Полный текст (442 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
رب يسر وأعن يَا ألله
الْحَمد لله الَّذِي من علينا بتوحيده وَجَعَلنَا من أفضل عبيده الَّذِي جنبنا الْأَهْوَاء المذلة والآراء المضلة أرانا الْحق إِذْ هدَانَا لبرهانه وَدَلِيله وَأظْهر لنا الْبَاطِل وتفضل علينا بالعدول عَن سَبيله نحمده بمحامده الَّتِي لَا تحصى ونشكره على الْآيَة الَّتِي لم تزل تترى ونسأله الصَّلَاة على نجبه من كَافَّة الورى أنبيائه وَرُسُله أَئِمَّة الْهدى وخصوصا الْمَبْعُوث إِلَى الثقلَيْن الْمفضل على الْعَالمين الْمُؤَيد بِالْآيَاتِ الصادعة والبراهين القاطعة موضح الْحق بواضحات الدَّلَائِل ومرهق الْكفْر وَالْبَاطِل صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله الطيبين وعَلى جَمِيع النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ ورضى الله عَن خلفائه الرَّاشِدين وَعَن صحابته أَجْمَعِينَ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدّين
أما بعد
فقد وقفت وفقك الله على كتاب كتب بِهِ بعض المنتحلين لدين الْملَّة النَّصْرَانِيَّة سَمَّاهُ كتاب تثليث الوحدانية بعث بِهِ من طليطلة أَعَادَهَا الله إِلَى مَدِينَة قرطبة حرسها الله متعرضا فِيهِ لدين الْمُسلمين نائلا فِيهِ من عِصَابَة الْحق الْمُوَحِّدين سَائِلًا عَمَّا لَا يعنيه ومتكلما بِمَا لَا يدريه فأمعنت النّظر فِيهِ فَإِذا بالمتكلم يهرف بِمَا لَا يعرف وينطق بِمَا لَا يُحَقّق نَاقض وَلم يشْعر وعمى من حَيْثُ يظنّ أَنه يستبصر ﴿أم تحسب أَن أَكْثَرهم يسمعُونَ أَو يعْقلُونَ إِن هم إِلَّا كالأنعام بل هم أضلّ﴾ يلحن إِذا كتب ويعجم مَتى أعرب ... وَذي خطل فِي القَوْل تحسب أَنه
مُصِيب فَمَا يلمم بِهِ فَهُوَ قَائِله ...
دلّ بقوله على ضعف عقله وبمكاتبته على سوء محاولته تعاطى دَرَجَة النظار وسود بأباطيله ذَلِك الطومار ليستزل بِهِ الأغبياء
стр. 2
الأغمار وَيحصل بذلك على مآكله شنار ﴿فويل لَهُم مِمَّا كتبت أَيْديهم وويل لَهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ وليته إِذا ادّعى النّظر سلك طَرِيقه وألتزم شُرُوطه فاعترف بالبديهيات وَلم ينظر الضروريات الَّتِي هِيَ أصُول النظريات وَلَكِن حل من عُنُقه ربقة الْعُقُول فَهُوَ فِي كل جَهَالَة يجول وإليها يَدْعُو وَبهَا يَقُول فليته لَو دفن من عواره مَا كَانَ مسطورا وَلَكِن كَانَ ذَلِك عَلَيْهِ فِي الْكتاب مسطورا ... وَإِن لِسَان الْمَرْء مَا لم تكن لَهُ
حَصَاة على عوراته لدَلِيل ...
فاستخرت الله تَعَالَى فِي جَوَابه على تَخْلِيط مَعَانِيه وتثبيج خطابه بعد أَن أَقُول لَهُ اعْلَم يَا هَذَا إِن الْبُغَاة بأرضنا لَا تستنسر والتمييز عندنَا بَين الْفضة والقصة متيسر وَهَا أَنا إِن شَاءَ الله تَعَالَى أجاوبك على مَا كتبت حرفا حرفا وَأبين فَسَاده الَّذِي لَا يكَاد يخفى على أَنهم لَو فتح عَلَيْهِم بَابا من السَّمَاء ﴿فظلوا فِيهِ يعرجون لقالوا إِنَّمَا سكرت أبصارنا بل نَحن قوم مسحورون﴾ فَكيف لَا وَقد ركبُوا من اسْتِحَالَة الإتحاد والتثليث والحلول مَا يدْرك فَسَاده بضرورة الْعُقُول وَقد قَالُوا فِي الآب والإبن والأقانيم مَا تمجه بفطرته الأولى كل ذِي فهم مُسْتَقِيم وَلَا يَتَّسِع لقبوله قلب ذِي عقل سليم ... وَمن كَانَ اللعين لَهُ لِسَانا
فَكل جداله زور ونكر
فَكل مقالهم إفْك وزيغ
وَنَصّ كِتَابهمْ شرك وَكفر ...
وَمن أعظم مَا ظهر عَلَيْهِم من الْفَاسِد فصرفوا لذَلِك عَن التَّوْفِيق والرشاد إنكارهم مَا يدل على نبوة نَبينَا من المعجزات وواضح الدلالات وَقد قاربت الضرورات حَتَّى أَنْكَرُوا مَا جَاءَ فِي كتبهمْ من الْإِعْلَام على نبوته وَإِيجَاب إتباع شَرِيعَته فَلَقَد كانو يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم ويعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم وسأذكر إِن شَاءَ الله تَعَالَى مَا وَقع فِي أَنَاجِيلهمْ من وَصفه وصحيح نَعته وَلما تبين للعقلاء عنادهم سقط لذَلِك إرشادهم وَوَجَب حملهمْ على السَّيْف وجهادهم فقد يفعل الله بِالسَّيْفِ وَاللِّسَان مَا لَا يفعل بالبرهان وَمن كَلَام الْحُكَمَاء يزغ الله بالسلطان مَالا يزغ بِالْقُرْآنِ فَأَعْرض الْعُقَلَاء عَنْهُم
стр. 3
واكتفوا من الرَّد عَلَيْهِم بحكاية مَذْهَبهم ووكلوا النَّاظر فِيهِ لظُهُور تناقضه وَفَسَاد مَعَانِيه
وَقد كنت عزمت على الإقتداء بالعقلاء فِي الْإِعْرَاض حَتَّى أَكثر هَذَا الْمُتَكَلّم من التَّعَرُّض والإعتراض فَتعين لذَلِك الْجَواب وَأَنا أسأَل الله التَّوْفِيق للصَّوَاب ومجانبة الْخَطَأ وَمَا يُوجب العتاب أَنه ولى التَّوْفِيق وَهُوَ بإجابة السَّائِلين حقيق
فصل لتعلم يَا هَذَا المنتسب لدين الْمَسِيح أَنى أجاوبك إِن شَاءَ الله تَعَالَى بمنطق عَرَبِيّ فصيح أسلك فِيهِ مَسْلَك الأنصاف وأترك طَرِيق التعصب والإعتساف على أَن كلامك لَا يسْتَحق الإصغاء إِلَيْهِ وَلَا الْجَواب عَنهُ لِأَنَّك لَا تحسن السُّؤَال وَلَا تعرف تَرْتِيب الْمقَال بل تَقول مَا لَا تفهم وتكتفي بأنك تَتَكَلَّم وَلكَون كلامك هَذَا كثير الْغَلَط ظَاهر التَّنَاقُض والشطط وَأَنت مَعَ ذَلِك لَا تعرف مَذَاهِب النَّصَارَى الْمُتَقَدِّمين الَّذين كَانُوا بِنَوْع نظر مُتَمَسِّكِينَ وَإِن كَانُوا عَن مَذْهَب الْحق ناكبين حَتَّى أَنهم لَو سمعُوا كثيرا مِمَّا ذكرته لتبرأوا عَنهُ ولأنفوا مِنْهُ إِذْ لَا ينْسب أَكثر ذَلِك إِلَى من تكايس مِنْهُم وَلَا يرْوى بِحَال عَنْهُم على أَنهم فِي أصُول عقائدهم مُخْتَلفُونَ وَفِي ورطة الْجَهْل مرتبكون وسنبين لَك ذَلِك كُله إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَلما تبين ذَلِك مِنْك أعرض الْمُسلمُونَ عَن جوابك ونزهوا أنفسهم عَن خطابك إِذْ الْأَعْرَاض عَن الْجَاهِلين شرعة رب الْعَالمين على لِسَان سيد الْمُرْسلين وَأَيْضًا فَمن لم يعرف شُرُوط النّظر وَلم يسْلك مسالك الْبَحْث والعبر فَالْكَلَام مَعَه ضرب فِي حَدِيد بَارِد وَعمل لَيْسَ لَهُ جدوى وَلَا عايد
وَلما أَعرضُوا عَنْك لجهالتك تبجحت بذلك عِنْد عصابتك فَظَنَنْت أَن سكوتنا عَنْك إِنَّمَا هُوَ لرهبة مِنْك حَتَّى لقد أبلغتنا عَنْك نكرا وَقلت فِي كتابك هَذَا فحشا وهجرا فَنحْن وَإِيَّاك كَمَا قَالَ ... سكت عَن السَّفِيه فَظن أَنى
عييت عَن الْجَواب وَمَا عييت ...
فَعظم هَذَا الْأَمر حِين نمى خَبره إِلَى مَعَ أَنه رغب إِلَى فِي ذَلِك جمَاعَة من الإخوان فَصَارَ ذَلِك على كَأَنَّهُ من فروض الْأَعْيَان فاغتنمتها
стр. 4
فرْصَة وسررت بهَا قصَّة لعلمي أَن النكاية فِي الْعَدو بالبرهان وَاللِّسَان أوقع من نكاية السَّيْف والسنان
والرجا من مَالك الدَّاريْنِ الْجمع بَين الْأَمريْنِ واحراز أجر العملين على أَنى لَا أتعرضهم بقزع السباب وَلَا أنزل مَعَهم إِلَّا إعتذار وعتاب وَإِنَّمَا هُوَ إِظْهَار جهلهم وتناقض مَذْهَبهم وَقَوْلهمْ
فأذكر كَلَام هَذَا السَّائِل كَمَا بَلغنِي وَأبين من خطئه وتناقضه مَا شَاءَ الله أَن يفهمني فأناقشه فِي لَفظه وَأظْهر سوء نَقله وَحفظه
فَتَارَة أسأله وَأُخْرَى أجاوبه ليعلم أَن النَّاقِد بَصِير والباحث خَبِير وليتبين عيه وجهله للكبير وَالصَّغِير ثمَّ من بعد الْفَرَاغ من تتبع كَلَامه أعطف بالمناظرة على أقسته ورهبانه فأحكى مذاهبهم كَمَا دونوها فِي كتبهمْ وعَلى مَا تلقفوها من أسقاقفتهم ثمَّ أسبرها على محك الْعرض وَأبين بعض مافيها من الْفساد والنقض وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل
وَقد استخرت الله تَعَالَى فِي أَن أجمل هَذَا الْكتاب على صدر وَأَرْبَعَة أَبْوَاب
الْبَاب الأول فِي الْكَلَام على الأقانيم الْبَاب الثَّانِي: فِي الِاتِّحَاد والحلول
الْبَاب الثَّالِث فِي الْكَلَام على النبوات وَإِثْبَات نبوة نَبينَا ﵊
الْبَاب الرَّابِع فِي جمل من فروع أحكامهم أبين فِيهَا أَن لَيْسَ لَهُم فِي أحكامهم مُسْتَند إِلَّا مَحْض الْهوى والتحكم واللدد
وكل بَاب من هَذِه الْأَبْوَاب يتَضَمَّن فصولا وَأَنا أسأَل الله تَعَالَى أَن يُطلق ألسنتنا بِالْحَقِّ وَالْحكمَة ويخرسها عَن الْبَاطِل والفتنة أَنه ذُو الْفضل وَالنعْمَة وَالْعَفو وَالرَّحْمَة
стр. 5
صدر الْكتاب
نذْكر فِي هَذَا الصَّدْر كَلَام هَذَا السَّائِل فِي خطْبَة كِتَابه وَالْجَوَاب عَلَيْهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فصل
فِي حِكَايَة كَلَام السَّائِل فِي خطْبَة كِتَابه
قَالَ كتاب تثليث الوحدانية فِي معرفَة الله ثمَّ قَالَ الْحَمد لله بَالغ القوى الَّتِي فطرنا عَلَيْهَا وأمرنا بِحَمْدِهِ فَنحْن نحمده ونشكره ونعظمه بِمثل تعارفنا فِي الْحَمد وَالشُّكْر والتعظيم لملوكنا وَأهل الرهبة من ذَوي السُّلْطَان منا فرضا لَهُ شاكرين حامدين معظمين غير واقفين على ذَاته وَلَا مدركين لشَيْء مِنْهُ وَإِنَّمَا نقع على أَسمَاء أَفعاله فِي خليقته وتدبيره فِي ربوبيته
الْجَواب عَن تَرْجَمته أما قَوْله تثليث الوحدانية فَكَلَام متناقض لفظا وفاسد معنى بَيَان ذَلِك أَن قَوْله تثليث الوحدانية كَلَام مركب من مُضَاف ومضاف إِلَيْهِ وَلَا يفهم الْمُضَاف مَا لم يفهم الْمُضَاف إِلَيْهِ فَأَقُول لفظ الوحدانية مَأْخُوذ من الْوحدَة وَمَعْنَاهَا رَاجع إِلَى نفى التَّعَدُّد وَالْكَثْرَة فَهِيَ إِذن من أَسمَاء السلوب فَإِذا وَصفنَا بهَا مَوْجُودا فقد نَفينَا عَنهُ التَّعَدُّد وَالْكَثْرَة والتثليث مَعْنَاهُ تعدد وَكَثْرَة فَإِذا أضَاف هَذَا الْقَائِل التَّثْلِيث للوحدة فَكَأَنَّهُ قَالَ تَكْثِير مَالا يتكثر وتكثير مَالا يتكثر بَاطِل بِالضَّرُورَةِ فَأول كلمة تكلم بهَا هَذَا السَّائِل متناقضة وباطلة بِالضَّرُورَةِ
وَأما قَوْله فِي معرفَة الله فَقَوْل لم يحط بِمَعْنَاهُ وَلَا فهم مُسَمَّاهُ وَإِلَّا فَمَا حد الْمعرفَة وَكم أقسامها وَهل يَصح أَن تكون مكتسبة لنا وَهل يجوز عقلا أَن يكلفنا بهَا الْأَنْبِيَاء وَإِن جَازَ ذَلِك فَمَا طَرِيق تَحْصِيلهَا
ثمَّ هول بِهَذَا اللَّفْظ وأوهم أَنه حصل مِنْهَا على حَظّ فَإِن كَانَ دليلك يَا هَذَا على معرفَة الله تَعَالَى مَا ضممته كتابك فابك على مصابك واقرع
стр. 6
أسفا على عقل نابك فَإِن الْوَاقِف على مَعْنَاهُ المقتحم لفحواه علم على الْقطع والقط أَنَّك لم تعرف الله تَعَالَى قطّ لِأَنَّك لم تذكر فِيهِ دَلِيلا صَحِيحا نعم وَلَا قولا فصيحا وَإِن كَانَ لَك دَلِيل آخر على معرفَة الله تَعَالَى لم تذكره هُنَا فَهَذِهِ تَرْجَمَة بِلَا معنى وَاسم يهول بِلَا مُسَمّى كلامك ياهذا كفارع حمص خلى من الْمَعْنى وَلَكِن يجمع ... ثمَّ نظم هَذِه التَّرْجَمَة على مَا أبديناه من التَّنَاقُض أَن يُقَال تَكْثِير مَا لَا يتكثر فِي معرفَة الله وَأي رابط بِهَذَا الْكَلَام وَهل هَذَا إِلَّا مضحكة الْخَاص وَالْعَام وعار لم يصل إِلَيْهِ أحد من عقلاء الْأَنَام
ثمَّ بعد ذَلِك شرع هَذَا الْقَائِل فِي الخطابة وصنعة الْكِتَابَة فسحب على سحبان ثوب النسْيَان وأنسى أبان كل مَا أبان وصير فصيح وَائِل أعيا من بَاقِل فَقَالَ الْحَمد لله بَالغ القوى الَّتِي فطرنا عَلَيْهَا فيا للعجب وَيَا لضيعة الدّين وَالْأَدب ... دع المكارم لَا ترحل لبغيتها
واقعد فَإنَّك أَنْت الجائع العاري ...
