← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6521

الفصل في الملل والأهواء والنحل

ابن حزم

Полный текст (708 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لم يكن فِيهِ قبل ذَلِك فقد ثبتَتْ النِّهَايَة لَهُ ضَرُورَة لِأَن وجوده غير كَائِن فِي الْمَكَان الَّذِي انْتقل إِلَيْهِ مُوجب لانقطاعه قبله وَإِن كَانَ لم يزل فِي الْمَكَان الَّذِي انْتقل إِلَيْهِ وَهَكَذَا فِيمَا بعده من الْأَمْكِنَة فَلم يزل غير منتقل وَقد قُلْتُمْ أَنه لم يزل منتقلاً فَهُوَ إِذن متحرك لَا متحرك وَهَذَا محَال وَإِن قُلْتُمْ سَاكن قُلْنَا لكم اقْطَعُوا من هَذَا الجرم قِطْعَة بالوهم فَإِذا توهموا ذَلِك سألناهم مَتى كَانَ هَذَا الجرم أعظم أقبل أَن تقطع مِنْهُ هَذِه الْقطعَة أَو بعد أَن قطعت فأياما قَالُوا أَو إِن قَالُوا أَنه مساوؤ لنَفسِهِ قبل أَن تقطع مِنْهُ هَذِه الْقطعَة فقد أثبتوا النِّهَايَة إِذْ لَا تقع الْكَثْرَة والقلة والتساوي إِلَّا فِي ذِي نِهَايَة وَأَيْضًا فَإِن الْمَكَان والجرم مِمَّا يَقع تَحت الْعدَد كوقوع الزَّمَان تَحت الْعدَد فَكل مَا أدخلْنَاهُ فِيمَا خلا من تناهي الزَّمَان من طَرِيق الْعدَد فَهُوَ لَازم فِي تناهي الْمَكَان والجرم من طَرِيق الْعدَد بالمساحة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وكل مَا ألزمناه من يَقُول بِأَن الْأَجْسَام لم تزل فَهُوَ لَازم بِعَيْنِه لمن يَقُول أَن السَّبْعَة كواكب والاثني عشر برجاً لم تزل لِأَنَّهَا أجسام جَارِيَة تَحت أَقسَام الْفلك وحركته فَانْظُر هُنَالك مَا ألزمناه من حُدُوث الْأَجْسَام وأزمانها فَهُوَ لَازم لهَؤُلَاء وَتَركنَا مَا ألزمناه فِي حُدُوث الْأَجْسَام فِي فروع أَقْوَالهم كَقَوْلِهِم فِي المزاج والخلاص وصفات النُّور والظلمة إِذا إِنَّمَا قصدنا اجتثاث أصُول الْمذَاهب الْفَاسِدَة فِي أَن الْفَاعِل أَكثر من وَاحِد واعتمدنا الْبَيَان فِي إِثْبَات الْوَاحِد فَقَط فَإذْ قد ثَبت ذَلِك ببراهين ضَرُورِيَّة بَطل كل مَا عرفوه من هَذَا الأَصْل الْفَاسِد إِنَّمَا قصدنا مَا تدفع إِلَيْهِ الضَّرُورَة من الِاسْتِيعَاب لما لَا بُد مِنْهُ بإيجاز بحول الله تَعَالَى وقوته وَأما من جعل الْفَاعِل أَكثر من وَاحِد إِلَّا أَنهم جعلوهم غير الْعَالم كالمجوس وَالصَّابِئِينَ والمزقزنية وَمن قَالَ بالتثليث من الناري فَإِنَّهُ يدْخل عَلَيْهِم من الدَّلَائِل الضرورية بحول الله وقوته مَا نَحن موردوه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَيَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن مَا كَانَ أَكثر من وَاحِد فَهُوَ وَاقع تَحت جنس الْعدَد وَمَا كَانَ وَاقعا تَحت جنس الْعدَد فَهُوَ نوع من أَنْوَاع الْعدَد وَمَا كَانَ نوعا فَهُوَ مركب من جنسه الْعَام وَلغيره وَمن فصل خصّه لَيْسَ فِي غَيره فَلهُ مَوضِع وَهُوَ الجلس الْمُقَابل لصورته وَصُورَة غَيره من أَنْوَاع ذَلِك الْجِنْس وَله مَحْمُول وَهُوَ الصُّورَة الَّتِي خصته دون غَيره فَهُوَ ذُو مَوْضُوع وَذُو مَحْمُول فَهُوَ مركب من جنسه وفصله والمركب مَعَ الْمركب من بَاب الْمُضَاف الَّذِي لَا بُد لكل وَاحِد مِنْهُمَا من الآخر فَأَما الْمركب فَإِنَّمَا يَقْتَضِي وجود الْمركب من وَقت تركبه وَحِينَئِذٍ يُسمى مركبا

стр. 37

لَا قبل ذَلِك وَأما الْوَاحِد فَلَيْسَ عددا لما سنبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فقد انْقَضى الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَمن الْبُرْهَان على أَن فَاعل الْعَالم لَيْسَ وَاحِدًا أَن الْعَالم لَو كَانَ مخلوقاً لاثْنَيْنِ فَصَاعِدا لم يخل من أَن يَكُونَا لم يَزَالَا مشتبهين أَو مُخْتَلفين فأياما قَالُوا فقد أثبتوا معنى فيهمَا أَو فِي أَحدهمَا بِهِ اشتبها أَو بِهِ اخْتلفَا فَإِن نفوا ذَلِك فقد نفوا الِاخْتِلَاف والاشتباه مَعًا وَلَا يجوز ارتفاعهما مَعًا أصلا لِأَن ذَلِك محَال وَمُوجب للعدم لِأَن وجود شَيْئَيْنِ لَا يشتبهان فِي شَيْء وَلَا يَخْتَلِفَانِ بِوَجْه من الْوُجُوه محَال إِذْ فِي ذَلِك عدمهما لِأَن هَذِه الصّفة مَعْدُومَة فحاملها مَعْدُوم وهم قد أثبتوا وجودهَا فَيلْزم القَوْل بموجود مَعْدُوم فِي وَقت وَاحِد من وَجه وَاحِد وَهَذَا محَال وهم إِذا أثبتوهما موجودين لم يَزَالَا فقد أثبتوا لَهما مَعَاني قد اشتبها فِيهَا وَهِي كَونهمَا مشتبهين فِي الْوُجُود مشتبهين فِي الْفِعْل مشتبهين فِي أَن لم يَزَالَا وَلَا يجوز أَن تكون هَذِه الْأَشْيَاء لَيست غَيرهمَا لِأَنَّهَا صِفَات عمتهما أَعنِي اشتباههما فِي الْمعَانِي المذكروة فَإِن كَانَ اشتباههما هُوَ هما فهما شيءٌ وَاحِد وَكَذَلِكَ أَيْضا يلْزم فِي كَونهمَا مُخْتَلفين فِي أَن كل وَاحِد فهما غير صَاحبه فَإِن كَانَ هَذَا الِاخْتِلَاف فيهمَا هُوَ غَيرهمَا فههنا ثَالِث وَهَكَذَا أَيْضا أيدا وَسَنذكر مَا يدْخل فِي هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَإِن كَانَ التغاير هُوَ هما والاشتباه هُوَ هما فالتغاير هُوَ الِاشْتِبَاه وَهَذَا هُوَ عين الْمحَال لِأَنَّهُ لَا بُد من معنى مَوْجُود فِي المتغاير لَيْسَ اشتباهاً لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون الشيئآن مشتبهين بالتغاير فَإذْ قد ثَبت مَا ذكرنَا وَلم يكن بُد من اشْتِبَاه أَو اخْتِلَاف هُوَ معنى غَيرهمَا فقد ثَبت ثَالِث وَإِذا ثَبت ثَالِث لزم فيهم ثَلَاثَتهمْ مثل مَا لزم فِي الِاثْنَيْنِ من السُّؤَال وَهَكَذَا أبدا وَهَذَا يُوجب ضَرُورَة أَن كل وَاحِد فهما أَو أَحدهمَا مركب من ذَاته وَمن الْمَعْنى الَّذِي بَان بِهِ عَن الآخر أَو بِهِ أشبه الآخر فَإِن أثبتوا ذَلِك لَهما جَمِيعًا وَكِلَاهُمَا مركب والمركب مُحدث فهما مخلوقان لغَيْرِهِمَا وَلَا بُد وَإِن أثبتوا ذَلِك لأَحَدهمَا فَقَط كَانَ مركبا وَكَانَ الآخر هُوَ الْفَاعِل لَهُ فقد عَاد الْأَمر إِلَى وَاحِد غير مركب وَلَا بُد ضَرُورَة وَيُوجب أَيْضا إِن تَمَادَوْا على مَا ألزمناهم من وجود معنى بِهِ بار كل من الآخر وجود قدماء لم يزَالُوا وَوُجُود فاعلين آلِهَة أَكثر من الماهولين وَهَذَا محَال لِأَنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى وجود أعداد قَائِمَة ظَاهِرَة فِي وَقت وَاحِد لَا نِهَايَة لَهَا لِأَنَّهُ إِن كَانَ لَهَا عدد فقد حصرها ذَلِك الْعدَد على مَا قدمنَا وكل مَا حصر فَهُوَ متناه وَقد أَوجَبْنَا عَلَيْهِم القَوْل بِأَنَّهَا غير متناهية فلزمهم القَوْل بأعداد متناهية لَا متناهية وَهَذَا من أعظم الْمحَال فَإِن لم يكن لَهَا عدد فَلَيْسَتْ مَوْجُودَة لِأَن كل مَوْجُود فَلهُ عدد وكل ذِي عدد متناه كَمَا قدمنَا فَإِن قَالَ قَائِل فَبِأَي شَيْء انْفَصل الْخَالِق عَن الْخلق

стр. 38

وَبِأَيِّ شَيْء انْفَصل الْخلق بعضه من بعض وَأَرَادَ أَن يلْزمنَا فِي ذَلِك مثل الَّذِي أزمناه فِي الدّلَالَة الْمُتَقَدّمَة قيل لَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْخلق كُله حَامِل ومحمول فَكل حَامِل فَهُوَ مُنْفَصِل من خالقه وَمن غَيره من الحاملين بمحموله من فصوله وأنواعه وجنسه وخواصه وإعراضه فِي مَكَانَهُ وَسَائِر كيفياته وكل مَحْمُول فَهُوَ مُنْفَصِل من خالقه وَمن غَيره من المحولات بحامله وَبِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِمَّا باين فِيهِ سَائِر المحمولات من نَوعه وجنسه وفصله والباري تَعَالَى غير مَوْصُوف بشيءٍ من ذَلِك كُله وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقد ذكرنَا فِي بَاب الْكَلَام فِي بَقَاء الْجنَّة وَالنَّار وَبَقَاء الْأَجْسَام فِيهَا بِلَا نِهَايَة وَفِيمَا خلا من كتَابنَا الِانْفِصَال مِمَّن أَرَادَ أَن يلْزمنَا همالك مَا ألزمناهم نَحن هُنَالك من الْأَعْدَاد الَّتِي لَا تتناهى إِلَّا أننا نذْكر هُنَا من ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى طرفا كَافِيا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَبِه نستعين فَنَقُول إِن الْفرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ المذكورتين أننا لم نوجب نَحن فِي الْجنَّة وَالنَّار وجود أعداد لَا تتناهى بل قَوْلنَا إِن أعدادهم متناهية لَا تزيد وَلَا تنقص وَإِن مساحة النَّار وَالْجنَّة محدودة متناهية لَا تزيد وَلَا تنقص وَإِن كل مَا ظهر من حركاتهم ومددهم فِيهَا فمحصورة متناهية وَإِنَّمَا نَفينَا عَنْهَا النِّهَايَة بِالْقُوَّةِ بِمَعْنى أَن الْبَارِي تَعَالَى مُحدث لَهُم فِي كلتا الدَّاريْنِ بَقَاء ومدداً ونعيماً وَعَذَابًا أبدا لَا إِلَى غَايَة وَلَيْسَ مَا ظهر من ذَلِك بَعْضًا لما لم يظْهر فيلزمنا أَن يكون اسْم كل مَا يَقع علا الْمَوْجُود لَا يكون بَعْضًا للمعدوم وَإِنَّمَا هُوَ بعض لموجود مثله هَذَا يعلم بالحس لِأَن الْأَسْمَاء إِنَّمَا تقع على مَعَانِيهَا وَمعنى الْوُجُود إِنَّمَا هُوَ مَا كَانَ قَائِما فِي وَقت من الْأَوْقَات مَاض من الْأَوْقَات أَو حَال مِنْهَا فَمَا لم يكن هَكَذَا فَلَيْسَ مَوْجُودا وأبعاض الموجودات كلهَا مَوْجُودَة فَكلهَا مَوْجُود وَكلهَا كَانَ مَوْجُودا فَلَيْسَ الْمَوْجُود بَعْضًا للمعدوم والعدم هُوَ إبِْطَال الْوُجُود ونفيه وَلَا سَبِيل إِلَى أَن تكون أبعاض الشَّيْء الَّتِي يلْزمهَا اسْمه الَّذِي لَا اسْم لَهَا سواهُ يبطل بَعْضهَا بَعْضًا وَقد يُمكن أَن شغب مشغب فِي هَذَا الْمَكَان فَيَقُول قد وجدنَا أبعاضاً لَا يَقع عَلَيْهَا اسْم كلهَا كَالْيَدِ وَالرجل وَالرَّأْس وَسَائِر الْأَعْضَاء لَيْسَ شَيْء مِنْهَا يُسمى إنْسَانا فَإِذا اجْتمعت وَقع عَلَيْهَا اسْم إِنْسَان قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا شغب لأننا إِنَّمَا تكلمنا على الأبعاض المتساوية الَّتِي كل بعض مِنْهَا يَقع عَلَيْهِ اسْم الْكل كَالْمَاءِ الَّذِي كل بعض مِنْهُ مَاء وَكله مَاء وَلَيْسَ الْجُزْء من هَذَا الْبَاب وكل بعض من أبعاض الْمَوْجُود فَإِنَّهُ يَقع عَلَيْهِ اسْم مَوْجُود وَقد يُمكن أَن يشغب أَيْضا مشغب فِي قَوْلنَا

стр. 39

إِن الأبعاض لَا نتنافي فَيَقُول إِن الخضرة لَا تنَافِي الْبيَاض وَكِلَاهُمَا بعض للون الْكُلِّي فَهَذَا أَيْضا لَيْسَ مِمَّا أردناه فِي شَيْء لِأَن قَوْلنَا مَوْجُود لَيْسَ جِنْسا فَيَقَع على أَنْوَاع المتضادات وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَار عَن وجودنا أَشْيَاء قد تَسَاوِي كلهَا فِي وجودنا إِيَّاهَا حَقًا فَهُوَ يعم بَعْضهَا كَمَا يعم كلهَا وَأَيْضًا فَإِن الخضرة لَا تضَاد الْبيَاض فِي أَن هَذَا لون بل يَجْتَمِعَانِ فِي هَذَا الْمَعْنى اجتماعاً وَاحِدًا لَا يَخْتَلِفَانِ فِيهِ وَإِنَّمَا اخْتلفَا بِمَعْنى آخر وَكَذَلِكَ لَا يُخَالف مَوْجُود مَوْجُودا فِي أَنه مَوْجُود وَالْمَوْجُود يُخَالف الْمَعْدُوم فِي هَذَا الْمَعْنى نَفسه وَلَيْسَ بَعْضًا للمعدوم والمعدوم لَيْسَ شَيْئا وَلَا لَهُ معنى حَتَّى يُوجد فَإِذا وجد كَانَ حِينَئِذٍ شَيْئا مَوْجُودا وَقد تخلصنا أَيْضا فِي بَاب التجزي وكلامنا فِي هَذَا الدِّيوَان من مثل الْإِلْزَام هُنَالك الْكَلَام على النَّصَارَى قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ النَّصَارَى وَإِن كَانُوا أهل كتاب ويقرون بنبوة بعض الْأَنْبِيَاء ﵈ فَإِن جماهيرهم وفرقهم لَا يقرونَ بِالتَّوْحِيدِ مُجَردا بل يَقُولُونَ بالتثليث فَهَذَا مَكَان الْكَلَام عَلَيْهِم وَالْمَجُوس أَيْضا وَإِن كَانُوا أهل كتاب لَا يقرونَ بِبَعْض الْأَنْبِيَاء وَلَكنَّا أدخلناهم فِي هَذَا الْمَكَان لقَولهم بفاعلين لم يَزَالَا فالنصارى أَحَق بالإدخال هَا هُنَا لأَنهم يَقُولُونَ بِثَلَاثَة لم يزَالُوا وَالنَّصَارَى فرق مِنْهُم أَصْحَاب أريوس وَكَانَ قسيساً بالإسكندرية وَمن قَوْله التَّوْحِيد الْمُجَرّد وَأَن عِيسَى ﵇ عبد مَخْلُوق وَأَنه كلمة الله تَعَالَى الَّتِي بهَا خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَكَانَ فِي زمن قسطنطين الأول باني الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَأول من تنصر من مُلُوك الرّوم وَكَانَ على مَذْهَب أريوس هَذَا وَمِنْهُم أَصْحَاب بولس الشمشاطي وَكَانَ بطريركيا بأنطاكية قبل ظُهُور النَّصْرَانِيَّة وَكَانَ قَوْله التَّوْحِيد الْمُجَرّد الصَّحِيح وَأَن عِيسَى عبد الله وَرَسُوله كَأحد الْأَنْبِيَاء ﵈ خلقه الله تَعَالَى فِي بطن مَرْيَم من غير ذكر وَأَنه إِنْسَان لَا إلهية فِيهِ وَكَانَ يَقُول لَا أَدْرِي مَا الْكَلِمَة وَلَا روح الْقُدس وَكَانَ مِنْهُم مقدونيوس وَكَانَ بطريركاً فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة بعد ظُهُور النَّصْرَانِيَّة أَيَّام قسطنطين بن قسطنطين باني الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَكَانَ هَذَا الْملك أريوسياً كَاتبه وَكَانَ من قَول مقدونيوس هَذَا التَّوْحِيد الْمُجَرّد وَأَن عِيسَى عبد مَخْلُوق إِنْسَان نَبِي رَسُول الله كَسَائِر الْأَنْبِيَاء ﵈ وَأَن عِيسَى هُوَ روح الْقُدس وَكلمَة الله وَأَن روح الْقُدس والكلمة مخلوقان خلق الله كل ذَلِك وَمِنْهُم البربرانية وهم يَقُولُونَ أَن عِيسَى وَأمه إلهان من دون الله عز وَجل

стр. 40

وَهَذِه الْفرْقَة قد بادت وعمدتهم الْيَوْم ثَلَاث فرق فأعظمها فرقة الملكانية وَهِي مَذْهَب جَمِيع مُلُوك النَّصَارَى حَيْثُ كَانُوا حاشي الْحَبَشَة والنوبة وَمذهب عَامَّة أهل كل مملكة لِلنَّصَارَى حَيْثُ كَانُوا حاشي الْحَبَشَة والنوبة وَمذهب جَمِيع نَصَارَى أفريقية وصقلية والأندلس وَجُمْهُور الشَّام وَقَوْلهمْ أَن الله تَعَالَى عبارَة عَن قَوْلهم ثَلَاثَة أَسبَاب أَب وَابْن وروح الْقُدس كلهَا لم تزل وَأَن عِيسَى ﵇ إِلَه تَامّ كُله وإنسان تَامّ كُله لَيْسَ أَحدهمَا غير الآخر وَأَن الْإِنْسَان مِنْهُ هُوَ الَّذِي صلب وَقتل وَأَن الْإِلَه مِنْهُ لم ينله شَيْء من ذَلِك وَأَن مَرْيَم ولدت الْإِلَه وَالْإِنْسَان وأنهما مَعًا شيءٌ وَاحِد ابْن الله تَعَالَى الله عَن كفرهم وَقَالَت النسطورية مثل ذَلِك سَوَاء بِسَوَاء إِلَّا أَنهم قَالُوا إِن مَرْيَم لم تَلد الْإِلَه وَإِنَّمَا ولدت الْإِنْسَان وَأَن الله تَعَالَى لم يلد الْإِنْسَان وَإِنَّمَا ولد الْإِلَه تَعَالَى الله عَن كفرهم وَهَذِه الْفرْقَة غالبة على الْموصل وَالْعراق وَفَارِس وخراسان وهم منسوبون إِلَى نسطور بطريركاً بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَقَالَت اليعقوبية إِن الْمَسِيح هُوَ الله تَعَالَى نَفسه وَأَن الله تَعَالَى عَن عَظِيم كفرهم مَاتَ وصلب وَقتل وَأَن الْعَالم بَقِي ثَلَاثَة أَيَّام بِلَا مُدبر والفلك بِلَا مُدبر ثمَّ قَامَ وَرجع كَمَا كَانَ وَأَن الله تَعَالَى عَاد مُحدثا وَأَن الْمُحدث عَاد قَدِيما وَأَنه تَعَالَى هُوَ كَانَ فِي بطن مَرْيَم مَحْمُولا بِهِ وهم فِي أَعمال مصر وَجَمِيع النّوبَة وَجَمِيع الْحَبَشَة وملوك الأمتين المذكورتين قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَلَوْلَا أَن الله تَعَالَى وصف قَوْلهم فِي كِتَابه إِذْ يَقُول تَعَالَى ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم﴾ وَإِذ يَقُول تَعَالَى حاكياً عَنْهُم ﴿أَن الله ثَالِث ثَلَاثَة﴾ وَإِذ يَقُول تَعَالَى ﴿أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله﴾ لما انْطلق لِسَان مُؤمن بحكاية هَذَا القَوْل الْعَظِيم الشنيع السَّمْح السخيف وتاالله لَوْلَا أننا شاهدنا النَّصَارَى مَا صدقنا أَن فِي الْعَالم عقلا يسع هَذَا الْجُنُون ونعوذ بِاللَّه من الخذلان فَأَما لايعقوبية فَإِنَّهُم ينسبون إِلَى يَعْقُوب البرذعاني وَكَانَ رَاهِبًا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وهم فرقة نافرت الْعقل والحس منافرة وحشية تَامَّة لِأَن الاستحالة بقلة والبقلة والاستحالة لَا يُوصف بهما الأول الَّذِي لم يزل تَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ مخلوقاً والمحدث يَقْتَضِي مُحدثا خَالِقًا لَهُ وَيَكْفِي من بطلَان هَذَا القَوْل دُخُوله فِي بَاب الْمحَال والممتنع الَّذِي قد أوجب الْعقل والحس بُطْلَانه وَلَيْسَ فِي بَاب الْمحَال أعظم من أَن يكون الَّذِي لم يزل يعود مُحدثا لم يكن ثمَّ كَانَ وَأَن يُشِير غير الْمُؤلف مؤلفاً

стр. 41

وَيلْزم هَؤُلَاءِ الْقَوْم أَن يعرفونا من دبر السَّمَوَات وَالْأَرْض وأدار الْفلك هَذِه الثَّلَاثَة الْأَيَّام الَّتِي كَانَ فِيهَا مَيتا تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا ثمَّ يُقَال لِلْقَائِلين بِأَن الْبَارِي تَعَالَى ثَلَاثَة أَشْيَاء أَب وَابْن وروح الْقُدس أخبرونا إِذْ هَذِه الْأَشْيَاء لم تزل كلهَا وَأَنَّهَا مَعَ ذَات شَيْء وَاحِد إِن كَانَ ذَلِك كَمَا ذكرْتُمْ فَبِأَي معنى اسْتحق أَن يكون أَحدهَا يُسمى أَبَا وَالثَّانِي أَبَا وَأَنْتُم تَقولُونَ أَن الثَّلَاثَة وَاحِد وَأَن كل وَاحِد مِنْهَا هُوَ الآخر فالأب هُوَ الابْن وَالِابْن هُوَ الْأَب وَهَذَا هُوَ عين التَّخْلِيط وانجيلهم يبطل هَذَا بقَوْلهمْ فِيهِ سأقعد عَن يَمِين أبي وبقولهم فِيهِ أَن الْقِيَامَة لَا يعلمهَا إِلَّا الْأَب وَحده وَأَن الابْن لَا يعلمهَا فَهَذَا يُوجب أَن الابْن لَيْسَ هُوَ الْأَب وَإِن كَانَت الثَّلَاثَة متغابرة وهم لَا يَقُولُونَ بِهَذَا فيلزمهم أَن يكون فِي الابْن معنى من الضعْف أَو من الْحُدُوث أَو من النَّقْص بِهِ وَجب أَن ينحط عَن دَرَجَة الْأَب وَالنَّقْص لَيْسَ من صفة الَّذِي لم يزل مَعَ مَا يدْخل على من قَالَ بِهَذَا من وجوب أَن تكون محدثة لحصر الْعدَد وَجرى طبيعة النَّقْص وَالزِّيَادَة فِيهَا على حسب مَا قدمْنَاهُ فِي حُدُوث الْعَالم قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَقد لفق بَعضهم أَشْيَاء قَالُوا أَنَّهَا لَا معنى لَهَا إِلَّا أننا ننبه عَلَيْهَا ليتبن هجنة قَوْلهم وَضَعفه بحول الله تَعَالَى وقوته وَذَلِكَ أَن بَعضهم قَالَ لما وَجب أَن يكون الْبَارِي تَعَالَى حَيا وعالما وَجب أَن تكون لَهُ حَيَاة وَعلم فحياته هِيَ الَّتِي تسمى روح الْقُدس وَعلمه هُوَ الَّذِي يُسمى الابْن قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا من أغث مَا يكون من الِاحْتِجَاج لأننا قد قدمنَا أَن الْبَارِي تَعَالَى لَا يُوصف بِشَيْء من هَذَا من طَرِيق الِاسْتِدْلَال لَكِن من طَرِيق السّمع خَاصَّة وَلَا يَصح لَهُم دَلِيل لَا من إنجيلهم وَلَا من غَيره من الْكتب أَن الْعلم يُسمى ابْنا وَلَا فِي كتبهمْ أَن علم الله هُوَ ابْنه وَقد ادّعى بَعضهم أَن هَذَا تَقْتَضِيه اللُّغَة اللاتينية أَن علم الْعَالم يُقَال فِيهِ أَنه ابْنه قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا بَاطِل ظَاهر الْكَذِب لِأَن الْإِنْجِيل الَّذِي كَانَ فِيهِ ذكر الْأَب وَالِابْن وروح الْقُدس لَا يخْتَلف أحد من النَّاس فِي أَنه إِنَّمَا نقل عَن اللُّغَة العبرانية إِلَى السريانية وَغَيرهَا فَعبر عَن تِلْكَ الْأَلْفَاظ العبرانية وَبهَا كَانَ فِيهِ ذكر الْأَب وَالِابْن وروح الْقُدس وَلَيْسَ فِي اللُّغَة العبرانية شَيْء مِمَّا ذكر وَادّعى وَإِن كَانُوا مِمَّن يَقُولُونَ بِتَسْمِيَة الْبَارِي

