Полный текст (353 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم رب يسر وَلَا تعسر
الْحَمد لله فاطر الْخلق وموجده ومظهر الْحق ومنجده الَّذِي جعل الْحق وزرا لمن اعتقده وعمرا لمن اعْتَمدهُ وَجعل الْبَاطِل مزلا لمن ابتغاه ومذلا لمن اقْتَضَاهُ وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على الصفوة الصافية والقدوة الهادية مُحَمَّد وَآله خِيَار الورى ومنار الْهدى
سَأَلْتُم أسعدكم الله مطلوبكم شرح معنى الْخَبَر الْمَأْثُور عَن النَّبِي ﷺ فِي افْتِرَاق الامة ثَلَاثًا وَسبعين فرقة مِنْهَا وَاحِدَة نَاجِية تصير الى جنَّة عاليه وبواقيها عَادِية تصير الى الهاوية وَالنَّار الحامية وطلبتم الْفرق بَين الْفرْقَة النَّاجِية الَّتِي لَا يزل بهَا الْقدَم وَلَا تَزُول عَنْهَا النعم وَبَين فرق الضلال الَّذين يرَوْنَ ظلام الظُّلم نورا واعتقاد الْحق ثبورا وسيصلون سعيرا وَلَا يَجدونَ من الله نَصِيرًا
стр. 2
فَرَأَيْت إسعافكم بمطلوبكم من الْوَاجِب فِي إبانة الدّين القويم والصراط الْمُسْتَقيم وتمييزها من الْأَهْوَاء المنكوسة والآراء المعكوسة ليهلك من هلك عَن بَيِّنَة ويحيا من يحيا عَن بَيِّنَة فأودعت مطلوبكم مَضْمُون هَذَا الْكتاب وَقسمت مضمونه خَمْسَة ابواب هَذِه ترجمتها
بَاب فِي بَيَان الحَدِيث الْمَأْثُور فِي افْتِرَاق الْأمة ثَلَاثًا وَسبعين فرقة
بَاب فِي بَيَان فرق الْأمة على الْجُمْلَة وَمن لَيْسَ مِنْهَا على الْجُمْلَة
بَاب فِي بَيَان فضائح كل فرقة من فرق الاهواء الضَّالة
بَاب فِي بَيَان الْفرق الَّتِي انتسبت الى الاسلام وَلَيْسَت مِنْهَا
بَاب فِي بَيَان الْفرْقَة النَّاجِية وَتَحْقِيق نجاتها وَبَيَان محَاسِن دينه فَهَذِهِ جملَة ابواب هَذَا الْكتاب وَسَنذكر فِي كل بَاب مِنْهَا مُقْتَضَاهُ على شَرطه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 3
الْبَاب الاول فِي بَيَان الحَدِيث الْمَأْثُور فِي افْتِرَاق الْأمة
أخبرنَا أَبُو سهل بشر بن أَحْمد بن بشار الإسفراءينى قَالَ أخبرنَا عبد الله بن نَاجِية قَالَ حَدثنَا وهب بن بَقِيَّة عَن خَالِد ابْن عبد الله عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ افْتَرَقت الْيَهُود على إِحْدَى وَسبعين فرقة وَتَفَرَّقَتْ النَّصَارَى على اثْنَتَيْنِ وَسبعين فرقة وتفترق أمتى على ثَلَاث وَسبعين فرقة أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن على بن زِيَاد السميذى الْعدْل الثِّقَة قَالَ أخبرنَا أَحْمد بن الْحسن بن عبد الْجَبَّار قَالَ حَدثنَا الْهَيْثَم بن خَارِجَة قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عَبَّاس عَن عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم عَن عبد الله بن يزِيد عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ليَأْتِيَن على أمتى مَا أَتَى على بنى إِسْرَائِيل تفرق بَنو اسرائيل على اثْنَتَيْنِ وَسبعين مِلَّة وَسَتَفْتَرِقُ امتى على ثَلَاث وَسبعين مِلَّة تزيد عَلَيْهِم
стр. 4
مِلَّة كلهم فِي النَّار الا مِلَّة وَاحِدَة قَالُوا يَا رَسُول الله من الْملَّة الْوَاحِدَة الَّتِي تنْقَلب قَالَ مَا أَنا عَلَيْهِ وأصحابي أخبرنَا القَاضِي أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عمر الْمَالِكِي قَالَ حَدثنَا أبي عَن أَبِيه قَالَ حَدثنَا الْوَلِيد بن مسلمة قَالَ حَدثنَا الاوزاعي قَالَ حَدثنَا قَتَادَة عَن انس عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن بنى إِسْرَائِيل افْتَرَقت على إِحْدَى وَسبعين فرقة وَإِن امتى سَتَفْتَرِقُ على ثِنْتَيْنِ وَسبعين فرقة كلهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة وهى الْجَمَاعَة قَالَ عبد القاهر للْحَدِيث الْوَارِد فِي افْتِرَاق الامة أَسَانِيد كَثِيرَة وَقد رَوَاهُ عَن النَّبِي ﷺ جمَاعَة من الصَّحَابَة كأنس بن مَالك وَأبي هُرَيْرَة وَأبي الدَّرْدَاء وَجَابِر وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَأبي بن كَعْب وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَأبي امامة ووائله بن الاسقع وَغَيرهم وَقد روى عَن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين أَنهم ذكرُوا افْتِرَاق الامة بعدهمْ فرقا وَذكروا أَن الْفرْقَة النَّاجِية مِنْهَا فرقة وَاحِدَة وسائرها على الضلال فِي الدُّنْيَا والبوار فِي الْآخِرَة وروى عَن النَّبِي ﷺ ذمّ الْقَدَرِيَّة وَأَنَّهُمْ مجوس هَذِه الامة وروى عَنهُ ذمّ المرجئة مَعَ الْقَدَرِيَّة وروى عَنهُ أَيْضا ذمّ المارقين وهم الْخَوَارِج وروى عَن أَعْلَام
стр. 5
الصَّحَابَة ذمّ الْقَدَرِيَّة والمرجئة والخوارج المارقة وَقد ذكرهم على رضى الله عَنهُ فِي خطبَته الْمَعْرُوفَة بالزهراء وبرىء فِيهَا من اهل الاديموات وَقد علم كل ذِي عقل من أَصْحَاب المقالات المنسوبة الى أَن النَّبِي ﷺ ﵇ لم يرد بِالْفرقِ المذمومة الَّتِي أهل النَّار فرق الْفُقَهَاء الَّذين اخْتلفُوا فِي فروع الْفِقْه مَعَ اتِّفَاقهم على اصول الدّين لَان الْمُسلمين فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ من فروع الْحَلَال وَالْحرَام على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا قَول من يرى تصويب الْمُجْتَهدين كلهم فِي فروع الْفِقْه وَفرق الْفِقْه كلهَا عِنْدهم مصيبون وَالثَّانِي قَول من يرى فِي كل فرع تصويب وَاحِد من المتخلفين فِيهِ وتخطئة البَاقِينَ من غير تضليل مِنْهُ للمخطىء فِيهِ وَإِنَّمَا فصل النَّبِي ﵇ بِذكر الْفرق المذمومة فرق أَصْحَاب الْأَهْوَاء الضَّالة الَّذين خالفوا الْفرْقَة النَّاجِية فِي ابواب الْعدْل والتوحيد أَو فِي الْوَعْد والوعيد أَو فِي بابى الْقدر والاستطاعة أَو فِي تَقْدِير الْخَيْر وَالشَّر أَو فِي بَاب الْهِدَايَة والضلالة أَو فِي بَاب الْإِرَادَة والمشيئة أَو فِي بَاب الروية والإدراك أَو فِي بَاب صِفَات
стр. 6
