Полный текст (708 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
قَالَ الإِمَام أَبُو مُحَمَّد عَليّ بن أَحْمد بن حزم ﵁
الْحَمد لله كثيرا وَصلى الله على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله خَاتم أنبيائه بكرَة وَأَصِيلا أما بعد فَإِن كثيرا من النَّاس كتبُوا فِي افْتِرَاق النَّاس فِي دياناتهم ومقالاتهم كتبا كَثِيرَة جدا فبعض أَطَالَ وأسهب وَأكْثر وهجر وَاسْتعْمل الأغاليط والشغب فَكَانَ ذَلِك شاغلاً عَن الْفَهم قَاطعا دون الْعلم وَبَعض أحذف وَقصر وقلل وَاخْتصرَ وَاضْرِبْ عَن كثير من قوي معارضات أَصْحَاب المقالات فَكَانَ فِي ذَلِك غير منصف لنَفسِهِ فِي أَن يرضى لَهَا بِالْغبنِ فِي الْإِبَانَة وظالماً لخصمه فِي أَن لم يوفه حق اعتراضه وباخساً حق من قَرَأَ كِتَابه إِذا لم يغنه عَن غَيره وَكلهمْ إِلَّا نحلة الْقسم عقد كَلَامه تعقيداً يتَعَذَّر فهمه على كثير من أهل الْفَهم وَحلق على الْمعَانِي من بعد حَتَّى صَار ينسي آخر كَلَامه أَوله وَأكْثر هَذَا مِنْهُم ستائر دون فَسَاد معانيهم فَكَانَ هَذَا مِنْهُم غير مَحْمُود فِي عاجله وآجله
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فجمعنا كتَابنَا هَذَا مَعَ استخارتنا الله فِي جمعه وقصدنا بِهِ قصد إِيرَاد الْبَرَاهِين المنتجة عَن الْمُقدمَات الحسية أَو الراجعة إِلَى الْحس من قرب أَو من بعد على حسب قيام الْبَرَاهِين الَّتِي لَا تخون أصلا مخرجها إِلَى مَا أخرجت لَهُ وَألا يَصح مِنْهُ إِلَّا مَا صححت الْبَرَاهِين الْمَذْكُورَة فَقَط إِذْ لَيْسَ الْحق إِلَّا ذَلِك وبالغنا فِي بَيَان اللَّفْظ وَترك التعقيد راجين من الله تَعَالَى على ذَلِك الْأجر الجزيل وَهُوَ تَعَالَى ولي من تولاه ومعطي من استعطاه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق رُؤْس الْفرق الْمُخَالفَة الدّين الْإِسْلَام سِتّ ثمَّ تتفرق كل فرقة من هَذِه الْفرق السِّت على فرق وسأذكر جماهيرها إِن شَاءَ الله فَالْفرق السِّت الَّتِي ذَكرنَاهَا على مراتبها فِي الْبعد عَنَّا أَولهَا مبطلوا الْحَقَائِق وهم الَّذين يسميهم المتكلمون السوفسطائية ثمَّ الْقَائِلُونَ بِإِثْبَات الْحَقَائِق إِلَّا أَنهم قَالُوا إِن الْعَالم لم يزل وَأَنه
стр. 2
لَا مُحدث لَهُ وَلَا مُدبر ثمَّ الْقَائِلُونَ بِإِثْبَات الْحَقَائِق وَإِن الْعَالم لم يزل وَإِن لَهُ مُدبرا لم يزل ثمَّ الْقَائِلُونَ بِإِثْبَات الْحَقَائِق فبعضهم قَالَ إِن الْعَالم لم يزل وَبَعْضهمْ قَالَ هُوَ مُحدث وَاتَّفَقُوا على أَن لَهُ مُدبرين لم يزَالُوا وَأَنَّهُمْ أَكثر من وَاحِد وَاخْتلفُوا فِي عَددهمْ ثمَّ الْقَائِلين بِإِثْبَات الْحَقَائِق وَإِن الْعَالم مُحدث وَأَن لَهُ خَالِقًا وَاحِدًا لم يزل وأبطلوا النبوات كلهَا ثمَّ الْقَائِلُونَ بِإِثْبَات الْحَقَائِق وَأَن الْعَالم مُحدث وَأَن لَهُ خَالِقًا وَاحِدًا لم يزل وأثبتوا النبوات إِلَّا أَنَّهَا خالفوا فِي بَعْضهَا فأقروا بِبَعْض الْأَنْبِيَاء ﵈ وأنكروا بَعضهم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَقد تحدث فِي خلال هَذِه الْأَقْوَال آراء هِيَ منتجة من هَذِه الرؤوس مركبة مِنْهَا فَمِنْهَا مَا قد قَالَت بِهِ طوائف من النَّاس مثل مَا ذهبت إِلَيْهِ فرق من الْأُمَم من القَوْل بتناسخ الْأَرْوَاح أَو القَوْل بتواتر النبوات فِي كل وَقت أَو إِن فِي كل نوع من أَنْوَاع الْحَيَوَان أَنْبيَاء وَمثل مَا قد ذهب إِلَيْهِ جمَاعَة الْقَائِلين بِهِ وناظرتهم عَلَيْهِ من القَوْل بِأَن الْعَالم مُحدث وَإِن لَهُ مُدبرا لم يزل إِلَّا أَن النَّفس وَالْمَكَان الْمُطلق وَهُوَ الْخَلَاء وَالزَّمَان الْمُطلق لم يزل مَعَه
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا قَول قد ناظرني عَلَيْهِ عبد الله بن خلف ابْن مَرْوَان الْأنْصَارِيّ وَعبد الله بن مُحَمَّد السّلمِيّ الْكَاتِب وَمُحَمّد بن عَليّ بن أبي الْحُسَيْن الأصبحي الطَّبِيب وَهُوَ قَول يُؤثر عَن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ الطَّبِيب وَلنَا عَلَيْهِ فِيهِ كتاب مُفْرد فِي نقض كِتَابه فِي ذَلِك وَهُوَ الْمَعْرُوف بِالْعلمِ الإلهي وَمثل مَا ذهب إِلَيْهِ قوم من أَن الْفلك لم يزل وَأَنه غير الله تَعَالَى وَأَنه هُوَ الْمُدبر للْعَالم الْفَاعِل لَهُ إجلالاً بزعمهم لله عَن أَن يُوصف بِأَنَّهُ فعل شَيْئا من الْأَشْيَاء وَقد كنى بَعضهم عَن ذَلِك بالعرش
وَمِنْهَا مَا لَا نعلم أَن أحدا قَالَ بِهِ إِلَّا أَنه مِمَّا لَا يُؤمن أَن يَقُول بِهِ قَائِل من الْمُخَالفين عِنْد تضييق الْحجَج عَلَيْهِم فليجئون إِلَيْهَا فَلَا بُد إِن شَاءَ الله تَعَالَى من ذكر مَا يَقْتَضِيهِ مساق الْكَلَام مِنْهَا وَذَلِكَ مثل القَوْل بِأَن الْعَالم مُحدث وَلَا مُحدث لَهُ فَلَا بُد بحول الله تَعَالَى من إِثْبَات الْمُحدث بعد الْكَلَام فِي إِثْبَات الْحُدُوث وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق والعون لَا إِلَه إِلَّا هُوَ
بَاب مُخْتَصر جَامع فِي مَاهِيَّة الْبَرَاهِين الجامعة الموصلة إِلَى معرفَة الْحق فِي كل مَا اخْتلف فِيهِ النَّاس وَكَيْفِيَّة إِقَامَتهَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذَا بَاب قد أحكماه فِي كتَابنَا الموسوم
стр. 3
بالتقريب فِي حُدُود الْكَلَام وتقصيناه هُنَالك غَايَة التَّقَصِّي وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين إِلَّا أننا نذْكر هَاهُنَا جملَة كَافِيَة فِيهِ لتَكون مُقَدّمَة لما يَأْتِي بعده مِمَّا اخْتلف النَّاس فِيهِ يرجع إِلَيْهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
إِن الْإِنْسَان يخرج إِلَى هَذَا الْعَالم وَنَفسه قد ذهب ذكرهَا جملَة فِي قَول من يَقُول أَنَّهَا كَانَت قبل ذَلِك ذاكرة أَولا ذكر لَهَا الْبَتَّةَ فِي قَول من يَقُول أَنَّهَا حدثت حِينَئِذٍ أَو أَنَّهَا مزاج عرض إِلَّا أَنه قد حصل أَنه لَا ذكر للطفل حِين وِلَادَته وَلَا تَمْيِيز إِلَّا مَا لسَائِر الْحَيَوَان من الْحس وَالْحَرَكَة الإرادية فَقَط فتراه يقبض رجلَيْهِ ويمدها ويغلب أعضاءه حسب طاقته ويألم إِذا أحس الْبرد أَو الْحر أَو الْجُوع وَإِذا ضرب أَو قرص وَله سوى ذَلِك مِمَّا يُشَارِكهُ فِيهِ الْحَيَوَان والنوامي مِمَّا لَيْسَ حَيَوَانا من طلب الْغذَاء لبَقَاء جِسْمه على مَا هُوَ عَلَيْهِ ولنمائه فَيَأْخُذ الثدي ويميزه بطبعه من سَائِر الْأَعْضَاء بفمه دون سَائِر أَعْضَائِهِ كَمَا تَأْخُذ عروق الشّجر والنبات رطوبات الأَرْض وَالْمَاء لبَقَاء أجسامها على مَا هِيَ عَلَيْهِ ولنمائها
فَإِذا قويت النَّفس على قَول من يَقُول أَنَّهَا مزاج أَو أَنَّهَا حدثت حِينَئِذٍ أَو أخذت يعاودها ذكرهَا وتمييزها فِي قَول من يَقُول أَنَّهَا كَانَت ذاكرة قبل ذَلِك وَأَنَّهَا كالمفيق من مرض فَأول مَا يحدث لَهَا من التَّمْيِيز الَّذِي ينْفَرد بِهِ النَّاطِق من الْحَيَوَان فهم مَا أدْركْت بحواسها الْخمس كعلمها أَن الرَّائِحَة الطّيبَة مَقْبُولَة من طبعها والرائحة الرَّديئَة منافرة لطبعها وكعلمها أَن الْأَحْمَر مُخَالف للأخضر والأصفر والأبيض وَالْأسود
وكالفرق بَين الخشن والأملس والمكتنز والمتهيل واللزج والحار والبارد والدفيء وكالفرق بَين الحلو والحامض والمر والمالح والعفص والزاعق والتفه والعذب والحريف وكالفرق بَين الصَّوْت الحاد والغليظ وَالرَّقِيق والمطرب والمفزع
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَذِهِ إدراكات الْحَواس لمحسوساتها والإدراك السَّادِس علمهَا بالبديهيات
فَمن ذَلِك علمهَا بِأَن الْجُزْء أقل من الْكل فَإِن الصَّبِي الصَّغِير فِي أول تَمْيِيزه إِذا أَعْطيته تمرتين بَكَى وَإِذا زِدْته ثَالِثَة سر وَهَذَا علم مِنْهُ بِأَن الْكل
стр. 4
أَكثر من الْجُزْء وَإِن كَانَ لَا يتَنَبَّه لتحديد مَا يعرف من ذَلِك وَمن ذَلِك علمه بِأَن لَا يجْتَمع المتضادان فَإنَّك إِذا وقفته قسراً بَكَى وَنزع إِلَى الْقعُود علما مِنْهُ بِأَنَّهُ لَا يكون قَائِما قَاعِدا مَعًا
وَمن ذَلِك علمه بِأَن لَا يكون جسم وَاحِد فِي مكانين فَإِنَّهُ إِذا أَرَادَ الذّهاب إِلَى مَكَان مَا فأمسكته قسراً بَكَى وَقَالَ كلَاما مَعْنَاهُ دَعْنِي أذهب علما مِنْهُ بِأَنَّهُ لَا يكون فِي الْمَكَان الَّذِي يُرِيد أَن يذهب إِلَيْهِ مَا دَامَ فِي مَكَان وَاحِد
وَمن ذَلِك علمه بِأَنَّهُ لَا يكون الجسمان فِي مَكَان وَاحِد فَإنَّك ترَاهُ يُنَازع على الْمَكَان الَّذِي يُرِيد أَن يقْعد فِيهِ علما مِنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَسعهُ ذَلِك الْمَكَان مَعَ مَا فِيهِ فَيدْفَع من فِي ذَلِك الْمَكَان الَّذِي يُرِيد أَن يقْعد فِيهِ إِذا يعلم أَنه مَا دَامَ فِي الْمَكَان مَا يشْغلهُ فَإِنَّهُ لَا يَسعهُ وَهُوَ فِيهِ
وَإِذا قلت لَهُ ناولني مَا فِي هَذَا الْحَائِط وَكَانَ لَا يُدْرِكهُ قَالَ لست أدْركهُ وَهَذَا علم مِنْهُ بِأَن الطَّوِيل زَائِد على مِقْدَار مَا هُوَ أقصر مِنْهُ وتراه يمشي إِلَى الشَّيْء الَّذِي يُرِيد ليصل إِلَيْهِ وَهَذَا علم مِنْهُ بِأَن ذَا النِّهَايَة يحصر وَيقطع بالعدو وَإِن لم يحسن الْعبارَة بتحديد مَا يدْرِي من ذَلِك
وَمِنْهَا علمه بِأَنَّهُ لَا يعلم الْغَيْب أحد وَذَلِكَ أَنَّك إِذا سَأَلته عَن شيءٍ لَا يعرفهُ أنكر ذَلِك وَقَالَ لَا أَدْرِي
وَمِنْهَا فرقة بَين الْحق وَالْبَاطِل فَإِنَّهُ إِذا أخبر بِخَير تَجدهُ فِي بعض الْأَوْقَات لَا يصدقهُ حَتَّى إِذا تظاهر عِنْده بمخبر آخر وَآخر صدقه وَسكن إِلَى ذَلِك
وَمِنْهَا علمه بِأَنَّهُ لَا يكون شيءٌ إِلَّا فِي زمَان فَإنَّك إِذا ذكرت لَهُ أمرا مَا قَالَ مَتى كَانَ وَإِذا قلت لَهُ لم تفعل كَذَا وَكَذَا قَالَ مَا كنت أَفعلهُ وَهَذَا علم مِنْهُ بِأَنَّهُ لَا يكون شَيْء مِمَّا فِي الْعَالم إِلَّا فِي زمَان
وَيعرف أَن للأشياء طبائع وماهية تقف عِنْدهَا وَلَا تجاوزها فتراه إِذا رأى شَيْئا لَا يعرفهُ قَالَ أَي شَيْء هَذَا فَإِذا شرح لَهُ سكت وَمِنْهَا علمه بِأَنَّهُ لَا يكون فعل إِلَّا لفاعل فَإِنَّهُ إِذا رأى شَيْئا قَالَ من عمل هَذَا وَلَا يقنع الْبَتَّةَ بِأَنَّهُ الْعَمَل دون عَامل وَإِذا رأى بيد آخر شَيْئا قَالَ من أَعْطَاك هَذَا وَمِنْهَا مَعْرفَته بِأَن فِي الْخَبَر صدقا وكذباً فتراه يكذب بعض مَا يخبر بِهِ وَيصدق بعضه ويتوقف فِي بعضه هَذَا كُله مشَاهد من جَمِيع النَّاس فِي مبدأ نشأتهم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَذِهِ أَوَائِل الْعقل الَّتِي لَا يخْتَلف فِيهَا ذُو عقل وَهَا هُنَا أَيْضا أَشْيَاء غير مَا ذكرنَا إِذا فتشت وجدت وميزها كل ذِي عقل من نَفسه وَمن غَيره وَلَيْسَ يدْرِي أحد كَيفَ وَقع الْعلم بِهَذِهِ الْأَشْيَاء كلهَا بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَا يشك ذُو تَمْيِيز صَحِيح فِي أَن هَذِه الْأَشْيَاء كلهَا صَحِيحَة لَا امتراء فِيهَا وَإِنَّمَا يشك فِيهَا بعد صِحَة علمه بهَا من دخلت عقله آفَة وَفَسَد تَمْيِيزه أَو مَال إِلَى بعض الآراء الْفَاسِدَة فَكَانَ ذَلِك أَيْضا آفَة دخلت على تَمْيِيزه
كالآفة الدَّاخِلَة على من بِهِ هيجان الصَّفْرَاء فيجد الْعَسَل مرا
وَمن فِي
стр. 5
عينه ابْتِدَاء نزُول المَاء فَيرى خيالات لَا حَقِيقَة لَهَا وكسائر الْآفَات الدَّاخِلَة على الْحَواس قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَذِهِ الْمُقدمَات الَّتِي ذَكرنَاهَا هِيَ الصَّحِيحَة الَّتِي لَا شكّ فِيهَا وَلَا سَبِيل إِلَى أَن يطْلب عَلَيْهَا دَلِيلا إِلَّا مَجْنُون أَو جَاهِل لَا يعلم حقائق الْأَشْيَاء وَمن الطِّفْل أهْدى مِنْهُ وَهَذَا أَمر يَسْتَوِي فِي الْإِقْرَار بِهِ كبار جَمِيع بني آدم وصغارهم فِي أقطار الأَرْض إِلَّا من غالط حسه وكابر عقله فيحلق بالمجانين لِأَن الِاسْتِدْلَال على الشَّيْء لَا يكون إِلَّا فِي زمَان وَلَا بُد ضَرُورَة أَن يعلم ذَلِك بِأول الْعقل لِأَنَّهُ قد علم بضرورة الْعقل أَنه لَا يكون شَيْء مِمَّا فِي الْعَالم إِلَّا فِي وَقت وَلَيْسَ بَين أول أَوْقَات تَمْيِيز النَّفس فِي هَذَا الْعَالم وَبَين إِدْرَاكهَا لكل مَا ذكرنَا مهلة الْبَتَّةَ لَا دقيقة وَلَا جليلة وَلَا سَبِيل على ذَلِك فصح أَنَّهَا ضرورات أوقعهَا الله فِي النَّفس وَلَا سَبِيل إِلَى الِاسْتِدْلَال الْبَتَّةَ إِلَّا من هَذِه الْمُقدمَات وَلَا يَصح شَيْء إِلَّا بِالرَّدِّ إِلَيْهَا فَمَا شهِدت لَهُ مُقَدّمَة من هَذِه الْمُقدمَات بِالصِّحَّةِ فَهُوَ صَحِيح مُتَيَقن وَمَا لم تشهد لَهُ بِالصِّحَّةِ فَهُوَ بَاطِل سَاقِط إِلَّا أَن الرُّجُوع إِلَيْهَا قد يكون من قرب وَمن بعد فَمَا كَانَ من قرب فَهُوَ أظهر إِلَى كل نفس وَأمكن للفهم وَكلما بَعدت الْمُقدمَات الْمَذْكُورَة صَعب الْعَمَل فِي الِاسْتِدْلَال حَتَّى يَقع فِي ذَلِك الْغَلَط إِلَّا للفهم الْقوي الْفَهم والتمييز وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يقْدَح فِي أَن مَا رَجَعَ إِلَى مُقَدّمَة من الْمُقدمَات الَّتِي ذكرنَا حق كَمَا أَن تِلْكَ الْمُقدمَة حق لَا فرق بَينهمَا فِي أَنَّهُمَا حق وَهَذَا مثل الْأَعْدَاد فَكلما قلت الْأَعْدَاد سهل جمعهَا وَلم يَقع فِيهَا غلط حَتَّى إِذا كثرت الْأَعْدَاد وَكثر الْعَمَل فِي جمعهَا صَعب ذَلِك حَتَّى يَقع فِيهَا الْغَلَط إِلَّا مَعَ الحاسب الْكَافِي الْمجِيد وَكلما قرب من ذَلِك وَبعد فَهُوَ كُله حق وَلَا تفاضل فِي شَيْء من ذَلِك وَلَا تعَارض مُقَدّمَة مِمَّا ذكرنَا مُقَدّمَة أُخْرَى مِنْهَا وَلَا يُعَارض مَا يرجع إِلَى مُقَدّمَة أُخْرَى مِنْهَا رُجُوعا صَحِيحا وَهَذَا كُله يعلم بِالضَّرُورَةِ وَمن علم النَّفس بِأَن علم الْغَيْب لَا يُعَارض صَحَّ ضَرُورَة أَنه لَا يُمكن أَن يَحْكِي أحد خَبرا كَاذِبًا طَويلا فَيَأْتِي من لم يسمعهُ فيحكي ذَلِك الْخَبَر بِعَيْنِه كَمَا هُوَ لَا يزِيد فِيهِ وَلَا ينقص إِذْ لَو أمكن ذَلِك لَكَانَ الحاكي لمثل ذَلِك الْخَبَر عَالما بِالْغَيْبِ لِأَن هَذَا هُوَ علم الْغَيْب نَفسه وَهُوَ الْإِخْبَار عَمَّا لَا يعلم الْمخبر عَنهُ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ كَذَلِك بِلَا شكّ فَكل مَا نَقله من الْأَخْبَار اثْنَان فَصَاعِدا مفترقان قد أيقنا أَنَّهُمَا لم يجتمعا وَلَا تشاعرا فَلم يختلفا فِيهِ فبالضرورة يعلم أَنه حق مُتَيَقن مَقْطُوع بِهِ على غيبه وَبِهَذَا علمنَا صِحَة موت من مَاتَ وولادة من ولد وعزل من عزل وَولَايَة من ولى وَمرض من مرض وافاقة من أَفَاق ونكبة من نكب والبلاد الغائبة عَنَّا والوقائع
стр. 6
والملوك والأنبياء ﵈ ودياناتهم وَالْعُلَمَاء وأقوالهم والفلاسفة وحكمهم لَا شكّ عِنْد أحد يُوفي عقله حَقه فِي شَيْء مِمَّا نقل من ذَلِك كَمَا ذكرنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
بَاب الْكَلَام على أهل الْقسم الأول وهم مبطلوا الْحَقَائِق وهم السوفسطائية
