان للإحرام بالعمرة لهؤلاء: أ - التنعيم: وهو أقرب مكان في الحل، وهو مكان عند مسجد السيدة عائشة ﵂. ودليل أفضليته ما روي عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ (أن النبي ﷺ أمره أن يردف عائشة ويعمرها من التنعيم) (٣) . ب - الجعرانة: وهي تبعد عن مكة ستة فراسخ باتجاه الطائف. ويسن أنت يقصد ماءها ليتوضأ منه، لأنه ﷺ فحص موضع الماء بيده الشريفة فانبجس، فعن خالد بن عبد العزى بن سلامة ذكر أن رسول الله ﷺ نزل عليه بالجعرانة وذكر الحديث وفيه قال: (ثم إن النبي ﷺ فحص الكدة بيده فانبجس الماء فشرب) (٤) .

стр. 499

شروط العمرة: الإحرام: وهو شرط لصحة العمرة وكيفيته كإحرام الحج. أركانها: الطواف أربعة أشواط. واجباتها: -١ - إتمام الأشواط السبعة. -٢ - السعي بين الصفا والمروة. -٣ - الحلق أو التقصير. -٤ - كون الإحرام من الميقات. -٥ - تجنب محظورات الإحرام. ولا يجب في العمرة الوقوف بعرفة وجمع، ولا طواف الوداع. إفسادها: تفسد العمرة بالجماع قبل تمام أربعة أشواط من الطواف. ويجب بإفسادها القضاء وذبح شاة، ولا يجب ذبح بَدَنة لأن الجناية فيها أقل من الجناية في الحج.

стр. 500

الباب السابع (الجِنايات) .

стр. 501

الجنايات في الحج أنواع: -١ - الجناية على الحرم. -٢ - الجناية على الإحرام. -٣ - الجناية على الطواف. -٤ - ترك واجب من واجبات الحج أو تأخير فرض. أولاً - الجناية على الحرم: وتتحقق بالتعرض لصيد الحرم أو شجره، لحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (حرَّم الله مكة، فلم تَحِلَّ لأحد قبلي ولا لأحد بعدي أُحِلَّت لي ساعة من نهار، لا يُخْتَلَى خَلاَها، ولا يُعْضَد شجرها، ولا يُنَفَّر صيدها، ولا تُلْتَقط لُقَطَتُها إلا لمُعَرِّف. فقال العباس ﵁: إلا الإِذْخِرَ لصاغتنا وقبورنا؟ فقال: إلا الإِذْخر) (١) . وجزاء من صاد في الحرم وهو حلال قيمة الصيد يتصدق بها على الفقراء، لأن الصيد استحق بالأمن بسبب الحرم. ولا يجزئه الصوم لأنها غرامة مالية وليست كفارة فأشبه ضمان الأموال. ولا يحل له أكله ولا بيعه بل هو ميتة (٢) . وإذا اشترك حلالان في صيد وجب عليهما معاً قيمته، ولا يتعدد الجزاء بتعدد المعتدي. ومن دخل الحرم ومعه صيد وجب عليه أن يرسله. ولو أخرج ظبية من الحرم فولدت ثم ماتت ضمن ثمنها وما ولدت. ولو شوى بيضاً أو جراداً أو حلب لبن صيد، لم يحرم أكله لكن يضمنه، وجاز بيعه مع الكراهة. ولو قطع حشيش الحرم أو شجرة فيه ليست مملوكة مما لا ينتبه الناس فعليه قيمة ما قطع إلا إذا كان يابساً، لحديث ابن عباس ﵄ المتقدم، (إلا الإذخر) . ويكره تحريماً بيع ما قطعه من نبات الحرم لأنه ملكه بسبب محظور. أما ما ينبته الناس عادة فلا شيء في قطعه، لأنه غير مستحق للأمن. وإذا قطع ما نبت وحده من نبات الحرم في ملك غيره وجب عليه قيمتان: قيمة لحق الشرع وقيمة لصاحب الأرض على قول الصاحبين المفتى به من تملك أرض الحرم.

