Полный текст (442 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أَجزَاء الْإِنْسَان لاضطرار بَعْضهَا إِلَى بعض تقصر عَن إحتمال أَسمَاء الأقانيم وَهَذَا يَسْتَحِيل على الْجَوْهَر الأزلي إِذْ هُوَ ومتعالى عَن الْأَجْزَاء والتأليف والتركيب والأعراض فأوجبوا أَن تكون خواصه لغنائه وكمالها تسمى أقانيم قَائِمَة بخواصها ومستحقة الَّذِي تُوصَف بِهِ بجوهرية قديمَة كقدمه لَا جزأين مركبين وَلَا عرضين منفصلين لِأَنَّهُ لم يزل حَيا وناطقا بكلمته
وَمن زعم أَن الْحَيَاة من الله والنطق مِنْهُ محدثان وصف الله تَعَالَى فِي أزليته بِالْمَوْتِ وَالْجهل وَإِن قُلْنَا حَيَاته ونطقه غير جوهره أزليان فقد أشركنا مَعَ الله فِي أزليته غَيره فَلذَلِك يُسمى كل وَاحِد من الرّوح والكلمة جوهرية خَاصَّة فَوَجَبَ أَن يكون جَوْهَر الْخَالِق تَعَالَى أقنوما خَاصّا قَائِما كَامِلا بخاصيه لم يزل ونطقه الَّذِي هُوَ كَلمته أقنوما خَاصّا كَامِلا قَائِما بخاصية لم تزل وروحه أعنى حَيَاته أقنوما خَاصّا كَامِلا بِخَاصَّة لم يزل فَهَذِهِ ثَلَاثَة أقانيم مَعْرُوفَة بمعانيها لَا متفاصلة وَلَا متركبة وَلَا متشابكة جَوْهَر وَاحِد ذَات وَاحِدَة
هَذَا كَلَام صَاحب الْحُرُوف وَهُوَ عِنْدهم القسيس الْمَعْرُوف وَلَقَد رام تَحْسِين مَذْهَبهم وتبيين مطلبهم وَلَكِن لَا يَسْتَوِي الظل وَالْعود أَعْوَج وَلَا يصلح الْمَذْهَب وقائله أهوج ... وَهل يصلح الْعَطَّار مَا أفسد الدَّهْر ...
وهم مَعَ ذَلِك فِيمَا ذَكرْنَاهُ من الأقانيم مُخْتَلفُونَ وبالحيرة عمهون
هَذَا صَاحب كتاب الْمسَائِل يَقُول هَذِه الثَّلَاثَة الأقانيم متوحدة لأجل الآب مُتَسَاوِيَة لأجل الإبن منتظمة الرّوح فنؤمن أَن الْأَب أَب لأجل أَنه ذُو ابْن والإبن ابْن لِأَنَّهُ ذُو أَب وَالروح الْقُدس منبثق لِأَنَّهُ من الآب والإبن فالأب أَصْلِيَّة الإلهية لِأَنَّهُ كَمَا لَا يَخْلُو قطّ أَن يكون إِلَهًا كَذَلِك لم يَخْلُو قطّ أَن يكون أَبَا الَّذِي الإبن مِنْهُ مَوْلُود وَالَّذِي الرّوح الْقُدس مِنْهُ لَيْسَ مولودا لِأَنَّهُ لَيْسَ ابْنا وَلَا غير مَوْلُود لِأَنَّهُ لَيْسَ مخلوقا لِأَنَّهُ لَيْسَ من شَيْء بل إِلَه منبثق من الآب والإبن إِلَه
стр. 37
وأقنوم الآب غير أقنوم الإبن وأقنوم الإبن غير أقنوم الرّوح الْقُدس لَكِن التَّثْلِيث الْمُقَدّس ذَات وَاحِدَة إلهية وَاحِدَة وَهَذَا تَصْرِيح بِأَن الأقانيم آلِهَة وَإِن كَانَ وَاحِد مِنْهَا غير الآخر
وَقد ذهب شباليش إِلَى أَن الثَّلَاثَة الأقانيم ممتزجة فِي أقنوم وَاحِد وَهُوَ عِنْد كثير مِنْهُم مكفرا وكالمكفر وَقد ذهب آريش إِلَى أَنه إلهية الأقانيم منخزلة ومتبعضة الذَّات وَهُوَ عِنْدهم مفتر خارجي
وَقَالَ صَاحب كتاب الْمسَائِل لسنا نؤمن أَن فِي التَّثْلِيث شَيْئا مخلوقا أَو خَادِمًا كَالَّذي أنشأه دنونيشيش أَو غير معتزل كَقَوْل أونوميش أَو نَاقص الإمتنان كَقَوْل أوتفش أَو مقدما أَو مُؤَخرا أَو صَغِيرا كَقَوْل آريش وَلَا ذَا جَسَد كَقَوْل مالطه وترتليان وَلَا مصورا بالحيدية كَقَوْل أَرْبَد ونمرشيش أَو محجوبا بعضه عَن بعض كَقَوْل أوريان وَلَا مربيا من الْمَخْلُوقَات كَقَوْل فرشاط وَلَا متفرق الإدارة والعوائد كَقَوْل مرحيون وَلَا منقلبا من ذَات التَّثْلِيث إِلَى طبيعة الْمَخْلُوقَات كَقَوْل فلاطون وترتلليان وَلَا مُنْفَردا فِي رُتْبَة مُشْتَركا فِي أُخْرَى كَقَوْل أوريان وَلَا ممتزجا كَقَوْل شباليش بدل كُله كَامِل لِأَنَّهُ كُله وَاحِد وَمن وَاحِد لَا تعدد كزعم شلبانش
وَإِذا وفقت على هَذِه الْأَقَاوِيل الضعيفة والآراء السخيفة لم تشك فِي تخبطهم فِي عقائدهم وحيرتهم فِي مقاصدهم قَالُوا فِي الله ﵎ بآرائهم وَاتبعُوا فِيهَا ظَاهر أهوائهم فهم فِي ريبهم يَتَرَدَّدُونَ ولجهالهم مقلدون وبضلالهم مقتدرون
وَلما رَأينَا هَذِه الْمذَاهب الرَّكِيكَة لَا تسْتَحقّ أَن تحكى بل يضْحك من ذهَاب عقول أَرْبَابهَا ويبكي أَعرَضت عَنْهَا أَعْرَاض المطلع على عوره أَمَام من يخَاف جوره فعزمت على نقل مَذْهَب كَبِيرهمْ أغشتين فَإِن مذْهبه فِي الأقانيم مقارب فِي الصِّفَات مَذْهَب الْمُسلمين
وَذَلِكَ أَنه قَالَ بعد مُقَدّمَة كَلَام يرجع حَاصله إِلَى مَا نذكرهُ
стр. 38
لما أقرّ عُلَمَاء الْمَجُوس بِالْقُوَّةِ الماسكة لكل شَيْء وَأَرَادَ بَعضهم أَن ينزلوها جوهرا غير حَيّ وَلَا مستغن بِنَفسِهِ وَجب علينا أَن نحتج عَلَيْهِم بِمَا يضمهم إِلَى الْإِقْرَار بِأَن تِلْكَ الْقُدْرَة ذَات علم وَإِرَادَة
قَالَ وَقد رد علينا هَذِه الْمقَالة برفيريش فَقَالَ لَا نقُول أَنه شَيْء فَيكون قد سميناه بالإشياء الَّتِي لَا تسلم من عيب وَلَكنَّا نقُول إِنَّه وَلَا نقُول شَيْء ثمَّ قَالَ ألستم تقرأون أَن الَّذِي قدر هُوَ الَّذِي علم وَأَن الَّذِي علم هُوَ الَّذِي أَرَادَ فَهُوَ وَاحِد فِي جَمِيع الْمعَانِي وَإِنَّمَا الْقُدْرَة وَالْعلم والإرادة أَسمَاء صَارَت فِيمَا بَين الْخلق والمخلوق وَلَيْسَت لَا خالقة وَلَا مخلوقة لِأَنَّهُ لَو لم يكن الشَّيْء الْمَقْدُور لم يسم ذَا قدرَة وَلَو لم يكن الشَّيْء الْمَعْلُوم لم يسم ذَا علم وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْإِرَادَة فَهَذِهِ الْأَسْمَاء إِنَّمَا هِيَ أَعْرَاض وَأَسْمَاء فِيمَا بَينه وَبَين الْخلق مثل قَوْلنَا ذُو رَحْمَة وَذُو حكم وَذُو عِقَاب فَلَو لم يكن الْخلق المرحوم لم يلْزمه اسْم الرَّحْمَة وَكَذَلِكَ غَيرهَا
قَالَ أغشتين فِي جَوَابه عَن قَوْله لَا نقُول أَن لكل شَيْء عقيب وَمَا لم يكن لَهُ عقيب فَلَيْسَ بِشَيْء لِأَن عقيب شَيْء لَا شَيْء وَإِذا كَانَ إِنَّمَا ينفى عَنهُ اسْم شَيْء لِأَن الْأَشْيَاء كلهَا لَهُ فَمثل ذَلِك يجب عَلَيْهِ فِي قَوْله أَن أَو قَوْله كَانَ مَعَ أَنا لَا نَعْرِف شَيْئا نقُول فِيهِ أَن إِلَّا بعد معرفتنا إِيَّاه شَيْئا وحسبنا فِي هَذَا قَوْلنَا شَيْء لَيْسَ كشيء من جَمِيع الْأَشْيَاء
قَالَ وَأما قَوْله أَن الْقُدْرَة وَالْعلم إِنَّمَا هِيَ أَعْرَاض لزمنه فِيمَا بَينه وَبَين الْخلق وَأَنَّهَا مثل الرَّحْمَة وَالْحكم فَأَنا نحتج عَلَيْهِ فِي ذَلِك بِأَن نقُول لست تنكر أَنه كَانَ قبل الْأَشْيَاء وَدون الْأَشْيَاء بِلَا إبتداء فَهَل تقدر أَن تجحد أَنه كَانَ أبدا قَادِرًا فَإِذا أَقرَرت أَنه لم يزل قَادِرًا فقد أَقرَرت أَن الْقُدْرَة صفة أزلية فَإِن قلت أَنه لَا يجوز أَن يُسمى قبل أَن يكون الشَّيْء الْمَقْدُور عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُسمى قَادِرًا بعد كَون الشَّيْء الْمَقْدُور علينا قُلْنَا أَفَكَانَ يقدر على أَن يقدر أم لَا فَلَا بُد لَك من أَن تَقول كَانَ يقدر على أَن يقدر أم لَا فَلَا بُد لَك من أَن تَقول كَانَ يقدر فيلزمك وَصفه بِالْقُدْرَةِ على كل حَال
стр. 39
وَكَذَلِكَ قَوْلنَا فِي الْعلم والإرادة وقولك يرحم وَيغْفر وَيحكم لَيْسَ مثل قَوْلنَا يقدر وَيعلم وَيُرِيد لِأَنَّك لَا تَقول كَانَ أبدا يرحم وَكَانَ أبدا يخلق وَلَا بُد من أَن تَقول كَانَ أبدا يقدر وَكَانَ أبدا يعلم وَكَانَ أبدا يُرِيد
ثمَّ قَالَ بعد كَلَامه مَعَ الفلاسفة فَنحْن مَا لم نصفه بِالْعلمِ والإرادة لم نصفه بمدبر وَلَا حَيّ
ثمَّ قَالَ إِن قُلْنَا عَرفْنَاهُ بوحدانيته وعلمناه بِذَاتِهِ من غير نَظرنَا إِلَى فعله الدَّال على قدرته وَعلمه وإرادته فقد كذبنَا لِأَنَّهُ لَا يقدر أحد أَن يَقُول أَنه وَقع على مَعْرفَته إِلَّا بِمَا نظر إِلَيْهِ من خلقه وتفكر فِيهِ من حكمه وبمعرفته بِنَفسِهِ وكل هَذَا إِقْرَار بِالثَّلَاثَةِ الأقانيم الَّتِي ذكرنَا لأَنا لما وجدنَا الْخلق الَّذِي لم يقدر أَن يكون بِنَفسِهِ وَجب الْإِقْرَار بالشَّيْء الَّذِي قدر أَن يكون وَهِي الْقُدْرَة الَّتِي سَمَّاهَا عُلَمَاء الْمَجُوس الهيول ثمَّ لما نَظرنَا إِلَى تَدْبِير الْخلق وَجب الْإِقْرَار بِالْعلمِ والإرادة لِأَن التَّدْبِير لَا يكون إِلَّا مِمَّن يعلم وَيُرِيد فثلاثتها إسم لإله وَاحِد ونعت لمدبر فَرد وَلَا تَجِد هِيَ غَيره وَلَا يجد هُوَ غَيرهَا فَهَذَا قَوْلنَا فِي التَّثْلِيث الَّذِي وَصفه الْإِنْجِيل وَأمر بِالْإِيمَان بِهِ وَسَماهُ بِاللِّسَانِ العجمي الآب والإبن وَالروح الْقُدس
فَهَذَا كَلَام هَذَا القس وَالنَّصَارَى يعترفون بِأَنَّهُ أعرفهم بدينهم وأعلمهم بشرعهم ويقينهم ينص على أَن الأقانيم الثَّلَاثَة صِفَات ونعوت للْوَاحِد الْفَرد وَلَا يُقَال فِيهَا أَنَّهَا هُوَ وَلَا هِيَ غَيره وَهُوَ لعمرى من المسددين فِي هَذَا النّظر إِذْ قد سلك مناهج الْبَحْث والعبر وَلَقَد قَارب الحنيفية وتباعد عَن الْملَّة النَّصْرَانِيَّة إِلَّا أننا ننازعه نزاعين أَحدهمَا فِي تَسْمِيَة هَذِه الصِّفَات الآب والإبن وَالروح الْقُدس على مَا تقرر وَهَذَا نزاع لَفْظِي لَيْسَ بكبير وَلَا لَهُ حَظّ خطير والنزاع الثَّانِي فِي أَنه قصر الأقانيم على هَذِه الثَّلَاثَة وَلم يعد الْحَيَاة فِيهَا كَمَا فعل غَيره مِنْهُم وَكَذَلِكَ الْوُجُود الْمَوْصُوف بِهَذِهِ الصِّفَات لم يعده أقنوما وَقد صرح بِأَنَّهَا صِفَات وَلَا بُد للصفات من مَوْصُوف بهَا
стр. 40
وسنعطف عَلَيْهِ بِالرَّدِّ إِذا تكلمنا مَعَ غَيره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَمَعَ هَذَا فقد سلك هَذَا الرجل مَسْلَك أَرْبَاب الْعُقُول وتبرأ من جَهَالَة كل جهول وَإِذا كَانَ كَذَلِك فسبيلنا أَن نتكلم مَعَ الَّذِي صدرنا هَذَا الْفَصْل بِذكر كَلَامه فَإِنَّهُ كثير الْفساد مضرب عَن الرشاد ويتضمن الرَّد عَلَيْهِ الرَّد على غَيره مِمَّن يَقُول مثل قَوْله أَو مَا يُقَارِبه مستعينين بِاللَّه متوكلين عَلَيْهِ
الْجَواب عَن مَا ذكره الْمصدر كَلَامه
لتعلم أَيهَا النَّاظر فِي كتَابنَا أننا يمكننا أَن نناقش هَذَا الْقَائِل كَمَا ناقشنا السَّائِل فَإِن كَلَامه كثير الْغَلَط ظَاهر التَّكَلُّف والشطط لَكنا تركنَا مناقشته اللفظية وصرفنا المناقشة للمباحثة المعنوية كَرَاهَة للإكثار وميلا للإيجاز والإختصار وَأَيْضًا فَإِن نفس الله فِي الْعُمر وَصرف عَنَّا عوائق الدَّهْر فسنرد عَلَيْهِ فِي كتاب مُفْرد إِن شَاءَ الله تَعَالَى أبين فِيهِ غلطاته وأوضح جهالاته وسقطاته بحول الله وقوته
فَنَقُول لَهُ لَا يشك عَاقل سليم الْفطْرَة أَن خَالق الْعَالم مَوْجُود لَيْسَ بمعدوم وَقد اعترفتم بِأَنَّهُ حَيّ عَالم وَمن لم يعْتَرف بذلك أُقِيمَت عَلَيْهِ الْبَرَاهِين القاطعة فَإِذا تقرر ذَلِك قُلْنَا فمفهوم أَنه حَيّ هُوَ عين مَفْهُوم أَنه عَالم أَو غَيره فَإِن كَانَ عينه فقولكم حَيّ عَالم كقولكم حَيّ حَيّ أَو عَالم عَالم وَالْفرق مَا بَينهمَا مَعْلُوم ضَرُورَة وَلَو كَانَ عينه لاختلطت الْحَقَائِق فَثَبت أَنَّهُمَا متغايران متعددان فَإِذا ثَبت ذَلِك فَأَما أَن يرجعا إِلَى الْخَالِق فِي قَوْلكُم أَنه حَيّ عَالم أَو لَا يرجعان فَإِن لم يرجعا لم يَصح الْإِخْبَار عَنهُ بهما وَلم يَكُونَا وصفين لَهُ فَثَبت أَنَّهُمَا يرجعان إِلَيْهِ وَإِذا ثَبت ذَلِك فَأَما أَن يَكُونَا من أَوْصَافه تَعَالَى النفسية أعنى الذاتية فَإِن كَانَا من أَوْصَافه النفسية أدّى ذَلِك إِلَى أَن يكون ذَاته وماهيته متركبة متبعضة وَذَلِكَ محَال على مَا قررتم فِيمَا تقدم من كلامكم