أما قَوْله الْحَمد لله فَكَلَام حق ومقال صدق عِنْد من عرف مَعْنَاهُ وَفهم فحواه وَأما عنْدك فَكَلَام سمعته وَمَا وعيته وَكَيف تعيه أَو تطمع فِي أَنَّك تدريه وَأَنت بمعزل عَن اللِّسَان عرى عَن تَحْصِيل شَرَائِط الْبُرْهَان
دَلِيل ذَلِك أَن الْحَمد لله يتَوَجَّه لأسئلة وَأَنت لَا تهتدي لفهمها فَكيف لحلها مِنْهَا لفظية وَمِنْهَا معنوية فأولها حَده وَإِلَى مَاذَا يرجع وَمَا الْفرق بَينه وَبَين الشُّكْر وَهل هُوَ فِي هَذَا الْموضع عَام أم لَا وَهل يَصح أَن يُطلق على غير الله وَإِن أطلق فَهَل بِالْحَقِيقَةِ أم بالمجاز وعَلى أَي وَجه يُضَاف إِلَى الله تَعَالَى أَعلَى جِهَة الْملك أَو على جِهَة الإستحقاق أَو غَيرهمَا من أَنْوَاع الْإِضَافَة ولأي شَيْء يوضع فِي أَوَائِل الْكتب وَلَا يَكْتَفِي عَنهُ بِالتَّسْمِيَةِ
وَأما قَوْلك بَالغ القوى فَكَلَام مختل صدر عَمَّن لم يحصل تَنْزِيل مَفْهُومه على فَائِدَة لِأَن الْمُتَكَلّم بِهِ عمل بَالغ مَوضِع مبلغ ثمَّ ذهب
стр. 7
بمبلغ إِلَى معنى خَالق وَالْعرب الَّذين تكلم هَذَا السَّائِل بكلامهم وتعاطى مَفْهُوم خطابهم لَا يَتَكَلَّمُونَ بَالغ فِي معنى الْخَالِق لتباين اللَّفْظَيْنِ وإختلاف المفهومين وَمعنى الْخلق الْمَشْهُور عِنْدهم إختراع مَا لم يكن والإبلاغ هُوَ أَيْضا لَهُ كَائِن إِلَى غَايَة مَا فَإِن أنكر هَذَا الْمُتَكَلّم أَن يكون أَرَادَ هَذَا فقد شهد على نَفسه بالغلط واعترف بِأَن كَلَامه من أرذل أرذل السقط
ثمَّ أضَاف بَالغ إِلَى القوى والقوى جمع قُوَّة وَهِي الْقُدْرَة والشدة فَإِن كنت تُرِيدُ هَذَا فَأَي فَائِدَة للفظك وَأي لَطِيفَة لِقَوْلِك الَّتِي فطرنا عَلَيْهَا وَفِي الثيران والأباعير وَالْحمير من هُوَ أَشد مِنْك وَأقوى فقد فَضلهَا عَلَيْك حَيْثُ أبلغهَا من الشدَّة أَكثر مِمَّا أبلغك
وَلَقَد كَانَ يَنْبَغِي لَك يَا هَذَا أَن تذكر من نعم الله عَلَيْك النِّعْمَة الْخَاصَّة بالإنسان وَهُوَ الْمَعْنى الَّذِي بِهِ تميز عَن أَصْنَاف الْحَيَوَان ثمَّ من عَجِيب أَمر هَذَا السَّائِل وأدل دَلِيل على بلادته وجهله أَن هَذِه الْخطْبَة الَّتِي صدر بهَا كِتَابه على مَا هِيَ عَلَيْهِ من تثبيج النّظم وَعدم الفصاحة إِنَّمَا نقلهَا من رِسَالَة عبد الرَّحْمَن بن عصن ختن شبيب الَّتِي كَانَ أساقفة النَّصَارَى كتبُوا بهَا إِلَى الإِمَام الزَّاهِد أبي مَرْوَان بن ميسرَة ونسبوها لعبد الرَّحْمَن وَكَانُوا قد اجْتَمعُوا على كتَابَتهَا بطليطلة أَعَادَهَا الله فَلَمَّا كتبوها بعثوا بهَا إِلَى القَاضِي أبي مَرْوَان بن ميسرَة فَبعد أَن بذلوا جدهم وأجهدوا جهدهمْ كتبُوا لَهُ رِسَالَة مفتتحها هَذِه الْخطْبَة فِي بطاقة صَغِيرَة عدد أسطارها نَحْو ثَلَاثِينَ لحنوا فِيهَا وصحفوا فِي تِسْعَة وَعشْرين موضعا مِنْهَا وَمَعَ ذَلِك فأخلوا بالْكلَام وَلم يتَحَصَّل لَهُم من سُؤَالهمْ مطلب وَلَا مرام فأجابهم الإِمَام القَاضِي ﵀ وَأحسن فِي الْجَواب وَأظْهر لَهُم جهلهم وتبلدهم فِي ذَلِك الْكتاب
فَلَو كَانَ هَذَا السَّائِل عَارِفًا بمصالحه مُمَيّزا بَين محاسنه ومقابحه لاكتفى بإفحام أساقفته الْمُتَقَدّمَة وعثرته الجاهلة المضممة ولكان يستر ظَاهر خطاياهم وركيك كَلَامهم وَلَكِن أَرَادَ الله تَجْدِيد مَا قدم لَهُم من الفضيحة بمقالة صابية صَحِيحَة ثمَّ ليته إِذْ نقل إِلَى كِتَابه كَلَامهم لم يُفَسر الْمَعْنى وَلم يُغير اللَّفْظ بل غَيره تغييرا يدل على عدم الهجاء وَقلة الْحِفْظ فَقَالَ الحمدلله بَالغ القوى وَهِي فِي كِتَابهمْ الْمُتَقَدّم الذّكر الَّذِي نقل مِنْهُ الحمدلله بألغ القوى وَبَين مَفْهُوم كَلَامه
стр. 8
وَكَلَامهم مَا بَين الْقرن والقدم وَمَا بَين فصاحة الْعَرَب ورطانة الْعَجم
وَأما قَوْلك وأمرنا بِحَمْدِهِ فَقَوْل لَا تعرف حَقِيقَته وَلَا تسلك طَرِيقَته حَتَّى تعرف إِن كَانَ الله آمرا أم لَا وَإِن كَانَ آمرا فَمَا حَقِيقَة أمره وَإِلَى مَاذَا يرجع وَهل هُوَ قديم أَو حَادث إِلَى أسئلة كَثِيرَة لَا تعرف أَنَّك مَأْمُون من جِهَة الله تَعَالَى حَتَّى تعرفها فأعد للمسائل جَوَابا وللسائل خطابا
وَأما قَوْله فَنحْن نحمده ونشكره ونعظمه بِمثل تعارفنا فِي الْحَمد وَالشُّكْر فَكَلَام يَدُور على اللِّسَان وَلم يسْتَقرّ لَك شَيْء مِنْهُ بالجنان وَكَيف يحمد الله من ينتقصه وَكَيف يشكره من يكفره وَهل الْحَمد وَالنُّقْصَان وَالشُّكْر والكفران إِلَّا أَمْرَانِ متناقضان
بَيَان ذَلِك أَنكُمْ تَجْعَلُونَ لله مَا تَكْرَهُونَ لأنفسكم وتنتقصون بِهِ أَبنَاء جنسكم هَا أَنْتُم تَكْرَهُونَ لرهبانكم وأقستكم إتخاذ الزَّوْجَة وَالْولد لِئَلَّا يتلطخ برذيلة مجْرى الْبَوْل وَدم الْحيض أَو تتشبه نِسْبَة الزَّوْجَة وَالْولد ثمَّ إِنَّكُم بجهالتكم تَزْعُمُونَ أَن اللاهوت تدرع بناسوت الْمَسِيح وَسكن فِي ظلمَة الرَّحِم مُدَّة ثمَّ خرج على مجْرى الْبَوْل وَدم الْحيض وتعلقت نِسْبَة الْوَلَد وَالزَّوْجَة وَأَنْتُم تَجْعَلُونَ لله مَا تَكْرَهُونَ وتصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب لَا جرم أَن لكم النَّار وأنكم مفرطون وَكَيف يعظمه من يعبد غَيره ويعظم سواهُ وَيُخَالِفهُ فِي أمره ويرتكب مَا عَصَاهُ وَهَا أَنْتُم قد اتخذتم الْمَسِيح إِلَهًا أَو شطر إِلَه وعبدتم من دون الله غَيره وعظمتم سواهُ وخالفتم فِي ذَلِك قَول الْمَسِيح ﵇ وعصيتم أَمر خالقه ومرسله ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام وَأَنْتُم تقرأون فِي كتابكُمْ عَن أشعياء ﵇ أَنه قَالَ عَن الله مبشرا بالمسيح ﵇ هَذَا غلامي الْمُصْطَفى وحبيبي الَّذِي ارتضت بِهِ نَفسِي وَكَذَلِكَ تقرأون فِي إنجيل ماركش أَن الْمَسِيح قَالَ
стр. 9
للْعَالم الَّذِي سَأَلَهُ عَن أول العهود إِن السَّيِّد إلهك إِلَه وَاحِد وَذكر كلَاما فَقَالَ لَهُ الْعَالم قلت الْحق يَا معلم إِن الله وَحده وَلَا إِلَه غَيره فَالله تَعَالَى يَقُول عَن الْمَسِيح هُوَ غلامي وَأَنْتُم تَقولُونَ هُوَ ولدك والمسيح يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنْتُم تَقولُونَ أَنْت إِلَه آخر فتعالى الله عَمَّا تَقولُونَ وسبحانه عَمَّا تصفون وَسَيَأْتِي الْكَلَام على هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فها أَنْتُم قد خالفتم أَمر الله وعظمتم سوى الله وَهَذَا إنجيل متاؤوش يشْهد عَلَيْكُم بِخِلَاف مَا إِلَيْهِ صرتم فَإِن فِيهِ أَن الْمَسِيح قَالَ لإبليس حِين رام خديعته قد صَار مَكْتُوبًا أَن تعبد السَّيِّد إلهك وتخدمه وَحده وَأَنْتُم تَعْبدُونَ غير الله وتسجدون لسواه تتحكمون فِي ذَلِك بأهوائكم وتخالفون قَول أنبيائكم ﴿وَمن أضلّ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله﴾ وَتقول بالعظائم على الله
وَأما قَوْلك بِمثل تعارفنا فِي الْحَمد فَإِن كَانَ وضع تعارف مَوضِع معرفَة فقد أخل بِالْمَعْنَى وَخَالف اللُّغَة وَلَو كَانَ يشم رَائِحَة من كَلَام الفصحاء لوبخ نَفسه على القالة هَذِه الشنعاء وَلَو نزلناه على أَنه أَرَادَ مَا تعارفه مخاطبوه فِيمَا بَينهم فِي معنى حمدالله لَكَانَ كَلَامه أَيْضا متناقضا وفاسدا وَعَن الصَّوَاب حايدا فَإِن حمد الله عِنْدهم ذمّ وشكرهم لَهُ كفر كَمَا تقدم وَمن كَانَ حَمده لله ذما
стр. 10
وشكره لَهُ كفرا وَكَانَ مَعْرفَته مثل شكره وحمده فقد حصل من الْعلم على ضِدّه وَخرج من الشُّكْر عَن حَده
وَأما قَوْلك والتعظيم لملوكنا وَأهل الرهبة من ذَوي السُّلْطَان منا فَقَوْل لَا يدل على زهدك فِي الدُّنْيَا وإقتدائك بورع الْمَسِيح عِيسَى وبخشية المعمد يحيى عظمت الْمُلُوك لملكهم طَمَعا فِي نيل سحت ملكهم وأعرضت عَن القسيسين ونسكهم وَلَو هديت السَّبِيل لَكَانَ الْأَنْبِيَاء والحواريون أَحَق وَأولى بالثناء والتبجيل لَكِن استهواك الطمع وإستفزك الجشع فآثرت الدُّنْيَا عَن الْآخِرَة فصفقتك اذن خاسرة وتجارتك بائرة
وَأما قَوْلك فرضا لَهُ شاكرين حامدين معظمين فَكَلَام غير مُنْتَظم وَلَيْسَ لَهُ مَفْهُوم ملتئم ذهب مَعْنَاهُ لِكَثْرَة لحنه يمجه الْعَاقِل ببديهة ذهنه أتلفت مَعْنَاهُ رضانة الْعَجم فَكَأَنَّهُ تبقى فِي نفس قائلة مكتتم
وَأما قَوْلك غير واقفين على ذَاته وَلَا مدركين لشَيْء مِنْهُ فلعمري لقد صدقت وَبِمَا أَنْت عَلَيْهِ من الْجَهْل بمعبودك نطقت فَأَيْنَ هَذَا من قَوْلك كتاب تثليث الوحدانية فِي معرفَة الله فقد جعلت هَذَا الْكتاب بزعمك موصلا إِلَى معرفَة الله ثمَّ لم ترجع النَّفس حَتَّى شهِدت على نَفسك بِالْجَهْلِ بِاللَّه فَظهر تنَاقض إعتقادك على لسَانك وَفِي تقييدك وَكَذَلِكَ يفعل الله بِكُل جَاهِل مهذار وَكَيف يعرف الله من لم يقف على معرفَة ذَاته وَلَا علم شَيْئا من صِفَاته وَهل ذَاته تَعَالَى إِلَّا عبارَة عَن وجوده فَإِن الموجودات الْمَوْجُود من غير مزِيد على مَا يعرف فِي مَوْضِعه بالبرهان فَمن لم يعرف ذَاته تَعَالَى لم يعرف وجوده وَمن لم يعرف وجوده فإمَّا شَاك وَإِمَّا جَاهِل