стр. 502

ثانياً - الجناية على الإحرام: ويكون متلبساً فيها من أقدم على فعل محظورات الإحرام وهو بالغ، سواء كان عامداً أو ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً. ولو فعله عمداً لغير ضرورة وقال: أفدي، لم يجز ولا يسقط عنه الإثم بالجزاء ويكون حجه غير مبرور. ويتكرر الجزاء بتكرر فعل المحظور إن لم يتحد المجلس. والجنايات على الإحرام هي: -١ - الرَّفَث: أ - الجماع: وهو مفسد للحج إن وقع قبل الوقوف بعرفة، ويترتب على من فعله ذبح شاة، وأن يتم حجه المفسد، ثم يقضي الحج وجوباً في العام الذي يليه. وذلك لما روي: أن رجلاً من جذام جامع امرأته وهما محرمان، فسأل الرجل رسول الله ﷺ . فقال لهما: (اقضيا نسككما، وأهديا هدياً، ثم ارجعا، حتى إذا جئتما المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، وعليكما حجة أخرى، فتقبلان حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فأحرما وأتما نسككما وأهديا) (١) . أما إن جامع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول فعليه بَدَنة ويتم حجه، لما روي عن ابن عباس ﵄: "أنه سئل عن رجل وقع بأهله وهو بمنى قبل أن يُفيض، فأمره أن ينحر بَدَنة" (٢) . وإن جامع بعد الحلق ما بين التحللين فعليه شاة لبقاء الإحرام في حق الجماع إلى ما بعد طواف الإفاضة. ب - المباشرة بشهوة وكل دواعي الجماع من عناق أو تقبيل أو لمس، أنزل أم لم ينزل، فيها شاة ما لم يتحلل التحلل الثاني. فعن علي ﵁ قال: "من قَبّل امرأته وهو محرم فليهرق دماً" (٣) . جـ - الاستمناء أو مجامعة بهيمة: فيه شاة إن أنزل. أما التفكر والنظر بشهوة والاحتلام ليس فيها شيء. -٢ - الطيب: تجب شاة على من طيّب عضواً كاملاً أو أكثره، أو أكل طيباً كثيراً، أو طيّب فمه، أو لبس ثوباً مطيباً نهاراً كاملاً أو ليلة كاملة. وإن طيّب جسمه كله في مجلس واحد تجب شاة واحدة. فإن طيّب أقل من عضو وتعددت المواضع تجمع كعضو واحد، فإن طيّب أقل من عضو فعليه صدقة (٤) مع إزالة الطيب عن العضو قبل التفكير. -٣ - الادّهان: من دهن عضواً كاملاً لغير عذر (لغير التداوي) بزيت الزيتون أو غيره فعليه شاة. -٤ - لبس المخيط: يجب شاة على من لبس مخيطاً أو غطى ربع رأسه يوماً وفيما دون ذلك صدقة. وكذلك المرأة إن سترت وجهها. واعتبر اليوم ارتفاقاً كاملاً، ويقوم أكثر اليوم مقام الكل. -٥ - الحلق: تجب شاة بحلق ربع الرأس أو ربع اللحية أو أحد الإبطين أو العانة، وفي أقل من ذلك صدقة قدرها نصف صاع من بُرّ. ومن حلق رأس غيره فعليه صدقة. -٦ - قص الأظافر: تجب شاة في قص أظافر يد أو أكثر في مجلس واحد، أما إن تعدد المجلس فيجب في كل عضو دم (العضو خمسة أظافر) ، وفي أقل من ذلك في كل ظفر صدقة وهي نصف صاع من بُرّ، ومن قص أظافر غيره فعليه صدقة. أما إن انكسر ظفره فنزعه فلا شيء عليه. ومن تطيَّب أو حلق أو لبس لعذر فهو مخير بين ذبح شاة أو أن يتصدق بثلاثة آصاع من طعام على ستة مساكين أو أن يصوم ثلاثة أيام، لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله، فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ (٥) ، ولما روي عن كعب بن عجرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مر به زمن الحديبية فقال له: (آذاك هوامّ رأسك. قال: نعم. فقال له النبي ﷺ : (احلق رأسك ثم اذبح شاة نسكاً أو صم ثلاثة أيام أو أطعم ثلاثة آصُعٍ من تمر على ستة مساكين) (٦) . ولا يصح ذبح دم الجزاء إلا في الحرم لأنه لا يعتبر قربة إلا في مكان مخصوص لقوله تعالى: ﴿هدياً بالغ الكعبة﴾ (٧) . أما دم التمتع والقران فيختصان بالزمان وهو أيام النحر الثلاثة والمكان وهو الحرم. وأما الصوم والصدقة فيصحان في كل مكان إن شاء عجلهما في مكة أو أخرهما حتى يرجع إلى أهله، لأنهما قربة في جميع الأزمنة والأمكنة. -٧ - الصيد: يجب على المحرم إذ قتل صيداً أو دل عليه من يقتله جزاء يقوّمه عدلان في مكان قتله أو قريب منه، فإن بلغت قيمته هدياً فله الخيار إن شاء اشتراه وذبحه في الحرم، أو اشترى بقيمته طعاماً يتصدق به على كل مسكين نصف صاع من بُرّ (أو صاع من تمر أو شعير) ، أو صام عن طعام كل مسكين يوماً. ولو بلغت قيمة الصيد هديين أو بدنة فهو مخير بين أن يذبح شاتين في الأولى أو سبع شياه في الثانية. والدليل على قيام القيمة مقام الذبح قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم، ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم، هدياً بالغ الكعبة، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياماً، ليذوق وبال أمره، عفا الله عما سلف، ومن عاد فينتقم الله منه، والله عزيز ذو انتقام﴾ (٨) ، فالمطلوب هو المثل المطلق بالقيمة لا المثل في الصورة فإنه غير مقصود. أما الصيد غير المأكول فلا يتجاوز الجزاء فيه قيمة الشاة، إلا أن يكون معلماً فيضمن قيمته (٩) ، أو يصوم عن طعام كل مسكين يوماً. ولا يجوز أن تعطى القيمة للأصول ولا للفروع ولا للزوج ولا للزوجة. وتجب القيمة بقطع بعض قوائم الحيوان ونتف ريشه وكسر بيضه. ويجب فيما لو قتل قملة من بدنه أو ألقاها أو ألقى ثوبه في الشمس لتموت، أن يتصدق بما شاء، فعن ابن عمر ﵄ قال "في القملة يقتلها المحرم يتصدق بكسرة أو قبض من طعام" (١٠) . وكذا من قتل جرادة تصدق بما شاء، فعن يحيى بن سعيد "أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب فسأله عن جرادات قتلها وهو محرم، فقال عمر لكعب: تعال حتى نحكم، فقال كعب درهم، فقال عمر لكعب: إنك لتجد الدراهم لتمرة خير من جرادة" (١١) . ولا يجب شيء في قتل البعوض والنمل المؤذي والبراغيث والقراد. وحكم ما اصطاده المحرم حكم الميتة لا يجوز أكله ولا بيعه ولا إهداؤه. ولا بأس للمحرم أن يذبح شاة أو بطاً أهلياً، لأنه ليس بصيد. وكل ما على المفرد فيه دم على القارن فيه دمان (١٢) .