وَأَيْضًا لَو عقل كَون الْعلم والحياة من الْأَوْصَاف النفسية فِي مَحل عقل ذَلِك فِي كل مَحل وَيلْزم من ذَلِك كَون الْعلم والحياة من صِفَات أَنْفُسنَا وَذَلِكَ مَعْلُوم الْبطلَان بِالضَّرُورَةِ
стр. 41
وَأَيْضًا فَلَو جَازَ ذَلِك للَزِمَ أَن يكون الْعلم والحياة قَائِمين بأنفسهما أعنى موصوفين لِأَن جُزْء الْقَائِم بِنَفسِهِ قَائِم بِنَفسِهِ وَقد ثَبت بالأدلة القاطعة أَن الْبَارِي تَعَالَى قَائِم بِنَفسِهِ والمعقول من الْعلم والحياة أَنَّهُمَا صفتان لَا موصوفان فَإِذا تقرر ذَلِك وَثَبت لزم مِنْهُ أَنَّهُمَا زائدان على النَّفس فَإذْ ثَبت ذَلِك فَأَما أَن يقوما بِهِ أَو لَا يقوما بِهِ فَإِن لم يقوما بِهِ لم يَتَّصِف بهما وَلَو جَازَ أَن يَتَّصِف فِيمَا لَا يقوم بِهِ لجَاز ذَلِك فِي حَقنا فَكَانَ يلْزم عَلَيْهِ أَن يكون علم زيد يَتَّصِف بِهِ عَمْرو وَذَلِكَ محَال ضَرُورَة فَدلَّ ذَلِك على أَنَّهُمَا قائمان بِهِ فَإِذا قاما بِهِ وهما وجودان زائدان على الذَّات حصل من ذَلِك كُله أَن ذَاته وَاحِدَة لَا تركيب فِيهَا وَلَا تعدد وَأَن صِفَاته الزَّائِدَة هِيَ المتعددة وَهَذَا لَا إِحَالَة فِيهِ بل هُوَ الْحق الَّذِي لَا غُبَار عَلَيْهِ وَلَا بُد لكل نَاظر من الرُّجُوع وَأَن تخبط إِلَيْهِ فَهَكَذَا يَنْبَغِي أَن تفيهم صِفَات الْبَارِي ﵎ وتقدس وتنزه عَمَّا يَقُول الجاحدون والكافرون علوا كَبِيرا
وَهَذِه الطَّرِيقَة البرهانية تجرى فِي كل صفة يدعى ثُبُوتهَا للباري تَعَالَى وَبعد الإنتهاء إِلَى هَذَا الْمحل ينظر هَل أَوْصَافه أزلية أم لَيست أزلية وَالْحق أَنَّهَا أزلية وَلَا مُحرز أَن يكون شَيْء مِنْهَا حَادِثا إِذْ لَو كَانَ شَيْء من صِفَاته حَادِثا للَزِمَ عَلَيْهِ أَن يكون محلا للحوادث وَيلْزم على ذَلِك حُدُوثه تَعَالَى وَهُوَ محَال على مَا يعرف فِي مَوْضِعه فَإِذا تمهد هَذَا الأَصْل قُلْنَا بعده للمتكلم مَعَه الأقانيم عنْدكُمْ لَا تَخْلُو من أَن ترجع إِمَّا إِلَى صِفَاته النفسية أَو إِلَى صِفَاته المعنوية أعنى الزَّائِدَة على النَّفس وَلَا وَاسِطَة بَين الْقسمَيْنِ فَإِن رددتموها إِلَى الْقسم الأول لزمكم مَا تقدم من المحالات حَذْو النَّعْل بالنعل وَإِن رددتموها إِلَى الْقسم الآخر فلأي معنى قُلْتُمْ فِي حد الأقنوم أَنه الشَّيْء المستغنى بِذَاتِهِ عَن أصل جوهره فِي إِقَامَة خَاصَّة جوهريته وَهل الْمَفْهُوم من هَذَا إِلَّا أَنه صفة نفس لِأَن المستغنى بِذَاتِهِ عَن أصل جوهره هُوَ الَّذِي نعبر نَحن عَنهُ بالقائم بِنَفسِهِ ويعبر عَنهُ غَيرنَا من النظار بالموجود لَا فِي مَوْضُوع
وَأَيْضًا إِن كَانَ أَرَادَ هَذَا الْقَائِل أَن الأقنوم هُوَ الصّفة الزَّائِدَة على الذَّات فَيلْزمهُ أَن يَجْعَل الْأَعْرَاض أقانيم فَإِنَّهَا زَائِدَة على الذَّات
стр. 42
وَمن عَجِيب أمره أَنه ألزم من قَالَ إِن الْعلم والحياة غير الْجَوْهَر الْإِشْرَاك بِهِ وَأي إشراك يلْزم من قَالَ إِن صِفَات الْمعَانِي زَائِدَة على ذَات الْمَوْصُوف بهَا وَكَيف يُمكن أَن يَقُول عَاقل إِن الصّفة الزَّائِدَة على الْجَوْهَر أَنَّهَا عين الْجَوْهَر وَهل قَائِل هَذَا إِلَّا جَاهِل أَو متجاهل
فَتحصل من هَذَا كُله أَن الأقانيم لَا يَصح عِنْدهم أَن تقال على الصِّفَات النفسية وَلَا على الصِّفَات المعنوية وَلَا يعقل هُنَالك أَمر آخر متوسط بَينهمَا فَقَوْلهم فِي الأقانيم غير مَعْقُول فَكَأَنَّهُ قَول مَجْنُون مخبول
ثمَّ نقُول لهَذَا الْقَائِل لأي شَيْء لم تجْعَل الْقُدْرَة من الأقانيم كَمَا ذهب إِلَيْهِ مقدمكم الأقدم وأسقفكم الأزعم أغشتين فَتكون الأقانيم أَرْبَعَة فَإِن قَالَ إِن الْقُدْرَة ترجع إِلَى الْوُجُود كَمَا صرح بذلك بَعضهم فَنَقُول لمن يَقُول ذَلِك وَلم ذَلِك وَهل لَا يرجع الْعلم والحياة إِلَى الْوُجُود وَمَا الْفَصْل بَينهمَا إِلَّا مَحْض التحكم
وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْإِرَادَة ترجع إِلَى الْحَيَاة
قيل لَهُ إِن صَحَّ ذَلِك فَليرْجع إِلَيْهَا الْعلم وَإِن جَازَ شَيْء من ذَلِك فَلْتَرْجِعْ كل وَاحِدَة من هَذِه الصِّفَات إِلَى الْأُخْرَى وَيرجع الْكل إِلَى الْمَوْجُود والوجود هُوَ نفس الذَّات فترجع الأقانيم الثَّلَاثَة إِلَى وَاحِد وَهُوَ محَال على مَا تقدم لكم وَعَلَيْكُم وَيكون هَذَا أَيْضا قولا بإمتزاج الثَّلَاثَة الأقانيم فِي أقنوم وَاحِد كَقَوْل الْخَارِجِي الْجَاهِل شباليش وَأَنْتُم لَا ترْضونَ شَيْئا من قَوْله وَلَا مذْهبه
ثمَّ نقُول لأي شَيْء تحكمتم بِأَن الأقانيم ثَلَاثَة وهلا أضفتم إِلَيْهَا الْقُدْرَة وَالْعلم والسمع وَالْبَصَر كَمَا تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ أَو لَعَلَّهَا اثْنَان وَعدم انتصارهم يدل على ضعف أنصارهم وَلَا حجَّة لَهُم فِي هَذِه المواطن كلهَا أَكثر من التحكم فَيَنْبَغِي إِذن أَن يتَكَلَّم مَعَهم على جِهَة المناقضة والتهكم وغايتهم فِي ذَلِك أَن يرجِعوا إِلَى الإستقراء والتمثيل وهما فِي المعتقدات طَرِيقا الْخَطَأ والتضليل
ثمَّ نقُول هَذِه الأقانيم الثَّلَاثَة قد قُلْتُمْ أَن كل وَاحِد مِنْهَا مستغن بِذَاتِهِ عَن أصل جوهره وَإِذا كَانَ ذَلِك فَأَما أَن يكون كل وَاحِد مِنْهَا
стр. 43
إِلَهًا أَو جُزْء إِلَه أَو يكون مجموعها إِلَهًا وَاحِدًا فَإِن كَانَ جُزْء إِلَه لزم عَلَيْهِ أَن يكون الْإِلَه متركبا متبعضا ويلزمكم على ذَلِك إبِْطَال التَّثْلِيث الَّذِي تَقولُونَ بِهِ ويلزمكم على ذَلِك الإمتزاج الَّذِي ذهب إِلَيْهِ شباليش وَإِن كَانَ كل وَاحِد مِنْهَا إِلَهًا بإنفراده لزمكم على ذَلِك أُمُور كَثِيرَة مشينة بَاطِلَة مِنْهَا أَن يكون كل وَاحِد من هَذِه الأقانيم حَيا عَالما مرِيدا قَادِرًا مَوْصُوفا بِصِفَات الْكَمَال إِذْ الْإِلَه هُوَ الْمَوْصُوف بِصِفَات الْكَمَال المتعالى عَن صِفَات النَّقْص فَإِذا الْتزم ذَلِك مُلْتَزم لزم عَلَيْهِ أَن تقوم الصّفة بِالصّفةِ وَإِن جَازَ ذَلِك جَازَ أَن يقوم الْعلم وَالْقُدْرَة بالإرادة والإرادة وَالْقُدْرَة بِالْعلمِ وَالْقُدْرَة وَالْعلم بالحركة وَالْحَرَكَة وَالْقُدْرَة وَالْعلم باللون إِلَى غير ذَلِك من أَنْوَاع الجهالات الَّتِي لَا يبوء بهَا عَاقل وَلَا يرضى بسماعها فَاضل وَإِن جَازَ قيام الصّفة بِالصّفةِ جَازَ أَن يقوم بِالصّفةِ صفة وبتلك الصّفة صفة ويتسلسل وَمَا يتسلسل لم يتَحَصَّل وَيلْزم عَلَيْهِ أَن تكون الأقانيم لَا نِهَايَة لَهَا إِذْ الْعلم يقوم بِهِ حَيَاة وَتلك الْحَيَاة حَيَّة بحياة إِلَى غير آخر وَمِنْهَا أَن تكون الْقُدْرَة قادرة بقدرة وَالْعلم عَالم بِعلم والحياة حَيَّة بحياة إِلَى غير ذَلِك من الصِّفَات وَهَذَا غير مَعْقُول فَإِن الْعلم وَالْقُدْرَة وسائرصفات الْمعَانِي إِنَّمَا توجب أَحْكَامهَا للمحال الَّتِي تقوم بهَا لَا لأنفسها بِالْعلمِ لَا يكون عَالما وَلَا قَادِرًا وَكَذَلِكَ الْقُدْرَة لَا تكون عَالِمَة وَلَا قادرة وَكَذَلِكَ سائرها وَإِنَّمَا الْعَالم والقادر والمريد والحي هُوَ الذَّات الَّذِي تقوم بِهِ هَذِه الصِّفَات وَهَذَا مَعْلُوم من غير أَسبَاب وَلَا أطناب
وَمِنْهَا أَن يكون الْإِلَه صفة لموصوف فَإِن الْمَفْهُوم الْمَعْقُول من هَذِه الأقانيم أَنَّهَا صِفَات لَا موصوفات على مَا تقدم إِلَى أُمُور كَثِيرَة يطول الْكَلَام بذكرها
ثمَّ نرْجِع إِلَى بَقِيَّة التَّقْسِيم فَنَقُول وَإِن لم تكن هَذَا الأقانيم حَيَّة وَلَا عَالِمَة وَلَا قادرة فَلَا تكون إلهية وَقد أطبق النَّصَارَى على أَنَّهَا آلِهَة ويلزمهم أَن لم تكن الأقانيم مَوْصُوفَة بِهَذِهِ الصِّفَات وصفهَا بأضدادها أَو بالإنفكاك عَنْهَا إِن لم يُوصف بحياة وصفت بالإنفكاك عَنْهَا والمنفك عَن الْحَيَاة ميت فَيلْزم عَلَيْهِ أَن يَقُولُوا بآلهة أموات وَكَذَلِكَ يلْزم فِي سَائِر الصِّفَات
стр. 44
وَقد كع الْمصدر بِكَلَامِهِ عَن هَذَا الْإِلْزَام وصعب عَلَيْهِ المرام فَتكلم بِمَا لَا يعقل فليته سكت وَلم يتقول وَبعد الْخبط والتأوه قَالَ هَذَا مَا لَا يجوز لنا بِهِ التفوه وَمن أَرَادَ أَن يقْضِي الْعجب العجاب فليقف على ذَلِك الْكتاب
وتلخيص مَا ذكره فِي الإنفصال أَن قَالَ إِن قُلْنَا إِن الْأَب لَيْسَ يحيا كذبنَا وَإِن قُلْنَا هُوَ الْحَيَاة أبطلنا فَإِذا كَانَ لَيْسَ حَيا وَلَيْسَ بحياة وَجب أَن يكون حَيا بِلَا محَالة وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْعلم والحياة
وَمن أفْضى بِهِ إِلَى هَذَا الهذيان بَحثه ونزاعه فقد تعين تَركه وإنقطاعه وحسبك فِي شَرّ سَمَاعه وَذَلِكَ كُله يدل على أَنهم لَيْسُوا من الْعُقَلَاء وَلَا معدودين من جملَة الْفُضَلَاء بل قد انخرطوا فِي سلك الحمقاء الجهلة الأغبياء فهم قد جعلُوا إلههم هواهم فأضلهم لذَلِك وأرداهم فهم كَمَا قَالَ الله الْعَظِيم فِي مُحكم كِتَابه الْكَرِيم ﴿أَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ أفأنت تكون عَلَيْهِ وَكيلا أم تحسب أَن أَكْثَرهم يسمعُونَ أَو يعْقلُونَ إِن هم إِلَّا كالأنعام بل هم أضلّ سَبِيلا﴾
أما حِكَايَة صَاحب كتاب الْمسَائِل فَكَلَام يدل على أَن الْقَوْم لَيْسَ فيهم مستحي وَلَا عَاقل كابروا الضرورات وجحدوا المعقولات تَارَة يتناقضون وَأُخْرَى يتواقحون إفتراء على الله وإستهانة بحرم الله وحسبك دَلِيلا على ذَلِك إختلافهم فِي البديهيات هُنَالك وَقد وكلت النَّاظر فِيهِ لظُهُور تناقضه وَفَسَاد مَعَانِيه فَإِن غَايَة النَّاظر فِي كَلَامه أَن يلْزمه من الْمحَال والتناقض مثل مَا صرح بإلتزامه وَمن أنكر الضروريات وارتكب المحالات فدار المرضى والمجانين أولى بِهِ وأليق من اشْتِغَاله بالمعقولات
стр. 45
الْبَاب الثَّانِي
فِي بَيَان مذاهبهم فِي الإتحاد والحلول وَإِبْطَال قَوْلهم فِيهَا
أتحاد الْكَلِمَة
معنى الإتحاد
الْوَاسِطَة بَين الله وَبَين مُوسَى
تجسد الْوَاسِطَة
كَلَام الْمُتَقَدِّمين
مَذْهَب أغشتين إِذْ هُوَ زعيم القسيسين
стр. 46
الْفَصْل الأول
إتحاد الْكَلِمَة
فِي حِكَايَة كَلَام هَذَا السَّائِل
قَالَ السَّائِل
ثمَّ نبدأ بالْقَوْل فِي الإتحاد فَإِن قلت فَإِذا كَانَ التَّثْلِيث عنْدكُمْ أَسمَاء أَفعَال لخواص قَائِمَة والذات وَاحِد لَا يَنْقَسِم وَلَا يَتَبَعَّض فَلم بعضتموه دون الآب وروح الْقُدس وَلم سميتموه أَبَا وروح الْقُدس