وَأما قَوْله وَإِنَّمَا نقع على أَسمَاء أَفعاله فِي خليقته وتدبيره فِي ربوبيته فَكَلَام لم يُورِدهُ فصيحا وَلَا فهمه صَحِيحا دَلِيل أَنه لم يردهُ فصيحا أَنه أَرَادَ بقوله نقع نَعْرِف وَإِلَّا لم يستقم كَلَامه فَكَأَنَّهُ قَالَ وَإِنَّمَا نَعْرِف أَسمَاء أَفعاله وَأَيْنَ نَعْرِف من نقع وَأي جَامع بَينهمَا عِنْد من عقل وَسمع فَإِن مَفْهُوم وَقع وَحَقِيقَته سقط الشَّيْء من أَعلَى إِلَى أَسْفَل وَلَيْسَ لهَذَا الْمَعْنى فِي كَلَامه مدْخل وَأما أَنه لم يفهمهُ صَحِيحا فَيدل عَلَيْهِ أَنه لَا يُجيب إِذا سُئِلَ عَنهُ فأصخ يَا هَذَا
стр. 11
سَمعك واستعن ملاك جمعك فَإِنِّي أَسأَلك وإياهم عَن حد الإسم وَحَقِيقَته وَهل هُوَ الْمُسَمّى أَو غَيره فَإِن كَانَ غَيره فَمَا حد الإسم وَمَا حد الْمُسَمّى وَمَا حد التَّسْمِيَة ثمَّ هَل يَنْقَسِم الإسم بِالْإِضَافَة إِلَى الْمُسَمّى أم لَا يَنْقَسِم فَإِن انقسم فعلى كم قسم وَإِنَّمَا أوردت عَلَيْهِ هَذِه الأسئلة كَيْلا لَهُ بضَاعَة وليكون ذَلِك أبلغ فِي دَفعه وأقطع لنزاعه ثمَّ إِنَّه أضَاف أَسمَاء إِلَى أَفعَال الله وَلَا يشك عَاقل فاهم فِي أَن أَفعَال الله تَعَالَى إِنَّمَا يُرَاد بهَا مخلوقاته ومخلوقاته وخليقته وَاحِد فِي الْمَعْنى فَكَأَنَّهُ قَالَ على مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهر كَلَامه وَإِنَّمَا نقع على أَسمَاء مخلوقاته فِي مخلوقاته فأبدل لفظ مخلوقاته بأفعاله وَهَذَا كَلَام قَلِيل العائدة بل عديم الْفَائِدَة ثمَّ أَسمَاء أَفعاله إِنَّمَا هِيَ عبارَة عَن الْأَلْفَاظ الدَّالَّة على أَفعاله وأفعاله كَمَا قُلْنَا مخلوقاته كَلَفْظِ السَّمَاء وَالْأَرْض وَغير ذَلِك فَمن عرف الْأَلْفَاظ الدَّالَّة على هَذِه الْمَخْلُوقَات أَي شَيْء يحصل لَهُ بِسَبَبِهَا من معرفَة الله تَعَالَى وَأي دلَالَة وَأي نِسْبَة بَين معرفَة اللَّفْظ الَّذِي يدل على السَّمَاء فِي التخاطب مثلا وَبَين معرفَة الله تَعَالَى وَهل قَوْله هَذَا إِلَّا هذيان من القَوْل وارتباك فِي ورطة الْجَهْل
وأا قَوْله وتدبيره فِي ربوبيته فَالظَّاهِر من لفظ التَّدْبِير السَّابِق مِنْهُ إِلَى الْفَهم أَنه عبارَة عَن التفكر النَّفْسِيّ وَالتَّقْدِير الذهْنِي والباري سُبْحَانَهُ متعال عَن التَّدْبِير الَّذِي هُوَ التفكر وَالتَّقْدِير فَإِنَّهُ لَا يتَصَوَّر إِلَّا فِي حق من جهل شَيْئا فَأَرَادَ أَن يسْتَعْمل فكرة فِي تَحْصِيل الْعلم بِهِ وَالْجهل على الله محَال فالتدبير بِمَعْنى الْفِكر عَلَيْهِ محَال فَإِن أَرَادَ السَّائِل بِكَلَامِهِ غير هَذَا فَلَا بُد من بَيَانه وإيضاح برهانه
وَأما الربوبية فَلفظ مُشْتَقّ من لفظ الرب والرب فِي مُسْتَعْمل كَلَام الْعَرَب لَهُ مَعْنيانِ مستعملان أَحدهمَا السَّيِّد وَالثَّانِي الْمَالِك فَإِن أَرَادَ بِهِ الْمَعْنى الأول الَّذِي يرجع إِلَى السؤدد والشرف فَهُوَ خطأ من حَيْثُ أَن سؤدده وَاجِب لَهُ فَلَا يحْتَاج فِي تَحْصِيله إِلَى سَبَب من تَدْبِير وَلَا مُقْتَضى تفكير وَمُقْتَضى كَلَامه وَمَفْهُومه أَنه دبر فِي ربوبيته وأوجدها عَن تَدْبيره لنَفسِهِ وَهَذَا جهل بواح وَكفر صراح وَإِن أَرَادَ بِهِ الْمَعْنى الثَّانِي الَّذِي يرجع مَعْنَاهُ إِلَى الْملك فَلَا يَسْتَقِيم أَيْضا على ظَاهر كَلَامه فَإِنَّهُ يكون معنى كَلَامه أَنه دبر فِي ملكه وأوجده
стр. 12
عَن التَّدْبِير الَّذِي هُوَ روية وتفكير ويتعالى عَن ذَلِك الْخَالِق الْقَدِير المنزه عَن خواطر النَّفس وهواجس الضَّمِير
ثمَّ لما فرغ هَذَا السَّائِل من خطبَته الغراء البديعة الْإِنْشَاء الَّتِي من وقف عَلَيْهَا علم أَنه عَن المعارف مَصْرُوف وَأَنه لَا يفهم الْمعَانِي وَلَا يحسن كِتَابَة الْحُرُوف شرع فِي طَريقَة الْجِدَال وَكَيْفِيَّة الإستدلال فَكَأَنَّهُ فِي نظم مقعولاته الطوسى وَفِي آدَاب جدله البروى ولعمر الله لَو كَانَ هَذَا السَّائِل عَاقِلا لستر عواره وَلم يبد غَارة
وَلكنه جهل فَقَالَ وَحَيْثُ وَجب أَن يسكن جال
وَلَقَد كَانَ يَنْبَغِي لهَذَا السَّائِل أَلا يتَكَلَّم فِي شَيْء من عُلُوم الإعتقاد حَتَّى يحسن شُرُوط النّظر وَيحكم مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْموَاد والفكر وَلما بَادر إِلَى الْكَلَام فِي ذَلِك من غير تَحْصِيل شَيْء مِمَّا هُنَالك تثبج عَلَيْهِ كَلَامه وصعب عَلَيْهِ مرامه فَرُبمَا كَانَ الْمَعْنى الَّذِي يَقْصِدهُ قَرِيبا فيبعده أَو مجتمعا فيبدده وسيتبين ذَلِك فِي كَلَامه
وَلما كَانَ ذَلِك رَأَيْت أَنى إِن تتبعت كَلَامه كَمَا تتبعت خطبَته خرج الْأَمر الإعتدال وَأدّى ذَلِك إِلَى الكسل والملال وضياع الزَّمن فِي ضروب الهذيان هُوَ غَايَة الخسران فَرَأَيْت أَن أعرض عَن آحَاد كَلِمَاته وأناقشه فِي مَعَانِيهَا ومفهوماتها ثمَّ إِنِّي رُبمَا لَا أَتكَلّم مَعَه حَتَّى أحكى مذْهبه وَأبين لَهُ مَا أَرَادَهُ بِكَلَام حسن وجيز ليَكُون ذَلِك أبلغ فِي الْفَهم وَأمكن فِي التَّمْيِيز وَإِلَى الله أَرغب وَعَلِيهِ أتوكل فِي أَن يشْرَح صدورنا وييسر علينا أمورنا ويستعملنا فِيمَا يقربنا مِنْهُ وينفعنا عِنْده أَنه ولى ذَلِك الْقَادِر عَلَيْهِ
تمّ الصَّدْر والآن نشرع فِي الْأَبْوَاب
стр. 13
الْبَاب الأول
فِي بَيَان مذاهبهم فِي الأقانيم وَإِبْطَال قَوْلهم فِيهَا
الأقانيم أَسمَاء وأفعال
أقانيم الْقُدْرَة وَالْعلم والحياة
تَعْلِيل التَّثْلِيث
دَلِيل التَّثْلِيث
فِي بَيَان اخْتلَافهمْ فِي الأقانيم
стр. 14
الْفَصْل الأول
الأقانيم أَسمَاء أَفعَال
فِي حِكَايَة كَلَام السَّائِل وَ الْجَوَاب عَنهُ
قَالَ السَّائِل
الْآن وَجب على أَن أَسأَلك فِي أَمر التَّثْلِيث عَن خلق الله لجَمِيع مَا خلق إِن كَانَ خلقهمْ بقدرة وَعلم وَإِرَادَة أم خلقهمْ بِغَيْر هَذَا فَإِذا اضطرتك الْمَسْأَلَة إِلَى القَوْل بهَا فإنى أَسأَلك إِن كَانَت أَسمَاء لذاته أَو أَسمَاء لأفعاله فَإِن قلت هِيَ أَسمَاء لذاته فقد نقضت وجعلتها أَسمَاء للذات وَوَقعت فِيمَا أنْكرت من الْجِسْم وَإِن قلت من أَسمَاء أَفعاله الَّتِي مِنْهَا سمى قَادر عَالم مُرِيد فَهُوَ التَّثْلِيث الَّذِي أمرنَا بِهِ
الْجَواب عَنهُ
سَأَلت يَا هَذَا الْمِقْدَام بعد إعجام واستبهام هَل خلق الله تَعَالَى الْخلق بقدرة وَعلم وَإِرَادَة أم بغيرهم وَهَذَا السُّؤَال كَانَ يَنْبَغِي لَك أَلا تسْأَل عَنهُ حَتَّى تفرغ من معرفَة الْمَرَاتِب الَّتِي قبله وَذَلِكَ أَنَّك لَا تصل إِلَى مَا سَأَلت عَنهُ حَتَّى تعرف معنى الْخلق وَهل الْعَالم مَخْلُوق وَإِن كَانَ مخلوقا فَهَل يحْتَاج إِلَى خَالق أم لَا فَإِذا بلغت إِلَى هُنَا وَقطعت هَذِه المفاوز الَّتِي لَا تقطع بالمنى وَلَا يتَخَلَّص مِنْهَا بالهويني وَلَا يَكْتَفِي فِي تَحْصِيل الْعلم بذلك بالتقليد بل بِالنّظرِ الشَّديد والبرهان العتيد
حِينَئِذٍ كَانَ يَنْبَغِي أَن تسْأَل عَمَّا سَأَلت عَنهُ لكنك يجهلك بطريقة النّظر قدمت وأخرت ﴿وَفعلت فعلتك الَّتِي فعلت﴾ وَلَو كَانَت مِمَّن لَهُ فِي النّظر نصيب لضَرَبْت فِيهِ بِسَهْم مُصِيب ولاقتديت بمعلمكم الأزعم وأسقفكم الْأَعْظَم أغشتين فها هُوَ يَقُول فِي مصحف الْعَالم
стр. 15
الْكَائِن فِي أول ورقة مِنْهُ يَنْبَغِي أَن يَجْعَل الْكَلَام فِي النظريات على منَازِل ودرجات ليَكُون من اجْتمع مَعنا فِي الدرجَة الأولى تكلمنا مَعَه فِي الدرجَة الثَّانِيَة وَمن اجْتمع مَعنا فِي الدرجَة الثَّانِيَة تكلمنا مَعَه فِي الدرجَة الثَّالِثَة ثمَّ نمضى كَذَلِك إِلَى أقْصَى نهايات الْكَلَام فَإِنَّمَا يكون فَسَاد الْكَلَام وتناقضه وإشتباهه من قبل النَّقْص فِي معرفَة هَذَا الدرج لأَنا مَتى ناظرنا فِي الدرجَة الثَّانِيَة من لم يجْتَمع مَعنا فِي الأولى لم يبلغ الْكَلَام غَايَة وَلم يقف على نِهَايَة
وعَلى منواله نسج حَفْص بن الْبر فِي أَقْوَاله وَلَقَد كَانَ لَك فيهمَا أُسْوَة لَو كنت أَهلا للقدوة فبينك وَبَين من سؤالك هَذَا ثَلَاثَة أدراج حارت فِيهَا عقول كثير من النظار وفنيت أزمان ونفدت أَعمار فكلامك يَا هَذَا فَاسد هجين بِشَهَادَة قسيسكم أغشتين
وَأما قَوْلك فَإِذا اضطرتك الْمَسْأَلَة إِلَى القَوْل بهَا فَقَوْل غير صَحِيح وَالْجهل على قَائِله يلوح وَكَيف تضطر الْمَسْأَلَة مَعَ نظر سقيم أخذت مقدماته بالتحكم وَالتَّسْلِيم وَإِنَّمَا كَانَ يلْزم ذَلِك لَو نزلت فِي
стр. 16
كلامك على شَرط السبر والتقسيم ونهجت مَنْهَج النّظر القويم والا فَبِمَ تنكر على الدهرى حَيْثُ يَقُول لَا أسلم أَن الْعَالم مَخْلُوق وَبِمَ تنكر على الفلسفي حَيْثُ يَقُول أسلم أَنه مَخْلُوق لَكِن لَا أسلم أَنه مُحْتَاج إِلَى خَالق مخترعه بعد الْعَدَم وَبِمَ تنكر على الطبيعي حَيْثُ يَقُول لَا يحْتَاج عَالم الطبائع إِلَى خَالق ذِي قدرَة وَعلم وَإِرَادَة وحياة ثمَّ لأي شَيْء تحكمت وَقلت إِنَّهَا ثَلَاثَة فلعلها أَكثر أَو أقل وَلَا بُد لَك من معرفَة إبِْطَال مَذَاهِب هَؤُلَاءِ بالبرهان وَحِينَئِذٍ تحصل على مرتبَة الإيقان وَهَذَا لَيْسَ بغشك فاضطجع على نمشك ... خلى الطَّرِيق لمن يبْنى الْمنَار بِهِ
واقعد ببرزة حَيْثُ اضطرك الْقدر ...