لله وأسمائه وأوصافه أَو فِي بَاب من أَبْوَاب التَّعْدِيل والتجويز أَو فِي بَاب من أَبْوَاب النُّبُوَّة وشروطها وَنَحْوهَا من الابواب الَّتِي اتّفق عَلَيْهَا أهل السّنة وَالْجَمَاعَة من فريقى الرأى والْحَدِيث على أصل وَاحِد خالفهم فِيهَا أهل الْأَهْوَاء الضَّالة من الْقَدَرِيَّة والخوارج وَالرَّوَافِض والنجارية والجهمية والمجسمة والمشبهة وَمن جرى من فرق الضلال فان الْمُخْتَلِفين فِي الْعدْل والتوحيد والقبور والاسلاف متحدو الروية وَالصِّفَات وَالتَّعْدِيل والتجويز وفى شُرُوط النُّبُوَّة والإمامة يكفر بَعضهم بَعْضًا فصح تَأْوِيل الحَدِيث المروى فِي افْتِرَاق الْأمة ثَلَاثًا وَسبعين فرقة الى هَذَا النَّوْع من الِاخْتِلَاف دون الانواع الَّتِي اخْتلفت فِيهَا ائمة الْفِقْه من فروع الاحكام فِي أَبْوَاب الْحَلَال وَالْحرَام أَو لَيْسَ فِيمَا بَينهم تَكْفِير وَلَا تضليل فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ من احكام الْفُرُوع وَسَنذكر الْفرق الَّتِي رَجَعَ اليهم تَأْوِيل الْخَبَر المروى فِي افْتِرَاق الامة فِي الْبَاب الَّذِي يلى مَا نَحن فِيهِ إِن شَاءَ الله عز وَجل
стр. 7
الْبَاب الثَّانِي من أَبْوَاب هَذَا الْكتاب
فِي كَيْفيَّة افْتِرَاق الامة ثَلَاثًا وَسبعين وفى ضمنه بَيَان الْفرق الَّذين يجمعهُمْ اسْم مِلَّة الاسلام فِي الْجُمْلَة يَقع فِي هَذَا الْبَاب فصلان أَحدهمَا فِي بَيَان الْمَعْنى الْجَامِع للْفرق الْمُخْتَلفَة فِي اسْم مِلَّة الاسلام فِي الْجُمْلَة والفصل الثَّانِي فِي بَيَان كَيْفيَّة اخْتِلَاف الامة وَتَحْصِيل عدد فرقها الثَّلَاث وَسبعين وَسَنذكر فِي كل وَاحِد من هذَيْن الْفَصْلَيْنِ مُقْتَضَاهُ ان شَاءَ الله
الْفَصْل الاول
فِي بَيَان الْمَعْنى الْجَامِع للْفرق الْمُخْتَلفَة فِي اسْم مِلَّة الاسلام على الْجُمْلَة قبل التَّفْصِيل اخْتلف المنتسبون الى الاسلام فِي الَّذين يدْخلُونَ بِالِاسْمِ الْعَام فِي مِلَّة الاسلام فَزعم أَبُو الْقَاسِم الكعبى فِي مقالاته أَن قَول الْقَائِل امة الاسلام تقع على كل مقرّ بنبوة مُحَمَّد ﷺ وان كل مَا
стр. 8
جَاءَ بِهِ حق كَائِنا قَوْله بعد ذَلِك مَا كَانَ وَزعم قوم أَن أمة الْإِسْلَام كل من يرى وجوب الصَّلَاة الى جِهَة الْكَعْبَة وَزَعَمت الكرامية مجسمة خُرَاسَان أَن امة الاسلام جَامِعَة لكل من أقرّ بشهادتي الاسلام لفظا وَقَالُوا كل من قَالَ لَا اله الا الله مُحَمَّد رَسُول الله فَهُوَ مُؤمن حَقًا وَهُوَ من أهل مِلَّة الاسلام سَوَاء كَانَ مخلصا فِيهِ أَو منافقا مُضْمر الْكفْر فِيهِ والزندقة وَلِهَذَا زَعَمُوا أَن الْمُنَافِقين فِي عهد رَسُول الله ﷺ كَانُوا مُؤمنين حَقًا وَكَانَ ايمانهم كايمان جِبْرِيل وميكاءيل والانبياء وَالْمَلَائِكَة مَعَ اعْتِقَادهم النِّفَاق وَإِظْهَار الشَّهَادَتَيْنِ وَهَذَا القَوْل مَعَ قَول الكعبى فِي تفسيراته الاسلام ينْتَقض بقول العيسوية من يهود أَصْبَهَان فانهم يقرونَ بنبوة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ وَبِأَن كل مَا جَاءَ بِهِ حق وَلَكنهُمْ زَعَمُوا انه بعث الى الْعَرَب لَا الى بنى اسرائيل وَقَالُوا ايضا مُحَمَّد رَسُول الله وَمَا هم معدودين فِي فرق الاسلام وَقوم من شاركانية الْيَهُود حكوا عَن زعيمهم الْمَعْرُوف بشاركان أَنه قَالَ أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله الى الْعَرَب والى سَائِر النَّاس مَا خلا الْيَهُود وَأَنه قَالَ أَن الْقُرْآن حق وكل الاذان وَالْإِقَامَة والصلوات الْخمس وَصِيَام شهر رَمَضَان
стр. 9
وَحج الْكَعْبَة كل ذَلِك حق غير أَنه مَشْرُوع للْمُسلمين دون الْيَهُود وَرُبمَا فعل ذَلِك بعض الشاركانية قد أقرُّوا بشهادتي أَن لَا اله الا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله واقروا بِأَن دينه حق وَمَا هم مَعَ ذَلِك من أمة الاسلام لقَولهم بَان شَرِيعَة الاسلام لَا تلزمهم وَأما قَول من قَالَ ان اسْم مِلَّة الاسلام امْر وَاقع على كل من يرى وجوب الصَّلَاة الى الْكَعْبَة المنصوبة بِمَكَّة فقد رضى بعض فُقَهَاء الْحجاز هَذَا القَوْل وَأنْكرهُ أَصْحَاب الرأى لما روى عَن أبي حنيفَة أَن صحّح إِيمَان من أقرّ بِوُجُوب الصَّلَاة الى الْكَعْبَة وَشك فِي موضعهَا وَأَصْحَاب الحَدِيث لَا يصححون إِيمَان من شكّ فِي مَوضِع الْكَعْبَة كَمَا لَا يصححون إِيمَان من شكّ فِي وجوب الصَّلَاة الى الْكَعْبَة
وَالصَّحِيح عندنَا أَن أمة الاسلام تجمع المقرين بحدوث الْعَالم وتوحيد صانعه وَقدمه وَصِفَاته وعدله وحكمته وَنفى التَّشْبِيه عَنهُ وبنبوة مُحَمَّد ﷺ ورسالته الى الكافة وبتأييد شَرِيعَته وَبِأَن كل مَا جَاءَ بِهِ حق وَبِأَن الْقُرْآن منبع أَحْكَام الشَّرِيعَة وَأَن الْكَعْبَة هِيَ الْقبْلَة الَّتِي تجب الصَّلَاة اليها فَكل من أقرّ بذلك كُله وَلم يشبه ببدعة تُؤَدّى الى الْكفْر فَهُوَ السنى الموحد وَأَن ضم الى الاقوال بِمَا ذَكرْنَاهُ بِدعَة شنعاء نظر فَإِن
стр. 10
كَانَ على بِدعَة الباطنية أَو البيانية أَو الْمُغيرَة اَوْ الخطابية الَّذين يَعْتَقِدُونَ إلهية الائمة اَوْ إلهية بعض الْأَئِمَّة اَوْ كَانَ على مَذَاهِب الْحُلُول أَو على بعض مَذَاهِب اهل التناسخ اَوْ على مَذْهَب الميمونية من الْخَوَارِج الَّذين أباحوا نِكَاح بَنَات الْبَنَات وَبَنَات الْبَنِينَ أَو على مَذْهَب اليزيدية من الاباضية فِي قَوْلهَا بَان شَرِيعَة الاسلام تنسخ فِي آخر الزَّمَان أَو أَبَاحَ مَا نَص الْقُرْآن على تَحْرِيمه أَو حرم مَا أَبَاحَهُ الْقُرْآن نصا لَا يحْتَمل التَّأْوِيل فَلَيْسَ هُوَ من أمة الاسلام وَلَا كَرَامَة لَهُ وان كَانَت بدعته من جنس بدع الْمُعْتَزلَة أَو الْخَوَارِج أَو الرافضة الامامية أَو الزيدية أَو من بدع البخارية أَو الْجَهْمِية أَو الضرارية أَو المجسمة فَهُوَ من الامة فِي بعض الاحكام وَهُوَ جَوَاز دَفنه فِي مَقَابِر الْمُسلمين وفى أَلا يمْنَع حَظه من الفىء وَالْغنيمَة ان غزا مَعَ الْمُسلمين وَفِي أَلا يمْنَع من الصَّلَاة فِي الْمَسَاجِد وَلَيْسَ من الامة فِي احكام سواهَا وَذَلِكَ أَلا تجوز الصَّلَاة عَلَيْهِ وَلَا خَلفه وَلَا تحل ذَبِيحَته وَلَا نِكَاحه لامْرَأَة سنية وَلَا يحل للسنى أَن يتَزَوَّج الْمَرْأَة مِنْهُم اذا كَانَت على اعْتِقَادهم وَقد قَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ للخوارج علينا ثَلَاث لَا نبدؤكم بِقِتَال وَلَا نمنعكم مَسَاجِد الله أَن تَذكرُوا فِيهَا اسْم الله وَلَا نمنعكم من الفىء مَا دَامَت أَيْدِيكُم مَعَ أَيْدِينَا وَالله أعلم
стр. 11
الْفَصْل الثَّانِي من هَذَا الْبَاب