стр. 503

ثالثاً - الجناية على الطواف: -١ - من طاف طواف الإفاضة جنباً أو حائضاً فعليه بَدَنة (إلا إذا أعاده على طهارة) . -٢ - من طاف طواف العمرة كله أو أكثره أو أقله جنباً أو حائضاً، أو طاف كله أو أكثره محدثاً، فعليه دم (شاة) . وكذا لو ترك من طواف العمرة شوطاً لأنه لا مدخل للصدقة فيها، وهناك قول آخر بأنه عليه لكل شوط صدقة كما لو طاف أقله محدثاً وجب عليه لكل شوط نصف صاع من حنطة. -٣ - من طاف طواف الركن محدثاً، أو طاف طواف الوداع أو طواف السنة جنباً، فعليه شاة. -٤ - من طاف طواف السنة محدثاً فعليه صدقة. -٥ - من طاف طواف الركن وهو كاشف العورة بما يفسد الصلاة فعليه شاة. أما من طاف وعلى ثوبه أو بدنه نجاسة أكبر من قدر الدرهم فلا شيء عليه لكن يكره. وإذا أعاد المكلف الطواف الناقص، في جميع الحالات المذكورة، على وجه مشروع سقط عنه الدم لأن جنايته صارت متداركة. ولا يعيد السعي بعده. رابعاً - ترك واجب من واجبات الحج: تجب شاة على من ترك واجباً من واجبات الحج كترك السعي أو طواف الوداع أو الوقوف بمزدلفة. وتجب الشاة في ترك رمي الجمار كلها أو يوم منها، أو تأخير رمي يوم عن وقته (يومه) ، فإن ترك رمي بعض حصيات أو لم تصل الحصاة إلى مكانها عند الرمي، ففي كل حصاة صدقة نصف صاع من بُرّ. ولو أفاض من عرفات قبل الغروب وجب عليه دم (بخلاف ما إذا وقف ليلاً فلا يجب عليه شيء اتفاقاً) إلا أن يعود قبل الغروب فيسقط الدم على الأصح. ولو جاوز الميقات بدون إحرام لزمه دم، إلا أن يعود فيحرم من الميقات.

стр. 504

الباب الثامن (الإحصار) .