وَأما قَوْلك فَإِنِّي أَسأَلك إِن كَانَت أَسمَاء لذاته أَو أَسمَاء لأفعاله فَإِن قلت هِيَ أَسمَاء لذاته هِيَ أَسمَاء لذاته فقد نقضت وجعلتها أَسمَاء للذات وَوَقعت فِيمَا أنْكرت من الْجِسْم فسؤال لَا يسْتَحق أَن يسمع وَلَا لصَاحبه فِي الْعقل مطمع قسمت وسبرت وَبقيت عَلَيْك أَقسَام وَمَا شَعرت إِذْ لقَائِل أَن يَقُول لَيست هَذِه الْأَسْمَاء من أَسمَاء الذَّات وَلَا من أَسمَاء الْأَفْعَال بل هِيَ قسم آخر وَهُوَ أَسمَاء الصِّفَات والتقسيم مَتى لم يكن دائرا بَين النفى وَالْإِثْبَات فَهُوَ معرض للنقوض والآفات ثمَّ أطرف من العنقاء شرعة فِي أول كَلَامه فِي المسميات ثمَّ أَخذه فِي الْكَلَام فِي الْأَسْمَاء وَلم يفرق بَين الإسم والمسمى فَهُوَ جَاهِل أعمى
ثمَّ انْظُر بله هَذَا السَّائِل وَعدم حسه فَلَقَد خرج بجهله عَن أَبنَاء جنسه كَيفَ قَالَ فَإِن قلت هِيَ أَسمَاء لذاته فقد نقضت وجعلتها أسما للذات وَأي فرق بَين قَوْله فِي الْمُقدم وَبَين قَوْله فِي التَّالِي وَهل هَذَا إِلَّا بِمَثَابَة من يَقُول إِن قلت هَذَا الْيَوْم نَهَارا فقد نقضت وَجَعَلته نَهَارا
فَمَا أعرفك يَا هَذَا بنتيجة الشرطى الْمُتَّصِل وحدوده وبحد النقيض وشروطه فَلَو استرزقت الله عقلا لَكَانَ الأحرى بك من الْكَلَام فِي المعتقدات وَالْأولَى ثمَّ أعجب من ذَلِك كُله أَنَّك لَزِمت من قَالَ إِن الْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة أَسمَاء للذات القَوْل بالتجسيم وَهَذَا نتيجة الْجَهْل الصميم والفهم الْمُسْتَقيم وَهَذَا من أَيْن يلْزم
стр. 17
أَمن نقيض التَّالِي أَو عين الْمُقدم فوالذي خص الأذكياء بالعقول لقد أربيت فِي جهلك على كل جهول وأتيت بِمَا لَيْسَ بِمَفْهُوم وَلَا مَعْقُول
وَأما قَوْلك وَإِن قلت من أَسمَاء أَفعاله الَّتِي مِنْهَا سمى قَادر عَالم مُرِيد فَهُوَ التَّثْلِيث الَّذِي أمرنَا بالْقَوْل بِهِ فَيقْضى أَن الأقانيم من أَسمَاء الْأَفْعَال فَهَذَا قَول لَا يَقُول بِهِ المجانين وَلَا الْأَطْفَال فَإِن معنى تَسْمِيَة الله تَعَالَى بأسماء الْأَفْعَال إِنَّمَا مَعْنَاهَا عِنْد الْعُقَلَاء أَن يخلق الله فعلا يُسمى ذَلِك الْفِعْل باسم فيشتق لله تَعَالَى من ذَلِك الْفِعْل إسم مِثَال ذَلِك خَالق ورازق يقالان على الله تَعَالَى بِاعْتِبَار خلق الْخلق ورزق الرزق فَإِن أردْت هَذَا الْمَعْنى كَانَ ذَلِك محالا على الصِّفَات العلى فَإِن صِفَاته لَيست بمخلوقة على مَا يعرف فِي مَوْضِعه وَأَيْضًا فَلَو جَازَ أَن يُسمى بِعلم يخلقه عَالما وبإرادة يخلقها مرِيدا وبقدرة يخلقها قَادِرًا جَازَ أَن يُسمى بحركة يخلقها متحركا وبصوت يخلقه مصوتا وَذَلِكَ مجْرى إِلَى جهالات لَا يَقُول بهَا عَاقل فَإِن أَرَادَ هَذَا السَّائِل بأسماء الْأَفْعَال أَمر آخر فَهُوَ إِنَّمَا اصْطلحَ مَعَ نَفسه فَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن يُفَسر مَا يَقُول إِذْ لم يتَكَلَّم بِمَا اصْطلحَ عَلَيْهِ أَرْبَاب الْعُقُول
وَأما قَوْلك فَهُوَ التَّثْلِيث الَّذِي أمرنَا بالْقَوْل بِهِ فَقَوْل فِيهِ كذبت وعَلى الله وَرُسُله افتريت فَإِن الرُّسُل ﵈ لم تَأمر بإعتقاد التَّثْلِيث لأحد من الْأَنَام بل قَالَت الْأَنْبِيَاء ﵈ مَا يعرفهُ الْخَاص وَالْعَام ﴿فآمنوا بِاللَّه وَرُسُله وَلَا تَقولُوا ثَلَاثَة﴾ وَلَقَد حصل للعقلاء بالتواتر وَعَلمُوا بالوراثة أَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة﴾ ثمَّ قَوْلك هَذَا تُرِيدُ بِهِ أَنكُمْ أمرْتُم بإعتقاد آلِهَة ثَلَاثَة وَإِنَّكُمْ قيل لكم اعتقدوا فِي الله تَعَالَى أَنه آلِهَة ثَلَاثَة إِلَه وَاحِد وَقُولُوا بِهِ وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك عِنْد رهبانكم الْمُتَقَدِّمين وأساقفتكم الماضين
هَذَا أغشتين يَقُول بعد أَن تكلم فِي الأقانيم مَا تثبت أَنَّهَا صِفَات على مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامه ذَلِك أَنه قَالَ وَهَذَا قَوْلنَا فِي الأقانيم الثَّلَاثَة الَّتِي لَا يُمكن جَحدهَا مِنْهُ وَلَا وَصفه بغَيْرهَا وَهَذَا تَصْرِيح
стр. 18
مِنْهُ بِأَنَّهَا صِفَات ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك فَهَذَا قَوْلنَا فِي التَّثْلِيث الَّذِي وَصفه الْإِنْجِيل وأمرنا بِالْإِيمَان بِهِ وَسَيَأْتِي نَص كَلَامه وَلم يقل أمرنَا بِأَن نعتقد أَن الله وَاحِد ثَلَاثَة فَإِن الْوَاحِد لَا يكون ثَلَاثَة وَالثَّلَاثَة لَا تكون وَاحِدًا كَمَا قد تبين فَسَاده بل مَفْهُوم قَوْله أَن الْإِنْجِيل وصف أَن الله تَعَالَى مَوْصُوف بِهَذِهِ الصِّفَات وأمرنا بالتصديق بذلك وَلَو أنكتم عَن أَلْسِنَتكُم أَمر التَّثْلِيث واعتقدتم أَن الله تَعَالَى وَاحِد مَوْصُوف بِصِفَات الْكَمَال ونعوت الْجلَال لوفقتم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة للصَّوَاب ولحصلتم مِنْهَا على الْحق بِلَا ارتياب وَلَكِن من حرم التَّوْفِيق استدبر الطَّرِيق وَنكل عَن التَّحْقِيق
على أَن مَا ذكرته فِي أَمر التَّثْلِيث لَا يَسْتَقِيم على رَأْي الْمُتَقَدِّمين من أحباركم هَذَا صَاحب كتاب الْمسَائِل السَّبع وَالْخمسين يَقُول فِيهَا لَا نقُول إِن التَّثْلِيث ممتزج فِي أقنوم وَاحِد كَقَوْل شباليش وَلَا إلهية متحدة أَو متبعضة الذَّات كفرية آريش بل أَن أقنوم الآب غير أقنوم الإبن وأقنوم الإبن غير الرّوح لَكِن التَّثْلِيث الْمُقَدّس ذَات وَاحِدَة فَإِذا لم تكن ممتزجة وَكَانَ كل أقنوم مِنْهَا غير الآخر والأقنوم مَعْنَاهُ عنْدكُمْ الشَّيْء المستغنى بِذَاتِهِ عَن أصل جوهره فِي إِقَامَة خَاصَّة جوهريته فَكيف يَتَّسِع عقل لِأَن يَقُول إِن هَذِه الثَّلَاثَة المتغايرة الَّتِي هِيَ على مَا ذكر وَاحِد وَهل قَائِله إِلَّا معتوه أَو معاند
стр. 19
الْفَصْل الثَّانِي
أقانيم الْقُدْرَة وَالْعلم والحياة
فِي حِكَايَة كَلَامه أَيْضا
قَالَ
فَإِن قلت لم لَا تَقولُونَ بِسم الْعَالم الْقَادِر المريد إِذا قُلْتُمْ بإسم الآب والإبن وَالروح الْقُدس فيتبين آب وَابْن وروح الْقُدس ثَالِثا
اعْلَم أَن الْمَسِيح لما بعث الحواريين إِلَى جَمِيع الْأَجْنَاس قَالَ لَهُم من آمن مِنْهُم فعمدوه على اسْم الآب والإبن وَالروح الْقُدس وَإِنَّمَا خاطبنا بِمثل تعاقلنا فَجعل هَذِه الْأَسْمَاء كاختلاف قضايا تِلْكَ الْأَفْعَال ثمَّ وَاسِط ثمَّ أخر
فَأول القضايا خلق الله الْجَمِيع بيد سَمَّاهَا أَبَا وأضافها إِلَى الْقُدْرَة وأضاف قَضِيَّة وعظ الْمَسِيح للنَّاس إِلَى الْعلم وَسَماهُ ابْنا لِأَن الْعلم لَا يُوقع عَلَيْهِ حَتَّى يتَوَلَّد كلَاما وأضاف قَضِيَّة فنَاء جَمِيع الدُّنْيَا ومكافأة أَهلهَا بأعمالهم إِلَى الْإِرَادَة وسماها روح الْقُدس الَّذِي هُوَ قَادر عَالم مُرِيد اسْما للْوَاحِد الَّذِي لَا يتكثر
وَالْجَوَاب عَن قَوْله
اعْلَم يَا هَذَا إِنَّك لم تحسن السُّؤَال وَلَا حصلت مِنْهُ على صَوَاب مقَال بل حصل مِنْهُ فِي عُنُقك غل وَفِي رجليك عقال قلبت السُّؤَال وَلم تشعر وجهلت من حَيْثُ ظَنَنْت أَنَّك تستبصر اردت أَن تَقول فِي الإعتراض الَّذِي وجهته على نَفسك لم لَا تكتفون باسم الْقَادِر الْعَالم المريد وَلَا تَقولُونَ باسم الآب والإبن وروح الْقُدس فَقدمت وأخرت وباللفظ وَالْمعْنَى أخللت
стр. 20
ثمَّ أنتجت النتيجة قبل ذكر الْمُقدمَات فَصَارَ لذَلِك كلامك من أرك الترهات فَقلت فِيهَا فيتبين آب وَابْن وروح الْقُدس ثَالِثا وَهَذَا كَلَام مختل نَاقص مشوب بِالْفَسَادِ غير خَالص وَإِنَّمَا كَانَ صَوَابه أَن يَقُول فيتبين أَنه آب وَابْن ثمَّ قلت ثَالِثا بِالنّصب بخطك ضَبطه مشعرا بأنك أعربته بل بالإتفاق كتبته وَلم تشعر بأنك قلبته وَأما قَوْلك إِن الْمَسِيح لما بعث الحواريين إِلَى جَمِيع الْأَجْنَاس فكلاما نقلته مُدعيًا أَنَّك رويته وَنحن يجب علينا أَن نتوقف فِي أخباركم وَلَا نقطع بتصديقكم وَلَا بأكذابكم بل نقُول مَا أمرنَا بِهِ الرَّسُول وبلغنا على أَلْسِنَة النقلَة الْعُدُول آمنا بِاللَّه وَرُسُله فَإِن صَدقْتُمْ لم نكذبكم وَإِن كَذبْتُمْ لم نصدقكم وَمَعَ تَسْلِيم ذك جدلا فَلَا بُد أَن نباحثكم فِيمَا نقلتم ونتفقه فِيمَا حكيتم
فَنَقُول ظَاهر قَوْلك هَذَا يفهم مِنْهُ أَن رِسَالَة عِيسَى كَانَت عَامَّة لجَمِيع الْأَجْنَاس وَلَيْسَ الْأَمر على مَا زعمتم وَسَيَأْتِي الْكَلَام على هَذَا فِي بَاب النبوات وَكَذَا الْكَلَام على المعمودية وَمَا يلْزم عَلَيْهَا يأتى فِي بَاب الْكَلَام على أحكامهم إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأما استدلالاته على اعْتِقَاد وجوب الآب والإبن وَالروح الْقُدس وَإِطْلَاق القَوْل بذلك بِمَا قَالَه عِيسَى للحواريين فَلَا حجَّة لَك فِيهِ إِذْ لَيْسَ بِنَصّ قَاطع بل هُوَ مِمَّا تَقولُونَ أَنْتُم فِيهِ متشابه فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون مُرَاده بِهِ عمدوهم على تَركهم هَذَا القَوْل كَمَا يَقُول الْقَائِل كل على اسْم الله وامش على اسْم الله أَي على بركَة اسْم الله وَلم يعين الآب والإبن من هما وَلَا مَا الْمَعْنى المُرَاد بهما فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْأَبِ هُنَا الْملك الَّذِي نفخ فِي مَرْيَم أمه الرّوح إِذْ نفخه سَبَب علوق أمه وحبلها بِهِ وَأَرَادَ بالإبن نَفسه إِذْ خلقه الله تَعَالَى من نفخة الْملك فالنفخة لَهُ بِمَثَابَة النُّطْفَة فِي حق غَيره
стр. 21
ثمَّ لَا يبعد أَيْضا فِي التَّأْوِيل إِن صَحَّ عَن عِيسَى ﵇ أَنه كَانَ يُطلق على الله لفظ الْأَب أَن يكون مُرَاده بِهِ أَنه ذُو حفظ لَهُ وَذُو رَحْمَة وحنان عَلَيْهِ وعَلى عباده الصَّالِحين فَهُوَ لَهُم بِمَنْزِلَة الْأَب الشفيق الرَّحِيم وهم لَهُ فِي الْقيام بحقوقه وعبادته بِمَنْزِلَة الْوَلَد الْبَار وَيحْتَمل أَن يكون تجوز بِإِطْلَاق هَذَا اللَّفْظ على الله تَعَالَى لِأَنَّهُ معلمه وهاديه ومرشده كَمَا يُقَال الْمعلم أَبُو المتعلم وَمن هَذَا قَوْله تَعَالَى فِي كتَابنَا ﴿مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم هُوَ سَمَّاكُم الْمُسلمين من قبل﴾ على أحد تأويلاته
وَمن هذَيْن التَّأْويلَيْنِ يَصح حل مَا وَقع فِي أَنَاجِيلهمْ من هَذَا اللَّفْظ بل هَذَانِ التأويلان ظاهران وسائعان فهيا وَيشْهد لهذين التَّأْويلَيْنِ قَول عِيسَى للحواريين على مَا جَاءَ فِي سُورَة الْوَصِيَّة حَيْثُ قَالَ لَهُم