стр. 42

عز وَجل من طَرِيق الِاسْتِدْلَال فقد أسقطوا صفة الْقُدْرَة إِذْ لَيْسَ الِاسْتِدْلَال على كَونه عَالما بأصح لَا أولى من الِاسْتِدْلَال على كَونه قَادِرًا لَا سِيمَا مَعَ قَول بولس وَهُوَ عِنْدهم فَوق الْأَنْبِيَاء أَن الْمَسِيح قدرَة الله وَعلمه تَعَالَى قَالَ هَذَا النَّص فِي رسَالَته الأولى إِلَى أهل قريته فليضيفوا إِلَى هَذِه الثَّلَاث صفة رَابِعَة وَهِي الْقُدْرَة وَأُخْرَى وَهِي السّمع وَأُخْرَى وَهِي الْبَصَر وَأُخْرَى وَهِي الْكَلَام وَأُخْرَى وَهِي الْعقل وَأُخْرَى وَهِي الْحِكْمَة وَأُخْرَى وَهِي الْجُود فَإِن قَالُوا الْقُدْرَة هِيَ الْحَيَاة قيل لَهُم وَالْعلم هُوَ الْحَيَاة فَإِن قَالُوا لَيْسَ الْعلم الْحَيَاة لِأَنَّهُ قد يكون حَيّ لَيْسَ عَالما كَالْمَجْنُونِ قيل لَهُم قد يكون حَيّ لَيْسَ قَادِرًا كالمغشي عَلَيْهِ وَنَحْو ذَلِك فالقدرة لَيست الْحَيَاة وَأَيْضًا فَإِن كَانَ الابْن هُوَ الْعلم وروح الْقُدس هُوَ الْحَيَاة فَمَا بَال إقحامهم الْمَسِيح ﵇ فِي أَنه الابْن وروح الْقُدس أَتَرَى الْمَسِيح هُوَ حَيَاة الله وَعلمه وَمَا بَال قَول بَعضهم أَن مَرْيَم ولدت ابْن الله أتراها ولدت علم الله أَيكُون فِي التَّخْلِيط أَكثر من هَذَا وَهل حط الْمَسِيح ﵇ من علم الله وحياته إِلَّا كحظ غَيره وَلَا فرق وَهَذَا لَا مخلص مِنْهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَقَالَ بَعضهم لما وجدنَا الْأَشْيَاء قسمَيْنِ حَيا وَلَا حَيا وَجب أَن يكون الْبَارِي حَيا وَلما وجدنَا الْحَيّ يَنْقَسِم قسمَيْنِ ناطقاً وَغير نَاطِق وَجب أَن يكون الْبَارِي تَعَالَى ناطقاً قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا الْكَلَام فِي غَايَة الكلال لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن هَذِه الْقِسْمَة قسْمَة طبيعية وَاقعَة تَحت جنس لِأَنَّهُ إِذا كَانَ تَسْمِيَة الْبَارِي تَعَالَى حَيا إنماا هُوَ من هَذَا الْوَجْه فَهُوَ إِذا يَقع مَعَ سَائِر الْأَحْيَاء تَحت جنس الْحَيّ وَيحد بِحَدّ الْحَيّ وبحد النَّاطِق وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَهُوَ مركب من جنسه وفصله وكل مَا كَانَ محدوداً فَهُوَ متناه وكل مَا كَانَ مركبا فَهُوَ مُحدث وَالْوَجْه الثَّانِي أَن هَذِه الْقِسْمَة الَّتِي قسموها منقوضة مموهة لِأَنَّهُ يلْزمهُم أَن يبدؤا بِأول الْقِسْمَة الَّذِي هُوَ أقرب إِلَى الطبيعة فيقولوا وجدنَا الْأَشْيَاء جوهراً وَلَا جوهراً ثمَّ يدخلوه تَحت أَي الْقسمَيْنِ شاؤا وهم إِنَّمَا يدخلونه تَحت الْجَوْهَر فَإِذا أدخلوه تَحت الْجَوْهَر فقد وَجب ضَرُورَة أَن يحدوه بِحَدّ الْجَوْهَر فَإِذا كَانَ ذَلِك وَجب أَن يكون مُحدثا إِذْ كل مَحْدُود فَهُوَ مُحدث كَمَا قد بَيناهُ ثمَّ نعترضهم فِي قسمتهم من قبل أَن يبلغُوا إِلَى الْحَيّ النَّاطِق وعَلى بعض الْقسم قبله يَقع الثَّانِي وَهَذِه كلهَا مخلوقات فَلَو كَانَ الْبَارِي تَعَالَى بَعْضهَا أَو كَانَت هَذِه الصِّفَات وَاقعَة عَلَيْهِ من طَرِيق وجوب وُقُوعهَا علينا لَكَانَ مخلوقاً تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَقَالَ بَعضهم لما كَانَت الثَّلَاثَة تجمع الزَّوْج والفرد وَهَذَا أكمل الْأَعْدَاد وَجب أَن يكون الْبَارِي تَعَالَى كَذَلِك لِأَنَّهُ غَايَة الْكَمَال

стр. 43

قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا من أغث الْكَلَام لوجوه ضَرُورِيَّة أَحدهَا أَن الْبَارِي تَعَالَى لَا يُوصف بِكَمَال وَلَا تَمام لِأَن الْكَمَال والتمام من بَاب الْإِضَافَة لِأَن التَّمام والكمال لَا يقعان الْبَتَّةَ إِلَّا فِيمَا فِيهِ النَّقْص لِأَن مَعْنَاهُمَا إِنَّمَا هُوَ إِضَافَة شيءٍ إِلَى شيءٍ بِهِ كملت صِفَاته ولولاه لَكَانَ نَاقِصا لَا معنى للتمام والكمال إِلَّا هَذَا فَقَط وَالْوَجْه الثَّانِي أَن كل عدد بعد الثَّلَاثَة فَهُوَ أتم من الثَّلَاثَة لِأَنَّهُ يجمع إِمَّا زوجا وزوجا وَإِمَّا زوجا وزوجاً وفرداً زأما أَكثر من ذَلِك وبالضرورة يعلم أَن مَا جمع أَكثر من زوج فَهُوَ أتم وأكمل مِمَّا لم يجمع إِلَّا زوجا وفرداً فَقَط فَيلْزمهُ أَن يَقُول أَن ربه أعدادا لَا تتناهى أَو أَنه أَكثر الْأَعْدَاد وَهَذَا أَيْضا مُمْتَنع محَال لَو قَالَه وَكفى فَسَادًا بقول يُؤَدِّي إِلَى الْمحَال وَالْوَجْه الثَّالِث أَن هَذَا الِاسْتِدْلَال مضاد لقَولهم أَن الثَّلَاثَة وَاحِدًا وَالْوَاحد ثَلَاثَة لِأَن الثَّلَاثَة الَّتِي تجمع الزَّوْج والفرد هِيَ غير الثَّلَاثَة الَّتِي هِيَ عنْدكُمْ وَاحِد بِلَا شكّ لِأَن الثَّلَاثَة الَّتِي تجمع الزَّوْج والفرد لَيست الْفَرد الَّذِي هُوَ فِيهَا وَهِي جَامِعَة لَهُ وَلغيره بل وَلَا هِيَ بعض فَالْكل لَيْسَ هُوَ الْجُزْء والجزء لَيْسَ هُوَ الْكل والفرد جُزْء للثَّلَاثَة وَالثَّلَاثَة كل للفرد وَللزَّوْج مَعَه فالفرد غير الثَّلَاثَة وَالثَّلَاثَة غير الْفَرد وَالْعدَد مركب من وَاحِد يُرَاد بِهِ الْفَرد وَوَاحِد كَذَلِك وَوَاحِد كَذَلِك إِلَى نِهَايَة الْعدَد الْمَنْطُوق بِهِ فالعدد لَيْسَ الْوَاحِد وَالْوَاحد لَيْسَ هُوَ الْعدَد لَكِن الْعدَد مركب من الْآحَاد الَّتِي هِيَ الْأَفْرَاد وَهَكَذَا كل مركب من أَجزَاء فَذَلِك الْمركب لَيْسَ هُوَ جزأ من أَجْزَائِهِ كَالْكَلَامِ الَّذِي هُوَ مركب من حرف وحرف حَتَّى يقوم الْمَعْنى الْمعبر عَنهُ فَالْكَلَام لَيْسَ هُوَ الْحَرْف والحرف لَيْسَ هُوَ الْكَلَام وَالْوَجْه الرَّابِع أَن هَذَا الْمَعْنى السخيف الَّذِي قَصده هَذَا الْجَاهِل نجده فِي الْإِثْنَيْنِ لِأَن الْإِثْنَيْنِ عدد يجمع فَردا وفرداً وَهُوَ زوج مَعَ ذَلِك فقد وجدنَا فِي الْإِثْنَيْنِ الزَّوْج والفرد فَيلْزمهُ أَن يَجْعَل ربه اثْنَيْنِ وَالْوَجْه الْخَامِس أَن كل عدد فَهُوَ مُحدث وَكَذَلِكَ كل مَعْدُود يَقع عَلَيْهِ فَهُوَ أَيْضا مُحدث على مَا قد بَينا فِيمَا خلا من كتَابنَا هَذَا والمعدود لم يُوجد قطّ إِلَّا ذَا عدد وَالْعدَد لم يُوجد قطّ إِلَّا فِي مَعْدُود وَالْوَاحد لَيْسَ عددا على مَا نبينه بعد هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَبِه يتم الْكَلَام فِي التَّوْحِيد بحول الله وقوته قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وهم يَقُولُونَ أَن الْإِلَه اتَّحد مَعَ الْإِنْسَان بعنى أَنَّهُمَا صَارا شَيْئا وَاحِدًا فَقَالَت اليعقوبية كاتحاد المَاء يلقِي الخمير فيصيران شَيْئا وَاحِدًا وَقَالَت النسطورية كاتحاد المَاء يلقِي فِي الزَّيْت فَكل وَاحِد مِنْهُمَا بَاقٍ بِحَسبِهِ وَقَالَت الملكية كاتحاد النَّار فِي

стр. 44

الصفيحة المحماة قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وكل هَذَا فِي غَايَة الْفساد أول ذَلِك أَنَّهَا دُعَاء وَلَا يعجز عَن مثلهَا متحامق وَلَيْسَ فِي إنجيلهم شَيْء من هَذِه الْأَقْسَام وَالثَّانِي أَنَّهَا كلهَا محَال لِأَن قَول الملكية فِي تمثيلهم بِمَا مثلُوا إِنَّمَا هُوَ عرض فِي جَوْهَر وَلَا يتَوَهَّم غير ذَلِك فالإله على قَوْلهم عرض وَالْإِنْسَان جَوْهَر وَهَذَا فِي غَايَة الْفساد وَقَول اليعقوبية أفسد لأننا نقُول لَهُم إِن كَانَ اسْتَحَالَ الْإِلَه إنْسَانا فالمسيح إِنْسَان وَلَيْسَ إِلَهًا وَإِن كَانَ الْإِنْسَان اسْتَحَالَ إِلَهًا فالمسيح إِلَه وَلَيْسَ بِإِنْسَان وَإِن كَانَ كِلَاهُمَا لم يسْتَحل وَاحِد مِنْهَا إِلَى الآخر فَهَذَا هُوَ قَول النسطورية لَا قَوْلهم وَإِن كَانَ كل وَاحِد مِنْهَا اسْتَحَالَ إِلَى الآخر فقد صَار الْإِلَه إِنْسَان لَا إِلَهًا وَصَارَ الْإِنْسَان إِلَهًا لَا إنْسَانا وحصلوا بعد هَذَا الْحمق على قَول النسطورية وَلَا مزِيد وَلنْ كَانَا استحالا إِلَى غير الْإِنْسَان والإله فالمسيح لَا إِلَه وَلَا إِنْسَان وكل هَذَا خلاف قَوْلهم وَأما النسطورية فَلم يزِيدُوا على أَن قَالُوا إِن الْإِنْسَان إِنْسَان والإله إِلَه وَهَكَذَا كل فَاضل وفاسق فِي الْعَالم هُوَ إِنْسَان والإله إِلَه فالمسيح وَغَيره من النَّاس سَوَاء وَأَيْضًا فَإِن مَا لَا قُوَّة محَال لِأَن الَّذِي لم يزل لَا يَسْتَحِيل إِلَى طبيعة الْإِنْسَان الْمُحدث وَلَا يَسْتَحِيل الْمُحدث إِلَهًا لم يزل وَهَذَا محَال بِذَاتِهِ مُمْتَنع لَا يتشكك وَكَذَلِكَ الْإِنْسَان لَا يجاور الْإِلَه مجاورة مكانية لِأَنَّهُ محَال أَيْضا وَكَذَا لَا يتَوَهَّم وَلَا يُمكن أَن يكون الْإِلَه عرضا يحملهُ جَوْهَر الْإِنْسَان وَلَا يُمكن أَن يكون الْإِنْسَان عرضا يحملهُ الْإِلَه فِي ذَاته كَمَا تَدعِي الملكية فِي تَشْبِيه ذَلِك الِاتِّحَاد بضوء الشَّمْس فِي الْبَيْت وبالنار فِي الحديدة المحماة فقد صَحَّ أَن كل مَا قَالُوا محَال وباطل وسخيف لَا يقبله إِلَّا مخذول وَلَا يُمكنهُم ادِّعَاء وجود شَيْء من هَذَا فِي كتب الْأَنْبِيَاء أصلا وَأَيْضًا فَإِنَّهُم يضيفون إِلَى ذكرهم الْأَب وَالِابْن وروح الْقُدس شَيْئا رَابِعا وَهُوَ الْكَلِمَة وَهِي المتحدة عِنْدهم بالإنسان الملتحمة بِهِ فِي مشيمة مَرْيَم ﵍ فَإِن أمانتهم الَّتِي أَنْفقُوا عَلَيْهَا كلهم هِيَ كَمَا نورده نصا نؤمن بِاللَّه الْأَب مَالك كل شَيْء صانع مَا يرى وَمَا لَا يرى وبالرب الْوَاحِد يسوع الْمَسِيح بكر الْخَلَائق كلهَا وَلَيْسَ بمصنوع الْإِلَه حق من الْإِلَه حق من جَوْهَر أَبِيه الَّذِي بِيَدِهِ انفنت العوالم وَخلق كل شَيْء الَّذِي من أجلنا معشر النَّاس وَمن أجل خلاصنا نزل من السَّمَاء وتجسد من روح الْقُدس وَصَارَ إنْسَانا وَولد من مَرْيَم البتول وألم وصلب أَيَّام قيطوش بلاطش وَدفن وَقَامَ وَفِي الْيَوْم الثَّالِث كَمَا هُوَ مَكْتُوب وَصعد إِلَى

стр. 45

السَّمَاء وَجلسَ عَن يَمِين الْأَب وَهُوَ مستعد للمجيء تَارَة أُخْرَى للْقَضَاء بَين الْأَمْوَات والأحياء ونؤمن بِروح الْقُدس الْوَاحِد روح الْحق الَّذِي هُوَ مُشْتَقّ من أَبِيه روح محبَّة وبمعبودية وَاحِدَة لغفران الْخَطَايَا وبجماعة وَاحِدَة قدسية سليحية جائليقية وبقيامة أبداننا وبالحياة الدائمة إِلَى أَبَد الآبدين وَقَالَ فِي أول إنجيل يوحنا التلميذ فِي البدء كَانَت الْكَلِمَة والكلمة عِنْد الله وَالله كَانَ الْكَلِمَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فَهَذِهِ أَقْوَال إِذا تأملها ذُو عقل علم أَنَّهَا وساوس أَو جُنُون ملقى من الشَّيْطَان لَا يمْتَحن بِهِ إِلَّا مخذول مشهود لَهُ بِبَرَاءَة الله تَعَالَى مِنْهُ وَيُقَال لَهُم الْكَلِمَة هِيَ الْأَب أَو الابْن أَو روح الْقُدس أم شَيْء رَابِع فَإِن قَالُوا شَيْء رَابِع فقد خَرجُوا عَن التَّثْلِيث إِلَى التربيع وَإِن قَالُوا إِنَّهَا أحد الثَّلَاثَة سئلوا عَن الدَّلِيل على ذَلِك إِذْ الدَّعْوَى لَا يعجز عَنْهَا أحد ثمَّ يُقَال لَهُم الْأَب هُوَ الابْن أم غَيره فَإِن قَالُوا هُوَ غَيره سئلوا أَيْضا من الملتحم فِي مشيمة مَرْيَم المتحد مَعَ طبيعة الْمَسِيح الْأَب أم الابْن فَإِن قَالُوا الابْن فقد بَطل أَن يكون هُوَ الْأَب وخالفوا يوحنا إِذْ يَقُول فِي أول إنجيله إِن الْكَلِمَة هِيَ الله فَإِذا كَانَت هِيَ الله والكلمة التحمت فِي مشيمة مَرْيَم فَالله تَعَالَى هُوَ نَفسه التحم فِي مشيمة مَرْيَم وَفِي أمانتهم أَن الابْن هُوَ الَّذِي التحم فِي مشيمة مَرْيَم وَهَذِه وساوس لَا نَظِير لَهَا وَيُقَال أَيْضا هَل معنى التحم إِلَّا صَار لَحْمًا وَهَذَا غير قَول النسطورية والملكية وَإِن قَالُوا بل الْأَب فقد بَطل أَن يكون هُوَ الابْن وخالفوا يوحنا وَالْأَمَانَة وَإِن قَالُوا هُوَ الْأَب وَهُوَ الابْن تركُوا قَوْلهم أَن الابْن يقْعد عَن يَمِين أَبِيه وَأَن الْأَب يعلم وَقت الْقِيَامَة وَالِابْن لَا يعلمهَا وَقَوْلهمْ فِي إنجيل يوحنا الْأَب فوض الْأَمر إِلَى ابْنه وَالْأَب أكبر من الابْن فَهَذِهِ نُصُوص على أَن الابْن غير الْأَب إِذْ لَا يقْعد الْمَرْء عَن يَمِين نَفسه وَلَا يُفَوض الْأَمر إِلَى نَفسه وَلَا يجهل مَا يعلم وَهَذَا كُله يبطل قَوْلهم أَن الابْن هُوَ الْعلم وَالْقُدْرَة أَو غير ذَلِك لِأَن هَذِه الصِّفَات لَا تقعد عَن يَمِين حاملها وَلَا يُفَوض إِلَيْهَا شَيْء وَإِن قَالُوا لَا هُوَ هُوَ وَلَا هُوَ غَيره دخل عَلَيْهِم من الْجُنُون مَا يدْخل على من ادّعى أَن الصِّفَات لَا هِيَ الْمَوْصُوف وَلَا هِيَ غَيره وَإِن قَالُوا الْأَب هُوَ الابْن وَهُوَ غَيره لم يكن ذَلِك ببدع من سخافاتهم وخروجهم عَن الْمَعْقُول ولزمهم أَن الابْن ابْن لنَفسِهِ وَأب لنَفسِهِ وَأَن الْأَب أَب لنَفسِهِ وَابْن لنَفسِهِ وَلَيْسَ فِي الْحمق والهوس أَكثر من هَذَا وَلَا مُتَعَلق لَهُم بِشَيْء مِمَّا فِي الزبُور وَلَا فِي كتاب شعياء وَغَيره لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْء مِنْهَا أَن المُرَاد بِمَا ذكر

стр. 46

هُنَالك هُوَ عِيسَى بن مَرْيَم ﵉ وَقد قَالَ لوقا فِي آخر إنجيله أَنه كَانَ نَبيا مقتدرا عبد الله وَهَذَا كُله بَين عَظِيم مناقضتهم وَمَا توفيقنا إِلَّا بِاللَّه فَإِن تعلقوا بِمَا فِي الْإِنْجِيل من ذكر الْمَسِيح أَنه ابْن الله قيل لَهُم فِي الْإِنْجِيل أَيْضا أبي وأبيكم الله إلهي وإلهكم وَأمرهمْ إِذا دعوا أَن يَقُولُوا يَا أَبَانَا السماوي فَلهُ من ذَلِك كَالَّذي لَهُم وَلَا فرق فَإِن قَالُوا أَنه أَتَى بالعجائب قيل لَهُم والحواريون أَيْضا عنْدكُمْ أَتَوا بالعجائب ومُوسَى قبله والياس وَسَائِر الْأَنْبِيَاء قد أَتَوا بِمثل مَا أَتَى بِهِ من إحْيَاء الْمَوْتَى وَغَيره فَأَي فرق بَينه وَبينهمْ على أَنه لَيْسَ فِي شَيْء من الْإِنْجِيل نَص الْأَمَانَة الَّتِي لَا يَصح الْإِيمَان عِنْدهم إِلَّا بهَا من ذكر أَب وَابْن وروح الْقُدس مَعًا وَسَائِر مَا فِيهَا وَإِنَّمَا تَقْلِيد لأسلافهم من الأساقفة ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وأمانتهم الَّتِي ذكرُوا أَنهم متفقون عَلَيْهَا مُوجبَة أَن الابْن هُوَ الَّذِي نزل من السَّمَاء وتجسد من روح الْقُدس وَصَارَ إنْسَانا وَقتل وصلب فَيُقَال لَهُم هَذَا الابْن الَّذِي فِي أمانتكم أَنه نزل من السَّمَاء أمخلوقاً كَانَ أَو غير مَخْلُوق بل كَانَ لم يزل فَإِن قَالُوا كَانَ مخلوقاً فقد تركُوا قَوْلهم لَا سِيمَا أَن قَالُوا لَيْسَ هُوَ غير الْأَب بل يصير الْأَب وروح الْقُدس مخلوقين وَإِن قَالُوا كَانَ قبل أَن ينزل غير مَخْلُوق قيل لَهُم فقد صَار مخلوقاً إنْسَانا وَهَذَا محَال وتناقض وَأَيْضًا فقد لزم من هَذَا أَن الابْن مَخْلُوق وروح الْقُدس مَخْلُوق إِذْ صَار إنْسَانا ثمَّ يُقَال لَهُم أخبرونا عَن هَذَا الابْن الَّذِي أخبرتم عَنهُ بِمَا لم تخبروا عَن الْأَب وَالَّذِي يقْعد عَن يَمِين الرب ثمَّ ينزل لفصل الْقَضَاء أَله علم وحياة أم لَا علم لَهُ وَلَا حَيَاة فَإِن قَالُوا لَا علم لَهُ وَلَا حَيَاة فارقوا إِجْمَاعهم ولزمهم ضَرُورَة أَن قَالُوا مَعَ ذَلِك أَنه غير الْأَب الَّذِي لَهُ حَيَاة وَعلم إِذْ مَا لَا علم لَهُ هُوَ بِلَا شكّ غير الَّذِي لَهُ علم وَالَّذِي لَا حَيَاة لَهُ هُوَ بِلَا شكّ غير الَّذِي لَهُ حَيَاة وَهَذَا ترك مِنْهُم للنصرانية وَإِن قَالُوا بل لَهُ علم وحياة لَزِمَهُم أَن الأزليين خَمْسَة الْأَب وَعلمه وحياته وَالِابْن الَّذِي هُوَ علم الْأَب وَعلمه وحياته وَهَكَذَا يسْأَلُون أَيْضا عَن روح الْقُدس وَلَا فرق وَقد قَالَ يوحنا فِي أول إنجيله فَمن تقبله مِنْهُم وآمن بِهِ أَعْطَاهُم سُلْطَانا أَن يَكُونُوا أَوْلَاد الله أُولَئِكَ الْمُؤْمِنُونَ باسمه الَّذين لم يتوالدوا من دم وَلَا شَهْوَة اللَّحْم وَلَا باه رجل وَلَكِن تَوَالَدُوا من الله فصح بِهَذَا أَن لكل نَصْرَانِيّ من ولادَة الله والأزلية والكون من جَوْهَر الْأَب كَالَّذي للمسيح سَوَاء بِسَوَاء وَلَا فرق وَإِلَّا فقد كذب يوحنا اللعين قَائِل هَذَا الْكفْر وَأهل