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذكر من سلف من الْمُتَكَلِّمين أَنهم ثَلَاثَة أَصْنَاف فصنف مِنْهُم نفى الْحَقَائِق جملَة وصنف مِنْهُم شكوا فِيهَا وصنف مِنْهُم قَالُوا هِيَ حق عِنْد من هِيَ عِنْده حق وَهِي بَاطِل عِنْد من هِيَ عِنْده بَاطِل وعمدة مَا ذكر من اعتراضهم فَهُوَ اخْتِلَاف الْحَواس فِي المحسوسات كإدراك المبصر من بعدٍ عَنهُ صَغِيرا وَمن قربٍ مِنْهُ كَبِيرا وكوجود من بِهِ حمى صفراء حُلْو المطاعم مرا وَمَا يرى فِي الرُّؤْيَا مِمَّا لَا شكّ فِيهِ رائيه أَنه حق من أَنه فِي الْبِلَاد الْبَعِيدَة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكل هَذَا لَا معنى لَهُ لِأَن الْخطاب وتعاطي الْمعرفَة إِنَّمَا يكون مَعَ أهل الْمعرفَة وحس الْعقل شَاهد بِالْفرقِ بَين مَا يخيل إِلَى النَّائِم وَبَين مَا يُدْرِكهُ المستيقظ إِذْ لَيْسَ فِي الرُّؤْيَا من اسْتِعْمَال الجري على الْحُدُود المستقرة فِي الْأَشْيَاء الْمَعْرُوفَة وَكَونهَا ابداً على صفة وَاحِدَة مَا فِي الْيَقَظَة وَكَذَلِكَ يشْهد الْحس أَيْضا بِأَن تبدل المحسوس عَن صفته اللازمه لَهُ بحث الْحس إِنَّمَا هُوَ لآفة فِي حس الحاس لَهُ لَا فِي المحسوس جَار كل ذَلِك على رُتْبَة وَاحِدَة لَا تتحول وَهَذِه هِيَ الْبِدَايَة والمشاهدات الَّتِي لَا يجوز أَن يطْلب عَلَيْهَا برهَان إِذْ لَو طلب على كل برهَان برهَان لاقتضى ذَلِك وجود موجودات لَا نِهَايَة لَهَا وَوُجُود أَشْيَاء لَا نِهَايَة لَهَا محَال لَا سَبِيل إِلَيْهِ على مَا سنبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالَّذِي يطْلب على الْبُرْهَان برهاناً فَهُوَ نَاطِق بالمحال لِأَنَّهُ لَا يفعل ذَلِك إِلَّا وَهُوَ مُثبت لبرهان مَا فَإِذا وقفنا عِنْد الْبُرْهَان الَّذِي ثَبت لزمَه الإذعان لَهُ فَإِن كَانَ لَا يثبت برهاناً فَلَا وَجه لطلبه مَا لَا يُثبتهُ لَو وجده وَالْقَوْل بِنَفْي الْحَقَائِق مُكَابَرَة لِلْعَقْلِ والحس وَيَكْفِي من الرَّد عَلَيْهِم أَن يُقَال لَهُم قَوْلكُم أَنه لَا حَقِيقَة للأشياء حق هُوَ أم بَاطِل فَإِن قَالُوا هُوَ حق أثبتوا حَقِيقَة مَا وَإِن قَالُوا لَيْسَ هُوَ حَقًا أقرُّوا بِبُطْلَان قَوْلهم وَكفوا خصمهم أَمرهم وَيُقَال للشكاك مِنْهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أشككم مَوْجُود صَحِيح مِنْكُم أم غير صَحِيح وَلَا مَوْجُود فَإِن قَالُوا هُوَ مَوْجُود صَحِيح منا أثبتوا أَيْضا حَقِيقَة مَا وَإِن قَالُوا غير مَوْجُود نفوا الشَّك وأبطلوه وَفِي إبِْطَال الشَّك إِثْبَات الْحَقَائِق أَو الْقطع على إِبْطَالهَا وَقد قدمنَا بعون الله تَعَالَى إبِْطَال قَول من أبطلها فَلم يبْقى إِلَّا الْإِثْبَات
وَيُقَال وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق لمن قَالَ هِيَ حق عِنْد من هِيَ عِنْده حق وَهِي
стр. 7
بَاطِل عِنْد من هِيَ عِنْده بَاطِل أَن الشَّيْء لَا يكون حَقًا باعتقاد من اعْتقد أَنه حق كَمَا أَنه لَا يبطل باعتقاد من اعْتقد أَنه بَاطِل وَإِنَّمَا يكون الشَّيْء حَقًا بِكَوْنِهِ مَوْجُودا ثَابتا سَوَاء اعْتقد أَنه حق أَو اعْتقد أَنه بَاطِل وَلَو كَانَ غير هَذَا لَكَانَ الشَّيْء مَعْدُوما مَوْجُودا فِي حَال وَاحِدَة فِي ذَاته وَهَذَا عين الْمحَال وَإِذا أقرُّوا بِأَن الْأَشْيَاء حق عِنْد من هِيَ عِنْده حق فَمن جملَة تِلْكَ الْأَشْيَاء الَّتِي تعتقد أَنَّهَا حق عِنْد من يعْتَقد أَن الْأَشْيَاء حق بطلَان قَول من قَالَ أَن الْحَقَائِق بَاطِل وَهُوَ هم قد أقرُّوا أَن الْأَشْيَاء حق عِنْد من هِيَ عِنْده حق وَبطلَان قَوْلهم من جملَة تِلْكَ الْأَشْيَاء فقد أقرُّوا بِأَن بطلَان قَوْلهم حق مَعَ أَن هَذِه الْأَقْوَال لَا سَبِيل إِلَى أَن يعتقدها ذُو عقل الْبَتَّةَ إِذْ حسه يشْهد بِخِلَافِهَا وَإِنَّمَا يُمكن أَن يلجأ إِلَيْهَا بعض المنقطعين على سَبِيل الشغب وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
بَاب الْكَلَام على من قَالَ بِأَن الْعَالم لم يزل وَأَنه لَا مُدبر لَهُ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ لَا يَخْلُو الْعَالم من أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَن يكون لم يزل أَو أَن يكون مُحدثا لم يكن ثمَّ كَانَ فَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَنه لم يزل وهم الدهرية وَذهب سَائِر النَّاس إِلَى أَنه مُحدث فنبتدئ بحول الله تَعَالَى وقوته بإيراد كل حجَّة شغب بهَا الْقَائِلُونَ بِأَن الْعَالم لم يزل وتوفية اعتراضهم بهَا ثمَّ نبين بحوله تَعَالَى نقضهَا وفسادها فَإِذا بَطل القَوْل بِأَن الْعَالم لم يزل وَجب القَوْل بالحدوث وَصَحَّ إِذْ لَا سَبِيل إِلَى وَجه ثَالِث لَكنا لَا نقنع بذلك حَتَّى نأتي بالبراهين الظَّاهِرَة والنتائج الْمُوجبَة والقضايا الضرورية على إِثْبَات حُدُوث الْعَالم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
فَمَا اعْترضُوا بِهِ أَن قَالُوا لم نر شَيْئا حدث إِلَّا من شَيْء أَو فِي شَيْء فَمن ادّعى غير ذَلِك فقد ادّعى مَا لَا يُشَاهد وَلم يُشَاهد وَقَالُوا أَيْضا لَا يَخْلُو مُحدث الْأَجْسَام الْجَوَاهِر والأعراض وَهِي كل مَا فِي الْعَالم إِن كَانَ الْعَالم مُحدثا من أَن يكون أحدثه لِأَنَّهُ أَو إحداثه لعِلَّة
فَإِن كَانَ لِأَنَّهُ فالعالم لم يزل لِأَن محدثه لم يزل وَإِذ هُوَ عِلّة خلقه فالعلة لَا تفارق الْمَعْلُول وَمَا لم يُفَارق من لم يزل فَهُوَ أَيْضا لم يزل هُوَ مثله بِلَا شكّ فالعالم لم يزل وَإِن كَانَ أحدثه لعِلَّة فَتلك الْعلَّة لَا تَخْلُو من أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَن تكون لم تزل وَإِمَّا أَن تكون محدثة فَإِن كَانَت لم تزل فمعلولها لم يزل فالعالم لم يزل
стр. 8
وَإِن كَانَت تِلْكَ الْعلَّة محدثة لزم فِي حدوثها مَا لزم فِي حُدُوث سَائِر الْأَشْيَاء من أَنه أحدثها لِأَنَّهُ أَو لعِلَّة فَإِن كَانَ لعِلَّة لزم ذَلِك أَيْضا فِي عِلّة الْعلَّة وَهَكَذَا أبدا وَهَذَا يُوجب وجود محدثات لَا أَوَائِل لَهَا قَالُوا وَهَذَا قَوْلنَا قَالُوا وَإِن كَانَ أحدثها لِأَنَّهُ فَهَذَا يُوجب أَن الْعلَّة لم تزل كَمَا بَينا آنِفا وَقَالُوا أَيْضا إِن كَانَ للأجسام مُحدث لم يخل من أحد ثَلَاثَة أوجه إِمَّا أَن يكون مثلهَا من جَمِيع الْوُجُوه لزم وَإِمَّا أَن يكون خلَافهَا من دميع الْوُجُود وَإِمَّا أَن يكون مثلهَا من بعض الْوُجُوه وخلافها من بعض الْوُجُوه قَالُوا فَلَنْ كَانَ مثلهَا من جَمِيع الْوُجُوه لزم أَن يكون مُحدثا مثلهَا وَهَكَذَا فِي محدثة أَيْضا ابداً وَإِن كَانَ مثلهَا فِي بعض الْوُجُوه لزمَه أَيْضا من مماثلتها فِي ذَلِك الْبَعْض مَا يلْزمه من مماثلته لَهَا فِي جَمِيع الْوُجُوه من الْحُدُوث إِذْ الْحُدُوث اللَّازِم للْبَعْض كازومه للْكُلّ وَلَا فرق وَإِن كَانَ خلَافهَا من جَمِيع الْوُجُوه فمحال أَن يَفْعَلهَا لِأَن هَذَا هُوَ حَقِيقَة الضِّدّ والمناقض إِذْ لَا سَبِيل إِلَى أَن يفعل الشَّيْء خِلَافه من جَمِيع الْوُجُوه كَمَا لَا تفعل النَّار التبريد وَقَالُوا أَيْضا لَا يَخْلُو إِن كَانَ للْعَالم فَاعل من أَن يكون فعله لإحراز مَنْفَعَة أَو لدفع مضرَّة أَو طباعاً أَو لَا لشَيْء من ذَلِك قَالُوا فَإِن كَانَ فعله لإحراز مَنْفَعَة أَو لدفع مضرَّة فَهُوَ مَحل للمنافع والمضار وَهَذِه صفة المحدثات عنْدكُمْ فَهُوَ مُحدث مثلهَا قَالُوا وَإِن كَانَ فعله طباعاً فالطباع مُوجبَة لما حدث بهَا فَفعله لم يزل مَعَه قَالُوا وَإِن كَانَ فعله لَا لشَيْء من ذَلِك فَهَذَا لَا يعقل وَمَا خرج عَن الْمَعْقُول فمحال وَقَالُوا أَيْضا لَو كَانَت الْأَجْسَام محدثة لَكَانَ محدثها قبل أَن يحدثها فَاعِلا لتركها قَالُوا وَتركهَا لَا يَخْلُو من أَن يكو جسما أَو عرضا وَهَذَا يُوجب أَن الْأَجْسَام والأعراض لم تزل مَوْجُودَة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فَهَذِهِ المشاغب الْخمس هِيَ كل مَا عول عَلَيْهِ الْقَائِلُونَ بالدهر قد تقصيناها لَهُم وَنحن إِن شَاءَ الله نبدأ بحول الله وقوته فِي مناظرتهم فننقضها وَاحِدًا وَاحِدًا
إِفْسَاد الِاعْتِرَاض الأول قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ يُقَال وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق والعون لمن قَالَ لم نر شَيْئا حدث إِلَّا من شَيْء أَو فِي شَيْء هَل تدْرك حَقِيقَة شَيْء عنْدكُمْ من غير طَرِيق الرُّؤْيَة والمشاهدة أَو لَا يدْرك شَيْء من الْحَقَائِق إِلَّا من طَرِيق الرُّؤْيَة فَقَط فَإِن قَالُوا إِنَّه قد تدْرك الْحَقَائِق من غير طَرِيق الرُّؤْيَة والمشاهدة تركُوا استدلالهم وأفسدوه إِذْ قد أوجبوا وجود أَشْيَاء من غير طَرِيق الرُّؤْيَة والمشاهدة وَقد نفوا ذَلِك قبل هَذَا فَإِذا صَارُوا إِلَى الِاسْتِدْلَال نُوظِرُوا فِي ذَلِك إِلَّا أَن دليلهم هَذَا على كل حَال قد بَطل بِحَمْد الله تَعَالَى فَإِن قَالُوا لَا بل لَا يدْرك شَيْء إِلَّا من طَرِيق الْمُشَاهدَة قيل لَهُم فَهَل شاهدتم شَيْئا قطّ لم يزل فَلَا بُد من نعم أَو لَا فَإِن قَالُوا لَا
стр. 9
وَصَدقُوا وأبطلوا استدلالهم وَإِن قَالُوا نعم كابروا وَادعوا مَالا سَبِيل إِلَى مشاهدته إِذْ مُشَاهدَة قَائِل هَذَا القَوْل للأشياء هِيَ ذَات أول بِلَا شكّ وَذُو الأول هُوَ غير الَّذِي لم يزل لِأَن الَّذِي لم يزل هُوَ الَّذِي لَا أول لَهُ وَلَا سَبِيل إِلَى أَن يُشَاهد مَاله أول مَالا أول لَهُ مُشَاهدَة مُتَّصِلَة فَبَطل هَذَا الِاسْتِدْلَال على كل وَجه وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
إِفْسَاد الِاعْتِرَاض الثَّانِي قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَيُقَال لمن قَالَ لَا يَخْلُو من أَن بِفعل لِأَنَّهُ أَو لعِلَّة هَذِه قسْمَة نَاقِصَة وَينْقص مِنْهَا الْقسم الثَّالِث وَهُوَ لِأَنَّهُ فعل لَا لِأَنَّهُ وَلَا لعِلَّة أصلا لَكِن كَمَا شَاءَ لِأَن كلا الْقسمَيْنِ الْمَذْكُورين أَولا وهما أَنه فعل لِأَنَّهُ أَو لعِلَّة قد بطلا بِمَا قدمنَا هُنَالك إِذْ الْعلَّة توجب إِمَّا الْفِعْل أَو التّرْك وَهُوَ تَعَالَى يفعل وَلَا يفعل فصح بذلك أَنه لَا عِلّة لفعله أصلا وَلَا لتَركه الْبَتَّةَ فَبَطل هَذَا الشغب وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
فَإِن قَالُوا إِن ترك الْبَارِي تَعَالَى فِي الْأَزَل فعل مِنْهُ للترك فَفعله الَّذِي هُوَ التّرْك لم يزل قُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن ترك الْبَارِي تَعَالَى الْفِعْل لَيْسَ فعلا أصلا على مَا نبين فِي فَسَاد الِاعْتِرَاض الْخَامِس إِن شَاءَ الله تَعَالَى
إِفْسَاد الِاعْتِرَاض الثَّالِث قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ يُقَال لمن قَالَ لَو كَانَ للأجسام مُحدث لم يخل من أحد ثَلَاثَة أوجه إِمَّا أَن يكون مثلهَا من جَمِيع الْوُجُوه أَو من بعض الْوُجُوه لَا من كلهَا أَو خلَافهَا من جَمِيع الْوُجُوه إِلَى انْقِضَاء كَلَامهم بل هُوَ تَعَالَى خلَافهَا من جَمِيع الْوُجُوه وإدخالكم على هَذَا الْوَجْه أَنه حَقِيقَة الضِّدّ والنقيض والضد لَا يفعل ضِدّه كَمَا لَا تفعل النَّار التبريد إِدْخَال فَاسد لِأَن الْبَارِي تَعَالَى لَا يُوصف بِأَنَّهُ ضد لخلقه لِأَن الضِّدّ هُوَ مَا حمل التضاد والتضاد هُوَ اقتسام الشَّيْئَيْنِ طرفِي الْبعد تَحت جنس وَاحِد فَإِذا وَقع أحد الضدين ارْتَفع الآخر وَهَذَا الْوَصْف بعيد عَن الْبَارِي تَعَالَى وَإِنَّمَا التضاد كالخضرة وَالْبَيَاض اللَّذين يجمعهما اللَّوْن أَو الْفَضِيلَة والرذيلة اللَّتَيْنِ يجمعهما الْكَيْفِيَّة والخلق وَلَا يكون الضدان الأعرضين تَحت جنس وَاحِد وَلَا بُد وكل هَذَا منفي عَن الْخَالِق فَبَطل بِالضَّرُورَةِ أَن يكون ضداً لخلقه
وَأَيْضًا فَإِن قَوْلهم لَو كَانَ خلافًا لخلقه من جَمِيع الْوُجُوه لَكَانَ ضداً لَهُم قَول فَاسد إِذْ لَيْسَ كل خلاف ضداً فالجوهر خلاف الْعرض من كل وَجه حاشا الْحُدُوث فَقَط وَلَيْسَ ضداً لَهُ وَيُقَال أَيْضا لمن قَالَ هَذَا القَوْل هَل تثبت فَاعِلا وفعلاً على وَجه من الْوُجُوه أَو تَنْفِي أَن يُوجد فَاعل وَفعل الْبَتَّةَ فَإِن نفي الْفَاعِل وَالْفِعْل
стр. 10
الْبَتَّةَ كَابر العيان لإنكاره الْمَاشِي والقائم والقاعد والمتحرك والساكن وَمن دفع بِهَذَا كَانَ فِي نِصَاب من لَا يكلم وَإِن أثبت الْفِعْل وَالْفَاعِل فِيمَا بَيْننَا قيل لَهُ هَل بِفعل الْجِسْم إِلَّا الْحَرَكَة والسكون فَلَا بُد من نعم وَالْحَرَكَة والسكون خلاف الْجِسْم وَلَيْسَ ضداً لَهُ إِذْ ليسامعه تَحت جنس وَاحِد أصلا وَإِنَّمَا يجمعها وإياه الْحُدُوث فَقَط فَلَو كَانَ كل خلاف ضداً لَكَانَ الْجِسْم فَاعِلا لضده وَهُوَ الْحَرَكَة أَو السّكُون وَهَذَا هُوَ نفس مَا أبطلوا فصح بِالضَّرُورَةِ أَنه لَيْسَ كل خلاف ضداً وَصَحَّ أَن الْفَاعِل يفعل خِلَافه وَلَا بُد من ذَلِك فَبَطل اعتراضهم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
إِفْسَاد الِاعْتِرَاض الرَّابِع قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَيُقَال لمن قَالَ لَا يَخْلُو من أَن يكون مُحدث الْأَجْسَام أحدثها لإحراز مَنْفَعَة أَو لدفع مضرَّة أَو طباعاً أَو لَا لشَيْء من ذَلِك إِلَى انْقِضَاء كَلَامهم
أما الْفِعْل لإحراز مَنْفَعَة أَو لدفع مضرَّة فَإِنَّمَا يُوصف بِهِ المخلوقون المختارون
وَأما فعل الطباع فَإِنَّمَا يُوصف بِهِ المخلوقون غير المختارين وكل صِفَات المخلوقين فَهِيَ منفية عَن الله تَعَالَى الَّذِي هُوَ الْخَالِق لكل مَا دونه
أما الْقسم الثَّانِي وَهُوَ أَنه فعل لَا لشَيْء من ذَلِك فَهَذَا هُوَ قَوْلنَا ثمَّ نقُول لمن قَالَ إِن الْفِعْل لَا لشَيْء من ذَلِك أَمر غير مَعْقُول مَاذَا تَعْنِي بِقَوْلِك غير مَعْقُول أَتُرِيدُ أَنه لَا يعقل حسا أَو مُشَاهدَة أم تَقول أَنه لَا يعقل اسْتِدْلَالا فَإِن قلت أَنه لَا يعقل حسا ومشاهدة قُلْنَا لَك صدقت كَمَا أَن أزلية الْأَشْيَاء لَا نعقل حسا ومشاهدة وَإِن قلت إِنَّه لَا يعقل اسْتِدْلَالا كَانَ ذَلِك دَعْوَى مِنْك مفتقرة إِلَى دَلِيل وَالدَّعْوَى إِذا كَانَت هَكَذَا فَهِيَ سَاقِطَة فالاستدلال بهَا سَاقِط فَكيف وَالْفِعْل لَا لشَيْء من ذَلِك متوهم مُمكن غير دَاخل فِي الْمُمْتَنع وَمَا كَانَ هَكَذَا فالمانع مِنْهُ مُبْطل وَالْقَوْل بِهِ يعقل فَسقط هَذَا الِاعْتِرَاض ثمَّ نقُول لما كَانَ الْبَارِي تَعَالَى بالبراهين الضرورية خلافًا لجَمِيع خلقه من جَمِيع الْوُجُوه كَانَ فعله خلافًا لجَمِيع أَفعَال خلقه من جَمِيع الْوُجُوه وَجَمِيع خلقه لَا نَفْعل إِلَّا طباعاً أَو لاجتلاب مَنْفَعَة أَو لدفع مضرَّة فَوَجَبَ أَن يكون فعله تَعَالَى بِخِلَاف ذَلِك وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
إِفْسَاد الِاعْتِرَاض الْخَامِس قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَيُقَال لمن قَالَ إِن ترك الْفَاعِل أَن يفعل الْأَجْسَام لَا يَخْلُو من أَن يكون جسماً أَو عرضا إِلَى مُنْتَهى كَلَامهم إِن هَذِه قسْمَة فَاسِدَة بَيِّنَة العوار وَذَلِكَ أَن الْجِسْم هُوَ الطَّوِيل العريض العميق وَترك الْفِعْل لَيْسَ طَويلا وَلَا عريضاً وَلَا عميقاً فَترك الْفِعْل من الله تَعَالَى للجسم وَالْعرض لَيْسَ جسماً وَالْعرض هُوَ الْمَحْمُول
стр. 11
فِي الْجِسْم وَترك فعل الله تَعَالَى للجسم وَالْعرض لَيْسَ مَحْمُولا فَلَيْسَ عرضا فَترك فعل الله تَعَالَى للجسم وَالْعرض لَيْسَ هُوَ جسماً وَلَا عرضا وَإِنَّمَا هُوَ عدم والعدم لَيْسَ معنى وَلَا هُوَ شَيْئا وَترك الله تَعَالَى للْفِعْل لَيْسَ فعلا الْبَتَّةَ بِخِلَاف صفة خلقه لِأَن التّرْك من الْمَخْلُوق للْفِعْل فعل برهَان ذَلِك إِن ترك الْمَخْلُوق للْفِعْل لَا يكون إِلَّا بِفعل آخر مِنْهُ ضَرُورَة كتارك الْحَرَكَة لَا يكون إِلَّا بِفعل السّكُون وتارك الأ كل لَا يكون إِلَّا بِاسْتِعْمَال آلَات الْأكل فِي مقاربة بَعْضهَا بَعْضًا أَو فِي مباعدة بَعْضهَا بَعْضًا وبتعويض الْهَوَاء وَغَيره من الشَّيْء الْمَأْكُول وكتارك الْقيام لَا يكون إِلَّا باشتغاله بِفعل آخر من قعُود أَو غَيره فصح أَن فعل الْبَارِي تَعَالَى بِخِلَاف فعل خلقه وَإِن تَركه للْفِعْل لَيْسَ فعلا أصلا فَبَطل استدلالهم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فَإذْ قد بَطل جَمِيع مَا تعلقوا بِهِ وَلم يبْق لَهُم شغب أصلا بعون الله وتأييده فَنحْن مبتدئون بتأييده فِي إِيرَاد الْبَرَاهِين الضرورية على إِثْبَات حُدُوث الْعَالم بعد أَن لم يكون وَتَحْقِيق أَن لَهُ مُحدثا لم يزل لَا إِلَه إِلَّا هُوَ