إِذا صليتم فَقولُوا يَا أَبَانَا السماوي تقدس إسمك وَقرب ملكك ثمَّ قَالَ بعد كَلَام ووصايا فَإِذا كُنْتُم أَنْتُم على شرتكم تعرفُون إِعْطَاء الْخيرَات أَوْلَادكُم فَكيف أبوكم السماوي
وَكَذَلِكَ وَقع فِي إنجيل يوحنا يحيى أَن عِيسَى قَالَ للْيَهُود أَنا عَالم أَن من نسل إِبْرَاهِيم وَلَكِن تُرِيدُونَ قَتْلَى لأنكم
стр. 22
لَا تعلق بكم وصيتي فأعلمكم بِمَا رَأَيْت عِنْد الآب وَأَنْتُم إِنَّمَا تَعْمَلُونَ مَا رَأَيْتُمْ من أبيكم فَأَجَابُوهُ وَقَالُوا إِنَّمَا أَبونَا إِبْرَاهِيم فَقَالَ لَهُم إِن كُنْتُم بنى إِبْرَاهِيم فاقفوا أَثَره وَلَا تريدوا قَتْلَى على أَنى رجل وذنبي إِلَيْكُم الْحق الَّذِي سَمِعت عَن الله وَلم يفعل إِبْرَاهِيم غير هَذَا إِنَّكُم تقفون آثَار أبيكم فَقَالُوا بِهِ لسنا أَوْلَاد زنا وَإِنَّمَا نَحن بَنو الله فَقَالَ لَهُم لَو كَانَ الله أَبَاكُم لحفظتموني لأنني مِنْهُ
ثمَّ نقُول لِأَنَّهُ ﵇ وَإِن كَانَ يُطلق هَذِه الْأَسْمَاء فَإِنَّمَا كَانَ يطلقهَا متمثلا بهَا وَهَكَذَا أَكثر كَلَامه الَّذِي يحكون فِي إنجيلهم
ثمَّ قد نهى عَن إِطْلَاقهَا فِي الْإِنْجِيل الحواريين قَالَ فِي إنجيل لوقا للحواريين مَا تَقولُونَ أَنْتُم فَأَجَابَهُ سمعون بيطر وَقَالَ لَهُ أَنْت الْمَسِيح ابْن الله فنهاهم وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُول إِذا كَانَ يخرج الْجُنُون عَن المجانين فَكَانَت تخرج وَهِي تَقول أَنْت ابْن الله فَكَانَ ينتهرهم ويمنعهم من هَذَا القَوْل
стр. 23
فَهَذَا يدل دلَالَة بَيِّنَة على أَن الْمَسِيح كَانَ يُطلق لفظ الآب على الله تَعَالَى بِالْمَعْنَى الَّذِي يُطلق على إِبْرَاهِيم ﵇ أَنه أَب وَذَلِكَ بِمَعْنى الْمعلم الشفيق وَكَذَلِكَ جَاءَ اللَّفْظ فِي كتَابنَا ﴿مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم﴾ وَبِذَلِك الْمَعْنى تَقول الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي إِبْرَاهِيم وَلَيْسَ على حَقِيقَة الْأُبُوَّة وَمَعَ ذَلِك ف ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيم يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفا مُسلما وَمَا كَانَ من الْمُشْركين﴾
وَكَذَلِكَ فِي الْإِنْجِيل فِي غير مَا مَوضِع قَالَ لكم أبوكم وَقلت لأبي وَيلْزم على مساق هَذَا أَلا يخص الْمَسِيح باسم الإبن وَلَا الله تَعَالَى باسم الْأَب
وَمَا بالنا نطول الأنفاس مَعَ هَؤُلَاءِ الْجُهَّال فَإِنَّهُ إِذا احْتمل هَذِه التأويلات كَانَ من المتشابهات وَلَا يَنْبَغِي أَن يصير إِلَيْهِ فِي الإحتجاجات وخصوصا فِي الإعتقادات ثمَّ نقُول لَا يَخْلُو الْمُسْتَدلّ بذلك أَو مَا يُقَارِبه على الْمَعْنى الْمُتَقَدّم أما أَن يُرِيد بِهِ حَقِيقَة الْأَب والإبن أَو لَا يُرِيد ذَلِك فَإِن أَرَادَ الْحَقِيقَة كَانَ محالا وباطلا فَإِن حَقِيقَة الْأَب عِنْد الْعُقَلَاء حَيَوَان ولد من نُطْفَة حَيَوَان هُوَ من نَوعه وبهذه النِّسْبَة وَالصّفة تفهم حَقِيقَة الإبن وَهَذَانِ الوصفان محالان على الْقُدْرَة وَالْعلم فَإِن الْعلم لَيْسَ بحيوان مَوْلُود من نُطْفَة حَيَوَان وَلَا الْقُدْرَة حَيَوَان يخرج مِنْهَا نُطْفَة يتَوَلَّد مِنْهَا حَيَوَان وَهَذَا مَعْلُوم الْبطلَان بِالضَّرُورَةِ
стр. 24
وَإِن أَرَادَ بذلك الْمجَاز فَلَا يَصح لَهُ حمله على الْمجَاز حَتَّى يجْتَمع الْمجَاز والحقيقة فِي أَمر مَا فَإنَّك إِذا قلت زيد أَسد إِنَّمَا تجوزت بِلَفْظ الْأسد وأطلقته على زيد لأجل الشجَاعَة الجامعة بَين الْأسد وَزيد وَلَوْلَا ذَلِك لما صَحَّ الْمجَاز فَإِذن لَا بُد لهَذَا المتجوز من جَامع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فَمَا الْجَامِع الَّذِي لأَجله تجوز هَذَا المحتج فَإِن قَالَ الْأَمر الْجَامِع أَن الْقُدْرَة أصل الْعلم وَقد قَالَ ذَلِك فِي دَاخل كِتَابه منعنَا ذَلِك وَلم نَسْأَلهُ وَقُلْنَا الْمَفْهُوم من الْقُدْرَة والمعقول مِنْهَا عِنْد الْعُقَلَاء صفة بهَا يُوجد مَا لم يكن مَوْجُودا والمعقول من الْعلم أَنه صفة كاشفة نَفسهَا ومعلومها يصدر عَنْهَا الْأَحْكَام والإتقان وهما فِي حق الله تَعَالَى أزليان عندنَا وَعِنْدهم وَإِذا كَانَا كَذَلِك فَلَا يتَقَدَّم أَحدهمَا على الآخر فِي الْوُجُود وَإِذا لم يَصح ذَلِك فَلَا يكون أَحدهمَا أصلا للْآخر فَإِن أَرَادَ هَذَا الْقَائِل التَّقَدُّم فِي الذِّهْن فالعلم هُوَ الْمُتَقَدّم فِي الذِّهْن لِأَنَّهُ لَا يَصح فعل اخْتِيَاري من غير عَالم فَإِن الْعلم شَرط الإيجاد وَالشّرط مُتَقَدم فِي الذِّهْن على فَعلم ويتحقق هَذَا الْمَعْنى على الْقطع عِنْد من عرف الْفرق بَين الْعلم الْمَشْرُوط بِالضَّرُورَةِ وَكَذَلِكَ نقُول علم زيد فَقدر وَلَا نقُول قدر الفعلى والإنفعالي وَلَو عكستم مَا ذكرْتُمْ فسميتم الْعلم أَبَا وَالْقُدْرَة ابْنا لَكَانَ أَحَق بذلك وَأولى
ثمَّ نقُول لأي شَيْء صرتم إِلَى الْجَامِع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز هُوَ الَّذِي ذكرْتُمْ وَبِمَ تنكرون على من يزْعم أَن هُنَالك وَجها آخر لم تطلعوا عَلَيْهِ ثمَّ تحكمتم بِتَعْيِين هَذَا الْوَجْه الَّذِي ذكرْتُمْ
ثمَّ نقُول أَنْتُم قاطعون بِتَعْيِين هَذَا الْوَجْه الَّذِي أبديتم أَو غير قاطعين فَإِن زَعَمُوا أَنهم قاطعون فَمَا مُسْتَند قطعهم فَلَا بُد من إبدائه وَلَا شكّ فِي أَنهم يَجدونَ فِي هَذَا الْمَعْنى نصا قَاطعا فَإِن زَعَمُوا أَنهم لَيْسُوا بقاطعين فقد اعْتَرَفُوا بِأَنَّهُم شاكون فِي إعتقادهم وَقد كفونا مُؤنَة الْكَلَام مَعَهم فَإِنَّهُم أسندوا إعتقاداتهم إِلَى الشَّك وَكفى بذلك زورا وإفكا ثمَّ يلْزمهُم على تَسْلِيم مَا ذَكرُوهُ من الْجَامِع الَّذِي أبدعون أَن يكون الْبَارِي تَعَالَى وتنزه وتقدس أَبَا لكل الْمَخْلُوقَات إِذْ هُوَ أصل كل المحدثات أَي موجدها ومخترعها
وَأما قَوْلك فَجعل هَذِه الْأَسْمَاء ثَلَاثًا فيفهم مِنْهُ أَن هَذِه الثَّلَاثَة لأقانيم الَّذِي تقدم ذكرهَا مجعولة وَأَن الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي جعلهَا
стр. 25
وَإِن كَانَت بِجعْل الله فَهِيَ بخلقه وَمَا كَانَ بخلقه فَهُوَ مُحدث فيلزمك على ظَاهر قَوْلك أَن هَذِه الأقانيم محدثة باختراعه تَعَالَى وَأَنْتُم تَقولُونَ أَنَّهَا أزليات قديمَة
وَأما قَوْلك الَّتِي هِيَ أَسمَاء أَفعاله فقد أبطلناه فِيمَا تقدم حَيْثُ بَينا حَقِيقَة أَسمَاء الْأَفْعَال وَمن وقف على ذَلِك تبين بُطْلَانه هُنَالك وَأما قَوْلك مُخْتَلفَة الْأَسْمَاء كاختلاف قضايا تِلْكَ الْأَفْعَال ثمَّ وَاسِط ثمَّ أخر فَكَلَام لَا يروقك منظره وَلَا يُعِيد فَائِدَة مخبره يشْهد على قَائِله بالجنون ويضحك من عدم فَائِدَته وارتباطه العاقلون أَرَادَ هَذَا الْجَاهِل أَن يتَكَلَّم فخرس وَكَذَلِكَ يفعل الله بِكُل مُبْطل إِذا نكس وَإِنَّمَا أَرَادَ هَذَا الْمُبْطل وَلم تطاوعه الْعبارَة لما لم يحصل أَن هَذِه الأقانيم الثَّلَاثَة إِنَّمَا سميت أَبَا وإبنا وروح الْقُدس بِاعْتِبَار قضايا ثَلَاث وَذَلِكَ أَن الْقُدْرَة إِنَّمَا سميت أَبَا بِاعْتِبَار أَنَّهَا أصل الموجودات إِذْ بهَا وجدت وَإِنَّمَا سمى الْعلم ابْنا بِاعْتِبَار أَنه اتَّحد بالإبن الَّذِي هُوَ الْمَسِيح وَصدر عَنهُ وَإِنَّمَا سميت الْإِرَادَة روح الْقُدس بِاعْتِبَار مُكَافَأَة الْخلق فِي الدَّار الْآخِرَة بالنعيم
فَإِن زعمت أَنَّك لم ترد هَذَا فكلامك غير مَعْقُول وقولك لَيْسَ بمقبول وَهَذَا الَّذِي أبديته فِي هَذَا الْكَلَام لم يقل بِهِ أحد فِيمَا علمت من عقلاء نَصَارَى الْأَنَام وَكفى بِقَوْلِك عارا مُبين مُخَالفَته لأسقفكم أغشتين فها هُوَ يَقُول فِي مصحف الْعَالم الْكَائِن إِنَّمَا سمى الْعلم ابْنا بإضافته إِلَى الْقُدْرَة إِذْ الْقُدْرَة أَصله وكما صَار التعارف الأعجمي أَن تسمى الْقُدْرَة الَّتِي هِيَ الأَصْل والدا كَذَلِك صَار التعارف فِي ذَلِك اللِّسَان أَن يُسمى الْعلم الْمَنْسُوب إِلَيْهَا ابْنا فَقَوله هَذَا مُخَالف لِقَوْلِك ورأيه غير مُوَافق لرأيك على أَنه غلط فِي قَوْله أَن الْقُدْرَة أصل الْعلم ويتبين غلطه عِنْد من وقف على مَا قَدمته قبل لكنه وَإِن كَانَ قد غلط فَالْأَمْر عَلَيْهِ أقرب وَالْخلاف مَعَه أَهْون لِأَنَّهُ رَجَعَ الْخلاف مَعَه إِلَى إِطْلَاق لفظ وَلَيْسَ وَرَاء ذَلِك كثير حَظّ
وَأما قَوْلك لِأَن الْعلم لَا يُوقع عَلَيْهِ حَتَّى يتَوَلَّد كلَاما فَكَلَام حطيط يُنبئ عَن جهل وتخليط فَإِن الْعلم لَا يتَوَلَّد كلَاما إِذْ لَو جَازَ ذَلِك لانقلبت حَقِيقَة الْعلم وَلَو جَازَ انقلاب حَقِيقَة وَاحِدَة لجَاز انقلاب كل حَقِيقَة فيقلب الْقَدِيم حَادِثا والحادث قَدِيما والجسم عرضا
стр. 26
والسواد بَيَاضًا إِلَى غير ذَلِك من أَنْوَاع إنقلاب الْحَقَائِق ثمَّ قَوْلك فَاسد وباطل بِالضَّرُورَةِ فَإنَّا نعلم أمورا من غير كَلَام موصل إِلَى ذَلِك فقولنا بِوُجُود أَنْفُسنَا وبإلهنا ولذاتنا ومحسوساتنا بديهيات
ثمَّ قد صرحت بِلَفْظ التولد وَهُوَ بَاطِل من أَصله فَإِن المتولدات ممكنات وكل مُمكن مَقْدُور بقدرة الله تَعَالَى فَكل المولدات مقدورة بقدرة الله تَعَالَى وَإِنَّمَا ثَبت أَنَّهَا حدثت بقدرة الله تَعَالَى فَلَا يُقَال أَنَّهَا متولدات
أَقُول هَذَا وَالْكَلَام شجون وَالْعلم فنون على أَنِّي أعرف أَنَّك لَا تفهم مَا أَقُول وَإِنَّمَا أخاطب أهل الْفَهم والعقول
وَأما قَوْلك الَّذِي هُوَ قَادر عَالم مُرِيد اسْما للْوَاحِد الَّذِي لَا يتكثر فَقَوْل يدل على تخبطك وَسُوء تناولك نقضت بِهِ مَا تقدم من قَوْلك حَيْثُ جعلت الأقانيم أَسمَاء أَفعَال بزعمك ثمَّ قد صرحت هَا هُنَا بِأَنَّهَا أَسمَاء للْوَاحِد الَّذِي لَا يتكثر وَلَو حكى مثل هَذَا الْكَلَام عَن المستغرقين النوام لقيل هَذَا أضغاث أَحْلَام
وَبعد هَذَا فلتعلم أَنِّي تجاوزت عَنْك فِي هَذَا الْفَصْل وَلم أؤاخذك بِكُل مَا فِيهِ من خطل القَوْل خشيَة طول الْكَلَام وتبدد الْمطلب وَبعد المرام وَأول ذَلِك أَنَّك لحنت وصحفت فِي ثَمَانِيَة مَوَاضِع تتبين للناشئين بل المراضع
стр. 27
الْفَصْل الثَّالِث
تَعْلِيل التَّثْلِيث
فِي حِكَايَة كَلَامه أَيْضا
ثمَّ قَالَ