стр. 505

تعريف الإحصار: لغة: المنع أو الحبس. شرعاً: المنع من أداء ركن من أركان الحج أو العمرة. المحصرات: -١ - الإحصار العام: ويكون بمنع العدو المحرم بالحج أو العمرة من دخول مكة، أو بحصول خوف على الطريق يمنعه من المضي لإتمام نسكه. كما أحصر رسول الله ﷺ عام الحديبية. -٢ - طروء مرض مفاجئ يمنع من إتمام النسك. -٣ - موت المَحْرَم بعد الإحرام، فإن كانت المرأة لا تزال في بلدها فلا تخرج، أما إن مات زوج المرأة وكانت في الطريق؛ فإذا كانت في مأمن تبقى مكانها حيث مات وتقضي عدتها، وإن كانت في طريق لا تستطيع البقاء: فإن كانت أقرب إلى بلدها رجعت وتؤدي عدتها وتحلّ من إحرامها وترسل الهدي. أما إن كانت أقرب إلى مكة فيجب عليها إتمام النسك. -٤ - ضياع المال وعدم التمكن من إتمام الحج لعدم النفقة. -٥ - إن أحرمت الزوجة بغير إذن زوجها فله أن يمنعها ويحللها بأي وسيلة كانت، والسيد له أن يحلل عبده وأمته إن أحرما ولو بإذنه. ما يترتب على المُحصَر: أ - من أحصر عن الدخول إلى مكة: -١ - يجب عليه أن يرسل هدياً كي يذبح في الحرم، لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله، فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي، ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ (١) ، فمحل ذبحه الحرم ولا يصح في غيره، فإذا قيل إن رسول الله ﷺ وأصحابه ذبحوا مكانهم عام الحديبية فلأنها تابعة للحرم. أما الزوجة والعبد فإنهما يتحللان بأدنى شيء من محرمات الإحرام، ثم ترسل الزوجة هدياً والعبد لا يرسل حتى يتحرر. ويجوز أن يذبح المحصر عن الحج قبل يوم النحر، فيرسل الهدي ويتفق مع من أرسله معه على يوم الذبح ويتحلل به. ويلزم القارن دمان حتى يتحلل بالذبح. ولا يجزئ الصوم عن الذبح، فلو عجز عن الذبح لا يتحلل بالصوم بل يبقى محرماً حتى يُذبح عنه أو يأتي مكة ويتحلل بأفعال العمرة. -٢ - يتحلل المحصر متى تيقن من وصول الهدي وذبحه في الحرم، ولا ينتظر يوم النحر. -٣ - يجب على المحصر قضاء الحج أو العمرة حسب نيته في النسك الذي مُنع من إتمامه، فعن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : (من كُسِر أو عرج فقد حلّ وعليه الحج من قابل) (٢) . فإن كان ناوياً الحج وجب عليه حجة وعمرة، وإن كان قارناً وجب عليه حجة وعمرتان، لأن الحج ولو كان نفلاً صار فرضاً بالشروع فيه فيجب عليه قضاؤه، والعمرة لأن من فاته الحج يتحلل بأفعال العمرة فلما تحلل دون أن يأتي بها وجب عليه قضاؤها. وأما من كان محرماً بعمرة فأحصر وجب عليه عمرة، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه سئل عن رجل اعتمر فنهشته حية، فلم يستطيع المضي، فقال عبد الله بن مسعود: "ليبعث بهدي ويواعد أصحابه يوم أَمَار (٣) ، فإذا نحر عنه الهدي حلَّ وكانت عليه عمرة مكان عمرته". وقد قضى رسول الله ﷺ العمرة التي صُد عنها وسميت عمرة القضاء. أما لو زال الإحصار قبل فوات الحج فلا يجب عليه دم إن أداه من عامه، وإن صبر على إحرامه ثم تحلل بعمرة فلا يجب عليه هدي ويقضي الحج.

стр. 506

ب - الإحصار بعد الوقوف بعرفات: -١ - إذا كان الإحصار بعدوٍّ فلا يعتبر محصراً، إنما يترتب عليه دم عن كل واجب (الوقوف بمزدلفة، رمي الجمار، تأخير الحلق ... ) . -٢ - إذا كان الإحصار بمرض أو موت صحت حجته، لحديث عبد الرحمن بن يَعْمُر الديلي أن النبي ﷺ قال: (الحج عرفة) (١) فلو مات بعد عرفة صحت حجته.

стр. 507

جـ - الإحصار داخل مكة: إن فاته الوقوف بعرفة وطواف الركن فهو محصر يتحلل بدم، أما إن استطاع فعل أحد الركنين فليس محصراً، لأنه إن أدرك وقوف عرفات فقد أدرك الحج لقوله ﷺ : (الحج عرفة) وإن أدرك الطواف يتحلل بعمرة وعليه قضاء الحج.

стр. 508

الباب التاسع (الهدي) .

стр. 509

الهدي: اسم لما يهدى إلى الحرم ويذبح فيه. وهو من الإبل والبقر والغنم. وأدناه شاة، وتجزئ البدنة والبقرة عن سبعة أشخاص، لما روي عن جابر ﵁ قال: (نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة) (١) .