стр. 47

الْكَذِب هُوَ وَهَذَا مَا لَا انفكاك مِنْهُ وَهَذَا يلْزم الأشعرية الَّذين يَقُولُونَ بِأَن علم الله تَعَالَى وَقدرته هما غير الله تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا وَمِمَّا يعْتَرض بِهِ علينا الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَمن ذهب إِلَى إِسْقَاط الكواف من سَائِر الْمُلْحِدِينَ إِن قَالَ قَائِلهمْ قد نقلت الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَن الْمَسِيح ﵇ قد صلب وَقتل وَجَاء الْقُرْآن بِأَنَّهُ ﷺ لم يقتل وَلم يصلب فَقولُوا لنا كَيفَ كَانَ هَذَا فَإِن جوزتم على هَذِه الكواف الْعِظَام الْمُخْتَلفَة الْأَهْوَاء والأديان والأزمان والبلدان والأجناس نقل الْبَاطِل فَلَيْسَتْ بذلك أولى من كافتكم الَّتِي نقلت أَعْلَام نَبِيكُم وشرائعه وَكتابه فَإِن قُلْتُمْ اشْتبهَ عَلَيْهِم فَلم يعْتَمد وانقل الْبَاطِل فقد جوزتم التلبيس على الكواف فَلَعَلَّ كافتكم أَيْضا متلبس عَلَيْهَا فَلَيْسَ سَائِر الكواف أولى بذلك من كافتكم وتولوا لنا كَيفَ فرض الْإِقْرَار بصلب الْمَسِيح عنْدكُمْ قبل وُرُود الْخَبَر عَلَيْكُم بِبُطْلَان صلبه وَقَتله فَإِن قُلْتُمْ كَانَ الْفَرْض على النَّاس الْإِقْرَار بصلبه وَجب من قَوْلكُم الْإِقْرَار أَن الله تَعَالَى فرض على النَّاس الْإِقْرَار بِالْبَاطِلِ وَأَن الله تَعَالَى فرض على النَّاس تَصْدِيق الْبَاطِل والتدين بِهِ وَفِي هَذَا مَا فِيهِ وَإِن قُلْتُمْ كَانَ الْفَرْض عَلَيْكُم الْإِنْكَار لصلبه فقد أوجبتم أَن الله تَعَالَى فرض على النَّاس تَكْذِيب الكواف وَفِي هَذَا إبِْطَال قَول كافتكم بل إبِْطَال جَمِيع الشَّرَائِع بل إبِْطَال كل خبر كَانَ فِي الْعَالم عَن كل بلد وَملك وَنَبِي وفيلسوف وعالم ووقعتم وَفِي هَذَا مَا فِيهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذِه الإلزامات كلهَا فَاسِدَة فِي غَايَة الْحِوَالَة والاضمحلال بِحَمْد الله تَعَالَى وَنحن مبنيون ذَلِك بالبراهين الضرورية بَيَانا لَا يخفى على من لَهُ أدنى فهم بحول الله تَعَالَى وقوته فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِن صلب الْمَسِيح ﵇ لم يقلهُ قطّ كَافَّة وَلَا صَحَّ بالْخبر قطّ لِأَن الكافة الَّتِي يلْزم قبُول نقلهَا هِيَ إِمَّا الْجَمَاعَة الَّتِي يُوقن أَنَّهَا لم تتوطا لتنابذ طرقهم وَعدم التقائهم وَامْتِنَاع اتِّفَاق خواطرهم على الْخَبَر الَّذِي نقلوه عَن مُشَاهدَة أَو رَجَعَ إِلَى مُشَاهدَة وَلَو كَانُوا اثْنَيْنِ فَصَاعِدا وَإِمَّا أَن يكون عدد كثير يمْتَنع مِنْهُ الِاتِّفَاق فِي الطبيعة على التَّمَادِي على سنَن مَا تواطؤا عَلَيْهِ فَأخْبرُوا بِخَبَر شاهدوه وَلم يَخْتَلِفُوا فِيهِ فَمَا نَقله أحد أهل هَاتين الصفتين عَن مثل أَحدهمَا وَهَكَذَا حَتَّى يبلغ إِلَى مُشَاهدَة فَهَذِهِ صفة الكافة الَّتِي يلْزم قبُول نقلهَا ويضطر خَبَرهَا سامعها إِلَى تَصْدِيقه وَسَوَاء كَانُوا عُدُولًا أَو فساقاً أَو كفَّارًا وَلَا يقطع على صِحَّته إِلَّا ببرهان فَلَمَّا صَحَّ ذَلِك نَظرنَا فِيمَن نقل خبر صلب الْمَسِيح ﵇ فوجدناه كواف

стр. 48

عَظِيمَة صَادِقَة بِلَا شكّ فِي نقلهَا جيلاً بعد جيل إِلَى الَّذين ادعوا مُشَاهدَة صلبه فَإِن هُنَالك تبدلت الصّفة وَرجعت إِلَى شَرط مأمورين مُجْتَمعين مَضْمُون مِنْهُم الْكَذِب وَقبُول الرِّشْوَة على قَول الْبَاطِل وَالنَّصَارَى يقرونَ بِأَنَّهُم لم يقدموا على أَخذه نَهَارا خوف الْعَامَّة وَإِنَّمَا أَخَذُوهُ لَيْلًا عِنْد افْتِرَاق النَّاس عَن الفصح وَأَنه لم يبْق فِي الْخَشَبَة إِلَّا سِتّ سَاعَات من النَّهَار وَأَنه أنزل إِثْر ذَلِك وَأَنه لم يصلب إِلَّا فِي مَكَان نازح عَن الْمَدِينَة فِي بُسْتَان فخار متملك للفخار لَيْسَ موضعا مَعْرُوفا بصلب من يصلب وَلَا مَوْقُوفا لذَلِك وَأَنه بعد هَذَا كُله رسي الشَّرْط على أَن يَقُولُوا أَن أَصْحَابه سَرقُوهُ فَفَعَلُوا ذَلِك وَأَن مَرْيَم المجدلانية وَهِي امْرَأَة من الْعَامَّة تقدم على حضورمة مَوضِع صلبه بل كَانَت واقفة على بعد تنظر هَذَا كُله فِي نَص الْإِنْجِيل عِنْدهم فَبَطل أَن يكون صلبه مَنْقُولًا بكافة بل بِخَبَر يشْهد ظَاهره على أَنه مَكْتُوم متواطأ عَلَيْهِ وَمَا كَانَ الحواريون ليلتئذ بِنَصّ الْإِنْجِيل إِلَّا خَائِفين على أنفسهم غيباً عَن ذَلِك المشهد هاربين بأرواحهم مستترين وَإِن شَمْعُون الصَّفَا غرر وَدخل دَار قيقان الكاهن أَيْضا بضوء النَّهَار فَقَالَ لَهُ أَنْت من أَصْحَابه فَانْتفى وَجحد وَخرج هَارِبا عَن الدَّار فَبَطل أَن ينْقل خبر صلبه أحد تطيب النَّفس عَلَيْهِ أَن تظن بِهِ الصدْق فَكيف أَن يَنْقُلهُ كافةٌ وَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِن شبه لَهُم﴾ إِنَّمَا عَنى تَعَالَى أَن أُولَئِكَ الْفُسَّاق الَّذين دبروا هَذَا الْبَاطِل وتواطؤا عَلَيْهِ هم شبهوا على من قلدهم فَأَخْبرُوهُمْ أَنهم صلبوه وقتلوه وهم كاذبون فِي ذَلِك عالمون أَنهم كذبة وَلَو أمكن أَن يشبه ذَلِك على ذِي حاسة سليمَة لبطلت النبوات كلهَا إِذْ لَعَلَّهَا شبهت على الْحَواس السلمِيَّة لَو أمكن ذَلِك لبطلت الْحَقَائِق كلهَا ولأمكن أَن يكون كل وَاحِد منا يشبه عَلَيْهِ فِيمَا يَأْكُل ويلبس وفيمن يُجَالس وَفِي حَيْثُ هُوَ فَلَعَلَّهُ نَائِم أَو مشبه على حواسه وَفِي هَذَا خُرُوج إِلَى السخف وَقَول السوفسطائية والحماقة وَقد شاهدنا نَحن مثل ذَلِك وَذَلِكَ أننا اندرنا للجبل لحضور دفن الْمُؤَيد هِشَام بن الحكم الْمُسْتَنْصر فَرَأَيْت أَنا وغيري نعشاً فِيهِ شخص مكفن وَقد شَاهد غسله شَيْخَانِ جليلان حكيمان من حكام الْمُسلمين وَمن عدُول الْقُضَاة فِي بَيت وخارج الْبَيْت أبي ﵀ وَجَمَاعَة عُظَمَاء الْبَلَد ثمَّ صلينَا فِي أُلُوف من النَّاس عَلَيْهِ ثمَّ لم يلبث شهوراً نَحْو السَّبْعَة حَتَّى ظهر حَيا وبويع بعد ذَلِك بالخلافة وَدخلت عَلَيْهِ أَنا وغيري وَجَلَست بَين يَدَيْهِ ورأيته وَبَقِي ثَلَاثَة أَعْوَام غير شَهْرَيْن وَأَيَّام قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَأما قَوْله قد جوزتم التمويه على الكافة فقد

стр. 49

بَينا أَنَّهَا لم تكن كَافَّة قطّ وَحَتَّى لَو صَحَّ أَنَّهَا كَافَّة فَكيف لَا يجوز ذَلِك فِي كل آيَة تحيل الطبائع والحواس فهم ضَرُورَة لَا يحمل على الممكنات فَلَو صَحَّ أَنَّهَا كَانَت كَافَّة لَكَانَ خبر الله تَعَالَى أَنه شبه لَهُم حَاكما على حواسهم ومحيلالها كخروج النَّبِي ﷺ لَيْلَة هَاجر بِحَضْرَة مائَة رجل من قُرَيْش وَقد حجب الله سُبْحَانَهُ أَبْصَارهم عَنهُ فَلم يروه وَأما مَا لم يَأْتِ خبر عَن الله بِأَنَّهُ شبه على الكافة فَلَا يجوز أَن يُقَال ذَلِك لِأَنَّهُ قطع على الْمحَال وإحالة طبيعة وإحالة الطبائع لَا تدخل فِي الْمُمكن إِلَّا أَن يَأْتِي بذلك يَقِين عَن الله فَيلْزم قبُوله وَأما التَّشْبِيه على الْوَاحِد والاثنين وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ جَائِز وَكَذَلِكَ فقد الْعقل والسخافة يجوز ذَلِك على الْوَاحِد والاثنين وَنَحْو ذَلِك وَلَا يجوز على الْجَمَاعَة كلهَا وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه وَلَكِن شبه لَهُم﴾ إِنَّمَا هُوَ إِخْبَار عَن الَّذين يَقُولُونَ تقليداً لأسلافهم من النَّصَارَى وَالْيَهُود أَنه ﵇ قتل وصلب فَهَؤُلَاءِ شبه لَهُم القَوْل أَي أدخلُوا فِي شُبْهَة مِنْهُ وَكَانَ المشبهون لَهُم شُيُوخ السوء فِي ذَلِك الْوَقْت وشرطهم المدعون أَنهم قَتَلُوهُ وصلبوه وهم يعلمُونَ أَنه لم يكن ذَلِك وَإِنَّمَا أخذُوا من أمكنهم فَقَتَلُوهُ وصلبوه فِي استتار وَمنع من حُضُور النَّاس ثمَّ أنزلوه ودفنوه تمويهاً على الْعَامَّة الَّتِي شبه الْخَبَر لَهَا ثمَّ نقُول للْيَهُود وَالنَّصَارَى بعد أَن بَينا بحول الله وقوته بَيَان مَا شنعوه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَن كوافكم قد نقلت عَن بعض أنبيائكم فسوقاً وَوَطْء إِمَاء وَهُوَ حرَام عنْدكُمْ وَعَن هَارُون ﵇ أَنه هُوَ الَّذِي عمل الْعجل لبني إِسْرَائِيل وَأمرهمْ بِعِبَادَتِهِ والرقص أَمَامه وَقد نزه الله تَعَالَى الْأَنْبِيَاء ﵈ عَن عبَادَة غَيره وَعَن الْأَمر بذلك وَعَن كل مَعْصِيّة ورذيلة فَإِذا جوزوا كلهم هَذَا على أَنْبِيَائهمْ مِنْهُم مُوسَى ﵇ وَسَائِر أَنْبِيَائهمْ كَانَ كل مَا أمروهم بِهِ من جنس عمل الْعجل والرقص وَالْأَمر بِعِبَادَتِهِ وَمن جنس وَطْء الْإِمَاء وَسَائِر مَا نسبوه إِلَى دَاوُد وَسليمَان ﵉ وَسَائِر أَنْبِيَائهمْ وَلَا سِيمَا وهم يقرونَ بِأَن الْعجل كَانَ يخور بطبعه وَأما نَحن فجوابنا فِي هَذَا كُله بِأَن لَيْسَ شَيْء مِنْهُ نقل كَافَّة وَلَكِن نقل آحَاد كذبُوا فِيهِ وَأما خوار الْعجل فَإِنَّمَا هُوَ على مَا روينَا عَن ابْن عَبَّاس ﵁ من أَنه كَانَ صفير الرّيح تدخل من فِيهِ وَتخرج من دبره لَا أَنه خار بطبعه قطّ وَحَتَّى لَو صَحَّ أَنه خار بطبعه لَكَانَ ذَلِك من أجل الْقُوَّة الَّتِي كَانَت فِي القبضة الَّتِي قبضهَا السامري من إِثْر جِبْرِيل ﵇ وَالَّذِي يعْتَمد عَلَيْهِ فَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس ﵁ الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما قَوْله كَيفَ كَانَ الْفَرْض قبل وُرُود النَّص بِبُطْلَان صلبه الْإِقْرَار بصلبه أم الْإِنْكَار لَهُ فَهَذِهِ قسْمَة فَاسِدَة شغبية قد حذر مِنْهَا الْأَوَائِل كثيرا وَنبهَ عَلَيْهَا أهل الْمعرفَة بحدود الْكَلَام وَذَلِكَ أَنهم أوجبوا فرضا ثمَّ قسموه على قسمَيْنِ إِمَّا فرض بإنكار وَإِمَّا فرض بِإِقْرَار وأضربوا عَن الْقسم الصَّحِيح فَلم يذكروه وَهَذَا لَا يرضى بِهِ لنَفسِهِ إِلَّا جَاهِل أَو سخيف مغالط غابن لنَفسِهِ غاش لمن اعتر بِهِ وَإِنَّمَا الْحَقِيقَة هَاهُنَا أَن يَقُول هَل يلْزم النَّاس قبل وُرُود الْقُرْآن فرض بِالْإِقْرَارِ بصلب الْمَسِيح أَو بإنكار صلبه أَو لم يلْزمهُم فرض بِشَيْء من ذَلِك فَهَذِهِ هِيَ الْقِسْمَة الصَّحِيحَة وَالسُّؤَال الصَّحِيح وَحقّ الْجَواب أَنه لم يلْزم النَّاس قطّ قبل وُرُود الْقُرْآن فرض بِشَيْء من ذَلِك لَا بِإِقْرَار وَلَا بإنكار وَإِنَّمَا كَانَ خَبرا لَا يقطع الْعذر وَلَا يُوجب الْعلم الضَّرُورِيّ مُمكن صدق قَائِله فقد قتل أَنْبيَاء كَثِيرَة وممكن أَن يكون ناقله كذب فِي ذَلِك

стр. 50

هُوَ بِمَنْزِلَة شَيْء مغيب فِي دَار فَيُقَال لهَذَا المعرض بِهَذَا السُّؤَال الْفَاسِد مَا الْفَرْض على النَّاس فِيمَا فِي هَذِه الدَّار الْإِقْرَار بِأَن فِيهَا رجلا أم الْإِنْكَار لذَلِك فَهَذَا كُله لَا يلْزم مِنْهُ شَيْء وَلم ينزل الله كتابا قبل الْقُرْآن يفْرض إِقْرَار بصلب الْمَسِيح ﷺ وَلَا بإنكاره وَإِنَّمَا ألزم الْفَرْض بعد نزُول الْقُرْآن بتكذيب الْخَبَر بصلبه فَإِن قَالُوا قد نقل الحواريون صلبه وهم أَنْبيَاء وعدول قيل لَهُم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الناقلون لنبوتهم وإعلامهم ولقولهم بصلبه ﵇ هم الناقلون عَنْهُم الْكَذِب فِي نسبه وَالْقَوْل بالتثليث الَّذِي من قَالَ بِهِ فَهُوَ كَاذِب على الله تَعَالَى مفتر عَلَيْهِ كَافِر بِهِ فَإِن كَانَ النَّاقِل لذَلِك عَنْهُم صَادِقا أَو كَانُوا كَافَّة فَمَا كَانَ يوحنا وَمَتى وبولس إِلَّا كفَّارًا كاذبين وَمَا كَانُوا قطّ من صالحي الحواريين وَإِن كَانَ ناقل مَا ذكرنَا عَنْهُم كَاذِبًا فالكاذب لَا يقوم بنقله حجَّة فَبَطل التمويه الْمُتَقَدّم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَقَالَ متكلموهم إِن الِاتِّحَاد الْمَذْكُور إِنَّمَا هُوَ تَقْلِيد للإنجيل وَلم يكن نقلة وَلَا حَرَكَة وَلَا فَارق الْبَارِي وَلَا الْعلم مَا كَانَا عَلَيْهِ وَلَا انتقلا فَيُقَال لَهُم هَذَا إبِْطَال للاتحاد وَقَول مِنْكُم بِأَن حَظه وحظ غَيره فِي ذَلِك سَوَاء وَخلاف لأمانتكم الَّتِي فِيهَا أَن الابْن نزل من السَّمَاء وتجسد وَولد وَقتل وَدفن وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم الْمَسِيح حجاب الله خاطبه الله تَعَالَى مِنْهُ فَيُقَال لَهُم أَنْتُم تَقولُونَ أَن الْمَسِيح رب معبود وإله خَالق والحجاب عنْدكُمْ مَخْلُوق والمسيح عِنْد بَعْضكُم طبيعة وَاحِدَة وَعند بَعْضكُم طبيعتان ناسوتية وَلَا هوتية فأخبرونا أتعبدون الطبيعتين مَعًا اللاهوتية والناسوتية أم تَعْبدُونَ أَحدهمَا دون الْأُخْرَى فَإِن قَالُوا نعبدهما جَمِيعًا أقرُّوا بِأَنَّهُم يعْبدُونَ إنْسَانا وحجاباً مخلوقاً مَعَ الله تَعَالَى وَهَذَا أقبح مَا يكون من الشّرك وَإِن قَالُوا بل نعْبد اللاهوت وَحده قيل لَهُم فَإِنَّمَا تَعْبدُونَ نصف الْمَسِيح لَا كُله لِأَنَّهُ طبيعتان ولستم تَعْبدُونَ إِلَّا أَحدهمَا دون الْأُخْرَى وَكَذَلِكَ يسْأَلُون عَن موت الْمَسِيح وصلبه فَمن قَول الملكية والنسطورية إِن الْمَوْت والصلب إِنَّمَا وَقع على الناسوت خَاصَّة فَيُقَال لَهُم فَأنْتم فِي قَوْلكُم مَاتَ الْمَسِيح وصلب كاذبون لِأَنَّهُ إِنَّمَا مَاتَ نصفه وصلب نصفه فَقَط لِأَن اسْم الْمَسِيح عنْدكُمْ وَاقع على اللاهوت والناسوت كليهمَا مَعًا لَا على أَحدهمَا دون الآخر وكل من قَالَ من اليعقوبية الْإِنْسَان والإله شَيْء وَاحِد فَإِنَّهُ يلْزمه أَن يعبد إنْسَانا لِأَنَّهُ إِذا عبد الْإِلَه والإله هُوَ الْإِنْسَان فقد عبد إنْسَانا وربه إِنْسَان مَخْلُوق وكل من قَالَ مِنْهُم الْإِلَه غير الْإِنْسَان فقد أبطل الِاتِّحَاد وَهَكَذَا يُقَال لَهُم فِي الْحجاب مَعَ الله تَعَالَى سَوَاء بِسَوَاء ويلزمهم جَمِيعهم إِذْ قد أقرُّوا بِعبَادة الْمَسِيح هَكَذَا هَكَذَا جملَة وَأَنه رب خَالق وَفِي الْإِنْجِيل أَنه جَاع وَأكل الْخبز وَالْحِيتَان وعرق وَضرب أَن رَبهم أكل وجاع وَأَن الْإِلَه ضرب وَلَطم وصلب وَكفى بِهَذَا رذالة وفحش وَبَيَان بطلَان وَيُقَال للملكية واليعقوبية الْقَائِلين بِأَن الْمَسِيح ابْن الله وَابْن مَرْيَم قد أقررتم أَن الْمَسِيح إِنْسَان وإله فالإنسان هُوَ ابْن الله وَابْن مَرْيَم والإله هُوَ ابْن مَرْيَم وَهَذِه غَايَة الشناعة فَإِن قَالُوا مَا تَقولُونَ فِيمَا فِي كتابكُمْ ﴿وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب﴾ وَأَنه تَعَالَى كلم مُوسَى من جَانب الطّور من الشَّجَرَة من شاطىء الْوَادي قُلْنَا التكليم قعل الله تَعَالَى مَخْلُوق والحجاب إِنَّمَا هُوَ للتكليم والتكليم هُوَ الَّذِي حدث فِي الشَّجَرَة وشاطىء الْوَادي وجانب الطّور

стр. 51

وكل ذَلِك مَخْلُوق مُحدث وَكَذَلِكَ تحول جِبْرِيل ﵇ فِي صُورَة دحْيَة إِنَّمَا هُوَ أَن الله تَعَالَى جعل للْمَلَائكَة وَالْجِنّ قُوَّة يتحولون بهَا فِيمَا شاؤا من الصُّور وَكلهمْ مَخْلُوق تعاقب عَلَيْهِم الْإِعْرَاض بِخِلَاف الله تَعَالَى فِي ذَلِك قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَمِمَّا يعْتَرض بِهِ على النَّصَارَى وَإِن كَانَ لَيْسَ برهاناً ضَرُورِيًّا على جَمِيعهم لكنه برهَان ضَرُورِيّ على كل من تقلد مِنْهُم الشَّرَائِع الَّتِي يعْمل بهَا الملكيون والنساطرة واليعاقبة والمارقية قَاطع لَهُم وَهِي مَسْأَلَة جرت لنا مَعَ بَعضهم وَذَلِكَ أَنهم لَا يخلون من أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَن يَكُونُوا يَقُولُونَ بِبُطْلَان النُّبُوَّة بعد عِيسَى ﵇ وَإِمَّا أَن يَقُولُوا بإمكانها بعده ﵇ فَإِن قَالُوا بِإِمْكَان النُّبُوَّة بعده ﵇ لَزِمَهُم الْإِقْرَار بنبوة مُحَمَّد ﷺ إِذْ ثَبت نقل إِعْلَامه بالكواف الَّتِي بِمِثْلِهَا نقلت إِعْلَام عِيسَى وَغَيره عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَإِن قَالُوا بِبُطْلَان النُّبُوَّة بعد عِيسَى ﵇ لَزِمَهُم ترك جَمِيع شرائعهم من صلَاتهم وتعظيمهم الْأَحَد وصيامهم وامتناعهم من اللَّحْم ومناكحتهم وأعيادهم واستباحتهم الْخِنْزِير وَالْميتَة وَالدَّم وَترك الْخِتَان وَتَحْرِيم النِّكَاح على أهل المراكب فِي دينهم إِذْ كل مَا ذكرنَا لَيْسَ مِنْهُ فِي أَنَاجِيلهمْ الْأَرْبَعَة شَيْء الْبَتَّةَ بل أَنَاجِيلهمْ مبطلة لكل مَا هم عَلَيْهِ الْيَوْم إِذْ فِيهَا أَنه ﵇ قَالَ لم آتٍ لأغير شَيْئا من شرائع التَّوْرَاة وَأَنه كَانَ يلْتَزم هُوَ وَأَصْحَابه بعده السبت وأعياد الْيَهُود من الفصح وَغَيره بِخِلَاف كل مَا هم عَلَيْهِ الْيَوْم فَإِذا منعُوا من وجود النُّبُوَّة بعده وَكَانَت الشَّرَائِع لَا تُؤْخَذ إِلَّا عَن الْأَنْبِيَاء ﵈ وَإِلَّا فَإِن شارعها عَن غير الْأَنْبِيَاء ﵈ حَاكم على الله تَعَالَى وَهَذَا أعظم مَا يكون من الشّرك وَالْكذب والسخف فشرائعهم الَّتِي هِيَ دينهم غير مَأْخُوذَة عَن نَبِي أصلا فَهِيَ معاص مفتراة على الله بِيَقِين لَا شكّ فِيهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا حِين نبدأ بعون الله وتوفيقه وتأييده إِن شَاءَ الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فِي تَبْيِين أَن الْوَاحِد لَيْسَ عددا فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق أَن خَاصَّة الْعدَد هُوَ أَن يُوجد عدد آخر مساوٍ لَهُ وَعدد آخر لَيْسَ مُسَاوِيا لَهُ هَذَا شَيْء لَا يَخْلُو من عدد أصلا والمساواة هِيَ أَن تكون إبعاضه كلهَا مُسَاوِيَة لَهُ إِذا جزئت أَلا ترى أَن الْفَرد والفرد مساويان للإثنين وَأَن الزَّوْج والفرد لَيْسَ مُسَاوِيا للزَّوْج الَّذِي هُوَ الإثنان والخمسة مُسَاوِيَة للإثنين وَالثَّلَاثَة غير مُسَاوِيَة للثَّلَاثَة وَهَكَذَا كل عدد فِي الْعَالم فَهَذَا معنى قَوْلنَا أَن الْمسَاوِي وَغير الْمسَاوِي هُوَ خَاصَّة الْعدَد وَهَذِه الْمُسَاوَاة أردنَا لَا غَيرهَا فَلَو كَانَ للْوَاحِد أبعاض مُسَاوِيَة لَهُ لَكَانَ كثيرا بِلَا شكّ لِأَن الْوَاحِد الْمُطلق على الْحَقِيقَة هُوَ الَّذِي لَيْسَ كثيرا هَذَا مَا لاشك فِيهِ عِنْد كل ذِي حس سليم وَكَانَ مَا كَانَ لَهُ أبعاض فَهُوَ كثير بِلَا شكّ فَهُوَ إِذا بِالضَّرُورَةِ لَيْسَ وَاحِدًا فالواحد ضَرُورَة هُوَ الَّذِي لَا أبعاض لَهُ فَإذْ لَا شكّ فِيهِ فالواحد الَّذِي لَا أبعاض لَهُ تساويه لَيْسَ عددا وَهُوَ الَّذِي أردنَا أَن نبين وَأَيْضًا فَإِن الْحس وضرورة الْعقل يَشْهَدَانِ بِوُجُود الْوَاحِد إِذْ لَو لم يكن الْوَاحِد مَوْجُودا لم يقدر على عدد أصلا إِذْ الْوَاحِد مبدأ الْعدَد والمعدود الَّذِي لَا يُوصل إِلَى عدد وَلَا مَعْدُود إِلَّا بعد