برهَان أول قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِن كل شخص فِي الْعَالم وكل عرض فِي شخص وكل زمَان فَكل ذَلِك متناه ذُو أول نشاهد ذَلِك حسا وعياناً لِأَن تناهي الشَّخْص ظَاهر بمساحته بِأول جرمه وَآخره وَأَيْضًا بِزَمَان وجوده وتناهي الْعرض الْمَحْمُول ظَاهر بَين بتناهي الشَّخْص الْحَامِل لَهُ وتناهي الزَّمَان مَوْجُود باستئناف مَا يَأْتِي مِنْهُ بعد الْمَاضِي وفناء كل وَقت بعد وجوده واستئناف آخر يَأْتِي بعده إِذْ كل زمَان فنهايته الْآن وَهُوَ حد الزمانين فَهُوَ نِهَايَة الْمَاضِي وَمَا بعده ابْتِدَاء للمستقبل وَهَكَذَا أبدا يفنى زمَان ويبتدئ آخر وكل جملَة من جمل الزَّمَان فَهِيَ مركبة من أزمنة متناهية ذَات أَوَائِل كَمَا قدمنَا وكل جملَة أشخاص فَهِيَ مركبة من أجزاءٍ متناهية بعددها وَذَوَات أَوَائِل كَمَا قدمنَا وكل مركب من أجزاءٍ متناهية ذَات أَوَائِل فَلَيْسَ هُوَ شَيْئا غير أَجْزَائِهِ إِذْ الْكل لَيْسَ هُوَ شَيْئا غير الْأَجْزَاء الَّتِي ينْحل إِلَيْهَا وأجزاؤه متناهية كَمَا بَينا ذَات أَوَائِل فالجمل كلهَا بِلَا شكّ متناهية ذَات أَوَائِل والعالم كُله إِنَّمَا هُوَ أشخاصه ومكانه وأزمانها ومحمولانها لَيْسَ الْعَالم كُله شَيْئا غير مَا ذَكرْنَاهُ وأشخاصه ومكانه وأزمانها ومحمولانها ذَوَات أَوَائِل كَمَا ذكرنَا فالعالم كُله متناه ذُو أول وَلَا بُد فَإِن كَانَت أجزاؤه كلهَا متناهية ذَات أول بِالْمُشَاهَدَةِ والحس وَكَانَ هُوَ غير ذِي أول وَقد أثبتنا بِالضَّرُورَةِ وَالْعقل والحس أَنه لَيْسَ هُوَ شَيْئا غير
стр. 12
أَجْزَائِهِ فَهُوَ ذُو أول لَا ذُو أول وَهَذَا عين الْمحَال وَيجب من ذَلِك أَيْضا أَن لأجزائه أَوَائِل محسوسة وأجزاؤه لَيست غَيره وَهُوَ غير ذِي أول فأجزاؤه إِذن لَهَا أول لَيْسَ لَهَا أول وَهَذَا محَال وتخليط فصح بِالضَّرُورَةِ أَن للْعَالم أَولا إِذْ كل أَجْزَائِهِ لَهَا أول وَلَيْسَ هُوَ شَيْئا غير أَجْزَائِهِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
برهَان ثَان قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فَنَقُول كل مَوْجُود بِالْفِعْلِ فقد حصره الْعدَد وأحصته طَبِيعَته وَمعنى الطبيعة وَحدهَا هُوَ أَن تَقول الطبيعة هِيَ الْقُوَّة الَّتِي فِي الشَّيْء فتجري بهَا كيفيات ذَلِك الشَّيْء على مَا هِيَ عَلَيْهِ وَإِن أوجزت قلت هِيَ قُوَّة فِي الشَّيْء يُوجد بهَا على مَا هُوَ عَلَيْهِ وَحصر الْعدَد وإحصاء الطبيعة نِهَايَة صَحِيحَة إِذْ مَا لَا نِهَايَة لَهُ فَلَا إحصاء وَلَا حصر لَهُ إِذْ لَيْسَ معنى الْحصْر والإحصاء الأخم مَا بَين طرفِي المحصي المحصور والعالم مَوْجُود بِالْفِعْلِ وكل مَحْصُور بِالْعدَدِ محصي بالطبيعة فَهُوَ ذُو نِهَايَة فالعالم كُله ذُو نِهَايَة وَسَوَاء فِي ذَلِك مَا وجد فِي مُدَّة وَاحِدَة أَو مدد كَثِيرَة إِذْ لَيست تِلْكَ المدد إِلَّا مُدَّة محصاة إِلَى جنب مُدَّة محصاة فَهِيَ مركبة من مدد محصاة وكل مركب من أَشْيَاء فَهُوَ تِلْكَ الْأَشْيَاء الَّتِي ركب مِنْهَا فَهِيَ كلهَا مدد محصاة كَمَا قدمنَا فِي الدَّلِيل الأول فصح من كل ذَلِك أَن مَا لَا نِهَايَة لَهُ فَلَا سَبِيل إِلَى وجوده بِالْفِعْلِ وَمَا لم يُوجد إِلَّا بعد مَا لَا نِهَايَة لَهُ فَلَا سَبِيل إِلَى وجوده أبدا لِأَن وُقُوع البعدية فِيهِ هُوَ وجود نِهَايَة لَهُ وَمَا لَا نِهَايَة لَهُ فَلَا بعد لَهُ فعلى هَذَا لَا يُوجد شيءٌ بعد شيءٍ أَبَد الْأَبَد والأشياء كلهَا مَوْجُودَة بَعْضهَا بعد بعض فالأشياء كلهَا ذَات نِهَايَة وَهَذَانِ الدليلان قد نبه الله تَعَالَى عَلَيْهِمَا وحصرهما بحجته الْبَالِغَة إِذْ يَقُول وكل شيءٍ عِنْده بِمِقْدَار
برهَان ثَالِث قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ مَا لَا نِهَايَة لَهُ فَلَا سَبِيل إِلَى الزِّيَادَة فِيهِ إِذْ معنى الزِّيَادَة إِنَّمَا هُوَ أَن تضيف إِلَى ذِي النِّهَايَة شَيْئا من جنسه يزِيد ذَلِك فِي عدده أَو فِي مساحته فَإِن كَانَ الزَّمَان لَا أول لَهُ يكون بِهِ متناهياً فِي عدده الْآن فَإِذن كل مَا زَاد فِيهِ وَيزِيد مِمَّا يَأْبَى من الْأَزْمِنَة مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يزِيد ذَلِك فِي عدد الزَّمَان شَيْئا وَفِي شَهَادَة الْحس أَن كل مَا وجد من الأعوام على الْأَبَد إِلَى زَمَاننَا هَذَا الَّذِي هُوَ وَقت ولَايَة هِشَام الْمُعْتَمد بِاللَّه هُوَ أَكثر من كل مَا وجد من الأعوام على الْأَبَد إِلَى وَقت هِجْرَة رَسُول الله ﷺ فَإِن لم يكن هَذَا صَحِيحا فَيجب إِذن أَنه إِذا دَار زحل دورة وَاحِدَة فِي كل ثَلَاثِينَ سنة وزحل لم يزل يَدُور دَار الْفلك الْأَكْبَر فِي تِلْكَ الثَّلَاثِينَ سنة إِحْدَى عشرَة ألف دورة غيرَة خمسين دورة والفلك لم يزل يَدُور وَإِحْدَى عشرَة ألف غير خمسين دورة أَكثر من دورة
стр. 13
وَاحِدَة بِلَا شكّ فَإِذن مَا لَا نِهَايَة لَهُ أَكثر مِمَّا لَا نِهَايَة لَهُ بِنَحْوِ إِحْدَى عشرَة ألف مرّة وَهَذَا محَال لما قدمنَا وَلِأَن مَا لَا نِهَايَة لَهُ فَلَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يكون عدد أَكثر مِنْهُ بِوَجْه من الْوُجُوه فَوَجَبت فِي الزَّمَان من قبل ابْتِدَائه ضَرُورَة وَلَا مخلص مِنْهَا
وَيجب أَيْضا من ذَلِك أَن الْحس يُوجب ضَرُورَة أَن أشخاص الْإِنْس مُضَافَة إِلَى أشخاص الْخَيل أَكثر من أشخاص الْإِنْس مُفْردَة عَن أشخاص الْخَيل وَلَو كَانَت الْأَشْخَاص لَا نِهَايَة لَهَا لوَجَبَ أَن مَا لَا نِهَايَة لَهُ أَكثر مِمَّا لَا نِهَايَة لَهُ وَهَذَا محَال مُمْتَنع لَا يتشكل فِي الْعقل وَلَا يُمكن وَأَيْضًا فَلَا شكّ فِي أَن الزَّمَان مذ كَانَ إِلَى وَقت الْهِجْرَة جُزْء للزمان مذ كَانَ إِلَى وقتنا هَذَا وَبلا شكّ أَيْضا فِي أَن الزَّمَان مذ كَانَ إِلَى وقتنا هَذَا كل للزمان مذ كَانَ إِلَى وَقت الْهِجْرَة وَلما بعده إِلَى وقتنا هَذَا فَلَا يَخْلُو الحكم فِي هَذِه الْقَضِيَّة من أحد ثَلَاثَة أوجه لَا رَابِع لَهَا إِمَّا أَن يكون الزَّمَان مذ كَانَ مَوْجُودا إِلَى وقتنا هَذَا أَكثر من الزَّمَان مذ كَانَ إِلَى عصر الْهِجْرَة وَإِمَّا أَن يكون أقل مِنْهُ وَإِمَّا أَن يكون مُسَاوِيا لَهُ فَإِن كَانَ الزَّمَان مذ كَانَ إِلَى وقتنا هَذَا من الزَّمَان مذ كَانَ إِلَى وَقت الْهِجْرَة فَالْكل أقل من الْجُزْء والجزء أَكثر من الْكل وَهَذَا هُوَ الِاخْتِلَاط وَعين الْمحَال إِذْ لَا يخيل على أحد أَن الْكل أَكثر من الْجُزْء وَهَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ ببديهة الْعَمَل وضرورة الْحس وَإِن كَانَ مُسَاوِيا لَهُ فَالْكل مسَاوٍ للجزء وَهَذَا عين الْمحَال والتخليط وَإِن كَانَ أَكثر مِنْهُ وَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا شكّ فِيهِ فالزمان مذ كَانَ إِلَى وَقت الْهِجْرَة ذُو نِهَايَة وَمعنى الْجُزْء إِنَّمَا هُوَ إبعاض الشَّيْء وَمعنى الْكل إِنَّمَا هُوَ جملَة الإيعاض فَالْكل والجزء واقعان فِي كل ذِي أبعاض والعالم ذُو أبعاض هَكَذَا تُوجد حاملاته ومحمولاته وأزمانها فالعالم كل لَا بعاضه وإبعاضه أَجزَاء لَهُ وَالنِّهَايَة كَمَا قدمنَا لَازِمَة لكل ذِي كل وَذي أَجزَاء وَالزَّمَان هُوَ مُدَّة بَقَاء الجرم سَاكِنا أَو متحركاً وَلَو فَارقه لم يكن الجرم مَوْجُودا وَلَا كَانَ الزَّمَان أَيْضا مَوْجُودا والجرم وَالزَّمَان موجودان فكلاهما لم يُفَارق صَاحبه
وَالزَّمَان ذُو أول والجرم ذُو أول وَهَذَا مِمَّا لَا انفكاك لَهُ الْبَتَّةَ وَأما مَا لم يَأْتِ بعد من زمَان أَو شخص أَو عرض فَلَيْسَ كل ذَلِك شَيْئا فَلَا يَقع على شَيْء من ذَلِك عدد وَلَا نِهَايَة وَلَا يُوصف بِشَيْء أصلا لِأَنَّهُ لَا وجود لَهُ بعد فَإِذا وجد لزمَه حِينَئِذٍ مَا لزم سَائِر مَا قد وجد من أجناسه وأنواعه من النِّهَايَة وَالْعدَد وَغير ذَلِك من الصِّفَات
وَأَيْضًا فَلَا شكّ فِي أَن مَا وَقع من الزَّمَان وَوجد من الزَّمَان إِلَى يَوْمنَا هَذَا مسَاوٍ لما من يَوْمنَا هَذَا إِلَى مَا وَقع من الزَّمَان معكوساً وواجب فِيهِ الزِّيَادَة بِمَا يَأْتِي من الزَّمَان والمساوى
стр. 14
لَا يَقع إِلَّا فِي ذِي نِهَايَة فالزمان متناه ضَرُورَة وَقد ألزمت بعض الْمُلْحِدِينَ وَهُوَ ثَابت بن مُحَمَّد الْجِرْجَانِيّ فِي هَذَا الْبُرْهَان فَأَرَادَ أَن يعكسه عَليّ فِي بَقَاء الْبَارِي ووجودنا إِيَّاه فَأَخْبَرته بِأَن هَذَا شغب ضَعِيف مضمحل سَاقِط لِأَن الْبَارِي تَعَالَى لَيْسَ فِي زمَان وَلَا لَهُ مُدَّة لِأَن الزَّمَان إِنَّمَا هُوَ حَرَكَة كل ذِي الزَّمَان وانتقاله من مَكَان إِلَى مَكَان أَو مُدَّة بَقَائِهِ سَاكِنا فِي مَكَان وَاحِد والباري تَعَالَى لَيْسَ متحركاً وَلَا سَاكِنا ولاشك أَنه لَيْسَ فِي زمَان وَلَا لَهُ مُدَّة وَلَا هُوَ فِي مَكَان أصلا وَلَيْسَ هُوَ جرما وَلَا جوهراً وَلَا عرضا وَلَا عددا وَلَا جِنْسا وَلَا نوعا وَلَا فصلا وَلَا شخصا وَلَا متحركاً وَلَا سَاكِنا وَإِنَّمَا هُوَ تَعَالَى حق فِي ذَاته مَوْجُود مُطلق بِمَعْنى أَنه مَعْلُوم لَا إِلَه غَيره وَاحِد لَا وَاحِد فِي الْعَالم سواهُ مخترع للموجودات كلهَا دونه لَا يشبه شَيْئا من خلقه بِوَجْه من الْوُجُوه وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَقد نبه الله تَعَالَى على هَذَا الدَّلِيل وحصره فِي قَوْله تَعَالَى يزِيد فِي الْخلق مَا يَشَاء
برهَان رَابِع قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ إِن كَانَ الْعَالم لَا أول لَهُ وَلَا نِهَايَة لَهُ فالإحصاء مناله بِالْعدَدِ والطبيعة إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ من أَوَائِل الْعَالم الْمَاضِيَة محَال لَا سَبِيل إِلَيْهِ إِذْ لَو أحصى ذَلِك كُله لَكَانَ لَهُ نِهَايَة ضَرُورَة فَإِذا لَا سَبِيل إِلَيْهِ فَكَذَلِك أَيْضا هُوَ محَال أَن تكون الطبيعة وَالْعدَد أحصيا مَا لَا نِهَايَة لَهُ من أَوَائِل الْعَالم الخالية حَتَّى يبلغَا إِلَيْنَا وَإِذا كَانَ ذَلِك محالاً فالعدد والطبيعة إِذا لم يبلغَا إِلَيْنَا وَقد تَيَقنا وُقُوع الْعدَد والطبيعة فِي كل مَا خلا من الْعَالم حَتَّى بلغا إِلَيْنَا بِلَا شكّ فَإِذا قد أحصى الْعدَد والطبيعة كل ماخلا من أَوَائِل الْعَالم إِلَى أَن بلغا إِلَيْنَا فَكَذَلِك الإحصاء منا إِلَى أولية الْعَالم صَحِيح مَوْجُود لَا ضَرُورَة بِلَا شكّ وَإِذ ذَلِك كَذَلِك فللعالم أَو ل ضَرُورَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
برهَان خَامِس قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ لَا سَبِيل إِلَى وجود ثَان إِلَّا بعد أول وَلَا إِلَى وجود ثَالِث إِلَّا بعد ثَان وَهَكَذَا أبدا وَلَو لم يكن لأجزاء الْعَالم أول لم يكن ثَان وَلَو لم يكن ثَان لم يكن ثَالِث وَلَو كَانَ الْأَمر هَكَذَا لم يكن عدد وَلَا مَعْدُود وَفِي وجودنا جَمِيع الْأَشْيَاء الَّتِي فِي الْعَالم مَعْدُودَة إِيجَاب أَنَّهَا ثَالِث بعد ثَان وثان بعد أول وَفِي صِحَة هَذَا وجوب أول ضَرُورَة وَقد نبه الله تَعَالَى على هَذَا الدَّلِيل وعَلى الَّذِي قبله وحصرهما فِي قَوْله تَعَالَى وأحصى كل شَيْء عددا وَأَيْضًا فالآخر وَالْأول من بَاب الْمُضَاف فالآخر آخر للْأولِ وَالْأول أول للْآخر وَلَو لم يكن أول لم يكن آخر ويومنا هَذَا بِمَا فِيهِ آخر لكل مَوْجُود قبله إِذْ لم يَأْتِ بعد فَلَيْسَ شَيْئا وَلَا وَقع عَلَيْهِ بعد شَيْء من الْأَوْصَاف فَلهُ أول ضَرُورَة
стр. 15
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَقد أَخْبرنِي بعض أصدقائنا وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عقبَة رَحمَه الله تَعَالَى أَنه عَارض بِهَذَا الْبُرْهَان بعض الْمُلْحِدِينَ وَهُوَ عبد الله بن عبد الله بن شنيف فعارضه الملحد فِي قَوْله بخلود الْجنَّة وَالنَّار وأهلهما فَقَالَ لَهُ ابْن عقبَة إِنَّمَا أَخذنَا خُلُود دَاري الْجَزَاء وخلود أهلهما بِلَا نِهَايَة على غير هَذَا الْوَجْه لَكِن على أَن الله تَعَالَى ينشئ لكل ذَلِك بَقَاء محدوداً وحركات حَادِثَة ولذات مترادفة أبدا وقتا بعد وَقت إِلَّا أَن الأول وَالْآخر جاريان حادثان فِي كل مَوْجُود من ذَلِك وَإِذا ثَبت الأول فَغير مُمْتَنع تمادي الزَّمَان حينا بعد حِين أبدا بِلَا نِهَايَة وَهَذَا مثل الْعدَد فَإِنَّهُ لَو لم يكن لَهُ أول لم يقدر أحد على عد أَي شَيْء أبدا فالعدد لَهُ أول ضَرُورَة يعرف ذَلِك بالحس والمشاهدة وَهُوَ قَوْلنَا وَاحِد فَإِن هَذَا مبدأ الْعدَد الَّذِي لَا عدد قبله ثمَّ الْأَعْدَاد يُمكن فِيهَا الزِّيَادَة أَبَد الْأَبَد لَا إِلَى غَايَة لَكِن كلما خرج مِنْهُ جُزْء إِلَى حد الْوُجُود وحد الْفِعْل فَلهُ نِهَايَة وَهَكَذَا أبدا سرمداً وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَانْقَطع الشنيفي وَلم يكن عِنْده إِلَّا الشغب
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَقد قَالَ بعض اهل الْإِلْحَاد فِي هَذِه الْبَرَاهِين الَّتِي أَوجَبْنَا بهَا اسْتِحَالَة وجود موجودات لَا أَوَائِل لَهَا أتقولون أَن الله تَعَالَى يُوفي أهل الْجنَّة مَا وعدهم من النَّعيم الَّذِي لَا آخر لَهُ وَلَا نِهَايَة أم لَا يوفيهم مَا وعدهم
فَإِن قُلْتُمْ أَنه تَعَالَى يوفيهم إِيَّاه دخل عَلَيْكُم كل مَا أدخلتموه علينا فِي هَذِه الْبَرَاهِين وَلَا فرق
وَإِن قُلْتُمْ أَنه تَعَالَى لَا يوفيهم ذَلِك ألزمتموه خلف الْوَعْد وَهُوَ كفر عنْدكُمْ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذِه شغيبة قد طالما حذرنا من مثلهَا فِي كتبنَا الَّتِي جمعناها فِي حُدُود الْمنطق وَهِي متفسخة من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن تعلق الْمَرْء بِمَا يَقُول خَصمه ضعف وَإِنَّمَا يلْزم الْمَرْء أَن يخلص قَوْله مُجَردا وَلَا أُسْوَة لَهُ فِي تنَاقض خَصمه بل لَعَلَّ خَصمه لَا يَقُول ذَلِك الثَّانِي أَن المسؤول بهَا إِن كَانَ جهمياً سقط عَنهُ هَذَا السُّؤَال الْمَذْكُور
وَأما نَحن فعلينا بحول الله تَعَالَى بَيَان فَسَاد هَذَا الِاعْتِرَاض وتمويهه فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِن من شغب أهل السفسطة إِدْخَال كلمة لَا يؤبه لَهَا يجعلونها مُقَدّمَة وَهِي كذب فيموهون بهَا على
стр. 16