أعلم أَنَّهَا لما تعارفت القضايا بالأفعال اخْتلفت أسماءها كَمَا قدمنَا فاختلفت قَضِيَّة خلق الخليقة بيد إِلَى الْقُدْرَة وَسميت أَبَا وأضفت قَضِيَّة الموعظة إِلَى الْعلم الْمُتَوَلد كلَاما وسمى ابْنا وانفردت قَضِيَّة الْوَعْظ باللحمة دون غَيرهَا لِأَن الْمَسِيح إِنَّمَا اتخذ فِي الدُّنْيَا للموعظة لَا لخلق الخليقة لِأَن الله لَو اتخذ جسما ليخلق بِهِ الْخلق بيد يُسمى الْجِسْم أَبَا وأضفت اللحمة إِلَى الْأَب وَلكنه إِنَّمَا اتَّخذهُ لموعظة الْخلق والوعظ مُضَاف إِلَى الْعلم الْمُتَوَلد كلَاما فَسمى إبنا فَلذَلِك قَالَ الْإِنْجِيل التحمت الْكَلِمَة وسكنت فِينَا فأفرد الْكَلِمَة بالإلتحام لِأَنَّهَا الواعظة بِالْأَمر والنهى دون الْقُدْرَة والإرادة فَهَذَا أخصر شرح الإتحاد
الْجَواب عَن كَلَامه
يَا عجبا من بلادة صَاحب هَذَا السُّؤَال كَيفَ لم يحسن إِذْ تثبج عَلَيْهِ الْمقَال وَكثر عَلَيْهِ اللّحن والإختلال حَتَّى أخل بمفهومه وَعدل عَن السُّؤَال فَصَارَ كَلَامه لذَلِك كَأَنَّهُ كَلَام مَجْنُون مخبول إِذا تهذبن وَلم يثبت فِيمَا يَقُول وَذَلِكَ أَنه وجد على نَفسه فِي كَلَامه هَذَا أسئلة انْفَصل بِزَعْمِهِ عَن وَاحِد مِنْهَا وتغافل عَن سائرها جهلا مِنْهُ بورودها وحيدا عَن جوابها
стр. 47
أحد الأسئلة أَنه أَرَادَ أَن يَقُول قد قُلْتُمْ أَن التَّثْلِيث قد رردتموه إِلَى ثَلَاثَة خَواص لوَاحِد لَا يَتَبَعَّض فَلم بعضتم مَا لم يَتَبَعَّض وَثَانِيها لم اتَّحد الإبن بالمسيح دون الآب وروح الْقُدس وَهَذَا تضمنه كَلَامه حَيْثُ قَالَ دون الآب وروح الْقُدس وَثَالِثهَا لم سميتم الْمَسِيح إبنا وَرَابِعهَا لم سميتم الله تَعَالَى أَبَا وخامسها لم سميتم إِرَادَة الله تَعَالَى روح الْقُدس
على أَن ظَاهر كَلَامه يدل على أَن السؤالين الْأَخيرينِ إِنَّمَا هما راجعان إِلَى الْمَسِيح أَلا ترى أَنه أعَاد الضَّمِير أعنى ضمير سميتموه عَلَيْهِ لكنه لم يرد هَذَا وَيدل عَلَيْهِ أَنه لم يسم أحد مِنْهُم الْمَسِيح أَبَا وَلَا روح الْقُدس وَإِنَّمَا سموهُ إبنا فَتَارَة يَقُولُونَ عَلَيْهِ ابْن الله وَتارَة ابْن الْإِنْسَان وَأما روح الْقُدس فقد تقدم فِي اصْطِلَاح هَذَا السَّائِل أَنه أَرَادَ بِهِ الْإِرَادَة وَمن اصْطِلَاح غَيره أَنه أَرَادَ بِهِ الْحَيَاة وَلم يقل قطّ أحد مِنْهُم أَن الْمَسِيح أتحدت بِهِ إِرَادَة الله وحياته وَلم يقل قطّ أحد مِنْهُم أَن الْمَسِيح اتّحدت بِهِ إِرَادَة الله وحياته فَلَمَّا وَجه على نَفسه هَذِه الأسئلة الَّتِي لم يشْعر بِوَجْه لُزُومهَا وَلم ينْفَصل عَن شَيْء مِنْهَا أَخذ بعد ذَلِك بِزَعْمِهِ يتفضل بِكَلَام لَا يلتئم وَلَا يتَّصل فأسهب فِي التّكْرَار والترداد فَصَارَ كَلَامه لذَلِك أبرد من حَدِيث معاد
ثمَّ قَالَ فِي الْجَواب مَا كَانَ قد فرغ مِنْهُ وَلَقَد كَانَ يَسْتَغْنِي عَنهُ قد قدمنَا أَن الأقانيم الثَّلَاثَة إِنَّمَا سميت بالإبن والآب وروح الْقُدس لاخْتِلَاف القضايا الثَّلَاث فأضيف الْخلق إِلَى الْقُدْرَة وسمى أَبَا وأضيفت الموعظة إِلَى الْعلم وسمى إبنا وَهَذَا كَلَام مُكَرر مُسْتَغْنى عَنهُ فِي جَوَاب مَا سَأَلَ عَنهُ إِذْ لاتعلق لَهُ بِهِ وَإِنَّمَا الْكَلَام الَّذِي يُمكن أَن يكون جَوَابا لبَعض مَا سَأَلَ عَنهُ هُوَ قَوْله إنفردت قَضِيَّة الْوَعْظ باللحمة دون غَيرهَا لِأَن الْمَسِيح إِنَّمَا اتخذ فِي الدُّنْيَا للموعظة وسكنت فِينَا لَا لخلق الخليقة وَلذَلِك قَالَ الْإِنْجِيل التحمت الْكَلِمَة وسكنت فِينَا هَذَا مُقْتَضى كَلَامه فِي الإنفصال ٢ بعد تلفيق مبدد وتهذيب مثبج الْمقَال وَمَعَ هَذَا فَكَلَام هَذَا السَّائِل لَا يقبل التلفيق من صانع فَإِن الفتق اتَّسع على الراقع وَبعد تَقْرِير هَذَا نقُول
قد تقدم جوابك عَن أَكثر هَذَا الْفَصْل فِيمَا تقدم حَيْثُ تكلمنا فِي الأقانيم وعَلى أَسمَاء الْأَفْعَال وعَلى التَّثْلِيث وعَلى القضايا الثَّلَاث بِمَا أغْنى عَن إِعَادَته فَمن أَرَادَ أَن يتَحَقَّق فَسَاد هَذَا الْكَلَام فليعد نظرا
стр. 48
فِيمَا تقدم وَإِنَّمَا الْكَلَام مَعَك هُنَا على قَوْلك إِنَّمَا اتّحدت بالمسيح الْكَلِمَة الَّتِي هِيَ الْعلم لِأَن الْمَسِيح اتخذ للموعظة كَيفَ يتَمَكَّن عَاقل من أَن يَقُول هَذَا الَّذِي ذكرته وَعِيسَى ﵇ قد اتَّخذهُ الله تَعَالَى لابراء الأكمه والأبرص وإحياء الْمَوْتَى وَخلق الطير من الطين وَهَذِه الْأُمُور كلهَا لَا يُمكن أَن تقع إِلَّا بِالْقُدْرَةِ والإرادة فَقولُوا أَنَّهُمَا اتحدتا بِهِ وَلَا فرق بَينهمَا وَبَين الْعلم لَوْلَا مَحْض الْجَهْل والتحكم لاسيما وَقد جَاءَ فِي بعض كتبهمْ أَن عِيسَى ﵇ قَالَ قدرته قدرتي ومشيئته مشيئتي أَو قُولُوا أَنه ﵇ كَانَ يفعل هَذِه الْأُمُور الخارقة للْعَادَة بِغَيْر قدرَة فيلزمكم أَن يَفْعَلهَا بِغَيْر علم ثمَّ يلزمك على مساق كلامك أَن يكون كل من اتخذ للموعظة من الْأَنْبِيَاء وَالْعُلَمَاء أَن يتحد بلحمة الإبن
وَأما قَوْلك إِن الله لَو اتخذ جسما ليخلق بِهِ الْخلق لسمى ذَلِك الْجِسْم أَبَا فَهُوَ الزام مَالا يلْزم فَإِن الله تَعَالَى قد اتخذ الأَرْض وَالْمَاء والهواء وَالنَّار ليخلق بهم الخلوقات وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن يكون أَبَا وَلَا أَن يُسمى أَبَا وَهِي أجسام
وَأما قَوْلك فَلذَلِك قَالَ الْإِنْجِيل التحمت الْكَلِمَة وسكنت فِينَا فَلَقَد خَالَفت التَّنْزِيل وحرفت التَّأْوِيل فَهَلا عَلَيْك سترت على مكرك وَلم تلبس على نَفسك وخصمك ولأي شَيْء لم تذكر الْكَلَام من أَوله وتسوقه على مَنَازِله أتظن أَن الْمُسلمين لَيْسُوا بكتبكم عارفين وَلَا لتحريفكم وتلبيسكم منتهين تالله لقد فيهم من تعرف مِنْهَا الْحق الَّذِي لَا تعرفُون ويتحقق مِنْهَا الْحق الَّذِي لَا تعرفُون ويتحقق مِنْهَا مَا أَنْتُم فِيهِ تشكون وَيعلم مِنْهَا مَا أَنْتُم بِهِ جاهلون
وَمن ذَلِك أَن هَذَا الْكَلَام الَّذِي حكيته عَن الْإِنْجِيل وسلكت بِهِ مَسْلَك التجهيل هُوَ فِي إنجيل يوحنا بن سبداي المصور بزعمكم بِصُورَة عِقَاب يَقُول عَن عِيسَى ﵇ من يقبله مِنْهُم وآمن بإسمه أَعْطَاهُم سُلْطَانا ليكونوا أَوْلَاد الله وهم الَّذين لم يتولدوا من دم وَلَا شَهْوَة لُحُوم وَلَا شَهْوَة رجل لَكِن تَوَالَدُوا من
стр. 49
الله فالتحمت الْكَلم وسكنت فِينَا ورأينا عَظمته كعظمة ولد الله الْفَرد المحشو رضوانا وصدقا
هَذَا مساق كَلَامه فِي الْإِنْجِيل وَهَذَا الْكَلَام لَا يسْتَدلّ على مَا ذكرت وَلَا على غَيره حَتَّى يعلم أَن عِيسَى ﵇ هُوَ الَّذِي قَالَه وَلَيْسَ هُوَ فِي الْإِنْجِيل مَرْفُوعا إِلَى عِيسَى وَلَا مُسْندًا إِلَيْهِ وَلَا مخبرا بِهِ عَن الله تَعَالَى وغايته إِن صَحَّ أَن يكون مَوْقُوفا على يوحنا وَمن قَوْله وحاشا عَن قَول مثله ثمَّ لَو سلمنَا ذَلِك فَلَيْسَ بمعصوم فَإِن الْعِصْمَة إِنَّمَا ثبتَتْ للأنبياء أَو لمن أخبر الْأَنْبِيَاء عَنْهُم أَنهم معصومون وَهَذَا لَيْسَ بِنَبِي وَلَا بلغ عَن الْأَنْبِيَاء بطرِيق قَاطع أَنه مَعْصُوم وَسَيَأْتِي الْكَلَام على هَذَا فِي بَاب النبوات إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَبِتَقْدِير أَنه مَعْصُوم فكتابكم قَابل للتحريف والتغيير فَإِنَّهُ لم تكمل فِيهِ شُرُوط التَّوَاتُر فَإِنَّهُ رَاجع إِلَى أَخْبَار آحَاد لَا تفِيد علما على مَا نبينه وعَلى التَّقْرِيب إِن أناجيلكم إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَة عَن أَرْبَعَة كل وَاحِد مِنْهُم لَا يُفِيد خَبره الْعلم بِأَنَّهُ خبر وَاحِد وَمَعَ ذَلِك فَلَو أَنهم تواردوا على نقل خبر وَاحِد لَكَانَ نقلهم لَا يُفِيد الْيَقِين فَإِن الْخَبَر الَّذِي يحصل بِهِ الْعلم الْيَقِين إِنَّمَا هُوَ الْمُتَوَاتر حَقِيقَة الْخَبَر الْمُفِيد للْعلم بالمخبر عَنهُ الَّذِي تحيل الْعَادة على ناقليه الْغَلَط والتواطؤ على الْكَذِب على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله
وعَلى تَسْلِيم أَنه لَا يقبل التَّغْيِير وَلَا التحريف فَهَذَا الْكَلَام لَيْسَ بِنَصّ قَاطع بل هُوَ مُحْتَمل للتأويل وتأويله معضود بسياقة اللَّفْظ وَذَلِكَ أَن مساق هَذَا الْكَلَام يقتضى أَن كل من آمن بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام
стр. 50
فَإِنَّهُ توالد من الله والتحمت الْكَلِمَة بِهِ وسكنت فِيهِ وَلذَلِك قَالَ وَلَكِن تَوَالَدُوا من الله فالتحمت بِالْكَلِمَةِ وسكنت فِينَا
فَإِن كنت تُرِيدُ أَن تستدل بِهَذَا اللَّفْظ على أَن الْكَلِمَة اتّحدت بالمسيح خَاصَّة فَلَيْسَ لَك فِيهِ دَلِيل بل يدل ظَاهره على أَن كل من آمن بِهِ التحمت الْكَلِمَة بِهِ وسكنت فِيهِ وَهَذَا شَيْء لَا تَقولُونَ بِهِ وَلَا يذهب إِلَيْهِ أحد مِنْكُم فَهَلا عَلَيْكُم فهمتم كِتَابه وتدبرم خطابه ورددتم آخر الْكَلَام على أَوله حَتَّى تعرفوا نَصه من مؤوله على أَنه لَو كَانَ نصا قَاطعا لَا يحْتَمل التَّأْوِيل لما كَانَ يَنْبَغِي لعقل أَن يَقُول بِمُقْتَضَاهُ فَإِن الإتحاد محَال قطعا على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى إِذْ تكلمنا على حَقِيقَة الإتحاد والحلول
وَأما قَوْله فأفرد الْكَلِمَة بالإلتحام لِأَنَّهَا الواعظة بِالْأَمر والنهى فَقَوْل لم يقلهُ الْإِنْجِيل وَلَا دلّ عَلَيْهِ ظَاهر وَلَا تَأْوِيل وَغَايَة مَا فِي الْإِنْجِيل أَن الْكَلِمَة التحمت وَلَيْسَ فِيهِ لِأَنَّهَا الواعظة فَمن عرفك أَن الْكَلِمَة اتّحدت لهَذِهِ الْعلَّة بل لَعَلَّهَا التحمت لعِلَّة أُخْرَى لم تعلمهَا أَنْت وَلَا غَيْرك لَعَلَّهَا التحمت لَا لعة بل لنَفسهَا وَإِنَّمَا نزلنَا فِي هَذَا الْمحل على تَسْلِيم الإلتحام وَإِن كَانَ بَاطِلا بالبرهان ليتبين أَن هَذَا الْمَذْهَب هذيان
وَأما قَوْله لِأَنَّهَا الواعظة بِالْأَمر والنهى فَقَوْل من لَا يعرف فرق مَا بَين الْأَمر والنهى والوعظ وَلَا حصل من الشَّرْع وَلَا من الْعقل على حَظّ فَإِن الْوَعْظ مُخَالف لِلْأَمْرِ والنهى بحقيقته ومقصوده إِذْ قد يعظ الْوَاعِظ من غير أَمر وَلَا نهى وَينْهى وَيَأْمُر وَلَا يعظ فهما أَمْرَانِ مفترقان غير متلازمين على مَا يعرف فِي مَوْضِعه
وَأما قَوْله فَهَذَا أخصر شرح الإتحاد فالسين مَوضِع الصَّاد أليق إِذْ الخسران إِلَيْهِ أقرب وَبِه ألزق لِأَنَّك أوهمت أَنَّك شرحت وأوضحت واختصرت وأوجزت بل أخللت وطوت وبفائدة مَا أتيت وَكَيف تصح لَك هَذِه الدَّعْوَى وَقد قلت كلَاما لَا فَائِدَة لَهُ وَلَا جدوى دَلِيل ذَلِك أَنَّك اعترضت على نَفسك بإعتراضات كَثْرَة ثمَّ إِنَّك حدت عَن الْجَواب وَلم تأت بفصل خطاب بل أتيت بِكَلَام يشْهد عَلَيْك عِنْد الْعُقَلَاء بالبلادة وقله التَّحْصِيل وَعدم الإجادة
стр. 51