стр. 52

وجوده وَلَو لم يُوجد الْوَاحِد لما وجد فِي الْعَالم عدد وَلَا مَعْدُود أصلا والعالم كُله أعداد ومعدودات مَوْجُودَة فالواحد مَوْجُود ضَرُورَة فَلَمَّا نَظرنَا فِي الْعَالم كُله نظرا طبيعياً ضَرُورِيًّا لم نجد فِيهِ وَاحِدًا على الْحَقِيقَة الْبَتَّةَ بِوَجْه من الْوُجُوه لِأَن كل جرم من الْعَالم فمنقسم مُحْتَمل للتجزئة متكثر بالانقسام أبدا بِلَا نِهَايَة وكل حَرَكَة فَهِيَ أَيْضا منقسمة بانقسام المتحرك بهَا وَالزَّمَان حَرَكَة الْفلك فَهُوَ منقسم بإنقسام الْفلك فَكل مُدَّة فمنقسمة أَيْضا بانقسام المتحرك بهَا الَّذِي هُوَ الْمدَّة وَكَذَلِكَ كل مقول من جنس أَو نوع أَو فصل وَكَذَلِكَ كل عرض مَحْمُول فِي جرم فَإِنَّهُ منقسم بانقسام حامله هَذَا أَمر يعلم بضرورة الْعقل والمشاهدة وَلَيْسَ الْعَالم كُله شَيْئا غير مَا ذكرنَا فصح ضَرُورَة أَنه لَيْسَ فِي الْعَالم وَاحِد الْبَتَّةَ وَقد قدمنَا ببرهان ضَرُورِيّ آنِفا أَنه لَا بُد من وجود الْوَاحِد فَإِذا لَا بُد من وجوده وَلَيْسَ هُوَ فِي شَيْء من الْعَالم الْبَتَّةَ فَهُوَ إِذا بِالضَّرُورَةِ شيءٌ غير الْعَالم فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فالبضرورة الَّتِي لَا محيد عَنْهَا فَهُوَ الْوَاحِد لأوّل الْخَالِق للْعَالم إِذْ لَيْسَ يُوجد بِالْعقلِ الْبَتَّةَ شيءٌ غير الْعَالم إِلَّا خالقه فَهُوَ الْوَاحِد الأول الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الَّذِي لَا يتكثر الْبَتَّةَ أصلا لَا بِعَدَد وَلَا صفة وَلَا بِوَجْه من الْوُجُوه لَا وَاحِد سواهُ الْبَتَّةَ وَلَا أول غَيره أصلا وَلَا مخترع فَاعِلا خَالِقًا إِلَّا هُوَ وَحده لَا شريك لَهُ وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي كل فَرد فِي الْعَالم وَهُوَ الَّذِي يُسمى فِي اللُّغَة عِنْد الْعَدو وَاحِد على الْمجَاز أَنه كثير بِمَعْنى أَنه يحْتَمل أَن يقسم وَأَن لَهُ مساحة كَثِيرَة الْأَجْزَاء فَإِذا قسم ظَهرت الْكَثْرَة فِيهِ وَأما مَا لم يقسم فَهُوَ يعد فَردا حَقِيقِيًّا وَقد ذكرنَا برهَان وجوب احْتِمَال الإنقسام لكل جُزْء فِي الْعَالم فِي آخر كتَابنَا هَذَا ببراهين ضَرُورِيَّة لَا محيد عَنْهَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا تَقول فِي الْبَاء وَالتَّاء والثاء وَسَائِر حُرُوف الهجاء أَلَيْسَ كل وَاحِد مِنْهَا وَاحِدًا لَا يَنْقَسِم قيل لَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِن هَذَا شغب ينيغي أَن تحفظ من مثله لِأَن الْحَرْف إِنَّمَا هُوَ هَوَاء ينْدَفع من مخرج ذَلِك الْحَرْف بعصر بعض آلَات الصَّوْت لَهُ من الرئة وأنابيب الصَّدْر وَالْحلق والحنك وَاللِّسَان والأسنان والشفتين فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا فَذَلِك الْهَوَاء المندفع جسم طَوِيل عريض عميق فَهُوَ مُحْتَمل الإنقسام ضَرُورَة فَذَلِك الْهَوَاء هُوَ الْحَرْف فالحرف هُوَ جسم مُحْتَمل للْقِسْمَة ضَرُورَة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْكَلَام على من يَقُول أَن البارىء خلق الْعَالم جملَة كَمَا هُوَ بِجَمِيعِ أَحْوَاله بِلَا زمَان قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ رَأينَا من يقر بالخالق تَعَالَى وَلَا يقر بِالنُّبُوَّةِ وَمن يذهب إِلَى ذَلِك وناظرناه على ذَلِك فَقلت إِن الَّذِي تَقول مُمكن فِي قُوَّة الله تَعَالَى وَالَّذِي نقُول نَحن من أَنه تَعَالَى خلق من النَّوْع الإنساني ذكر وَاحِدًا وَأُنْثَى وَاحِدَة تناسل النَّاس كلهم مِنْهُمَا مُمكن أَيْضا فَمن أَيْن ملت إِلَى تِلْكَ الحثيثة دون هَذِه فتردد سَاعَة فَلَمَّا لم يجد دَلِيلا قَالَ فَمن أَيْن ملتم أَنْتُم أَيْضا إِلَى هَذِه الحثيثة دون تِلْكَ فَقلت لبراهين ضَرُورِيَّة توجب مَا قُلْنَا وتنفي مَا قُلْتُمْ مِنْهَا أَنه لَو كَانَ مَا قلت لَكَانَ كل من أخرجه الله تَعَالَى حِينَئِذٍ من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود من الشبَّان والشيوخ يعلمُونَ ذَلِك ويحسونه من أنفسهم ويوقنون أَنهم الْآن بِهِ حدثوا وَأَنَّهُمْ لم يَكُونُوا قبل ذَلِك لَكِن حدثوا الْآن فِي حَال توليهم لصناعاتهم وتجاراتهم وأعمالهم من حرث وحصاد ونسج وخياطة وخبز

стр. 53

وطبخ وَغير ذَلِك وَلَو كَانَ هَذَا لنقلوه إِلَى أَوْلَادهم نقلا يَقْتَضِي لَهُم الْعلم الضَّرُورِيّ بذلك وَلَا بُد كَمَا يَقْتَضِي الْعلم الضَّرُورِيّ كل نقل جَاءَ بِأَقَلّ من هَذَا الْمَجِيء مِمَّا كَانَ قبلنَا من الْمُلُوك والدول والوقائع ولبلغ الْأَمر إِلَيْنَا كَذَلِك ولعلمه جَمِيع النَّاس علما ضَرُورِيًّا لِأَن شَيْئا يَنْقُلهُ جَمِيع أهل الأَرْض عَن مشاهدتهم لَهُ لَا يُمكن التشكك فِيهِ أبدا كَمَا نقل طُلُوع الشَّمْس وغروبها وَالْمَوْت والولاد وَغير ذَلِك وَنحن نجد الْأَمر بِخِلَاف هَذَا لأَنا نجد جَمِيع أهل الأَرْض قاطبة لَا يعْرفُونَ هَذَا بل لَا يدريه أحد مِنْهُم وَإِنَّمَا قلته أَنْت وَمن وافقته أَو من وَافَقت بِرَأْي وَظن لَا بِخَبَر وَنقل أصلا وَهَذَا مَا لَا تخالفنا فِيهِ أَنْت وَلَا أحد من النَّاس فَمن الْمحَال الْمُمْتَنع أَن يكون خبرٌ نَقله جَمِيع سكان الْعَالم أَوَّلهمْ عَن آخِرهم إِلَى كل من حدث بعدهمْ عَمَّا شاهدوه يخفي حَتَّى لَا يعرفهُ أحد من سكان الأَرْض هَذَا أَمر يعرف كذبه بِأول الْعقل وبديهته فَقَالَ وَالَّذِي تحكونه أَنْتُم أَيْضا قد وجدنَا جماعات ينكرونه فَيَنْبَغِي أَن يبطل بِمَا عارضتنا بِهِ فَقلت بَين النقلين فرق لَا خَفَاء بِهِ لِأَن نقلنا نَحن لما قُلْنَاهُ إِنَّمَا يرجع إِلَى خبر رجل وَاحِد وَامْرَأَة وَاحِدَة فَقَط وهما أول من أحدثهم الله تَعَالَى من النَّوْع الإنساني وَمَا كَانَ هَكَذَا فَإِنَّهُ لَا يُوجد الْعلم الضَّرُورِيّ إِذْ التواطؤ مُمكن فِي ذَلِك وَلَوْلَا أَن الْأَنْبِيَاء وَالَّذين جَاءُوا بالمعجزات أخبروا بتصحيح ذَلِك مَا صَحَّ قَوْلنَا من جِهَة النَّقْل وَحده بل كَانَ مُمكنا أَن يكون الله تَعَالَى ابْتَدَأَ خلق جمَاعَة تناسل الْخلق مِنْهُم لَكِن لما أخبر من صححت المعجزة قَوْله بِأَن الله تَعَالَى لم يبتدىء من النَّوْع الإنساني إِلَّا رجلا وَاحِدًا وَامْرَأَة وَاحِدَة وَجب تَصْدِيق قَوْلهم وبرهان آخر وَهُوَ أَنكُمْ قد أثبتم ضَرُورَة صِحَة قَوْلنَا من أَن الله ابْتَدَأَ النَّوْع الإنساني بِأَن خلق ذكرا وَأُنْثَى ثمَّ ادعيتم زِيَادَة أَن الله تَعَالَى خلق سواهُمَا جماعات وَلم تَأْتُوا على ذَلِك ببرهان أصلا وَلَا بِدَلِيل إقناعي فضلا عَن برهاني وَقد صحت الْبَرَاهِين الَّتِي قدمنَا قيل أَنه لَا بُد من مبدأ ضَرُورَة فَوَجَبَ وَلَا بُد حُدُوث ذكر وَأُنْثَى وَكَانَ من ادّعى حُدُوث أَكثر من ذَلِك مُدعيًا لما لَا دَلِيل لَهُ عَلَيْهِ أصلا وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل بِيَقِين لَا مرية فِيهِ وكل مَا ذكرت عَنهُ نبوةٌ فِي الْهِنْد وَالْمَجُوس وَالصَّابِئِينَ وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُسْلِمين فَلم يَخْتَلِفُوا فِي أَن الله تَعَالَى إِنَّمَا أحدث النَّاس من ذكر وَأُنْثَى وَمَا جَاءَ هَذَا الْمَجِيء فَلَا يجوز الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ بِالدَّعْوَى وَإِنَّمَا اخْتلف عَنْهُم فِي الْأَسْمَاء فَقَط وَلَيْسَ فِي هَذَا معترض لِأَنَّهُ قد يكون للمرء أَسمَاء كَثِيرَة فَلم يمْنَع من هَذَا مَانع وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فَلم نجد عِنْدهم فِي ذَلِك مُعَارضَة أصلا وَمَا علمنَا أحدا من الْمُتَكَلِّمين ذكر هَذِه الْفرْقَة أصلا وَقلت لَهُ فِي خلال كَلَامي مَعَه أَتَرَى الْعَالم إِذا خرج دفْعَة أخرج فِيهِ الْحَوَامِل يطلقن والطباقون قعُودا على أطباقهم يبيعون التِّين والسرقين فَضَحِك وَعلم أَنِّي سلكت بِهِ مَسْلَك السخرية فِي قَوْله لفساده وَقَالَ لي نعم فَقلت يَنْبَغِي أَن يَكُونُوا كلهم أننبياء يُوحى إِلَيْهِم أَو لَهُم عَن آخِرهم بِمَا هم عَلَيْهِ من الْعُلُوم والصناعات

стр. 54

أَو يُلْهمُون ذَلِك وَفِي هَذَا من بطلَان الدَّعْوَى مَا لَا خَفَاء بِهِ وَكَانَ مِمَّا اعْترض بِهِ أَن ذكر الجزائر المنقطعة فِي الْبحار وَأَنه يُوجد فِيهَا النَّمْل والحشرات وَكثير من الطير وَكثير من حشرات الأَرْض فَقلت إِن كل ذَلِك لَا يُنكر ذُو حس دُخُوله فِي جملَة رحالات الْمُسَافِرين الداخلين إِلَى تِلْكَ الْبِلَاد فقد شاهدنا دُخُول الفيران فِي جملَة الرحل كَذَلِك وَلَيْسَ فِي ذَلِك مَا يُوجب مَا ذكرت أصلا مَعَ أَن الْحَيَوَان نَوْعَانِ نوع متولد يخلقه الله تَعَالَى من عفونات الْأَبدَان وعفونات الأَرْض فَهَذَا لَا يُنكر تولده بإحداث الله تَعَالَى فِي كل حِين وَقسم آخر متوالد قد رتب الله تَعَالَى بنية الْعَالم أَنه لَا يخلقه إِلَّا عَن مني ذكر وَأُنْثَى فَهَذَا هُوَ الَّذِي صَار فِي تِلْكَ الجزائر عَن دُخُول إِلَيْهَا بِلَا شكّ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَمَا ننكر فِي كل نوع مَا عدا الْإِنْسَان أَن يخلق الله مِنْهُ أَكثر من اثْنَيْنِ فَهَذَا مُمكن فِي قدرَة الله تَعَالَى وَلم يَأْتِ خبر صَادِق بِخِلَافِهِ لِأَن الله تَعَالَى قد قَالَ فِي أَمر نوح ﵇ وسفينته حِين الطوفان ﴿احْمِلْ فِيهَا من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأهْلك إِلَّا من سبق عَلَيْهِ القَوْل﴾ وَمَعَ هَذَا فقد يُمكن أَن يكون نوح ﵇ مَأْمُورا بِأَن يحمل من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَلَا يمْنَع ذَلِك من بَقَاء بعض أَنْوَاع نَبَات المَاء وحيوانه فِي غير السَّفِينَة وَالله أعلم وَإِنَّمَا نقُول فِيمَا لَا يُخرجهُ الْعقل إِلَى الْوُجُوب والامتناع بِمَا جَاءَت بِهِ النُّبُوَّة فَقَط وبرهان آخر وَهُوَ أَنه لَو كَانَ إِخْرَاج الله تَعَالَى لكل مَا فِي الْعَالم من الْمَعْلُوم وَالْعُلَمَاء بهَا والصناعات والصانعين لَهَا دفْعَة وَاحِدَة لَكَانَ ذَلِك بضرورة الْعقل وأوله لَا يَخْلُو من أحد وَجْهَيْن لَا ثَالِث لَهما إِمَّا أَن يكون ذَلِك بِوَحْي من إِعْلَام وتوقيف مِنْهُ تَعَالَى وَإِمَّا بطبع مركب فيهم يَقْتَضِي لَهُم مَا علمُوا من ذَلِك وَمَا صَنَعُوا فَإِن كَانَ بِوَحْي إِعْلَام وتوقيف فقد صحت النُّبُوَّة لجميعهم إِذْ لَيست النُّبُوَّة معنى غير هَذَا وَهَذِه دَعْوَى مِمَّن قَالَ بِهَذَا القَوْل بِلَا دَلِيل وَمَا لَا دَلِيل عَلَيْهِ فَهُوَ بَاطِل لَا يجوز القَوْل بِهِ لَا سِيمَا والقائلون بهَا منكرون للنبوة فلاح تنَاقض قَوْلهم وَإِن كَانَ كل ذَلِك عَن طبيعية تَقْتَضِي لَهُم كَونهم عَالمين بالعلوم متكلمين باللغة متصرفين فِي الصناعات بِلَا تَعْلِيم وَلَا تَوْقِيف فَهَذَا محَال ضَرُورَة وممتنع فِي الْعقل وَفِي الطبيعة إِذْ لَو كَانَ ذَلِك لوجدوا أبدا كَذَلِك إِذْ الطبيعة وَاحِدَة لَا تخْتَلف وبالضرورة نَدْرِي أَنه لَا يُوجد أحد أبدا فِي شَيْء من الْأَزْمَان وَلَا فِي مَكَان أصلا يَأْتِي بِعلم من الْعُلُوم لم يُعلمهُ إِيَّاه أحد وَلَا يتَكَلَّم بلغَة لم يُعلمهُ إِيَّاهَا أحد وَلَا بصناعة من الصناعات لم يوقفه عَلَيْهَا أحد وبرهان ذَلِك مَا قدمنَا قبل من أَن الْبِلَاد الَّتِي لَيست فِيهَا الْعُلُوم وَأكْثر الصناعات كأرض الصقالبة والسودان والبوادي الَّتِي فِي خلال المدن لَيْسَ يُوجد فِيهَا أبدا أحد يدْرِي شَيْئا من الْعُلُوم وَلَا من الصناعات حَتَّى يُعلمهُ ذَلِك معلم وَأَنه لَا ينْطق أحد حَتَّى يُعلمهُ معلم فَظهر فَسَاد هَذَا القَوْل ببرهان وَقبل الْبُرْهَان بتعريه من الْبُرْهَان

стр. 55

الْكَلَام على من يُنكر النُّبُوَّة وَالْمَلَائِكَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ ذهبت البراهمة وهم قَبيلَة بِالْهِنْدِ فيهم أَشْرَاف أهل الْهِنْد وَيَقُولُونَ أَنهم من ولد برهمي ملك من مُلُوكهمْ قديم وَلَهُم عَلامَة ينفردون بهَا وَهِي خيوط ملونة بحمرة وصفرة يتقلدونها تقلد السيوف وهم يَقُولُونَ بِالتَّوْحِيدِ على نَحْو قَوْلنَا أَنهم أَنْكَرُوا النبوات وعمدة احتجاجهم فِي دَفعهَا أَن قَالُوا لما صَحَّ أَن الله حَكِيم وَكَانَ من بعث رَسُولا إِلَى من يدْرِي أَنه لَا يصدقهُ فَلَا شكّ فِي أَنه متعنت عابث فَوَجَبَ نفي بعث الرُّسُل عَن الله لنفي الْعَبَث والعنت عَنهُ وَقَالُوا أَيْضا إِن كَانَ الله تَعَالَى إِنَّمَا بعث الرُّسُل إِلَى النَّاس ليخرجهم بهم من الضلال إِلَى الْإِيمَان فقد كَانَ أولى بِهِ فِي حكمته وَأتم لمراده أَن يضْطَر الْعُقُول إِلَى الْإِيمَان بِهِ قَالُوا فَبَطل إرْسَال الرُّسُل على هَذَا الْوَجْه أَيْضا ومجيء الرُّسُل عِنْدهم من بَاب الْمُمْتَنع وَأما نَحن فَنَقُول إِن مَجِيء الرُّسُل عِنْدهم قبل أَن يَبْعَثهُم الله تَعَالَى وَاقع فِي بَاب الْإِمْكَان وَأما بعد إِن بَعثهمْ الله فَفِي حد الْوُجُوب ثمَّ أخبر الصَّادِق ﵇ عَنهُ تَعَالَى أَنه لَا نَبِي بعده فقد جد الِامْتِنَاع ولسنا نحتاج إِلَى تكلّف ذكر قَول من قَالَ من الْمُسلمين أَن مَجِيء الرُّسُل من بَاب الْوَاجِب واعتلالهم فِي ذَلِك بِوُجُوب الْإِنْذَار فِي الْحِكْمَة إِذْ لَيْسَ هَذَا القَوْل صَحِيحا وَإِنَّمَا قَوْلنَا الَّذِي بَيناهُ فِي غير مَوضِع أَنه تَعَالَى لَا يفعل شَيْئا لعِلَّة وَأَنه تَعَالَى يفعل مَا يَشَاء وَأَن كل مَا فعله فَهُوَ عدل وَحِكْمَة أَي شيءٍ كَانَ فَيُقَال وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق لمن احْتج بِالْحجَّةِ الأولى من أَن الْحِكْمَة تضَاد بعثة الرُّسُل وَأَن الْحَكِيم لَا يبْعَث الرُّسُل إِلَى من يدْرِي أَنه يعصيه أَنكُمْ اضطركم هَذَا الأَصْل الْفَاسِد الْحَاكِم إِلَى مُوَافقَة المانية على أُصُولهَا فِي أَن الْحَكِيم لَا يخلق من يعصيه وَمن يكفر بِهِ وَيقتل أولياءه وهم يَقُولُونَ أَن الله تَعَالَى خلق الْخلق ليدلهم بهم على نَفسه وَيُقَال لَهُم قد علمنَا وعلمتم أَن فِي النَّاس كثيرا يجحدون الربوبية والوحدانية فَقولُوا أَنه لَيْسَ حكيماً من خلق دَلَائِل لمن يدْرِي أَنه لَا يسْتَدلّ بهَا فَإِن قَالُوا إِنَّه قد اسْتدلَّ بهَا كثير قيل لَهُم وَقد صدق الرُّسُل أَيْضا كثير فَإِن قَالُوا أَنه خلق الْخلق كَمَا شَاءَ قيل لَهُم وَكَذَلِكَ بعث الرُّسُل أَيْضا كَمَا شَاءَ فبعثته تَعَالَى الرُّسُل هِيَ بعض دلائله الَّتِي خلقهَا تَعَالَى ليدل بهَا على الْمعرفَة بِهِ تَعَالَى وعَلى توحيده وَيُقَال لمن احْتج بِالْحجَّةِ الثَّانِيَة من أَن الأولى بِهِ أَنه كَانَ يضْطَر الْعُقُول إِلَى الْإِيمَان بِهِ أَن هَذَا قَول مرذول مَرْدُود عَلَيْكُم فِي قَوْلكُم أَن الله خلق الْخلق ليدلهم بهم نَفسه ووحدانيته فيلزمكم على ذَلِك الأَصْل الْفَاسِد أَنه كَانَ الأولى إِذْ خلقهمْ أَن لَا يدعهم وَالِاسْتِدْلَال وَقد علم أَن فيهم من لَا يسْتَدلّ وَأَن فيهم من يغمض عَلَيْهِ الِاسْتِدْلَال فَكَانَ الأولى فِي الْحِكْمَة أَن يضْطَر عُقُولهمْ إِلَى الْإِيمَان بِهِ وَلَا يكلفهم مُؤنَة الِاسْتِدْلَال وَأَن يلطف بهم ألطافاً يخْتَار جَمِيعهم مَعهَا الْإِيمَان كَمَا فعل بِالْمَلَائِكَةِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وملاك هَذَا كُله مَا قد قُلْنَاهُ فِي غير مَوضِع من أَن الْخلق لما كَانُوا لَا يَقع مِنْهُم فعل إِلَّا لعِلَّة وَوَجَب بالبراهين الضرورية أَن الْبَارِي تَعَالَى بِخِلَاف جَمِيع خلقه من جَمِيع الْجِهَات وَجب أَن يكون فعله لَا لعِلَّة بِخِلَاف أَفعَال جَمِيع الْخلق وَأَنه لَا يُقَال فِي شَيْء من أَفعاله تَعَالَى أَنه فعل كَذَا لعِلَّة وَلَا إِذْ جَاءَ الْإِنْسَان بالنطق وَحرمه سَائِر الْحَيَوَان وَخلق بعض الْحَيَوَان صائداً وَبَعضه مصيداً وباين بَين جَمِيع مفعولاته كَمَا شَاءَ فَلَيْسَ لأحد أَن يَقُول

