← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 650

فقه العبادات على المذهب الحنفي

نجاح الحلبي

Полный текст (522 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

واجبات الحج (١) قسمان: أ - الواجبات المتعلقة بالأركان المذكورة سابقاً. ب - الواجبات الأصلية غير المتعلقة بالأركان أو الشروط وهي: أولاً - السَّعي بين الصَّفا والمروة (٢) : دليل الوجوب: قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ (٣) . وحملت الآية على الوجوب لأنها لا تفيد الركنية. وحديث حبيبة بنت أبي تجرأة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي) (٤) ، وهو خبر آحاد لا يفيد الركنية أيضاً.

стр. 457

وقته: يجب أن يقع السعي بعد طواف معتد به، والأفضل أن يقع بعد طواف الإفاضة لترتيب الواجب على الركن. ويجوز إيقاعه بعد طواف القدوم أو طواف نفل لأهل مكة ومن هم داخل الميقات (لأنه لا طواف قدوم عليهم) ولا يعيده بعد الإفاضة ترخيصاً للمسلمين. واجبات السعي: -١ - أن يبدأ الساعي بالصفا، لحديث جابر ﵁ في صفة النبي ﷺ قال: (فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا) (١) . فلو عكس الترتيب لم تحسب المرة الأولى. -٢ - أن يسعى سبعة أشواط، ويحسب ذهابه من الصفا إلى المروة مرة، والإياب مرة أخرى. لما روي عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ أن رسول الله ﷺ (أتى الصفا والمروة فسعى بينهما سبعاً) (٢) . -٣ - أن يسعى ماشياً، فلو ركب أو حُمل لغير عذر وجب عليه دم كمن ترك السعي أصلاً.

стр. 458

سنن السعي: -١ - أن يستلم الحجر بنهاية الطواف قبل السعي، وأن يخرج إلى السعي من باب الصفا. -٢ - أن يَصْعَد على الصَّفا والمروة حتى يرى البيت، وأن يمكث على كل منهما قدر ما يقرأ سورة من الفصل، لما روى جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ قال: (ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرقي عليه حتى رأى البيت) (١) . ويكره ترك الصعود. -٣ - أن يقرأ قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ للحديث المتقدم. -٤ - أن يرفع يديه حُذْوَ منكبيه عند البَداءة. -٥ - أن يستقبل البيت ويهلّل ويصلي على النبي ﷺ بصوت مرتفع، وأن يدعو بالدعاء التالي: "الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. لا إله إلا الله أهل التكبير والتحميد والتهليل. لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. فله الملك وله الحمد". فإذا نزل من الصفا قال: "اللهم يسِّر لي اليُسرى وجنِّبني العُسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى". ويقول على المروة مثل ما قال على الصفا. ودليل ذلك حديث جابر ﵁ قال: (فبدأ بالصفا، فرقي عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ثم دعا بين ذلك. قال: مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة) (٢) . ويقول في السعي: "رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم". -٦ - يسن الإكثار من التكبير والتسبيح والتهليل، لما روت عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله) (٣) . -٧ - يسن الرمل بين الميلين الأخضرين، لحديث جابر ﵁ قال: ( ... ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه رمل في بطن الوادي، حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة، فصنع على المروة مثل ما صنع على الصفا) (٤) . -٨ - الموالاة بين السعي والطواف، فلا يجب السعي فوراً بعد الطواف، فلو أخرَّه لعذر أو ليستريح فلا بأس عليه. ودليل ذلك ما روي عن ابن عمر ﵄ قال: (قدم النبي ﷺ ، فطاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين، فطاف بين الصفا والمروة سبعاً: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ ) (٥) ، كما تسن الموالاة بين مرات السعي، فلو أقيمت الصلاة أثناء السعي قطع سعيه وصلى ثم عاد وبنى على ما سعى ولا يعيد. -٩ - يسن للساعي الطهارة من الحدثين، كما يندب له صلاة ركعتين بعد السعي.

стр. 459

ثانياً - الوقوف بمزدلفة: وقته: بعد فجر يوم النحر حتى طلوع الشمس. فيصلي الإمام بالناس الصبح بَغَلس ثم يقف والناس معه. والمزدلفة كلها موقف إلا بطن مُحَسِّر لما روي عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (كل مزدلفة موقف وارتفعوا عن بطن محسِّر) (١) .

стр. 460

دليل الوجوب: أ - عمل الرسول ﷺ ، فقد روى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها) وفي رواية: وقال: (قبل وقتها بغلس) (١) . وعن جابر ﵁ قال: ( ... ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبره وهلله ووحّدَه، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس) (٢) . ب - روي عن عروة بن مُضرِّس قال: أتيت النبي ﷺ بجمع فقلت: هل لي من حج؟ فقال: (من صلّى هذه الصلاة معنا، ووقف هذا الموقف حتى يفيض وأفاض قبل ذلك من عرفات ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه) (٣) . فقد علق به تمام الحج. وهو ليس ركناً اتفاقاً لأن رسول الله ﷺ قدَّم ضَعَفَة أهله بالليل، فعن أم حبيبة ﵂ قالت: (كنا نغلس على عهد رسول الله ﷺ من المزدلفة إلى منى) (٤) ، وعن ابن عباس ﵄ قال: (كنت فيمن قدم النبي ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله) (٥) ، ولو كان ركناً لما قدَّمهم. وإذا ترك الوقوف بمزدلفة لمرض أو كبر سِنّ أو لزَحْمة جاز ولا يجب عليه شيء. وإن تركه بلا عذر وجب عليه دم.