الْجُهَّال وَمَا يبنون عَلَيْهَا وَهَذَا الِاعْتِرَاض من هَذَا الْبَاب وَذَلِكَ أَنهم أَرَادوا إلزامنا بِأَن الله وعد أهل الْجنَّة أَن يوفيهم نعيماً لَا نِهَايَة لَهُ وَهَذَا خطأ وَكذب وَمَا وعدهم الله قطّ بِأَن يوفيهم ذَلِك النَّعيم وَلَو وعدهم بذلك لَكَانَ ذَلِك النَّعيم إِذا استوفي بَطل وفني وانقضى وَإِنَّمَا وعدهم تَعَالَى بنعيم لَا نِهَايَة لَهُ وكل مَا ظهر وَوجد من ذَلِك النَّعيم فَهُوَ مَحْصُور ذُو نِهَايَة وَمَا لم يخرج إِلَى حد الْفِعْل فَهُوَ عدم بعد وَلَا يَقع عَلَيْهِ عدد وَلَا صفة وَهَكَذَا أبدا فقد ظهر أَن لَفْظَة بوفيهم هِيَ الشغيبة الْفَاسِدَة الَّتِي موهوا بهَا فَإِذا أسقطها الْمُعْتَرض من كَلَامه سقط اعتراضه جملَة وَصحت الْقَضِيَّة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق فَإِن قَالَ قَائِل إِن الله تَعَالَى يَقُول وَإِنَّا لموفوهم نصِيبهم غير مَنْقُوص قُلْنَا هَذَا لَا يَخْلُو من أحد وَجْهَيْن لَا ثَالِث لَهما إِمَّا أَن يكون أَرَادَ بذلك نصِيبهم من الْجَزَاء وَيكون أَرَادَ نصبيهم من مساحة الْجنَّة
فَإِن كَانَ عَنى بذلك نصِيبهم من الْجَزَاء بالعقاب وَالنَّعِيم فَهُوَ صَحِيح لِأَن كل مَا خرج من ذَلِك إِلَى حد الْوُجُود فَهُوَ مُسْتَوفى بِيَقِين وَهَكَذَا أبدا
وَإِن كَانَ تَعَالَى عَنى بذلك نصيب كل وَاحِد من الْجنَّة وَالنَّار فَهَذَا صَحِيح لِأَن كل مَكَان مِنْهَا متناه من جِهَة المساحة وَإِنَّمَا نَفينَا التوفية الَّتِي توجب الِانْقِضَاء بِلَا زِيَادَة فِيهَا وَقد قَالَ فَأَما الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فيوفيهم أُجُورهم ويزيدهم من فَضله وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُوفى الصَّابِرُونَ أجرهم بِغَيْر حِسَاب﴾ وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ تبينان أَن الْأجر المستوفي هُوَ مَا يعطونه من مساحة الْجنَّة وكل مَا خرج إِلَى الْوُجُود من النَّعيم ثمَّ لَا يزَال تَعَالَى يزيدهم من فَضله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿بِغَيْر حِسَاب﴾ فَهَذَا لَا يَسْتَوْفِي أبدا لِأَنَّهُ لَا نِهَايَة لَهُ وَلَا كل وَلَو استوفي لم يُمكن أَن تكون فِيهِ زِيَادَة إِذْ بِالضَّرُورَةِ يعلم أَن مَا استوفى فَلَا زِيَادَة فِيهِ وَمَا تمكن الزِّيَادَة فِيهِ فَلم يسْتَوْف بعد وَالله تَعَالَى قد نَص على أَن بعد تِلْكَ التوفية زِيَادَة فصح أَنَّهَا تَوْفِيَة لشَيْء مَحْدُود متناه وَأَن مَا لَا نِهَايَة لَهُ فَلَا يسْتَوْفى أبدا فقد ثَبت بِكُل مَا ذكرنَا أَن الْعَالم ذُو أول وَإِذا كَانَ ذَا أول فَلَا بُد ضَرُورَة من أحد ثَلَاثَة أوجه لَا رَابِع لَهَا وَهِي إِمَّا أَن يكون أحدث ذَاته وَإِمَّا أَن يكون حدث بِغَيْر أَن يحدثه غَيره وَبِغير أَن يحدث هُوَ نَفسه وَإِمَّا أَن يكون أحدثه غَيره فَإِن كَانَ هُوَ أحدث ذَاته فَلَا يَخْلُو من أحد أَرْبَعَة وُجُوه لَا خَامِس لَهَا وَهِي إِمَّا أَن يكون أحدث ذَاته وَهُوَ مَعْدُوم وَهِي مَوْجُودَة أَو أحدث ذَاته وَهُوَ مَوْجُود وَهِي مَعْدُومَة أَو أحدثها وَكِلَاهُمَا مَوْجُود أَو أحدثها وَكِلَاهُمَا مَعْدُوم وكل هَذِه الْأَرْبَعَة الْأَوْجه محَال مُمْتَنع لَا سَبِيل إِلَى شَيْء مِنْهَا
стр. 17
لِأَن الشَّيْء وذاته هِيَ هُوَ وَهُوَ هِيَ وكل مَا ذكرنَا من الْوُجُوه يُوجب أَن يكون الشَّيْء غير ذَاته وَهَذَا محَال وباطل بِالْمُشَاهَدَةِ والحس فَهَذَا وَجه قد بَطل ثمَّ نقُول وَإِن كَانَ خرج عَن الْعَدَم إِلَى الْوُجُود بِغَيْر أَن يخرج هُوَ ذَاته أَو يُخرجهُ غَيره فَهَذَا أَيْضا محَال لِأَنَّهُ لَا حَال أولى بِخُرُوجِهِ إِلَى الْوُجُود من حَال أُخْرَى وَلَا حَال أصلا هُنَالك فَإِذا لَا سَبِيل إِلَى خُرُوجه وَخُرُوجه مشَاهد مُتَيَقن فحال الْخُرُوج غير حَال اللاخروج وَحَال الْخُرُوج هِيَ عِلّة كَونه وَهَذَا لَازم فِي تِلْكَ الْحَال أَعنِي إِن حَال الْخُرُوج يلْزم فِي حدوثها مثل مَا لزم فِي حُدُوث الْعَالم من أَن تكون أخرجت نَفسهَا أَو أخرجهَا غَيرهَا أَو خرجت بِغَيْر هذَيْن الْوَجْهَيْنِ وَهَكَذَا فِي كل حَال فَإِن تمادي الْكَلَام وَجب بِمَا قدمْنَاهُ إِلَّا نِهَايَة وَإِلَّا نِهَايَة فِي الْعَالم من مبدئه بَاطِل مُمْتَنع محَال فَإِذا قد بَطل أَن يخرج الْعَالم بِنَفسِهِ وَبَطل أَن يخرج دون أَن يُخرجهُ غَيره فقد ثَبت الْوَجْه الثَّالِث ضَرُورَة إِذْ لم يبْق غَيره الْبَتَّةَ فَلَا بُد من صِحَّته وَهُوَ أَن الْعَالم أخرجه غَيره من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأَيْضًا فَإِن الْفلك بِكُل مَا فِيهِ ذُو آثر مَحْمُولَة فِيهِ من نقلة زمانية وحركة دورية فِي كَون كل جُزْء من أَجْزَائِهِ فِي مَكَان الَّذِي يَلِيهِ والأثر مَعَ الْمُؤثر من بَاب الْمُضَاف فَإِن لم يكن أثرٌ لم يكن مؤثرٌ وَإِن لم يكن مُؤثر لم يكن أثرٌ فَوَجَبَ بذلك أَنه لَا بُد لهَذِهِ الْآثَار الظَّاهِرَة من مؤثرٌ أَثَرهَا وَلَا سَبِيل إِلَى أَن يكون الْفلك أَو شَيْء مِمَّا فِيهِ هُوَ الْمُؤثر لِأَنَّهُ يصير هُوَ الْمُؤثر والمؤثر فِيهِ مَعَ أَن الْمُؤثر والأثر من بَاب الْمُضَاف أَيْضا وَمعنى قَوْلنَا أَن الْمُؤثر والأثر والمؤثر فِيهِ من بَاب الْمُضَاف إِنَّمَا هُوَ أَن الْأَثر والمؤثر فِيهِ يقتضيان مؤثرا وَلَا بُد وَلم يرد أَن الْبَارِي تَعَالَى يَقع تَحت الْإِضَافَة فَلَا بُد ضَرُورَة من مُؤثر لَيْسَ مؤثراً فِيهِ وَلَيْسَ هُوَ شَيْئا مِمَّا فِي الْعَالم فَهُوَ بِالضَّرُورَةِ الْخَالِق الأول الْوَاحِد ﵎ فصح بِهَذَا أَن الْعَالم كُله مُحدث وَأَن لَهُ مُحدثا هُوَ غَيره هَذَا الَّذِي مَا نرَاهُ ويشاهد بالحواس من آثَار الصَّنْعَة الَّتِي لَا يشك فِيهَا ذُو عقل
وَمن بعض ذَلِك تراكيب الأفلاك وتداخلها ودوام دورانها على اخْتِلَاف مراكزها ثمَّ أفلاك تداويرها والبون بَين حَرَكَة أفلاك التداوير والأفلاك الحاملة لَهَا ودوران الأفلاك كلهَا من غرب إِلَى شَرق ودوران الْفلك التَّاسِع الْكُلِّي بِخِلَاف ذَلِك من شَرق إِلَى غرب وإدارته لجَمِيع الأفلاك مَعَ نَفسه كَذَلِك فَحدث من ذَلِك حركتان متعارضتان فِي حَرَكَة وَاحِدَة فالبضرورة نعلم أَن لَهَا محركاً على هَذِه
стр. 18
الْوُجُوه الْمُخْتَلفَة
ثمَّ تراكيب أَعْضَاء الْإِنْسَان وَالْحَيَوَان من إِدْخَال الْعِظَام المحدبة فِي المقعرة وتركيب العضل على تِلْكَ المداخل والشد على ذَلِك بالعصب وَالْعُرُوق صناعَة ظَاهِرَة لَا شكّ فِيهَا لَا ينقصها إِلَّا رُؤْيَة الصَّانِع فَقَط
وَمن ذَلِك مَا يظْهر فِي الأصباغ الْمَوْضُوعَة فِي جُلُود كثير من الْحَيَوَان وريشه ووبره وشعره وظفره وقشره على رُتْبَة وَاحِدَة وَوضع وَاحِد لَا تخَالف فِيهِ كاضباغ الحجل والشفانين اليمام وَالسمان والبزاة وَكثير من الطير والسلاحف والحشارت والسمك لَا يخْتَلف تنقيطه الْبَتَّةَ وَلَا تكون أصباغه مَوْضُوعَة إِلَّا وضعا وَاحِدًا كأذناب الطواويس وَفِي السّمك وَالْجَرَاد والحشرات نوعا وَاحِدًا كَالَّذي يصوره المصور بَيْننَا
ثمَّ مِنْهَا مَا يَأْتِي مُخْتَلفا كأصباغ الدَّجَاج وَالْحمام والبط وَكثير من الْحَيَوَان فالبضرورة والحس نعلم أَن لذَلِك صانعاً مُخْتَارًا يفعل ذَلِك كُله كَمَا شَاءَ ويحصيه إحصاء لَا يضطرب أبدا عَمَّا شَاءَ من ذَلِك وَلَيْسَ يُمكن الْبَتَّةَ فِي حس الْعقل أَن تكون هَذِه المختلفات المضبوطة ضبطاً لَا تفَاوت فِيهِ من فعل طبيعة وَلَا بُد لَهَا من صانع قَاصد إِلَى صَنْعَة كل ذَلِك وَمن دري مَا الطبيعة علم أَنَّهَا قُوَّة مَوْضُوعَة فِي الشَّيْء تجْرِي بهَا صِفَاته على مَا هِيَ عَلَيْهِ فَقَط وبالضرورة يعلم أَن لَهَا وَاضِعا ومرتباً وصانعاً لِأَنَّهَا لَا تقوم بِنَفسِهَا وَإِنَّمَا هِيَ يحولة على ذِي الطبيعة وَمِنْهَا مَا نرى فِي لِيف النّخل والدوم من النسج الْمَصْنُوع يَقِينا بنيرين وسدى كَالَّذي يصنعه النساج مَا تنْقصنَا إِلَّا رُؤْيَة الصَّانِع فَقَط وَلَيْسَ هَذَا الْبَتَّةَ من فعل طبيعة وَلَا بنسج ناسج وَلَا بِنَاء وَلَا صانع أصباغ مرتبَة بل صَنْعَة صانع مُخْتَار قَاصد إِلَى ذَلِك غير ذِي طبيعة لكنه قَادر على مَا يَشَاء هَذَا أَمر مَعْلُوم بضرورة الْعقل وأوله يَقِينا كَمَا نعلم أَن الثَّلَاثَة أَكثر من الِاثْنَيْنِ فصح أَنه خَالق أول وَاحِد حق لَا يشبه شَيْئا من خلقه الْبَتَّةَ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْوَاحِد الأول الْخَالِق
بَاب الْكَلَام على من قَالَ إِن الْعَالم لم يزل وَله مَعَ ذَلِك فَاعل لم يزل
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ قد أفسدنا بحول الله وقوته بالبراهين الَّتِي قدمنَا هَذِه الْمقَالة وَلَكِن بَقِي لَهُم اعْتِرَاض وَجب إِيرَاده تقصياً لكل مَا موهوا بِهِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ اعْتمد أهل هَذِه الْمقَالة على أَن قَالُوا إِن عِلّة فعل الْبَارِي تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ وجوده وحكمته وَقدرته وَهُوَ تَعَالَى لم يزل جواداً حكيماً قَادِرًا فالعالم لم يزل إِذْ علته لم تزل فَهَذَا فَاسد الْبَتَّةَ بِالدّلَالَةِ
стр. 19
الَّتِي قدمنَا الَّتِي تضطر إِلَى الْمعرفَة والتيقن بحدوث الْعَالم ثمَّ نقُول أَنه إِنَّمَا يلْزم هَذَا من أقرّ بِهَذِهِ الْمُقدمَة أَعنِي أَن للْعَالم عِلّة وَأما نَحن فَإنَّا نقُول أَنه لَا عِلّة لتكوين الله كل مَا كَونه وَأَنه لَا شَيْء غير الْخَالِق وخلقه ثمَّ نقُول على علم هَؤُلَاءِ قولا كَافِيا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهُوَ أَن الْمَفْعُول هُوَ الْمُنْتَقل من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود بِمَعْنى من لَيْسَ إِلَى شَيْء فَهَذَا هُوَ الْمُحدث وَمعنى الْمُحدث هُوَ مَا لم يكن ثمَّ كَانَ وهم يَقُولُونَ أَنه الَّذِي لم يزل وَهَذَا هُوَ خلاف الْمَعْقُول لِأَن الَّذِي لم يكن ثمَّ كَانَ هُوَ غير الَّذِي لم يزل فالعالم إِذا هُوَ غير نَفسه وَهَذَا عين الْمحَال وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن قَالَ لنا قَائِل لما كَانَ الْبَارِي تَعَالَى غير فَاعل على قَوْلكُم ثمَّ صَار فَاعِلا فقد لحقته اسْتِحَالَة وَتَعَالَى الله عَن ذَلِك قُلْنَا لَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق هَذَا السُّؤَال رَاجع عَلَيْكُم إِذْ صححتموه فَهُوَ لكم لَازم لَا لنا إِذْ لم نصححه وَذَلِكَ أَنه إِن كَانَ عنْدكُمْ الْفِعْل مِنْهُ بعد أَن كَانَ غير فَاعل يرحب الاستحالة على الْفَاعِل تعال فَإِن فعله لما أحدث من الْإِعْرَاض عنْدكُمْ بعد أَن كَانَ غير مُحدث لَهَا وإعدامه مَا أعدم مِنْهَا بعد أَن كَانَ غير معدم لَهَا مُوجب عَلَيْهِ الاستحالة فأجيبوا عَن سؤلكم الَّذِي صححتموه وَلَا جَوَاب لكم إِلَّا بإفساده وَأما نَحن فَنَقُول إِن الاستحالة لَيست مَا ذكرْتُمْ وَإِنَّمَا معنى الاستحالة أَنه حُدُوث شَيْء فِي المستحيل لم يكن فِيهِ قبل ذَلِك صَار بِهِ مستحيلاً عَن صفته المحمولة عَلَيْهِ إِلَى غَيرهَا وَهَذَا الْمَعْنى منفي عَن الله تَعَالَى أَي أَنه تَعَالَى بِحل عَن أَن يكون حَامِلا لصفة عَلَيْهِ بل بِذَاتِهِ لم يفعل إِن كَانَ غير فَاعل وبذاته فعل إِن فعل وَلَا عِلّة لما فعل وَلَا عِلّة لما لم يفعل وَأَيْضًا فَإِن الَّذِي لم يزل هُوَ الَّذِي لَا فَاعل لَهُ وَلَا مخرج لَهُ من عدم إِلَى وجود فَلَو كَانَ الْعَالم لم يزل لَكَانَ لَا مخرج لَهُ وَلَا فَاعل لَهُ وَقد أقرّ أهل هَذِه الْمقَالة بِأَن الْعَالم لم يزل وَإِن لَهُ فَاعِلا لم يزل يفعل وَهَذَا عين الْمحَال والتخليط وَالْفساد وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
بَاب الْكَلَام على من قَالَ أَن للْعَالم خَالِقًا لم يزل وَأَن النَّفس وَالْمَكَان الْمُطلق الَّذِي هُوَ الخلا وَالزَّمَان الْمُطلق الَّذِي هُوَ الْمدَّة لم تزل مَوْجُودَة وَأَنَّهَا غير محدثة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ النَّفس عِنْد هَؤُلَاءِ جَوْهَر قَائِم بِنَفسِهِ حَامِل لأعراضه لَا متحرك وَلَا منقسم وَلَا مُتَمَكن أَي لَا فِي مَكَان وَقد ناظرني قوم من أهل هَذَا الرَّأْي ورأيته كالغالب على ملحدي أَهلِي زَمَاننَا فألزمتهم إلزامات لم ينفكوت مِنْهَا أظهرت بطلَان قَوْلهم بعون الله تَعَالَى
стр. 20
وقوته وَلم نر أحدا مِمَّن تكلم قبلنَا ذكر هَذِه الْفرْقَة فَجمعت مَا نظرتهم بِهِ وأضفت إِلَيْهِ مَا وَجَبت إِضَافَته إِلَيْهِ مِمَّا فِيهِ تزييف وَقَوْلهمْ وَمَا توفيقنا إِلَّا بِاللَّه وَهَذَا الزَّمَان وَالْمَكَان عِنْدهم هما غير الْمَكَان الْمَعْهُود عندنَا وَغير الزَّمَان الْمَعْهُود عندنَا لِأَن الْمَكَان الْمَعْهُود عندنَا هُوَ الْمُحِيط بالتمكن فِيهِ من جهاته أَو من بَعْضهَا وَهُوَ يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ أما مَكَان يتشكل المتمكن فِيهِ بشكله كالبر أَو المَاء فِي الخابية وَمَا أشبه ذَلِك وَإِمَّا مَكَان يتشكل هُوَ بشكل المتمكن فِيهِ كَالْمَاءِ لما حل بِهِ من الْأَجْسَام وَمَا أشبهه وَالزَّمَان الْمَعْهُود عندنَا هُوَ مُدَّة وجود الجرم سَاكِنا أَو متحركاً أَو مُدَّة وجود الْعرض فِي الْجِسْم ويعمه أَن نقُول هُوَ مُدَّة وجود الْفلك وَمَا فِيهِ من الْحَوَامِل والمحمولات وهم يَقُولُونَ أَن الزَّمَان الْمُطلق وَالْمَكَان الْمُطلق هما غير مَا حددناه آنِفا من الزَّمَان وَالْمَكَان وَيَقُولُونَ أَنَّهُمَا شَيْئا متغايران وَلَقَد كَانَ يَكْفِي من بطلَان قَوْلهم إقرارهم بمَكَان غير مَا يعْهَد وزمان غير مَا يعْهَد بِدَلِيل على ذَلِك وَلَكِن لَا بُد من إِيرَاد الْبَرَاهِين على إبِْطَال دَعوَاهُم فِي ذَلِك بحول الله وقوته فَيُقَال لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أخبرونا عَن هَذَا الْخَلَاء الَّذِي أثبتم وقلتم أَنه كَانَ مَوْجُودا قبل حُدُوث الْفلك وَمَا فِيهِ هَل بَطل بحدوث الْفلك مَا كَانَ مِنْهُ فِي مَكَان الْفلك قبل أَن يحدث الْفلك أَو لم يبطل فَإِن قَالُوا لم يبطل وَبِذَلِك أجابني بَعضهم فَيُقَال لَهُم فَإِن كَانَ لم يبطل فَهَل انْتقل عَن ذَلِك الْمَكَان بحدوث الْفلك فِي ذَلِك الْمَكَان أَو لم ينْتَقل فَإِن قَالُوا لم ينْتَقل وَهُوَ قَوْلهم قيل لَهُم فَإِذا لم يبطل وَلَا انْتقل فَأَيْنَ حُدُوث الْفلك وَقد كَانَ فِي مَوْضِعه قبل حُدُوثه عنْدكُمْ معنى ثَابت قَائِم بِنَفسِهِ مَوْجُود وَهل حدث الْفلك فِي ذَلِك الْمَكَان الْمُطلق الَّذِي هُوَ الْخَلَاء أم فِي غَيره فَإِن كَانَ حدث فِي غَيره فها هُنَا إِذا مَكَان آخر غير الَّذِي سميتموه خلاء وَهُوَ إِمَّا مَعَ الَّذِي ذكرْتُمْ فِي حيّز وَاحِد أم هُوَ فِي حيّز آخر فَإِن كَانَ مَعَه فِي حيّز وَاحِد فالفلك فِيهِ حدث ضَرُورَة وَقد قُلْتُمْ أَنه لم يحدث فِيهِ فَهُوَ وَإِذا حَادث فِيهِ غير حَادث فِيهِ وَهَذَا تنَاقض ومحال وَإِن كَانَ فِي حيّز آخر فقد أنبتم النِّهَايَة للحلاء إِذْ الحيز
стр. 21