стр. 56

لم خلق الْإِنْسَان ناطقاً وَحرم الْحمار النُّطْق وَجعل الْحجر جَامِدا لَا حَيَاة لَهُ وَلَا نطق وَهَذَا أصل قد وَافَقنَا البراهمة عَلَيْهِ وَسَائِر من خَالَفنَا من تَفْرِيع هَذَا الْمَعْنى مِمَّن يَقُول بِالتَّوْحِيدِ وَهَكَذَا إِذا بعث تَعَالَى الْأَنْبِيَاء لَيْسَ لأحد أَن يَقُول لم بَعثهمْ أَو لم بعث هَذَا الرجل وَلم يبْعَث هَذَا الآخر وَلَا لم بَعثهمْ فِي هَذَا الزَّمَان دون غَيره فِي الْأَزْمِنَة وَلَا لم بَعثهمْ فِي هَذَا الْمَكَان دون غَيره من الْأَمْكِنَة كَمَا لَا يُقَال لم حباه بالسعد فِي الدُّنْيَا دون غَيره وَهَكَذَا كل مَا فِي الْعَالم إِذا نظر فِيهِ تَعَالَى الَّذِي لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وَهُوَ يسْأَلُون قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَإِذ قد نقضنا شغبهم بحول الله تَعَالَى وتأييده فلنقل الْآن بعون الله تَعَالَى وتأييده فِي إِثْبَات النُّبُوَّة إِذا وجدت قولا بَينا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قد قدمنَا فِيمَا خلا إِثْبَات حُدُوث الْأَشْيَاء وَأَن لَهَا مُحدث لم يزل وَاحِدًا لَا مبدأ لَهُ وَلَا كَانَ مَعَه غَيره وَلَا مُدبر سواهُ وَلَا خَالق غَيره فَإذْ قد ثَبت هَذَا كُله وَصَحَّ أَنه تَعَالَى أخرج الْعَالم كُله إِلَى الْوُجُود بعد أَن لم يكن بِلَا كلفة وَلَا معاناة وَلَا طبيعة وَلَا استعانة وَلَا مِثَال سلف وَلَا عِلّة مُوجبَة وَلَا حكم سَابق قبل الْخلق يكون ذَلِك الحكم لغيره تَعَالَى فقد ثَبت أَنه لم يفعل إِذْ لم يَشَأْ وَفعل إِذْ شَاءَ كَمَا شَاءَ فيزيد مَا شَاءَ وَينْقص مَا شَاءَ فَكل مَنْطُوق بِهِ مِمَّا يتشكك فِي النَّفس أَولا يتشكك فَهُوَ دَاخل لَهُ تَعَالَى فِي بَاب الْإِمْكَان على مَا بَينا فِي غير هَذَا الْمَكَان إِلَّا أننا نذْكر هَهُنَا طرفا إِن شَاءَ الله فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد إِن الْمُمكن لَيْسَ وَاقعا فِي الْعَالم وقوعاً وَاحِدًا أَلا تري أَن نَبَات اللِّحْيَة للرِّجَال مَا بَين الثمان عشرَة إِلَى عشْرين سنة مُمكن وَهُوَ فِي حُدُود الإثني عشر سنة إِلَى العامين مُمْتَنع وَإِن فك الإشكالات العويصة واستخراج الْمعَانِي الغامضة وَقَول الشّعْر البديع وصناعة البلاغة الرائقة مُمكن لذِي الذِّهْن اللَّطِيف والذكاء النَّافِذ وَغير مُمكن من ذِي البلادة والشديدة والغباوة المفرطة فعلى هَذَا مَا كَانَ مُمْتَنعا بَيْننَا إِذْ لَيْسَ فِي بنيتنا وَلَا فِي طبيعتنا وَلَا من عادتنا فَهُوَ غير ممتننع على الَّذِي لَا بنية لَهُ وَلَا طبيعة لَهُ وَلَا عَادَة عِنْده وَلَا رُتْبَة لَازِمَة لفعله فَإذْ قد صَحَّ هَذَا فقد صَحَّ أَنه لَا نِهَايَة لما يقوى عَلَيْهِ تَعَالَى فصح أَن النُّبُوَّة فِي الْإِمْكَان وَهِي بعثة قوم قد خصهم الله تَعَالَى بالفضيلة لَا لعِلَّة إِلَّا أَنه شَاءَ ذَلِك فعلمهم الله تَعَالَى الْعلم بِدُونِ تعلم وَلَا تنقل فِي مراتبه وَلَا طلب لَهُ وَمن هَذَا الْبَاب مَا يرَاهُ أَحَدنَا فِي الرُّؤْيَا فَيخرج صَحِيحا وَمَا هُوَ من بَاب تقدم الْمعرفَة فَإذْ قد أثبتنا أَن النُّبُوَّة قبل مَجِيء الْأَنْبِيَاء ﵈ وَاقعَة فِي حد الْإِمْكَان فلنقل الْآن بحول الله تَعَالَى وقوته على وُجُوبهَا إِذا وَقعت وَلَا بُد فَنَقُول إِذْ قد صَحَّ أَن الله تَعَالَى ابْتَدَأَ الْعَالم وَلم يكن مَوْجُودا حَتَّى خلقه الله تَعَالَى فبيقين نَدْرِي أَن الْعُلُوم والصناعات لَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يَهْتَدِي أحد إِلَيْهَا بطبعه فِيمَا بَيْننَا دون تَعْلِيم كالطب وَمَعْرِفَة الطبائع والأمراض وسببها على كَثْرَة اختلافها وَوُجُود العلاج لَهَا بالعقاقير الَّتِي لَا سَبِيل إِلَى تجريبها كلهَا أبدا وَكَيف يجرب كل عقار فِي كل عِلّة وَمَتى يتهيأ هَذَا وَلَا سَبِيل لَهُ إِلَّا فِي عشرَة آلَاف من السنين ومشاهدة كل مَرِيض فِي الْعَالم وَهَذَا يقطع دونه قواطع الْمَوْت والشغل بِمَا لَا بُد مِنْهُ من أَمر المعاش وَذَهَاب الدول وَسَائِر الْعَوَائِق وكعلم النُّجُوم وَمَعْرِفَة دورانها وقطعها وعودها إِلَى أفلاكها مِمَّا لَا يتم إِلَّا فِي عشرَة آلَاف من السنين وَلَا بُد من أَن يقطع دون ضبط ذَلِك الْعَوَائِق الَّتِي قُلْنَا وكاللغة الَّتِي يَصح تربية وَلَا عَيْش وَلَا تصرف إِلَّا بهَا

стр. 57

وَلَا سَبِيل إِلَّا الِاتِّفَاق عَلَيْهَا إِلَّا بلغَة اخرى وَلَا بُد فصح أَنه لَا بُد من مبدأ للغة مَا وكالحرث والحصاد والدراس والطحن وآلاته والعجن والطبخ والحلب وحراسة الْمَوَاشِي واتخاذ الْإِنْسَان مِنْهَا وَالْغَرْس واستخراج الأدهان ودق الْكَتَّان والقنب والقطن وغزله وحياكته وقطعه وخياطته ولبسه وآلات كل ذَلِك وآلات الْحَرْث والإرحاء والسفن وتدبيرها فِي الْقطع بهَا للبحار والدواليب وحفر الْآبَار وتربية النَّحْل ودود الْخَزّ واستخراج الْمَعَادِن وَعمل الْأَبْنِيَة مِنْهَا وَمن الْخشب والفخار وكل هَذَا لَا سَبِيل إِلَى الاهتداء إِلَيْهِ دون تَعْلِيم فَوَجَبَ بِالضَّرُورَةِ وَلَا بُد أَنه لَا بُد من إِنْسَان وَاحِد فَأكْثر علمهمْ الله تَعَالَى ابْتِدَاء كل هَذَا دون معلم لَكِن بِوَحْي حَقَّقَهُ عِنْده وَهَذِه صفة النُّبُوَّة فَإِذا لَا بُد من نَبِي أَو انبياء ضَرُورَة فقد صَحَّ وجود النُّبُوَّة وَالنَّبِيّ فِي الْعَالم بِلَا شكّ وَمن الْبُرْهَان على مَا ذكرنَا أننا نجد كل من لم يُشَاهد هَذِه الْأُمُور لَا سَبِيل لَهُ إِلَى اختراعها الْبَتَّةَ كَالَّذي يُولد وَهُوَ أَصمّ فَإِنَّهُ لَا يُمكن لَهُ الْبَتَّةَ الاهتداء إِلَى الْكَلَام وَلَا إِلَى مخارج الْحُرُوف وكالبلاد الَّتِي لَيست فِيهَا بعض الصناعات وَهَذِه الْعُلُوم الْمَذْكُورَة كبلاد السودَان والصقالبة وَأكْثر الْأُمَم وسكان الْبَوَادِي نعم والحواضر لَا يُمكن الْبَتَّةَ مُنْذُ أول الْعَالم إِلَى وقتنا هَذَا وَلَا إِلَى انقضائه اهتداء أحد مِنْهُم إِلَى علم لم يعرفهُ وَلَا إِلَى صناعَة لم يعرف بهَا فَلَا سَبِيل إِلَى تهديهم إِلَيْهَا الْبَتَّةَ حَتَّى يعلموها وَلَو كَانَ مُمكنا فِي الطبيعة التهدي إِلَيْهَا دون تَعْلِيم لوجد من ذَلِك فِي الْعَالم على سعته وعَلى مُرُور الْأَزْمَان من يَهْتَدِي إِلَيْهَا وَلَو وَاحِدًا وَهَذَا أَمر يقطع على أَنه لَا يُوجد وَلم يُوجد وَهَكَذَا القَوْل فِي الْعُلُوم وَلَا فرق ولسنا نعني بِهَذَا ابْتِدَاء جمعهَا فِي الْكتب لِأَن هَذَا أَمر لَا مُؤنَة فِيهِ إِنَّمَا هُوَ كتاب مَا سَمعه الْكَاتِب وإحصاؤه فَقَط كالكتب الْمُؤَلّفَة فِي الْمنطق وَفِي الطِّبّ وَفِي الهندسة وَفِي النُّجُوم وَفِي الْهَيْئَة والنحو واللغة وَالشعر وَالْعرُوض إِنَّمَا نعني ابْتِدَاء مُؤنَة اللُّغَة وَالْكَلَام بهَا وَابْتِدَاء معرفَة الْهَيْئَة وتعلمها وَابْتِدَاء أشخاص الْأَمْرَاض وأنواعها وقوى العقاقير والمعاناة بهَا وَابْتِدَاء معرفَة الصناعات فصح بذلك أَنه لَا بُد من وَحي من الله تَعَالَى فِي ذَلِك قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا أَيْضا برهَان ضَرُورِيّ على حُدُوث الْعَالم وَأَن لَهُ مُحدثا مُخْتَارًا وَلَا بُد إِذْ لَا بَقَاء للْعَالم الْبَتَّةَ إِلَّا بنشأة ومعاش وَلَا نشأة وَلَا معاش وَلَا معاش إِلَّا بِهَذِهِ الْأَعْمَال والصناعات والآلات وَلَا يُمكن وجود شَيْء من هَذِه كلهَا إِلَّا بتعليم الْبَارِي فصح أَن الْعَالم لم يكن مَوْجُودا إِذْ لَا سَبِيل إِلَى بَقَائِهِ إِلَّا بِمَا ذكرنَا ثمَّ وجد معلما مُدبرا مُبْتَدأ بتعليمه على مَا ذكرنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَإِذ قد تكلمنا على أَنه لَا بُد من نبوة وَصَحَّ ذَلِك ضَرُورَة فلنتكلم على براهينها الَّتِي يَصح بهَا علم صدق مدعيها إِذْ وَقعت فَنَقُول أَنه قد صَحَّ أَن الْبَارِي تَعَالَى هُوَ فَاعل كل شَيْء ظهر وَأَنه قَادر على إِظْهَار كل متوهم لم يظْهر وَعلمنَا بِكُل مَا قدمنَا أَنه تَعَالَى مُرَتّب هَذِه الرتب الَّتِي فِي الْعَالم ومجريها على طبائعها الْمَعْلُومَة منا الْمَوْجُودَة عندنَا وَأَنه لَا فَاعل على الْحَقِيقَة غَيره تَعَالَى ثمَّ رَأينَا خلافًا لهَذِهِ الرتب والطبائع قد ظَهرت وَوجدنَا طبائع قد أحيلت وَأَشْيَاء فِي حد الْمُمْتَنع وَقد وَجَبت وَوجدت كصخرة انفلقت عَن نَاقَة وعصا انقلبت حَيَّة وميت أَحْيَاهُ إِنْسَان ومئين من النَّاس رووا وتوضؤا كلهم من مَاء يسير فِي قدح صَغِير ضيق عَن بسط

стр. 58

الْيَد فِيهِ لَا مَادَّة لَهُ فَعلمنَا أَن محيل هَذِه الطبائع وفاعل هَذِه المعجزات هُوَ الأول الَّذِي أحدث كل شَيْء وَوجدنَا هَذِه القوى قد أصحبها الله تَعَالَى رجَالًا يدعونَ إِلَيْهِ ويذكرون أَنه تَعَالَى أرسلهم إِلَى النَّاس ويستشهدون بِهِ تَعَالَى فَيشْهد لَهُم بِهَذِهِ المعجزات المحدثة مِنْهُ تَعَالَى فِي حِين رَغْبَة هَؤُلَاءِ الْقَوْم إِلَيْهِ فِيهَا وضراعتهم إِلَيْهِ فِي تصديقهم بهَا فَعلمنَا علما ضَرُورِيًّا لَا مجَال للشَّكّ فِيهِ أَنهم مبعوثون من قبله وَأَنَّهُمْ صَادِقُونَ فِيمَا أخبروا بِهِ عَنهُ تَعَالَى إِذْ لَا سَبِيل فِي طبيعة مَخْلُوق فِي الْعَالم إِلَى التحكم على الْبَارِي وَلَا على طبائع خلقه بِمثل هَذَا وَوُجُوب النُّبُوَّة إِذْ ظهر على مدعيها معْجزَة من إِحَالَة الطبائع الْمُخَالفَة لما بني عَلَيْهِ الْعَالم وَقد تكلمنا فِي غير هَذَا الْمَكَان على أَن هَذِه الْأَشْيَاء لَهَا طرق توصل إِلَى صِحَة الْيَقِين بهَا عِنْد من لم يشاهدها كصحتها عِنْد من شَاهدهَا وَلَا فرق وَهِي نقل الكافة الَّتِي قد استشعرت الْعُقُول ببدايتها والنفوس بِأول معارفها أَنه لَا سيبل إِلَى جَوَاز الْكَذِب وَلَا الْوَهم عَلَيْهَا وَإِن ذَلِك مُمْتَنع فِيهَا فَمن تجاهل وَأَجَازَ ذَلِك عَلَيْهَا خرج عَن كل مَعْقُول وَلَزِمَه أَن لَا يصدق أَن من غَابَ عَن بَصَره من الانس بِأَنَّهُم أَحيَاء ناطقون كمن شاهدوا أَن صورهم على حسب الصُّورَة الَّتِي عاين وَلزِمَ أَن يكون عِنْده مُمكنا فِي بعض من غَابَ عَن بَصَره من النَّاس أَن يَكُونُوا بِخِلَاف مَا عهد من الصُّورَة إِذْ لَا يعرف أحد إِن كَانَ غَابَ عَن حسه فَإِنَّهُ فِي مثل كَيْفيَّة مَا شَاهد من نَوعه إِلَّا بِنَقْل الكواف ذَلِك كَمَا نقلت أَن بَعضهم بِخِلَاف ذَلِك فِي بعض الكيفيات فَوَجَبَ تَصْدِيق ذَلِك ضَرُورَة كبلاد السودَان وَمَا أشبه ذَلِك وَيلْزم من لم يصدق خبر الكافة ويجيز فِيهِ الْكَذِب وَالوهم أَن لَا يصدق ضَرُورَة بِأَن أحدا كَانَ قبله فِي الدُّنْيَا وَلَا أَن فِي الدُّنْيَا أحد إِلَّا من شَاهد بحسه فَإِن جوز هَذَا عرف بِقَلْبِه أَنه كاذبوخرج عَن حُدُود من يتَكَلَّم مَعَه لِأَن هَذَا الشَّيْء لَا يعرف الْبَتَّةَ إِلَّا من طَرِيق الْخَبَر لَا غير فَإِن نفر عَن هَذَا وَأقر بِأَنَّهُ قد كَانَ قبله مُلُوك وعلماء ووقائع وأمم وأيقن بذلك وَلم يكن فِي كثير مِنْهَا شكّ بلَى هِيَ عِنْده فِي الصِّحَّة كَمَا شَاهد وَلَا فرق سُئِلَ من أَيْن عرفت ذَلِك وَكَيف صَحَّ عنْدك فَلَا سَبِيل لَهُ أصلا إِلَى أَن يَصح ذَلِك عِنْده إِلَّا بِخَبَر مَنْقُول نقل كَافَّة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَنَقُول لَهُ حِينَئِذٍ فرق بَين مَا نقل إِلَيْك من كل ذَلِك وَبَين كل مَا نقل إِلَيْك من عَلَامَات الْأَنْبِيَاء وَلَا سَبِيل لَهُ إِلَى الْفرق بَين شَيْء من ذَلِك أصلا فَإِن قَالَ الْفرق بَينهَا وَبَينهَا أَنه لَا يُنكر أحد هَذِه الْأُمُور وَكثير من النَّاس يُنكرُونَ أَعْلَام الْأَنْبِيَاء قيل لَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن كثيرا من النَّاس لَا يعْرفُونَ كثيرا مِمَّا صَحَّ عنْدك من الْأَخْبَار الْعَارِضَة لمن كَانَ فِي بلادك قبلهَا فَلَيْسَ جهلهم بهَا ودفعهم لَهَا لَو حدثوا بهَا مخرجا لَهَا عَن الصِّحَّة وَكَذَلِكَ جحد من جحد إِعْلَام الْأَنْبِيَاء لَيْسَ مخرجا لَهَا عَن الْوُجُوب وَالصِّحَّة فَإِن قَالَ إِنَّه لَيْسَ نجد النَّاس على الْكَذِب فِيمَا كَانَ قبلنَا من الْأَخْبَار مَا نجدهم على الْكَذِب فِي إِعْلَام النُّبُوَّة قيل لَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق هَذَا كذب بل الْأَمْرَانِ سَوَاء لَا فرق بَينهمَا وَمن الْمُلُوك من يشْتَد عَلَيْهِم وصف أسلافهم بالجور وَالظُّلم والقبائح ويحمي هَذَا الْبَاب بِالسَّيْفِ فَمَا دونه فَمَا انتفعوا بذلك فِي كتمان الْحق قد نقل ذَلِك كُله وَعرف كَمَا نقلت فَضَائِل من يغْضب مُلُوك الزَّمَان من مدحه كفضائل عَليّ ﵁ مَا قدر قطّ من مُلُوك بني مَرْوَان على سترهَا وطيها وَقد رام الْمَأْمُون والمعنصم والواثق على سَعَة ملكهم لأقطار الأَرْض قطع القَوْل بِأَن الْقُرْآن غير مَخْلُوق فَمَا قدرُوا على ذَلِك وكل نَبِي فَلهُ عَدو

стр. 59

من الْمُلُوك والأمم يكذبونهم فَمَا قدرُوا قطّ على طي إعلامهم وَلَا على تَحْقِيق مَا زادوا على ذَلِك لمن يغْضب لَهُ من لَا دين لَهُ فصح أَن الْأَمريْنِ سَوَاء فَإِن قَالَ قَائِل فَلَعَلَّ هَذَا الَّذِي ظَهرت مِنْهُ المعجزات قد ظفر بطبيعة وخاصية قد مَعهَا على إِظْهَار مَا أظهر قيل لَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِن الْخَواص قد علمت ووجوه الْحِيَل قد أحكمت وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْهَا عمل يحدث عَنهُ اختراع جسم لم يكن كنحو مَا ظهر من اختراع المَاء الَّذِي لم يكن وَلَا فِي شَيْء مِنْهُ إِحَالَة نوع إِلَى نوع آخر دفْعَة على الْحَقِيقَة وَلَا جنس إِلَى جنس آخر دفْعَة على الْحَقِيقَة وَهَذَا كُله قد ظهر على أَيدي الْأَنْبِيَاء ﵈ فصح أَنه من عِنْد الله تَعَالَى لَا مدْخل لعلم انسان وَلَا حيلته فِيهِ وَنحن نبين إِن شَاءَ الله الْفرق الْوَاضِح بَين معجزات الْأَنْبِيَاء ﵈ وَبَين مَا يقدر عَلَيْهِ بِالسحرِ وَبَين حيل العجائبيين فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن الْعَالم كُله جَوْهَر وَعرض لَا سَبِيل إِلَى وجود قسم ثَالِث فِي الْعَالم دون الله تَعَالَى فَأَما الْجَوَاهِر فاختراعها من لَيْسَ إِلَى أنس وَهُوَ من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود فممتنع غير مُمكن الْبَتَّةَ لأحد دون الله تَعَالَى مبتدىء الْعَالم ومخترعه فَمن ظهر عَلَيْهِ اختراع جسم كَالْمَاءِ النابع من أَصَابِع رَسُول الله ﷺ بِحَضْرَة الْجَيْش فَهِيَ معْجزَة شاهدة من الله تَعَالَى لَهُ بِصِحَّة نبوته لَا يُمكن غير ذَلِك أصلا وَكَذَلِكَ إِحَالَة الْأَعْرَاض الَّتِي هِيَ جوهريات ذاتيات وَهِي الْفُصُول الَّتِي تُؤْخَذ من الْأَجْنَاس وَذَلِكَ كقلب الْعَصَا حَيَّة وحنين الْجذع وإحياء الْمَوْتَى الَّذين رموا وصاروا عظاماً والبقاء فِي النَّار سَاعَات لَا تؤذيه وَمَا أشبه ذَلِك وَكَذَلِكَ الْأَعْرَاض الَّتِي لَا تَزُول إِلَّا بِفساد حاملها كالفطس والرزق وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا لَا يقدر عَلَيْهِ أحد دون الله تَعَالَى بِوَجْه من الْوُجُوه وَأما إِحَالَة الْأَعْرَاض من الغيرات الَّتِي تَزُول بِغَيْر فَسَاد حملهَا فقد تكون بِالسحرِ وَمِنْه طلمسات كتنفير بعض الْحَيَوَان عَن مَكَان مَا فَلَا يقربهُ أصلا وكإبعاد الْبرد بِبَعْض الصناعات وَمَا أشبه هَذَا وَقد يزِيد الْأَمر ويفشوا الْعلم بِبَعْض هَذَا النَّوْع حَتَّى يحسبه أَكثر النَّاس كالطير والاصباغ وَمَا أشبه هَذَا وَأما التخييل بِنَوْع من الخديعة كسكين مثقوبة النّصاب تدخل فِيهَا السكين ويظن من رَآهَا أَنَّهَا دخلت فِي جَسَد الْمَضْرُوب بهَا فِي حيل غير هَذِه من حيل أَرْبَاب الْعَجَائِب والحلاج وأشباهه فَأمر يقدر عَلَيْهِ من تعلمه وتعلمه مُمكن لكل من أَرَادَهُ فَالَّذِي يَأْتِي بِهِ الْأَنْبِيَاء ﵈ هُوَ إِحَالَة الذاتيات وَمن ذَلِك صرف الْحَواس على طبائعها كمن أَرَاك مَا لَا يرَاهُ غَيْرك أَو مسح يَده على مَرِيض فأفاق أَو سقَاهُ مَا يضر علته فبرىء أَو أخبر عَن الغيوب فِي الجزئيات عَن غير تَعْدِيل وَلَا فكرة فَهَذِهِ كلهَا إِحَالَة الذاتيات وَمَا ثَبت إِذْ ثباتها لَا يكون إِلَّا لنَبِيّ فَإِذا قد تكلمنا على مَكَان النُّبُوَّة قبل مجيئها ووجوبها حِين وجودهَا فلنتكلم الْآن بحول الله وقوته على امتناعها بعد ذَلِك فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِذْ قد صَحَّ كل مَا ذكرنَا من المعجزات الظَّاهِرَة من الْأَنْبِيَاء ﵈ شَهَادَة من الله تَعَالَى لَهُم يصدقُوا بهَا أَقْوَالهم فقد وَجب علينا الانقياد لما أَتَوا بِهِ ولزمنا تَيَقّن كل مَا قَالُوا وَقد صَحَّ عَن رَسُول