فِي بَيَان كَيْفيَّة اخْتِلَاف الامة وَتَحْصِيل عدد فرقها الثَّلَاث وَالسبْعين كَانَ الْمُسلمُونَ عِنْد وَفَاة رَسُول الله ﷺ على منهاج وَاحِد فِي اصول الدّين وفروعه غير من أظهر وفَاقا وأضمر نفَاقًا وَأول خلاف وَقع مِنْهُم اخْتلَافهمْ فِي موت النَّبِي ﵇ فَزعم قوم مِنْهُم أَنه لم يمت وَإِنَّمَا أَرَادَ الله تَعَالَى رَفعه اليه كَمَا رفع عِيسَى بن مَرْيَم اليه وَزَالَ هَذَا الْخلاف وَأقر الْجَمِيع بِمَوْتِهِ حِين تَلا عَلَيْهِم أَبُو بكر الصّديق قَول الله لرَسُوله ﵇ إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون وَقَالَ لَهُم من كَانَ يعبد مُحَمَّدًا فان مُحَمَّدًا قد مَاتَ وَمن كَانَ يعبد رب مُحَمَّد فانه حَيّ لَا يَمُوت ثمَّ اخْتلفُوا بعد ذَلِك فِي مَوضِع دفن النَّبِي ﷺ فَأَرَادَ أهل مَكَّة رده الى مَكَّة لانها مولده ومبعثه وقبلته وَمَوْضِع نَسْله وَبهَا قبر جده إِسْمَاعِيل ﵇ وَأَرَادَ أهل الْمَدِينَة دَفنه بهَا لِأَنَّهَا دَار هجرته وَدَار أنصاره وَقَالَ آخَرُونَ بنقله الى أَرض الْقُدس
стр. 12
وَدَفنه بِبَيْت الْمُقَدّس عِنْد قبر جده إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ وَزَالَ هَذَا الْخلاف بِأَن روى لَهُم أَبُو بكر الصّديق عَن النَّبِي ﷺ إِن الْأَنْبِيَاء يدفنون حَيْثُ يقبضون فدفنوه فِي حجرته بِالْمَدِينَةِ ثمَّ اخْتلفُوا بعد ذَلِك فِي الامامة وأذعنت الانصار الى الْبيعَة لسعد بن عبَادَة الخزرجي وَقَالَت قُرَيْش ان الْإِمَامَة لَا تكون الا فِي قُرَيْش ثمَّ أذعنت الانصار لقريش لما روى لَهُم قَول النَّبِي ﷺ الْأَئِمَّة من قُرَيْش وَهَذَا الْخلاف بَاقٍ الى الْيَوْم لَان ضِرَارًا اَوْ الْخَوَارِج قَالُوا بِجَوَاز الْإِمَامَة فِي غير قُرَيْش ثمَّ اخْتلفُوا بعد ذَلِك فِي شَأْن فدك وفى تَوْرِيث التركات عَن الانبياء ﵈ ثمَّ نفذ فِي ذَلِك قَضَاء ابي بكر بروايته عَن النَّبِي ﷺ ان الانبياء لَا يورثون ثمَّ اخْتلفُوا بعد ذَلِك فِي مَا نعى وجوب الزَّكَاة ثمَّ اتَّفقُوا على رَأْي أبي بكر فِي وجوب قِتَالهمْ ثمَّ اشتغلوا بعد ذَلِك بِقِتَال طليحة حِين تبنى وارتد حَتَّى انهزم الى الشَّام ثمَّ رَجَعَ فِي أَيَّام عمر الى الاسلام وَشهد مَعَ سعد بن أبي وَقاص حَرْب الْقَادِسِيَّة وَشهد بعد ذَلِك حَرْب نهاوند وَقتل بهَا شَهِيدا ثمَّ اشتغلوا بعد ذَلِك بِقِتَال مُسَيْلمَة الْكذَّاب الى أَن كفى الله تَعَالَى امْرَهْ
стр. 13
وَأمر سجَاح المتنبية وَأمر الاسود بن زيد العنسى ثمَّ اشتغلوا بعد ذَلِك بقتل سَائِر الْمُرْتَدين الى أَن كفى الله تَعَالَى أَمرهم ثمَّ اشتغلوا بعد ذَلِك بِقِتَال الرّوم والعجم وَفتح الله تَعَالَى لَهُم الْفتُوح وهم فِي اثناء ذَلِك كُله على كلمة وَاحِدَة فِي أَبْوَاب الْعدْل والتوحيد والوعد والوعيد وفى سَائِر اصول الدّين وانما كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِي فروع الْفِقْه كميراث الْجد مَعَ الاخوة وَالْأَخَوَات مَعَ الْأَب وَالأُم اَوْ مَعَ الْأَب وكمسائل الْعدْل والكلالة وَالرَّدّ وتعصيب الْأَخَوَات من الْأَب وَالأُم اَوْ من الْأَب مَعَ الْبِنْت اَوْ بنت الابْن وكاختلافهم فِي جر الولا وفى مسئلة الْحَرَام وَنَحْوهَا مِمَّا لم يُورث اخْتلَافهمْ فِيهِ تضليلا وَلَا تفسيقا وَكَانُوا على هَذِه الْجُمْلَة فِي ايام أبي بكر وَعمر وست سِنِين من خلَافَة عُثْمَان ثمَّ اخْتلفُوا بعد ذَلِك فِي أَمر عُثْمَان لِأَشْيَاء نقموها مِنْهُ حَتَّى أقدم لاجلها ظالموه على قَتله ثمَّ اخْتلفُوا بعد قَتله فِي قاتليه وخاذليه اخْتِلَافا بَاقِيا الى يَوْمنَا هَذَا ثمَّ اخْتلفُوا بعد ذَلِك فِي شَأْن على واصحاب الْجمل وَفِي شَأْن مُعَاوِيَة واهل صفّين وَفِي حكم الْحكمَيْنِ أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَعَمْرو بن الْعَاصِ اخْتِلَافا بَاقِيا الى الْيَوْم ثمَّ حدث فِي زمَان الْمُتَأَخِّرين من الصَّحَابَة خلاف الْقَدَرِيَّة فى الْقدر والاستطاعة من معبد الْجُهَنِىّ وغيلان الدِّمَشْقِي والجعد بن دِرْهَم
стр. 14
وتبرأ مِنْهُم الْمُتَأَخّرُونَ من الصَّحَابَة كَعبد الله بن عمر وَجَابِر بن عبد الله وَأبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَأنس بن مَالك وَعبد الله ابْن ابى اوفى وَعقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ وأقرانهم واوصوا اخلافهم بِأَن لَا يسلمُوا على الْقَدَرِيَّة وَلَا يصلوا على جنائزهم وَلَا يعودوا مرضاهم ثمَّ اخْتلفت الْخَوَارِج بعد ذَلِك فِيمَا بَينهَا فَصَارَت مِقْدَار عشْرين فرقة كل وَاحِدَة تكفر سائرها ثمَّ حدث فِي ايام الْحسن الْبَصْرِيّ خلاف وَاصل بن عطا الغزال فِي الْقدر وفى الْمنزلَة بَين المنزلتين وانضم اليه عَمْرو بن عبيد بن بَاب فِي بدعته فطردهما الْحسن عَن مَجْلِسه فاعتزلا عَن سَارِيَة من سواري مَسْجِد الْبَصْرَة فَقيل لَهما ولاتباعهما معتزلة لاعتزالهم قَول الامة فِي دَعْوَاهَا ان الْفَاسِق من امة الْإِسْلَام لَا مُؤمن وَلَا كَافِر
واما الروافض فان السبابية مِنْهُم اظهروا بدعتهم فِي زمَان على ﵁ فَقَالَ بَعضهم لعلى انت الامة فاحرق عَليّ قوما مِنْهُم وَنفى ابْن سبأ الى ساباط الْمَدَائِن وَهَذِه الْفرْقَة لَيست من فرق امة الاسلام لتسميتهم عليا الها ثمَّ افْتَرَقت الرافضة بعد زمَان عَليّ ﵁ اربعة اصناف زيدية وإمامية وكيسانية وغلاة وافترقت الزيدية فرقا والامامية فرقا
стр. 15
والغلاة فرقا كل فرقة مِنْهَا تكفر سائرها وَجَمِيع فرق الغلاة مِنْهُم خارجون عَن فرق الْإِسْلَام فاما فرق الزيدية وَفرق الامامية فمعدودون فِي فرق الامة وافترقت البخارية بِنَاحِيَة الرّيّ بعد الزَّعْفَرَانِي فرقا يكفر بَعْضهَا بَعْضًا وَظهر خلاف البكرية من بكر من اخت عبد الْوَاحِد بن زِيَاد وَخلاف الضرارية من ضرار بن عَمْرو وَخلاف الْجَهْمِية من جهم بن صَفْوَان وَكَانَ ظُهُور جهم وَبكر وَضِرَار فِي ايام ظُهُور وَاصل بن عطا فِي ضلالته وَظَهَرت دَعْوَة الباطنية فِي ايام الْمَأْمُون من حمْرَان قومط وَمن عبد الله بن مَيْمُون القداح وَلَيْسَت الباطنية من فرق مِلَّة الاسلام بل هِيَ من فرق الْمَجُوس على مَا نبينه بعد هَذَا وظهروا فِي ايام مُحَمَّد بن طَاهِر بن عبد الله بن طَاهِر بخراسان خلاف الكرامية المجسمة
فاما الزيدية من الرافضة فمطمعها ثَلَاث فرق وهى الجارودية والسليمانية وَقد يُقَال الحريرية ايضا والبترية وَهَذِه الْفرق الثَّلَاث يجمعها القَوْل بإمامة زيد بن على بن الْحُسَيْن بن على بن ابى طَالب فِي ايام خُرُوجه وَكَانَ ذَلِك فِي زمَان هِشَام بن عبد الْملك والكيسانية مِنْهُم فرق كَثِيرَة ترجع عَن التَّحْصِيل الى فرْقَتَيْن إِحْدَاهمَا تزْعم ان مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة
стр. 16
هِيَ لم يمت وهم على انْتِظَاره ويزعمون انه المهدى المنتظر والفرقة الثَّانِيَة مِنْهُم مقرون باماميته فِي وقته وبموته وينقلون الْإِمَامَة بعد مَوته الى غَيره ويختلفون بعد ذَلِك فِي الْمَنْقُول اليه
واما الامامية الْمُفَارقَة للزيدية والكسائية والغلاة فانها خمس عشرَة فرقة وَهن المحمدية والباقرية والناوسية والشميطية والعمارية والاسماعيلية والمباركية والموسوية والقطعية والاثنى عشرِيَّة والهشامية من اتِّبَاع هِشَام بن الحكم اَوْ من اتِّبَاع هِشَام بن سَالم الجواليقى والزرارية من اتِّبَاع زُرَارَة بن أعين واليونسية من اتِّبَاع يُونُس القمى والشيطانية من اتِّبَاع شَيْطَان الطاق والكاملية من اتِّبَاع أبي كَامِل وَهُوَ أفحشهم قولا فى على وفى سَائِر الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم فَهَذِهِ عشرُون فرقة من فرق الروافض مِنْهَا ثَلَاث زيدية وفرقتان من الكيسانية وَخمْس عشرَة فرقة من الإمامية فاما غلاتهم الَّذين قَالُوا بإلهية الائمة واباحوا مُحرمَات الشَّرِيعَة واسقطوا وجوب فَرَائض الشَّرِيعَة كالبيانية والمغيرية والجناحية والمنصورية والخطابية والحلولية وَمن جرى مجراهم فَمَا هم من فرق الاسلام وان كَانُوا منتسبين اليه وسنذكرها فِي بَاب مُفْرد بعد هَذَا الْبَاب
وَأما الْخَوَارِج فانها لما اخْتلفت صَارَت عشْرين فرقة وَهَذِه أسماؤها المحكمة الاولى والازارقة ثمَّ النجدات ثمَّ الصفرية
стр. 17
ثمَّ العجاردة وَقد افْتَرَقت العجاردة فِيمَا بَينهَا فرقا كَثِيرَة مِنْهَا الخازمية والشعيبية والمعلومية والمجهولية والمعبدية والرشيدية والمكرمية والحمزية والابراهيمية والواقفة وافترقت الأباضية مِنْهَا فرقا حفصية وحارثية ويزيدية واصحاب طَاعَة لَا يُرَاد الله بهَا واليزيدية مِنْهُم اتِّبَاع ابْن يزِيد بن أنيس لَيست من فرق الاسلام لقولها بَان شَرِيعَة الاسلام تنسخ فِي آخر الزَّمَان بنبى يبْعَث من الْعَجم وَكَذَلِكَ فِي جملَة العجاردة فرقة يُقَال لَهَا الميمونية لَيست من فرق الاسلام لانها أَبَاحَتْ نِكَاح بَنَات الْبَنَات وَبَنَات الْبَنِينَ كَمَا أباحته الْمَجُوس وَسَنذكر اليزيدية والميمونية فِي جملَة الَّذين انتسبوا الى الاسلام وَمَا هم مِنْهُم وَلَا من فرقهم
واما الْقَدَرِيَّة الْمُعْتَزلَة عَن الْحق فقد افْتَرَقت عشْرين فرقة كل فرقة مِنْهَا تكفر سائرها وَهَذِه اسماء فرقها واصلية وعمرية والهذيلية والنظامية والاموارية والعمرية والثمامية والجاحظية والحايطية والحمارية والخياطية والسحامية واصحاب صَالح قبَّة والمويسية والكعبية والجبائية والبهشيمية المنسوبة الى أبي هَاشم ابْن الجبائى فَهِيَ ثِنْتَانِ وَعِشْرُونَ فرقة ثِنْتَانِ مِنْهَا ليستا من فرق الاسلام وهما الحايطية والحمارية وسنذكرهما فِي الْفرق الَّتِي انتسبت الى الاسلام وَلَيْسَت مِنْهَا
стр. 18
وَأما المرجئة فَثَلَاثَة اصناف صنف مِنْهُم قَالُوا بالإرجاء فِي الايمان وبالقدر على مَذَاهِب الْقَدَرِيَّة فهم معدودون فِي الْقَدَرِيَّة والمرجئة كَأبي شمر المرجىء وَمُحَمّد بن شبيب البصرى والخالدى وصنف مِنْهُم قَالُوا بالإرجاء فِي الايمان ومالوا الى قَول جهم فِي الاعمال والاكساب فهم من جملَة الْجَهْمِية والمرجئة وصنف مِنْهُم خَالِصَة فِي الإرجاء من غير قدروهم خمس فرق يونسية وغسانية وثوبانية وتومنية ومريسية وَأما النجارية فانها الْيَوْم بِالريِّ اكثر من عشر فرق ومرجعها فِي الأَصْل الى ثَلَاث فرق برغونية زغفرانية ومستدركة وَأما البكرية والضرارية فَكل وَاحِدَة مِنْهَا فرقة وَاحِدَة لَيْسَ لَهَا تبع كثير والجهمية ايضا فرقة وَاحِدَة والكرامية بخراسان ثَلَاث فرق حقاقية وطرايقية واسحافية لَكِن هَذِه الْغَرق الثَّلَاث مِنْهَا لَا يكفر بَعْضهَا بَعْضًا فعددناها كلهَا فرقة وَاحِدَة فَهَذِهِ الْجُمْلَة الَّتِي ذَكرنَاهَا تشْتَمل على ثِنْتَيْنِ وَسبعين فرقة مِنْهَا عشرُون روافض وَعِشْرُونَ خوارج وَعِشْرُونَ قدرية وَعشر مرجئة وَثَلَاث نجارية وبكرية وضرارية وجهمية وكرامية فَهَذِهِ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فرقة فاما الْفرْقَة الثَّالِثَة وَالسَّبْعُونَ فَهِيَ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة من فريقى الرَّأْي والْحَدِيث دون من يشترى لَهو الحَدِيث وفقهاء هذَيْن الْفَرِيقَيْنِ وقراؤهم ومحدثوهم ومتكلمو
стр. 19
أهل الحَدِيث مِنْهُم كلهم متفقون على مقَالَة وَاحِدَة فِي تَوْحِيد الصَّانِع وَصِفَاته وعدله وحكمته وَفِي اسمائه وَصِفَاته وفى ابواب النُّبُوَّة والإمامة وفى احكام العقبى وفى سَائِر اصول الدّين وانما يَخْتَلِفُونَ فِي الْحَلَال وَالْحرَام من فروع الاحكام وَلَيْسَ بَينهم فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ مِنْهَا تضليل وَلَا تفسيق وهم الْفرْقَة النَّاجِية ويجمعها الاقرار بتوحيد الصَّانِع وَقدمه وَقدم صِفَاته الأزلية واجازة رُؤْيَته من غير تَشْبِيه وَلَا تَعْطِيل مَعَ الاقرار بكتب الله وَرُسُله وبتأييد شَرِيعَة الاسلام واباحة مَا أَبَاحَهُ الْقُرْآن وَتَحْرِيم مَا حرمه الْقُرْآن مَعَ قيود مَا صَحَّ من سنة رَسُول الله ﷺ واعتقاد الْحَشْر والنشر وسؤال الْملكَيْنِ فِي الْقَبْر والاقرار بالحوض وَالْمِيزَان فَمن قَالَ بِهَذِهِ الْجِهَة الَّتِي ذَكرنَاهَا وَلم يخلط ايمانه بهَا بِشَيْء من بدع الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض والقدرية وَسَائِر اهل الاهواء فَهُوَ من جملَة الْفرْقَة النَّاجِية ان ختم الله لَهُ بهَا وَقد دخل فِي هَذِه الْجُمْلَة جُمْهُور الامة وسوادها الْأَعْظَم من اصحاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وأبى حنيفَة والأوزاعى والثورى وَأهل الظَّاهِر فَهَذَا بَيَان مَا اردنا بَيَانه فِي هَذَا الْبَاب وَنَذْكُر فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ تَفْصِيل مقَالَة كل فرقة من فرق الاهواء الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ ان شَاءَ الله عز وَجل
стр. 20
الْبَاب الثَّالِث من أَبْوَاب هَذَا الْكتاب
فِي بَيَان تَفْصِيل مقالات فرق الاهواء وَبَيَان فضائح كل فرقة مِنْهَا على التَّفْصِيل هَذَا بَاب يشْتَمل على فُصُول ثَمَانِيَة وَهَذِه ترجمتها
فصل فِي بَيَان مقالات فرق الرقض
فصل فِي بَيَان مقالات فرق الْخَوَارِج
فصل فِي بَيَان مقالات فرق الاعتزال وَالْقدر
فصل فِي بَيَان مقالات الضرارية والبكرية والجهمية