стр. 461

سنن الوقوف بمزدلفة: -١ - يسن المبيت في المزدلفة ليلة النحر، فيتوجه الحاج إليها بعد غروب شمس يوم عرفة، لما روي عن أسامة ﵁ قال: (كنت ردف النبي ﷺ ، فلما وقعت الشمس دفع رسول الله ﷺ (١) . -٢ - أن يصلي فيها المغرب جمعاً معه العشاء بأذان وإقامة واحدة، لما روي عن أشعث ابن سُليم عن أبيه قال: (أقبلت مع ابن عمر من عرفات إلى المزدلفة، فلم يكن يفتر من التكبير والتهليل حتى أتينا المزدلفة فأذن وأقام، أو أمر إنساناً فأذن وأقام، فصلى بنا المغرب ثلاث ركعات، ثم التفت إلينا فقال: الصلاة، فصلى بنا العشاء ركعتين ... فقيل لابن عمر في ذلك فقال: صليت مع رسول الله ﷺ هكذا) (٢) . وإن فصل بينهما أعاد بالإقامة للعشاء، لما روي عن أسامة بن زيد ﵁ قال: ( ... حتى قدمنا المزدلفة - أي مع النبي ﷺ فأقام المغرب ثم أناخ الناس في منازلهم، ولم يحلوا حتى أقام العشاء فصلى ثم حل الناس) (٣) . ولو صلى المغرب بعرفة أو في الطريق يعيدها إذا وصل مزدلفة لأنها غير جائزة، وإنما تنقلب جائزة بطلوع الفجر. -٣ - أن ينزل بجانب جبل قُزَح. -٤ - أن يجمع من المزدلفة سبعين حصاة بقدر حَبّ الباقلاَّء (٤) . -٥ - أن يكثر من التكبير والتهليل والاستغفار والصلاة على النبي ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ (٥) . -٦ - أن يقف عند المشعر الحرام فيذكر الله تعالى ويجتهد في الدعاء، لقوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ (٦) ، وللحديث المتقدم: ( ... حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وهلله ووحده) . ومن مأثور الدعاء قبل صلاة المغرب والعشاء: "اللهم إني أسألك أن ترزقني جوامع الخير، وأن تجعلني ممن سألك فأعطيته، ودعاك فأجبته، وتوكل عليك فكَفَيْتَه، وآمن بك فهدَيْتَه". فإذا فرغ من الصلاة يقول: "اللهم حرِّم لحمي وشعري ودمي وعظمي وجميع جوارحي على النار، يا أرحم الراحمين". ويسأل الله تعالى إرضاء الخصوم، فإن الله تعالى وعد ذلك لمن طلبه في هذه الليلة، فعن كنانة بن عباس بن مرداس السلمي: (أن النبي ﷺ دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة. فأجيب: إني قد غفرت لهم، ما خلا المظالم فإني آخذ للمظلوم منه. قال: أي رب! إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة، وغفرت للظالم. فلم يجبه عشيته. فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء. فأجيب إلى ما سأل. قال فضحك رسول الله ﷺ (٧) . ويدعو بعد صلاة الفجر فيقول بعد التلبية والتكبير والتهليل: "اللهم أنت خير مطلوب وخير مرغوب إليه، إلهي لكل وفد جائزة وقِرى، فاجعل اللهم جائزتي وقِراي في هذا المقام أن تتقبل توبتي وتتجاوز عن خطيئتي وتجمع على الهدى أمري. اللهم ارحمني، وأجرني من النار، وأوسع عليَّ الرزق الحلال. اللهم لا تجعله آخر العهد بهذا الموقف، وارزقنيه أبداً ما أحيَيْتَني برحمتك يا أرحم الراحمين". -٧ - أن يمشي بسكينة وهدوء عند الدفع من مزدلفة، لما روي عن جابر ﵁ قال: ( ... وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة السكينة) (٨) .

стр. 462

ثالثاً - رمي الجمار: وهي ثلاث: جمرة العقبة، والجمرة الوسطى، والجمرة الصغرى. -١ - رمي جمرة العقبة يوم العقبة: جمرة العقبة هي ثالث الجمرات على حد مِنَى من جهة مكة، وهي ليست من مِنَى، ويقال لها الجمرة الكبرى. وقت الرمي: يبدأ وقته من طلوع فجر يوم النحر، ويستمر حتى طلوع فجر أول يوم من أيام التشريق. فإن أخرَّه حتى فات وقته لزمه دم. وله وقت فضيلة: هو من طلوع الشمس إلى زوالها، لقوله ﷺ فيما رواه عنه ابن عباس ﵄: (لا تَرموا الجمرة حتى تطلع الشمس) (١) ، وعنه أيضاً: (أن النبي ﷺ كان يأمر نساءه وثقله من صبيحة جمع أن يفيضوا مع أول الفجر بسواد، وأن لا يرموا الجمرة إلا مصبحين) (٢) . ووقت الجواز: من الزوال إلى غروب الشمس، لما روي عن ابن عباس ﵄: (أن رجلاً قال للرسول ﷺ : رميت بعد ما أمسيت، فقال: لا حرج) (٣) . أما وقت الكراهة: فهو من فجر يوم النحر إلى طلوع الشمس، ومن الغروب إلى فجر يوم التشريق.