стр. 60

الله ﷺ بِنَقْل الكواف الَّتِي نقلت نبوته واعلامه وَكتابه أَنه أخبر أَنه لَا نَبِي بعده إِلَّا مَا جَاءَت الْأَخْبَار الصِّحَاح من نزُول عِيسَى ﵇ الَّذِي بعث إِلَى بني إِسْرَائِيل وَادّعى الْيَهُود قَتله وصلبه فَوَجَبَ الْإِقْرَار بِهَذِهِ الْجُمْلَة وَصَحَّ أَن وجود النُّبُوَّة بعده ﵇ بَاطِل لَا يكون الْبَتَّةَ وَبِهَذَا يبطل أَيْضا قَول من قَالَ بتواتر الرُّسُل وَوُجُوب ذَلِك أبدا وَبِكُل مَا قدمْنَاهُ مِمَّا أبطلنا بِهِ قَول من قَالَ بامتناعهما الْبَتَّةَ إِذْ عُمْدَة حجَّة هَؤُلَاءِ هِيَ قَوْلهم إِن الله حَكِيم والحكيم لَا يجوز فِي حكمته أَن يتْرك عباده هملاً دون إنذار قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَقد أحكمنا بحول الله تَعَالَى وقوته قبل هَذَا أَن الله تَعَالَى لَا شَرط عَلَيْهِ وَلَا عِلّة مُوجبَة عَلَيْهِ أَن يفعل شَيْئا وَلَا أَن لَا يَفْعَله وَأَنه تَعَالَى لَو أهمل النَّاس لَكَانَ حَقًا وحسناً لَو خلقهمْ كَمَا خلق سَائِر الْحَيَوَان الَّذِي لم يلْزمه شَرِيعَة وَلَا خطر عَلَيْهِ شيءٌ وَأَنه تَعَالَى لَو واتر الرُّسُل والنذارة أبدا لَكَانَ حَقًا وحسناً لما فعل بِالْمَلَائِكَةِ الَّذين هم حَملَة وحيه وَرُسُله أبدا وَأَنه تَعَالَى لَو خلق الْخلق كفَّارًا كلهم لَكَانَ ذَلِك مِنْهُ حَقًا وحسنا وَلَو خلقهمْ مُؤمنين كلهم لَكَانَ حَقًا وحسناً كَمَا أَن الَّذِي فعل تَعَالَى من كل ذَلِك حق وَحسن وَأَنه لَا يقبح شَيْء إِلَّا من مَأْمُور مَنْهِيّ قد تقدّمت الْأَوَامِر وجوده وسبقت الْحُدُود الْمرتبَة للأشياء كَونه وَأما من سبق كل ذَلِك فَلهُ أَن يفعل مَا يَشَاء وَيتْرك مَا يَشَاء لَا معقب لحكمه وَأما الْمَلَائِكَة فَكل من لَهُ معرفَة ببنية الْعَالم والأفلاك والعناصر فَإِنَّهُ يعلم أَن الأَرْض وعمقها أقرب إِلَى الْفساد من سَائِر العناصر وَمن سَائِر الأجرام العلوية وَأَنَّهَا مواتية كلهَا وَأَن الْحَيَاة إِنَّمَا هِيَ فِي النُّفُوس الْمنزلَة قسراً إِلَى مجاورة أجساد الترابية المواتية من جَمِيع الْحَيَوَان فقد ثَبت يَقِينا بضرورة الْمُشَاهدَة أَن مَحل الْحَيَاة وعنصرها ومعدنها وموضعها إِنَّمَا هُوَ هُنَالك من حَيْثُ جَاءَت النُّفُوس الْحَيَّة النَّاقِصَة بِمَا فِي طبعها من مجاورة هَذِه الأجساد والتثبت بهَا عَن كَمَال مَا خص بِالْحَيَاةِ الدائمة وَلم يَشن وَلَا نقص فَضله وصفاؤه بمجاورة الأجساد الكدرة المملوءة آفَات ودرنا عيوبا فصح أَن الْعُلُوّ الصافي هُوَ مَحل الْأَحْيَاء الفاضلين السالمين من كل رذيلة وَمن كل نقص وَمن كل مزاج فَاسد المحبوين بِكُل فَضِيلَة فِي الْخلق وَهَذِه صفة الْمَلَائِكَة ﵈ وَصَحَّ بِهَذَا أَن على قدر سَعَة ذَلِك الْمَكَان يكون كَثْرَة من فِيهِ من أَهله وعماره وَأَنه لَا نِسْبَة لما فِي هَذَا الْمحل الضّيق والنقطة الكدراء وَمِمَّا هُنَالك كَمَا لَا نِسْبَة لمقدار هَذَا الْمَكَان من ذَلِك وَبِهَذَا صحت الرِّوَايَة وَهَكَذَا أخبر رَسُول الله ﷺ عَن كَثْرَة الْمَلَائِكَة فِي الْأَخْبَار المسندة الثَّابِتَة عَنهُ ﷺ وَبِهَذَا وَجب أَن يَكُونُوا هم الرُّسُل والوسائط بَين الأول تَعَالَى الَّذِي خصهم بِالنُّبُوَّةِ والرسالة وَتَعْلِيم الْعُلُوم وَبَين إنقاذ النُّفُوس من الهلكة الْكَلَام على من قَالَ أَن فِي الْبَهَائِم رسلًا قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ ذهب أَحْمد بن حابط وَكَانَ من أهل الْبَصْرَة من تلاميذ إِبْرَاهِيم النظام يظْهر الاعتزال وَمَا نرَاهُ إِلَّا كَافِرًا لَا مُؤمنا وَإِنَّمَا استخرنا إِخْرَاجه عَن

стр. 61

الْإِسْلَام لِأَن أَصْحَابه حكوا عَنهُ وُجُوهًا من الْكفْر مِنْهَا التناسخ والطعن على رَسُول الله ﷺ بِالنِّكَاحِ وَكَانَ من قَوْله أَن الله نبأ أَنْبيَاء من كل نوع من أَنْوَاع الْحَيَوَان حَتَّى البق والبراغيث وَالْقمل وحجته فِي ذَلِك قَول الله تَعَالَى ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض وَلَا طَائِر يطير بجناحيه إِلَّا أُمَم أمثالكم مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ ثمَّ ذكرُوا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن من أمة إِلَّا خلا فِيهَا نَذِير﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَن الله يَقُول ﴿لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾ وَإِنَّمَا يُخَاطب الله تَعَالَى بِالْحجَّةِ من يَعْقِلهَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أولي الْأَلْبَاب﴾ وَقد علمنَا بضرورة الْحسن أَن الله تَعَالَى إِنَّمَا خص بالنطق الَّذِي هُوَ التَّصَرُّف وَمَعْرِفَة الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ وَالتَّصَرُّف فِي الصناعات على اختلافها الْإِنْسَان خَاصَّة وأضفنا إِلَيْهِم بالْخبر الصَّادِق مُجَرّد الْجِنّ وأصفنا إِلَيْهِم بالْخبر الصَّادِق وببراهين أَيْضا ضَرُورِيَّة الْمَلَائِكَة وَإِنَّمَا شَارك من ذكرنَا سَائِر الْحَيَوَان فِي الْحَيَاة الْخَاصَّة وَهِي الْحس وَالْحَرَكَة الإرادية فَعلمنَا بضرورة الْعقل أَن الله تَعَالَى لَا يُخَاطب بالشرائع إِلَّا من يَعْقِلهَا وَيعرف المُرَاد بهَا وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ وَوجدنَا جَمِيع الْحَيَوَان حاشا النَّاس يجْرِي على رُتْبَة وَاحِدَة فِي تصرفها فِي معايشها وتناسلها لَا يجْتَنب مِنْهَا وَاحِد شَيْئا يَفْعَله غَيره هَذَا الَّذِي يدْرك حسا فِيمَا يعاشر النَّاس فِي مَنَازِلهمْ من الْمَوَاشِي وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحمير وَالطير وَغير ذَلِك وَلَيْسَ النَّاس فِي أَحْوَالهم كَذَلِك فصح أَن الْبَهَائِم غير مُخَاطبَة بالشرائع وَبَطل قَول ابْن حابط وَصَحَّ أَن معنى قَول الله تَعَالَى ﴿أُمَم أمثالكم﴾ أَي أَنْوَاع أمثالكم إِذْ كل نوع يُسمى أمة وَإِن معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن من أمة إِلَّا خلا فِيهَا نَذِير﴾ إِنَّمَا عَنى تَعَالَى الْأُمَم من النَّاس وهم الْقَبَائِل والطوائف وَمن الْجِنّ لصِحَّة وجوب الْعِبَادَة عَلَيْهِم فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا يدْريك لَعَلَّ سَائِر الْحَيَوَان لَهُ نطق وتمييز قيل لَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق بقضية الْعُقُول وبديهها عرفنَا الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ وَبهَا عرفنَا الله تَعَالَى وَصِحَّة النُّبُوَّة وَهِي الَّتِي لَا يَصح شَيْء إِلَّا بموجبها فَمَا عرف بِالْعقلِ فَهُوَ وَاجِب فِيمَا بَيْننَا نُرِيد فِي الْوُجُود فِي الْعَالم وَمَا عرف بِالْعقلِ أَنه محَال فَهُوَ محَال فِي الْعَالم وَمَا وجد بِالْعقلِ إِمْكَانه فَجَائِز أَن يُوجد وَجَائِز أَن لَا يُوجد وبضرورة الْعقل والحس علمنَا أَن كل واقعين تَحت جنس فَإِن ذَلِك الْجِنْس يعطيهما اسْمه وَحده عَطاء مستوياً فَلَمَّا كَانَ جنس الْحَيّ يجمعنا مَعَ سَائِر الْحَيَوَان استوينا مَعهَا كلهَا اسْتِوَاء لَا تفاضل فِيهِ فِيمَا اقْتَضَاهُ اسْم الْحَيَاة من الْحس وَالْحَرَكَة الإرادية وَهَذَا المعنيان هما الْحَيَاة لَا حَيَاة غَيرهمَا أصلا وَعلمنَا ذَلِك بِالْمُشَاهَدَةِ لأننا رَأينَا الْحَيَوَان يألم بِالضَّرْبِ والنخس وَيحدث لَهما من الصَّوْت والقلق مَا يُحَقّق ألما كَمَا نَفْعل نَحن وَلَا فرق وَلذَلِك لما شاركنا وَالْحَيَوَان جَمِيع الشّجر والنبات فِي النَّمَاء اسْتَوَى جَمِيع الْحَيَوَان فِيمَا اقْتَضَاهُ اسْم النمو من طلب الْغذَاء واستمالته فِي المتغذى بِهِ إِلَى نَوعه وَمن طلب بَقَاء النَّوْع مَعَ جَمِيع الشّجر والنبات اسْتِوَاء وَاحِدًا لَا تفاضل فِيهِ وَلما شاركنا وَجَمِيع الْحَيَوَان وَالشَّجر والنبات وَسَائِر الجمادات فِي أَن كل ذَلِك أجسام طَوِيلَة عريضة عميقة جَمِيع الأجرام اسْتَوَى كل ذَلِك فِيمَا

стр. 62

اقْتَضَاهُ لَهُ اسْم الجسمية فِي ذَلِك اسْتِوَاء لَا تفاضل فِيهِ وَلم يدْخل مَا لم يُشَارك شَيْئا مِمَّا ذكرنَا فِي الصّفة الَّتِي انْفَرد بهَا عَنهُ هَذَا كُله يُعلمهُ ضَرُورَة من وقف عَلَيْهِ مِمَّن لَهُ حس سليم فَلَمَّا كَانَ النُّطْق الَّذِي هُوَ التَّصَرُّف فِي الْعُلُوم والصناعات قد خصنا دون سَائِر الْحَيَوَان وَجب ضَرُورَة أَن لَا يشاركنا شَيْء من الْحَيَوَان فِي شَيْء مِنْهُ إِذْ لَو كَانَ فِيهِ شيءٌ مِنْهُ لما كُنَّا أَحَق بكله من سَائِر الْحَيَوَان كَمَا أَنا لسنا بِالْحَيَاةِ أَحَق مِنْهَا وَلَا بالنمو وَلَا بالحركة وَلَا بالجسمية فَصبح بِهَذَا أَنه لَا نطق لَهَا أصلا فَإِن قَالَ قَائِل لَعَلَّ نطقها بِخِلَاف نطقنا قيل لَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق لَا يتشكل فِي الْعُقُول أَلْبَتَّة حَيَاة على غير صفة الْحَيَاة عندنَا وَلَا نَمَاء على غير صفة النَّمَاء عندنَا وَلَا حمرَة على غير الْحمرَة عندنَا وَلَا جسم على خلاف الْأَجْسَام عندنَا وَهَكَذَا فِي كل شَيْء وَلَو كَانَ شَيْء بِخِلَاف مَا عندنَا لم يَقع عَلَيْهِ ذَلِك الِاسْم أصلا وَكَانَ كمن سمى المَاء نَارا وَالْعَسَل حجرا وَهَذَا هُوَ الْحمق والتخليط فالبضرورة وَجب أَن كل صفة هِيَ بِخِلَاف نطقنا فَلَيْسَ نطقاً والنطق عندنَا هُوَ التَّصَرُّف فِي الْعُلُوم والصناعات وَمَعْرِفَة الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ فَلَو كَانَ ذَلِك النُّطْق بِخِلَاف هَذَا لَكَانَ لَيْسَ معرفَة للأشياء على مَا هِيَ عَلَيْهِ وَلَا تَصرفا فِي الْعُلُوم والصناعات فَهُوَ إِذا لَيْسَ نطقاً فَبَطل هَذَا الشغب السخيف وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَإِن اعْترض معترض بِفعل النَّحْل ونسج العنكبوت قيل لَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِن هَذِه طبيعة ضَرُورِيَّة لِأَن العنكبوت لَا يتَصَرَّف فِي غير تِلْكَ الصّفة من النسج وَلَا تُوجد أبدا إِلَّا لذَلِك وَأما الْإِنْسَان فَإِنَّهُ يتَصَرَّف فِي عمل الديباج والوشي وَالْقَبَاطِي وأنواع الأصباغ والدباغ والخرط والنقش وَسَائِر الصناعات من الْحَرْث والحصاد والطحن والطبخ وَالْبناء والتجارات وَفِي أَنْوَاع الْعُلُوم من النُّجُوم وَمن الأغاني والطب والقبل والجبر والعبارة وَالْعِبَادَة وَغير ذَلِك وَلَا سَبِيل لشَيْء من الْحَيَوَان إِلَى التَّصَرُّف فِي غير الشَّيْء الَّذِي اقْتَضَاهُ لَهُ طبعه وَلَا إِلَى مُفَارقَة تِلْكَ الْكَيْفِيَّة فَإِن اعْترض معترض بقول الله تَعَالَى ﴿علمنَا منطق الطير﴾ وَبِمَا ذكر الله تَعَالَى من قَول النملة ﴿يَا أَيهَا النَّمْل ادخُلُوا مَسَاكِنكُمْ﴾ الْآيَة وَقصد الهدهد قيل لَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق لم ندفع أَن يكون للحيوان أصوات عِنْد معاناة مَا تَقْتَضِيه لَهُ الْحَيَاة من طلب الْغذَاء وَعند الْأَلَم وَعند الْمُضَاربَة وَطلب الْفساد وَدُعَاء أَوْلَادهَا وَمَا أشبه ذَلِك فَهَذَا هُوَ الَّذِي علمه الله تَعَالَى سُلَيْمَان رَسُوله ﵇ وَهَذَا الَّذِي يُوجد فِي أَكثر الْحَيَوَان وَلَيْسَ هَذَا من تَمْيِيز دقائق الْعُلُوم وَالْكَلَام وَلَا من عمل وُجُوه الصناعات كلهَا فِي شَيْء وَإِنَّمَا عَنى الله تَعَالَى بمنطق الطير أصواتها الَّتِي ذكرنَا لَا تَمْيِيز الْعُلُوم وَالتَّصَرُّف فِي الصناعات الَّذِي من ادِّعَاء لَهَا أكذبه العيان وَالله تَعَالَى لَا يَقُول إِلَّا الْحق وَأما قصَّة النملة والهدهد فهما

стр. 63

معجزتان خاصتان لذَلِك النَّمْل وَلذَلِك الهدهد وآيتان لِسُلَيْمَان رَسُول الله ﷺ ككلام الذِّرَاع وحنين الْجذع وتسبيح الطَّعَام لمُحَمد ﷺ آيَات لنبوته ﵇ وَكَذَلِكَ حَيَاة عَصا مُوسَى ﵇ آيَة لرَسُول الله مُوسَى ﵇ لِأَن هَذَا النُّطْق شَامِل ولأنواع هَذِه الْأَشْيَاء قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَقد قاد السخف والضعف وَالْجهل من يقدر فِي نَفسه أَنه عَالم وَهُوَ الْمَعْرُوف بخويز منداد الْمَالِكِي إِلَى أَن جعل للجمادات تمييزاً قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَلَعَلَّ مُعْتَرضًا يعْتَرض بقول الله تَعَالَى ﴿وَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ألم تَرَ أَن الله يسْجد لَهُ من فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض﴾ الْآيَة وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة على السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فأبين أَن يحملنها وأشفقن مِنْهَا وَحملهَا الْإِنْسَان﴾ الْآيَة وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى حاكياً أَنه قَالَ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْض ﴿ائتيا طَوْعًا أَو كرها قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين﴾ وَبقول رَسُول الله ﷺ يَوْم يفتص للشاه الْجَمَّاء من الشَّاة القرناء فَهَذَا كُله حق وَلَا حجَّة لَهُم فِيهِ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين لِأَن الْقُرْآن وَاجِب أَن يحمل على ظَاهره كَذَلِك كَلَام رَسُول الله ﷺ وَمن خَالف ذَلِك كَانَ عَاصِيا لله مبدلاً لكلماته مَا لم يَأْتِ نَص فِي أَحدهمَا أَو إِجْمَاع مُتَيَقن أَو ضَرُورَة حس على خلاف ظَاهره فَيُوقف عِنْد ذَلِك وَيكون من حمله على ظَاهره حِينَئِذٍ ناسباً الْكَذِب إِلَى الله أَو كَاذِبًا عَلَيْهِ وعَلى نبيه ﵇ نَعُوذ بِاللَّه من كلا الْوَجْهَيْنِ وَإِذ قد بَينا قبل بالبراهين الضرورية أَن الْحَيَوَان غير الْإِنْس وَالْجِنّ وَالْمَلَائِكَة لَا نطق لَهُ نعني أَنه لَا تصرف لَهُ فِي الْعُلُوم والصناعات وَكَانَ هَذَا القَوْل مشَاهد بالحس مَعْلُوما بِالضَّرُورَةِ لَا يُنكره إِلَّا وقح مكابر لحسه وَبينا أَن كل مَا كَانَ بِخِلَاف التَّمْيِيز الْمَعْهُود عندنَا فَإِنَّهُ لَيْسَ تمييزاً وَكَانَ هَذَا أَيْضا يعلم بِالضَّرُورَةِ والعيان والمشاهدة فَوَجَبَ أَنه بِخِلَاف مَا يُسمى فِي الشَّرِيعَة واللغة نطقا وقولا وتسبيحا وسجودا فقد وَجب أَنَّهَا أَسمَاء مُشْتَركَة اتّفقت ألفاظها وَأما مَعَانِيهَا فمختلفة لَا يحل لأحد أَن يحملهَا على غير هَذَا لِأَنَّهُ إِن فعل كَانَ مخبرا أَن الله تَعَالَى قَالَ مَا يُبطلهُ العيان وَالْعقل الَّذِي بِهِ عرفنَا الله تَعَالَى ولولاه مَا عَرفْنَاهُ وَمن أجَاز هَذَا كَانَ كَافِرًا مُشْركًا وَمن أبطل الْعقل فقد أبطل التَّوْحِيد إِذْ كذب شَاهد عَلَيْهِ إِذْ لَو الْعقل لم يعرف الله أحد أَلا ترى المجانين والأطفال لَا يلْزمهُم شَرِيعَة لعدم عُقُولهمْ وَمن جوز هَذَا فَلَا يُنكر على النَّصَارَى مَا يأْتونَ بِهِ خلاف الْمَعْقُول وَلَا على الدهرية وَلَا على السوفسطائية مَا يخالفون بِهِ الْمَعْقُول لَكنا نقُول أَن اللَّفْظ مُشْتَرك وَالْمعْنَى هُوَ مَا قَامَ الدَّلِيل عَلَيْهِ كَمَا فعلنَا فِي النُّزُول وَفِي الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ والأعين وحملنا كل ذَلِك على أَنه حق بِخِلَاف مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم ينزل عندنَا وَاسم يَد وَعين عندنَا لِأَن هَذَا عندنَا فِي اللُّغَة وَاقع على الْجَوَارِح والنقلة وَهَذَا منفي عَن الله تَعَالَى فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا فلنقل الْآن على مَعَاني الْآيَات الَّتِي ذكرنَا أَنه رُبمَا اعْترض بهَا من لَا يمعن النّظر بحول الله وقوته فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أما تسيبح كل شَيْء فالتسبيح عندنَا إِنَّمَا هُوَ قَول سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ وبالضرورة نعلم أَن الْحِجَارَة والخشب والهوام والحشرات والألوان لَا تَقول سُبْحَانَ الله بِالسِّين والباءوالحاء وَالْألف وَالنُّون وَاللَّام وَالْهَاء هَذَا مَا لَا يشك فِيهِ من لَهُ مسكة عقل فإ لَا شكّ فِي هَذَا فباليقين

стр. 64

علمنَا أَن التَّسْبِيح الَّذِي ذكره الله تَعَالَى هُوَ حق وَهُوَ معنى غير تسبيحنا نَحن بِلَا شكّ فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا فَإِن التَّسْبِيح فِي أصل اللُّغَة وَهُوَ تَنْزِيه الله تَعَالَى عَن السوء فَإذْ قد صَحَّ هَذَا فَإِن كل شَيْء فِي الْعَالم بِلَا شكّ منزه لله تَعَالَى عَن السوء الَّذِي هُوَ صفة الْحُدُوث وَلَيْسَ فِي العاعلم شَيْء إِلَّا وَهُوَ دَال بِمَا فِيهِ من دَلَائِل الصَّنْعَة واقتضائه صانعاً لَا يشبه شَيْئا مِمَّا خلق على أَن الله تَعَالَى منزه عَن كل سوء وَنقص وَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا يفهمهُ وَلَا يفقهه كثير من النَّاس كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكِن لَا تفقهون تسبيحهم﴾ فَهَذَا هُوَ تَسْبِيح كل شَيْء بِحَمْد الله تَعَالَى بِلَا شكّ وَهَذَا الْمَعْنى حق لَا يُنكره موحد فَإِن كَانَ قَوْلنَا هَذَا مُتَّفقا على صِحَّته وَكَانَت الضَّرُورَة توجب أَنه لَيْسَ هُوَ التَّسْبِيح الْمَعْهُود عندنَا ففقد ثَبت قَوْلنَا وانتفى قَول من خَالَفنَا بَطْنه الْكَاذِب وَأَيْضًا فَإِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَا تفقهون تسبيحهم﴾ وَالْكَافِر الدهري شَيْء لَا يشك فِي أَنه شَيْء وَهُوَ لَا يسبح بِحَمْد الله تَعَالَى أَلْبَتَّة فصح ضَرُورَة أَن الْكَافِر يسبح إِذْ هُوَ من جملَة الْأَشْيَاء الَّتِي تسبح بِحَمْد الله تَعَالَى وَأَن تسبيحه لَيْسَ هُوَ قَوْله سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ بِلَا شكّ وَلكنه تَنْزِيه الله تَعَالَى بدلائل خلقه وتركيبه عَن أَن يكون الْخَالِق مشبهاً لشَيْء مِمَّا خلق وَهَذَا يَقِين لَا شكّ فِيهِ فصح بِمَا ذكرنَا أَن لَفْظَة التَّسْبِيح هِيَ من الْأَسْمَاء الْمُشْتَركَة وَهِي الَّتِي تقع على نَوْعَيْنِ فَصَاعِدا وَأما السُّجُود الَّذِي ذكره الله فِي قَوْله ﴿وَللَّه يسْجد من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها﴾ فقد علمنَا أَن السُّجُود المعهد عندنَا فِي الشَّرِيعَة واللغة هُوَ وضع الْجَبْهَة وَالْيَدَيْنِ والركبتين وَالرّجلَيْنِ وَالْأنف فِي الأَرْض بنية التَّقَرُّب بذلك إِلَى الله تَعَالَى وَهَذَا مَا لَا يشك فِيهِ مُسلم وَكَذَلِكَ نعلم ضَرُورَة لَا شكّ فِيهَا أَن الْحمير والهوام والخشب والحشيش وَالْكفَّار لَا تفعل ذَلِك لَا سِيمَا من لَيْسَ لَهُ هَذِه الْأَعْضَاء وَقد نَص تَعَالَى على صِحَة مَا قُلْنَا وَأخْبر تَعَالَى أَن فِي النَّاس من لَا يسْجد لَهُ السُّجُود الْمَعْهُود عندنَا بقوله تَعَالَى ﴿واسجدوا لله الَّذِي خَلقهنَّ إِن كُنْتُم إِيَّاه تَعْبدُونَ فَإِن استكبروا فَالَّذِينَ عِنْد رَبك يسبحون لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وهم لَا يسأمون﴾ فَأخْبر تَعَالَى أَن فِي النَّاس من يستكبر عَن السُّجُود لَهُ فَلَا يسْجد وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَللَّه يسْجد من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها﴾ فَبين تَعَالَى أَن السُّجُود كرها غير السُّجُود بالطوع الَّذِي هُوَ السُّجُود الْمَعْهُود عندنَا وَإِذ قد أخبر الله تَعَالَى بِهَذَا وَصَحَّ أَيْضا بالعيان فقد علمنَا بِالضَّرُورَةِ أَن السُّجُود الَّذِي أخبر الله تَعَالَى أَنه يسْجد لَهُ من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض هُوَ غير السُّجُود الَّذِي يَفْعَله الْمُؤْمِنُونَ طَوْعًا ويستكبر عَنهُ بعض النَّاس وَيمْتَنع مِنْهُ أَكثر الْخلق هَذَا مِمَّا لَا يشك فِيهِ مُسلم فَإذْ هَذَا كَذَلِك بِلَا شكّ فَوَاجِب علينا أَن نطلب معنى هَذَا السُّجُود مَا هُوَ فَفَعَلْنَا فوجدناه مُبينًا بِلَا إِشْكَال فِي آيَتَيْنِ من كتاب الله وهما قَوْله تَعَالَى ﴿وظلالهم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿أَو لم يرَوا إِلَى مَا خلق الله من شَيْء يتفيأ ظلاله عَن الْيَمين وَالشَّمَائِل سجدا لله وهم داخرون﴾ فَبين تَعَالَى فِي هَاتين الآيتيين بَيَانا لَا إِشْكَال فِيهِ أَن ميل الْفَيْء والظل بالغدوات والعشيات من كل ذِي ظلّ هُوَ معنى السُّجُود الْمَذْكُور فِي الْآيَة لَا السُّجُود الْمَعْهُود عندنَا وَصَحَّ بِهَذَا أَن لَفْظَة السُّجُود هِيَ من الْأَسْمَاء الْمُشْتَركَة الَّتِي تقع على نَوْعَيْنِ فَأكْثر وَأما قَوْله