стр. 510

محله: الحرم، فلا يعتبر هدياً إلا إذا ذبح في الحرم، لكن أفضل الأمكنة منى، لما روي عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (نحرت ههنا ومنى كلَها منحر فانحروا في رحالكم) (١) ، وعنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : (كل فجاج مكة طريق ومنحر) (٢) .

стр. 511

وقته: أ - هدي التطوع والمتعة والقران: لا يصح إلا أيام النحر الثلاثة ولا يجوز قبلها. ب - هدي الجنايات والكفارات والإحصار: يصح في أي وقت، والأَولى تعجيله لينجبر النقص من أفعاله. شروطه: -١ - يشترط في الهدي ما يشترط في الأضحية، فلا يجزئ ما دون الثنيِّ إلا الجذع من الضأن ولا يصح بالعوراء ولا العجفاء ولا العمياء ولا مقطوعة الأذن، فعن أبي حصين أن ابن الزبير رأى هدياً له فيها ناقة عوراء فقال: "إن كان أصابها بعدما اشتريتموها فأمضوها وإن كان أصابها قبل أن تشترها فأبدلوها" (١) . -٢ - أن لا يأكل من هدي الجنايات والكفارات، لما روي عن طاووس وسعيد بن جبير أنهما قالا: "لا يأكل من جزاء الصيد ولا من الفدية" (٢) . ويجوز أن يأكل من هدي التمتع والقران والتطوع، لما روي عن جابر ﵁ قال: (كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث منى، فأرخص لنا رسول الله ﷺ فقال: كلوا وتزودوا فأكلنا وتزودنا) (٣) . -٣ - أن لا يعطي أجر القصَّاب منه، لما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ (أن نبي الله ﷺ أمره أن يقوم على بدنه، وأمره أن يقسم بدنه كلها لحومها وجلودها في المساكين ولا يعطي في جزارتها منها شيء) (٤) .

стр. 512

ما يندب في الهدي: -١ - أن يذبح بنفسه وإلا يوكل غيره ويشهده، لما روي عن جابر بن عبد الله ﵄ في حديثه الطويل: (ثم انصرف - أي النبي ﷺ إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بيده) (١) . -٢ - أن يقلد (٢) هدي التطوع (تمتع، قران، نذر) دون غيره لأنه نسك يليق به الإظهار، أما بقية الهدايا فلا يقلدها لأنها جنايات. روت عائشة ﵂ قالت: (ربما فَتَلْتُ القلائد لهدي رسول الله ﷺ . فيقلد هديه ثم يبعث به) (٣) . وإذا عطب هدي التطوع على الطريق لا يلزمه غيره، ولا يجوز أن يأكل منه بل يطعمه للفقراء، أما إن كان غير ذلك ضمنه، لما روي عن ابن عباس ﵄ أن ذؤيباً أبا قبيصة حدثه؛ أن رسول الله ﷺ كان يبعث معه بالبدن ثم يقول: (إن عَطِب منها شيء، فخشيت عليه موتاً، فانحرها. ثم اغمس نعلها في دمها. ثم اضرب به صفحتها. ولا تطعهما أنت ولا أحد من أهل رفقتك) (٤) . -٣ - أن يذبحه بمنى.

стр. 513

الأضْحِيَة تعريفها: الأضحية لغة: اسم لما يذبح أيام الأضحى. شرعاً: اسم لما يذبح أو ينحر من النَّعم تقرباً لله تعالى في أيام النحر. دليلها: ثبتت مشروعيتها بالكتاب والسنة والإجماع. من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فصلِّ لربك وانحر﴾ (١) . ومن السنة: حديث أنس ﵁ قال: (ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين (٢) أقرنين (٣) ، ذبحهما بيده، وسمى وكبّر ووضع رجله على صفاحهما) (٤) . وقد أجمعت الأمة على مشروعيتها.

стр. 514

حكمها: هي واجبة على الذكر والأنثى عند الإمام أبي حنيفة، وهو المعتمد، بدليل ما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (من وجد سعة فلم يضحِّ معنا فلا يَقْرَبَن مُصلاّنا) (١) . ففي الحديث وعيد من رسول الله ﷺ ولا يكون الوعيد إلا لترك واجب. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من كان ذبح قبل الصلاة فْليُعِد) (٢) والأمر للوجوب فلولا أنها واجبة ما وجبت إعادتها. وهي سنة مؤكدة عند الإمام أبي يوسف، لما روت أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره) (٣) ، والتعليق بالإرادة ينافي الوجوب لذا فهي سنة مؤكدة. وعلى القولين لا يكفر جاحدها.