стр. 463

-٢ - رمي الجمرات الثلاث في أيام التشريق الثلاثة: يجب على الحاج أن يرمي في كل يوم: الجمرة الصغرى وهي مما يلي مسجد الخَيْف، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة، إن لم يتعجل في يومين، وإلا صح الرمي في يومين، لقوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه﴾ (١) .

стр. 464

وقت الرمي: أ - في يومي التشريق الأول والثاني: من الزوال لكل يوم إلى الغروب سنة، لما روي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (رأيت رسول الله ﷺ يرمي - على راحلته - يوم النحر ضحى، فأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس) (١) . ومن بعد الغروب حتى طلوع شمس اليوم الذي يليه من أيام التشريق: مكروه، لكن يعتبر أداء. أما من طلوع الشمس في اليوم الثالث إلى غروبها فيعتبر قضاء، فأخره إلى بعد الغروب سقط عنه وعليه دم. ب - في اليوم الثالث من أيام التشريق: من طلوع فجره إلى الغروب، إلا أنه يكره قبل الزوال.

стр. 465

شروط صحة الرمي: -١ - أن يكون المرمي به من جنس الأرض من حجر أو مَدَر أو طين، أو بما يصح التيمم به، فلو رمى كفاً من تراب أجزأه عن حصاة واحدة. -٢ - أن يرمي كل جمرة بسبع حصيات في كل يوم، وأن يقذف كل حصاة على حدة، فلو رماها دفعة واحدة لم تجزئ إلا عن واحدة. لما روي عن عائشة ﵂ قالت: (أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات..) (١) . ولا يشترط أن تصيب الحصيات الجمرة بل لو وقعت قريبة منها دون ثلاثة الأذرع صح ذلك، وإن لم يتأكد أعاد الرمي احتياطاً. ويلزمه صدقة لكل حصاة إذا لم يبلغ رمي يوم أو أكثره، فلو بلغ رمي يوم أو أكثره لزمه دم كأربع حصيات يوم النحر أو إحدى عشر فيما بعده. -٣ - ترتيب الجمار الثلاث أثناء الرمي في أيام التشريق، فيبدأ بالصغرى ثم الوسطى ثم العقبة. فإن عكس أعاد الوسطى والعقبة على قول الإمام محمد (وقال الإمام أبو حنيفة وصاحبه بسنيته) . ودليل الترتيب ما روي عن ابن عمر ﵄ (أنه كان يرمي الجمرة الدنيا، بسبع حصيات، يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يُسْهِل، فيقول مستقبل القبلة، فيقوم طويلاً، ثم يدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيُسْهِل، ويقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلاً، ويدعو ويرفع يديه، ويقوم طويلاً، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف، فيقول: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعله) (٢) .

стр. 466

سنن الرمي: -١ - أن يكون رمي الحصى المرمي به قدر حصى الخذف بمقدار الحُمُّصَة وقيل الفولة أو الأُنْمُلَة لما روى ابن عباس ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على راحلته: (هات اُلقط لي، فلقطت له حصيات هن حصى الخَذْف فلما وضعتهن في يده قال: بأمثال هؤلاء وإياكم والغُلُوَّ في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) (١) . -٢ - أن يكون الرمي برؤوس الأصابع، وذلك بأن يضع طرف إبهامه اليمنى على وسط السبَّابة ويضع الحصاة على ظاهر الإبهام. -٣ - أن يكون بين الرامي وبين الجمرة خمسة أذرع أو أكثر. -٤ - أن يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي، لحديث ابن عمر ﵄ المتقدم: (ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي) . -٥ - أن يقف عند جمرة العقبة بحيث تكون منى عن يمينه ومكة عن يساره، لما روي عن عبد الرحمن بن يزيد أنه حج مع عبد الله قال: (فرمى الجمرة بسبع حصيات وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه وقال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة) (٢) . -٦ - أن يقطع التلبية عند رمي أول حصاة، لما روي عن ابن عباس ﵄ أن الفضل أخبره (أن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة) (٣) . وأن يكبر مع كل حصاة عند الرمي ويقول: "الله أكبر رغماً للشيطان وحِزبه. اللهم اجعله حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً". لما روى زيد أبو أسامة قال: (رأيت سالم بن عبد الله يعني ابن عمر استبطن الوادي، ثم رمى الجمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة الله أكبر الله أكبر. اللهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً وعملاً مشكوراً. فسألته عما صنع فقال: حدثني أبي أن النبي ﷺ كان يرمي الجمرة في هذا المكان ويقول كلما رمى بحصاة مثل ما قلت) (٤) . -٧ - الموالاة بين الحصيات السبع. -٨ - غسل الحصى قبل الرمي بها ليتيقن طهارتها. -٩ - أن يقف عَقِب رمي كل من الجمرتين الصغرى والوسطى مهلِّلاً مكبِّراً داعياً بمقدار ما يقرأ سورة البقرة، أما عقب رمي جمرة العقبة فلا يقف، لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ (كان يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها) (٥) . -١٠ - أن يرمي الجمار ماشياً إلا جمرة العقبة فيجوز أن يرميها راكباً. وذلك لما روي عن ابن عمر ﵄ "أنه كان يأتي الجمار، في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر ماشياً ذاهباً وراجعاً. ويخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك" (٦) . ولما روي عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمه قالت: (رأيت رسول الله ﷺ عند جمرة العقبة راكباً ورأيت بين أصابعه حجراً فرمى ورمى الناس) (٧) .