стр. 65

تَعَالَى قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين فقد علمنَا بِالضَّرُورَةِ والمشاهدة أَن القَوْل فِي اللُّغَة الَّتِي نزل بهَا الْقُرْآن إِنَّمَا هُوَ دفع آلَات الْكَلَام من أنابيب الصَّدْر وَالْحلق والحنك وَاللِّسَان والشفتين والأضراس بهواءٍ يصل إِلَى أذن السَّامع فيفهم بِهِ مرادات الْقَائِل فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا فَكل من لَا لِسَان لَهُ وَلَا شفتين وَلَا أضراس وَلَا حنك وَلَا حلق فَلَا يكون مِنْهُ القَوْل الْمَعْهُود منا هَذَا مِمَّا لَا يشك فِيهِ ذُو عقل فَإذْ هَذَا هَكَذَا كَمَا قُلْنَا بالعيان فَكل قَول ورد بِهِ نَص وَلَفظ مخبر بِهِ عَمَّن لَيست هَذِه صفته فَإِنَّهُ لَيْسَ هُوَ القَوْل الْمَعْهُود عندنَا لكنه معنى آخر فَإذْ هَذَا كَمَا ذكرنَا فبالضرورة قد صَحَّ أَن معنى قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين﴾ إِنَّمَا هُوَ الجري على نَفاذ حكمه فيهمَا وتصريفه لَهَا وَأما عرضه تَعَالَى الْأَمَانَة على السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال وإباية كل وَاحِد مِنْهَا فلسنا نعلم نَحن وَلَا أحد من النَّاس كَيْفيَّة ذَلِك وَهَذَا نَص قَوْله تَعَالَى ﴿مَا أشهدتهم خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلَا خلق أنفسهم﴾ فَمن تكلّف أَو كلف غَيره معرفَة ابْتِدَاء الْخلق وَأَن لَهُ مبدئاً لَا يُشبههُ الْبَتَّةَ فَأَرَادَ معرفَة كَيفَ كَانَ فقد دخل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وتقولون بأفواهكم مَا لَيْسَ لكم بِهِ علم وتحسبونه هيناً وَهُوَ عِنْد الله عَظِيم﴾ إِلَّا أننا نوقن أَنه تَعَالَى لم يعرض على السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال الْأَمَانَة إِلَّا وَقد جعل فِيهَا تمييزاً لما عرض علييها وَقُوَّة تفهم بهَا الْأَمَانَة فِيمَا عرض عَلَيْهَا فَلَمَّا أبتها وأشفقت مِنْهَا سلبها ذَلِك التَّمْيِيز وَتلك الْقُوَّة وَأسْقط عَنْهَا تَكْلِيف الْأَمَانَة هَذَا مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامه وَلَا مزِيد عندنَا على ذَلِك وَأما مَا كَانَ بعد ابْتِدَاء الْخلق فمعروف الكيفيات قَالَ تَعَالَى ﴿وتمت كلمة رَبك صدقا وعدلاً لَا مبدل لكلماته﴾ فصح أَنه لَا تَبْدِيل لما رتبه الله تَعَالَى مِمَّا أجْرى عَلَيْهِ خلائقه حاشا مَا أحَال فِيهِ الرتب والطبائع للأنبياء ﵈ فَإِن اعْترضُوا أَيْضا بقول الله تَعَالَى يصف الْحِجَارَة وَأَن من الْحِجَارَة ﴿لما يتفجر مِنْهُ الْأَنْهَار وَإِن مِنْهَا لما يشقق فَيخرج مِنْهُ المَاء وَإِن مِنْهَا لما يهْبط من خشيَة الله﴾ فقد علمنَا بِالضَّرُورَةِ أَن الْحِجَارَة لم تُؤمر بشريعة وَلَا بعقل وَلَا بعث إِلَيْهَا نَبِي قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا فَإِن القَوْل مِنْهُ تَعَالَى يخرج على أحد ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَن يكون الضَّمِير فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن مِنْهَا لما يهْبط﴾ رراجع إِلَى الْقُلُوب الْمَذْكُورَة فِي أول الْآيَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ قست قُلُوبكُمْ من بعد ذَلِك فَهِيَ كالحجارة أَو أَشد قسوة﴾ الْآيَة فَذكر تَعَالَى أَن من تِلْكَ الْقُلُوب القاسية مَا يقبل الْإِيمَان يَوْمًا مَا فيهبط عَن الْقَسْوَة إِلَى اللين من خشيَة الله تَعَالَى وَهَذَا أَمر يُشَاهد بالعيان فقد تلين الْقُلُوب القاسية بلطف الله تَعَالَى ويخشى العَاصِي وَقد أخبر أَن من أهل الْكتاب من يُؤمن بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا وَمَا أنزل إِلَيْهِم وكما أخبر تَعَالَى أَن من الْأَعْرَاب من يُؤمن بِاللَّه من بعد أَن أخبر تَعَالَى أَن الْأَعْرَاب أَشد كفرا ونفاقاً وأجدر أَلا يعلمُوا حُدُود مَا أنزل الله على رَسُوله فَهَذَا وَجه ظَاهر مُتَيَقن الصِّحَّة وَالْوَجْه الثَّانِي أَن الخشية الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة إِنَّمَا هِيَ التَّصَرُّف بِحكم الله تَعَالَى وجري أقداره كَمَا قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى حاكياً عَن السَّمَاء وَالْأَرْض قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين وَقد بَين جلّ وَعز ذَلِك مَوْصُولا بِهَذَا اللَّفْظ فَقَالَ جلّ وَعز ﴿فقضاهن سبع سماوات فِي يَوْمَيْنِ وَأوحى فِي كل سَمَاء أمرهَا﴾ فَبين الله تَعَالَى بَيَانا

стр. 66

رفع كل إِشْكَال أَن تِلْكَ الطَّاعَة من السَّمَوَات وَالْأَرْض إِنَّمَا هِيَ تصرفه لَهَا وقضاؤه تَعَالَى إياهن سبع سموات ووحيه فِي كل سماءٍ أمرهَا فصح قَوْلنَا نصاجليا بِبَيَان الله تَعَالَى لذَلِك وَالْحَمْد الله رب الْعَالمين وَصَحَّ بِهَذَا إباية السَّمَوَات ولأرض وَالْجِبَال من قبُول الْأَمَانَة إِنَّمَا هُوَ لماركبها الله تَعَالَى عَلَيْهِ من الجمادية وَعدم التَّمْيِيز وَقد علم كل ذِي عقل امْتنَاع قبُول مَا هَذِه صفته للشرائع والأوامر والنواهي وَقد ذمّ الله تَعَالَى من ينعق بِمَا لَا يسمع إِلَّا دعاءونداء وَلَا يحل لمُسلم أَن ينْسب إِلَى الله تَعَالَى فعلا ذمه وَالْوَجْه الثَّالِث أَن يكون الله تَعَالَى عَنى بقوله وَإِن مِنْهَا لما يهْبط من خشيَة الله الْجَبَل الي صَار دكاً إِذْ تجلى الله تَعَالَى لَهُ يَوْم سَأَلَهُ كليمه ﵇ الرُّؤْيَة فَذَلِك الْجَبَل بِلَا شكّ من جملَة الْحِجَارَة وَقد هَبَط عَن مَكَانَهُ من خشيَة الله تَعَالَى وَهَذِه معْجزَة وَآيَة وإحالة طبيعة فِي ذَلِك الْجَبَل خَاصَّة وَيكون يهْبط بِمَعْنى هَبَط كَمَا قَالَ الله ﴿وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا﴾ وَمَعْنَاهُ بِلَا شكّ وَإِذ مكر وَبَين قَوْله تَعَالَى مُصدقا إِبْرَاهِيم خَلِيله ﷺ فِي إِنْكَاره على أَبِيه عبَادَة الْحِجَارَة لم تعبد مَا يسمع وَلَا يبصر وَقَوله تَعَالَى ﴿أم اتَّخذُوا من دون الله شُفَعَاء قل أولو كَانُوا لَا يملكُونَ شَيْئا وَلَا يعْقلُونَ﴾ مَا هِيَ عَلَيْهِ من الجمادية وَعدم التَّمْيِيز قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فصح بِهَذَا صِحَة لَا مجَال للشَّكّ فِيهَا أَن الْحِجَارَة لَا تعقل لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي كَانُوا لَا يعْبدُونَ مِمَّا لَا يعقل وَأما سَائِر مَا كَانُوا يعْبدُونَ من الْمَلَائِكَة والمسيح وَأمه ﵉ وَمن الْجِنّ فَكل هَؤُلَاءِ عاقلون مميزون فَلم يبْق إِلَّا الْحِجَارَة فصح بِالنَّصِّ أَنَّهَا لَا تعقل وَإِذ تَيَقّن ذَلِك بِالنَّصِّ وبالضرورة وبالمشاهدة فقد انْتَفَى عَنْهَا النُّطْق والتمييز والخشية الْمَعْهُود كل ذَلِك عندنَا وَهَذَا نَص قَوْلنَا وَالْحَمْد الله رب الْعَالمين وَأما الْأَحَادِيث المأثورة فِي أَن الْحجر لَهُ لِسَان وشفتان والكعبة كَذَلِك وَأَن الْجبَال تطاولت وخشع جبل كَذَا فخرافات مَوْضُوعَة نقلهَا كل كَذَّاب وَضَعِيف لَا يَصح شَيْء مِنْهَا من طَرِيق الْإِسْنَاد أصلا وَيَكْفِي من التَّطْوِيل فِي ذَلِك أَنه لم يدْخل شَيْئا مِنْهَا من انتدب من الْأَئِمَّة لصبيف الصَّحِيح من الحَدِيث أوما يستجاز رِوَايَته مِمَّا يُقَارب الصِّحَّة قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وكل من يخالفنا فِي هَذَا فَإِنَّهُ إِذا أقرّ لنا أَن القَوْل الْمَذْكُور فِي الْآيَات الَّتِي تلونا وَالسُّجُود وَالتَّسْبِيح والحشية لَيْسَ شَيْء مِنْهُ على الصّفة الْمَعْهُودَة بَيْننَا فقد وَافَقنَا أحب أَو كره وهم كلهم مقرون بذلك وَقد جَاءَ ذَلِك فِي أشعار الْعَرَب قَالَ الشَّاعِر ... شكى الى جمل طول السرى ... وَقَالَ آخر ... فَقَالَت لَهُ العينان سمعا وَطَاعَة ... وَقَالَ الرَّاعِي ... قلق الفؤوس إِذا أردن نصولا ... وَمن هَذَا الْبَاب قَوْله تَعَالَى ﴿جداراً يُرِيد أَن ينْقض﴾ وَهَذَا بِلَا شكّ غير الْإِرَادَة الْمَعْهُودَة من الْحَيَوَان فصح قَوْلنَا بِالنَّصِّ والضرورة وَالْحَمْد الله رب الْعَالمين وَأما قَول رَسُول الله ﷺ يَوْم يقْتَصّ للشاه الْجَمَّاء من الشَّاة القرناء فقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض وَلَا طَائِر يطير بجناحيه إِلَّا أُمَم أمثالكم مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء ثمَّ إِلَى رَبهم يحشرون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا الوحوش حشرت﴾ فصح أَنَّهَا تحْشر بِلَا شكّ ويسلط الله تَعَالَى مَا يَشَاء

стр. 67

من خلقه على مَا يَشَاء فَإِذا سلط القرناء على الْجَمَّاء فِي الدُّنْيَا فَلهُ تَعَالَى أَن يُسَلط الْجَمَّاء على القرناء فِي الْآخِرَة يَوْم الْقِيَامَة وَلم يَأْتِي نَص وَلَا إِجْمَاع وَلَا دَلِيل خبر على أَن الْمَوَاشِي متعبدة بشريعة وَهَذَا مِمَّا نقربه ونقول يفعل الله مَا يَشَاء وَلَا علم لنا إِلَّا مَا علمنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الرَّد على من زعم ان الْأَنْبِيَاء ﵈ لَيْسُوا أَنْبيَاء الْيَوْم وَلَا الرُّسُل الْيَوْم رسلًا قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ حَدِيث فرقة مبتدعة تزْعم أَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب ﷺ لَيْسَ هُوَ الْآن رَسُول الله ﷺ وَهَذَا قَول ذهب إِلَيْهِ الأشعرية وَأَخْبرنِي سُلَيْمَان بن خلف الْبَاجِيّ وَهُوَ من مقدميهم الْيَوْم أَن مُحَمَّد بن الْحسن بن فورك الْأَصْبَهَانِيّ على هَذِه المسئلة قَتله بالسم مَحْمُود بن سبكتكين صَاحب مادون وَرَاء النَّهر من خرسان ﵀ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذِه مقَالَة خبيثة مُخَالفَة لله تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ ﷺ وَلما أجمع عَلَيْهِ جَمِيع أهل الْإِسْلَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة زانما حملهمْ على هَذَا قَوْلهم الْفَاسِد أَن الرّوح عرض وَالْعرض يفنى أبدا وَيحدث وَلَا يبْقى وَقْتَيْنِ فَروح النَّبِي صالى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْدهم قد فنيت وَبَطلَت وَلَا روح الْآن عِنْد الله تَعَالَى وَأما جسده فَفِي قَبره موَات فبطلت نبوته بذلك ورسالته قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ ونعوذ بِاللَّه من هَذَا القَوْل فَإِنَّهُ كفر صراح لَا ترداد فِيهِ وَيَكْفِي من بطلَان هَذَا القَوْل الْفَاحِش الفظيع أَنه مُخَالف لما أَمر الله بِهِ وَرَسُوله ﷺ وَاتفقَ عَلَيْهِ جَمِيع أهل الْإِسْلَام من كل فرقة وَمن كل نحلة من الْأَذَان فِي الصوامع كل يَوْم حمس مَرَّات فِي كل قَرْيَة من شَرق الأَرْض إِلَى غربها بِأَعْلَى أَصْوَاتهم قد قرنه الله تَعَالَى بِذكرِهِ أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّد رَسُول الله فعلى قَول هَؤُلَاءِ الموكلين إِلَى أنفسهم يكون الآذان كذبا وَيكون من أَمر بِهِ كَاذِبًا وَإِنَّمَا كَانَ يجب أَن يكون الْأَذَان على قَوْلهم أشهد أَن مُحَمَّدًا كَانَ رَسُول الله وَإِلَّا فَمن أخبر

стр. 68

عَن شَيْء كَانَ وَبَطل أَنه كَائِن الْآن فَهُوَ كَاذِب فالأذان كذب على قَوْلهم وَهَذَا كفر مُجَرّد وَكَذَلِكَ مَا اتّفق عَلَيْهِ جَمِيع أهل الْإِسْلَام بِلَا خلاف من أحد مِنْهُم من تلقين موتاهم لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله فَإِنَّهُ بَاطِل على قَول هَؤُلَاءِ وَكَذَلِكَ مَا عمل بِهِ رَسُول الله ﷺ مُدَّة قِتَاله الْأمة وَأمره عَن الله بِأَن يعْمل بِهِ بعده أبدا وَأجْمع على القَوْل بِهِ وَالْعَمَل جَمِيع أهل الْإِسْلَام من أول الْإِسْلَام إِلَى آخِره وَمن شَرق الأَرْض إِلَى غربها إنسهم وجنهم بِيَقِين مَقْطُوع بِهِ دون مُخَالف فَمَا تخرج بِهِ الدِّمَاء من التَّحْلِيل إِلَى التَّحْرِيم أَو إِلَى الحقن بالجزية من أَن يعرض على أهل الْكفْر أَن يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله فَيجب على قَول هَؤُلَاءِ المحرومين أَن هَذَا بَاطِل وَكذب وَإِنَّمَا كَانَ يجب أَن يكفلوا أَن يَقُولُوا أَن مُحَمَّد كَانَ رَسُول الله وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿ورسلا قد قصصناهم عَلَيْك من قبل ورسلا لم نقصصهم عَلَيْك﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْم يجمع الله الرُّسُل فَيَقُول مَاذَا أجبتم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَجِيء بالنبيين وَالشُّهَدَاء﴾ فسماهم الله رسلًا وَقد مَاتُوا وَسَمَّاهُمْ نبيين ورسلاً وهم فِي الْقِيَامَة وَكَذَلِكَ مَا أجمع النَّاس عَلَيْهِ وَجَاء بِهِ النَّص من قَول كل مصل فرضا أَو نَافِلَة السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته فَلَو لم يكن روحه ﵇ مَوْجُودا قَائِما لَكَانَ السَّلَام على الْعَدَم هدرا فَإِن قَالُوا كَيفَ يكون مَيتا رَسُول الله وَإِنَّمَا الرَّسُول هُوَ الَّذِي يُخَاطب عَن الله بالرسالة قيل لَهُم نعم من أرْسلهُ الله مرّة وَاحِدَة فَقَط رَسُولا لله تَعَالَى أبدا لِأَنَّهُ حَاصِل على مرتبَة جلالة لَا يحطه عَنْهَا شىء أبدا ول يسْقط عَنهُ هَذَا الِاسْم أبدا وَلَو كَانَ مَا قُلْتُمْ لوَجَبَ أَن لَا يكون رَسُول الله ﷺ رَسُولا إِلَى أهل الْيمن فِي حَيَاته لِأَنَّهُ لم يكلمهم وَلَا شافههم وَيلْزم أَيْضا أَن لَا يكون رَسُول الله إِلَّا مَا دَامَ يكلم النَّاس فَإِذا سكت أَو أكل أَو نَام أَو جَامع لم يكن رَسُول الله وَهَذَا حمق مشوب بِكفْر وحلاف للْإِجْمَاع الْمُتَيَقن ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وَأَيْضًا فَإِن خبر الْإِسْرَاء الَّذِي ذكره الله فِي الْقُرْآن وَهُوَ مَنْقُول نقل التَّوَاتُر وَأحد أَعْلَام النُّبُوَّة ذكر فِيهِ رَسُول الله ﷺ أَنه رأى الْأَنْبِيَاء ﵈ فِي سماءٍ سَمَاء فَهَل رأى إِلَّا أَرْوَاحهم الَّتِي هِيَ أنفسهم وَمن كذب بِهَذَا أَو بعضه فقد انْسَلَخَ عَن الْإِسْلَام بِلَا شكّ ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وَهَذِه براهين لَا محيد عَنْهَا وَقد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه أخبر أَن لله مَلَائِكَة يبلغونه منا السَّلَام وَأَنه من رَآهُ فِي الْمَنَام فقد رَآهُ حَقًا وَلَقَد بَلغنِي عَن بَعضهم أَنهم يَقُولُونَ أَن أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ رضوَان الله عَلَيْهِم لسن الْآن أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ لكنهن كن أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا ضلال بحت وحماقة مَحْضَة وَلَو كَانَ هَذَا الْوَاجِب أَن لَا تكون أم الْمَرْء الَّتِي وَلدته وَأَبوهُ الَّذِي وَلَده أَبَاهُ وَلَا أمه إِلَّا فِي حِين الْولادَة وَالْحمل من الْأُم فَقَط وَفِي حِين الْإِنْزَال من الْأَب فَقَط لَا بعد ذَلِك وَهَذَا من السخف الَّذِي لَا يرضى بِهِ لنَفسِهِ ذُو مسكة فَإِن قَالُوا أتقولون أَن عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ الْيَوْم أَو عُثْمَان أَيْضا كَذَلِك قُلْنَا لَهُم لَا وَهَذَا إِجْمَاع لِأَنَّهُ لَا يكون أَمِيرا إِلَّا من الائتمار لأَمره وَاجِب وَلَيْسَ هَذَا لأحد إِلَّا بعد مَوته إِلَّا للنَّبِي ﷺ وَإِنَّمَا هُوَ لخليفة بعد خَليفَة طول حَيَاته فَقَط فَبَطل أَن يكون لَهُم فِيهَا مُتَعَلق الْكَلَام على من قَالَ بتناسخ الْأَرْوَاح قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ افترق الْقَائِلُونَ بتناسخ الْأَرْوَاح على فرْقَتَيْن فَذَهَبت الْفرْقَة

стр. 69

الْوَاحِدَة إِلَى أَن الْأَرْوَاح تنْتَقل بعد مفارقتها الأجساد إِلَى أجساد أخر وَإِن لم تكن من نوع الأجساد الَّتِي فَارَقت وَهَذَا قَول أَحْمد بن حابط وَأحمد بن نانوس تِلْمِيذه وَأبي مُسلم الْخُرَاسَانِي وَمُحَمّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ الطَّبِيب صرح بذلك فِي كِتَابه الموسوم بِالْعلمِ الإلهي وَهُوَ قَول القرامطة وَقَالَ الرَّازِيّ فِي بعض كتبه لَوْلَا أَنه لَا سَبِيل إِلَى تَخْلِيص الْأَرْوَاح عَن الأجساد المتصورة بالصور الهيمية إِلَى الأجساد المتصورة بصور الْإِنْسَان إِلَّا بِالْقَتْلِ وَالذّبْح لما جَازَ ذبح شَيْء من الْحَيَوَان أَلْبَتَّة قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذِه كَمَا ترى دعاوي وخرافات بِلَا دَلِيل وَذهب هَؤُلَاءِ إِلَى أَن التناسخ إِنَّمَا هُوَ على سَبِيل الْعقَاب وَالثَّوَاب قَالُوا فالفاسق الْمُسِيء الْأَعْمَال تنْتَقل روحه إِلَى أجساد الْبَهَائِم الخبيثة المرتطمة فيي الأقذار والمسخرة المؤلمة الممتهنة بِالذبْحِ وَاخْتلفُوا فِي الَّذِي كَانَت أفاعيله كلهَا شَرّ الاخبر فِيهَا فَقَالَ بَعضهم أَرْوَاح هَذِه الطَّبَقَة هِيَ الشَّيَاطِين وَقَالَ أَحْمد بن حابط أَنَّهَا تنْتَقل إِلَى جَهَنَّم فتعذب بالنَّار أَبَد الْأَبَد وَاخْتلفُوا فِي الَّذِي كَانَت أفاعيله كلهَا خيرا لَا شَرّ فِيهَا فَقَالَ بَعضهم أَرْوَاح هَذِه الطَّبَقَة هِيَ الْمَلَائِكَة وَقَالَ أَحْمد بن حابط أَنَّهَا لَا شكّ أَنَّهَا تنْتَقل إِلَى الْجنَّة فتنعم فِيهَا أَبَد الْأَبَد واحتجت هَذِه الطَّائِفَة المرتسمة بِالْإِسْلَامِ أَعنِي أَحْمد بن حابط وَأحمد بن نانوس بقول الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الْإِنْسَان مَا غَرَّك بِرَبِّك الْكَرِيم الَّذِي خلقك فسواك فعدلك فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿جعل لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا وَمن الْأَنْعَام أَزْوَاجًا يذرؤكم فِيهِ﴾ وَاحْتج من هَذِه الطَّائِفَة من لَا يَقُول بِالْإِسْلَامِ بِأَن قَالُوا إِن النَّفس لَا تتناهى والعالم لَا يتناهى لأمد فَالنَّفْس منتقلة أبدا وَلَيْسَ انتقالها إِلَى نوعها بِأولى من انتقالها إِلَى غير نوعها بِأولى من انتقالها إِلَى غير نوعها قَالَ أَبُو أَحْمد ﵁ وَذَهَبت الْفرْقَة الثَّانِيَة إِلَى أَن منعت من انْتِقَال الْأَرْوَاح إِلَى غير أَنْوَاع أجسادها الَّتِي فَارَقت وَلَيْسَ من هَذِه الْفرْقَة أحد يَقُول بشيءٍ من الشَّرَائِع وهم من الدهرية وحجتهم هِيَ حجَّة الطَّائِفَة الَّتِي ذكرنَا قبلهَا القائلة أَنه لَا تناهي للْعَالم فَوَجَبَ أَن تَتَرَدَّد النَّفس فِي الأجساد أبدا قَالُوا وَلَا يجوز أَن تنْتَقل إِلَى غير النَّوْع الَّذِي أوجب لَهَا طبعها الإشراف عَلَيْهِ وتعلقها بِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ أما الْفرْقَة المرتسمة باسم الْإِسْلَام فَيَكْفِي من الرَّد عَلَيْهِم إِجْمَاع جَمِيع أهل الْإِسْلَام على تكفيرهم وعَلى أَن من قَالَ بقَوْلهمْ فَإِنَّهُ على غير الْإِسْلَام وَأَن النَّبِي ﷺ أَتَى بِغَيْر هَذَا وَبِمَا وَبِمَا الْمُسلمُونَ مجمعون عَلَيْهِ من أَن الْجَزَاء لَا يَقع إِلَّا بعد فِرَاق الأجساد للأرواح بالنكر أَو التنعم قبل يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ بِالْجنَّةِ أَو النَّار فِي موقف الْحَشْر فَقَط إِذا جمعت أجسادها مَعَ أرواحها مَعَ أرواحها الَّتِي كَانَت فِيهَا وَأما احتجاجهم بالآيتين فَكفى من بطلَان قَوْلهم أَيْضا مَا ذَكرْنَاهُ من الْإِجْمَاع وَأَن الْأمة كلهَا مجمعون بِلَا خلاف على أَن المُرَاد بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ غير مَا ذكر هَؤُلَاءِ الْمُلْحِدُونَ وَأَن المُرَاد بقوله تَعَالَى فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك أَنَّهَا الصُّورَة الَّتِي رتب الْإِنْسَان عَلَيْهَا من طول أَو قصر أَو حسن أَو قبح أَو بَيَاض أَو سَواد وَمَا أشبه ذَلِك وَأما الْآيَة الْأُخْرَى فَإِن مَعْنَاهَا أَن الله تَعَالَى امتن علينا فِي أَن خلق لنا من أَنْفُسنَا أَزْوَاجًا