فَإِن قلت بالتثليث لِأَنَّهَا أَسمَاء أَفعَال الله فأسماء أَفعاله أَكثر من ثَلَاثَة فَقولُوا بهَا كقولكم بالتثليث لِأَن عَزِيز وقوى وغلوب وَسميع وقاهر وبصير وغفور وراضي وساخط ومعاقب وَغَيرهَا من أَسمَاء أَفعاله فَقولُوا بهَا أجمع كقولكم بالتثليث قلت لَك هَذِه الَّتِي ذركناها هِيَ أصُول جَمِيع التَّسْمِيَة وَمِنْهَا تنبثق وفيهَا تندعم فعزير وَقَوي وغلوب وقاهر وَمَا أشبههَا أَصْلهَا الْقُدْرَة وَمِنْهَا تنبثق وَفِيمَا تندغم وغفور وَرَحِيم وراضي وساخط ومعاقب أَصْلهَا الْإِرَادَة مِنْهَا تنبثق وفيهَا تندغم فَإِن قلت فقديم وَحي لَيست منبثقة مِنْهَا وَلَا مندغمة فِيهَا فَقولُوا بالتخميس قلت لَك إِن قديم وَحي أَسمَاء ذَات لَا أَسمَاء أَفعَال وكل اسْم للذات إِنَّمَا يُؤَدِّي معنى وَاحِدًا لنفي ضِدّه فقديم لنفي مُحدث وحى لنفي ميت وَرب لنفى مربوب وإله لنفى مألوه فَكل اسْم من هَذِه الْقُدْرَة وَالْعلم والإرادة الَّتِي هِيَ أَسمَاء أَفعَال ثَلَاثَة لذات وَاحِدَة لَا يتكثر وكما أَنا قد فهمنا أَن نفس الْإِنْسَان لَا يقوم لَهَا فعل إِلَّا عَن ثَلَاثَة إِن نقص مِنْهَا وَاحِد لم يتم لَهُ فعل وَإِن زَاد فِيهَا رَابِع لم يتَّفق كَذَلِك فهمنا عَن خالقنا أَن تَدْبيره بِنَا عَن ثَلَاثَة وَذَلِكَ أَن الْإِنْسَان لَا يقوم لَهُ فعل دون الثَّلَاثَة وَذَلِكَ الْقُدْرَة وَالْعلم والإرادة وَلَا رَابِع مِنْهَا فَإِن عجزت مِنْهَا وَاحِدَة لم يتم لَهُ بالإثنين فعل لِأَنَّهُ إِن علم وَأَرَادَ وَلم يقدر فقد عجز وَإِن قدر وَعلم وَلم يُرِيد فَلَا يتم لَهُ شَيْء إِلَّا بالإرادة وَإِن قدر وَلم يعلم لم يتم لَهُ فعل بِالْجَهْلِ فَقرب لنا الْكتاب معرفَة الْخَالِق بخلقه لَهُم بِمثل تعارفنا فِي أَنْفُسنَا أَن الْقُدْرَة وَالْعلم والإرادة خَواص قَائِمَة هِيَ المتممة للْفِعْل منا وَإِنَّهَا لذات وَاحِدَة وَكَذَلِكَ التَّثْلِيث فِي الله وَاحِد
الْجَواب عَن مَا ذكر
اعْلَم يَا هَذَا أَنَّك اعترضت على نَفسك بِمَا يدل على كلال ذهنك وَعدم حدسك لِأَنَّك أخللت بالسؤال وتحكمت فِي
стр. 28
الإنفصال أما إخلالك بالسؤال فَأول ذَلِك أَنَّك لحنت فِي هَذَا الْفَصْل فِي ثَمَانِيَة عشر موضعا وَذَلِكَ بَين عِنْد من تَأمل مكتوبك وثانية أَنه كَانَ يَنْبَغِي لَك أَن تقدم قبل هَذَا السُّؤَال النّظر فِي حد هَذِه الأقانيم وحقيقتها ثمَّ فِي الدَّلِيل على وجودهَا فَإِن النّظر فِي كَون الشَّيْء وَاحِدًا أَو كثيرا إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ بعد معرفَة حَقِيقَته وَمَعْرِفَة وجوده فَإِذا فرغت من ذَلِك نظرت فِيهَا هَل وجودهَا زَائِد على الذَّات أعنى ذَات الْفَاعِل أم هُوَ عين الذَّات فَإِذا عرفت هَذِه المطالب كلهَا حِينَئِذٍ كَانَ يمكنك أَن تنظر هَل هِيَ وَاحِدَة أم كَثِيرَة أَو هَل ترجع إِلَى شَيْء أَو يرجع إِلَيْهَا شَيْء لَا بُد لكل نَاظر ينظر فِيهَا نظرت أَنْت فِيهِ أَن تعرف قبله مَا ذكرته بالبراهين القاطعة وَإِلَّا فَكيف تَتَكَلَّم فِي فرع لم يثبت عنْدك أَصله وَلَو كنت فِي نظرك من المتفطنين لنظرت على الطَّرِيقَة الَّتِي علمهَا لكم أغشتين
وَأما تحكم فِي الإنفصال فَإِنَّمَا يتَبَيَّن إِذا حكيت كلامك وفهمت مرادك وَذَلِكَ أَنَّك وجهت على نَفسك كَانَ قَائِلا قَالَ لَك لم جعلت الأقانيم ثَلَاثَة وَأَسْمَاء الله تَعَالَى أَكثر من ذَلِك قانفصلت عَن ذَلِك وَقلت أَسمَاء اللة تَعَالَى وَإِن كَانَت كَثِيرَة فَإِنَّمَا ترجع إِلَى هَذِه الثَّلَاثَة فقاهر وَقَوي وغلوب وَمَا أشبههَا رَاجع إِلَى الْقُدْرَة وغفور وَرَحِيم وَمَا أشبههما رَاجع إِلَى الْإِرَادَة هَذَا مُقْتَضى كلامك بعد التّكْرَار والإكثار وَهَذَا كُله مِنْك تحكم بِمَا لم يقم لَك عَلَيْهِ دَلِيل وَلَا يشْهد لَهُ من كلامك نظر وَلَا تَعْلِيل
وَإِلَّا فَمَا الَّذِي يدلك على أَن أَسمَاء مُخْتَلفَة المفهومات والحقائق رَاجِعَة إِلَى معنى وَاحِد وَإِن جَازَ أَن ترد الْأَسْمَاء الْمُخْتَلفَة المفهومات إِلَى معنى وَاحِد بالتحكم جَازَ أَن تقضى بعكس ذَلِك وَهُوَ أَن ترد الْأَسْمَاء المترادفة على معنى وَاحِد إِلَى معَان مُخْتَلفَة وَذَلِكَ لَا يَقُوله الغبي الْجَاهِل بله الْكيس الْفَاضِل تَقول على جِهَة السُّؤَال وَبِه يظْهر تحكمك فِي الإنفصال بِمَ تنكر على من يزْعم أَن جَمِيع صِفَات الْكَمَال مثل الْقُدْرَة وَالْعلم والإرادة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام والحياة والقدم والبقاء وَغير ذَلِك من صِفَات الْكَمَال والإستغناء هِيَ أقانيم الموجودات وأصولها فَإِن الممكنات إِنَّمَا يتبدل عدمهَا بوجودها بإيجاد موجد متصف بِصِفَات الْكَمَال ومنزه عَن صِفَات النَّقْص والإفتقار وَإِن اتّصف بِصِفَات النَّقْص والإفتقار كَانَ مُحْتَاجا إِلَى مزيل النَّقْص
стр. 29
عَنهُ وَمن كَانَ مُحْتَاجا كَانَ مُمكنا وكل مُمكن فلابد أَن يسْتَند وُجُوبه إِلَى سَبَب وَاجِب الْوُجُود فَحصل من هَذَا أَن صِفَات الْكَمَال والإستغناء كلهَا لَا يَصح إِيجَاد مَوْجُود مُحدث إِلَّا مِمَّن اتّصف بمجموعها وَأَن من لم يَتَّصِف بهَا فَلَا يَصح مِنْهُ إِيجَاد مَوْجُود فَإِذن هِيَ أصُول الموجودات الممكنة فَإِذن هِيَ أقانيم على قَوْلك
وَسَيَأْتِي مزِيد كَلَام فِي الأقانيم ثمَّ نقُول إِن قضيت بِرُجُوع هَذِه الْأَسْمَاء بَعْضهَا إِلَى بعض مَعَ تبَاين مفهوماتها وَاخْتِلَاف مَعَانِيهَا فَلم لَا تقضى بِرُجُوع الْإِرَادَة إِلَى الْعلم وبرجوع الْعلم إِلَى التجرد عَن الْمَادَّة كَمَا زعمت الفلاسفة وَلم لَا تقضى بِرُجُوع الْقُدْرَة إِلَى الْوُجُود كَمَا قد ذهب إِلَيْهِ طوائف من النَّصَارَى الْمُتَقَدِّمين فقد كَانَ طوائف مِنْهُم لَا يعدون الْقُدْرَة أقنوما وَكَانُوا يردونها إِلَى الْوُجُود وَكَانُوا يردون الْإِرَادَة للحياة فالأقانيم عِنْدهم الْوُجُود وَالْعلم والحياة وَسَيَأْتِي حِكَايَة مَذْهَبهم إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَهَذَا كُله يدل على أَنكُمْ فِي عقائدكم متحكمون لَا ترجعون فِيهَا إِلَى أصل عَلَيْهِ تعولون
وَأما سؤالك الثَّانِي الَّذِي وجهت على نَفسك فوارد عَلَيْك ولازم لَك وَلم تنفصل عَنهُ على أَنَّك أخللت بِهِ فَإِن الَّذِي يعْتَرض بِهِ عَلَيْك أَكثر من قديم وَحي اذ قد يرد عَلَيْك الْوُجُود فان اصل الاقانيم ة السّمع وَالْبَصَر فَإِن لَا يَصح رُجُوعهَا بِحَال إِلَى الْعلم فَإِن الْعلم لَا يَنُوب عَن الْإِدْرَاك فَأَنا بِالضَّرُورَةِ نعلم الْفرق بَين الْعلم بالصوت وَسَمَاع الصَّوْت وَبَين الْعلم بالمرئى ورؤية المرئى مِثَال ذَلِك أَنا نعلم مَعْلُوما على غَايَة مَا يُمكن من الْعلم ثمَّ إِذا رَأَيْنَاهُ حصل لنا بِالضَّرُورَةِ مزِيد وضوح ومزيد بَيِّنَة على الْعلم بِهِ وَكَذَلِكَ فِي المسموع فَذَلِك الْمَزِيد وَتلك الْمَزِيد أما أَن نقُول أَن الله ﵎ مدرك لَهَا أَو لَيْسَ مدْركا لَهَا فَإِن لم يُدْرِكهَا فقد فَاتَهُ بعض المزايا وَلم يحصل لَهُ ذَلِك الوضوح فَيكون من يُدْرِكهَا وحصلت لَهُ أكمل مِمَّن لم تحصل لَهُ فَيُؤَدِّي إِلَى أَن يكون الْمَخْلُوق أكمل من الْخَالِق والمصنوع أشرف وَأتم من الصَّانِع وَذَلِكَ محَال وَإِن كَانَ مدْركا لَهَا فبذلك الْإِدْرَاك يُسمى بَصيرًا سمعيا وَهُوَ زَائِد على الْعلم فَإِن الْعلم لَا يغنى عَنهُ كَمَا تقدم ولسنا تشْتَرط فِيهَا بنية مَخْصُوصَة وَلَا جارحة وَلَا
стр. 30
اتِّصَال أشعة بل تنزه الله تَعَالَى عَن كل مَا يُوهم النَّقْص الْقُصُور فِي حَقه وَهَذَا كَمَا أَنا لم نشترط فِي كَونه تَعَالَى عَالما قلبا وَلَا دماغا وَلَا فِي كَونه قَادِرًا بنية وَلَا آلَة بل السّمع وَالْبَصَر ادراكان أعنى صفتين متعلقتين بالمسموعات والمبصرات على مَا يعرف فِي مَوْضِعه فَإِذا تبين أَنَّهُمَا لَا يرجعان إِلَى الْعلم فعدوهما أقنومين زائدين على مَا ذكرْتُمْ وَهَذَا مَا لَا محيص عَنهُ وَلَا جَوَاب عَلَيْهِ
وَأما قَوْلك وكل اسْم للذات إِنَّمَا يُؤَدِّي معنى وَاحِدًا لنفى ضِدّه فَكَلَام من لم يحنكه الإعتبار وَلَا عرف اصْطِلَاح النظار وَذَلِكَ أَنَّك أطلقت صِفَات الذَّات وصفات الْأَفْعَال على مَا لم يُطلقهُ عَلَيْهِ النظار وَلَا أستعمله فِي نظره أحد من عُلَمَاء الْأَمْصَار
وَنحن نذْكر اصْطِلَاح النظار المعتبرين فِي صفة النّظر والأفكار فِي إِطْلَاق هَذِه الْأَسْمَاء ليتبين للْوَاقِف على هَذَا الْكتاب أَنَّك لم تعرف شَيْئا من اصطلاحاتهم ولاحطت على شَيْء من مفهوماتهم
قَالُوا إِنَّمَا تطلق الْأَسْمَاء بِحَسب المسميات والمسميات إِمَّا ذَات أَو أَمر زَائِد على الذَّات فَالَّذِي يدل من الْأَسْمَاء على الذَّات هُوَ الَّذِي يُقَال عَلَيْهِ اسْم ذَات مِثَال قَوْلنَا إِنْسَان وَملك وَمن أَسْمَائِهِ تبَارك وتعال الله وَالْحق وَأما الَّذِي يدل على أَمر زَائِد على الذَّات فَذَلِك الْأَمر إِمَّا أَن يكون نفى شَيْء عَن الذَّات أَو ثُبُوت شَيْء للذات فَالَّذِي يدل على نفي شَيْء عَن الذَّات هُوَ الَّذِي يُقَال عَلَيْهِ اسْم سلب مِثَال ذَلِك فَقير وَسَالم وَمن أَسْمَائِهِ ﵎ القدوس وَالسَّلَام فَإِنَّهَا تدل على الْبَرَاءَة من الْعُيُوب وعَلى نَفيهَا وَأما الَّذِي يدل على ثُبُوت شَيْء للذات فَذَلِك الثَّابِت إِمَّا أَن يقوم بِالذَّاتِ أَو لَا يقوم بهَا فَالَّذِي يقوم بِالذَّاتِ هُوَ الَّذِي يُقَال عَلَيْهِ اسْم صفة وَمِثَال ذَلِك عَالم وقادر وَسميع وبصير فَإِن هَذِه صِفَات زَائِدَة على الذَّات وَأما الزَّائِد على الذَّات الَّذِي لَا يقوم بهَا فَهُوَ الَّذِي يُقَال عَلَيْهِ إسم الْفِعْل وَقد يُقَال عَلَيْهِ اسْم الْإِضَافَة مثل خَالق ورازق وَمَا أشبه ذَلِك
فَحصل من التَّقْسِيم أَن الْأَسْمَاء على أَرْبَعَة أضْرب أَسمَاء ذَات وَأَسْمَاء صِفَات وَأَسْمَاء سلوب وَأَسْمَاء أَفعَال وَقد يُقَال عَلَيْهَا
стр. 31
المعتبرين فَإِن كنت اصطلحت مَعَ نَفسك على غير مَا تعارفه النظار خلست على شَيْء مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ الْعلمَاء والأحبار فَتكلم باصطلاحك مَعَ نَفسك وَلَا تخاطب بِهِ أحدا من أَبنَاء جنسك وَلَا يظنّ ظان أَن هَذَا السَّائِل اراد بأسماء الْأَفْعَال الْأَسْمَاء الَّتِي لَا يُوجد الْفِعْل إِلَّا بهَا مثل الْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة فَإِنَّهُ قد جعل من أَسمَاء الْأَفْعَال مَالا يُوجد بِهِ فعل كسميع وبصير وَغَيرهمَا مِمَّا ذكر وَفِيمَا أَحسب أَنه أَرَادَ هَذَا الْمَعْنى وَلم تساعده الْعبارَة فعنى وعنى