стр. 467

مكروهات الرمي: -١ - أن تُرمى جمرة العقبة من فوق الوادي. -٢ - يكره أخذ الحصى من المرمى، لأنها حصى من لم تقبل حجته، لما روي عن ابن عباس ﵄ قال: "وكل به ملك ما تقبل منه رفع، وما لم يتقبل ترك" (١) ، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما تقبل منها يرفع ولولا ذلك لرأيتها مثل الجبال) (٢) . -٣ - يكره أخذ حجر وكسره سبعين حصاة. -٤ - يكره الرمي بحصاة متنجسة.

стр. 468

الاستنابة في الرمي: من كان مريضاً لا يستطيع الرمي، بحيث يجوز له أن يصلي الرفض قاعداً، يرمي عنه غيره. وكذا المغمى عليه. أما من تركه أو وكَّل به من غير عذر لزمه دم. ويكره للنائب أن يرمي عن غيره قبل أن يرمي عن نفسه الجمرات الثلاث. رابعاً - الحلق أو التقصير: دليله: قوله تعالى: ﴿لتدخُلُنَّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلِّقين رؤوسكم ومُقصِّرين﴾ (١) . ولما روي عن أنس ﵁ (أن رسول الله ﷺ أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر. ثم قال للحلاق خذ وأشار إلى جانبه الأيمن والأيسر، ثم جعل يعطيه الناس) (٢) . والحلق هو استئصال الشعر بأي وسيلة (موسى، أو نورة أو غيرهما) ، وإن كان أقرعَ أو لم ينبت الشعر في رأسه بعد، مرّ الموسى على رأسه. أما التقصير فهو أخذ مقدار أُنْملة من رؤوس شعر الرأس للرجل أو المرأة. المقدار الواجب حلقه أو تقصيره: ربع الرأس وإلا لم يجزئ.

стр. 469

سنن الحلق والتقصير: -١ - استيعاب الرأس كله بالحلق. -٢ - أن يذكر عند الحلق، فيكبر ويقول: "اللهم هذه ناصيتي فاجعل لي بكل شعرة نوراً يوم القيامة، يا أرحم الراحمين". -٣ - أن يبدأ باليمين، لحديث أنس ﵁ المتقدم: (وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر) . -٤ - أن يدفن الشعر بعد الحلق. -٥ - يستحب أخذ الشارب وقصّ الأظافر بعد الحلق أو التقصير، لما روي أن ابن عمر ﵄ كان إذا حلق في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه. ولما روي عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه عن أبيه ﵁ (أنه شهد النبي ﷺ عند المنحر هو ورجل من الأنصار، فقسم رسول الله ﷺ ضحايا فلم يصبه ولا صاحبه شيء. وحلق رأسه في ثوبه فأعطاه وقسم منه على رجال، وقلم أظفاره فأعطاه صاحبه ... ) (١) . والحلق للرجل أفضل، بدليل حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (اللهم ارحم المُحلِّقين، قالوا: والمقَصِّرين يا رسول الله؟ قال: اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين) (٢) . وأما المرأة فالتقصير لها أفضل، لما روى ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير) (٣) ، ولأن حلق شعر رأسها يُعد مُثْلَة في حقها.

стр. 470

خامساً - طواف الوداع (الصدر) : وهو واجب على الحاج الآفاقي بشرط كونِه مدركاً مكلفاً غير معذور. فلا يجب على المكي ولا على المعتمر مطلقاً ولا المحصر ولا المجنون ... الخ. ومن في حكمهم أي ممن كان داخل المواقيت، وكذا من نوى الاستيطان قبل حل النفر الأول فلا يجب عليهم بل يندب لأنه شرع لختم أفعال الحج. ويتحقق طواف الوداع بأكثره وهو أربعة أشواط، أما بقية الأشواط فهي سنة ويجب عليه في ترك كل شوط منها صدقة. ومن سافر قبل أن يطوف وجب عليه أن يعود إن لم يتجاوز الميقات بعد، فإن تجاوز الميقات وجب عليه دم (وهو الأَوْلى) أو العودة بإحرام جديد بعمرة من الميقات مبتدئاً بطوافها ثم يطوف طواف الوداع. وقته: أ - وقت جواز: بعد طواف الزيارة إذا كان عازماً على السفر حتى لو طاف كذلك ثم أطال الإقامة بمكة ولو سنة ولن ينو الإقامة جاز طوافه. ويكفي فيه أصل النية بلا لزوم تعيين كونه للصدر فلو طاف بعد إرادة السفر ونوى التطوع أجزأه عن الصدر كما لو طاف بنية التطوع في أيام النحر وقع عن الفرض. ب - وقت مستحب: عند إرادة السفر، لما روي عن ابن عباس ﵄ قال: كان الناس يطوفون في كل وجه، فقال رسول الله ﷺ : (لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت) (١) . وأما آخر وقته فليس بموقت ما دام مقيماً حتى لو أقام عاماً لا ينوي الإقامة فله أن يطوف ويقع أداء.