الآخر الَّذِي حدث فِيهِ الْفلك لَيْسَ هُوَ فِي ذَلِك الْخَلَاء وَهَذَا ينطوي فِيهِ بِالضَّرُورَةِ نِهَايَة الْخَلَاء الَّذِي ذكرْتُمْ فَهُوَ متناهٍ لَا متناهٍ وَهَذَا تنَاقض وتخليط وَإِذا بَطل أَن يكون غير متناهٍ وَثَبت أَنه متناه فَهُوَ الْمَكَان الْمَعْهُود الْمُضَاف إِلَى المتمكن فِيهِ وَهَذَا هُوَ الْمَكَان الَّذِي لَا يعرف ذُو عقل سواهُ وَإِن كَانَ الْفلك حدث فِيهِ والفلك ملاء بِلَا شكّ وَلم ينْتَقل الْخَلَاء عنْدكُمْ وَلَا بَطل فالفلك إِذا خلاءٌ وملاءٌ مَعًا فِي مَكَان وَاحِد وَهَذَا محَال وتخليط فَإِن قَالُوا بَطل بحدوث الْفلك مَا كَانَ مِنْهُ فِي مَوضِع الْفلك قبل حُدُوث الْفلك أَو قَالُوا انْتقل فقد أوجبوا لَهُ النِّهَايَة ضَرُورَة إِمَّا من طَرِيق الْوُجُود بِالْبُطْلَانِ إِذْ يفْسد وَيبْطل إِلَّا مَا كَانَ حَادِثا لَا مَا لم يزل وَإِمَّا من طَرِيق المساحة بالنقلة إِذْ لَو لم يجد أَيْن ينْتَقل لم تكن لَهُ نقلة إِذْ معنى النقلَة إِنَّمَا هُوَ تصيير الجرم إِلَى مَكَان لم يكن فِيهِ قبل ذَلِك أَو إِلَى صفة لم يكن عَلَيْهَا قبل ذَلِك ووجوده مَكَانا ينْتَقل إِلَيْهِ مُوجب أَنه لم يكن فِي ذَلِك الْمَكَان الَّذِي انْتقل إِلَيْهِ من قبل انْتِقَاله إِلَيْهِ وَهَذَا هُوَ إِثْبَات النِّهَايَة ضَرُورَة فَهَذَا هُوَ الَّذِي أبطلوا ويلزمهم فِي ذَلِك أَيْضا أَن يكون متحيزا لِأَن الَّذِي بَطل مِنْهُ غير الَّذِي لم يبطل وَالَّذِي انْتقل هُوَ غير الَّذِي لم ينْتَقل وَهُوَ إِذا كَانَ كَذَلِك فإمَّا هُوَ جسم ذُو أَجزَاء وَإِمَّا هُوَ مَحْمُول فِي جسم فَهُوَ يَنْقَسِم بانقسام الْجِسْم وَقد أثبتنا النِّهَايَة للجسم فِي غير هَذَا الْمَكَان من كتَابنَا هَذَا بِمَا فِيهِ الْبَيَان الضَّرُورِيّ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأَيْضًا فَإِن كَانَ لم يبطل فَالَّذِي كَانَ مِنْهُ فِي مَوضِع الْفلك ثمَّ لم يبطل وَلَا انْتقل لحدوث الْفلك فِيهِ فَهُوَ والفلك إِذا موجودان فِي حيّز وَاحِد مَعًا فَهُوَ إِذا لَيْسَ مَكَانا بالفلك لِأَن الْمَكَان لَا يكون مَعَ المتمكن فِيهِ فِي مَكَان وَاحِد وَهَذَا يعرف بأولية الْعقل وَلَو كَانَ ذَلِك لَكَانَ الْمَكَان مَكَانا لنَفسِهِ وَلما كَانَ وَاحِد مِنْهُمَا أولى بِأَن يكون مَكَانا للْآخر من الآخر بذلك وَلَا كَانَ أَحدهمَا أولى أَيْضا بِأَن يكون مُتَمَكنًا فِي الآخر من الآخر فِيهِ وكل هَذَا فَاسد ومحال بِالضَّرُورَةِ وَأَيْضًا فَإِن الْخَلَاء عِنْدهم مَكَان لَا مُتَمَكن فِيهِ والفلك عِنْدهم مَوْجُود فِي الْخَلَاء إِذْ لَا نِهَايَة للخلاء عِنْدهم من طَرِيق المساحة فَإِذا كَانَ الْفلك مُتَمَكنًا فِي الْخَلَاء عِنْدهم والخلاء عِنْدهم مَكَان لَا مُتَمَكن فِيهِ فالخلاء إِذا مَكَان فِيهِ مُتَمَكن لَيْسَ فِيهِ مُتَمَكن وَهَذَا محَال وتخليط وَهَذَا بِعَيْنِه لَازم فِي قَوْلهم إِن ذَلِك الْجُزْء من الْخَلَاء لم ينْتَقل لحدوث الْفلك فَفِيهِ فَإِن قَالُوا انْتقل فَإِنَّمَا صَار إِلَى مَكَان لم يكن فِيهِ قبل ذَلِك خلاء وَلَا ملاك فقد ثَبت عدم الْخَلَاء والملاء فِيمَا فَوق الْفلك ضَرُورَة وَهَذَا خلاف قَوْلهم وَإِن
стр. 22
قَالُوا بَطل لَزِمَهُم أَيْضا أَنه قد عدته المدد ضَرُورَة فَإِذا أعدته المدد فقد تناهى من أَوله بالمبدأ ضَرُورَة فَإِن قَالُوا بل لم يحدث الْفلك فِي شَيْء من ذَلِك الْمَكَان الَّذِي هُوَ الْخَلَاء فقد أثبتوا حيزاً آخر للفلك غير الْخَلَاء الشَّامِل عِنْدهم وَإِذا كَانَ ذَلِك فقد تناهى كلا المكانين من جِهَة تلاقيهما ضَرُورَة وَإِذا تناهيا من جِهَة تلاقيهما لزمتهما المساحة وَوَجَب تناهيهما لتناهي ذرعهما ضَرُورَة ويسألون أَيْضا عَن هَذَا الْخَلَاء الَّذِي هُوَ عِنْدهم مَكَان لَا مُتَمَكن فِيهِ هَل لَهُ مبدأ مُتَّصِل بصفحات الْفلك الْأَعْلَى أم لَا مبدأ لَهُ من هُنَالك وَلَا بُد من أحد الْأَمريْنِ ضَرُورَة فَإِن قَالُوا لَا مبدأ لَهُ وَهُوَ قَوْلهم قيل لَهُم إِن قَول الْقَائِل مَكَان إِنَّمَا يفهم مِنْهُ مَا يتَمَثَّل فِي النَّفس من الْمَقْصُود بِهَذِهِ اللَّفْظَة وموضعها فِي اللُّغَة لتَكون عبارَة للتفاهم عَن المُرَاد بهَا أَنَّهَا ساحة وَلَا بُد للساحة من الذرع ضَرُورَة وَلَا بُد للذروع من مبدأ لِأَنَّهُ كمية والكمية أعداد مركبة من الْآحَاد فَإِن لم يكن لَهُ مبدأ من وَاحِد اثْنَيْنِ ثَلَاثَة لم يكن عدد وَإِذا لم يكن عدد لم يكن ذرع أصلا وَإِذا لم يكن ذرع لم تكن مساحة وَلَا انفساح وَلَا مَسَافَة وكل هَذِه أَلْفَاظ وَاقعَة إِمَّا على ذرع المذروع وَإِمَّا على مذروع بالذرع ضَرُورَة فَإِن قَالُوا لَهُ مبدأ من هُنَالك وَجَبت لَهُ النِّهَايَة ضَرُورَة لحصر الْعدَد لمساحته بِوُجُود المبدأ لَهُ ويسألون أَيْضا أمماس هَذَا الْفلك أم غير مماس وباين عَنهُ أم غير باين فَإِن قَالُوا لَا مماس وَلَا باين فَهَذَا أَمر لَا يعقل بالحس وَلَا يتشكل فِي النَّفس وَلَا يقوم على صِحَّته برهَان أبدا إِلَّا فِي الْأَعْرَاض المحمولة فِي الْأَجْسَام وهم لَا يَقُولُونَ أَن الْخَلَاء عرض مَحْمُول فِي جسم وكل دَعْوَى لم يقم عَلَيْهَا دَلِيل فَهِيَ بَاطِلَة مَرْدُودَة وَإِن أثبتوا المماسة أَو المباينة وَجب عَلَيْهِم ضَرُورَة إِثْبَات النِّهَايَة لَهُ كَمَا لزم بِإِثْبَات المبدأ إِذْ النِّهَايَة منطوية فِي ذكر المبدأ والمماسة أَو المباينة ضَرُورَة لَا شكّ فِيهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق ويسألون أَيْضا عَن هَذَا الْخَلَاء الَّذِي يذكرُونَ وَالزَّمَان الَّذِي يثبتون أمحمولان هما أم حاملان أم أَحدهمَا مَحْمُول وَالثَّانِي حَامِل أم كِلَاهُمَا لَا حَامِل وَلَا مَحْمُول فَأَيّهمَا أجابوا فِيهِ فَإِنَّهُ حَامِل بِلَا شكّ فِي أَن محموله غَيره إِذْ لَا يكون الشَّيْء حَامِلا لنَفسِهِ فَلهُ إِذا مَحْمُول لم يزل وَهُوَ غير الزَّمَان فَإِن قَالُوا ذَلِك كلموا بِمَا قدمنَا قبل على أهل الدَّهْر قائلين بأزلية الْعَالم وَأَيْضًا فَإِن كَانَ الْمَكَان حَامِلا فَلَا يَخْلُو ضَرُورَة من أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَن يكون حَامِلا لجرم مُتَمَكن فِيهِ وَهَذَا يُوجب النِّهَايَة نِهَايَة لَهُ لوُجُوب نِهَايَة لوُجُوب الجرم المتمكن فِيهِ بِالدّلَالَةِ الَّتِي قدمنَا فِي إِثْبَات نهايات الأجرام وَإِمَّا أَن يكون حَامِلا لكيفياته
стр. 23
فَإِن كَانَ حَامِلا لكيفياته فَهُوَ مركب من هيولاه وأعراضه وجنسه وفصوله وبالضرورة يعلم كل ذِي حس سليم أَن كل مركب فَهُوَ متناه بالجرم وَالزَّمَان بالدلائل الَّتِي قدمنَا وَلَا سَبِيل إِلَى حمل ثَالِث وَأيهمَا قَالُوا فِيهِ أَنه مَحْمُول فَإِنَّهُ يَقْتَضِي حَامِلا وبعكس الدَّلِيل الَّذِي ذكرنَا آنِفا سَوَاء بِسَوَاء وَأيهمَا قَالُوا فِيهِ أَنه حَامِل مَحْمُول وَجب كل مَا ذكرنَا فِيهِ أَيْضا بعكسه وَأيهمَا قَالُوا فِيهِ لَا حَامِل وَلَا مَحْمُول فَلَا يَخْلُو من أَن يكون بَاقِيا أَو يكون بَقَاء فَإِن كَانَ بَاقِيا فَهُوَ مفتقرا إِلَى بقاءٍ وَهُوَ مدَّته إِذْ لَا بَاقِي إِلَّا بِبَقَاء وَإِن كَانَ بَقَاء فَلَا بُد لَهُ من بَاقٍ وَهُوَ من بَاب الْإِضَافَة والمدة هِيَ الْبَقَاء إِنَّمَا هِيَ مَحْمُولَة وناعتة للْبَاقِي بهَا ضَرُورَة هَذَا الَّذِي لَا يقوم فِي الْعقل سواهُ وَلَا يقوم برهَان إِلَّا عَلَيْهِ ويسألون أَيْضا عَن هَذَا الزَّمَان الَّذِي يذكرُونَ هَل زَاد فِي مُدَّة اتِّصَاله مذ حدث الْفلك إِلَى يَوْمنَا هَذَا أَو لم يزدْ ذَلِك فِي أمده فَإِن قَالُوا لم يزدْ ذَلِك فِي أمده كَانَت مُكَابَرَة لِأَنَّهَا مُدَّة مُتَّصِلَة بهَا مُضَافَة إِلَيْهَا وَعدد زَائِد على عدد فَإِن قَالُوا زَاد ذَلِك فِي أمده سئلوا مَتى كَانَت تِلْكَ الْمدَّة أطول أقبل الزِّيَادَة أم هِيَ وَهَذِه الزِّيَادَة مَعًا فَإِن قَالُوا هِيَ وَالزِّيَادَة مَعهَا فقد أثبتوا النِّهَايَة ضَرُورَة إِذْ مَا لَا نِهَايَة لَهُ فَلَا يَقع فِيهِ زِيَادَة وَلَا نقص وَلَا يكون شَيْء مُسَاوِيا لَهُ وَلَا أَكثر مِنْهُ وَلَا أنقص مِنْهُ وَلَا يكون هُوَ أَيْضا مفصلا أصلا فَلَا يكون مُسَاوِيا لنَفسِهِ كَمَا هُوَ وَلَا أَكثر من نَفسه وَلَا أقل مِنْهَا فَإِن قَالُوا لَيست هِيَ وَالزِّيَادَة مَعهَا أطول مِنْهَا قبل الزِّيَادَة فقد أثبتوا أَن الشَّيْء وَغَيره مَعَه لَيْسَ أَكثر مِنْهُ وَحده وَهَذَا بَاطِل وهم يَقُولُونَ إِن الحلاء وَالزَّمَان الْمُطلق شيئآن متعايران فَيُقَال لَهُم فَإِذا هما كَذَلِك فَبِأَي شَيْء انْفَصل بعضهما من بعض فَإِن قَالُوا انْفَصل بِشَيْء مَا وَذكروا فِي ذَلِك أَي شَيْء ذَكرُوهُ فقد أثبتوا لَهما التَّرْكِيب من جنسهما وفصلهما وَأَيْضًا فجعلهم لَهما شَيْئَيْنِ إِيقَاع مِنْهُم للعدد عَلَيْهِمَا وكل عدد فَهُوَ متناه مَحْصُور وكل مَحْصُور فقد سلكته الطبيعة وكل مَا سلكته الطبيعة فَهُوَ متناه ضَرُورَة فَإِن أَرَادوا ألزامنا فِي الْبَارِي تَعَالَى مثل مَا ألزمناهم فِي هَذَا السُّؤَال فَقَالُوا أَيّمَا أَكثر الْبَارِي تَعَالَى وَحده أم الْبَارِي وخلقه مَعًا قُلْنَا هَذَا سُؤال فَاسد بالبرهان الضَّرُورِيّ لِأَن هَذَا الْبُرْهَان إِنَّمَا هُوَ على وجوب حُدُوث الزَّمَان وَمَا لم يَنْفَكّ من الزَّمَان وعَلى حُدُوث النوامي وَأَيْضًا فَإِن الْبَارِي تَعَالَى لَيْسَ عددا وَلَا بعض عدد وَلَيْسَ هُوَ أَيْضا معدوداً وَلَا بَعْضًا لمعدود لِأَن وَاحِدًا لَيْسَ عددا بالبرهان الَّذِي نورده فِي الْبَاب الَّذِي يَتْلُو هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَلَا وَاحِد على الحققة إِلَّا الله فَقَط فَهُوَ الَّذِي لَا يكترث الْبَتَّةَ وَلَا ينضاف إِلَى
стр. 24
سواهُ إِذْ لَا يجمعه مَعَ شَيْء سواهُ عدد وَلَا صفة الْبَتَّةَ لِأَن كل مَا وَقع عَلَيْهِ اسْم وَاحِد مِمَّا دونه تَعَالَى فَإِنَّمَا هُوَ مجَاز لَا حَقِيقَة لِأَنَّهُ إِذا قسم استبان أَنه كَانَ كثيرا لَا وَاحِدًا فَلذَلِك وَقع الْعدَد على الأجرام والأعداد الْمُسَمَّاة آحاداً فِي الْعَالم وَأما الْوَاحِد فِي الْحَقِيقَة فَهُوَ الَّذِي لَيْسَ كثيرا أصلا وَلَا يتكثر بِوَجْه من الْوُجُوه فَلَا يَقع عَلَيْهِ عدد بِوَجْه من الْوُجُوه لِأَنَّهُ يكون حِينَئِذٍ وَاحِدًا إِلَّا وَاحِدًا كثيرا إِلَّا كثيرا وَهَذَا تَخْلِيط ومحال وممتنع لَا سَبِيل إِلَيْهِ فَلَا يجوز أَن يُضَاف الْوَاحِد الأول إِلَى شَيْء مِمَّا دونه لَا فِي عدد وَلَا كمية وَلَا فِي جنس وَلَا فِي صفة وَلَا فِي معنى من الْمعَانِي أصلا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن ذكر ذَاكر قَول الله تَعَالَى مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم وَلَا خَمْسَة إِلَّا هُوَ سادسهم وَلَا أدنى من ذَلِك وَلَا أَكثر إِلَّا هُوَ مَعَهم أَيْنَمَا كَانُوا فَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى هُوَ رابعهم وَهُوَ سادسهم إِنَّمَا هُوَ فعل فعله فيهم وَهُوَ أَن ربعهم بإحاكته بهم لَا بِذَاتِهِ وسدسهم بإحاطته لَا بِذَاتِهِ أَو قد يربعهم بِملك يشرف عَلَيْهِم ويسدسهم كَذَلِك وبرهان هَذَا القَوْل أَن الله ﵎ إِنَّمَا عَنى بِهَذِهِ الْآيَة بِلَا خلاف بل بضرورة الْعقل من كل سامع أَنه لَا يخفي عَلَيْهِ نَجوَاهُمْ وَهَذَا نَص الْآيَة لِأَنَّهُ تَعَالَى افتتحها بِذكر نجوى المتناجين إِنَّمَا أَرَادَ علمه بنجواهم إِلَّا أَنه مَعْدُود مَعَهم بِذَاتِهِ إِلَى ذواتهم حاشى لله من ذَلِك إِذْ من الْمحَال الْمُمْتَنع الْخَارِج عَن رُتْبَة الْأَعْدَاد والمعدودين أَن يكون الله معبودا بِذَاتِهِ مَعَ ثَلَاثَة بِالْهِنْدِ وَمَعَ ثَلَاثَة بالسند وَمَعَ ثَلَاثَة بالعراق وَمَعَ ثَلَاثَة بالصين فِي وَقت وَاحِد لِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِك لَكَانَ الَّذين هُوَ رابعهم بِالْهِنْدِ مَعَ الثَّلَاثَة الَّذين هُوَ رابعهم بالصين ثَمَانِيَة لأَنهم أَرْبَعَة وَأَرْبَعَة بِلَا شكّ فَكَأَن تَعَالَى حِينَئِذٍ يكون اثْنَيْنِ وَأكْثر وَهَذَا محَال وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ بِذَاتِهِ سادساً لخمسة هَا هُنَا سِتَّة ورابعاً لثَلَاثَة هُنَالك فهم أَرْبَعَة فهم كلهم بِلَا شكّ عشرَة فَهُوَ إِذا اثْنَان وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي الْآيَة نَفسهَا إِلَّا هُوَ مَعَهم أَيْنَمَا كَانُوا إِنَّمَا أضَاف الأينية إِلَيْهِم لَا إِلَى نَفسه تَعَالَى مَعْنَاهُ أَيْنَمَا كَانُوا فَهُوَ تَعَالَى مَعَهم بإحاطته إِذْ محَال أَن يكون بِذَاتِهِ فِي مكانين فَبَطل اعتراضهم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين كثيرا وَلَيْسَ قَول الْقَائِل الله وَرَسُوله أَو الله وَعمر مِمَّا يعْتَرض بِهِ علينا لأننا لم نمْنَع من ضم اسْمه تَعَالَى إِلَى اسْم غَيره لِأَن الِاسْم كلمة مركبة من حُرُوف الهجاء وَإِنَّمَا منعنَا من أَن تعد ذَاته تَعَالَى مَعَ شَيْء غَيره إِذْ الْعدَد إِنَّمَا هُوَ جمع شَيْء إِلَى غَيره فِي قَضِيَّة مَا وَالله تَعَالَى لَا يجمعه وخلقه شَيْء أصلا فصح انْتِفَاء الْعدَد عَنهُ تَعَالَى وَإِذا صَحَّ انْتِفَاء الْعدَد عَنهُ صَحَّ أَنه لَيْسَ معدوداً الْبَتَّةَ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين ويسألون أَيْضا هَذَا الزَّمَان وَالْمَكَان اللَّذَان
стр. 25
يذكران أَهما واقعان تَحت الْأَجْنَاس والأنواع أم لَا وَهل هما واقعان تَحت المقولات الْعشْر أم لَا فَإِن قَالُوا لَا فقد نفوهما أصلا وأعدموهما الْبَتَّةَ إِذْ لَا مقول من الموجودات إِلَّا هُوَ وَاقع تحتهَا وَتَحْت الْأَجْنَاس والأنواع حاشى الْحق الأول الْوَاحِد الْخَالِق الَّذِي علم بضرورة الدَّلَائِل وَوَجَب بهَا خُرُوجه عَن الْأَجْنَاس والأنواع والمقولات وَبِالْجُمْلَةِ شاؤا أَو أَبَوا فالخلاء وَالزَّمَان الْمُطلق اللَّذَان يذكران كَانَا موجودين فهما واقعان تَحت جنس الكمية وَالْعدَد ضروررة فَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فَهَذَا الزَّمَان الَّذِي ندريه نَحن وهم وَذَلِكَ الزَّمَان الَّذِي يَدعُونَهُ هما واقعان جَمِيعًا تَحت جنس وَاحِد مَتى وَكَذَلِكَ الْمَكَان الَّذِي يَدعُونَهُ وَاقع مَعَ الْمَكَان الَّذِي نعرفه نَحن وهم تَحت جنس أَيْن وبالضرورة يجب أَن مَا لزم بعض مَا نحت الْجِنْس مِمَّا يُوجِبهُ لَهُ الْجِنْس فَإِنَّهُ لَازم لكل مَا تَحت ذَلِك الْجِنْس وَإِذ لَا شكّ فِي هَذَا فهما مركبان وَالنِّهَايَة فيهمَا مَوْجُودَة ضَرُورَة إِذْ المقولات كلهَا كَذَلِك وَأَيْضًا فَإِن الْمَكَان لَا بُد لَهُ من مُدَّة يُوجد فِيهَا ضَرُورَة فنسألهم هَل تِلْكَ الْمدَّة هِيَ الزَّمَان الَّذِي يَدعُونَهُ أم هِيَ غَيره فَإِن كَانَت هِيَ هُوَ فَهُوَ زمَان للمكان فَهُوَ مَحْمُول فِي الْمَكَان فَهُوَ ككل زمَان لذِي الزَّمَان فَلَا فرق وَإِن كَانَت غَيره فها هُنَا إِذن زمَان ثَالِث غير مُدَّة ذَلِك الْمَكَان وَغير الزَّمَان الَّذِي ندريه نَحن وهم وَهَذِه وساوس لَا يعجز عَن ادعائها كل من لم يبال بِمَا يَقُول وَلَا استحيا من فضيحة وَيُقَال لَهُم إِذْ لَيْسَ الْمَكَان الَّذِي تَدعُونَهُ وَالزَّمَان الَّذِي تَدعُونَهُ واقعين مَعَ الْمَكَان الْمَعْهُود وَالزَّمَان الْمَعْهُود تَحت جنس وحدٍ وَاحِد فَلم سميتموه مَكَانا وزماناً وهلا سميتموهما باسمين مفردين لَهما ليبعدا بذلك عَن الْإِشْكَال والتلبيس والسفسطة بالتخليط بالأسماء المشركة فَإِن كَانَا مَعَ الزَّمَان وَالْمَكَان المعهودين تَحت حد وَاحِد فقد بطلت دعواكم زَمَانا ومكاناً غير الزَّمَان وَالْمَكَان المعهودين بِالضَّرُورَةِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق ويسألون أَيْضا عَن هَذَا الزَّمَان وَالْمَكَان غير المعهودين أَهما دَاخل الْفلك أم خَارجه فَإِن قَالُوا هما دَاخل الْفلك فالخلاء إِذا هُوَ الملاء وَالْمَكَان إِذا فِي التَّمَكُّن يَعْنِي فِي دَاخله وَهَذَا محَال وَالزَّمَان إِذن هُوَ الَّذِي لَا يعرف غَيره وَإِن قَالُوا هما خَارج الْفلك أوجبوا لَهما نِهَايَة ابْتِدَاء مِمَّا هُوَ خَارج الْفلك وَإِن قَالُوا لَا خَارج وَلَا دَاخل فَهَذِهِ دَعْوَى مفتقرة إِلَى برهَان وَلَا برهَان على صِحَّتهَا فَهِيَ بَاطِل فَإِن قَالُوا أَنْتُم تَقولُونَ هَذَا فِي البارىء تَعَالَى قُلْنَا لَهُم نعم لِأَن الْبُرْهَان قد قَامَ على وجوده فَلَمَّا صَحَّ وجوده تَعَالَى قَامَ الْبُرْهَان بِوُجُوب خِلَافه لكل مَا فِي الْعَالم على أَنه لَا دَاخل وَلَا خَارج وَأَنْتُم لم يَصح لكم برهَان على وجود الْخَلَاء وَالزَّمَان الَّذِي تَدعُونَهُ فَصَارَ كلامكم