وَقد كَانَ يَنْبَغِي لَك أَن تبين حققة الإتحاد والحلول وَتبين فرق مَا بَين مَذْهَب الرّوم فِيهِ وَبَين مَا بِهِ تَقول وَتبين الْفرق بَينه وَبَين الإختلاط والإمتزاج وَبعد ذَلِك تستدل على صِحَة وُقُوعه وعَلى اخْتِصَاص عِيسَى ﵇ بِهِ دون غَيره من الْأَنْبِيَاء فَلَو فعلت ذَلِك حِينَئِذٍ كَانَ يَنْبَغِي لَك أَن تَدعِي أَنَّك شرحت وأوضحت وَأما الْآن فقد جهلت وافتضحت
стр. 52
الْفَصْل الثَّانِي
معنى الإتحاد
من حِكَايَة كَلَامه أَيْضا
قَالَ
فَإِن سَأَلَ سَائل عَن معنى الإتحاد قُلْنَا نقُول بذلك تقليدا للإنجيل والنبيين ورسل رب الْعَالمين فِيمَا نقلوا من ذَلِك وأعلموناه عَمَّن الله وَفِيمَا نَص لنا عَنْهُم تَصْدِيق الْأَخْبَار الَّذِي لَا تكاذب فِيهَا
فَإِن قلت وَكَيف يجوز أَن يتوحد الْقَدِيم بالحادث والخالق بالمخلوق قُلْنَا على تَقْلِيد الْكتاب وعَلى الْجَائِز فِي الْعُقُول وَذَلِكَ أَنا لَا نقُول إِن الْقَدِيم فِي الْجَوْهَر صَار حَادِثا وَلَا الْحَادِث فِي الْجَوْهَر صَار قَدِيما وَلَكنَّا نقُول صَار الْحَادِث إِلَهًا وَلَا نقُول صَار الْإِلَه حَادِثا كَمَا نقُول صَارَت الفحمة نَارا وَلَا نقُول صَارَت النَّار فَحْمَة
فَإِن قلت فَمَا عِلّة هَذَا الإتحاد قيل لَك الْإِرَادَة وسائلك هَذَا كسائل يسْأَل فَقَالَ لم خلق الله الْعَالم فَمن الْجَواب لَهُ أَن يُقَال لَهُ أَرَادَ ذَلِك فَإِن قلت أَفَهَذَا الإتحاد قديم أَو حَادث قيل لَك قديم وحادث فَإِن قلت فَكيف يكون قَدِيما وحادثا قيل لَك قديم بِالْقُوَّةِ حَادث بِالْفِعْلِ وكل عِنْده حَاضر لِأَنَّهُ ﵎ لَا تَأْخُذهُ الْأَزْمَان وَلَا يعد الْأَشْيَاء بالأعداد وكل عِنْده حَاضر مُقيم
الْجَواب عَنهُ
هَذَا كَلَام تمجه الأسماع وتنفر عَنهُ الطباع سَأَلَ فِيهِ قَائِله عَن حَقِيقَة الإتحاد وَمَعْنَاهُ فَأَجَابَهُ بِالدَّلِيلِ عَلَيْهِ وَمَا جرى مجْرَاه وَمن حق الإنفصال أَن يكون مطابقا للسؤال فَكَانَ يلزمك لما سُئِلت عَن معنى الإتحاد أَن تجيب بحده وَحَقِيقَته ثمَّ بعد ذَلِك تستدل على صِحَّته ووجوده إِن صَحَّ ذَلِك وَأمكن الإستدلال هُنَالك
стр. 53
أما قَوْلك فِي جَوَاب من سَأَلَك عَن الإتحاد وَحَقِيقَته نقُول بذلك تقليدا للإنجيل والنبيين ورسل رب الْعَالمين فَكَلَام غير متين لَا يصدر مثله عَن عقل رصين
لتعلم يَا هَذَا أَن الْأَنْبِيَاء ﵈ صَادِقُونَ مصدقون والصادق مَا يخبر بِصِحَّة مَا يعلم بالعقول فَسَاده وإستحالته فَإِن الصَّادِق لَا يُنَاقض قَوْله دَلِيل الْعقل وَلَا يُعَارضهُ بل يصدقهُ وَيشْهد بِصِحَّتِهِ فَلَو فَرضنَا شخصا جَاءَ بِأَمْر معجز فِيمَا يرى وَادّعى أَنه أرْسلهُ الله لنا ليخبرنا أَن الثَّلَاثَة وَاحِد من حَيْثُ هِيَ ثَلَاثَة وَأَن الْوَاحِد ثَلَاثَة من حَيْثُ أَنه وَاحِد وَفهم ذَلِك مِنْهُ بِنَصّ لَا يقبل التَّأْوِيل لبادر الْعُقَلَاء إِلَى تَكْذِيبه ولعلموا أَن مَا أظهره على جِهَة المعجزة إِنَّمَا هِيَ حِيلَة ومخرقة لِأَن المعجزة إِنَّمَا هِيَ دَلِيل الصدْق وَلَا يقلب دَلِيل الصدْق دَلِيل الْكَذِب
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ إِن الضدين يَجْتَمِعَانِ بعد مُرَاعَاة شُرُوط التضاد وَكَذَلِكَ لَو أخبر أَن الله تَعَالَى يقلب جوهرا عرضا ولونا وطعما إِلَى غير ذَلِك من أَنْوَاع المحالات وَمن هَذَا الْقَبِيل هُوَ مَا ادعيتم من الإتحاد وسيتبين إِن شَاءَ الله
وَبعد هَذَا فَلَو فَرضنَا نَبينَا علمنَا صدقه على الْقطع تكلم بِشَيْء من هَذَا فَيكون ذَلِك الْكَلَام لَا يدل على ذَلِك الْمَعْنى دلَالَة قَاطِعَة بل دلَالَة مُحْتَملَة أَو ظَاهِرَة فسبيلنا أَن نتأول إِن وجدنَا وَجها للتأويل أَو نتوقف على تَأْوِيله إِن لم نجد لَهُ محملًا فِي التَّأْوِيل مَعَ أَن الْعقل يعلم اسْتِحَالَة الظَّاهِر ويكل معرفَة بَاطِنه إِلَى الله تَعَالَى فَإِن الشَّرَائِع وَإِن لم تأت بِمَا يُخَالف الْعُقُول فقد تَأتي مِمَّا تقصر الْعُقُول عَن دركه وَفرق بَين يُعلمهُ الْعُقَلَاء بَين الْعلم بالإستحالة وَبَين عدم الْعلم بالإستحالة فَإِن عدم الْعلم بالإستحالة لَا يلْزم مِنْهُ نفى الْجَوَاز وَلَا إثْبَاته ولانفى الْوُجُوب وَلَا إثْبَاته وَهَذَا مِمَّا لَا خَفَاء بِهِ عِنْد الْعُقَلَاء
وَأما قَوْلك وعَلى الْجَائِز فِي الْعُقُول فَيَنْبَغِي لنا أَن نَسْأَلك هُنَا أسئلة تبين أَنَّك بِمَا ادعيت جهول فَنَقُول لَك مَا حد الْعقل أَولا وَمَا حد الْجَائِز الْعقلِيّ وَمَا حَقِيقَته وَكم أقسامه وَمَا حد الْوَاجِب
стр. 54
الْعقلِيّ وَكم أقسامه وَمَا حد الْمحَال الْعقلِيّ وَكم أقسامه فَإِذا فرغت من جَوَاب هَذِه الْمسَائِل سألناك هَل أَحْكَام الْعقل تَنْحَصِر فِي هَذِه الثَّلَاثَة أم تزيد عَلَيْهَا أم تنقص عَنْهَا ولعمري مَا يَنْبَغِي أَن تَتَكَلَّم مَعَ من لَا يعرفهَا وَأعلم على الْقطع والثبات أَنَّك لَا تعرفها وَلَا قَرَأت على من يفهمها وَإِلَّا فَالْجَوَاب وَإِن لم تجب وَإِلَّا فَيظْهر أَنَّك من دينك على شكّ وإرتياب ثمَّ نقُول كَيفَ يتجاسر عَاقل أَن يَقُول إِن علم الله تَعَالَى الَّذِي هُوَ صفته ولازم لَهُ وقديم أزلي حل فِي جَسَد إِنْسَان حَادث بعد أَن لم يكن حَالا فِيهِ وَمَعَ أَنه حل فِيهِ فَهُوَ لم يُفَارق الله تَعَالَى وَلَوْلَا الله تَعَالَى سلبكم عقولكم وإبتلاكم بظلمة التَّقْلِيد الَّذِي أفْضى بكم إِلَى مُكَابَرَة الْعُقُول وإنكار الْبِدَايَة لما وجد مثل هَذَا الْمَذْهَب مُسْتَقرًّا فِي قلب مَجْنُون فَأجرى فِي قلب غافل وَلَكِن لله تَعَالَى سر فِي أبعاد بعض الْعباد ﴿وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد﴾
وَأما قَوْلك إِنَّا لَا نقُول أَن الْقَدِيم فِي الْجَوْهَر صَار حَادِثا وَلَا الْحَادِث فِي الْجَوْهَر صَار قَدِيما وَلَكنَّا نقُول صَار الْحَادِث إِلَهًا فَهَذَا القَوْل مِنْك يدل على أَنَّك تَقول بحلول الْحَادِث فِي الْجَوْهَر وإتحاده بِهِ وَلم يقل بِهَذَا قطّ أحد من الْمَخْلُوقَات وَهَذَا أشنع وأقبح وأمحل من إتحاد الْقَدِيم بالحادث وحلوله فِيهِ وَهَذَا الَّذِي ذكرت أَنه يلزمك يدل عَلَيْهِ قَوْلك وَلَا الْحَادِث فِي الْجَوْهَر صَار قَدِيما فنفيت عَن الْحَادِث الْقدَم وأبقيت عَلَيْهِ الْحُلُول فِي الْجَوَاهِر وَهَذَا بَين بِنَفسِهِ من كلامك ثمَّ هَذَا الَّذِي فَرَرْت مِنْهُ يلزمك وَذَلِكَ أَنا نقُول هَذَا الْقَدِيم الْحَال لَا يَخْلُو أَن يكون حَالا فِي ناسوت الْمَسِيح قبل خلق الْمَسِيح أَو لم يكن فَإِن كَانَ حَالا فِيهِ قبل خلقه كَانَ محالا وباطلا بِالضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ قبل خلقه مَعْدُوم وَالْمَوْجُود لَا يحل فِي الْمَعْدُوم وَإِن كَانَ حُلُوله فِي ناسوته بعد خلقه فَقبل خلقه لم يكن حَالا فقد حدث لَهُ حُلُول وَقد صَار حَالا بعد أَن لم يكن حَالا وَيلْزم على هَذَا أَن تقوم الْحَوَادِث بالقديم وَهُوَ محَال فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى حُدُوثه على مَا يعرفهُ أَرْبَاب النّظر
وَأما قَوْلك صَار الْحَادِث إِلَهًا فَكَلَام تشمئز مِنْهُ النُّفُوس
стр. 55
وَيشْهد لقائله بِالْوَيْلِ والعكوس وَكَيف لَا يستحي الْعَاقِل من مثل هَذَا الْكَلَام الَّذِي وَالله هُوَ عَار على الْأَنَام وَكَيف يتَصَوَّر أَن يعقل الإلهية لمحدث مَخْلُوق يحزن تَارَة ويفرح أُخْرَى ويجوع تَارَة ويشبع أُخْرَى ويتبول ويتغوط وتظفر بِهِ أعداؤه ويعذبونه بِالضَّرْبِ والإهانة والشوك والصلب وَالْقَتْل بزعمكم وَهُوَ مَعَ ذَلِك يَقُول ﴿اعبدوا الله رَبِّي وربكم﴾ وَيَقُول لكم إِذا صليتم فَقولُوا يَا أَبَانَا السماوي تقدس اسْمك وَقرب ملكك وَيَقُول إِن الله وَحده وَلَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَيَقُول لإبليس إِنَّمَا أمرت أَن تعبد السَّيِّد إلهك وَحده وَيَقُول حِين قرب رَفعه وأعلمه الله بِهِ سيلقى ابْن الْإِنْسَان مَا كتب لَهُ يعْنى نَفسه ثمَّ تقدم وَسجد على الأَرْض ودعى أَن يزاح عَنهُ مَا هُوَ فِيهِ وَقَالَ يَا أبتاه إِنَّك قَادر على جَمِيع الْأَشْيَاء فرج عني هَذِه الكأس وَقَالَ فِي إنجيل لوقا يَا أبتاه إِن كَانَت هَذِه الكأس لَا تقدر تجاوزني حَتَّى أشربها فلتكن إرادتك
стр. 56
وَمن اطلع على أناجيلكم علم على الْقطع أَن عِيسَى ﵇ برِئ مِمَّا تَدعُونَهُ بِهِ وتنسبونه إِلَيْهِ وستلقونه بَين يَدي الله فِي الْوَقْت الَّذِي يَقُول الله ﵎ ﴿يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله﴾ فيتبرأ من ذَلِك القَوْل فَيَقُول ﴿سُبْحَانَكَ مَا يكون لي أَن أَقُول مَا لَيْسَ لي بِحَق إِن كنت قلته فقد عَلمته تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك إِنَّك أَنْت علام الغيوب مَا قلت لَهُم إِلَّا مَا أَمرتنِي بِهِ أَن اعبدوا الله رَبِّي وربكم وَكنت عَلَيْهِم شَهِيدا مَا دمت فيهم فَلَمَّا توفيتني كنت أَنْت الرَّقِيب عَلَيْهِم وَأَنت على كل شَيْء شَهِيد﴾
وَقد جَاءَنَا على لِسَان من دلّت المعجزة بصدقه أَن الله تَعَالَى إِذا حشر الْخَلَائق فِي صَعِيد وَاحِد يعْنى يَوْم الْقِيَامَة فَيُقَال لِلنَّصَارَى مَا كُنْتُم تَعْبدُونَ فَيَقُولُونَ كُنَّا نعْبد الْمَسِيح ابْن الله فَيَقُول لَهُم كَذبْتُمْ مَا اتخذ الله من صَاحبه وَلَا ولد ثمَّ يُقَال لَهُم أَلا تردون فيحشرون إِلَى جَهَنَّم كَأَنَّهَا سراب يحطم بَعْضهَا بَعْضًا
فَالله الله أدْرك بَقِيَّة نَفسك قبل حُلُول رمسك وَاسْتعْمل سديد عقلك وَلَا تعول على تَقْلِيد فَاسد نقلك وَاتبع الدّين القويم دين الْأَب إِبْرَاهِيم فَمَا كَانَ ﴿يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفا مُسلما وَمَا كَانَ من الْمُشْركين﴾
فَالله يعلم أَنِّي أنظر إِلَيْك وَإِلَى كَافَّة خلق الله بِعَين الرَّحْمَة وأسأله هِدَايَة من ضل من هذة الْأمة وأتأسف على الأباطيل الَّتِي ينتحلون فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي النبوات كَلَام على حقائق الْملَل وَتبين الهداة والضالين من ذَوي النَّحْل وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأما قَوْلك كَمَا نقُول صَارَت الفحمة نَارا وَلَا نقُول صَارَت النَّار فَحْمَة فتمثيل لَيْسَ بِمُسْتَقِيم وَلَا جَار على مَنْهَج قويم وَذَلِكَ
стр. 57
أَن الفحمة مهما صَارَت نَارا فقد حدثت النارية وانعدمت الفحمية وَلَيْسَ هَذَا مُسَاوِيا لِقَوْلِك صَار الْحَادِث إِلَهًا فَإِن الشَّيْء الَّذِي صَار بِهِ الْحَادِث إِلَهًا عنْدكُمْ هُوَ قديم فَكيف تشبهه بالنارية الطارئة وَهِي حَادِثَة وَإِن ساويت بَينهمَا لزمك أَن يكون الْحَال فِي الناسوت حَادِثا أَو النارية قديمَة فترتفع الفحمية وَهُوَ محَال بِالضَّرُورَةِ
وَأما قَوْلك فَإِن قلت فَمَا عِلّة هَذَا الإتحاد قيل لَك الْإِرَادَة فَهَذَا قَول فَاسد فَإِن الْإِرَادَة إِنَّمَا يَصح تعلقهَا بالجائزات وَلَا يَصح تعلقهَا بالمحالات والإتحاد محَال فَلَا تتَعَلَّق بِهِ الْإِرَادَة على مَا نقرره إِن شَاءَ الله إِذا نقلنا مَذَاهِب أقستكم فِي هَذَا الْمَعْنى وتكلمنا مَعَهم عَلَيْهَا