فصل فِي بَيَان مقالات الكرامية
فصل فِي بَيَان مقالات المشبهة الدَّاخِلَة فِي غمار الْفرق الَّتِي ذَكرنَاهَا وَسَنذكر فِي كل فصل مِنْهَا مُقْتَضَاهُ على شَرطه ان شَاءَ الله عز وَجل
стр. 21
الْفَصْل الاول من فُصُول هَذَا الْبَاب فِي بَيَان مقالات فرق الرَّفْض
قد ذكرنَا قبل هَذَا ان الزيدية مِنْهُم ثَلَاث فرق والكيسانية مِنْهُم فرقتان والامامية مِنْهُم خمس عشرَة فرقة ونبدأ بِذكر الزيدية ثمَّ الامامية ثمَّ الكيسانية على التَّرْتِيب ان شَاءَ الله
ذكر الجارودية من الزيدية اولا اتِّبَاع الْمَعْرُوف بِأبي الْجَارُود وَقد زَعَمُوا ان النَّبِي ﷺ نَص على امامة على بِالْوَصْفِ دون الِاسْم وَزَعَمُوا ايضا ان الصَّحَابَة كفرُوا بتركهم بيعَة على وَقَالُوا ايضا ان الْحسن بن على كَانَ هُوَ الامام بعد على ثمَّ أخوة الْحُسَيْن كَانَ إِمَامًا بعد الْحسن وافترقت الجارودية فِي هَذَا التَّرْتِيب فرْقَتَيْن فرقة قَالَت إِن عليا نَص على إِمَامَة ابْنه الْحسن ثمَّ نَص الْحسن على إِمَامَة أَخِيه الْحُسَيْن بعده ثمَّ صَارَت الامامة بعد الْحسن وَالْحُسَيْن شُورَى فِي وَلَدي الْحسن وَالْحُسَيْن فَمن خرج مِنْهُم شاهرا سَيْفه دَاعيا الى دينه وَكَانَ عَالما ورعا فَهُوَ الإِمَام وَزَعَمت الْفرْقَة الثَّانِيَة مِنْهُم أَن النَّبِي ﷺ هُوَ الَّذِي نَص على إِمَامَة الْحسن بعد على وإمامة الْحُسَيْن بعد
стр. 22
الْحسن ثمَّ افْتَرَقت الجارودية بعد هَذَا فِي الامام المنتظر فرقا مِنْهُم من لم يعين وَاحِدًا بالانتظار وَقَالَ كل من شهر سَيْفه ودعا الى دينه من ولدى الْحسن وَالْحُسَيْن فَهُوَ الامام وَمِنْهُم من ينْتَظر مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحسن بن على بن أبي طَالب وَلَا يصدق بقتْله وَلَا بِمَوْتِهِ وَيَزْعُم انه هُوَ المهدى المنتظر الَّذِي يخرج فَيملك الارض وَقَول هَؤُلَاءِ فِيهِ كَقَوْل المحمدية من الإمامية فِي انتظارها مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحسن بن على وَمِنْهُم من ينْتَظر مُحَمَّد بن الْقَاسِم صَاحب الطالقان وَلَا يصدق بِمَوْتِهِ وَمِنْهُم من ينْتَظر مُحَمَّد بن عمر الَّذِي خرج بِالْكُوفَةِ وَلَا يصدق بقتْله وَلَا بِمَوْتِهِ فَهَذَا قَول الجارودية وتكفيرهم وَاجِب لتكفيرهم اصحاب رَسُول الله ﵇
ذكر السليمانية أَو الجريرية مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع سُلَيْمَان بن جرير الزيدي الَّذِي قَالَ ان الْإِمَامَة شُورَى وَأَنَّهَا تَنْعَقِد بِعقد رجلَيْنِ من خِيَار الامة وَأَجَازَ إِمَامَة الْمَفْضُول واثبت إِمَامَة ابي بكر وَعمر وَزعم أَن الامة تركت الاصلح فِي الْبيعَة لَهما لَان عليا كَانَ اولى بِالْإِمَامَةِ مِنْهُمَا الا أَن الْخَطَأ فِي بيعتهما لم يُوجب كفرا وَلَا فسقا وَكفر سُلَيْمَان بن جرير بالاحداث الَّتِي نقمها الناقمون مِنْهُ وَأهل السّنة يكفرون سُلَيْمَان بن جرير من اجل
стр. 23
أَنه كفر عُثْمَان ﵁
ذكر البترية مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع رجلَيْنِ أَحدهمَا الْحسن بن صَالح بن حَيّ والاخير كثير المنوا الملقب بالأبتر وَقَوْلهمْ كَقَوْل سُلَيْمَان بن جرير فِي هَذَا الْبَاب غير أَنهم توقفوا فِي عُثْمَان وَلم يقدموا على ذمَّة وَلَا على مدحه وَهَؤُلَاء احسن حَالا عِنْد أهل السّنة من أَصْحَاب سُلَيْمَان بن جرير وَقد أخرج مُسلم بن الْحجَّاج حَدِيث الْحسن بن صَالح بن حَيّ فِي مُسْنده الصَّحِيح وَلم يخرج مُحَمَّد بن اسماعيل البُخَارِيّ حَدِيثه فِي الصَّحِيح وَلكنه قَالَ فِي كتاب التَّارِيخ الْكَبِير الْحسن بن صَالح بن حَيّ الكوفى سمع سماك بن حَرْب وَمَات سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَهُوَ من ثغور همذان وكنيته ابو عبد الله
قَالَ عبد القاهر هَؤُلَاءِ البترية والسليمانية من الزيدية كلهم يكفرون الجارودية من الزيدية لاقرار الجارودية على تَكْفِير أبي بكر وَعمر والجارودية يكفرون السليمانية والبترية لتركهما تَكْفِير أبي بكر وَعمر وَحكى شَيخنَا أَبُو الْحسن الاشعري فِي مقَالَته عَن قوم من الزيدية يُقَال لَهُم اليعقوبية اتِّبَاع رجل اسْمه يَعْقُوب أَنهم كَانُوا يتولون ابا بكر وَعمر وَلَكنهُمْ لَا
стр. 24
يتبرءون مِمَّن تَبرأ مِنْهُمَا قَالَ عبد القاهر اجْتمعت الْفرق الثَّلَاث الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ من الزيدية على القَوْل بِأَن أَصْحَاب الْكَبَائِر من الامة يكونُونَ مخلدين فِي النَّار فهم من هَذَا الْوَجْه كالخوارج الَّذين أيأسوا أسراء المذنبين من رَحْمَة الله تَعَالَى وَلَا ييأس من روح الله الا الْقَوْم الْكَافِرُونَ إِنَّمَا قيل لهَذِهِ الْفرق الثَّلَاث واتباعها زيدية لقَولهم بإمامة زيد بن عَليّ بن الْحسن بن على بن ابى طَالب فِي وقته وإمامة ابْنه يحيى بن زيد بعد زيد وَكَانَ زيد ابْن عَليّ قد بَايعه على إِمَامَته خَمْسَة عشر ألف رجل من أهل الْكُوفَة وَخرج بهم على والى الْعرَاق وَهُوَ يُوسُف بن عمر الثقفى عَامل هِشَام بن عبد الْملك على الْعِرَاقِيّين فَلَمَّا اسْتمرّ الْقِتَال بَينه وَبَين يُوسُف بن عمر الثقفى قَالُوا لَهُ انا ننصرك على اعدائك بعد أَن تخبرنا بِرَأْيِك فِي أبي بكر وَعمر اللَّذين ظلما جدك على ابْن أبي طَالب فَقَالَ زيد إِنِّي لَا أَقُول فيهمَا إِلَّا خيرا وَمَا سَمِعت أبي يَقُول فيهمَا الا خيرا وانما خرجت على بنى امية الَّذين قَاتلُوا جدى الْحُسَيْن وأغاروا على الْمَدِينَة يَوْم الْحرَّة ثمَّ رموا بَيْتا لله بِحجر المنجنيق وَالنَّار ففارقوه عِنْد ذَلِك حَتَّى قَالَ لَهُم رفضتموني وَمن يَوْمئِذٍ سموا رافضة وَثَبت مَعَه نصر بن حريمة العنسى وَمُعَاوِيَة بن اسحاق بن يزِيد بن حَارِثَة فِي مِقْدَار مائتى رجل
стр. 25