стр. 26
كُله دَعْوَى وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَلم نجد لَهُم سؤالاً أصلا وَلَا أتونا قطّ بِدَلِيل فنورده عَنْهُم وَلَا وجدنَا لَهُم شَيْئا يُمكن الشغب بِهِ فِي أزلية الْخَلَاء والمدة فنورده عَنْهُم وَإِن لم ينتبهوا وَإِنَّمَا هُوَ رَأْي قلدوا فِيهِ بعض قدماء الْمُلْحِدِينَ فَقَط وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَمِمَّا يبطل بِهِ الْخَلَاء الَّذِي سموهُ مَكَانا مُطلقًا وَذكروا أَنه لايتناهي وَأَنه مَكَان مُتَمَكن فِيهِ برهَان ضَرُورِيّ لانفكاك مِنْهُ وأطرف شَيْء أَنه برهانهم الَّذِي موهوا بِهِ وشغبو بإيراده وَأَرَادُوا بِهِ إِثْبَات الْخَلَاء وَهُوَ أننا نرى الأَرْض وَالْمَاء والأجسام الترابية من الصخور والزئبق وَنَحْو ذَلِك طباعها السّفل أبدا وَطلب الْوسط والمركز وَأَنَّهَا لَا تفارق هَذَا الطَّبْع فتصعد إِلَّا بقسر يغلبها وَيدخل عَلَيْهَا كرفعنا المَاء وَالْحجر قهرا فَإِذا رفعناهما ارتفعا فَإِذا تركناهما عادا إِلَى طبعهما بالرسوب ونجد النَّار والهواء طبعهما الصعُود والبعد عَن المركز وَالْوسط وَلَا يفارقان هَذَا الطَّبْع إِلَّا بحركة قسراً تدخل عليهمو وَيرى ذَلِك عيَانًا كالزق المنفوخ والإناء المجوف المصوب فِي المَاء فَإِذا زَالَت تِلْكَ الْحَرَكَة القسرية رجعا إِلَى طبعهما ثمَّ نجد الْإِنَاء الْمُسَمّى سارقة المَاء يبقي المَاء فِيهَا صعداً وَلَا ينسفك ونجد الزراقة ترفع التُّرَاب والزئبق وَالْمَاء ونجد الزرافة ترفع التُّرَاب والزئبق وَالْمَاء ونجد إِذا حفرنا بِئْرا امْتَلَأَ هَوَاء وسفل الْهَوَاء حِينَئِذٍ ونجد المحجمة تمس الْجِسْم الأرضي إِلَى نَفسهَا فَلَيْسَ كل هَذَا إِلَّا لأحد وَجْهَيْن لَا ثَالِث لَهما إِمَّا عدم الْخَلَاء جملَة كَمَا نقُول نَحن وَإِمَّا لِأَن طبع الْخَلَاء يجتذب هَذِه الْأَجْسَام إِلَى نَفسه كَمَا يَقُول من يثبت الْخَلَاء فَنَظَرْنَا فِي قَوْلهم أَن طبع الْخَلَاء يجتذب هَذِه الْأَجْسَام إِلَى نَفسه كَمَا يَقُول من يثبت الْخَلَاء فوجدناه دَعْوَى بِلَا دَلِيل فَسقط ثمَّ تأملناه أُخْرَى فوجدناه عَائِدًا عَلَيْهِم لِأَنَّهُ إِذا اجتذبت الْأَجْسَام وَلَا بُد فقد صَار ملاء فالملاء حَاضر مَوْجُود والخلاء دَعْوَى لَا برهَان عَلَيْهَا فَسَقَطت وَثَبت عدم الْخَلَاء ثمَّ نَظرنَا فِي قَوْلنَا فوجدناه يعلم بِالْمُشَاهَدَةِ وَذَلِكَ أننا لم نجد إِلَّا بالحس وَلَا بتوهم الْعقل بالإمكان مَكَانا يبْقى خَالِيا قطّ دون مُتَمَكن فصح الملاء بِالضَّرُورَةِ وَبَطل الْخَلَاء إِذْ لم يقم عَلَيْهِ دَلِيل وَلَا وجد قطّ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
ثمَّ نقُول لَهُم إِن كَانَ خَارج الْفلك خلاء على قَوْلكُم فَلَا يَخْلُو من أَن يكون من جنس هَذَا الْخَلَاء الَّذِي تدعون أَنه يجتذب الْأَجْسَام بطبعه أَو يكون من غير جنسه وَلَا بُد من أحد هذَيْن الْوَجْهَيْنِ ضررة وَلَا سَبِيل إِلَى ثَالِث الْبَتَّةَ فَإِن قَالُوا هُوَ من جنسه
стр. 27
وَهُوَ قَوْلهم فقد أقرُّوا بِأَن طبع هَذَا الْخَلَاء الْغَالِب بِجَمِيعِ الطبائع هُوَ أَن يجتذب المتمكنات إِلَى نَفسه فيمتلىء بهَا حَتَّى أَنه يحِيل قوى العناصر عَن طباعها فَوَجَبَ أَن يكون ذَلِك الْخَلَاء الْخَارِج عَن الْفلك لذَلِك أَيْضا ضَرُورَة لِأَن هَذِه صفة طبعه وجنسه فَوَجَبَ بذلك ضَرُورَة أَن يكون مُتَمَكنًا فِيهِ وَلَا بُد وَإِذا كَانَ هَذَا وَذَلِكَ الْخَلَاء عِنْدهم لَا نِهَايَة لَهُ فالجسم الماليء لَهُ أَيْضا لَا نِهَايَة لَهُ وَقد قدمنَا الْبَرَاهِين الضرورية أَنه لَا يجوز وجود جسم لَا نِهَايَة لَهُ فالخلاء بَاطِل وَلَو كَانَ ذَلِك أَيْضا لَكَانَ مَلأ لَهُ خلاء وَهَذَا خلاف قَوْلهم فَإِن قَالُوا بل ذَلِك الْخَلَاء هُوَ من غير جنس هَذَا الْخَلَاء يُقَال لَهُم فَبِأَي شَيْء عرفتموه وَبِمَ استدللتم عَلَيْهِ وَكَيف وَجب أَن تسموه خلاء وَهُوَ لَيْسَ خلاء وَهَذَا لَا مخلص مِنْهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وهم فِي هَذَا سَوَاء وَمن قَالَ أَن فِي مَكَان خَارج من الْعَالم نَاسا لَا يحدون بِحَدّ النَّاس وَلَا هم كهؤلاء النَّاس أَو من قَالَ أَن فِي خَارج الْفلك نَارا محرقة لَيست من جنس هَذِه النَّار وكل هَذَا حمق وهوس
الْكَلَام على من قَالَ أَن فَاعل الْعَالم ومدبره أَكثر من وَاحِد
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ افترق الْقَائِلُونَ بِأَن فَاعل الْعَالم أَكثر من وَاحِد فرقا ثمَّ ترجع هَذِه الْفرق إِلَى فرْقَتَيْن فإحدى الْفرْقَتَيْنِ تذْهب إِلَى أَن الْعَالم غير مدبريه وهم الْقَائِلُونَ بتدبير الْكَوَاكِب السَّبْعَة وأزليتها وهم الْمَجُوس فَإِن الْمُتَكَلِّمين ذكرُوا عَنْهُم أَنهم يَقُولُونَ أَن الْبَارِي لما طَالَتْ وحدته استوحش فَلَمَّا استوحش فكر فكرة سوءٍ فتجسمت فاستحالت ظلمَة فَحدث مِنْهَا اهرمن وَهُوَ إِبْلِيس فرام البارىء تَعَالَى إبعاده عَن نَفسه يسْتَطع فتحرز مِنْهُ بِخلق الْخيرَات وَشرع اهرمن فِي خلق الشَّرّ وَلَهُم فِي ذَلِك تَخْلِيط كثير
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا أَمر لَا تعرفه الْمَجُوس قَوْلهم الظَّاهِر هُوَ أَن الْبَارِي تَعَالَى وَهُوَ أورمن وابليس وَهُوَ اهرمن وكام وَهُوَ الزَّمَان وجام وَهُوَ الْمَكَان وَهُوَ الْخَلَاء أَيْضا ونوم وَهُوَ الْجَوْهَر وَهُوَ أَيْضا الهيولي وَهُوَ أَيْضا الطينة والخميرة خَمْسَة لم تزل وَإِن اهرمن هُوَ فَاعل الشرور وَإِن اورمن فَاعل الْخيرَات وَإِن نوم هُوَ الْمَفْعُول فِيهِ كل ذَلِك
وَقد أفردنا فِي نقض هَذِه الْمقَالة كتابا جمعناه فِي نقض كَلَام مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ الطَّبِيب فِي كِتَابه الموسوم بِالْعلمِ الإلهي وَالْمَجُوس يعظمون الْأَنْوَار والنيران والمياه إِلَّا أَنهم يقرونَ بنبوة زرادشت وَلَهُم شررائع يضيفونها إِلَيْهِ وَمِنْهُم
стр. 28
المزدقية وهم أَصْحَاب مزدق الموبذ وهم الْقَائِلُونَ بالمساواة فِي المكاسب وَالنِّسَاء والخزمية أَصْحَاب بابك وهم فرقة من فرق المزدقية وهم أَيْضا سر مَذْهَب الإسماعيليلة وَمن كَانَ على قَول القرامطة وَبني عبيد وعنصرهم وَقد يُضَاف إِلَى جملَة من قَالَ أَن مُدبر الْعَالم أَكثر من وَاحِد الصابئون وهم يَقُولُونَ بقدم الأصليين على مَا قدمنَا نَحن قَول الْمَجُوس إِلَّا أَنهم يَقُولُونَ بتعظيم الْكَوَاكِب السَّبْعَة والبروج الاثْنَي عشر ويصورونها فِي هياكلهم ويقربون الذَّبَائِح والدخن وَلَهُم صلوَات خمس فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة تقرب من صلوَات الْمُسلمين وَيَصُومُونَ شهر رَمَضَان ويستقبلون فِي صلَاتهم الْكَعْبَة وَالْبَيْت الْحَرَام ويعظمون مَكَّة والكعبة ويحرمون الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير ويحرمون من القرائب مَا يحرم على الْمُسلمين وعَلى نَحْو هَذِه الطَّرِيقَة تفعل الْهِنْد بالبددة فِي تصويرها على أَسمَاء الْكَوَاكِب وتعظيمها وَهُوَ كَانَ أصل الْأَوْثَان فِي الْعَرَب والدقاقرة فِي السودَان حَتَّى آل الْأَمر مَعَ طول الزَّمَان إِلَى عِبَادَتهم إِيَّاهَا وَكَانَ الَّذِي يَنْتَحِلهُ الصائبون أقدم الْأَدْيَان على وَجه الدَّهْر وَالْغَالِب على الدُّنْيَا إِلَى أَن أَحْدَثُوا فِيهِ الْحَوَادِث وبدلوا شرائعه بِمَا ذكرنَا فَبعث الله إِلَيْهِم إِبْرَاهِيم خَلِيله ﷺ بدين الْإِسْلَام الَّذِي نَحن عَلَيْهِ الْآن وَتَصْحِيح مَا أفسدوه
стр. 29
بالحنفية السمحة الَّتِي أَتَى بهَا مُحَمَّد ﷺ من عِنْد الله تَعَالَى فَبين لَهُم كَمَا نَص فِي الْقُرْآن بطلَان مَا أحدثوه من تَعْظِيم الْكَوَاكِب وعبادتها وَعبادَة الْأَوْثَان فلقي مِنْهُم مَا نَصه الله فِي كِتَابه وَكَانُوا فِي ذَلِك الزَّمَان وَبعده يسمون الحنفاء وَمِنْهُم الْيَوْم بقايا بحران وهم قَلِيل جدا فَهَذِهِ فرقة
وَيدخل من هَذِه الْفرْقَة من وَجه وَيخرج مِنْهَا من وَجه آخر النَّصَارَى فَأَما الْوَجْه الَّذِي يدْخلُونَ بِهِ فَهُوَ قَوْلهم بالتثليث وَأَن خَالق الْخلق ثَلَاثَة وَأما الْوَجْه الَّذِي يخرجُون بِهِ فَهُوَ أَن للصابئين شرائع يسندونها إِلَى هرمس وَيَقُولُونَ أَنه إِدْرِيس وَإِلَى قوم آخر يذكرُونَ أَنهم أَنْبيَاء كايلون وَيَقُولُونَ أَنه نوح ﵇ واسفلانيوس صَاحب الهيكل الْمَوْصُوف وعاظميون ويوداسف وَغَيرهم وَالنَّصَارَى لَا يعْرفُونَ هَؤُلَاءِ لَكِن يقرونَ بنبوة نَبِي تعرفه من بني إِسْرَائِيل وَإِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب ﵈ وَلَا يعْرفُونَ نبوة إِسْمَاعِيل وَصَالح وَهود وَشُعَيْب وَيُنْكِرُونَ نبوة مُحَمَّد ﷺ وعَلى إخْوَته الْأَنْبِيَاء ﵈ والصابئون لَا يقرونَ بنبوة أحد مِمَّن ذكرنَا أصلا وَكَذَلِكَ الْمَجُوس لَا يعْرفُونَ إِلَّا زرادشت فَقَط
وَأما الْفرْقَة الثَّانِيَة فَإِنَّهَا تذْهب إِلَى أَن الْعَالم هُوَ مدبروه لَا غَيرهم الْبَتَّةَ وهم الديصانية والمزقونية والمانية الْقَائِلُونَ بأزلية الطبائع الْأَرْبَع بسائط غير ممتزجة ثمَّ حدث الامتزاج فَحدث الْعَالم بامتزاجها فَأَما المانية فَإِنَّهُم يَقُولُونَ أَن أصلين لم يَزَالَا وهما نور الظلمَة وَأَن النُّور والظلمة حَيَّة وَأَن كليهمَا غير متناه إِلَّا من الْجِهَة الَّتِي لَاقَى مِنْهَا الآخر وَأما من جهاته الْخمس فَغير متناه وأنهما جرمان وَثمّ لَهُم فِي وصف امتزاجهم أَشْيَاء شَبيهَة بالخرافات وهم أَصْحَاب ماني
وَقَالَ المتكلمون أَن ديصان كَانَ تلميذ ماني وَهَذَا خطأٌ بل كَانَ أقدم من ماني لِأَن ماني ذكره فِي كتبه ورد عَلَيْهِ وهما متفقان فِي كل مَا ذكرنَا إِلَّا أَن الظلمَة عِنْد ماني حَيَّة
وَقَالَ ديصان هِيَ موَات وَكَانَ ماني رَاهِبًا بحران وأحدث هَذَا الدّين وَهُوَ الَّذِي قَتله الْملك بهْرَام بن بهْرَام إِذْ ناظره بِحَضْرَتِهِ إذرباذ بن ماركسفند موبذ مو بذان فِي مَسْأَلَة قطع النَّسْل وتعجيل فرَاغ الْعَام فَقَالَ لَهُ الموبذ أَنْت الَّذِي تَقول بِتَحْرِيم النِّكَاح ليستعجل فنَاء الْعَالم وَرُجُوع كل شكل إِلَى شكله وَأَن ذَلِك حق وَاجِب فَقَالَ لَهُ ماني وَاجِب أَن يعان النُّور على خلاصه بِقطع النَّسْل مِمَّا هُوَ فِيهِ من الامتزاج فَقَالَ لَهُ أذر باذ فَمن الْحق الْوَاجِب أَن يعجل لَك هَذَا الْخَلَاص الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ وتعان على إبِْطَال هَذَا الامتزاج المذموم فَانْقَطع ماني فَأمر بهْرَام بقتل ماني فَقتل هُوَ وَجَمَاعَة
стр. 30
من أَصْحَابه وهم لَا يرَوْنَ الذَّبَائِح وَلَا إيلام الْحَيَوَان وَلَا يعْرفُونَ من الْأَنْبِيَاء ﵈ إِلَّا عِيسَى ﵇ وَحده وهم يقرونَ بنبوة زرادشت وَيَقُولُونَ بنبوة ماني وَقَالَت المزقزنية أَيْضا كَذَلِك إِلَّا أَنهم قَالُوا نور وظلمة لم يَزَالَا وثالث أَيْضا بَينهمَا لم يزل إِلَّا أَن هَؤُلَاءِ كلهم متفقون على أَن هَذِه الْأُصُول لم تحدث شَيْئا هُوَ غَيرهَا لَكِن حدث من امتزاجها وَمن أبعاضها بالاستحالة صور الْعَالم كُله فَهَذِهِ الْفرق كلهَا مطبقة على أَن الْفَاعِل أَكثر من وَاحِد وَإِن اخْتلف فِي الْعدَد وَالصّفة وَكَيْفِيَّة الْعقل وإلزامات الشَّرَائِع وكلامنا هَذَا كَلَام اخْتِصَار وإيجاز وَقصد إِلَى اسْتِيعَاب قَوَاعِد الِاسْتِدْلَال والبراهين الضرورية والنتائج الْوَاجِبَة من الْمُقدمَات الأولية الصَّحِيحَة وإضراب عَن الشغب والتطويل الَّذِي يَكْتَفِي بِغَيْرِهِ عَنهُ فَإِنَّمَا وكدنا بعون الله تَعَالَى أَن نبين بالبراهين الضرورية أَن الْفَاعِل وَاحِد لَا أَكثر الْبَتَّةَ ونبين بطلَان أَن يكون أَكثر من وَاحِد كَمَا فعلنَا بتأييد الله إِذْ بَينا بالبراهين الضرورية أَن الْعَالم مُحدث كَانَ بعد أَن لم يكن وَإِن لَهُ مخترعاً مُدبرا لم يزل وَسَقَطت خرافاتهم المضافة إِلَى الْأَوَائِل الْفَاسِدَة فِي وَصفهم الفاعلين وَكَيْفِيَّة أفعالهم إِذْ لاتكون صفة إِلَّا لموصوف فَإِذا بَطل الْمَوْصُوف بطلت الصّفة الَّتِي وصفوه بهَا
وَأما الِاشْتِغَال أحكامهم الشَّرْعِيَّة فلسنا من ذَلِك فِي شَيْء لِأَنَّهُ لَيْسَ من الشَّرَائِع العلمية شَيْء يُوجِبهُ الْعقل وَلَا شَيْء يمْنَع مِنْهُ الْعقل بل كلهَا من بَاب الْمُمكن فَإِذا قَامَت الْبَرَاهِين الضرورية على قَول الْآمِر بهَا وَوُجُوب طَاعَته وَجب قبُول كل مَا أَتَى بِهِ كَائِنا مَا كَانَ من الْأَعْمَال وَلَو أَنه قتل أَنْفُسنَا وأبنائنا وَآبَائِنَا وَأُمَّهَاتنَا وَإِذا لم يَصح قَول الْآمِر بهَا وَلم يَصح وجوب طَاعَته لَا يلْتَفت إِلَى مَا يَأْمر بِهِ أَي شَيْء كَانَ من الْأَعْمَال وكل شَرِيعَة كَانَت على خلاف هَذَا فَهِيَ بَاطِلَة فكلامنا مَعَ الْفرق الَّتِي ذكرنَا فِي إِثْبَات أَن الْفَاعِل الأول وَاحِدًا لَا أَكثر وَإِبْطَال أَن يكون أَكثر من وَاحِد وَهُوَ حاسم لكل شغب يأْتونَ بِهِ بعد ذَلِك وكاف من التَّكَلُّف لما قد كفته الْمَرْء بِيَسِير من الْبَيَان وَمَا توفيقنا إِلَّا بِاللَّه تَعَالَى
ونبدأ بحول الله تَعَالَى وَقدرته بإيراد عُمْدَة مَا موهو بِهِ فِي إِثْبَات أَن الْفَاعِل أَكثر من وَاحِد ثمَّ ننقضه بحول الله تَعَالَى وقوته بالبراهين الْوَاضِحَة ثمَّ نشرع إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي إِثْبَات أَنه تَعَالَى وَاحِد بِمَا لَا سَبِيل إِلَى رده وَلَا اعْتِرَاض فِيهِ كَمَا فعلنَا فِيمَا خلا من كتَابنَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
عُمْدَة مَا عول عَلَيْهِ الْقَائِلُونَ بِأَن الْفَاعِل أَكثر من وَاحِد استدلالان فاسدان أَحدهمَا هُوَ اسْتِدْلَال المانية
стр. 31
والديصانية وَالْمَجُوس والصابئة والمزدقية وَمن ذهب مذاهبهم وَهُوَ أَنهم قَالُوا وجدنَا الْحَكِيم لَا يفعل الشَّرّ وَلَا يخلق خلقا ثمَّ يُسَلط عَلَيْهِ غَيره وَهَذَا عيب فِي الْمَعْهُود وَوجدنَا الْعَالم كُله يَنْقَسِم قسمَيْنِ كل قسم مِنْهُمَا ضد الآخر كالخير وَالشَّر والفضيلة والرذيلة والحياة وَالْمَوْت والصدق وَالْكذب فَعلمنَا أَن الْحَكِيم لَا يفعل إِلَّا الْخَيْر وَمَا يَلِيق فعله بِهِ وَعلمنَا أَن الشرور لَهَا فَاعل غَيره وَهُوَ شَرّ مِنْهَا وَالِاسْتِدْلَال الثَّانِي وَهُوَ اسْتِدْلَال من قَالَ بتدبير الْكَوَاكِب السَّبْعَة والاثني عشر برجاً وَمن قَالَ بالطبائع الْأَرْبَع وَهُوَ أَن قَالُوا لَا يفعل الْفَاعِل أفعالاً مُخْتَلفَة إِلَّا بِأحد وُجُوه أَرْبَعَة إِمَّا أَن يكون ذَا قوى مُخْتَلفَة وَإِمَّا أَن يفعل بآلات مُخْتَلفَة وَإِمَّا أَن يفعل باستحالة وَإِمَّا أَن يفعل فِي أَشْيَاء مُخْتَلفَة قَالُوا فَلَمَّا بطلت هَذِه الْوُجُوه كلهَا وَإِذا لَو قُلْنَا إِنَّه يفعل بقوى مُخْتَلفَة لحكمنا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مركب فَكَانَ يكون من أحد المفعولات وَلَو قُلْنَا إِنَّه يفعل باستحالة لوَجَبَ أَن يكون منفعلاً للشَّيْء الَّذِي أَحَالهُ فَكَانَ يدْخل بذلك فِي جملَة المفعولات وَلَو قُلْنَا إِنَّه يفعل أَشْيَاء مُخْتَلفَة لوَجَبَ أَن تكون تِلْكَ الْأَشْيَاء مَعَه وَهُوَ لم يزل فَتلك الْأَشْيَاء لم تزل فَكَانَ حِينَئِذٍ لَا يكون مخترعاً للْعَالم وَلَا فَاعِلا لَهُ قَالُوا فَعلمنَا بذلك أَن الفاعلين كثير وَأَن كَانَ وَاحِد يفعل مَا يَشَاء كُله