وَأما قَوْلك فِي جَوَاب سَائِلك عَن الإتحاد هَل حَادث أَو قديم حَيْثُ قلت إِنَّه قديم وحادث فَقَوْل لم يقل بِهِ مُؤمن وَلَا ناكث فَإِن الْجمع بَين الْقدَم والحدوث مِمَّا يعلم فَسَاده بضرورة الْعقل فَإِن معنى الْقَدِيم الَّذِي لَا أول لوُجُوده والحادث هُوَ الَّذِي لوُجُوده أول وَالْجمع بَين نفى الأولية وَإِثْبَات الأولية محَال
وَأما قَوْلك قديم بِالْقُوَّةِ حَادث بِالْفِعْلِ فَكَلَام لَيْسَ لَهُ أصل إِذْ لَا يعقل الْعُقَلَاء فِي الْقدَم قُوَّة وَلَا فعلا فَإِن الْقدَم من أَسمَاء السلوب وَالْقُوَّة وَالْفِعْل فَإِنَّمَا يتواردان عِنْد الْقَائِلين بهما على الصِّفَات الوجوديات وعَلى عدمهَا مَعَ إِمْكَان وجودهَا ثمَّ إِنَّا نَسْأَلك عَن حد الْقُوَّة وحقيقتها وَمَا الْفرق بَينهمَا وَبَين الْإِمْكَان وَهل هِيَ مَوْجُودَة وَعَن حد الْفِعْل وَمَا حَقِيقَته
فَإنَّك تَكَلَّمت بِمَا سمعته وَمَا حصلته وَلَا وعيته
وَأما قَوْلك وكل عِنْده حَاضر مُقيم فَكَلَام حق ومقال صدق إِن كنت أردْت بحاضر أَنه مَعْلُوم وَقد أَخْطَأت بإدخالك مُقيم فِي هَذَا الْمَعْنى فَإِن الْمُقِيم إِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذ من أَقَامَ بالموضع إِذا ثَبت فِيهِ فَإِن أردْت هَذَا الْمَعْنى لزمك أَن تكون المعدومات الممكنة مَوْجُودَة عِنْده فِي حَال عدمهَا وَذَلِكَ محَال وَإِن أردْت غَيره فَكَانَ يَنْبَغِي لَك أَن تبين مرادك فَإنَّك لم تَتَكَلَّم بِهِ على مُقْتَضى كَلَام الْقَوْم الَّذين تعاطيت التَّكَلُّم بلسانهم
стр. 58
ثمَّ قَوْلك لِأَنَّهُ ﵎ لَا تَأْخُذهُ الْأَزْمَان ذكرته موهما أَنَّك تستدل بِهِ على أَنه تَعَالَى عَالم بِجَمِيعِ الْأُمُور مُحِيط بِالْكُلِّ وَلَا يدل ذَلِك على مَا أردته وَإِلَّا فكونه قَابلا للزمان أَو غير قَابل للزمان مَا الْمُنَاسبَة بَينه وَبَين كَونه عَالما بِجَمِيعِ المعلومات أَو بِبَعْضِهَا وَلَا بُد أَن يسْأَل عَن الزَّمَان مَا هُوَ وَهل هُوَ مَوْجُود أَو مَعْدُوم فَإِن كَانَ مَوْجُودا فَهَل هُوَ جَوْهَر أَو عرض وَإِن كَانَ جوهرا أَو عرضا فَهَل هُوَ فِي زمَان أوليس فِي زمَان فَإِن لم يكن فِي زمَان فلتستغن الموجودات كلهَا عَن زمَان وَيلْزم عَلَيْهِ إِثْبَات موجودات لَيْسَ بزمانية غير الْبَارِي تَعَالَى وتقدس وَذَلِكَ محَال على مَا تقرر وَإِن كَانَ فِي زمَان فَهَل ذَلِك الزَّمَان فِي زمَان ويتسلسل فَلَا بُد لَك من علم هَذِه الْمسَائِل إِن أردْت أت تلْحق بالصنف الْعَاقِل وَمن أَرَادَ أَن يعلم فليرحل على الرَّأْس والقدم
وَأما قَوْلك وَلَا يعد الْأَشْيَاء بالأعداد فيفهم مِنْهُ أَن المعلومات لَا تَتَعَدَّد عِنْده وَإِذا لم تَتَعَدَّد المعلومات عِنْده لَا تتَمَيَّز جزئياتها وَإِذا كَانَ ذَلِك فَإِنَّمَا يعلم الْأُمُور على وَجه كلي وَهُوَ مَا تَقوله الفلاسفة وَأهل الشَّرَائِع كلهم مطبقون على أَن الله تَعَالَى يعلم جزئيات الْأُمُور وَإِن دقَّتْ على التَّفْصِيل وَمن لم يقل هَذَا يحكم عَلَيْهِ فِي كل مِلَّة بالتكفير والتضليل
فَأَنت يَا هَذَا فِي أَكثر كلامك بَين أَمريْن إِمَّا أَن تنكر الضروريات أَو تكفر بالشرعيات فنسأل الله تَعَالَى أَن ينور بصائرنا ويسدد أحوالنا وأمورنا وَأَن لَا يَجْعَل وبالا علينا أَعمالنَا وأقوالنا أَنه سميع الدُّعَاء قريب مُجيب
стр. 59
الْفَصْل الثَّالِث
الْوَاسِطَة بَين الله وَبَين مُوسَى
من حِكَايَة كَلَام السَّائِل
قَالَ
ثمَّ نقُول لمن ناظرني من بَاقِيَة الْمُسلمين إِن كتابكُمْ يَقُول إِن مُوسَى سمع الله وَكَلمه تكليما فَكيف كَانَ ذَلِك وَأَنْتُم قد أعجزتم جَمِيع الحاسات من إِدْرَاكه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لِأَنَّهُ لَا مفطور وَلَا مشبه بِشَيْء مِمَّا يتَصَوَّر فِي الأوهام
فَإِن قُلْتُمْ إِنَّه كَلمه بِذَاتِهِ فقد أوجبتم لَهُ جارحة النُّطْق ووقعتم فِيمَا أنكرتموه من الْجِسْم وَإِن قُلْتُمْ إِن الله خلق لَهُ كلَاما فقد أثبتم كلَاما مخلوقا قَائِما بخلقه جوهرا فِي نَفسه إِذْ لم يكن عرضا فِي الله قَالَ لمُوسَى ﴿أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني﴾ وأثبتم أَن الْكَلَام وَاسِطَة بَين الله وَبَين مُوسَى وَأَن مُوسَى أقرّ بالربوبية لقَوْله ﴿رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك﴾ وَقَول الصدى الَّذِي هُوَ الْمُتَكَلّم لَهُ ﴿لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني﴾
فَإِن قلت أَن الصدى لم يقل لَهُ أَنا الله وَلكنه فِي مسامع مُوسَى أَنا الله قلت لَك أَن الصدى هُوَ الْعَامِل فِي مسامع مُوسَى وَهُوَ المحرك لَهُ وَعَلِيهِ رد وإياه أجَاب
وَالدَّلِيل على أَنه كَانَ فِي غَفلَة فَمَا كَانَ يُرِيد الله من إرْسَاله إِلَى فِرْعَوْن حَتَّى خلق لَهُ نَارا أبصرهَا فَنزع إِلَيْهَا فَلَمَّا أَتَاهَا أحجب الله لَهُ فِيهَا صدى قَالَ لَهُ ﴿أَنا الله﴾ و ﴿لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني﴾ إِلَّا أَن تَقولُوا إِن مُوسَى قد كَانَ يعرف مَا كَانَ يُرِيد الله من إرْسَاله إِلَى فِرْعَوْن دون النَّار وَالْكَلَام فَيكون خبر النَّار وَالْكَلَام لَا معنى لَهما وخبرهما لم يفد شَيْئا
стр. 60
وَهَذَا من القَوْل تشنيع الْكَذِب وَإِذا لم يكن بُد من أَن مُوسَى لم يدْرك الْمُرْسل لَهُ إِلَّا بِوَاسِطَة اتَّحد لَهُ يُسمى بإسمه فالواسط هُوَ الْعَامِل فِي مُوسَى وَعنهُ تحمل الرسَالَة حَتَّى يَأْتِي فِرْعَوْن بِمصْر وَيَقُول إِن الله ترَاءى لي بطور سيناء وبعثني إِلَيْك لترسل معي بني إِسْرَائِيل وَلَا تُعَذبهُمْ مجددا الْموضع الَّذِي أقبل مِنْهُ من عندالله وَكَانَ الله بِمصْر وَفِي كل مَكَان وَلَا كَانَ يعجز مُوسَى عَن معرفَة الْأَمر والنهى إِلَّا بِكَلَام مَحْدُود من جسم مفطور خلق الله لَهُ نَارا أبصرهَا فَنزع إِلَيْهَا ثمَّ أحجب فِيهَا صدى سَمعه مِنْهَا قَامَ عِنْده مقَام خَالق فَسَماهُ إِلَهًا
الْجَواب عَنهُ
أما قَوْلك ثمَّ نقُول لمن ناظرني من بَاقِيَة الْمُسلمين فلتعلم يَا هَذَا أَنَّك غَلطت فِي نَفسك وغفلت عَن حَسبك حَيْثُ ظَنَنْت أَنَّك مِمَّن يستحسن مناظرته أحد من الْمُسلمين للَّذي أمروا بِهِ من الْأَعْرَاض عَن الْجَاهِلين وَكَيف وَأَنت لَا يمكنك النُّطْق بِكَلَام فصيح وَلَا تقدر على نظر صَحِيح وأنى لَك بمناظرتهم وَلم تسلك شَيْئا من طريقتهم وَكَيف يمكنك النّظر مَعَهم وَأَنت لم تعرف طَرِيقه وَلَا التزمت شُرُوطه
فوحق دين الْإِسْلَام الَّذِي هُوَ دين إِبْرَاهِيم ﵇ لقد وددت أَن تكون من عقلاء الْأَنَام لتعرف قدر مَا يلقى من الأسئلة عَلَيْك وَمَا يكْتب بِهِ من الحكم إِلَيْك فَلَعَلَّ مُقَلِّب الْقُلُوب يستنقذك من عبَادَة إِلَه مصلوب ويبدلك بهَا إخلاص الْعِبَادَة لعلام الغيوب وَلَوْلَا رَجَاء ذَلِك لما كَانَ يَنْبَغِي لي أَن أعْطى الْحِكْمَة غير أَهلهَا كَمَا لَا يَنْبَغِي أَن أسمعها من هُوَ من أَهلهَا
وَأما قَوْلك إِن كتابكُمْ يَقُول إِن مُوسَى سمع الله وَكَلمه تكليما فَكيف يسوغ لَك أَن تجنح بِمَا أَنْت مُنكر لأصله وَلَا تعترف بِأَنَّهُ كَلَام الله وَأَنت مُنكر لتصديق من جَاءَ بِهِ فَلَا يحل لَك أَن تحتج لنَفسك وَلَا لغيرك بِمَا تعتقد أَنه كذب وَأما نَحن فيمكننا أَن نحتج عَلَيْكُم وعَلى الْيَهُود بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل لأَنا نعتقد أَن الله تَعَالَى أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى وَالْإِنْجِيل على عِيسَى وهما هدى قبل أَن يغيرا ويبدلا وينسخا بِغَيْرِهِمَا
стр. 61
وَأما الْيَوْم بعد أَن ثَبت عندنَا مَا ذكرته فَلَا نحتج بِشَيْء مِنْهُمَا على جِهَة انتزاع الْأَحْكَام فَإِن الله تَعَالَى قد أخرجنَا بِالنورِ من الظلام وهدانا لما اختلفتم فِيهِ من الْحق بنبينا مُحَمَّد ﵇ وسنبين إِن شَاءَ الله مَا يدل على صدقه من المعجزات وواضح الدلالات
ثمَّ نقُول إِن الله تَعَالَى كلم مُوسَى بِكَلَامِهِ الَّذِي هُوَ صفته وسَمعه مُوسَى بالإدراك الَّذِي خلقه الله لَهُ وقولك كَيفَ ظلم وحيف إِذْ سؤالك بكيف فِي هَذَا الْمحل دَلِيل على أَنَّك جَاهِل بمطلبها فَيَنْبَغِي لَك أَن تعلم أَن صِيغ المطالب كَثِيرَة وَهِي مَعَ كثرتها لَا يتَوَجَّه شَيْء مِنْهَا على الله تَعَالَى وعَلى صِفَاته وَذَلِكَ أَن من صِيغ المطالب مَا وَأي وَلم وَكَيف وَمَتى وَأَيْنَ وَغَيرهمَا مِمَّا فِي مَعْنَاهَا وَلَا يتَوَجَّه على الله تَعَالَى بِشَيْء مِنْهَا لِاسْتِحَالَة مَعَانِيهَا على الله تَعَالَى فَلَا تسْأَل عَنهُ ب مَا وَلَا ب أَي إِذْ لَا جنس لَهُ وَلَا فصل وَلَا ب لم إِذْ لاعلة لَهُ وَلَا أصل وَلَا ب مَتى إِذْ هُوَ مُقَدّر الزَّمَان وَلَا ب أَيْن إِذْ هُوَ خَالق الْمَكَان وَلَا ب هَل إِذْ لانشك فِي وجوده وَهُوَ خالقنا وَلَا ب كَيفَ إِذْ لايناسب جوده وَلَا صِفَاته شَيْئا من أحوالنا وأوصافنا
وجوده إثْبَاته وإثباته ذَاته وَعلمه كل شَيْء صنعه وَلَا عِلّة لصنعه لَا يتَوَجَّه لمخلوق عَلَيْهِ حق وَلَا يعجزه خلق ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾
ثمَّ نقُول وَمِمَّا يبين لَك أَنه يَصح السُّؤَال بكيف هُنَا لِأَن المطب بكيف إِنَّمَا هُوَ سُؤال عَن حَال مَوْجُود يُنَاسب حَال السَّائِل بكيف فَإِذا قلت كَيفَ زيد إِنَّمَا مَعْنَاهُ على أَي حَال هُوَ من الْأَحْوَال الَّتِي تناسب أحوالنا فِي حَال صِحَة ٢ أَو فِي حَال مرض أَو فِي حَال علم أَو فِي حَال جهل إِلَى غير ذَلِك من أَحْوَاله الْمُنَاسبَة لأحوالنا فَإِذا قلت كَيفَ سمع مُوسَى كَلَام الله فكأنك قلت على أَي حَالَة سمع مُوسَى كَلَام الله من الْأَحْوَال الَّتِي نَكُون نَحن عَلَيْهَا حِين يسمع بَعْضنَا من بعض وَنحن والعقلاء الَّذِي يعْرفُونَ مَا يجب لله
стр. 62
وَمَا يجوز وَمَا يَسْتَحِيل فِي حَقه يعلمُونَ بالبراهين القاطعة أَنه يَسْتَحِيل أَن يسمع مُوسَى كَلَام الله على شَيْء من الْأَحْوَال الَّتِي يسمع عَلَيْهَا بَعْضنَا من بعض على مَا نبينه إِن شَاءَ الله
فعلى هَذَا إِذا سَأَلنَا سَائل كَمَا سَأَلت أَنْت قُلْنَا لَهُ السُّؤَال عَن الله تَعَالَى وَصِفَاته ب كَيفَ ظلم وحيف فَإِن الظُّلم وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه وَقد سَأَلت ب كَيفَ فِي مَوضِع لَا مدْخل لَهَا فِيهِ فتأدب مَعَ الله قبل حُلُول عِقَاب الله فَإِن من لم يسْتَعْمل مَعَ الله الْأَدَب فقد اسْتحق التَّعَب وَحرم الرتب وَمن لم يستنكر هَذَا الْكَلَام لحق بالبهائم والهوام فَإِنَّهُ لَو سَأَلَك عنين لم يذقْ قطّ لَذَّة الْجِمَاع وَقَالَ لَك كَيفَ أدْركْت أَنْت لَذَّة الْجِمَاع لَكَانَ الْجَواب يصعب عَلَيْك وَلم يمكنك تفهيمه إِذْ لم يذقْ لَذَّة الْجِمَاع وَكَذَلِكَ كل من لم يسمع كَلَام الله كَمَا سَمعه مُوسَى ﵇ فَهُوَ كالعنين بِالْإِضَافَة إِلَى إِدْرَاك الْكَلَام الْقَدِيم إِذْ لم يسمعهُ وَلَا اتّصف بالإدراك الَّذِي اتّصف بِهِ مُوسَى ﵇ وكما لَا يُقَال كَيفَ يسمع الله كَلَام الْخلق كَذَلِك لَا يُقَال كَيفَ يسمع كَلَامه أحد من الْخلق وكما لَا يُقَال كَيفَ يرى الله الْخلق كَذَلِك لايقال كَيفَ يرَاهُ الْخلق فَإِن الْكَيْفِيَّة محَال على الله تَعَالَى وعَلى صِفَاته من جَمِيع الْوُجُوه