стр. 515

شروط وجوبها: -١ - الإسلام، لأنها عبادة. -٢ - الحرية، لضرورة الملك. -٣ - اليسار الذي يتعلق به وجوب صدقة الفطر، وهو ملك نصاب ولو غير نام، وأن يكون زائداً عن حوائجه الأصلية. -٤ - الإقامة في بلد أو قرية أو بادية، فلا تجب على المسافر، ولا على الحاج إن كان مسافراً، لقول علي ﵁: "ليس على المسافر جمعة ولا أضحية". ولا يجب على الوليّ أن يضحي عن ولده الصغير كصدقة الفطر لاختلاف سببهما، كما أنها لا تجب في مال الصبي لأنها قربة ولا يخاطب بها إلا العاقل البالغ. وهذا هو القول المفتى به. وقال الصاحبان: تجب في مال الصبي فيضحي عنه وليُّه، ومثله المجنون. شروط صحتها: -١ - يشترط أن تكون من النعم وهي: الإبل والبقر والغنم بنوعيه المعز والضأن، لقوله تعالى: ﴿ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ (١) . وأفضلها الغنم. والكبش أفضل من النعجة، والأنثى من المعز أفضل من التَّيْس، والأنثى من الإبل والبقر أفضل من الذكر إذا استويا في اللحم. ويجوز الاشتراك في الأضحية إذا كانت من الإبل أو البقر بشرط أن لا يزيد عددهم على السبعة أشخاص، فإذا كانوا أكثر من سبعة فلا يجوز الاشتراك. والأفضل أن يتفقوا قبل الشراء ويقتسموا لحمها بالوزن. ودليل جواز الاشتراك ما روى جابر ﵁ قال: (نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة) (٢) . والشاة أفضل من سبع البقرة أو البدنة إذا استويا في اللحم. -٢ - يشترط الثَّنِيُّ في الجميع، إلا الضأن فقد ورد فيها جواز الجَذَع، فعن أم بلال بنت هلال عن أبيها أن رسول الله ﷺ قال: (يجوز الجذع من الضأن أضحية) (٣) . والجذع ما كان فوق ستة أشهر على أن يكون كثير اللحم بحيث لو وضع مع الثنايا لا يفرق عنها. والثَّنِيّ: ما كان فوق السنة من الغنم، وفوق السنتين من البقر، وفوق الخمس سنين من الإبل. -٣ - يشترط في الأضحية أن تكون سليمة من العيوب والأمراض، فلا تصح بالعمياء، ولا بالعوراء، ولا بالعجفاء وهي المهزولة التي لا مخ في عظامها، ولا بالعرجاء البيّن عَرَجها، لما روى البراء ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: (أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء بَيِّن عورها، والمريضة بيّن مرضها، والعرجاء بيّن ظلعها، والكسير التي لا تُنقى) (٤) . ولا تصح بمقطوعة الأذن أو الذَّنب أو الإلية إذا كان المقطوع أكثر من الثلث، لما روي عن علي ﵁ (أن النبي ﷺ نهى أن يُضَحَّى بعضْباء الأذن والقرن) (٥) . ولا تصح بالهَتْماء التي ليس لها أسنان ولا بالجلاّلة التي ترعى العَذِرة (٦) . وتصح بالجمّاء التي لا قرون لها خِلقَة، والعَظْماء وهي التي ذهب بعض قرنها، والتَّولاء وهي المجنونة إذا لم يمنعها الجنون من الرعي. وتصح بالجَرباء إذا كانت سمينة، فإذا هزلت بالجَرب فلا يجوز.

стр. 516

وقتها: يبدأ وقتها بعد طلوع فجر يوم النحر، ويشترط في المِصْر أن يضحي بعد أداء صلاة العيد، لما روى البراء ﵁ قال: خطبنا النبي ﷺ يوم النحر قال: (إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر) (١) . وينتهي وقتها قبل غروب شمس ثالث أيام النحر. والأفضل أن يضحي أول يوم، ويكره تنزيهاً أن يضحي في الليل. ولو فات الوقت وكان المكلف ممن تتوفر فيهم شروط وجوبها، وجب عليه التصدق بمقدار ثمن شاة، ولو مات أيام النحر سقطت عنه، أما لو مات بعدها ولم يضحِ فعليه أن يوصي بالتصدق بثمنها.