стр. 471

سقوطه: يسقط طواف الوداع عن الحائض والنفساء إن جاوزتا مسافة القصر قبل النّقاء، ولا يجب عليهما شيء. لحديث ابن عباس ﵄ قال: (أُمِرَ الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفِّف عن الحائض) (١) .

стр. 472

سنن طواف الوداع: -١ - إتمام الأشواط السبعة إذ الواجب أكثرها (أي أربعة أشوط) وبترك أقلها تلزمه صدقة. -٢ - الشرب من ماء زمزم والنية بشربه ما شاء، لقوله ﷺ فيما رواه عنه جابر ﵁: (ماء زمزم لما شُرِب له) (١) . -٣ - تقبيل عتبة باب الكعبة المرتفعة عن الأرض. -٤ - وضع الصدر والوجه على الملتزم، لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ يلزق وجهه وصدره بالملتزم) (٢) . كما يسن التشبث بأستار الكعبة والتضرع إلى الله تعالى بالدعاء بما أحب من أمور الدارين، ويكثر من البكاء، فإن لم يبك فليتباكَ لما روي عن ابن عمر ﵄ قال: (استقبل رسول الله ﷺ الحجر واستلمه، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلاً، فالتفت فإذا عمر يبكي فقال: يا عمر ههنا تسكب العبرات) (٣) . -٥ - المشي إلى ورائه ووجهه إلى البيت حتى يخرج من المسجد ونظره إلى الكعبة. ويستحب أن يقول في الوداع: "اللهم هذا بيتك الذي جعلته مباركاً وهدى للعالمين، فيه آيات بيّنات مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمناً. الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. اللهم فكما هديتنا فتقبله منا ولا تجعله آخر العهد من بيتك الحرام". سادساً - ذبح شاة للقارن والمتمتع. وسيأتي شرحه عند بحث الدماء إن شاء الله. سابعاً - الترتيب بين الرمي والحلق والذبح.

стр. 473

الباب الرابع (سُنَنْ الحّج وآدابه) .

стр. 474

قد فصل الحديث عن سنن كل ركن وواجب في الأبواب السابقة، وسنذكر فيما يلي سنن الحج غير المتعلقة بالأركان والواجبات. -١ - طواف القدوم: لمن دخل مكة محرماً بالحج أو قارناً، وهو سنة للآفاقي لا للمكي ولا لأهل المواقيت، ويسمى طواف التحية لما روي عن عائشة ﵂ قالت: (إن أول شيء بدأ به وضع حين وقدم النبي ﷺ أنه توضأ وطاف) (١) . ويسن فيه الرمل والاضطباع إن أراد السعي بعده. ومن تركه فقد أساء. ويسقط إذا وقف بعرفة ساعة قبل دخوله مكة.

стр. 475

-٢ - المبيت في منى ليالي التشريق: وهو سنة لفعل النبي ﷺ . ويكره أن يبيت في غيرها متعمداً، لما روى ابن عباس ﵄ قال: (لم يرخص النبي ﷺ لأحد أن يبيت بمكة إلا للعباس من أجل السقاية) (١) . ولكن لا يلزمه شيء بترك المبيت ما دام قد أدى الرمي في وقته.

стр. 476

-٣ - أن يشرب من ماء زمزم، لحديث ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ جاء إلى السقاية فاستسقى، فقال العباس: يا فضل، اذهب إلى أمك، فأت رسول الله ﷺ بشراب من عندها. فقال: اسقني. قال: يا رسول الله، إنهم يجعلون أيديهم فيه. قال: اسقني. فشرب منه، ثم أتى زمزم، وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: اعملوا، فإنكم على عمل صالح) (١) . ويستحب أن يتنفس في الشرب ثلاث مرات، وينظر إلى البيت ويقول: "بسم الله والحمد لله والصلاة على رسول الله ﷺ "، ويدعو ويقول في المرة الأخيرة: "اللهم إني أسألك رزقاً واسعاً وعلماً نافعاً، وشفاء من كل داء وسقم، يا أرحم الراحمين"، وذلك لما روي عن عثمان بن الأسود قال: جاء رجل إلى ابن عباس ﵄ فقال: "من أين جئت؟ فقال: شربت من زمزم. فقال له ابن عباس: أشربت منها كما ينبغي؟ قال: وكيف ذاك يا أبا عباس؟ قال: إذا شربت فاستقبل القبلة واذكر اسم الله وتنفس ثلاثاً وتضلع منها فإذا فرغت فاحمد الله، فإن رسول الله ﷺ قال: (آية بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم) (٢) . وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ماء زمزم لما شرب له، فإن شربته تستشفي به شفاك الله، وإن شربته مستعيذاً عاذك الله، وإن شربته ليقطع ظمأك قطعه) (٣) . وكان ابن عباس ﵄ إذا شرب ماء زمزم قال: "اللهم أسألك علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاء من كل داء" (٤) . ويستحب أن يمسح وجهه ورأسه بماء زمزم، ويصب على رأسه إن أمكن.