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فَهَذِهِ عُمْدَة مَا عول عَلَيْهِ وَمن لم يقل بِالتَّوْحِيدِ وكلا هذَيْن الاستدلالين خطأ فَاحش على مَا نبين إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فَيُقَال وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق لمن احْتج بِمَا احتجت بِهِ المانية من أَنه لَا يفعل الْحَكِيم الشَّرّ وَلَا الْعَبَث هَل يَخْلُو علمكُم بِأَن هَذَا الشَّيْء شَرّ وعبث من أحد وَجْهَيْن لَا ثَالِث لَهما إِمَّا أَن تَكُونُوا علمتموه بسمع وردكم وَخبر وَإِمَّا أَن تَكُونُوا علمتموه بضرورة الْعقل
فَإِن قُلْتُمْ أَنكُمْ علمتموه من طَرِيق السّمع قيل لكم هَل معنى السّمع الْآتِي غير أَن مُبْتَدع الْخلق ومرتبة سمي هَذَا الشَّيْء شرا وَأمر باجتنابه وَسمي هَذَا الشَّيْء الآخر خيرا وَأمر بإتيانه فَلَا بُد من نعم إِذْ هَذَا هُوَ معنى اللَّازِم عِنْد كل من قَالَ بِالسَّمْعِ فَيُقَال لَهُم فَإِنَّمَا صَار الشَّرّ شرا لنهي الْوَاحِد الأول عَنهُ وَإِنَّمَا صَار الْخَيْر خيرا لأَمره فَلَا بُد من نعم فَإِذا كَانَ هَذَا فقد ثَبت أَن من لَا مبدع وَلَا مُدبر لَهُ وَلَا آمُر فَوْقه لَا يكون شَيْء من فعله شرا إِذا السَّبَب فِي كَون الشَّرّ شرا هُوَ الْإِخْبَار بِأَنَّهُ شَرّ وَلَا مخبر يلْزم طَاعَته إِلَّا الله تَعَالَى فَإِن قَالَ فَكيف يفعل هُوَ شَيْئا قد أخبر أَنه شَرّ قَلِيل لَهُ لَيْسَ يفعل الْجِسْم فِيمَا يُشَاهد غير الْحَرَكَة والسكون وَالْحَرَكَة كلهَا جنس وَاحِد فِي أَنَّهَا
стр. 32
نقلة مكانية وَكَذَلِكَ السّكُون جنس وَاحِد كُله فَإِنَّمَا أمرنَا تَعَالَى بِفعل بَعْضهَا ونهانا عَن فعل بَعْضهَا وَلم يفعل هُوَ الْحَرَكَة قطّ على أَنه متحرك بهَا وَلَا السّكُون على أَنه سَاكن بِهِ وَإِنَّمَا فعلهمَا على سَبِيل الإبداع فتحركنا نَحن بحركة نهينَا عَنْهَا وسكوننا بِسُكُون نهينَا عَنهُ هُوَ الشَّرّ
وَكَذَلِكَ اعْتِقَاد النَّفس مَا نهبت عَنهُ وَهَذَا كُله غير مَوْصُوف بِهِ الْبَارِي تَعَالَى وَإِن قَالُوا علمنَا ذَلِك ببداهة الْعقل قيل لَهُم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق أَلَيْسَ الْعقل قُوَّة من قوى النَّفس وداخلاً تَحت الْكَيْفِيَّة على الْحَقِيقَة أَو تَحت الْجَوْهَر على قَول من لَا يحصل فَلَا بُد من نعم فَيُقَال لَهُم إِنَّمَا يُؤثر الْعقل مَا هُوَ من شكله فِي بَاب الكيفيات فيميز بَين خطئها وصوابها وَيعرف أحوالها ومراتبها وَأما فِيمَا هُوَ فَوْقه وَفِيمَا لم يزل الْعقل مَعْدُوم وَفِي مخترع الْعقل ومرتبه كَمَا هُوَ فَلَا تَأْثِير لِلْعَقْلِ فِيهِ إِذْ لَو أثر فِيهِ لَكَانَ مُحدثا على مَا قدمنَا من أَن الْأَثر من بَاب الْمُضَاف فَهِيَ تَقْتَضِي مؤثراً فَكَانَ يكون الْبَارِي تَعَالَى منفعلاً لِلْعَقْلِ وَكَانَ يكون الْعقل فَاعِلا فِيهِ تَعَالَى وحاكماً عَلَيْهِ جلّ الله عَن ذَلِك
وَقد بَينا فِي كتَابنَا هَذَا أَن الْبَارِي تَعَالَى لَا يُشبههُ شَيْء من خلقه بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَا يجْرِي مجْرى خلقه فِي معنى وَلَا حكم وَذكرنَا أَيْضا فِيهِ إبِْطَال قَول من قَالَ بِتَسْمِيَة الْبَارِي حَيا أَو حكيماً أَو قَادِرًا أَو غير ذَلِك من سَائِر الصِّفَات من جِهَة الِاسْتِدْلَال حاشى أَرْبَعَة أَسمَاء فَقَط وَهِي الأول الْوَاحِد الْحق الْخَالِق فَقَط وَهِي الْأَسْمَاء هِيَ الَّتِي لَا يَسْتَحِقهَا شيءٌ فِي الْعَالم غَيره فَلَا أول سواهُ الْبَتَّةَ وَلَا وَاحِد سواهُ الْبَتَّةَ وَلَا خَالق سواهُ الْبَتَّةَ وَلَا حق سواهُ الْبَتَّةَ على الْإِطْلَاق وكل مَا دونه تَعَالَى فَإِنَّمَا هُوَ حق بالباري تَعَالَى وَلَوْلَا الْبَارِي تَعَالَى مَا كَانَ شيءٌ فِي الْعَالم حَقًا وكل مَا دونه تَعَالَى فَإِنَّمَا حق بِالْإِضَافَة وَلَوْلَا أَن السّمع قد ورد بِسَائِر الْأَسْمَاء الَّتِي ورد الْخَبَر الصَّادِق بهَا مَا جَازَ أَن يُسمى الله بشسء مِنْهَا وَلَكِن قد بَينا فِي مَكَانَهُ من هَذَا الْكتاب على أَي شَيْء تَسْمِيَته بِمَا ورد السّمع وَإِن ذَلِك تَسْمِيَة لَا يُرَاد بهَا غَيره تَعَالَى وَلَا يرجع مِنْهَا إِلَى شَيْء سواهُ الْبَتَّةَ وَأَيْضًا فَإِن دليلهم فِيمَا سموا بِهِ الْبَارِي تَعَالَى وأجروه عَلَيْهِ إقناعي شغبي وَفِيه نشبيه للخالق بخلقه وَفِي تشبيههم لَهُ بخلقه حكم عَلَيْهِ بالحدوث وَأَن يكون الْفَاعِل مَفْعُولا وَقد قدمنَا إبِْطَال ذَلِك وَيُقَال لَهُم إِن التزمتم أَن يكون فَاعل فِيمَا عندنَا عابثاً فقررتم بذلك على أَن يكون فَاعل الْعَالم وَاحِدًا وقدد علمنَا فِيمَا بَينا أَن تَارِك الشَّيْء لَا يُغَيِّرهُ وَهُوَ قَادر على
стр. 33
تَغْيِيره عابث ظَالِم وَلَا يَخْلُو فَاعل الْخيرَات عنْدكُمْ من أَن يكون قَادِرًا على تَغْيِيره وَالْمَنْع مِنْهُ وَلم يُغَيِّرهُ فقد صَار عنْدكُمْ عابثاً ضَرُورَة فقد وَقَعْتُمْ فِيمَا عَنهُ فررتم ضَرُورَة وَإِن قُلْتُمْ أَنه غير قَادر على تَغْيِيره وَلَا الْمَنْع مِنْهُ فَهُوَ بِلَا شكّ عَاجز ضَعِيف وَهَذِه صفة سوء عنْدكُمْ فَهَلا تركْتُم القَوْل بِأَنَّهُ أَكثر من وَاحِد لهَذَا الِاسْتِدْلَال فَإِنَّهُ أصح على أصولكم ومقدماتكم وَأما نَحن فمقدمتكم عندنَا فَاسِدَة بالبرهان الَّذِي ذَكرْنَاهُ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ والمانية تزْعم أَن النُّور كَانَ فِي الْعُلُوّ إِلَى مَا نِهَايَة لَهُ وَأَن الظلمَة فِي السّفل إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَأَن كل وَاحِد مِنْهَا متناهي المساحة من الْجِهَة الَّتِي لَاقَى مِنْهَا الآخر وَغير متناه من جهاته الْخمس وَأَن اللَّذَّة للنور خَاصَّة لَا للظلمة وَأَن الْأَذَى للظلمة خَاصَّة لَا للنور
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فَأَما بطلَان هَذَا القَوْل فِي عدم التناهي من الْجِهَات الْخمس فَيفْسد بِمَا أَوجَبْنَا بِهِ تناهي جسم الْعَالم وَأما قَوْلهم بالعلو والسفل فَظَاهر الْفساد لِأَن السّفل لَا يكون إِلَّا بِالْإِضَافَة وَكَذَلِكَ الْعُلُوّ فَكل علو فَهُوَ سفل لما فَوْقه حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى الصفحة الْعليا الَّتِي لَا صفحة فَوْقهَا وَهُوَ لَا يقرونَ بهَا وكل سفل فَهُوَ علو لما تَحْتَهُ حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى المركز وهم لَا يقرونَ بهَا فصح ضَرُورَة أَن فِي الظلمَة على قَوْلهم علوا وَأَن فِي النُّور سفلاً
وَأما قَوْلهم فِي اللَّذَّة والأذى ففاسد جدا لِأَن اللَّذَّة لَا تكون إِلَّا بِالْإِضَافَة وَكَذَلِكَ الْأَذَى فَإِن الْإِنْسَان لَا يتلذ بِمَا يلتذ بِهِ الْحمار ويتأذى بِمَا لَا يتَأَذَّى بِهِ الأفعى فَبَطل هُوَ سهم بِيَقِين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
سُؤال غلى المانية دامغ لقَولهم بحول الله وقوته وَهُوَ أَن يُقَال لَهُم ألهذه الأجساد أنفس أم لَا فَإِن قَالُوا لَا قيل لَهُم فَهَذِهِ الأجساد لَا تحلو على أصولكم من أَن يكون فِي كل جَسَد مِنْهَا نور وظلمة أَو يكون بعض الأجساد نورا مَحْضا وَبَعضهَا ظلمَة مَحْضَة فَإِن قَالُوا فِي كل جَسَد نور وظلمة قيل لَهُم فَهَل يجوز من الظلمَة فعل الْخَيْر فَلَا بُد من لَا لِأَنَّهُ لَو فعل الْخَيْر لانتقلت إِلَى النُّور وَكَذَلِكَ لَا يجوز أَن يفعل النُّور شرا لِأَنَّهُ كَانَ يصير ظلمَة فَيُقَال لَهُم فإي معنى لدعائكم إِلَى الْخَيْر ونهيكم عَن النِّكَاح وَالْقَتْل وأخبرونا من تدعون إِلَى كل ذَلِك فَإِن كُنْتُم تدعون النُّور فَهُوَ طبعه وَهُوَ فَاعل لَهُ بطبعه قبل أَن تَدعُوهُ إِلَيْهِ لَا يُمكنهُ أَن يحول عَنهُ فدعاؤكم لَهُ إِلَى مَا يَفْعَله وأمركم لَهُ يتْرك مَا لَا يَفْعَله عَبث من النُّور دَاع إِلَى الْمحَال وَهَذَا خلاف أصلكم وَإِن كُنْتُم تدعون الظلمَة فَذَلِك عَبث من النُّور لَهَا إِلَى ذَلِك إِذْ لَا سَبِيل لَهَا إِلَى ترك طبعها وَكَذَلِكَ يُقَال لَهُم سَوَاء بِسَوَاء إِن قَالُوا إِن من الأجساد مَا هُوَ نور مَحْض وَمِنْهَا مَا هُوَ ظلمَة مَحْضَة وَهَكَذَا يسئلون فِي الْأَرْوَاح أَن أقرُّوا بهَا ثمَّ يسئلون عَمَّن رَأَيْنَاهُ ينْكح وَيقتل وَيظْلم ويكذب
стр. 34
ثمَّ يَتُوب عَن كل ذَلِك من الْقَاتِل الظَّالِم أهوَ النُّور أم الظلمَة وَمن النَّائِب النُّور أم الظلمَة فَأَي ذَلِك قَالُوا فَهُوَ هدم مَذْهَبهم وَقد جوزوا الاستحالة فَإِن قَالُوا معنى دعائنا إِلَى مَا نَدْعُو إِلَيْهِ من ذَلِك إِنَّمَا هُوَ حض للنور على الْمَنْع للظلمة من ذَلِك قيل لَهُم أَكَانَ النُّور قَادِرًا على منعهَا قبل دعائكم أم لَا فَإِن قَالُوا كَانَ قَادِرًا قيل لَهُم فقد ظلم بِتَرْكِهِ إِيَّاهَا تظلم وَهُوَ يقدر على منعهَا قبل دعائكم وَإِن قُلْتُمْ لم يذكر حَتَّى نبه قيل لَهُم فَهَذَا نقص مِنْهُ وَجَهل وصفات شَرّ لَا تلِيق بِالنورِ على قَوْلكُم وَهَذَا مَالا انفكاك لَهُم مِنْهُ وَأَيْضًا فَيُقَال لَهُم إِن الدَّاعِي مِنْكُم إِلَى دينه لَا يَقُول لمن دَعَاهُ كف غَيْرك عَن ظلمه إِنَّمَا يَقُول لَهُ كف عَن ظلمك وارجع عَن ضلالك وَلَقَد أَحْسَنت فِي رجوعك عَن الْبَاطِل إِلَى الْحق فَإِن كُنْتُم تأمرون بِأَن يُخَاطب بذلك الظلمَة فَالْأَمْر بذلك كَاذِب آمُر بِالْكَذِبِ وَإِن كُنْتُم تأمرون بِأَن يُخَاطب بذلك النُّور فَالْأَمْر بذلك أَيْضا كَاذِب آمُر بِالْكَذِبِ = فَإِن قَالُوا فإي معنى لدعائكم إِلَى الْخَيْر وَقد سبق علم الله تَعَالَى فِيمَن يُعلمهُ وَمن لَا يُعلمهُ قيل لَهُم جَوَاب بَعْضنَا فِي هَذَا هُوَ أَن كل من يدعى إِلَى الْخَيْر فممكن وُقُوعه مِنْهُ وممكن أَيْضا فعل الشَّرّ مِنْهُ ومتوهم كل ذَلِك مِنْهُ فَوجه دعائنا لَهُ مَعْرُوف وَلَيْسَ علم الله تَعَالَى إجباراً وَإِنَّمَا هُوَ أَنه تَعَالَى علم مَا يختاره العَبْد وَجَوَاب بَعْضنَا فِي ذَلِك هُوَ أَن فَاعل كل مَا يَبْدُو فِي الْعَالم فعل خلق وإبداع فَهُوَ الله لَا يتعقب عَلَيْهِ فَهُوَ خَالق دعائنا من تَدعُوهُ فَإِن ذَلِك كَذَلِك فَلَا يجوز سُؤال الْخَالِق لما شَاءَ بلم فعلت وَهَذَا هُوَ الْجَواب الَّذِي نختاره وَيُقَال لَهُم أَيْضا أخبرونا عَن ماني والمسيح وزرادشت وَأَنْتُم تعظمونهم أفيهم ظلمَة أم كَانُوا أنورا مَحْضَة فَمن قَوْلهم وَلَا بُد أَن فيهم ظلمَة لأَنهم يَتَغَوَّطُونَ ويجزعون ويألمون فَيُقَال لَهُم فَلم عجز النُّور الَّذِي فِيكُم عَن مثل ذَلِك فَإِن قَالُوا لقلته قيل لَهُم فَكَانَ يجب أَن يَأْتِي من المعجزات وَلَو بِيَسِير على قدره وَهَذَا مَا لَا مخلص لَهُم مِنْهُ أصلا وَيُقَال لَهُم أَيْضا إِن من الْعَجَائِب إلزامكم ترك النِّكَاح لتعجلوا قطع النَّسْل فهبكم قدرتم على ذَلِك فَكيف تَصْنَعُونَ فِي الْوَحْش وَالطير وَسَائِر الْحَيَوَان الْبري والحشرات وحيوان الْمِيَاه والبحار الَّتِي تقتل بَعْضهَا بَعْضًا أَشد من قتل بعض النَّاس لبَعض وَأكْثر فَكيف السَّبِيل إِلَى قطع تناسلها وفراع امتزاجها وَهَذَا مَا لَا سَبِيل لكم إِلَيْهِ أصلا فَإِن كَانَ النُّور عَاجِزا عَن قطعهَا فَلَا سَبِيل لَهُ إِلَى خلاص أَجْزَائِهِ أَبَد الْأَبَد وَإِن كَانَ على ذَلِك قَادِرًا فَلم لم يعجل خلاص أَجْزَائِهِ وَلم يَتْرُكهَا تردد فِي الظُّلُمَات وأعجب شَيْء مَنعهم من الْقَتْل وَهَذَا عون مِنْهُم على بَقَاء المزاج وعَلى منع الْخَلَاص واستنقاذ
стр. 35
النُّور وَقطع المزاج وَهَذَا تنَاقض ظَاهر مِنْهُم لَا خَفَاء بِهِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد
وكل مَا قدمنَا من الْبَرَاهِين على حُدُوث الْعَالم وَإِيجَاب النِّهَايَة فِي جرمه وأشخاصه وأزمانه فَهُوَ لَازم الْأَصْلَيْنِ النُّور والظلمة على أصُول المانية وعَلى كل من يَقُول بِأَن الْفَاعِل أَكثر من وَاحِد وَأَنه لم يزل مَعَ المفاعل غَيره لُزُوم ضَرُورَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
وَأما الِاسْتِدْلَال الثَّانِي الَّذِي عولوا فِيهِ على أَقسَام من يفعل أفعالا مخلفة فَهُوَ اسْتِدْلَال فَاسد أَيْضا لأَنهم إِنَّمَا عولوا فِيهِ على الْأَقْسَام الْمَوْجُودَة فِي الْعَالم وَقد قدنا الْبَرَاهِين الضرورية على حُدُوث الْعَالم وعَلى أَن محدثه لَا يشبه فِي شَيْء من الْأَشْيَاء فَلَا سَبِيل إِلَى أَن يدْخل تَحت شَيْء من أَقسَام الْعَالم لكنه تَعَالَى يقعل الْأَشْيَاء الْمُخْتَلفَة والأشياء المتفقة مُخْتَارًا لكل ذَلِك وَحين شَاءَ لَا عِلّة لشَيْء من ذَلِك إِذْ قدمنَا أَن مَا حصرته الطبيعة فَهُوَ متناه والمتناهي مُحدث على قدمنَا من أَن يكون ذَا قوى أَو فَاعِلا بآلات أَو فَاعِلا باستحالة أَو فَاعِلا فِي أَشْيَاء لِأَن هَذَا كُله يَقْتَضِي أَن يكون مُحدثا تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَهُوَ لم يزل فقد وَجب ضَرُورَة أَن يكون الْبَارِي تَعَالَى يفعل مَا يَشَاء من مُخْتَلف ومتفق مُخْتَارًا دون عِلّة مُوجبَة عَلَيْهِ شَيْئا من ذَلِك وَلَا بِقُوَّة هِيَ غَيره وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
وكل مَا ألزمنا من يَقُول إِن الْعَالم لم يزل من الْبَرَاهِين الضرورية فَهُوَ لَازم للمانية والديصانية والمزقونية والقائلين بأزلية الطبائع والهيولي لِأَن الْعَالم عِنْد هَؤُلَاءِ لَيْسَ هُوَ شَيْئا غير تِلْكَ الْأُصُول الَّتِي لم تزل عِنْدهم وَإِنَّمَا حدثت فيهم عِنْدهم الصُّورَة فَقَط وَيدخل أَيْضا عَلَيْهِم القَوْل يتناهي الْأَصْلَيْنِ لِأَنَّهُمَا عِنْدهم جسمان والجسم متناه ضَرُورَة لبرهانين نوردهما إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَذَلِكَ أننا نقُول لَا يَخْلُو كل جرم من الأجرام من أَن يكون متحركاً أَو سَاكِنا فَإِن كَانَ متحركاً أَو سَاكِنا فَإِن كَانَ متحركاً فقد علمنَا أَن الْمسَافَة الَّتِي لَا تتناهى لَا تقطع أصلا لَا فِي زمَان متناه وَلَا فِي زمَان غير متناه ثمَّ لَا تَخْلُو حركته من أَن تكون إِمَّا باستدارة وَإِمَّا إِلَى جِهَة من الْجِهَات وَلَا ثَالِث لهذين الْوَجْهَيْنِ
فَإِن كَانَ متحركاً باستدارة وَهُوَ غير متناه فَهَذَا محَال لِأَن الخطين الخارجين من الْوسط إِلَى الْمشرق وَإِلَى الْعُلُوّ غير متناهين إِذن فَكَانَ يجب أَن يكون الْجُزْء الَّذِي فِي سمت الْمشرق مِنْهُ لَا يبلغهُ إِلَى الْعُلُوّ الَّذِي هُوَ سمت الرَّأْس مِنْهُ أبدا فقد بطلت الْحَرَكَة على هَذَا فَهَذَا إِذن متحرك لَا متحرك وَهَذَا محَال مَعَ مُشَاهدَة العيان لقطع كل جُزْء من الْفلك الْكُلِّي جَمِيع مسافته ورجوعه إِلَى حَيْثُ ابْتَدَأَ مِنْهُ فِي كل أَربع وَعشْرين سَاعَة
وَإِن كَانَ متحركاً إِلَى جِهَة من الْجِهَات فَهَذَا أَيْضا محَال لِأَن الْحَرَكَة نقلة من مَكَان إِلَى مَكَان فَإِذا وجد هَذَا الْجِسْم مَكَانا ينْتَقل إِلَيْهِ
стр. 36
لم يكن فِيهِ قبل ذَلِك فقد ثبتَتْ النِّهَايَة لَهُ ضَرُورَة لِأَن وجوده غير كَائِن فِي الْمَكَان الَّذِي انْتقل إِلَيْهِ مُوجب لانقطاعه قبله وَإِن كَانَ لم يزل فِي الْمَكَان الَّذِي انْتقل إِلَيْهِ وَهَكَذَا فِيمَا بعده من الْأَمْكِنَة فَلم يزل غير منتقل وَقد قُلْتُمْ أَنه لم يزل منتقلاً فَهُوَ إِذن متحرك لَا متحرك وَهَذَا محَال