وَلَوْلَا خوف الْإِكْثَار وَأَنا وَضعنَا هَذَا الْكتاب على الإختصار لملأت صدرك من عَظمَة الله تَعَالَى إِن كنت عَاقِلا حَتَّى يتَبَيَّن لكم أَنكُمْ لم تعرفوا الله حق مَعْرفَته وَلَا قدرتموه حق قدره
وَأما قَوْلك فَإِن قُلْتُمْ أَنه كَلمه بِذَاتِهِ فقد أوجبتم لَهُ جارحة النُّطْق ووقعتم فِيمَا أنكرتموه من الْجِسْم فَلَا يلْزم من هَذَا كُله شَيْء وَإِنَّمَا كَانَ يلْزمنَا هَذَا لَو قُلْنَا إِن الله تَعَالَى كَلمه بِصَوْت وحرف يخرج من لَهَوَات ويقطعه لِسَان وَنحن لَا نقُول بِشَيْء من ذَلِك بل نقُول إِن الله تَعَالَى مُتَكَلم بِكَلَام هُوَ وصف قَائِم بِذَات الله لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت وَهَذَا مَعْقُول مَفْهُوم فَإنَّا نحس من أَنْفُسنَا كلَاما قَائِما بذواتنا فنتحدث بِهِ مَعَ أَنْفُسنَا لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت وَهَذَا مِمَّا يجده الْإِنْسَان من نَفسه بِالضَّرُورَةِ وَيكون الْحَرْف وَالصَّوْت دالين على ذَلِك الْمَعْنى الَّذِي فِي النَّفس وَهَذَا لاستحالته فِي كَلَام بناسبه
стр. 63
من بعض الْوُجُوه لله تَعَالَى لَكِن على الْقدر الَّذِي يجوز فِي حَقه تَعَالَى وَإِنَّمَا ذكرنَا لَك أَنْفُسنَا مِثَالا لذَلِك على جِهَة التأنيس كَمَا أَنا نقُول حَقِيقَة الْعلم وَاحِدَة فِي الْقَدِيم والحادث ونعنى بذلك إنكشاف الْمَعْلُوم لِأَن الْعلم الْقَدِيم يشبه الْحَادِث فَافْهَم وَهَذَا كُله يتَبَيَّن فِي مَوْضِعه وَيعرف بدليله
فعلى هَذَا الأَصْل الَّذِي قَرَّرْنَاهُ نقُول الْكَلَام الَّذِي سَمعه مُوسَى ﵇ هُوَ كَلَام الله الْقَدِيم الْقَائِم بِذَات الله الَّذِي لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت فَإِن قُلْتُمْ كَيفَ يسمع مَا لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت قُلْنَا الْجَواب عَنهُ قد تقدم إِذْ لَا يَصح السُّؤَال عَنهُ ب كَيفَ لِاسْتِحَالَة شَرط السُّؤَال بهَا
ثمَّ نقُول سلمنَا جدلا أَنه يَصح السُّؤَال ثمَّ يكون الْجَواب عَنهُ أَن تَقول يسمع مَا لَيْسَ بِصَوْت وَلَا حرف كَمَا يعلم مَوْجُود لَيْسَ بجوهر وَلَا عرض وكما يرى الله الْخلق وَلَيْسَ بِذِي حدقة وَلَا عين وكما يسمع أَصْوَاتهم وَلَيْسَ بِذِي صماخ وَلَا أذن وكما يعلم وَلَيْسَ بِذِي قلب وَلَا دماغ وكما يرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ فِي الدَّار الْآخِرَة كَرَامَة لَهُم وَلَيْسَ بِذِي جسم وَلَا لون فَكَمَا تصح هَذِه الْأُمُور كلهَا وَإِن كَانَت مستبعدة بِالْإِضَافَة إِلَى أوهامنا فِي حق الله تَعَالَى فَكَذَلِك يَصح أَن يسمع مُوسَى مَا لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت
ثمَّ نقُول للَّذي لَا تبقى مَعَه حسيكة فِي النَّفس وَلَا استبعاد فِي الْوَهم إِن الله تَعَالَى خلق لمُوسَى إدراكا لكَلَامه الْقَدِيم وصل بِهِ إِلَى تَحْصِيل مَفْهُوم كَلَام الله تَعَالَى وَمرَاده مِنْهُ فَسمى ذَلِك الْإِدْرَاك سَمَاعا وَعبر عَنهُ بسمع كَمَا أَنا نجوز أَن يكرم الله من شَاءَ من أصفياء خلقه بِأَن يطلعهم على بعض مَا فِي نفوس بعض النَّاس من غير تَعْبِير عَنهُ بِصَوْت وَلَا حرف وَذَلِكَ كَمَا فِي بعض كتبكم أَن عِيسَى ﵇ أعلم بعض الحواريين عَمَّا فِي نَفسه وَلَو عبر عَن ذَلِك بِأَن يُقَال سمع عِيسَى كَلَام ذَلِك الرجل لَكَانَ صدقا وَحقا وَهَذَا كُله جَائِز عقلا لَا اسْتِحَالَة فِيهِ
فَإِن قيل كَيفَ يَنْبَغِي لَك أَن تَقول إِن الله تَعَالَى مُتَكَلم بِكَلَام لَيْسَ بِصَوْت وَلَا حرف وَقد جَاءَ فِي التَّوْرَاة أَن الله تكلم بِصَوْت
стр. 64
لآدَم وحواء وَذَلِكَ أَنَّهُمَا لما طفقا يلفقان ورق التِّين ليسترا بهما عورتهما فسمعا صَوت الله الرب يتمشى فِي الفردوس إِلَى أَن قَالَ فَدَعَا الرب آدم وَقَالَ أَيْن أَنْت يَا آدم وَقَالَ آدم سَمِعت صَوْتك فِي الفردوس فَرَأَيْت أَنى عَار فاستترت واستخفيت وَهَذَا يدل على أَن لله تَعَالَى صَوتا وَهُوَ خلاف مَا ذكرت فيلزمك على هَذَا تَكْذِيب التَّوْرَاة أَو تَقول بمقتضاها فترجع عَمَّا قلته آنِفا
فَنَقُول مَا أمرنَا بِهِ نَبينَا ﵇ عِنْدَمَا تحدثونا بِشَيْء آمنا بِاللَّه وَكتبه وَرُسُله وَبعد ذَلِك نقُول فِي التَّوْرَاة بِمثل مَا قُلْنَاهُ فِي الْإِنْجِيل أَو قَرِيبا مِنْهُ فجدد بِهِ عهدا وَفِيه نظرا
ثمَّ إِن سلمنَا صِحَّتهَا فَلَيْسَ فِي هَذَا الَّذِي ذكرته مَا يدل على أَن الله تَعَالَى مُتَكَلم بِحرف وَصَوت وَإِنَّمَا الظَّاهِر مِنْهُ أَن آدم سمع حس مَشى الله فِي الفردوس أَلا ترى قَوْله فسمعا صَوت الرب يتمشى فِي الفردوس هَذَا هُوَ الظَّاهِر من هَذَا اللَّفْظ وَأَنْتُم لَا تَقولُونَ بِهِ وَلَا نَحن وَإِن كَانَت الْيَهُود أَو أَكْثَرهَا قد قَالَت بِمُقْتَضى ظَاهره فجسمت وَأَنْتُم إِن قُلْتُمْ بِظَاهِرِهِ يلزمكم مَا لَزِمَهُم فَإِذن هَذَا اللَّفْظ مؤول عنْدكُمْ وَعِنْدنَا أعنى من المتشابهات الَّتِي يعلمهَا الراسخون فِي الْعلم فَمَا لم يستقم جعله على ظَاهره تأولتموه أَنْتُم وصرفتموه عَن ظَاهره وقلتم أَن هَذَا إِنَّمَا يُرَاد بِهِ كَلَام الله تَعَالَى الَّذِي هُوَ حرف وَصَوت عنْدكُمْ وَهُوَ فعل من أَفعَال الله تَعَالَى عنْدكُمْ
وَإِلَى نَحْو من هَذَا صَار أغشتين وَإِذا تأولتم أَنْتُم هَذَا اللَّفْظ وأخرجتموه عَن ظَاهره فَنحْن نخرجهُ عَن ظَاهره بِتَأْوِيل آخر أحسن من تأويلكم لَا يلْزم عَلَيْهِ شَيْء من المحالات الَّتِي تلزمكم وسنبينها إِن شَاءَ الله
وَلنَا فِي ذَلِك تَأْوِيلَانِ
أَحدهمَا أَن الله تَعَالَى خلق صَوتا فِي بعض طرق الفردوس
стр. 65
يشبه صَوت الْمَاشِي وَهُوَ الَّذِي يُسمى بِلِسَان الْعَرَب الهمس والخشخشة فَلَمَّا سمع آدم ذَلِك الصَّوْت تنبه لمخاطبة الله تَعَالَى ولحضوره مَعَه ثمَّ أضَاف الصَّوْت إِلَى الله تَعَالَى لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي تنبه آدم عِنْده لمحاضرة الله وَكَأن آدم كَانَ فِي غَفلَة لشدَّة حزنه وعظيم مَا حل بِهِ وَهَذَا كَمَا يعتري الْوَاحِد منا إِذا كَانَ ملهوفا بِأَمْر هائل فَإِنَّهُ يشْتَغل بِنَفسِهِ بل ويغفل عَن حسه ثمَّ قد يتَنَبَّه عِنْد سَماع صَوت شَيْء وحس إِنْسَان فَيرجع عِنْد ذَلِك لنَفسِهِ ويتنبه لمن مَعَه وعَلى هَذَا التَّأْوِيل يكون فِي يتمشى ضمير يعود على الصَّوْت فَكَأَنَّهُ قَالَ يتمشى الصَّوْت فِي الفردوس لَا على الله
إِذْ يَسْتَحِيل على الله تَعَالَى ظَاهر المشى وَمَفْهُومه السَّابِق مِنْهُ وَهَذَا تَأْوِيل حسن سَائِغ عِنْد الْمنصف
والتأويل الثَّانِي أَن الصَّوْت يُرَاد بِهِ الْكَلَام الْقَائِم بِذَاتِهِ وَإِن كَانَ لَيْسَ بِصَوْت فَيجوز أَن يُسَمِّيه صَوتا لِأَنَّهُ يُمكن أَن يدل عَلَيْهِ بالصوت كَمَا نقُول إِن مُوسَى ﵇ سمع كَلَام الله الْقَائِم بِذَاتِهِ بِمَعْنى أدْركهُ وفهمه بِإِدْرَاك خص بِهِ مُوسَى ثمَّ عبر مُوسَى عَنهُ لنا بِصَوْت مقطع إِذْ لَيْسَ فِي قوتنا إِدْرَاك مَا لَيْسَ بِصَوْت وبقريب من ذَلِك نقُول نَحن فِي الْقُرْآن
وَهَذَا النَّوْع من التَّأْوِيل نوع جَائِز جَار فِي الْكَلَام فَإِنَّهُ تَسْمِيَة الشَّيْء بِمَا يدل عَلَيْهِ كَمَا تَقول سَمِعت علم فلَان وَإِنَّمَا سَمِعت كَلَامه الَّذِي دلّ على علمه وَالْكَلَام لَيْسَ هُوَ الْعلم وعَلى هَذَا التَّأْوِيل يكون فِي الفردوس مُعَلّقا ب سمعا لَا ب يتمشى وَيكون معنى يتمشى يبلغ وَالْبُلُوغ عبارَة عَن الْإِدْرَاك الَّذِي بِهِ أدْرك كَلَام الله تَعَالَى يَعْنِي سَمعه وَكَذَلِكَ قَوْله سَمِعت صَوْتك فِي الفردوس أَي وَأَنا فِي الفردوس
وَلَو كنت تعرف لِسَان الْقَوْم الَّذين ترجمت التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل بلغتهم لذكرت لَك من هَذَا أَمْثِلَة كَثِيرَة وَفِي الْقَلِيل المبصر غنية عَن الْكثير فَهَكَذَا يَنْبَغِي لَك وَلكُل عَاقل أَن يفهم تَأْوِيل الصَّوْت الَّذِي وَقع فِي التَّوْرَاة ولعمري لَا يبعد أَن يتَأَوَّل تأويلات أخر جاريات على السّنَن القويم والمنهج الْمُسْتَقيم وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ مقنع للعاقل فَتدبر فهمك الله مَا ذكرته وَلَا تعتقد فِي الله تَعَالَى أَنه مُتَكَلم بِصَوْت مُحدث فَإِن ذَلِك محَال
стр. 66
وَنحن نبين استحالته مستعينين بِاللَّه ومتوكلين عَلَيْهِ فَنَقُول
من المتقرر الثَّابِت عِنْد المشرعين كلهم أَن الله تَعَالَى مُتَكَلم وَمن لم يعول فِي ذَلِك على مَا أخْبرت بِهِ الرُّسُل وَلَا وَافق على الشَّرَائِع أُقِيمَت عَلَيْهِ القواطع الَّتِي لَا يردهَا إِلَّا معاند وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكرهَا فَإِذا تقرر ذَلِك فَنَقُول
إِمَّا أَن يكون متكلما بِصَوْت أَو بِغَيْر صَوت فَإِن كَانَ متكلما بِصَوْت فَذَلِك الصَّوْت إِمَّا أَن يكون قَائِما بِهِ أَو قَائِما بِغَيْرِهِ أولاقائما بِهِ وَلَا قَائِما بِغَيْرِهِ
محَال أَن يكون قَائِما بِهِ فَإِن الصَّوْت لَا يكون مُفِيدا حَتَّى يتقطع بالحروف وَتلك التقطيعات لَا بُد أَن تكون حَادِثَة فَيلْزم عَلَيْهِ أَن يكون محلا للحوادث وَإِذا كَانَ محلا للحوادث لم يخل عَنْهَا وَإِذا لم يخل عَنْهَا كَانَ حَادِثا مثلهَا على مَا تحقق فِي مَوْضِعه وَذَلِكَ كُله محَال على الله تَعَالَى وَإِن قَامَ بِغَيْرِهِ فَذَلِك الْغَيْر يكون الْمُتَكَلّم بِهِ سَوَاء كَانَ ذَلِك الْمحل جمادا أَو حَيَوَانا فَإِن قُلْنَا إِنَّه يجوز قِيَامه بجسم جماد وَإِن جَازَ أَن قوم الصَّوْت بِمحل وَيكون الْبَارِي ﵎ متكلما بِهِ جَازَ أَن تقوم صفة بِمحل وتوجب حكمهَا لمحل آخر فَيلْزم على ذَلِك أَن تقوم حَرَكَة بجسم يكون جسما آخر متحركا بهَا وَيقوم بِمحل لون وَيكون مَحل آخر متصفا بِهِ وَذَلِكَ كُله محَال بِالضَّرُورَةِ وَيلْزم عَلَيْهِ أَن يكون الْبَارِي تَعَالَى متكلما بِمَا يقوم بِنَا من كلامنا الى غير ذَلِك من المحالات وباطل أَن يُقَال لايقوم بِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ يكون قَائِما بِنَفسِهِ وَخرج عَن كَونه صفة زَائِدَة على النَّفس وَإِذا بطلت هَذِه الثَّلَاثَة الْأَقْسَام وَهُوَ مَا قدمنَا ذكره وَمن أَرَادَ مزيدا فليرحل ويرتد للحق بعد أَن يبْحَث وَيسْأل