وقاتلوا جند يُوسُف بن عمر الثقفى حَتَّى قتلوا عَن آخِرهم وَقتل زيد ثمَّ نبش من قَبره وصلب ثمَّ أحرق بعد ذَلِك وهرب ابْنه يحيى بن يزِيد الى خُرَاسَان وَخرج بِنَاحِيَة الجوزجانى على نصر بن بشار والى خُرَاسَان فَبعث نصر بن بشار اليه مُسلم ابْن احوز المازنى فِي ثَلَاثَة آلَاف رجل فَقتلُوا يحيى بن زيد ومشهده بجوزجان مَعْرُوف قَالَ عبد القاهر روافض الْكُوفَة موصوفون بالغدر وَالْبخل وَقد سَار الْمثل بهم فيهمَا حَتَّى قيل أبخل من كوفى وأغدر من كوفى وَالْمَشْهُور من غدرهم ثَلَاثَة أَشْيَاء أَحدهَا أَنهم بعد قتل على ﵁ بَايعُوا ابْنه الْحسن فَلَمَّا توجه لقِتَال مُعَاوِيَة غدروا بِهِ فِي ساباط الْمَدَائِن فطعنه سِنَان الجعفى فِي جنبه فصرعه عَن فرسه وَكَانَ ذَلِك أحد أَسبَاب مصالحته مُعَاوِيَة وَالثَّانِي أَنهم كاتبوا الْحُسَيْن بن عَليّ ﵁ وَدعوهُ الى الْكُوفَة لينصروه على يزِيد بن مُعَاوِيَة فاغتر بهم وَخرج اليهم فَلَمَّا بلغ كربلاء غدروا بِهِ وصاروا مَعَ عبيد الله بن زِيَاد يدا وَاحِدَة عَلَيْهِ حَتَّى قتل الْحُسَيْن وَأكْثر عشيرته بكربلاء وَالثَّالِث غدرهم يزِيد بن على بن الْحُسَيْن بن على بن أبي طَالب بعد أَن خَرجُوا مَعَه على يُوسُف بن عمر ثمَّ نكثوا بيعَته وأسلموه عِنْد اشتداد الْقِتَال حَتَّى قتل وَكَانَ من امْرَهْ مَا كَانَ
стр. 26
ذكر الكيسانية من الرافضة هَؤُلَاءِ اتِّبَاع الْمُخْتَار بن ابى عبيد الثقفى الَّذِي قَامَ بثأر الْحُسَيْن بن على بن ابي طَالب وَقتل اكثر الَّذين قتلوا حُسَيْنًا بكربلاء وَكَانَ الْمُخْتَار وَيُقَال لَهُ كيسَان وَقيل أَنه أَخذ مقَالَته عَن مولى لعلى ﵁ كَانَ اسْمه كيسَان وافترقت الكيسابية فرقا يجمعها شَيْئَانِ أَحدهمَا قَوْلهم بإمامة مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة وَإِلَيْهِ كَانَ يَدْعُو الْمُخْتَار بن ابى عبيد وَالثَّانِي قَوْلهم بِجَوَاز البدء على الله ولهذه البدعه قَالَ بتكفيرهم كل من لَا يُجِيز البدء على الله سُبْحَانَهُ وَاخْتلفت الكيسانية فِي سَبَب إِمَامَة مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة فَزعم بَعضهم أَنه كَانَ إِمَامًا بعد أَبِيه على بن أَبى طَالب رضى الله عَنهُ وَاسْتدلَّ على ذَلِك بَان عليا دفع إِلَيْهِ الرَّايَة يَوْم الْجمل وَقَالَ لَهُ ابيك تحمد لَا خير فِي الْحَرْب اذا لم تزبك كَذَا وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُم إِن الامامة بعد على كَانَت لِابْنِهِ الْحسن ثمَّ للحسين بعد الْحسن ثمَّ صَارَت الى مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة بعد اخيه الْحُسَيْن بِوَصِيَّة اخيه الْحُسَيْن اليه حِين هرب من الْمَدِينَة الى مَكَّة حِين طُولِبَ بالبيعة ليزِيد بن مُعَاوِيَة ثمَّ افترق الَّذين قَالُوا بإمامة مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة فَزعم قوم مِنْهُم يُقَال لَهُم الكربية اصحاب ابى كرب الضَّرِير ان مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة حى لم يمت وانه فِي جبل رضوى وَعِنْده عين من المَاء وَعين من الْعَسَل يَأْخُذ مِنْهُمَا رزقه وَعَن
стр. 27
يَمِينه أَسد وَعَن يسَاره نمر يحفظانه من أعدائه الى وَقت خُرُوجه وَهُوَ المهدى ٢ المنتظر وَذهب الْبَاقُونَ من الكيسانية الى الاقرار بِمَوْت مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَاخْتلفُوا فِي الامام بعده فَمنهمْ من زعم أَن الامامة بعده رجعت الى ابْن اخيه على بن الْحُسَيْن زين العابدين وَمِنْهُم من قَالَ برجوعها بعده الى ابى هَاشم عبد الله ابْن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فِي الامام بعد ابى هَاشم فَمنهمْ من نقلهَا الى أبي مُحَمَّد بن على بن عبد الله بن عَبَّاس بن عبد الْمطلب بِوَصِيَّة ابى هَاشم اليه وَهَذَا قَول الروندية وَمِنْهُم من زعم أَن الامامة بعد أبي هَاشم صَارَت الى بَيَان بن سمْعَان وَزَعَمُوا أَن روح الله تَعَالَى كَانَت فِي ابى هَاشم ثمَّ انْتَقَلت مِنْهُ الى بَيَان وَمِنْهُم من زعم ان تِلْكَ الرّوح انْتَقَلت من ابي هَاشم الى عبد الله بن عَمْرو بن حَرْب وَادعت هَذِه الْفرْقَة إلهية عبد الله بن عَمْرو بن حَرْب والبيانية والحربية كلتاهما من فرق الغلاة نذكرهما فِي الْبَاب الَّذِي نذْكر فِيهِ فرق الغلاة وَكَانَ كثير الشَّاعِر على مَذْهَب الكيسانية الَّذين ادعوا حَيَاة مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَلم يصدقُوا بِمَوْتِهِ وَلذَا قَالَ فِي قصيدة لَهُ ... أَلا إِن الْأَئِمَّة من قُرَيْش
وُلَاة الْحق أَرْبَعَة سَوَاء ... على وَالثَّلَاثَة من بنيه هم الاسباط لَيْسَ بهم خَفَاء ...
стр. 28
فسبط سبط ايمان وبر
وسبط غيبته كربلاء ... وسبط لَا يَذُوق الْمَوْت حَتَّى
يَقُود الْخَيل يقدمهَا اللِّوَاء ... تغيب لَا يرى فيهم زَمَانا
برضوى عِنْده عسل وَمَاء ...
قَالَ عبد القاهر أجبناه عَن أبياته هَذِه بقولنَا ... وُلَاة الْحق أَرْبَعَة وَلَكِن
لثاني اثْنَيْنِ قد سبق الْعَلَاء ... وفاروق الورى أضحى إِمَامًا
وَذُو النونين بعد لَهُ الْوَلَاء ... على بعدهمْ أضحى إِمَامًا
بترتيبي لَهُم نزل الْقَضَاء ... ومبغض من ذَكرْنَاهُ لعين
وفى نَار الْجَحِيم لَهُ الْجَزَاء ... وَأهل الرَّفْض قوم كالنصارى
حيار بِي مَا لحيرتهم دَوَاء ...
وَقَالَ كثير أَيْضا فِي رفضه ... بَرِئت الى الْإِلَه من ابْن أروى
وَمن دين الْخَوَارِج أجمعينا ... وَمن عمر بَرِئت وَمن عَتيق
غَدَاة دعى أَمِير المؤمنينا ...
وَقد أجبناه عَن هذَيْن الْبَيْتَيْنِ ... بَرِئت من الْإِلَه ببغض قوم
بهم أَحْيَا الْإِلَه المؤمنينا ... وَمَا ضرّ ابْن أروى مِنْك بغض
وبغض الْبر دين الكافرينا ... ابو بكر بِهِ جدلى إِمَام
على زعم الروافض اجمعينا ... وفاروق الورى عمر بِحَق
يُقَال لَهُ أَمِير المؤمنينا ...
стр. 29
أَلا قل للوصى فدتك نَفسِي
أطلت بذلك الْجَبَل المقاما ... أضرّ بمعشر والوك منا
وسموك الْخَلِيفَة والإماما ... وعادوا فِيك اهل الأَرْض طرا
مقامك عِنْدهم سِتِّينَ عَاما ...
ثمَّ قَالَ فِي هَذِه القصيدة ... وَمَا ذاق بن خَوْلَة طعم موت
وَلَا وارت لَهُ ارْض عظاما ... لقد أَمْسَى بمجرى شعب رضوى
تراجعه الْمَلَائِكَة الكلاما ... وَإِن لَهُ لرزقا من إِمَامًا
وأشربة يعل بهَا الطعاما ...
وَقد أجبناه عَن هَذَا الشّعْر بقولنَا ... لقد أفنيت عمرك بانتظار
لمن وارى التُّرَاب لَهُ عظاما ... فَلَيْسَ بشعب رضواء إِمَام
تراجعه الْمَلَائِكَة الكلاما ... وَلَا من عِنْده عسل وَمَاء
وأشربة يعل بهَا الطعاما ... وَقد ذاق ابْن خَوْلَة طعم موت
كَمَا قد ذاق وَالِده الحماما ... وَلَو خلد أمرؤ لعلو مجد
لعاش الْمُصْطَفى ابدا وداما ...
وَكَانَ الشَّاعِر الْمَعْرُوف بالسيد الحميرى ايضا على مَذْهَب الكيسانية الَّذين ينتظرون مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة ويزعمون أَنه مَحْبُوس بجبل رضوى الى أَن يُؤذن لَهُ بِالْخرُوجِ وَلِهَذَا قَالَ فِي شعر لَهُ ... وَلَكِن كل من فى الأَرْض فان
بذا حكم الذى خلق الإماما ...