стр. 477

-٤ - ثلاث خطب يلقيها إمام الحج أو نائبه، وهي: أ - يوم السابع من ذي الحجة، لما روى ابن عمر ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا كان قبل التروية خطب الناس فأخبرهم بمناسكهم) (١) . ب - يوم عرفة بنمرة، لما روى جابر ﵁ في حديثه الطويل في صفة حجه ﷺ قال: ( ... حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها.. فخطب الناس) (٢) . جـ _ يوم النفر الأول بمنى، لحديث عبد الله بن أبي نجيح عن أبيه عن رجلين من بني بكر، قالا: (رأينا رسول الله ﷺ يخطب بين أوسط أيام التشريق، ونحن عند راحلته. وهي خطبة رسول الله ﷺ التي خطب بمنى) (٣) .

стр. 478

-٥ - التلبية عند التحول من حال إلى حال، كركوب أو صعود أو هبوط، أو إقبال ليل أو نهار. -٦ - المبادرة بطواف الإفاضة بعد رمي جمرة العقبة، لما روى جابر ﵁ في حديثه الطويل: (.. رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر فنحر ... ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر) (١) .

стр. 479

-٧ - الإكثار من الصلاة والطواف والاعتكاف في المسجد الحرام. -٨ - يسن لمن نفر من منى إلى مكة أن يقف بالمُحَصَّب ساعة يدعو الله، لما روي عن نافع "أن ابن عمر كان يرى التحصيب سنة" (١) .

стр. 480

-٩ - يسن النفر الثاني وهو آخر أيام التشريق اقتداء بفعله ﷺ ، ولقوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه﴾ (١) فالتخيير بين الفاضل والمفضول كما في المسافر يخير بين الصوم والإفطار والصوم أفضل.

стр. 481

-١٠ - أن يوقع النية في أشهر الحج ويكره قبلها. آداب الحج: -١ - أن يبدأ بالتوبة قبل الخروج للحج. -٢ - أن يودع أهله وولي أمره ويستأذنه، لما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه استأذن النبي ﷺ في العمرة فقال: (أي أخي أشركنا في دعائك ولا تنسنا) (١) . -٣ - أن يخرج يوم الخميس، لما روى كعب بن مالك ﵁ قال: (قلما كان رسول الله ﷺ يخرج في سفر إلا يوم الخميس) (٢) . -٤ - أن يحافظ على الطهارة. -٥ - أن يتوسع بالنفقة. -٦ - أن يكثر من الصدقات.

стр. 482

الباب الخامس [أوجه تأدية الحج، التحلل، الحج عن الغير]

стр. 483

الفصل الأول: أوجُه تأدَية الحَجّ

стр. 484

أوجه تأدية الحج ثلاثة وهي: القران، التمتع، الإفراد. والدليل على جواز هذه الأوجه الثلاثة: ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: (خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حَجّة الوداع، فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهل بحجة وعمرة، ومنا من أهلّ بالحج، وأهل رسول الله ﷺ بالحج، فأما من أهلّ بالحج، أو جمع الحج والعمرة، لم يحِّلوا حتى كان يوم النحر) (١) . وأفضل هذه الوجوه القران، ثم التمتع، ثم الإفراد. فالقران أفضل الوجوه والأدلة على ذلك: -١ - قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (٢) ، وفسر العلماء إتمامها بالإحرام بها من دويرة أهله، لما روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في قوله : ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ قال: (من تمام الحج أن تحرم من دويرة أهلك) (٣) ، وهذا لا يتحقق إلا إذا أهلَّ بهما معاً. -٢ - ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ بوادي العقيق يقول: (أتاني الليلة آتٍ من ربي فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عُمرة في حجة) (٤) . وعن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لبيك بعمرة وحج) (٥) . -٣ - عمل الرسول ﷺ في حجته فقد صدر بنسكين معاً، فعن مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان وعلياً ﵄، وعثمان ينهى عن المتعة، وأن يُجمع بينهما، فلما رأى عليُّ أهلَّ بهما: لبيك بعمرة وحجة، قال: "ما كنت لأَدع سُنَّة النبي ﷺ لقول أحد" (٦) . -٤ - ولأن القران جمعاً بين عبادتين، وتعجيلاً بالإحرام واستدامة له إلى الفراغ من أعمال الحج.

стр. 485

أولاً - القران: معناه: لغة: الجمع بين شيئين. شرعاً: أن يهلّ بالعمرة والحج معاً من الميقات أو من دويرة أهله: حقيقة أو حكماً. ولا يكون القران إلا للآفاقي. ويكون القران بالإهلال حقيقة، بأن ينوي الحج والعمرة معاً فيقول: اللهم إني أريد الحج والعمرة فيسرهما لي وتقبلهما مني. لبيك اللهم بعمرة وحجة معاً. ويكون القران بالإهلال حكماً، بأن يدخل الحج على العمرة قبل أن يطوف أكثر طواف العمرة، أو يدخل العمرة على الحج قبل طواف القدوم. كيفيته: إذا دخل مكة طاف للعمرة أولاً ثم يسعى لها، ثم تبدأ أفعال الحج فيطوف للحج طواف القدوم ثم يسعى له. ويقدم أفعال العمرة دائماً على أفعال الحج، إلا أنه لا يحلق للعمرة حتى يوم النحر، لأن ذلك جناية على إحرام الحج. فعن عائشة ﵂ قالت: (خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة. ثم قال رسول الله ﷺ : من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل منهما جميعاً) (١) . ولا تداخل في أفعال الحج والعمرة بل لابد من إتمام أفعال كل منهما.