стр. 517

ما يندب في الأضحية: -١ - أن يأكل منها ويتصدق ويدَّخر، لقوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ (١) ، ولما روى عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم) (٢) ، ويجوز أن يطعم الأغنياء منها، لأنه كما جاز له الأكل وهو غني جاز لغيره. -٢ - يستحب أن لا تنقص الصدقة منها عن الثلث، لأن المنصوص قسمتها بين الأكل والتصدق والادخار فيكون لكل قسم الثلث، ولو أخذ الكل لنفسه جاز لأن القربة تحصل بإراقة الدم. أما إن كانت الأضحية منذورة فلا يحل الأكل منها مطلقاً. -٣ - يندب أن لا يتصدق منها بشيء إذا كان ذا عيال حتى يوسع عليهم. -٤ - يندب أن يذبحها بنفسه، إن كان يحسن الذبح لأنها عبادة، فإذا فعلها بنفسه كان أفضل كسائر العبادات اقتداءً بفعله ﷺ ، فعن أنس ﵁ (أن النبي ﷺ نحر سبع بدناتٍ بيده قياماً) (٣) . ويندب أن يقول عند الذبح: "وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً، اللهم منك ولك، بسم الله، الله أكبر". وإن كان لا يحسن الذبح فالأوْلى أن يولّيها غيره. -٥ - أن يحضر الأضحية ويشهدها إن لم يذبح، لما روي عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يا فاطمة قومي إلى أضحيتك فاشهديها، فإنه يغفر لك عند أول قطرة تقطر من دمها كل ذنب عملتيه، وقولي إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. قال عمران قلت: يا رسول الله هذا لك ولأهل بيتك خاصة فأهل ذاك أنتم أم المسلمين عامة؟ قال: لا بل للمسلمين عامة) (٤) .

стр. 518

ما يكره في الأضحية: -١ - يكره ذبح الكتابي، أما المشرك والمجوسي والوثني فلا يجوز ذبحه أصلاً. -٢ - يكره بيع جلدها أو استبداله بما هو مستهلك، فإن فعل وجب التصدق بالثمن أو بالبدل، لقوله ﷺ فيما رواه عن معقل بن يسار: (من باع جلد أضحيته فلا أضحية له) (١) ، لذا يجب أن يتصدق بالجلد أو يستعمله. -٣ - يكره أن يعطي الجزار منها شيئاً على سبيل الأجرة، لكن يجوز أن يتصدق عليه منها زيادة على الأجرة. لما روي عن علي ﵁ قال: (أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بُدْنه، وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلَّتها، وأن لا أعطي الجزار منها. قال: نحن نعطيه من عندنا) (٢) . -٤ - يكره جزُّ صوفها قبل الذبح، وإن فعل تصدق به. -٥ - يكره ركوبها وتأجيرها والانتفاع بلبنها قبل ذبحها، بل يتصدق بكل ما يأخذه منها، لأنه اشتراها قربة لله تعالى، فلا ينتفع بشيء منها حتى يذبحها.