وَإِن قُلْتُمْ سَاكن قُلْنَا لكم اقْطَعُوا من هَذَا الجرم قِطْعَة بالوهم فَإِذا توهموا ذَلِك سألناهم مَتى كَانَ هَذَا الجرم أعظم أقبل أَن تقطع مِنْهُ هَذِه الْقطعَة أَو بعد أَن قطعت فأياما قَالُوا أَو إِن قَالُوا أَنه مساوؤ لنَفسِهِ قبل أَن تقطع مِنْهُ هَذِه الْقطعَة فقد أثبتوا النِّهَايَة إِذْ لَا تقع الْكَثْرَة والقلة والتساوي إِلَّا فِي ذِي نِهَايَة
وَأَيْضًا فَإِن الْمَكَان والجرم مِمَّا يَقع تَحت الْعدَد كوقوع الزَّمَان تَحت الْعدَد فَكل مَا أدخلْنَاهُ فِيمَا خلا من تناهي الزَّمَان من طَرِيق الْعدَد فَهُوَ لَازم فِي تناهي الْمَكَان والجرم من طَرِيق الْعدَد بالمساحة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وكل مَا ألزمناه من يَقُول بِأَن الْأَجْسَام لم تزل فَهُوَ لَازم بِعَيْنِه لمن يَقُول أَن السَّبْعَة كواكب والاثني عشر برجاً لم تزل لِأَنَّهَا أجسام جَارِيَة تَحت أَقسَام الْفلك وحركته فَانْظُر هُنَالك مَا ألزمناه من حُدُوث الْأَجْسَام وأزمانها فَهُوَ لَازم لهَؤُلَاء وَتَركنَا مَا ألزمناه فِي حُدُوث الْأَجْسَام فِي فروع أَقْوَالهم كَقَوْلِهِم فِي المزاج والخلاص وصفات النُّور والظلمة إِذا إِنَّمَا قصدنا اجتثاث أصُول الْمذَاهب الْفَاسِدَة فِي أَن الْفَاعِل أَكثر من وَاحِد واعتمدنا الْبَيَان فِي إِثْبَات الْوَاحِد فَقَط فَإذْ قد ثَبت ذَلِك ببراهين ضَرُورِيَّة بَطل كل مَا عرفوه من هَذَا الأَصْل الْفَاسِد إِنَّمَا قصدنا مَا تدفع إِلَيْهِ الضَّرُورَة من الِاسْتِيعَاب لما لَا بُد مِنْهُ بإيجاز بحول الله تَعَالَى وقوته وَأما من جعل الْفَاعِل أَكثر من وَاحِد إِلَّا أَنهم جعلوهم غير الْعَالم كالمجوس وَالصَّابِئِينَ والمزقزنية وَمن قَالَ بالتثليث من الناري فَإِنَّهُ يدْخل عَلَيْهِم من الدَّلَائِل الضرورية بحول الله وقوته مَا نَحن موردوه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَيَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن مَا كَانَ أَكثر من وَاحِد فَهُوَ وَاقع تَحت جنس الْعدَد وَمَا كَانَ وَاقعا تَحت جنس الْعدَد فَهُوَ نوع من أَنْوَاع الْعدَد وَمَا كَانَ نوعا فَهُوَ مركب من جنسه الْعَام وَلغيره وَمن فصل خصّه لَيْسَ فِي غَيره فَلهُ مَوضِع وَهُوَ الجلس الْمُقَابل لصورته وَصُورَة غَيره من أَنْوَاع ذَلِك الْجِنْس وَله مَحْمُول وَهُوَ الصُّورَة الَّتِي خصته دون غَيره فَهُوَ ذُو مَوْضُوع وَذُو مَحْمُول فَهُوَ مركب من جنسه وفصله والمركب مَعَ الْمركب من بَاب الْمُضَاف الَّذِي لَا بُد لكل وَاحِد مِنْهُمَا من الآخر فَأَما الْمركب فَإِنَّمَا يَقْتَضِي وجود الْمركب من وَقت تركبه وَحِينَئِذٍ يُسمى مركبا
стр. 37
لَا قبل ذَلِك وَأما الْوَاحِد فَلَيْسَ عددا لما سنبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فقد انْقَضى الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
وَمن الْبُرْهَان على أَن فَاعل الْعَالم لَيْسَ وَاحِدًا أَن الْعَالم لَو كَانَ مخلوقاً لاثْنَيْنِ فَصَاعِدا لم يخل من أَن يَكُونَا لم يَزَالَا مشتبهين أَو مُخْتَلفين فأياما قَالُوا فقد أثبتوا معنى فيهمَا أَو فِي أَحدهمَا بِهِ اشتبها أَو بِهِ اخْتلفَا فَإِن نفوا ذَلِك فقد نفوا الِاخْتِلَاف والاشتباه مَعًا وَلَا يجوز ارتفاعهما مَعًا أصلا لِأَن ذَلِك محَال وَمُوجب للعدم لِأَن وجود شَيْئَيْنِ لَا يشتبهان فِي شَيْء وَلَا يَخْتَلِفَانِ بِوَجْه من الْوُجُوه محَال إِذْ فِي ذَلِك عدمهما لِأَن هَذِه الصّفة مَعْدُومَة فحاملها مَعْدُوم وهم قد أثبتوا وجودهَا فَيلْزم القَوْل بموجود مَعْدُوم فِي وَقت وَاحِد من وَجه وَاحِد وَهَذَا محَال وهم إِذا أثبتوهما موجودين لم يَزَالَا فقد أثبتوا لَهما مَعَاني قد اشتبها فِيهَا وَهِي كَونهمَا مشتبهين فِي الْوُجُود مشتبهين فِي الْفِعْل مشتبهين فِي أَن لم يَزَالَا وَلَا يجوز أَن تكون هَذِه الْأَشْيَاء لَيست غَيرهمَا لِأَنَّهَا صِفَات عمتهما أَعنِي اشتباههما فِي الْمعَانِي المذكروة فَإِن كَانَ اشتباههما هُوَ هما فهما شيءٌ وَاحِد وَكَذَلِكَ أَيْضا يلْزم فِي كَونهمَا مُخْتَلفين فِي أَن كل وَاحِد فهما غير صَاحبه فَإِن كَانَ هَذَا الِاخْتِلَاف فيهمَا هُوَ غَيرهمَا فههنا ثَالِث وَهَكَذَا أَيْضا أيدا
وَسَنذكر مَا يدْخل فِي هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَإِن كَانَ التغاير هُوَ هما والاشتباه هُوَ هما فالتغاير هُوَ الِاشْتِبَاه وَهَذَا هُوَ عين الْمحَال لِأَنَّهُ لَا بُد من معنى مَوْجُود فِي المتغاير لَيْسَ اشتباهاً لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون الشيئآن مشتبهين بالتغاير فَإذْ قد ثَبت مَا ذكرنَا وَلم يكن بُد من اشْتِبَاه أَو اخْتِلَاف هُوَ معنى غَيرهمَا فقد ثَبت ثَالِث وَإِذا ثَبت ثَالِث لزم فيهم ثَلَاثَتهمْ مثل مَا لزم فِي الِاثْنَيْنِ من السُّؤَال وَهَكَذَا أبدا وَهَذَا يُوجب ضَرُورَة أَن كل وَاحِد فهما أَو أَحدهمَا مركب من ذَاته وَمن الْمَعْنى الَّذِي بَان بِهِ عَن الآخر أَو بِهِ أشبه الآخر فَإِن أثبتوا ذَلِك لَهما جَمِيعًا وَكِلَاهُمَا مركب والمركب مُحدث فهما مخلوقان لغَيْرِهِمَا وَلَا بُد وَإِن أثبتوا ذَلِك لأَحَدهمَا فَقَط كَانَ مركبا وَكَانَ الآخر هُوَ الْفَاعِل لَهُ فقد عَاد الْأَمر إِلَى وَاحِد غير مركب وَلَا بُد ضَرُورَة
وَيُوجب أَيْضا إِن تَمَادَوْا على مَا ألزمناهم من وجود معنى بِهِ بار كل من الآخر وجود قدماء لم يزَالُوا وَوُجُود فاعلين آلِهَة أَكثر من الماهولين وَهَذَا محَال لِأَنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى وجود أعداد قَائِمَة ظَاهِرَة فِي وَقت وَاحِد لَا نِهَايَة لَهَا لِأَنَّهُ إِن كَانَ لَهَا عدد فقد حصرها ذَلِك الْعدَد على مَا قدمنَا وكل مَا حصر فَهُوَ متناه وَقد أَوجَبْنَا عَلَيْهِم القَوْل بِأَنَّهَا غير متناهية فلزمهم القَوْل بأعداد متناهية لَا متناهية وَهَذَا من أعظم الْمحَال فَإِن لم يكن لَهَا عدد فَلَيْسَتْ مَوْجُودَة لِأَن كل مَوْجُود فَلهُ عدد وكل ذِي عدد متناه كَمَا قدمنَا فَإِن قَالَ قَائِل فَبِأَي شَيْء انْفَصل الْخَالِق عَن الْخلق
стр. 38
وَبِأَيِّ شَيْء انْفَصل الْخلق بعضه من بعض وَأَرَادَ أَن يلْزمنَا فِي ذَلِك مثل الَّذِي أزمناه فِي الدّلَالَة الْمُتَقَدّمَة قيل لَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْخلق كُله حَامِل ومحمول فَكل حَامِل فَهُوَ مُنْفَصِل من خالقه وَمن غَيره من الحاملين بمحموله من فصوله وأنواعه وجنسه وخواصه وإعراضه فِي مَكَانَهُ وَسَائِر كيفياته وكل مَحْمُول فَهُوَ مُنْفَصِل من خالقه وَمن غَيره من المحولات بحامله وَبِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِمَّا باين فِيهِ سَائِر المحمولات من نَوعه وجنسه وفصله والباري تَعَالَى غير مَوْصُوف بشيءٍ من ذَلِك كُله وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقد ذكرنَا فِي بَاب الْكَلَام فِي بَقَاء الْجنَّة وَالنَّار وَبَقَاء الْأَجْسَام فِيهَا بِلَا نِهَايَة وَفِيمَا خلا من كتَابنَا الِانْفِصَال مِمَّن أَرَادَ أَن يلْزمنَا همالك مَا ألزمناهم نَحن هُنَالك من الْأَعْدَاد الَّتِي لَا تتناهى إِلَّا أننا نذْكر هُنَا من ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى طرفا كَافِيا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَبِه نستعين فَنَقُول إِن الْفرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ المذكورتين أننا لم نوجب نَحن فِي الْجنَّة وَالنَّار وجود أعداد لَا تتناهى بل قَوْلنَا إِن أعدادهم متناهية لَا تزيد وَلَا تنقص وَإِن مساحة النَّار وَالْجنَّة محدودة متناهية لَا تزيد وَلَا تنقص وَإِن كل مَا ظهر من حركاتهم ومددهم فِيهَا فمحصورة متناهية وَإِنَّمَا نَفينَا عَنْهَا النِّهَايَة بِالْقُوَّةِ بِمَعْنى أَن الْبَارِي تَعَالَى مُحدث لَهُم فِي كلتا الدَّاريْنِ بَقَاء ومدداً ونعيماً وَعَذَابًا أبدا لَا إِلَى غَايَة وَلَيْسَ مَا ظهر من ذَلِك بَعْضًا لما لم يظْهر فيلزمنا أَن يكون اسْم كل مَا يَقع علا الْمَوْجُود لَا يكون بَعْضًا للمعدوم وَإِنَّمَا هُوَ بعض لموجود مثله هَذَا يعلم بالحس لِأَن الْأَسْمَاء إِنَّمَا تقع على مَعَانِيهَا وَمعنى الْوُجُود إِنَّمَا هُوَ مَا كَانَ قَائِما فِي وَقت من الْأَوْقَات مَاض من الْأَوْقَات أَو حَال مِنْهَا فَمَا لم يكن هَكَذَا فَلَيْسَ مَوْجُودا وأبعاض الموجودات كلهَا مَوْجُودَة فَكلهَا مَوْجُود وَكلهَا كَانَ مَوْجُودا فَلَيْسَ الْمَوْجُود بَعْضًا للمعدوم والعدم هُوَ إبِْطَال الْوُجُود ونفيه وَلَا سَبِيل إِلَى أَن تكون أبعاض الشَّيْء الَّتِي يلْزمهَا اسْمه الَّذِي لَا اسْم لَهَا سواهُ يبطل بَعْضهَا بَعْضًا وَقد يُمكن أَن شغب مشغب فِي هَذَا الْمَكَان فَيَقُول قد وجدنَا أبعاضاً لَا يَقع عَلَيْهَا اسْم كلهَا كَالْيَدِ وَالرجل وَالرَّأْس وَسَائِر الْأَعْضَاء لَيْسَ شَيْء مِنْهَا يُسمى إنْسَانا فَإِذا اجْتمعت وَقع عَلَيْهَا اسْم إِنْسَان
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا شغب لأننا إِنَّمَا تكلمنا على الأبعاض المتساوية الَّتِي كل بعض مِنْهَا يَقع عَلَيْهِ اسْم الْكل كَالْمَاءِ الَّذِي كل بعض مِنْهُ مَاء وَكله مَاء وَلَيْسَ الْجُزْء من هَذَا الْبَاب وكل بعض من أبعاض الْمَوْجُود فَإِنَّهُ يَقع عَلَيْهِ اسْم مَوْجُود وَقد يُمكن أَن يشغب أَيْضا مشغب فِي قَوْلنَا
стр. 39
إِن الأبعاض لَا نتنافي فَيَقُول إِن الخضرة لَا تنَافِي الْبيَاض وَكِلَاهُمَا بعض للون الْكُلِّي فَهَذَا أَيْضا لَيْسَ مِمَّا أردناه فِي شَيْء لِأَن قَوْلنَا مَوْجُود لَيْسَ جِنْسا فَيَقَع على أَنْوَاع المتضادات وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَار عَن وجودنا أَشْيَاء قد تَسَاوِي كلهَا فِي وجودنا إِيَّاهَا حَقًا فَهُوَ يعم بَعْضهَا كَمَا يعم كلهَا وَأَيْضًا فَإِن الخضرة لَا تضَاد الْبيَاض فِي أَن هَذَا لون بل يَجْتَمِعَانِ فِي هَذَا الْمَعْنى اجتماعاً وَاحِدًا لَا يَخْتَلِفَانِ فِيهِ وَإِنَّمَا اخْتلفَا بِمَعْنى آخر وَكَذَلِكَ لَا يُخَالف مَوْجُود مَوْجُودا فِي أَنه مَوْجُود وَالْمَوْجُود يُخَالف الْمَعْدُوم فِي هَذَا الْمَعْنى نَفسه وَلَيْسَ بَعْضًا للمعدوم والمعدوم لَيْسَ شَيْئا وَلَا لَهُ معنى حَتَّى يُوجد فَإِذا وجد كَانَ حِينَئِذٍ شَيْئا مَوْجُودا وَقد تخلصنا أَيْضا فِي بَاب التجزي وكلامنا فِي هَذَا الدِّيوَان من مثل الْإِلْزَام هُنَالك
الْكَلَام على النَّصَارَى
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ النَّصَارَى وَإِن كَانُوا أهل كتاب ويقرون بنبوة بعض الْأَنْبِيَاء ﵈ فَإِن جماهيرهم وفرقهم لَا يقرونَ بِالتَّوْحِيدِ مُجَردا بل يَقُولُونَ بالتثليث فَهَذَا مَكَان الْكَلَام عَلَيْهِم وَالْمَجُوس أَيْضا وَإِن كَانُوا أهل كتاب لَا يقرونَ بِبَعْض الْأَنْبِيَاء وَلَكنَّا أدخلناهم فِي هَذَا الْمَكَان لقَولهم بفاعلين لم يَزَالَا فالنصارى أَحَق بالإدخال هَا هُنَا لأَنهم يَقُولُونَ بِثَلَاثَة لم يزَالُوا
وَالنَّصَارَى فرق مِنْهُم أَصْحَاب أريوس وَكَانَ قسيساً بالإسكندرية وَمن قَوْله التَّوْحِيد الْمُجَرّد وَأَن عِيسَى ﵇ عبد مَخْلُوق وَأَنه كلمة الله تَعَالَى الَّتِي بهَا خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَكَانَ فِي زمن قسطنطين الأول باني الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَأول من تنصر من مُلُوك الرّوم وَكَانَ على مَذْهَب أريوس هَذَا
وَمِنْهُم أَصْحَاب بولس الشمشاطي وَكَانَ بطريركيا بأنطاكية قبل ظُهُور النَّصْرَانِيَّة وَكَانَ قَوْله التَّوْحِيد الْمُجَرّد الصَّحِيح وَأَن عِيسَى عبد الله وَرَسُوله كَأحد الْأَنْبِيَاء ﵈ خلقه الله تَعَالَى فِي بطن مَرْيَم من غير ذكر وَأَنه إِنْسَان لَا إلهية فِيهِ وَكَانَ يَقُول لَا أَدْرِي مَا الْكَلِمَة وَلَا روح الْقُدس
وَكَانَ مِنْهُم مقدونيوس وَكَانَ بطريركاً فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة بعد ظُهُور النَّصْرَانِيَّة أَيَّام قسطنطين بن قسطنطين باني الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَكَانَ هَذَا الْملك أريوسياً كَاتبه وَكَانَ من قَول مقدونيوس هَذَا التَّوْحِيد الْمُجَرّد وَأَن عِيسَى عبد مَخْلُوق إِنْسَان نَبِي رَسُول الله كَسَائِر الْأَنْبِيَاء ﵈ وَأَن عِيسَى هُوَ روح الْقُدس وَكلمَة الله وَأَن روح الْقُدس والكلمة مخلوقان خلق الله كل ذَلِك
وَمِنْهُم البربرانية وهم يَقُولُونَ أَن عِيسَى وَأمه إلهان من دون الله عز وَجل
стр. 40
وَهَذِه الْفرْقَة قد بادت وعمدتهم الْيَوْم ثَلَاث فرق فأعظمها فرقة الملكانية وَهِي مَذْهَب جَمِيع مُلُوك النَّصَارَى حَيْثُ كَانُوا حاشي الْحَبَشَة والنوبة وَمذهب عَامَّة أهل كل مملكة لِلنَّصَارَى حَيْثُ كَانُوا حاشي الْحَبَشَة والنوبة وَمذهب جَمِيع نَصَارَى أفريقية وصقلية والأندلس وَجُمْهُور الشَّام وَقَوْلهمْ أَن الله تَعَالَى عبارَة عَن قَوْلهم ثَلَاثَة أَسبَاب أَب وَابْن وروح الْقُدس كلهَا لم تزل وَأَن عِيسَى ﵇ إِلَه تَامّ كُله وإنسان تَامّ كُله لَيْسَ أَحدهمَا غير الآخر وَأَن الْإِنْسَان مِنْهُ هُوَ الَّذِي صلب وَقتل وَأَن الْإِلَه مِنْهُ لم ينله شَيْء من ذَلِك وَأَن مَرْيَم ولدت الْإِلَه وَالْإِنْسَان وأنهما مَعًا شيءٌ وَاحِد ابْن الله تَعَالَى الله عَن كفرهم وَقَالَت النسطورية مثل ذَلِك سَوَاء بِسَوَاء إِلَّا أَنهم قَالُوا إِن مَرْيَم لم تَلد الْإِلَه وَإِنَّمَا ولدت الْإِنْسَان وَأَن الله تَعَالَى لم يلد الْإِنْسَان وَإِنَّمَا ولد الْإِلَه تَعَالَى الله عَن كفرهم وَهَذِه الْفرْقَة غالبة على الْموصل وَالْعراق وَفَارِس وخراسان وهم منسوبون إِلَى نسطور بطريركاً بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَقَالَت اليعقوبية إِن الْمَسِيح هُوَ الله تَعَالَى نَفسه وَأَن الله تَعَالَى عَن عَظِيم كفرهم مَاتَ وصلب وَقتل وَأَن الْعَالم بَقِي ثَلَاثَة أَيَّام بِلَا مُدبر والفلك بِلَا مُدبر ثمَّ قَامَ وَرجع كَمَا كَانَ وَأَن الله تَعَالَى عَاد مُحدثا وَأَن الْمُحدث عَاد قَدِيما وَأَنه تَعَالَى هُوَ كَانَ فِي بطن مَرْيَم مَحْمُولا بِهِ وهم فِي أَعمال مصر وَجَمِيع النّوبَة وَجَمِيع الْحَبَشَة وملوك الأمتين المذكورتين
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَلَوْلَا أَن الله تَعَالَى وصف قَوْلهم فِي كِتَابه إِذْ يَقُول تَعَالَى ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم﴾ وَإِذ يَقُول تَعَالَى حاكياً عَنْهُم ﴿أَن الله ثَالِث ثَلَاثَة﴾ وَإِذ يَقُول تَعَالَى ﴿أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله﴾ لما انْطلق لِسَان مُؤمن بحكاية هَذَا القَوْل الْعَظِيم الشنيع السَّمْح السخيف وتاالله لَوْلَا أننا شاهدنا النَّصَارَى مَا صدقنا أَن فِي الْعَالم عقلا يسع هَذَا الْجُنُون ونعوذ بِاللَّه من الخذلان
فَأَما لايعقوبية فَإِنَّهُم ينسبون إِلَى يَعْقُوب البرذعاني وَكَانَ رَاهِبًا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وهم فرقة نافرت الْعقل والحس منافرة وحشية تَامَّة لِأَن الاستحالة بقلة والبقلة والاستحالة لَا يُوصف بهما الأول الَّذِي لم يزل تَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ مخلوقاً والمحدث يَقْتَضِي مُحدثا خَالِقًا لَهُ وَيَكْفِي من بطلَان هَذَا القَوْل دُخُوله فِي بَاب الْمحَال والممتنع الَّذِي قد أوجب الْعقل والحس بُطْلَانه وَلَيْسَ فِي بَاب الْمحَال أعظم من أَن يكون الَّذِي لم يزل يعود مُحدثا لم يكن ثمَّ كَانَ وَأَن يُشِير غير الْمُؤلف مؤلفاً
следующие страницы →