стр. 486

دم القران: يجب على القارن دم القران، وهو دم شكر لله تعالى فيذبح الهدي ويأكل منه، ويختص الذبح للقارن والمتمتع بأيام النحر الثلاثة وأفضلها أولها. فإن لم يجد صام ثلاثة أيام ولو متفرقة في الحج، ويندب أن يكون آخرها يوم عرفة، وسبعة بعد تمام أيام الحج وهي نهاية أيام التشريق، سواء في مكة أم بعد رجوعه إلى وطنه، لأن معنى قوله تعالى: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾ (١) : إذا فرغتم من أيام الحج. فإن لم يصم ثلاثة أيام قبل الوقوف بعرفة تحتم الدم في حقه، فإذا مضت أيام النحر ولم يقدر على الذبح تحلل وعليه دمان: دم القران ودم لتقديم الحلق على الذبح. وإذا صام الأيام الثلاثة قبل يوم عرفة ثم قدر على الدم أيام النحر قبل الحلق، بأن وصلت إليه أموال، وجب الدم في حقه، أما لو قدر على الدم بعد الحلق لم يلزمه شيء لأن التحلل قد حصل.

стр. 487

ثانياً - التمتع: معناه: لغة: من المتاع أو المتعة. شرعاً: أن يفعل العمرة في أشهر الحج في سنته وفي السفر نفسه. كيفيته: يدخل المكلف مكة بعمرة فيطوف لها ويسعى ثم يحلق ويتحلل، ويبقى في مكة حتى يوم التروية فيحرم بالحج من الحرم، ثم يخرج إلى منى وعرفات، ويرجع يوم النحر إلى مكة فيطوف طواف الركن ويرمل فيه، ثم يسعى بعده إن لم يكن طاف وسعى قبل خروجه إلى عرفات. ودليل ذلك ما روي عن جابر ﵁: أنه حج مع النبي ﷺ يوم ساق البدن معه، وقد أهلوا بالحج مفرداً، فقال لهم: (أحِلّوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة، وقصروا، ثم أقيموا حلالاً، حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة) (١) .

стр. 488

دم التمتع: يجب على المتمتع دم إذا تحقق تمتعه بشروط: -١ - أن يكون قد أدى العمرة في أشهر الحج. -٢ - أن يكون الحج والعمرة في سنة واحدة، أي أدى العمرة أولاً ثم أحرم بالحج. ولا يسقط دم التمتع بخروج المتمتع من الحرم ومجاورته للميقات، إلا إذا ألم بأهله إلماماً صحيحاً؛ وذلك برجوعه إلى بلده بعد أداء عمرته ثم حج من عامه. أما لو أتى الآفاقي بالعمرة في أشهر الحج ثم ذهب إلى المدينة ثم حج بعد ذلك من عامه لم يبطل تمتعه وعليه دم. وإذا نوى الإقامة بعد أداء عمرته ثم حج من سنته، فيكون متمتعاً وعليه دم. أما لو نوى الاستيطان الدائم بعد أداء العمرة فلا يكون متمتعاً. ودم التمتع كدم القران لا يصح قبل يوم النحر. فإن لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم النحر، وتصح بعد إحرامه بالعمرة إلى يوم عرفة والأفضل تأخيرها ليكون آخر يوم منها يوم عرفة، فلو أخرها عن يوم النحر لم يجز وثبت في حقه الدم؛ لأنه لا يجوز صومها أيام النحر ولا تصح بعدها. فإن صام ثلاثة أيام قبل يوم النحر صام سبعة بعد إتمام الحج. وأصل ذلك قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة﴾ (١) . وإذا أحرم بالعمرة وساق الهدي صح لكنه لا يتحلل حتى يوم النحر، فيذبح هديه ويتحلل يوم النحر، ويختلف بذلك عن القارن أنه إذا جنى جناية بعد إتمام أعمال العمرة والدخول بالحج فعليه دم واحد بخلاف القارن فعليه دمان.

стр. 489

ثالثاً - الإفراد: وهو أن يدخل مكة محرماً بالحج فقط، فيؤدي أركان الحج وواجباته، وعندما تنتهي أفعال الحج وتنتهي أيام التشريق، يحرم بالعمرة من التنعيم أو من أي مكان من الحل، ثم يطوف ويسعى ويحلق ثم يتحلل ولا يلزمه شيء.

стр. 490

الفصل الثاني: التحلل

стр. 491

للحج تحللان، يحصل الأول برمي جمرة العقبة ثم الحلق، والثاني يحصل بطواف الإفاضة (١) . هذا بالنسبة للحاج المفرد. ويحل بالتحلل الأول كل محرمات الإحرام، إلا النساء. ومتى طاف بعد ذلك حلت له النساء. ودليل ذلك ما روي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا رميتم الجمرة فقد حللتم من كل شيء كان عليكم حراماً إلا النساء، حتى تطوفوا بالبيت) (٢) . أما الحاج المتمتع أو القارن فيحصل له التحلل الأول بالرمي ثم الذبح ثم الحلق. فإن طاف بعد ذلك حلّ له النساء.