وَإِذا ثبتَتْ هَذِه الْقَاعِدَة الْوَثِيقَة الْعَظِيمَة الأنيقة الَّتِي لَا يعرف قدرهَا وَلَا عظم خطرها إِلَّا من نور الله بِنور الْيَقِين بصيرته وَأصْلح بجزيل التَّوْفِيق سَرِيرَته بَطل مَا أملتموه وَلم يلْزم شَيْء مِمَّا ألزمتموه وَلَا تمّ لكم شَيْء مِمَّا أردتموه
فَإِن جملَة مَا تُرِيدُ أَن تَقوله فِي هَذَا الْفَصْل أَن الله تَعَالَى مُتَكَلم
стр. 67
بِصَوْت وَأَن مُوسَى سمع بذلك الصَّوْت وَهُوَ يَقُول ﴿أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني﴾ وَذَلِكَ الصَّوْت غير الله
وَمَعَ ذَلِك خاطبه مُوسَى بقوله ﴿رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك﴾ وَقد اعْترف لَهُ مُوسَى بالربوبية فَكَذَلِك الْمَسِيح فِي قَوْله أَنا الله صَادِق إِذْ قد اتَّخذهُ وَاسِطَة بَينه وَبَين خلقه كَمَا اتخذ جسم النَّار وَالْكَلَام وَاسِطَة بَينه وَبَين مُوسَى فَيَنْبَغِي لنا أَن نعترف بربوبيته كَمَا اعْترف مُوسَى بربوبيه الصَّوْت وَهَذَا الهذيان كُله الَّذِي ذكرته وليتك مَا أنحلته الَّذِي وَالله لَا شرع يعضده وَلَا عقل يقبله ويريده مبْنى على أَن الله تَعَالَى مُتَكَلم بِصَوْت وَقد أبطلناه فَبَطل كل ذَلِك
وَمَعَ ذَلِك فلنتكلم على أَجزَاء كلامك بعد أَن بَينا جملَة مقصودك ومرامك حَتَّى يتَبَيَّن أَنكُمْ لَسْتُم على شَيْء مِمَّا يَنْتَحِلهُ الْعُقَلَاء بل يتبرأ مِنْهُ الْفُضَلَاء فَنَقُول
أما قَوْلك وَإِن قُلْتُمْ إِن الله خلق لَهُ كلَاما فقد أثبتم كلَاما مخلوقا قَائِما بخلقه جوهرا فِي نَفسه فَنَقُول بعد أَن أبطلنا الصَّوْت الَّذِي ترومون الْبناء عَلَيْهِ نسلمه لكم جدلا ونبين بعد ذَلِك أَنه لَا يلْزم شَيْء مِمَّا ذكرته إِذْ لَا يلْزم من تَقْدِير صَوت الله تَعَالَى عَن ذَلِك مَخْلُوق أَن يكون الصَّوْت قَائِما بِنَفسِهِ جوهرا فَإِن الصَّوْت إِنَّمَا حَقِيقَته أَنه صفة لموصوف وَعرض فِي مَحل وَالْعرض لَا يَنْقَلِب جوهرا فَإِن قلت فيلزمك أَن يكون عرضا قَالَ لَك الْمُجيب وَمَا الَّذِي يلْزم مِنْهُ إِن كَانَ عرضا فَإِن قلت يلْزم مِنْهُ أَن يكون الْعرض هُوَ الَّذِي قَالَ لمُوسَى ﴿أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني﴾ وَالصَّوْت لَا يتَكَلَّم وَإِنَّمَا يتَكَلَّم بِهِ قُلْنَا لَك جوابك أَن الصَّوْت لَا يتَكَلَّم عَن نَفسه وَإِنَّمَا يتَكَلَّم بِهِ كَمَا قلت أَنْت ثمَّ يلزمك أَنْت إِن جعلته جوهرا غير الله تَعَالَى أَن يكون هُوَ الَّذِي قَالَ عَن نَفسه ﴿أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا﴾ وَله اعْترف مُوسَى بالربوبية لَا الله وَله سجد لَا الله وَإِذا انْتهى إِنْسَان إِلَى هَذِه المخازي فقد كفر بمُوسَى وباإله مُوسَى نَعُوذ بِاللَّه من أنظار تقود فِي الدُّنْيَا إِلَى الفضيحة والعار وَفِي الْآخِرَة إِلَى الخلود فِي عَذَاب النَّار
وعَلى هَذَا الْكفْر الصَّرِيح يدل قَوْلك إِن مُوسَى أقرّ لَهَا بالربوبية تُرِيدُ للواسطة وَإِذا أقرّ لَهَا بالربوبية وَلم يعرف قطّ من مُوسَى عَلَيْهِ
стр. 68
السَّلَام أَنه أقرّ بالربوبية لالهين فقد اعْترف بربوبية الْوَاسِطَة وَأنكر ربوبية الله وَكَذَلِكَ يفعل الله بِكُل مُسْرِف مرتاب أعاذنا الله من الإختلال المفضى بِصَاحِبِهِ إِلَى الضلال ثمَّ هَذِه الْمخَارِق بلزم مِنْهَا قلب الْحَقَائِق فَإِن الصَّوْت لَا يقوم بِنَفسِهِ وَلَا بخلقه وَالْقَائِل بذلك يشْهد الْعُقَلَاء بحمقه فَإِن حَقِيقَته صفة لموصوف يستدعى وجودهَا محلا كَمَا سَائِر الصِّفَات إِذْ لايعقل قيام صفة بِنَفسِهَا بل بغَيْرهَا وَهَذَا ضَرُورِيّ
وَأما قَوْلك فَإِن قلت إِن الصدى لم يقل لَهُ أَنا الله وَلكنه كَانَ فِي مسامع مُوسَى أَنا اللة قلت لَك ان الصدى هُوَ الْعَامِل فِي مسامع مُوسَى وَهُوَ المحرك لَهُ وَعَلِيهِ رد واياه أجَاب فيلزمك على هَذَا الِانْفِصَال أَن يكون مُوسَى رَسُول الصدى لَا رَسُول الله وَعَلِيهِ يدل كلامك وَعنهُ تحمل الرسَالَة لَا عَن الله وَإِذا كَانَ كَذَلِك فقد كذبت مُوسَى ﵇ على مَا يلزمكم حَيْثُ قَالَ لفرعون أَنا رَسُول الله فَإِن كَانَ بزعمك رَسُول الصدى فَإِذا كَانَ الصدى يَقُول أَنا الله ويعترف لَهُ مُوسَى بالربوبية وَيَأْمُر لمُوسَى بتبليغ رسَالَته فَقولُوا أَن الصدى إِلَه وأضيفوه إِلَى آلِهَتكُم الْمُتَقَدّمَة فَيكون عَددهمْ خَمْسَة وَذَلِكَ أَن الأقانيم الثَّلَاثَة عنْدكُمْ آلِهَة وَعِيسَى إِلَه رَابِع والصدى إِلَه خَامِس ومنكم طائقة تدعى أَن مَرْيَم إِلَه فَتكون الْآلهَة عِنْد هَذِه الطَّائِفَة سِتَّة
وَإِذا انْتهى عقل إِنْسَان يَقُول هَذِه المخازي بِلِسَانِهِ وَلَا يشْعر بهَا سَقَطت مكالمته وَوَجَبَت مجانبته
وَلَا معنى لتطويل الْكَلَام مَعَ من يرتكب ذَلِك الهذيات فقد تمّ للشَّيْطَان فيهم أمله وأنجح مَعَهم سَعْيه وَعَمله وَمَعَ هَذَا ف ﴿إِنَّمَا يستجيب الَّذين يسمعُونَ والموتى يَبْعَثهُم الله ثمَّ إِلَيْهِ يرجعُونَ﴾ وَيَنْبَغِي أَن يتَعَدَّى أَكثر كَلَام هَذَا السَّائِل مِمَّا هُوَ ظَاهر الْفساد ولعلنا نصل إِلَى مَا هُوَ المهم وَالْمرَاد من نقل مَذَاهِب الْمُتَقَدِّمين أعنى المطارق والقسيسين إِذْ كَلَامهم يُمكن أَن يعقل أعنى ينفهم ويتحصل وَلَا بُد مَعَ ذَلِك من نقل كَلَام هَذَا السَّائِل ليعلم النَّاظر فِيهِ أَنه لَيْسَ تَحْتَهُ طائل وَأَن الْمُتَكَلّم بِهِ لَيْسَ بعاقل
стр. 69
الْفَصْل الرَّابِع
تجسد الْوَاسِطَة
من حِكَايَة كَلَامه
قَالَ
فَإِذا لم يكن بُد من الصدى فقد قَالَ أَنا الله فأسألك إِن كنت تصدق الصدى أم تكذب فَإِذا لم يكن بُد من تَصْدِيقه فِي قَول الربوبية إِذْ قَالَ ﴿أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني﴾ قُلْنَا لكم وَكَذَلِكَ صدق الْمَسِيح فِي قَوْله أَنا الله وانا لنرى كَذَا صدق الحواريون وَمن اتبعهُ من غَيرهم فِي قَوْله فِي الربوبية كتصديق مُوسَى للْكَلَام وَألا يتمارى لَهُ برسالته إِلَى أهل مصر وَقد أوجبتم أَن جسم الْمَسِيح وَكَلَامه لما خطب بالربوبية مثل جسم النَّار وَالْكَلَام إِذا خَاطب مُوسَى بالربوبية
فَإِن قلت إِن مُوسَى لم يعبد النَّار كَمَا تعبد النَّصَارَى الْمَسِيح
قيل لَك إِن الْكَلَام قَالَ لَهُ اعبدني وَسجد لَهُ مُوسَى وَقَالَ ﴿تبت إِلَيْك وَأَنا أول الْمُؤمنِينَ﴾ فَإِن قَالَ الْمُسلم عِنْد الإضطرار إِن النَّار والصدى وَاسِطَة وَلكنهَا خلاف الْمَسِيح وَكَلَامه لِأَن النَّار لَيْسَ من طبعها الْكَلَام وَأما الْمَسِيح فَإِنَّهُ كَانَ إنْسَانا مَعْرُوفا بالْكلَام فَلَا آيَة فِيهِ قُلْنَا لَك إِذْ قد أوجبتم أَن الخليقة لَا تدْرك الْخَالِق إِلَّا بجسم مَخْلُوق تتخذه وتجعله وَاسِطَة بَينه وَبَين من خَاطب من الْأَنْبِيَاء وَيصير الْوَاسِطَة لَهُم إِلَهًا فقد جامعتموه على الْإِقْرَار بِوَاسِطَة مَخْلُوق بالربوبية للمسيح ووقعتم فِيمَا أنكرتم وَلَيْسَ ينفعكم ملجؤكم إِلَى القَوْل بِأَن النَّار والمسيح لَيْسَ آيَة
وَإِنَّمَا أوجبتم علينا الشّرك فِي قَوْلنَا بِوَاسِطَة فَإِذن الْعقل وَالْحق لَا يعيب الواسط فكلا الواسطين بَين الله والخلق
стр. 70
وَإِذا ذهبتم إِلَى أَن النَّار صَادِقَة لَا يتخوف عَلَيْهَا الْكَذِب وَأَن الْمَسِيح يتخوف عَلَيْهِ الْكَذِب فَإِن مُوسَى قد أوجز فِي النَّار وَالْكَلَام وَإِنَّمَا قطع الشَّك بِالْيَقِينِ بِآيَة الْعَصَا وَالْيَد الَّذِي أدخلها فِي جيبه وَكَذَلِكَ قطع الْمُؤْمِنُونَ بربوبية الْمَسِيح شكهم بِإِقْرَار الْمَوْتَى عِنْد إحيائه لَهُم بربوبيته وَإِن ذهبتم إِلَى أَن خلق النَّار فِي ذَاتهَا أشرف فَإِن كل مَخْلُوق فِي الدُّنْيَا هُوَ مَنَافِع لولد آدم مسخرة لَهُم وَكفى بقولكم فِي قرآنكم إِن الله أَمر الْمَلَائِكَة بِالسُّجُود لآدَم وَأَن ابليس مسخوط عَلَيْهِ فِي الْأَبَد لابائه السُّجُود لَهُ وَقَوله ﴿أَنا خير مِنْهُ خلقتني من نَار وخلقته من طين﴾
فَإِن قُلْتُمْ كَذبْتُمْ على الْمَسِيح لِأَنَّهُ لم يدع مِمَّا قُلْتُمْ شَيْئا قُلْنَا إِنَّمَا أنكرتم علينا القَوْل بِمَا وجدنَا فِي كتَابنَا نَحن لَا نستدل بِمثل هَذَا فِي الْأَبَد فاضررناكم من كتابكُمْ إِلَى القَوْل بِمثلِهِ فَلَمَّا أَبينَا قُلْتُمْ كَذبْتُمْ على الْمَسِيح فَلم تكذبونا وَكِتَابنَا على القَوْل بِمثل قَوْلكُم فِي وَاسِطَة مُوسَى وعبادته لَهَا وَأَنْتُم لما أوجبتم أَن الْأمة تحاسب بعملها يَوْم الْقِيَامَة أَن محاسبها يخاطبها يَوْم الْقِيَامَة ويكافئها بأعمالها ثمَّ يَقُول قرآنكم ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾
فَمَا تنكرون أَن يكون الْمَسِيح الَّذِي كَانَ وَاسِطَة للوعظ أَن يكون هَذَا الْمقبل مَعَ الْمَلَائِكَة كَمَا قدمه فِي الْإِنْجِيل حَيْثُ قَالَ يقْعد ابْن الْإِنْسَان يَعْنِي الْحجاب الْمُتَّخذ من نسل آدم فِي مجْلِس عَظمته وَتقدم جَمِيع الْأُمَم بَين يَدَيْهِ ويميزهم كَمَا يُمَيّز الرَّاعِي الْغنم من الْمعز فَيحمل الْمُؤمنِينَ عَن يَمِينه والمجرمين عَن شِمَاله ثمَّ يعاتبهم ويأمن كل طَائِفَة بِمثل مَا قدمُوا فِي دنياهم
وَإِذا أوجبتم أَن الله لَا مفطور وَلَا مدرك بحاسة فقد وَجب أَن المحاسب المسموع مدرك بالحواس مَعَ إقراركم أَن ربكُم قَالَ ترَوْنَ
стр. 71
ربكُم وَلَا تضَامون فِي رُؤْيَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر أَو لم تنكرون أَن يكون الْمَسِيح الَّذِي كَانَ واسطا للوعظ أَن يكون هُوَ الْمقبل مَعَ الْمَلَائِكَة كَمَا قَالَ عَنهُ قرآنكم ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة وَقضي الْأَمر وَإِلَى الله ترجع الْأُمُور﴾
الْجَواب عَمَّا ذكره
اعْلَم يَا هَذَا الْمُتَكَلف فِي بغيته المتعسف فِي تَأْوِيل دينه أَنَّك قلت فِي هَذَا الْفَصْل من الْبَاطِل وَالْكفْر مَالا حجَّة لَهُ وَلَا أصل خَالَفت فِيهِ دين النَّصَارَى الْمُتَقَدِّمين وَلم تعرج على مَذَاهِب القسيسين بل رغبت عَن مِلَّة أئمتك لل مطارين فَوَجَبَ على أهل ملتك أَن يعدوك فِي الخارجين وَمن الْجُهَّال المبتدعين
وَذَلِكَ أَنَّك زعمت أَن الَّذِي قَالَ لمُوسَى ﴿أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني﴾ إِنَّمَا كَانَ الصدى وَلم يكن الله تَعَالَى وَزَعَمت أَن مُوسَى اعْترف للصدى بالربوبية وَأَنه هُوَ الَّذِي كلم مُوسَى وإياه حَارب وَعنهُ تحمل الرسَالَة حَتَّى اتى فِرْعَوْن وَأَن ذَلِك الصدى قَامَ عِنْد مُوسَى مقَام خالقه فَسَماهُ إِلَهًا وَزَعَمت أَن مُوسَى سجد لذَلِك الصدى وَأَنه هُوَ الذى سَأَلَ مُوسَى رُؤْيَته وَلذَلِك زعمت أَن مُوسَى قَالَ للصدى تبت إِلَيْك وَأَنا أول للْمُؤْمِنين فَإِذا كَانَ للصدى فَلَا حَاجَة لمُوسَى وَلَا لأحد إِلَى الله تَعَالَى فَإِنَّهُ لم يقل لَا إِلَه إِلَّا أَنا وَإِنَّمَا قَالَهَا الصدى والصدى صَادِق بزعمك فقد بطلت إلهية الله تَعَالَى وَثبتت الهية الصدى
وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلم لَا تَعْبدُونَ هَذَا الصدى الَّذِي عَبده مُوسَى وَسجد لَهُ وَتَابَ لَهُ بعد أَن اعْترف بربوبيته وَمَا بَال حبقوق النَّبِي لم يعبد هَذَا الصدى كَمَا عَبده مُوسَى وَلم يذكرهُ وَلم يعْتَرف بربوبيته وَكَذَلِكَ مَا بَال حزقيال لم يعبد هَذَا الصدى كَمَا عَبده مُوسَى وَلم يذكرهُ وَلم يعْتَرف بربوبيته
وَكَذَلِكَ أشعياء وَيحيى وَعِيسَى وَغَيرهم من الْأَنْبِيَاء والحواريون مَا بالهم لم يعبدوا مَا عبد مُوسَى وَسجد لَهُ واعترف بربوبيته وَأَنه لَا رب سواهُ فَهَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاء والأولياء أما أَن يَكُونُوا علمُوا أَنه إِلَه إِلَّا الصدى كَمَا قَالَ الصدى بزعمك أَو جهلوا ذَلِك فَإِن كَانُوا
стр. 72
علمُوا فلأي شَيْء لم يعترفوا بذلك وسكتوا عَنهُ إِذْ لم يَصح قطّ عَن وَاحِد مِنْهُم أَنه قَالَ لَا إِلَه لكم إِلَّا الصدى فليزمكم أَن يكون سكوتهم عَن ذَلِك أما عَن جحد أَو تلبيس فَإِن كَانُوا علمُوا الْحق فجحدوه فَذَلِك كفر مِنْهُم وهم صلى الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ مبرأون عَن ذَلِك منزهون وَلَو كَانَ ذَلِك لاستحال أَن يظْهر عَلَيْهِم من الْآيَات شَيْء مِمَّا ظهر وَإِن كَانَ سكوتهم عَن تلبيس فَإِن جَازَ عَلَيْهِم التلبيس فِي مثل هَذَا جَازَ عَلَيْهِم التلبيس فِي كل مَا أخبروا بِهِ من الشَّرَائِع إِذْ كل الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام تحتقره بِالْإِضَافَة إِلَى معرفَة الربوبية وَإِن كَانُوا جهلوا ذَلِك فَكيف علمت أَنْت يَا أَحمَق مَا جَهله الْأَنْبِيَاء والأولياء
فَإِن كَانُوا تكلمُوا بذلك وَقَالُوا بِهِ فَفِي أَي سفر من أسفار التَّوْرَاة هُوَ أَن مُوسَى أخبر أَن الله لَا إِلَه لَهُ وَلَا لكم إِلَّا الصدى وَأَن الصدى أرْسلهُ إِلَى فِرْعَوْن وَأَنه إِلَه فَإِن كَانَ مَا تدعيه حَقًا فَائت بِالتَّوْرَاةِ فاتلها إِن كنت من الصَّادِقين وَفِي أَي كتاب من كتب الْأَنْبِيَاء جَاءَ مثل ذَلِك أَفِي كتاب حبقوق أَو فِي كتاب حزقيال أَو فِي كتاب أشعياء أَو فِي كتاب دانيال أَو فِي إنجيل لوقا أَو فِي إنجيل متاؤوش أَو فِي إنجيل ماركش أَو فِي إنجيل يوحنا أَو فِي مصحف الإعلان أَو فِي أَي كتاب من رسائل الحواريين وجد مثل ذَلِك
هَل وَقع شَيْء مِنْهُ هُنَالك وَهَذِه الْكتب الَّتِي ترجعون إِلَيْهَا وتعولون عَلَيْهَا إِذا لم يُوجد فِيهَا شَيْء مِمَّا ذكرت علم من حالك أَنَّك على الله وَرُسُله كذبت وافتريت ﴿وَيَوْم الْقِيَامَة ترى الَّذين كذبُوا على الله وُجُوههم مسودة أَلَيْسَ فِي جَهَنَّم مثوى للمتكبرين﴾
بل قد تواردت الرُّسُل على الْأَخْبَار بالقواطع الَّتِي لَا تجْهَل بِأَن الله إِلَه وَاحِد وَأَنه لَيْسَ لَهُ فِي ألوهيته شَبيه وَلَا مضاد وَإِذا تبين بِهَذَا أَنَّك كفرت وَأَن الله رَبك سببت وعَلى رسله كذبت وَأَنَّك من جَمِيع الْملَل خرجت تعين على الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَن يشتوروا فِي أَمرك ويأتمروا فِي حرقك أَو نحرك ﴿ولعذاب الْآخِرَة أشق وَمَا لَهُم من الله من واق﴾
стр. 73
ثمَّ نقُول هَذَا الصدى الَّذِي وصفت وَهُوَ إِلَه عنْدك كَمَا زعمت أهوَ الله تَعَالَى رب الْعَالمين وخالق السَّمَوَات وَالْأَرضين أم إِلَه غَيره فَإِن كَانَ هُوَ الله تَعَالَى فَلم سميته الصدى وَلم جعلته واسطا بَين نَفسه وَبَين خلقه وَهل هَذَا إِلَّا محَال فَإِنَّهُ لَا يتَصَوَّر فِي الْعقل وَاسِط لَا بَين إثنين وَيكون الواسط ثَالِثا
ثمَّ يلزمك على هَذَا أَن تجْعَل ذَات الْبَارِي الرب تَعَالَى صَوتا حَادِثا فَإِن ذَلِك الصدى عنْدكُمْ حَادث وَهَذَا كُله محَال بضرورة الْعقل وَإِن قلت أَنه غَيره فَيلْزم أَن يكون ذَلِك الصدى هُوَ الْمُتَكَلّم عَن نَفسه والمخبر بحقيقته فَإِذا سَمعه مُوسَى يَقُول أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فَأَما أَن يخبر عَن نَفسه أَو عَن رب الْعَالمين فَإِن أخبر عَن نَفسه فَهُوَ كَاذِب فَإِن الرب تَعَالَى يكون إِلَهًا آخر وَإِن أخبر عَن الرب فلأي شَيْء قلت أَنه إِلَه وَأَن مُوسَى اعْترف لَهُ بالربوبية وَسجد لَهُ بل الْإِلَه الْحق رب الْعَالمين والصدى لَيْسَ بإله وَلَا رب
فقولك اعْترف مُوسَى بربوبيته وَعَبده بَاطِل بِالضَّرُورَةِ ثمَّ نقُول هَب أَن ذَلِك الصدى هُوَ الْمُتَكَلّم عَن الله وَأَنه إِلَه فَهَل يقدر الله تَعَالَى على ان يتَكَلَّم ويخبر عَن إِرَادَته بِغَيْر ذَلِك الصدى فَإِن قُلْتُمْ لَا فَذَلِك تعجيز لله تَعَالَى وَهُوَ الْقَادِر على كل شَيْء وَيلْزم عَلَيْهِ أَيْضا أَن يكون مُحْتَاجا لذَلِك الصدى وكل من كَانَ مُحْتَاجا فَهُوَ نَاقص معيب وَلَيْسَ بغنى وَالله تَعَالَى هُوَ الْغنى عَن كل الموجودات وَلَيْسَ لشَيْء من الموجودات عَنهُ غنى وَإِن كَانَ قَادِرًا على أَن يسمع كَلَامه بِغَيْر وَاسِطَة فَلَعَلَّ مُوسَى سَمعه بِغَيْر وَاسِطَة وَإِذا جَازَ أَن تسْقط الْوَاسِطَة أنهدم كل مَا رمت بناءه على أَنا قد كُنَّا هدمناه أَولا فِي أوحى لَحْظَة بأيسر نفخة وَإِنَّمَا أردنَا أَن نبين لَك وَلكُل من وقف على كلامك بعض مَا يلزمك وَأَنت لم تشعر بِشَيْء من ذَلِك وَلَوْلَا خشيَة التَّطْوِيل لأوردت عَلَيْك من النقوض واللوازم مَا يتعجب مِنْهُ كل حبر نبيل
ثمَّ نقُول هَب أَنا نسلم جدلا أَن الله تَعَالَى تكلم مَعَ مُوسَى بِوَاسِطَة الصدى فَلم قلت أَن عِيسَى مثل الصدى أعنى أَنه وَاسِطَة كَمَا أَن ذَلِك الصدى وَاسِطَة وَمَا الَّذِي دلك على ذَلِك ولأي شَيْء سويت بَينهمَا وَالْفرق بَينهمَا ظَاهر وَذَلِكَ أَن الصدى الَّذِي زعمت أَن مُوسَى سَمعه إِنَّمَا سَمعه مُوسَى بعد أَن احتجت لَهُ بالنَّار كَمَا زعمت وَالنَّار جماد
стр. 74
وَإِذا قَامَ بالجماد صَوت يفهم مِنْهُ أَنا لله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فَيمكن أَن يعقل هُنَا غالط مثلك أَن الْمُتَكَلّم بذلك الصَّوْت أما غير الجماد لِاسْتِحَالَة الإلهية عَن الجماد وَأما حَيَوَان مُمكن أَن يتَوَهَّم فِيهِ أَنه إِلَه كَمَا توهمتم أَنْتُم فِي ذَلِك وَلَا يَصح ذَلِك فِي الله لِأَنَّهُ إِذا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا أَنا فَعَن نَفسه يخبر وَإِلَيْهِ يرجع حكم خَبره بِخِلَاف الجماد فَكيف قست أحد الواسطين على الآخر وَلَيْسَ فِي مَعْنَاهُ وَلَو أردنَا تَطْوِيل الْكَلَام لذكرنا فروقا أخر تمنع مقايسة النَّار بالبشر
وَأما قَوْلك إِن عِيسَى عَليّ السَّلَام قَالَ أَنا الله وَأَن الحواريين صدقوه فِي ذَلِك فكذب صراح وافك بواح فَإِنَّهُ لم يرووا عَنهُ ﵇ فِي ذَلِك أَقْوَال بِوَجْه صَحِيح وَلَا بِنَصّ صَرِيح بل الَّذِي صَحَّ مِنْهُ وَنقل بالتواتر عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول اعبدوا الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وأناجيلكم تشهد بذلك عَلَيْكُم
ثمَّ نقُول لَو ثَبت أَن عِيسَى قَالَ ذَلِك اللَّفْظ بِعَيْنِه فَمن الْمُمكن سوغ حمله على محمل قويم فِي الْعُقُول غير مُخَالف للمنقول وَهُوَ أَن عِيسَى ﵇ كَانَ محبا لله تَعَالَى مشتهرا فِي محبته وَمن عَادَة المشغوف بِشَيْء المشتهر بِهِ أَن يستحضر ذَلِك الشَّيْء المشتهر فِيهِ فِي قلب ويجعله نصب عَيْنَيْهِ حَتَّى لَا يُلَاحظ شَيْئا سواهُ بل رُبمَا ينتهى ذَلِك بِهِ إِلَى أَن يذهل عَن نَفسه ويغيب عَن حسه فَفِي مثل تِلْكَ الْحَالة يظنّ المشتهر أَن الشَّيْء الَّذِي شغف بِهِ هُوَ هُوَ حَتَّى يَقُول ... أَنا من أَهْوى
وَمن أَهْوى أَنا ...
وَكَذَلِكَ قَالَ الآخر ... فَكل شَيْء رَآهُ ظَنّه قدحا
وكل شخص رَآهُ ظَنّه الساقي ...
وَكَذَلِكَ عِيسَى ﵇ لما انْكَشَفَ لَهُ من سُلْطَان الْحَقِيقَة أَمر مَا غَابَ عَن نَفسه وفنى عَن حسه لما شَاهد من جمال الربوبية والحضرة الإلهية فذهل عَن كل مَا سوى الله فَقَالَ أَنا الله وَهَذِه أُمُور عَجِيبَة وأذواق غَرِيبَة لَا يُدْرِكهَا إِلَّا من اخْتَارَهُ الله من خلقه واصطفاه بِحَضْرَتِهِ
ف لَيْسَ بعشك فادرج
стр. 75
وَأما قَوْلك لنا قد أوجبتم أَن الخليقة لَا تدْرك الْخَالِق إِلَّا بجسم مَخْلُوق تتخذه وتجعله وَاسِطَة بَينه وَبَين من خَاطب من الْأَنْبِيَاء فَقَوْل بَاطِل علينا فَاسد لدينا فَأَنا قد أحلنا تِلْكَ الْوَاسِطَة فِيمَا تقدم بِوُجُوه مُتعَدِّدَة وَقد حكمنَا بتكفير من أثبت واسطا على نَحْو مَا زعمت وَلَا أعلم أَن أحدا من الْمُسلمين قَالَ شَيْئا من ذَلِك بل وَلَا من أهل الْملَل غَيْرك
ثمَّ نقُول هَذَا الواسط الَّذِي زعمت لَا يَخْلُو أَن يدْرك الله تَعَالَى أعنى يعرفهُ وَيسمع كَلَامه أَو لَا يدْرك فَإِن قُلْتُمْ لَا يدْرك فقد شهدتم على أَنفسكُم أَن الواسط لَيْسَ بِاللَّه اذ الاله لَا بُد أَن يكون دراكا ويلزمكم على ذَلِك أَن يكون عِيسَى لَا يعرف الله تَعَالَى وَلَا يسمع كَلَامه وَهُوَ محَال
وَإِن قُلْتُمْ أَنه يدْرك الله تَعَالَى فَهَل يُدْرِكهُ بِوَاسِطَة أَو بِغَيْر وَاسِطَة فَإِن أدْركهُ بِوَاسِطَة أُخْرَى فَالْكَلَام فِي تِلْكَ الْوَاسِطَة كَالْكَلَامِ فِي الأولى وَيلْزم التسلسل وَإِن أدْركهُ بِغَيْر وَاسِطَة فَيجوز لنا نَحن أَن ندركه بِغَيْر وَاسِطَة وَفِي هَذَا إبِْطَال مَا ذكرت من إِثْبَات الْوَاسِطَة الَّذِي ذكرت أَن الْمُسلم قد اضْطر إِلَيْهِ
وَأما قَوْلك إِنَّمَا أوجبتم علينا الشّرك فِي قَوْلنَا بِوَاسِطَة فَإِذن الْحق وَالْعقل لَا يعيب الواسط فلنعلم أَنا لم نوجب عَلَيْك الشّرك من حَيْثُ الواسط فَقَط بل من حَيْثُ أثبت واسطا إلهيا وَذَلِكَ أَنَّك زعمت أَن الصدى قَالَ لمُوسَى مخبرا عَن نَفسه أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني واعترف لَهُ مُوسَى بالربوبية وَتحمل عَنهُ الرسَالَة وَعَبده وسجده لَهُ فَهَذَا إِثْبَات إِلَه غير الله وَكَذَلِكَ قُلْتُمْ فِي الْمَسِيح أَنه قَالَ أَنا الله واعترف الحواريون لَهُ بالربوبية فهذان الهان ثمَّ إِن الأقانيم ثَلَاثَة آلِهَة فَصَارَت آلِهَتكُم خَمْسَة فيا لَيْت شعري هَذِه الْآلهَة الْخَمْسَة هَل اشْتَركُوا فِي إِيجَاد الموجودات واختراع الكائنات أَو انْفَرد بهَا أحدهم فَإِن كَانَ قد انْفَرد بهَا أحدهم فَهُوَ الْإِلَه الْحق الْوَاحِد الْفَرد وَإِن كَانُوا قد اشْتَركُوا وتعاونوا على خلق الْمَخْلُوقَات فَلَا معنى للشرك إِلَّا هَذَا وَيلْزم على تَقْدِير إجتماعهم وتوافقهم على الْخلق أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُم مُضْطَرّا إِلَى مساعدة الآخر وكل مُضْطَر نَاقص والناقص لَيْسَ بااله وَإِن قَدرنَا اخْتلَافهمْ فِي الْخلق بِحَيْثُ يُرِيد أحدهم أَن يخلق وَيُرِيد الآخر أَن لَا يخلق فَيُؤَدِّي ذَلِك إِلَى أَن لَا يخلق أحدهم
следующие страницы →