وَكَانَ أول من قَامَ بدعوة الكيسائية الى إِمَامَة مُحَمَّد بن ٢
стр. 30
الْحَنَفِيَّة الْمُخْتَار بن أبي عبيد الثقفى وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن عبيد الله بن زِيَاد لما فرغ من قتل مُسلم بن عقيل وَفرغ من قتل الْحُسَيْن بن على رضى الله عَنهُ رفع اليه ان الْمُخْتَار بن أبي عبيد كَانَ مِمَّن خرج مَعَ مُسلم بن عقيل ثمَّ اختفى فَأمر باحضاره فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ رَمَاه بعمود كَانَ فِي يَده فشتر عينه وحبسه فتشفع اليه فِي امْرَهْ قوم فَأخْرجهُ من الْحَبْس وَقَالَ لَهُ قد أجلتك ثَلَاثَة أَيَّام فان خرجت فِيهَا من الْكُوفَة والا ضربت عُنُقك فَخرج الْمُخْتَار هَارِبا من الْكُوفَة الى مَكَّة وَبَايع عبد الله بن الزبير وبقى مَعَه الى ان قَاتل بن الزبير جند يزِيد بن مُعَاوِيَة الَّذين كَانُوا تَحت راية الْحصين بن نمير السكوتى واشتدت نكاية الْمُخْتَار فِي تِلْكَ الحروب على اهل الشَّام ثمَّ مَاتَ يزِيد بن مُعَاوِيَة وَرجع جند الشَّام الى الشَّام واستقام لِابْنِ الزبير ولَايَة الْحجاز واليمن وَالْعراق وَفَارِس ولقى الْمُخْتَار من ابْن الزبير جفوة فهرب مِنْهُ الى الْكُوفَة وواليها يَوْمئِذٍ عبد الله بن يزِيد الانصارى من قبل عبد الله بن الزبير فَلَمَّا دخل الْكُوفَة بعث رسله الى شيعَة الْكُوفَة ونواحيها الى الْمَدَائِن ودعاهم الى الْبيعَة لَهُ وَوَعدهمْ انه يخرج طَالبا بثأر الْحُسَيْن بن على رضى الله عَنهُ ودعاهم الى مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَزعم ان ابْن الْحَنَفِيَّة قد اسْتَخْلَفَهُ وَأَنه قد أَمرهم بِطَاعَتِهِ وعزل
стр. 31
ابْن الزبير فِي خلال ذَلِك عبد الله بن يزِيد الانصارى عَن الْكُوفَة وولاها عبد الله بن مُطِيع الْعَدوي وَاجْتمعَ الى الْمُخْتَار من بَايعه فِي السِّرّ وَكَانُوا زهاء سَبْعَة عشر الف رجل وَدخل فِي بيعَته عبيد الله بن الْحر الَّذِي لم يكن فِي زَمَانه أَشْجَع مِنْهُ وابراهيم بن ملك الاشتر وَلم يكن فِي شيعَة الْكُوفَة أجمل مِنْهُ وَلَا أَكثر مِنْهُ تبعا فَخرج بِهِ على والى الْكُوفَة عبد الله بن مبطع وَهُوَ يؤمئذ فِي عشْرين الف ودامت الْحَرْب بَينهمَا اياما وَوَقعت الْهَزِيمَة فِي آخرهَا على الزيدية وَاسْتولى الْمُخْتَار على الْكُوفَة ونواحيها وَقتل كل من كَانَ بِالْكُوفَةِ من الَّذين قَاتلُوا الْحُسَيْن بن على بكربلاء ثمَّ خطب النَّاس فَقَالَ فِي خطبَته الْحَمد لله الذى وعد وليه النَّصْر وعدوه الخسر وجعلهما فيهمَا الى آخر الدَّهْر قَضَاء مقضيا ووعدا مأتيا يَا أَيهَا النَّاس قد سمعنَا دَعْوَة الدَّاعِي وَقَبلنَا قَول الدَّاعِي فكم من بَاغ وباغية وقتلى فِي الواعيه فَهَلُمُّوا عباد الله الى بَيْعه الْهدى ومجاهدة العدى فانى انا الْمُسَلط على المحلين والطالب بثأر ابْن بنت خَاتم النَّبِيين ثمَّ نزل عَن منبره وانغذ بِصَاحِب شرطته الى دَار عمر بن سعد حَتَّى أَخذ رَأسه ثمَّ أَخذ رَأس ابْنه جَعْفَر بن عمر وَهُوَ ابْن أُخْت الْمُخْتَار وَقَالَ ذَاك بِرَأْس الْحُسَيْن وَهَذَا بِرَأْس ابْن الْحُسَيْن الْكَبِير ثمَّ بعث بإبراهيم بن ملك
стр. 32
الاشتر مَعَ سِتَّة آلَاف رجل الى حَرْب عبيد الله بن زِيَاد وَهُوَ يَوْمئِذٍ بالموصل فِي ثَمَانِينَ الف من جند الشَّام قد ولاه عَلَيْهِم عبد الْملك بن مَرْوَان فَلَمَّا التقى الجيشان على بَاب الْموصل انهزم جند الشَّام وَقتل مِنْهُم سَبْعُونَ الف فِي المعركة وَقتل عبيد الله بن زِيَاد وَالْحصين بن نمير السكوتى وانفذ ابراهيم بن الاشتر برؤوسهم الى الْمُخْتَار فَلَمَّا تمت للمختار ولَايَة الْكُوفَة والجزيرة والماهين الى حُدُود ارمينية تكهن بعد ذَلِك وسجع كأسجاع الكهنة وَحكى ايضا انه ادّعى نزُول الوحى عَلَيْهِ فَمن اسجاعه قَوْله اما وَالَّذِي أنزل الْقُرْآن وَبَين الْفرْقَان وَشرع الاديان وَكره الْعِصْيَان لاقتلن النعاة من أَزْد عمان ومذحج وهمذان ونهد وخولان وَبكر وهزان وثعل ونبهان وَعَبس وذبيان وَقيس وعيلان ثمَّ قَالَ وَحقّ السَّمِيع الْعَلِيم العلى الْعَظِيم الْعَزِيز الْحَكِيم الرَّحْمَن الرَّحِيم لاعركن عَرك الاديم أَشْرَاف بنى تهيم ثمَّ رفع خبر الْمُخْتَار الى ابْن الْحَنَفِيَّة وَخَافَ من جِهَة الْفِتْنَة فِي الدّين فَأَرَادَ قدوم الْعرَاق ليصير اليه الَّذين اعتقدوا إِمَامَته وَسمع الْمُخْتَار ذَلِك فخاف من قدومه الْعرَاق ذهَاب رياسته وولايته فَقَالَ لجنده انا على بيعَة المهدى وَلَكِن للمهدى عَلامَة وَهُوَ أَن يضْرب بِالسَّيْفِ ضَرْبَة فان لم يقطع
стр. 33
السَّيْف جلده فَهُوَ المهدى وانْتهى قَوْله هَذَا الى ابْن الْحَنَفِيَّة فَأَقَامَ بِمَكَّة خوفًا من ان يقْتله الْمُخْتَار بِالْكُوفَةِ ثمَّ ان الْمُخْتَار خدعته السبابية الغلاة من الرافضة فَقَالُوا لَهُ انت حجَّة هَذَا الزَّمَان وَحَمَلُوهُ على دَعْوَى النُّبُوَّة فادعاها عِنْد خواصه وَزعم أَن الوحى ينزل عَلَيْهِ وسجع بعد ذَلِك فَقَالَ أما وتمشى السَّحَاب الشَّديد الْعقَاب السَّرِيع الْحساب الغزير الْوَهَّاب الْقَدِير الغلاب لانبشن قبر ابْن شهَاب المفترى الْكذَّاب المجرم المرتاب ثمَّ وَرب الْعَالمين وَرب الْبَلَد الامين لأقتلن الشَّاعِر المهين وراجز المارقين واولياء الْكَافرين وَأَعْوَان الظَّالِمين وإخوان الشَّيَاطِين الَّذين اجْتَمعُوا على الاباطيل وَتَقولُوا على الاقاويل الاخطوبى لذوى الاخلاق الحميدة والافعال الشَّدِيدَة والاراء العتيدة والنفوس السعيدة ثمَّ خطب بعد ذَلِك فَقَالَ فِي خطبَته الْحَمد لله الَّذِي جعلني بَصيرًا وَنور قلبِي تنويرا وَالله لاحرقن بِالْمِصْرِ دورا ولانبشن بهَا قبورا ولأشفين مِنْهَا صدورا وَكفى بِاللَّه هاديا ونصيرا ثمَّ أقسم فَقَالَ بِرَبّ الْحرم وَالْبَيْت الْمحرم والركن المكرم وَالْمَسْجِد الْمُعظم وَحقّ ذِي الْقَلَم ليرفعن لي علم من هُنَا الى أخم ثمَّ الى اكناف ذِي سلم ثمَّ قَالَ اما وَرب السَّمَاء لينزلن نَار من السَّمَاء فليحرقن دَار أَسمَاء فأنهى هَذَا القَوْل الى
стр. 34
أَسمَاء بن خَارِجَة فَقَالَ قد سجع بِي أَبُو إِسْحَاق وَأَنه سيحرق دَاري وهرب من دَاره وَبعث الْمُخْتَار الى دَاره من أحرقها بِاللَّيْلِ وَأظْهر من عِنْده ان نَارا من السَّمَاء نزلت فاحرقها ثمَّ إِن اهل الْكُوفَة خَرجُوا على الْمُخْتَار لما تكهن وَاجْتمعت السبابية اليه مَعَ عبيد اهل الْكُوفَة لانه وعدهم أَن يعطيهم أَمْوَال ساداتهم وَقَاتل بهم الخارجين عَلَيْهِ فظفر بهم وَقتل مِنْهُم الْكثير وَأسر جمَاعَة مِنْهُم وَكَانَ فِي الأسراء رجل يُقَال لَهُ سراقَة بن مرداس البارقى فَقدم الى الْمُخْتَار وَخَافَ البارقى أَن يَأْمر بقتْله فَقَالَ للَّذين أسروه وقدموه الى الْمُخْتَار مَا أَنْتُم أسرتمونا وَلَا أَنْتُم هزمتمونا بعدتكم وانما هَزَمْنَا الْمَلَائِكَة الَّذين رأيناهم على الْخَيل البلق فَوق عسكركم فأعجب الْمُخْتَار قَوْله هَذَا فاطلق عَنهُ فلحق مُصعب بن الزبير بِالْبَصْرَةِ وَكتب مِنْهَا الى الْمُخْتَار هَذِه الابيات ... أَلا أبلغ أَبَا إِسْحَق أَنى
رَأَيْت البلق دهما مصمتات ... أرى عينى مَا لم تنظراه
كِلَانَا عَالم بالترهات ... كفرت بوحيكم وَجعلت نذرا
على قتالكم حَتَّى الْمَمَات ...