стр. 519

فصل في زيارة النبي ﷺ

стр. 520

تندب زيارة قبر النبي ﷺ ندباً مؤكداً، بل تقرب من درجة الواجبات لمن له سعة. فإنه ﷺ حرض عليها وبالغ في الندب إليها فقال ﷺ فيما رواه عنه ابن عمر ﵄: (من زار قبري وجبت له شفاعتي) (١) ، وعنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : (من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي) (٢) إلى غير ذلك من الأحاديث. فإذا نوى المسلم زيارة القبر الشريف فلينو معه زيارة المسجد النبوي أيضاً، فإنه أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، لما روى أبو هريرة ﵁ يبلغ به النبي ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام ومسجد الأقصى) (٣) . وينبغي لمن رغب في زيارة قبر النبي ﷺ أن يكثر من الصلاة والتسليم عليه ﷺ في طريقه إلى المدينة المنورة. فإذا عاين حيطان المدينة يصلي على النبي ﷺ ثم يقول: "اللهم هذا حرم نبيك ومهبط وحيك فامنن عليّ بالدخول فيه، واجعله وقاية لي من النار وأماناً من العذاب، واجعلني من الفائزين بشفاعة المصطفى يوم المآب". ويغتسل قبل الدخول أو بعده قبل التوجه للزيارة إن أمكنه، أو يتوضأ، ويلبس أحسن ثيابه ويتطيب تعظيماً للقدوم على النبي ﷺ . ثم يدخل المدينة المنورة ماشياً، إن أمكنه، متواضعاً بالسكينة والوقار ملاحظاً جلالة المكان قائلاً: "بسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ . رب أَدْخِلني مُدْخَل صِدق وأخرجني مُخْرَج صِدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً. اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آل محمد واغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك وفضلك". فإذا وصل باب مسجده فليقدم رجله اليمنى في الدخول، ثم يأتي الروضة فيصلي ركعتين تحية المسجد عند المنبر بحيث يكون عمود المنبر بحذاء منكبه الأيمن، لما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة. ومنبري على حوضي) (٤) . ثم يسجد شكراً لله تعالى بأداء ركعتين غير تحية المسجد لما وفقه الله ومنّ عليه بالوصول إليه، ويدعو بما يحب ولمن أحب. ثم يتوجه إلى قبره الشريف ﷺ فيقف بعيداً عنه بمقدار أربعة أذرع، بغاية الأدب، مستدبر القبلة، محاذياً لرأس النبي ﷺ ، ملاحظاً في قلبه منزلة من هو بحضرته وسماعه لكلامه، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من أحد يُسلم عليّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردَّ ﵇ (٥) ثم يسلم ويقول: "السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبيّ الله، السلام عليك يا صفيَّ الله السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا نبيَّ الرحمة، السلام عليك يا شفيع الأمة، السلام عليك يا سيد المرسلين، السلام عليك يا خاتم النبيين وعلى أهل بيتك الطيبين الطاهرين، جزاك الله عنا أفضل ما جزى نبياً عن قومه ورسولاً عن أمته، أشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة، وأوضحت الحجة، وجاهدت في سبيل الله حق جهاده، وأقمت الدين حتى أتاك اليقين، فصلى الله عليك إلى يوم الدين. يا رسول الله نحن وفدك وزوار قبرك، جئناك قاصدين قضاء حقك والتيمن بزيارتك والاستشفاع بك إلى ربنا، فإن الخطايا قد قصمت ظهورنا والأوزار قد أثقلت كواهلنا، وأنت الشافع المشفع. قال تعالى: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾ (٦) . وقد جئناك ظالمين لأنفسنا مستغفرين لذنوبنا، فاشفع لنا إلى ربك، واسأله أن يميتنا على سنتك، وأن يوردنا حوضك، وأن يسقينا بكأسك غير خزايا ولا نادمين. الشفاعة الشفاعة يا رسول الله. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم". ويبلغه سلام من أوصاه فيقول: "السلام عليك يا رسول الله من فلان بن فلان، يستشفع بك إلى ربك، فاشفع له ولجميع المسلمين". ثم يصلي عليه ﷺ ويدعو بما شاء. ثم يتحول قدر ذراع جهة يمينه حتى يحاذي رأس الصديق ﵁ فيقول مسلماً عليه: "السلام عليك يا خليفة رسول الله، السلام عليك يا صاحب رسول الله وأنيسه في الغار ورفيقه في الأسفار، جزاك الله عنا أفضل ما جزى إماماً عن أمة نبيه. اللهم أمتنا على حبه ولا تخيب سعينا في زيارته برحمتك يا أرحم الراحمين". ثم يتحول مثل ذلك حتى يحاذي رأس عمر ﵁ فيقول: "السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك يا مظهر الإسلام ومكسر الأصنام. جزاك الله عنا أفضل الجزاء، ورضي عمن استخلفك". ثم يرجع قدر نصف ذراع فيقول: "السلام عليكما يا ضجيعَي رسول الله ﷺ ورفيقيه، جزاكما الله أحسن الجزاء". ثم يدعو لنفسه ولوالديه ولن أوصاه بالدعاء ولجميع المسلمين. ثم يرجع فيقف عند قبر رسول الله ﷺ ويقول: "ربنا اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا وإخواننا. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار". ويأتي الأسطوانة التي تاب عندها أبو لبابة ﵁ فيعلن توبته. وقد روي عن ابن عمر ﵄ (أن رسول الله ﷺ كان إذا اعتكف يطرح له فراشه أو سريره إلى اسطوانة التوبة مما يلي القبلة يستند إليها) (٧) . ثم يأتي الروضة فيصلي فيها ما شاء ويدعو ويكثر من التسبيح والاستغفار، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام) (٨) . ويستحب له أن يخرج بعد زيارته ﷺ إلى البقيع، فيأتي المشاهد والمزارات وخاصة قبر سيد الشهداء حمزة ﵁. ويقول: "سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، سلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون". ويقرأ آية الكرسي وسورة الإخلاص. فعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ كلما كانت ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غداً، مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) (٩) . كما يستحب أن يأتي مسجد قِباء يوم السبت أو غيره ويصلي فيه ويقول بعد دعائه بما أحب: "يا صريخ المستصرخين، يا غياث المستغيثين، يا مفرج كرب المكروبين، صلِّ على سيدنا محمد وآله، واكشف كربي وحزني كما كشفت عن رسولك كربه وحزنه في هذا المقام، يا حنّان يا منّان يا كثير المعروف يا دائم الإحسان يا أرحم الراحمين"، لما روي عن ابن عمر ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يأتي مسجد قباء راكباً وماشياً فيصلي فيه ركعتين) (١٠) .

стр. 521

نهاية الكتاب

стр. 522

انتهى الكتاب والحمد لله أولا وآخرا