стр. 492

الفصل الثالث: الحَجّ عن الغير

стр. 493

هل يسقط الفرض بالنيابة: قسم العلماء العبادات من هذه الناحية إلى أنواع: -١ - العبادات المالية المحضة، كالزكاة وصدقة الفطر والعشر والنفقات: قالوا تصح فيها النيابة مطلقاً، لأن المقصود منها إيصال المال إلى الفقراء؛ وهو حاصل بفعل الإنابة وينوي المستنيب عند الدفع إلى النائب. -٢ - العبادات البدنية المحضة: لا تصح فيها النيابة مطلقاً لأن المقصود منها الابتلاء والمشقة وإتعاب النفس بأفعال مخصوصة؛ وهذه لا تتحقق بفعل النائب كالصلاة والصوم. -٣ - العبادات المالية والبدنية معاً كالحج والقياس أن لا تجزئ فيها النيابة، لكنه تعالى رخص في إسقاط فرض الحج عن المكلف بالنيابة عند العجز المستمر إلى الموت أو بعد الموت بأن أوصى أو تبرع عنه وارثه رحمة منه وفضلاً، بأن يتكلف المكلف المال ويقوم بالحج نائبه؛ فتقع الحجة فرضاً للمنيب ونفلاً للمأمور. والدليل على ذلك ما روي عن ابن عباس ﵄: أن امرأة من جهينة، جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: (نعم. حجي عنها. أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء) (١) . وروى ابن عباس ﵄ أيضاً قال: جاءت امرأة من خثعم عام حجة الوداع، قالت: (يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج، أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال: نعم) (٢) .

стр. 494

شروط قبول الحج عن الغير: -١ - أن يكون الحج عن ميت، أو عاجزاً عجزاً مستمراً إلى الموت؛ فلو قدر على الحج بعد أن يحج عنه غيره لزمته الإعادة، إلا أن يكون زَمِناً أو أعمى فلا تلزمه الإعادة بالبرء بل يسقط عنه الفرض مطلقاً. -٢ - أن يُدخِل المستناب نية الحج عن الغير في نيته فيقول: أحرمت عن فلان بحجة لبيك اللهم بحجة عن فلان لبيك. ويقول بعد صلاة ركعتي الإحرام: اللهم إني أريد الحج عن فلان فيسره لي وتقبله مني ومن فلان. وتكفي نية القلب. -٣ - أن يأمر المحجوج عنه بذلك: فلا يقع فرض الحج لو حج إنسان عن غيره بدون إذنه، إلا الوارث فيحج عن مورثه. -٤ - أن يكون المأمور أهلاً للحج ولو امرأة أو عبداً. ولا يشترط له أن يكون حج عن نفسه حجة الفرض (١) . وإن أوصى رجل بحجة مطلقاً، فيجل على الورثة إخراج نفقة الحج من منزله لأنه المتعارف، إلا أن تكون النفقة قليلة لا تكفي فمن حيث تبلغ. وإذا أحصر المأمور كان دم الإحصار على الآمر، أما دم التمتع والقران والجنايات فهي على المأمور إن أذِن له الآمر بالتمتع أو القران. وإذا أفسد المأمور حجه لزمه الضمان.

стр. 495

هل يجب على العاجز أن يوصي أن يحج عنه: -١ - إذا قدر على الحج فوجب عليه ولم يحج ثم عجز، يجب عليه أن ينيب من يحج عنه اتفاقاً. -٢ - إذا لم يقدر على نفقة الحج حتى عجز فأدركته فريضة الحج عاجزاً، اختلف فيه على قولين: أ - قال الإمام: لا يجب عليه أن ينيب، لأن صحة البدن شرط لوجوب الحج. ب - قال الصاحبان: يجب عليه أن ينيب، لأن صحة البدن عندهما شرط لوجوب الأداء. وتصح النيابة في النفل مطلقاً. تعقيب: هل يصح أن يهب الإنسان ثواب عمله؟ يصح مطلقاً أن يعمل الإنسان ويتعبد ويهب الثواب لغيره، فيكون الثواب له ولغيره، سواء نوى العمل أو نواه لنفسه ثم وهبه. وخالف المعتزلة مستدلين بقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ (١) . وأجيب بأن هذا النص خاص فيما إذا لم يهبه، فإذا تبرع صاحب العمل فوهبه يصل ثوابه سواء كان الموهوب له حياً أو ميتاً. والأدلة على ذلك كثيرة وبلغت مبلغ التواتر: فقد روي أن رسول الله ﷺ ضحى بكبشين أملحين واحد لنفسه وواحد عن أمته. وروي عن مالك بن ربيعة الساعدي قال: بينا نحن عند رسول الله إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: (نعم، الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما) (٢) . وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا تصدق بصدقة تطوعاً فليجعلها عن أبويه، فيكون لهما أجرها ولا ينتقص من أجره شيئاً) (٣) . وروي عن معقل بن يسار قال: قال النبي ﷺ : (اقرؤوا يس على موتاكم) (٤) .
следующие страницы →