وَأما قَوْلك حَيّ لنفى ميت وَرب لنفى مربوب وإله لنفى مألوه فَكَلَام مَجْنُون معتوه فَإِنَّهُ إِن جَازَ أَن يكون حَيا من أَسمَاء السلوب والنفى فَمَا الْمَانِع من أَن يكون الْعلم من أَسمَاء السلوب فَإِنَّهُ مُمكن أَن يُقَال عَالم لنفى جَاهِل ومريد لنفى كَارِه وقادر لنفى عَاجز وَهَكَذَا يجْرِي فِي جَمِيع الصِّفَات والأسماء الَّتِي لَهَا نقائض وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى جهالات وَجحد المعقولات وَأَيْضًا فَإِن كَانَت الْحَيَاة سلبا فيستحيل أَن تكون شرطا للْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة وَغَيرهَا وَكَونهَا شرطا لهَذِهِ الصِّفَات مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ والنفى لَا يكون شرطا وَلَا مَشْرُوطًا فِي مثل مَا نَحن فِيهِ
ثمَّ نقُول قَوْلك هَذَا مُخَالف لما تَقوله أقستكم هَذَا صَاحب كتاب الْحُرُوف يَقُول الْبَارِي تَعَالَى لم يزل حَيا بِرُوحِهِ وناطقا بكلمته فمهما قلت لم يزل حَيا وَلم يزل ناطقا أوجبت فِي نطقك لِحَيَاتِهِ ونطقه الأزلية وَهَذَا مِنْهُ تَصْرِيح بِأَن الْحَيَاة لَيست ترجع إِلَى نفى الْمَوْت ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك بِكَلَام وروحه أعنى حَيَاته أقنوم خَاص كَامِل لم يزل وَسَيَأْتِي الْكَلَام مَعَه فِي هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأما قَوْلك رب لنفى مربوب فَقَوْل مختلط عقله مغلوب فَإِن الرب مَعْنَاهُ الْملك فَهُوَ من أَسمَاء الْإِضَافَة وَالْأَفْعَال وَأما الْإِلَه فَهُوَ من الْآلهَة وَهِي الْعِبَادَة فَهُوَ مألوه أَي معبود آلِهَة عبَادَة فَهُوَ من أَسمَاء الْأَفْعَال وَالْإِضَافَة
وَأما قَوْلك وكما أَنا قد فهمنا أَن نفس الْإِنْسَان لَا يقوم لَهَا فعل إِلَّا عَن ثَلَاثَة كَذَلِك فهمنا عَن خالقنا أَن تَدْبيره بِنَا عَن ثَلَاثَة فَقَوْل يدل على سوء نظرك وَقلة تثبتك وَذَلِكَ أَن مَفْهُوم مَا ذكرته فِي هَذَا
стр. 32
الْفَصْل على تثبيجه وَسُوء ترتيبه هُوَ أَنَّك قلت إِن الْإِنْسَان لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ فعل حَتَّى يكون قَادِرًا عَالما مرِيدا فَإِن نَقصه مِنْهَا وَاحِد لم يَصح إِيجَاد الْفِعْل مِنْهُ فَكَذَلِك خالقنا هُوَ قَادر عَالم مُرِيد وَلَو نَقصه مِنْهَا وَاحِد لم يَصح مِنْهُ إِيجَاد فعل كالإنسان هَذَا مَفْهُوم كلامك على كثرته
وَهَذَا كَلَام فَاسد لِأَنَّهُ قِيَاس الْغَائِب على الشَّاهِد إِذْ هُوَ قِيَاس خَال عَن الْجَامِع وَأَيْضًا فَلَو كَانَ هُنَالك جَامع لَكَانَ بَاطِلا فَإِنَّهُ قِيَاس جزئي على جزئى وَذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ صَالح للظنيات لَا للعمليات وَلَو جَازَ قِيَاس الْبَارِي سُبْحَانَهُ على خلقه للَزِمَ أَلا يكون قَادِرًا حَتَّى يكون ذَا آلَة وَعصب وَيَد الْجَارِحَة فَإِن الْوَاحِد منا لَا يكون قَادِرًا حَتَّى يكون كَذَلِك وَكَذَلِكَ كَانَ يلْزم أَلا يكون عَالما حَتَّى يكون ذَا قلب ودماغ إِلَى غير ذَلِك من المحالات ويلزمك على مساق قَوْلك أَن يكون الْبَارِي تعلى جسما فانك كَمَا لم ترى موجدا وَلَا فَاعل لفعل الا قَادِرًا عَالما مرِيدا كَذَلِك لم ترد فَاعِلا وَلَا موجدا إِلَّا جسما وَهَذِه جهالات لَازِمَة على قَوْلك ومنتجة عَن صمم جهلك فَلَا تنْتَفع بِهَذَا الْكَلَام حَتَّى تسبره على محك النظار الْأَعْلَام وَلَو تتبعنا خطاك فِي هَذَا الْفَصْل لطال الْكَلَام ولكثر عَلَيْك التوبيخ والملام لَكنا نكل النَّاظر فِيهِ للوقوف على فَسَاد مَعَانِيه
стр. 33
الْفَصْل الرَّابِع
دَلِيل التَّثْلِيث
فِي حِكَايَة كَلَامه أَيْضا
قَالَ
فَإِن سَأَلَ سَائل من الْمُخَالفين فَقَالَ فَمَا الدَّلِيل على صدق مَا تدعون من تثليث وحدانية الْخَالِق وَكَيف يُمكن أَن تكون الثَّلَاثَة وَاحِدًا وَالْوَاحد ثَلَاثَة مَعَ مَا ابتدأتم بِهِ من القَوْل وإثباتكم إِيَّاه فَردا لم يزل
قُلْنَا لَهُم أما أَن تكون الثَّلَاثَة وَاحِدًا وَالْوَاحد ثَلَاثَة فَلذَلِك لعمرى مَالا يُمكن كَونه وَلَكِن نقُول أَن جوهرا قَدِيما لم يزل مَوْجُودا بِثَلَاث خَواص أزليات جوهرات غير متباينات وَلَا متفرقات فِي الْجَوْهَر الْقَدِيم الأزلي اليذي لَا يَتَبَعَّض وَلَا يتَجَزَّأ بِعَيْنِه وكماله فَلَا هُوَ ثَلَاثَة وَجَمِيع الثَّلَاثَة خَواص هِيَ بِمَعْنى مَا هُوَ وَاحِد وَلَا هُوَ وَاحِد بِمَعْنى مَا هُوَ ثَلَاثَة أعنى لَيْسَ هُوَ خَاصَّة وَاحِدَة بل ثَلَاثَة خَواص فَهَذَا مَذْهَبنَا فِي تثليث وحدانية الْخَالِق
الْجَواب عَنهُ
هَذَا السُّؤَال الَّذِي وجهت على نَفسك وَارِد عَلَيْك ولازم لَك وَأما انفصالك عَنهُ فمخرجك عَن مِلَّة النَّصْرَانِيَّة وَلَا يبْقى عَلَيْك مِنْهَا بَقِيَّة وَذَلِكَ أَن مرادك من هَذَا الْجَواب أَنَّك قلت كلَاما مَعْنَاهُ أَن كَون الْوَاحِد ثَلَاثَة وَالثَّلَاثَة وَاحِدًا غير جَائِز عقلا وَلَكِن معنى التَّثْلِيث أَن الله تَعَالَى جَوْهَر قديم لم يزل مَوْصُوفا بِثَلَاث خَواص أوليات فَهُوَ وَاحِد بِمَجْمُوع الأقانيم وَثَلَاثَة بتفريق الأقانيم وَتلك الأقانيم لَا تفارق وجوده وَلَا تباينه وَلَا يُمكن أَن يحمل كلامك إِلَّا على هَذَا وَإِن حمل على غَيره فَهُوَ بعيد وَغَيره مُفِيد
وَهَذَا الَّذِي ذكرته لَا يسْأَله لَك أَكثر النَّصَارَى بل يتبرأون عَنهُ وَلَا يرضون بِشَيْء مِنْهُ إِذْ نَصَارَى قبلك أَكْثَرهم متفقون على أَن الأقانيم الثَّلَاثَة آلِهَة وَأَنَّهَا إِلَه وَاحِد فَأَنت تَقول هِيَ خَواص وهم يَقُولُونَ آلِهَة فَأَي شَيْء يجمع بَين الخاصية والإلهية وَبَينهمَا مَا بَين السَّمَاء
стр. 34
وَالْأَرْض وَالرَّفْع والخفض وسيتضح ذَلِك اذا نقلنا مذاهبهم فِي ذَلِك ان شَاءَ اللة تَعَالَى ثمَّ نقُول لَهُم لأي شَيْء تحكمتم بِتَسْمِيَة خالقكم جوهرا وَفِي أَي مَوضِع كتب الْأَنْبِيَاء وجدْتُم الْأَمر بذلك أَو على لِسَان من بَلغَكُمْ الْأَمر بِهِ وَلَا تَجِدُونَ لإِثْبَات الْأَمر بذلك سَبِيلا غير التحكم وَلَو كُنْتُم مِمَّن يستحى من الله لما تحكمتم عَلَيْهِ بِأَن سميتموه بِمَا لم يسم بِهِ نَفسه وَلَو أَن وَاحِد مِنْكُم سمى لَهُ ولد بِغَيْر أمره لأنف من ذَلِك وعظيم عَلَيْهِ ولوبخ الْمُسَمّى لِأَنَّهُ تصرف فِيمَا لَا يَنْبَغِي لَهُ هَذَا إِذا كَانَ الإسم مِمَّا يفهم مِنْهُ الْمَدْح فَمَا ظَنك لَو سمى بلقب يفهم مِنْهُ النَّقْص وَالْعَيْب وَلَفظ الْجَوْهَر فِي الْمُتَعَارف عِنْد النظار وَغَيرهم يطلقونه على المتحيز وَهُوَ الجرم الشاغل قدرا من المساحة وَلَا بُد لَهُ من الْحَرَكَة والسكون وهما دَلِيلا تغيره وحدوثه فَإِن أردْت بِهِ معنى آخر فَلَا بُد من بَيَانه إِذا لم تَتَكَلَّم بِمَا تكلم بِهِ أَرْبَاب النّظر المذللول سبل العبر
стр. 35
الْفَصْل الْخَامِس
فِي بَيَان اخْتلَافهمْ فِي الأقانيم
نبين فِي هَذَا الْفَصْل مَذَاهِب أوائلهم ونتكلم مَعَهم فِيهَا ونوضح مسائلهم فِيهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى ونحكى مذاهبهم بألفاظهم كَمَا وَجدتهَا فِي كتبهمْ وَلم أعول فِي ذَلِك على نقل عُلَمَائِنَا عَنْهُم فَقَط بل تتبعت مَا أمكنني من كتبهمْ وَالله الْمُوفق
قَالُوا
لما أفهمتنا الشواهد الْعَقْلِيَّة أَن الْخَالِق لم يزل حَيا وَلم يزل ناطقا قُلْنَا فَهَل يحِق أَن يكون هُوَ بحياته ونطقه شخصا وَاحِدًا جَامعا لأجزاء مُخْتَلفَة كَمَا يُقَال فِي حد الْإِنْسَان أَنه حَيَوَان نَاطِق مائت إِذْ تسمى أَجزَاء جوهره مَعَ أعراضه الْمُخْتَلفَة فِيهِ أقنوما وَاحِدًا شخصا وَاحِدًا وَلَا يُسمى كل جُزْء وكل عرض مِنْهَا أقنوما أنسيا وَذَلِكَ لِأَن اسْم الأقنوم وَاجِب للشَّيْء المستغنى بِذَاتِهِ الْقَائِم بشخصه لالذي الإضطرار ولالذي الإشتباك كالأعراض فَإِن الْأَجْزَاء والأعراض لَا تقوم مكتفية بذواتها كَمَا أَن حر النَّار الَّذِي هُوَ جُزْء من قوى النَّار لَا يقوم بِذَاتِهِ أقنوما مُنْفَردا دون أَصْلِيَّة النَّار وضوئها وَكَذَلِكَ الْأَعْرَاض المشتبكة فِي الْجَوْهَر كالسواد وَالْبَيَاض وَمَا أشب ٤ ههما لَا تقوم أشخاصها مكتفية بذواتها دون الْجَوْهَر اللَّازِم لَهَا فالأقنوم هُوَ المستغنى بِذَاتِهِ عَن أصل جوهريته كالإنسان المستغنى بخاصية إنسانه عَن النَّاس والشجرة عَن الْأَشْجَار وَالدِّينَار عَن الدَّنَانِير فامتناع أَجزَاء الْإِنْسَان من الْقيام أشخاصا لاضطرارها وعجزها عَن الْقيام بذواتها كروحه العاجزة عَن الْقيام بتحديدها إنْسَانا دون جِسْمه ونطقه وَكَذَلِكَ نُطْفَة وجسمه يعجز كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن الْقيام بتحديده إنْسَانا دون روحه وَذَلِكَ لاضطرار كل جُزْء مِنْهَا إِلَى صَاحبه فِي الْقيام بإنسانيته
فَإِذا تقرر هَذَا فحياة الله ونطقه لَا يَخْلُو من أَن يَكُونَا جزأين من جوهره كَمَا هُوَ من الْإِنْسَان أَو غير جَوْهَرَة فان قُلْنَا هما جزءان من الجوهره ألزمنا مَا يلْزم الْإِنْسَان من الإضطرار والتأليف لأَنا وجدنَا
стр. 36
أَجزَاء الْإِنْسَان لاضطرار بَعْضهَا إِلَى بعض تقصر عَن إحتمال أَسمَاء الأقانيم وَهَذَا يَسْتَحِيل على الْجَوْهَر الأزلي إِذْ هُوَ ومتعالى عَن الْأَجْزَاء والتأليف والتركيب والأعراض فأوجبوا أَن تكون خواصه لغنائه وكمالها تسمى أقانيم قَائِمَة بخواصها ومستحقة الَّذِي تُوصَف بِهِ بجوهرية قديمَة كقدمه لَا جزأين مركبين وَلَا عرضين منفصلين لِأَنَّهُ لم يزل حَيا وناطقا بكلمته
وَمن زعم أَن الْحَيَاة من الله والنطق مِنْهُ محدثان وصف الله تَعَالَى فِي أزليته بِالْمَوْتِ وَالْجهل وَإِن قُلْنَا حَيَاته ونطقه غير جوهره أزليان فقد أشركنا مَعَ الله فِي أزليته غَيره فَلذَلِك يُسمى كل وَاحِد من الرّوح والكلمة جوهرية خَاصَّة فَوَجَبَ أَن يكون جَوْهَر الْخَالِق تَعَالَى أقنوما خَاصّا قَائِما كَامِلا بخاصيه لم يزل ونطقه الَّذِي هُوَ كَلمته أقنوما خَاصّا كَامِلا قَائِما بخاصية لم تزل وروحه أعنى حَيَاته أقنوما خَاصّا كَامِلا بِخَاصَّة لم يزل فَهَذِهِ ثَلَاثَة أقانيم مَعْرُوفَة بمعانيها لَا متفاصلة وَلَا متركبة وَلَا متشابكة جَوْهَر وَاحِد ذَات وَاحِدَة
هَذَا كَلَام صَاحب الْحُرُوف وَهُوَ عِنْدهم القسيس الْمَعْرُوف وَلَقَد رام تَحْسِين مَذْهَبهم وتبيين مطلبهم وَلَكِن لَا يَسْتَوِي الظل وَالْعود أَعْوَج وَلَا يصلح الْمَذْهَب وقائله أهوج ... وَهل يصلح الْعَطَّار مَا أفسد الدَّهْر ...