وفى هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ بَيَان سَبَب كهَانَة الْمُخْتَار ودعواه الوحى اليه واما سَبَب قَوْله بِجَوَاز البدء على الله فَهُوَ أَن ابراهيم بن الأشتر لما بلغه أَن الْمُخْتَار تكهن وَادّعى نزُول الْوَحْي
стр. 35
اليه قعد عَن نصرته وَاسْتولى لنَفسِهِ على بِلَاد الجزيرة وَعلم مُصعب ابْن الزبير ان ابراهيم بن الاشتر لَا ينصر الْمُخْتَار فطمع عِنْد ذَلِك فِي قهر الْمُخْتَار وَلحق بِهِ عبيد الله بن الْحر الجعفى وَمُحَمّد بن الاشعث الْكِنْدِيّ واكثر سَادَات الْكُوفَة غيظا مِنْهُم على الْمُخْتَار لاستيلائه على اموالهم وعبيدهم واطمعوا مصعبا فِي أَخذ الْكُوفَة قهرا فَخرج مُصعب من الْبَصْرَة فِي سَبْعَة آلَاف رجل من عِنْده سوى من انْضَمَّ اليه من سَادَات الْكُوفَة وَجعل على مقدمته الْمُهلب بن ابى صفرَة مَعَ اتِّبَاعه من الأزد وَجعل أَعِنَّة الْخَيل الى عبيد الله بن معمر التيمى وَجعل الْأَحْنَف بن قيس على خيل تَمِيم فَلَمَّا انْتهى خبرهم الى الْمُخْتَار اخْرُج صَاحبه احْمَد ابْن شميط الى قتال مُصعب فِي ثَلَاثَة آلَاف رجل من نخبة عسكره وَأخْبرهمْ بَان الظفر يكون لَهُم وَزعم أَن الوحى قد نزل عَلَيْهِ بذلك فَالتقى الجيشان بِالْمَدَائِنِ وَانْهَزَمَ اصحاب الْمُخْتَار وَقتل اميرهم ابْن شميط واكثر قواد الْمُخْتَار وَرجع فلولهم الى الْمُخْتَار وَقَالُوا لَهُ لم تعدنا بالنصر على عدونا فَقَالَ ان الله تَعَالَى كَانَ قد وَعَدَني ذَلِك لكنه بدا لَهُ وَاسْتدلَّ على الله بقول الله ﴿يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت﴾ فَهَذَا كَانَ سَبَب قَول الكيسانية بالبدء
стр. 36
ثمَّ ان الْمُخْتَار بَاشر قتال مُصعب بن الزبير بِنَفسِهِ بالمذار من نَاحيَة الْكُوفَة وَقتل فِي تِلْكَ الْوَاقِعَة مُحَمَّد بن الْأَشْعَث الْكِنْدِيّ قَالَ الْمُخْتَار طابت نَفسِي بقتْله ان لم يكن قد بقى من قتلة الْحُسَيْن غَيره وَلَا ابالى بِالْمَوْتِ بعد هَذَا ثمَّ وَقعت الْهَزِيمَة على الْمُخْتَار واصحابه فَانْهَزَمُوا الى دَار الامامة بِالْكُوفَةِ وتحصن فِيهَا مَعَ اربعمائة من اتِّبَاعه وحاصرهم مُصعب فِيهَا ثَلَاثَة ايام حَتَّى فنى طعامهم ثمَّ خَرجُوا اليه فِي الْيَوْم الرَّابِع مستقتلين فَقتلُوا وَقتل الْمُخْتَار مَعَهم قَتله أَخَوان يُقَال لَهما طارف وطريف ابْنا عبد الله بن دجَاجَة من بنى حنيفَة وَقَالَ أعشى هَمدَان فِي ذَلِك ... لقد نبئت والأنباء تنمي
بِمَا لآقى الكوارث بالمذار ... وَمَا إِن سرنى اهلاك قومِي
وان كَانُوا وحقك فِي خسار ... ولكنى سررت بِمَا يلاقى
أَبُو إِسْحَق من خزى وعار ...
فَهَذَا بَيَان سَبَب قَول الكيسانية بِجَوَاز البدء على الله وَاخْتلفت الكيسانية الَّذين انتظروا مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَزَعَمُوا انه حى مَحْبُوس بجبل رضوى الى ان يُؤذن لَهُ بِالْخرُوجِ وَاخْتلفُوا فِي سَبَب حَبسه هُنَالك بزعمهم فَمنهمْ من قَالَ لله فِي امْرَهْ سر لَا يُعلمهُ الا هُوَ وَلَا يعرف سَبَب حَبسه وَمِنْهُم من قَالَ إِن الله تَعَالَى عَاقِبَة بِالْحَبْسِ لِخُرُوجِهِ بعد قتل الْحُسَيْن بن على الى يزِيد
стр. 37
ابْن مُعَاوِيَة وَطَلَبه الْأمان مِنْهُ وَأَخذه عَطاء ثمَّ لِخُرُوجِهِ فِي وَجه ابْن الزبير من مَكَّة الى عبد الْملك بن مَرْوَان هَارِبا من ابْن الزبير وَزَعَمُوا ان صَاحبه عَامر بن وَاثِلَة الْكِنَانِي سَار بَين يَدَيْهِ وَقَالَ فِي ذَلِك الْمسير لأتباعه يَا إخْوَانِي يَا شيعتى لَا تبعدوا ووازروا المهدى كَيْمَا تهتدوا مُحَمَّد الْخيرَات يَا مُحَمَّد انت الإِمَام الطَّاهِر المسدد لَا ابْن الزبير السامرى الملحد وَلَا الَّذِي نَحن اليه نقصد وَقَالُوا انه كَانَ يجب عَلَيْهِ ان يُقَاتل ابْن الزبير وَلَا يهرب فعصى ربه بِتَرْكِهِ قِتَاله وَعَصَاهُ بِقَصْدِهِ عبد الملك بن مَرْوَان وَكَانَ قد عَصَاهُ قبل ذَلِك بِقَصْدِهِ يزِيد بن مُعَاوِيَة ثمَّ إِنَّه رَجَعَ من طَرِيقه الى ابْن مَرْوَان الى الطَّائِف وَمَات بهَا ابْن عَبَّاس وَدَفنه ابْن الْحَنَفِيَّة بِالطَّائِف ثمَّ سَار مِنْهَا الى الذَّر فَلَمَّا بلغ شعب رضوى اخْتلفُوا فِيهِ فَزعم المقرون بِمَوْتِهِ انه مَاتَ فِيهِ وَزعم المنتظرون لَهُ أَن الله حَبسه هُنَالك وغيبه عَن عُيُون النَّاس عُقُوبَة لَهُ على الذُّنُوب الَّتِى أضافوها اليه الى أَن يُؤذن لَهُ بِالْخرُوجِ وَهُوَ المهدى المنتظر
ذكر الامامية من الرافضة هَؤُلَاءِ الامامية الْمُخَالفَة للزيدية والكيسانية والغلاة خمس عشرَة فرقة كاملية ومحمدية وباقرية
стр. 38
وناوسية وشميطية وعمارية واسماعيلية ومباركية وموسوية وقطيعية واثنى عشرِيَّة وهشامية وزرارية ويونسية وشيطانية ذكر الكاملية مِنْهُم هَؤُلَاءِ أَتبَاع رجل من الرافضة كَانَ يعرف بأبى كَامِل وَكَانَ يزْعم أَن الصَّحَابَة كفرُوا بتركهم بيعَة على وَكفر على بِتَرْكِهِ قِتَالهمْ وَكَانَ يلْزمه قِتَالهمْ كَمَا لزمَه قتال اصحاب صفّين وَكَانَ بشار بن برد الشَّاعِر الْأَعْمَى على هَذَا الْمَذْهَب وروى انه قيل لَهُ مَا تَقول فِي الصَّحَابَة قَالَ كفرُوا فَقيل لَهُ فَمَا تَقول فِي على فتمثل بقول الشَّاعِر ... وَمَا شَرّ الثَّلَاثَة ام عمر
بصاحبك الذى لَا تصبحينا ...
وَحكى أَصْحَاب المقالات عَن بشار أَنه ضم الى ضلالته فِي تَكْفِير الصَّحَابَة وتكفير على مَعَهم ضلالتين أُخْرَيَيْنِ إِحْدَاهمَا قَوْله يرجع برجعة الاموات الى الدُّنْيَا قبل يَوْم الْقِيَامَة كَمَا ذهب اليه اصحاب الرّجْعَة من الرافضة وَالثَّانيَِة قَوْله بتصويب إِبْلِيس فِي تَفْضِيل النَّار على الارض وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بقول بشار فِي شعر لَهُ الأَرْض مظْلمَة وَالنَّار مشرفة
وَالنَّار معبودة مذ كَانَت النَّار وَقد رد عَلَيْهِ صَفْوَان الْأنْصَارِيّ فِي قصيدته الَّتِي قَالَ فِيهَا ... زعمت بِأَن النَّار اكرم عنصرا
وفى الأَرْض تحيا فِي الْحِجَارَة والزند ...
стр. 39
ويخلق فِي أرحامها وارومها
أَعَاجِيب لَا تحصى بِخَط وَلَا عقد ... وفى القعر من لج الْبحار مَنَافِع
من اللُّؤْلُؤ الْمكنون والعنبر الْورْد ... وَلَا بُد من أَرض لكل مطير
وكل سبوح فِي العمائر ذِي خد ... كَذَلِك وَمَا ينساخ فِي الارض مَاشِيا
على بَطْنه يمشى المجانب للقصد ... وفى فلك الاجبال فَوق مقطم
زبرجد املاك الورى سَاعَة الحشد ... وفى الْحرَّة معادن
لَهُنَّ مغارات يتحبس بِالنَّقْدِ ... من الذَّهَب الإبريز وَالْفِضَّة الَّتِي
تروق وتغنى ذَا القناعة والزهد ... وكل فلذ من نُحَاس وآنك
وَمن زنبق حى ونوشادر سندى ... وفيهَا روانيخ وشب ومرتب
ومزمر قشا غير كاب وَلَا مكدى ...
стр. 40
وفيهَا ضروب القار والزفت والمها
وأصناف كبريت مطاولة الوقد ... وَمن أثمد جوز وكلس وَفِضة
وَمن توتيا فِي معاربها هندى ... وكل يَوَاقِيت الانام وحليها
من الارض والاحجار فاخرة الْمجد ... وفيهَا مقَام الْحل والركن والصفا
ومستلم الْحجَّاج من جنه الْخلد ... مفاخر للطين الذى كَانَ أصلنَا
وَنحن بنوه غير شكّ وَلَا جحد ... فَذَلِك تَدْبِير ونفع وَحِكْمَة
وأوضح برهَان على الْوَاحِد الْفَرد ... فيا بن حَلِيف الشؤم واللؤم والعمى
وابعد خلق الله من طرق الرشد ... اتهجو أَبَا بكر وتخلع بعده
عليا وتعزو كل ذَاك الى برد ...
следующие страницы →