وهم مَعَ ذَلِك فِيمَا ذَكرْنَاهُ من الأقانيم مُخْتَلفُونَ وبالحيرة عمهون
هَذَا صَاحب كتاب الْمسَائِل يَقُول هَذِه الثَّلَاثَة الأقانيم متوحدة لأجل الآب مُتَسَاوِيَة لأجل الإبن منتظمة الرّوح فنؤمن أَن الْأَب أَب لأجل أَنه ذُو ابْن والإبن ابْن لِأَنَّهُ ذُو أَب وَالروح الْقُدس منبثق لِأَنَّهُ من الآب والإبن فالأب أَصْلِيَّة الإلهية لِأَنَّهُ كَمَا لَا يَخْلُو قطّ أَن يكون إِلَهًا كَذَلِك لم يَخْلُو قطّ أَن يكون أَبَا الَّذِي الإبن مِنْهُ مَوْلُود وَالَّذِي الرّوح الْقُدس مِنْهُ لَيْسَ مولودا لِأَنَّهُ لَيْسَ ابْنا وَلَا غير مَوْلُود لِأَنَّهُ لَيْسَ مخلوقا لِأَنَّهُ لَيْسَ من شَيْء بل إِلَه منبثق من الآب والإبن إِلَه
стр. 37
وأقنوم الآب غير أقنوم الإبن وأقنوم الإبن غير أقنوم الرّوح الْقُدس لَكِن التَّثْلِيث الْمُقَدّس ذَات وَاحِدَة إلهية وَاحِدَة وَهَذَا تَصْرِيح بِأَن الأقانيم آلِهَة وَإِن كَانَ وَاحِد مِنْهَا غير الآخر
وَقد ذهب شباليش إِلَى أَن الثَّلَاثَة الأقانيم ممتزجة فِي أقنوم وَاحِد وَهُوَ عِنْد كثير مِنْهُم مكفرا وكالمكفر وَقد ذهب آريش إِلَى أَنه إلهية الأقانيم منخزلة ومتبعضة الذَّات وَهُوَ عِنْدهم مفتر خارجي
وَقَالَ صَاحب كتاب الْمسَائِل لسنا نؤمن أَن فِي التَّثْلِيث شَيْئا مخلوقا أَو خَادِمًا كَالَّذي أنشأه دنونيشيش أَو غير معتزل كَقَوْل أونوميش أَو نَاقص الإمتنان كَقَوْل أوتفش أَو مقدما أَو مُؤَخرا أَو صَغِيرا كَقَوْل آريش وَلَا ذَا جَسَد كَقَوْل مالطه وترتليان وَلَا مصورا بالحيدية كَقَوْل أَرْبَد ونمرشيش أَو محجوبا بعضه عَن بعض كَقَوْل أوريان وَلَا مربيا من الْمَخْلُوقَات كَقَوْل فرشاط وَلَا متفرق الإدارة والعوائد كَقَوْل مرحيون وَلَا منقلبا من ذَات التَّثْلِيث إِلَى طبيعة الْمَخْلُوقَات كَقَوْل فلاطون وترتلليان وَلَا مُنْفَردا فِي رُتْبَة مُشْتَركا فِي أُخْرَى كَقَوْل أوريان وَلَا ممتزجا كَقَوْل شباليش بدل كُله كَامِل لِأَنَّهُ كُله وَاحِد وَمن وَاحِد لَا تعدد كزعم شلبانش
وَإِذا وفقت على هَذِه الْأَقَاوِيل الضعيفة والآراء السخيفة لم تشك فِي تخبطهم فِي عقائدهم وحيرتهم فِي مقاصدهم قَالُوا فِي الله ﵎ بآرائهم وَاتبعُوا فِيهَا ظَاهر أهوائهم فهم فِي ريبهم يَتَرَدَّدُونَ ولجهالهم مقلدون وبضلالهم مقتدرون
وَلما رَأينَا هَذِه الْمذَاهب الرَّكِيكَة لَا تسْتَحقّ أَن تحكى بل يضْحك من ذهَاب عقول أَرْبَابهَا ويبكي أَعرَضت عَنْهَا أَعْرَاض المطلع على عوره أَمَام من يخَاف جوره فعزمت على نقل مَذْهَب كَبِيرهمْ أغشتين فَإِن مذْهبه فِي الأقانيم مقارب فِي الصِّفَات مَذْهَب الْمُسلمين
وَذَلِكَ أَنه قَالَ بعد مُقَدّمَة كَلَام يرجع حَاصله إِلَى مَا نذكرهُ
стр. 38
لما أقرّ عُلَمَاء الْمَجُوس بِالْقُوَّةِ الماسكة لكل شَيْء وَأَرَادَ بَعضهم أَن ينزلوها جوهرا غير حَيّ وَلَا مستغن بِنَفسِهِ وَجب علينا أَن نحتج عَلَيْهِم بِمَا يضمهم إِلَى الْإِقْرَار بِأَن تِلْكَ الْقُدْرَة ذَات علم وَإِرَادَة
قَالَ وَقد رد علينا هَذِه الْمقَالة برفيريش فَقَالَ لَا نقُول أَنه شَيْء فَيكون قد سميناه بالإشياء الَّتِي لَا تسلم من عيب وَلَكنَّا نقُول إِنَّه وَلَا نقُول شَيْء ثمَّ قَالَ ألستم تقرأون أَن الَّذِي قدر هُوَ الَّذِي علم وَأَن الَّذِي علم هُوَ الَّذِي أَرَادَ فَهُوَ وَاحِد فِي جَمِيع الْمعَانِي وَإِنَّمَا الْقُدْرَة وَالْعلم والإرادة أَسمَاء صَارَت فِيمَا بَين الْخلق والمخلوق وَلَيْسَت لَا خالقة وَلَا مخلوقة لِأَنَّهُ لَو لم يكن الشَّيْء الْمَقْدُور لم يسم ذَا قدرَة وَلَو لم يكن الشَّيْء الْمَعْلُوم لم يسم ذَا علم وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْإِرَادَة فَهَذِهِ الْأَسْمَاء إِنَّمَا هِيَ أَعْرَاض وَأَسْمَاء فِيمَا بَينه وَبَين الْخلق مثل قَوْلنَا ذُو رَحْمَة وَذُو حكم وَذُو عِقَاب فَلَو لم يكن الْخلق المرحوم لم يلْزمه اسْم الرَّحْمَة وَكَذَلِكَ غَيرهَا
قَالَ أغشتين فِي جَوَابه عَن قَوْله لَا نقُول أَن لكل شَيْء عقيب وَمَا لم يكن لَهُ عقيب فَلَيْسَ بِشَيْء لِأَن عقيب شَيْء لَا شَيْء وَإِذا كَانَ إِنَّمَا ينفى عَنهُ اسْم شَيْء لِأَن الْأَشْيَاء كلهَا لَهُ فَمثل ذَلِك يجب عَلَيْهِ فِي قَوْله أَن أَو قَوْله كَانَ مَعَ أَنا لَا نَعْرِف شَيْئا نقُول فِيهِ أَن إِلَّا بعد معرفتنا إِيَّاه شَيْئا وحسبنا فِي هَذَا قَوْلنَا شَيْء لَيْسَ كشيء من جَمِيع الْأَشْيَاء
قَالَ وَأما قَوْله أَن الْقُدْرَة وَالْعلم إِنَّمَا هِيَ أَعْرَاض لزمنه فِيمَا بَينه وَبَين الْخلق وَأَنَّهَا مثل الرَّحْمَة وَالْحكم فَأَنا نحتج عَلَيْهِ فِي ذَلِك بِأَن نقُول لست تنكر أَنه كَانَ قبل الْأَشْيَاء وَدون الْأَشْيَاء بِلَا إبتداء فَهَل تقدر أَن تجحد أَنه كَانَ أبدا قَادِرًا فَإِذا أَقرَرت أَنه لم يزل قَادِرًا فقد أَقرَرت أَن الْقُدْرَة صفة أزلية فَإِن قلت أَنه لَا يجوز أَن يُسمى قبل أَن يكون الشَّيْء الْمَقْدُور عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُسمى قَادِرًا بعد كَون الشَّيْء الْمَقْدُور علينا قُلْنَا أَفَكَانَ يقدر على أَن يقدر أم لَا فَلَا بُد لَك من أَن تَقول كَانَ يقدر على أَن يقدر أم لَا فَلَا بُد لَك من أَن تَقول كَانَ يقدر فيلزمك وَصفه بِالْقُدْرَةِ على كل حَال
стр. 39
وَكَذَلِكَ قَوْلنَا فِي الْعلم والإرادة وقولك يرحم وَيغْفر وَيحكم لَيْسَ مثل قَوْلنَا يقدر وَيعلم وَيُرِيد لِأَنَّك لَا تَقول كَانَ أبدا يرحم وَكَانَ أبدا يخلق وَلَا بُد من أَن تَقول كَانَ أبدا يقدر وَكَانَ أبدا يعلم وَكَانَ أبدا يُرِيد
ثمَّ قَالَ بعد كَلَامه مَعَ الفلاسفة فَنحْن مَا لم نصفه بِالْعلمِ والإرادة لم نصفه بمدبر وَلَا حَيّ
ثمَّ قَالَ إِن قُلْنَا عَرفْنَاهُ بوحدانيته وعلمناه بِذَاتِهِ من غير نَظرنَا إِلَى فعله الدَّال على قدرته وَعلمه وإرادته فقد كذبنَا لِأَنَّهُ لَا يقدر أحد أَن يَقُول أَنه وَقع على مَعْرفَته إِلَّا بِمَا نظر إِلَيْهِ من خلقه وتفكر فِيهِ من حكمه وبمعرفته بِنَفسِهِ وكل هَذَا إِقْرَار بِالثَّلَاثَةِ الأقانيم الَّتِي ذكرنَا لأَنا لما وجدنَا الْخلق الَّذِي لم يقدر أَن يكون بِنَفسِهِ وَجب الْإِقْرَار بالشَّيْء الَّذِي قدر أَن يكون وَهِي الْقُدْرَة الَّتِي سَمَّاهَا عُلَمَاء الْمَجُوس الهيول ثمَّ لما نَظرنَا إِلَى تَدْبِير الْخلق وَجب الْإِقْرَار بِالْعلمِ والإرادة لِأَن التَّدْبِير لَا يكون إِلَّا مِمَّن يعلم وَيُرِيد فثلاثتها إسم لإله وَاحِد ونعت لمدبر فَرد وَلَا تَجِد هِيَ غَيره وَلَا يجد هُوَ غَيرهَا فَهَذَا قَوْلنَا فِي التَّثْلِيث الَّذِي وَصفه الْإِنْجِيل وَأمر بِالْإِيمَان بِهِ وَسَماهُ بِاللِّسَانِ العجمي الآب والإبن وَالروح الْقُدس
فَهَذَا كَلَام هَذَا القس وَالنَّصَارَى يعترفون بِأَنَّهُ أعرفهم بدينهم وأعلمهم بشرعهم ويقينهم ينص على أَن الأقانيم الثَّلَاثَة صِفَات ونعوت للْوَاحِد الْفَرد وَلَا يُقَال فِيهَا أَنَّهَا هُوَ وَلَا هِيَ غَيره وَهُوَ لعمرى من المسددين فِي هَذَا النّظر إِذْ قد سلك مناهج الْبَحْث والعبر وَلَقَد قَارب الحنيفية وتباعد عَن الْملَّة النَّصْرَانِيَّة إِلَّا أننا ننازعه نزاعين أَحدهمَا فِي تَسْمِيَة هَذِه الصِّفَات الآب والإبن وَالروح الْقُدس على مَا تقرر وَهَذَا نزاع لَفْظِي لَيْسَ بكبير وَلَا لَهُ حَظّ خطير والنزاع الثَّانِي فِي أَنه قصر الأقانيم على هَذِه الثَّلَاثَة وَلم يعد الْحَيَاة فِيهَا كَمَا فعل غَيره مِنْهُم وَكَذَلِكَ الْوُجُود الْمَوْصُوف بِهَذِهِ الصِّفَات لم يعده أقنوما وَقد صرح بِأَنَّهَا صِفَات وَلَا بُد للصفات من مَوْصُوف بهَا
стр. 40
وسنعطف عَلَيْهِ بِالرَّدِّ إِذا تكلمنا مَعَ غَيره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَمَعَ هَذَا فقد سلك هَذَا الرجل مَسْلَك أَرْبَاب الْعُقُول وتبرأ من جَهَالَة كل جهول وَإِذا كَانَ كَذَلِك فسبيلنا أَن نتكلم مَعَ الَّذِي صدرنا هَذَا الْفَصْل بِذكر كَلَامه فَإِنَّهُ كثير الْفساد مضرب عَن الرشاد ويتضمن الرَّد عَلَيْهِ الرَّد على غَيره مِمَّن يَقُول مثل قَوْله أَو مَا يُقَارِبه مستعينين بِاللَّه متوكلين عَلَيْهِ
الْجَواب عَن مَا ذكره الْمصدر كَلَامه
لتعلم أَيهَا النَّاظر فِي كتَابنَا أننا يمكننا أَن نناقش هَذَا الْقَائِل كَمَا ناقشنا السَّائِل فَإِن كَلَامه كثير الْغَلَط ظَاهر التَّكَلُّف والشطط لَكنا تركنَا مناقشته اللفظية وصرفنا المناقشة للمباحثة المعنوية كَرَاهَة للإكثار وميلا للإيجاز والإختصار وَأَيْضًا فَإِن نفس الله فِي الْعُمر وَصرف عَنَّا عوائق الدَّهْر فسنرد عَلَيْهِ فِي كتاب مُفْرد إِن شَاءَ الله تَعَالَى أبين فِيهِ غلطاته وأوضح جهالاته وسقطاته بحول الله وقوته
فَنَقُول لَهُ لَا يشك عَاقل سليم الْفطْرَة أَن خَالق الْعَالم مَوْجُود لَيْسَ بمعدوم وَقد اعترفتم بِأَنَّهُ حَيّ عَالم وَمن لم يعْتَرف بذلك أُقِيمَت عَلَيْهِ الْبَرَاهِين القاطعة فَإِذا تقرر ذَلِك قُلْنَا فمفهوم أَنه حَيّ هُوَ عين مَفْهُوم أَنه عَالم أَو غَيره فَإِن كَانَ عينه فقولكم حَيّ عَالم كقولكم حَيّ حَيّ أَو عَالم عَالم وَالْفرق مَا بَينهمَا مَعْلُوم ضَرُورَة وَلَو كَانَ عينه لاختلطت الْحَقَائِق فَثَبت أَنَّهُمَا متغايران متعددان فَإِذا ثَبت ذَلِك فَأَما أَن يرجعا إِلَى الْخَالِق فِي قَوْلكُم أَنه حَيّ عَالم أَو لَا يرجعان فَإِن لم يرجعا لم يَصح الْإِخْبَار عَنهُ بهما وَلم يَكُونَا وصفين لَهُ فَثَبت أَنَّهُمَا يرجعان إِلَيْهِ وَإِذا ثَبت ذَلِك فَأَما أَن يَكُونَا من أَوْصَافه تَعَالَى النفسية أعنى الذاتية فَإِن كَانَا من أَوْصَافه النفسية أدّى ذَلِك إِلَى أَن يكون ذَاته وماهيته متركبة متبعضة وَذَلِكَ محَال على مَا قررتم فِيمَا تقدم من كلامكم
وَأَيْضًا لَو عقل كَون الْعلم والحياة من الْأَوْصَاف النفسية فِي مَحل عقل ذَلِك فِي كل مَحل وَيلْزم من ذَلِك كَون الْعلم والحياة من صِفَات أَنْفُسنَا وَذَلِكَ مَعْلُوم الْبطلَان بِالضَّرُورَةِ
следующие страницы →