стр. 70

تتولد مِنْهَا ثمَّ امتن علينا بِأَن خلق لنا من الْأَنْعَام ثَمَانِيَة أَزوَاج ثمَّ أخبر تَعَالَى أَنه يذرؤنا فِي هَذِه الْأزْوَاج يَعْنِي الَّتِي هِيَ من أَنْفُسنَا فَتبين ذَلِك بَيَانا ظَاهرا لاخفاء بِهِ أَن الله تَعَالَى أخبرنَا فِي هَذِه الْآيَة نَفسهَا أَن الْأزْوَاج المخلوقة لنا إِنَّمَا هِيَ من أَنْفُسنَا ثمَّ فرق بَين أَنْفُسنَا وَبَين الْأَنْعَام فَلَا سَبِيل إِلَى أَن يكون لنا أَزوَاج تتولد فِيهَا من غير أَنْفُسنَا وَيَكْفِي من هَذَا أَن قَوْلهم إِنَّمَا هُوَ دَعْوَى بِلَا برهَان وَإِنَّمَا رتبوه على أصلهم فِي الْعدْل فأخرجوا هَذَا الْوَجْه لما شاهدوه من إيلام الْحَيَوَان وكل قَول لم يُوجِبهُ برهَان فَهُوَ بَاطِل وَلم يَأْتِ هَذَا القَوْل قطّ عَن أحد من الْأَنْبِيَاء وَهَؤُلَاء الْقَوْم مقرون بالأنبياء ﵈ فلاح يَقِينا فَسَاد قَوْلهم وَأما الْفرْقَة الثَّانِيَة القائلة بالدهر فإننا نقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِنَّه يَكْفِي من فَسَاد قَوْلهم هَذَا أَنه دَعْوَى بِلَا برهَان لَا عَقْلِي ولاحسي وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل بِيَقِين لَا شكّ فِيهِ لكننا لَا نقنع بِهَذَا بل نبين عَلَيْهِم بَيَانا لائحاً ضَرُورِيًّا بحول الله تَعَالَى وقوته فَتَقول وَبِاللَّهِ تَعَالَى نستعين أَن الله تَعَالَى خلق الْأَنْوَاع والأجناس ورتب الْأَنْوَاع تَحت الْأَجْنَاس وَفصل كل نوع من النَّوْع الآخر بفصله الْخَاص لَهُ الَّذِي لَا يُشَارِكهُ فِيهِ غَيره وَهَذِه الْفُصُول الْمَذْكُورَة لأنواع الْحَيَوَان إِنَّمَا هِيَ لأنفسها الَّتِي هِيَ أرواحها فَنَفْس الْإِنْسَان حَيَّة ناطقة وَنَفس الْحَيَوَان حَيَّة غير ناطقة هَذَا هُوَ طبيعة كل نفس وجوهرها الَّذِي لَا يُمكن استحالته عَنهُ فَلَا سَبِيل إِلَى أَن يصير غير النَّاطِق ناطقاً وَلَا النَّاطِق غير النَّاطِق وَلَو جَازَ هَذَا لبطلت المشاهدات وَمَا أوجبه الْحس وبديهة الْعقل والضرورة لانقسام الْأَشْيَاء على حُدُودهَا وَأما الْفرْقَة الثَّالِثَة الَّتِي قَالَت أَن الْأَرْوَاح تنْتَقل إِلَى أجساد نوعها فَيبْطل قَوْلهم بحول الله تَعَالَى وقوته بطلاناً ضَرُورِيًّا بِكُل مَا كتبناه فِي إِثْبَات حُدُوث الْعَالم وَوُجُوب الِابْتِدَاء لَهُ وَالنِّهَايَة من أَوله وَبِمَا كتبناه فِي إِثْبَات النُّبُوَّة أَن جَمِيع النبوات وَردت بِخِلَاف قَوْلهم وببرهان ضَرُورِيّ عَلَيْهِم وهوانه فِي الْعَالم كُله شيآن يشتبهان بِجَمِيعِ أعراضها اشتباهاً تَاما من وَجه يعلم هَذَا من تدبر اخْتِلَاف الصُّور وَاخْتِلَاف الهيآت وتباين الْأَخْلَاق وَإِنَّمَا يُقَال هَذَا الشَّيْء يشبه هَذَا على معنى أَن ذَلِك فِي أَكثر أحوالهما لافي كلهَا وَلَو لم يكن مَا قُلْنَا مَا فرق أحد بَينهمَا أَلْبَتَّة وَقد علمنَا بِالْمُشَاهَدَةِ أَن كل من يتَكَرَّر عَلَيْهِ ذَلِك الشيآن تكرراً كثيرا مُتَّصِلا أَنه لَا بُد أَن يفصل بَينهمَا وَأَن يُمَيّز أَحدهمَا من الثَّانِي وَأَن يجد فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا أَشْيَاء بَان بهَا عَن الآخر لَا يُشبههُ فِيهَا فصح بِهَذَا أَنه لَا سَبِيل إِلَى وجود شَخْصَيْنِ يتفقان فِي أخلاقهما كلهَا حَتَّى لَا يكون بَينهمَا فرق فِي شَيْء مِنْهَا وَقد علمنَا بِيَقِين أَن الْأَخْلَاق مَحْمُولَة فِي النَّفس فصح بِهَذَا أَن نفس كل ذِي نفس من الأجساد من أَي نوع كَانَت غير النَّفس الَّتِي فِي غَيره من الأجساد كلهَا ضَرُورَة وَقَالَ أَيْضا بعض من ذهب إِلَى التناسخ من الحاملين ذَلِك على سَبِيل الْجَزَاء أَن الله تَعَالَى عدل حَكِيم رَحِيم كريم فإذهو كَذَلِك فمحال أَن يعذب من لَا ذَنْب لَهُ قَالَ فَلَمَّا وَجَدْنَاهُ تَعَالَى يقطع أجسام الصّبيان الَّذين لَا ذَنْب لَهُم بالجدري والقروح وَيَأْمُر بِذبح بعض الْحَيَوَان الَّذِي لَا ذَنْب لَهُ وبطبخه وَأكله ويسلط بَعْضهَا على بعض فيقطعه ويأكله وَلَا ذَنْب لَهُ علمنَا أَنه تَعَالَى لم يفعل ذَلِك إِلَّا وَقد كَانَت الْأَرْوَاح عصاة مُسْتَحقَّة للعقاب بكسب هَذِه الأجساد لتعذب فِيهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ تَعَالَى عَنهُ وَقد تكلمنا على إبِْطَال هَذَا الأَصْل الْفَاسِد فِي

стр. 71

غير هَذَا الْمَكَان على البراهمة فِي كتَابنَا هَذَا بِمَا يَكْفِي وَقد رددنا الْكَلَام أَيْضا فِي بَيَان بُطْلَانه فِي غير مَا مَوضِع من كتَابنَا وَفِي بَاب الْكَلَام على من أبطل الْقدر من الْمُعْتَزلَة فِي كتَابنَا هَذَا وَالْحَمْد الله رب الْعَالمين وَيَكْفِي من بطلَان هَذَا الأَصْل الْفَاسِد أَن يُقَال لَهُم إِن طردتم هَذَا الأَصْل وَقَعْتُمْ فِي مثل مَا أنكرتم وَلَا فرق وَهُوَ أَن الْحَكِيم الْعدْل الرَّحِيم على أصلكم لَا يخلق من يعرضه للمعصية حَتَّى يحْتَاج إِلَى إفساده بِالْعَذَابِ بعد إِصْلَاحه وَقد كَانَ قَادِرًا على أَن يطهر كل نفس خلقهَا وَلَا يعرضهَا للفتن ويلطف بهَا ألطافاً فيصلحها بهَا حَتَّى تسْتَحقّ كلهَا إحسانه وَالْخُلُود فِي النَّعيم وَمَا كَانَ ذَلِك ينقص شَيْئا من ملكه فَإِن كَانَ عَاجِزا عَن ذَلِك فَهَذِهِ صفة نقص وَيلْزم حاملها أَن يكون من أجل نَقصه مُحدثا مخلوقاً فَإِن طردوا هَذَا الأَصْل خَرجُوا إِلَى قَول المانوية فِي أَن للأشياء فاعلين وَقد تقدم إبطالنا لقَولهم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَبينا أَن الَّذِي لَا آمُر فَوْقه وَلَا مُرَتّب عَلَيْهِ فَإِن كل مَا يَفْعَله فَهُوَ حق وَحِكْمَة وَإِذ قد تعلق هَؤُلَاءِ الْقَوْم بالشريعة أَن كل قَول لم يَأْتِ عَن نَبِي تِلْكَ الشَّرِيعَة فَهُوَ كذب وفرية فَإذْ لم يَأْتِ عَن أحد من الْأَنْبِيَاء ﵈ القَوْل بتناسخ الْأَرْوَاح فقد صَار قَوْلهم بِهِ خرافة وكذباً وباطلاً وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فصل فِي الْكَلَام على من أنكر الشَّرَائِع من المنتمين إِلَى الفلسفة بزعمهم وهم أبعد النَّاس عَن الْعلم بهَا جملَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ نبين فِي هَذَا الْفَصْل بحول الله تَعَالَى وقوته وجوب صِحَة الشَّرَائِع على مَا توجبه أصُول الفلاسفة على الْحَقِيقَة أَوَّلهمْ عَن آخِرهم على اخْتِلَاف أَقْوَالهم فِي غير ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ الفلسفة على الْحَقِيقَة إِنَّمَا مَعْنَاهَا وثمرتها وَالْغَرَض الْمَقْصُود نَحوه بتعلمها لَيْسَ هُوَ شَيْئا غير إصْلَاح النَّفس بِأَن تسْتَعْمل فِي دنياها الْفَضَائِل وَحسن السِّيرَة المؤدية إِلَى سلامتها فِي الْمعَاد وَحسن السياسة للمنزل والرعية وَهَذَا نَفسه لَا غَيره هُوَ الْغَرَض فِي الشَّرِيعَة هَذَا مَا لَا خلاف فِيهِ بَين أحد من الْعلمَاء بالفلسفة وَلَا بَين أحد من الْعلمَاء بالشريعة فَيُقَال لمن انْتَمَى إِلَى الفلسفة بِزَعْمِهِ وَهُوَ يُنكر الشَّرِيعَة بجهله على الْحَقِيقَة بمعاني الفلسفة وَبعده عَن الْوُقُوف على غرضها وَمَعْنَاهَا أليست الفلسفة بِإِجْمَاع من الفلاسفة مبينَة للفضائل من الرذائل موقفة على الْبَرَاهِين المفرقة بَين الْحق وَالْبَاطِل فَلَا بُد من نعم وضرورة فَيُقَال لَهُ أَلَيْسَ الفلاسفة كلهم قد قَالُوا صَلَاح الْعَالم بشيئين أَحدهمَا بَاطِن وَالْآخر ظاهرفالباطن هُوَ اسْتِعْمَال النَّفس للشرائع الزاجرة عَن تظالم النَّاس وَعَن القبائح وَالظَّاهِر هُوَ التحصين بالأسوار واتخاذ السِّلَاح لدفع الْعَدو الَّذِي يُرِيد ظلم النَّاس والإفساد ثمَّ أضافوا إِلَى إصْلَاح النُّفُوس بِمَا ذكرنَا إصْلَاح الأجساد بالطب فَلَا بُد من نعم ضَرُورَة فَيُقَال لَهُم فَهَل صَلَاح الْعَالم وانكفاف النَّاس عَن الْقَتْل الَّذِي فِيهِ فنَاء الْحلق وَعَن الزِّنَا الَّذِي فِيهِ فَسَاد النَّسْل وحراب الْمَوَارِيث وَعَن الظُّلم الَّذِي فِيهِ الضَّرَر على الْأَنْفس وَالْأَمْوَال وحراب الأَرْض وَعَن الرذائل من

стр. 72

الْبَغي والحسد وَالْكذب والجبن وَالْبخل والنميمة والغش والخيانة وَسَائِر الرذائل إِلَّا بشرائع زاجرة للنَّاس عَن كل ذَلِك فَلَا بُد من نعم ضَرُورَة وَإِلَّا وَجب الإهمال الَّذِي فِيهِ فَسَاد كل مَا ذَكرْنَاهُ فَإِذا لَا بُد من ذَلِك وَإِلَّا ذَلِك لفسد الْعَالم كُله ولفسدت الْعُلُوم كلهَا ولكان الْإِنْسَان قد بطلت فَضِيلَة الْفَهم والنطق وَالْعقل الَّذِي فِيهِ وَصَارَ كَالْبَهَائِمِ فَلَا تَخْلُو تِلْكَ الشَّرَائِع من أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَن تكون صحاحاً من عِنْد الله الَّذِي هُوَ خَالق الْعَالم ومدبره كَمَا يقوا أَصْحَاب الشَّرَائِع وَإِمَّا أَن تكون مَوْضُوعَة بِاتِّفَاق من أفاضل الْحُكَمَاء لسياسة النَّاس بهَا وكفهم عَن التظالم والرذائل وَإِن كَانَت مَوْضُوعَة كَمَا يَقُول هَؤُلَاءِ المخاذيل فقد تَيَقنا أَن مَا ألزموا النَّاس من ذَلِك كذب لَا أصل لَهُ وزور مختلق وَإِيجَاب لما لَا يجب وباطل لَا حَقِيقَة لَهُ ووعيد ووعد كِلَاهُمَا كذب فَإِن كَانَ ذَلِك كَذَلِك فقد صَار الْكَذِب الَّذِي هُوَ أرذل الرذائل وَأعظم الشَّرّ لَا يتم صَلَاح الْعَالم الَّذِي هُوَ الْغَرَض من طلب الْفَضَائِل إِلَّا بِهِ وَإِذ ذَلِك كَذَلِك فقد صَار الْحق بَاطِلا والصدق رذيلة وَصَارَ الْبَاطِل حَقًا وصدقاً وَالْكذب فَضِيلَة وَصَارَ لَا قوام للْعَالم أصلا إِلَّا بِالْبَاطِلِ وَصَارَ الْكَذِب نتيجة الْحق وَصَارَ الْبَاطِل ثَمَرَة الصدْق وَصَارَ الْغرُور والغش والخديعة فَضَائِل ونصيحة وَهَذَا أعظم مَا يكون من الْمحَال والممتنع والخلق الَّذِي لَا مدْخل لَهُ فِي الْعقل فَإِن قَالُوا إِنَّه لَو كشف السِّرّ فِي ذَلِك إِلَى الْعَامَّة لم ترغب فِي الْفَضَائِل فَوَجَبَ لذَلِك أَن يُؤْتِي بِمَا ترهبه وتتقيه فاضطر فِي ذَلِك إِلَى الْكَذِب لَهُم كَمَا يفعل بالصبيان وكما أبحتم أَنْتُم فِي شرائعكم كذب الرجل لامْرَأَته ليستصلحها بذلك وَفِي دفاع الظَّالِم على سَبِيل التقية وَفِي الْحَرْب كَذَلِك فيلزمكم فِي هَذَا مَا ألزمتموه إيانا من أَن الْكَذِب صَار حَقًا وفضيلة قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فَيُقَال لَهُم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق أما نَحن فقولنا أَنه لَيْسَ كَمَا ذكرْتُمْ قبيحاً إِذْ أَبَاحَهُ الله الَّذِي لَا حسن إِلَّا مَا حسن وَمَا أَمر بِهِ وَلَا قَبِيح إِلَّا مَا قبح وَمَا نهي عَنهُ وَلَا آمُر فَوْقه فَلَا يلْزمنَا مَا أردتم إلزامنا إِيَّاه ثمَّ أَيْضا على أصولكم فَإِنَّهُ لَيْسَ مَا ذكرْتُمْ مُعَارضَة وَلَا مَا شبهتم بِهِ مشبهاً لما شبهتموه بِهِ لأننا إِنَّمَا أبحنا الْكَذِب فِي الْوُجُوه الَّتِي ذكرْتُمْ للضَّرُورَة الدافعة إِلَى ذَلِك النَّص الْوَارِد علينا بذلك كَمَا جَازَ بِالنَّصِّ عِنْد الضَّرُورَة دفع الْقَتْل عَن النَّفس بقتل المريد لقتلها وَلَو أمكننا كف الصَّبِي وَالْمَرْأَة بِغَيْر ذَلِك لما جَازَ الْكَذِب أصلا فَإِذا ارْتَفَعت الضَّرُورَة وَجب الرُّجُوع إِلَى اسْتِعْمَال الصدْق على كل حَال وَلَوْلَا النَّص لم نبح شَيْئا من ذَلِك وَلَا حرمناه وَأَنْتُم فِيمَا تَدعُونَهُ من مداراة النَّاس كلهم مبتدئون لاختيار الْكَذِب دون أَن يَأْمُركُمْ بِهِ من يسْقط عَنْكُم اللوم بِطَاعَتِهِ فَأنْتم لَا عذرلكم على خلاف حكمنَا فِي ذَلِك ثمَّ إِنَّكُم لَا تخلون من أحد وَجْهَيْن لَا ثَالِث لَهما إِمَّا أَن تطووا هَذَا السِّرّ عَن كل أحد فتصيرون إِلَى مَا ألزمناكم من أَن قطع الصدْق جملَة فَضِيلَة وَأَن الْكَذِب على الْجُمْلَة حق وَاجِب وَهَذَا هُوَ الَّذِي ألزمناكم ضَرُورَة وَإِمَّا أَن تبوحوا بذلك لمن وثقتم بِهِ فَهَذَا إِن قُلْتُمْ بِهِ يُوجب ضَرُورَة كشف سركم فِي ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يجوز الْبَتَّةَ أَن ينكتم أصلا على كَثْرَة العارفين بِهِ هَذَا أَمر يعلم بالضضرورة أَن الشَّيْء إِذا كثر العارفون بِهِ فبالضرورة لَا بُد من انتشاره فَإِن كُنْتُم تَقولُونَ أَن طيه وَاجِب الاعمن يوثق بِهِ وَفِي كشفه إِلَى من يوثق بِهِ

стр. 73

مَا يُوجب انتشاره إِلَى من لَا يوثق بِهِ فقد رجعتم إِلَى وجوب كشفه لِأَن كشفه الْبَتَّةَ هُوَ نتيجة كشفه إِلَى خَاص دون عَام وَفِي كشفه بطلَان مَا دبرتموه صلاحاً فقد بَطل حكمكم بِالضَّرُورَةِ لَا سِيمَا والقائلون بِهَذَا القَوْل مجدون فِي كشف سرهم هَذَا إِلَى الْخَاص وَالْعَام فقد أبطلوا علتهم جملَة وتناقضوا أقبح تنَاقض وعَلى كل ذَلِك فقد صَار الْبَاطِل وَالْكذب لَا يتم الْخَيْر والفضائل الْبَتَّةَ فِي شَيْء من الْأَشْيَاء إِلَّا بهما وَهَذَا خلاف الفلسفة جملَة وَأَيْضًا إِن كَانَت الشَّرَائِع مَوْضُوعَة فَلَيْسَ مَا وَضعه وَاضع مَا بِأَحَق بِأَن يتبع مِمَّا وَضعه وَاضع آخر هَذَا أَمر يعلم بِالضَّرُورَةِ وَقد علمنَا بِمُوجب الْعقل وضرورته أَن الْحق لَا يكون من الْأَقْوَال الْمُخْتَلفَة والمتناقضة إِلَّا فِي وَاحِد وسائرها بَاطِل فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا فَأَي تَكُ الموضوعات هُوَ الْحق أم أَيهَا هُوَ الْبَاطِل وَلَا سَبِيل إِلَى أَن يَأْتُوا بِمَا يحِق مِنْهَا شَيْئا دون سائرها أصلا فَإذْ لَا دَلِيل على صِحَة شىء مِنْهَا فقد صَارَت كلهَا بَاطِلَة إِذْ مَا لَا دَلِيل على صِحَّته فَهُوَ بَاطِل وَلَيْسَ لأحد أَن يَأْخُذ بقول وَيتْرك غَيره بِلَا دَلِيل فَبَطل بِهَذَا بطلاناً ضَرُورِيًّا كل مَا تعلقوا بِهِ وَالْحَمْد الله رب الْعَالمين وَبَطل بِهَذَا الْبُرْهَان الضَّرُورِيّ ماتوهمه هَؤُلَاءِ الْجُهَّال المجانين وَصَحَّ يَقِينا أَن الشَّرَائِع صِحَاح من عِنْد منشىء الْعَالم ومدبره الَّذِي يُرِيد بَقَاءَهُ إِلَى الْوَقْت الَّذِي سبق فِي علمه تَعَالَى أَنه يبقيه إِلَيْهِ كَمَا هُوَ وَإِذ ذَلِك كَذَلِك ضَرُورَة لَا يَخْلُو الحكم فِي ذَلِك من أحد وَجْهَيْن لَا ثَالِث لَهما إِمَّا أَن تكون الشَّرَائِع كلهَا حَقًا قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَقد رَأَيْت مِنْهُم من يذهب إِلَى هَذَا وَإِمَّا أَن يكون بَعْضهَا حَقًا وَبَعضهَا بَاطِلا لَا بُد من أحد هذَيْن الْوَجْهَيْنِ ضَرُورَة فَإِن كَانَت كلهَا حَقًا فَهَذَا محَال لَا سَبِيل إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا شَرِيعَة مِنْهَا إِلَّا وَهِي تكذب سائرها وتخبر يأنها بَاطِل وَكفر وضلال وإلحادٌ فَوَجَدنَا هَذَا المخذول الَّذِي أَرَادَ بِزَعْمِهِ مُوَافقَة جَمِيع الشَّرَائِع قد حصل على خلاف جَمِيعهَا أَولهَا عَن آخرهَا وَحصل على تَكْذِيب جَمِيع الشَّرَائِع لَهُ كلهَا بِلَا خلاف وعَلى تَكْذِيبه هُوَ لجميعها وَمَا كَانَ هَكَذَا أَو هُوَ يَقُول إِنَّهَا كلهَا حق وَهِي كلهَا مكذبة لَهُ وَهُوَ مُصدق لَهَا كلهَا فقد شهد على نَفسه بِالْكَذِبِ وَبطلَان قَوْله وَصَحَّ بِالْيَقِينِ أَنه كَاذِب فِيهِ وَأَيْضًا فَإِن كل شَرِيعَة فَهِيَ مضادة فِي أَحْكَامهَا لغَيْرهَا تحرم هَذِه مَا تحل هَذِه وتوجب هَذِه مَا تسْقط هَذِه وَمن الْمحَال الْفَاسِد أَن يكون الشَّيْء وضده حَقًا مَعًا فِي وَقت وَاحِد حَرَامًا حَلَالا فِي حِين وَاحِد على إِنْسَان وَاحِد وَوجه وَاحِد وَاجِبا غير وَاجِب كَذَلِك وَهَذَا أَمر يُعلمهُ بَاطِلا كل ذِي حس سليم وَلَيْسَ فِي الْعقل تَحْرِيم شَيْء مِمَّا جَاءَ فِيهَا تَحْرِيمه وَلَا إِيجَاب شَيْء مِمَّا جَاءَ فِيهَا إِيجَابه فَبَطل أَن يرجح بِمَا فِي الْعقل إِذْ كل ذَلِك فِي حد الْمُمكن فِي الْعقل فَإذْ قد بَطل هَذَا الْوَجْه ضَرُورَة فقد وَجَبت صِحَة الْوَجْه الآخر ضَرُورَة وَهُوَ أَن فِي الشَّرَائِع شَرِيعَة وَاحِدَة صَحِيحَة من عِنْد الله وَإِن سَائِر الشَّرَائِع كلهَا بَاطِل فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فَفرض على كل ذِي حس طلب تِلْكَ الشَّرِيعَة وإطراح كل شَرِيعَة دون ذَلِك وَإِن جلت حَتَّى يُوقف عَلَيْهَا بالبراهين الصِّحَاح إِذْ بهَا يكون صَلَاح النَّفس فِي الْأَبَد وبجهلها يكون هَلَاك النَّفس فِي الْأَبَد فَالْحَمْد الله الَّذِي وفقنا لتِلْك الشَّرِيعَة ووفقنا عَلَيْهَا وهدانا

стр. 74

إِلَى طريقها وعرفناها حمداً كثيرا طيبا كَمَا هُوَ أَهله وَنحن نَسْأَلهُ تَعَالَى أَن يثبتنا عَلَيْهَا حَتَّى نَلْقَاهُ وَنحن من أَهلهَا وحملتها آمين رب الْعَالمين وَصلى الله على مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا فَمن نازعنا فِي هَذَا القَوْل وادعاه لنَفسِهِ فَنحْن فِي ميدان النّظر وَحمل الْأَقْوَال على السّير بالبراهين فسنزيف الْبَاطِل والدعاوي الَّتِي لَا دَلِيل عَلَيْهَا حَيْثُمَا كَانَت ويلوح الْحق ثَابتا حَيْثُمَا كَانَ وبيد من كَانَ وَلَا حول وَلَا قُوَّة إل بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم الْكَلَام على الْيَهُود وعَلى من أنكر التثليب من النَّصَارَى وَمذهب الصابئين وعَلى من أقرّ بنبوة زرادشت من الْمَجُوس وَأنكر من سواهُ من الْأَنْبِيَاء ﵈ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ إِن أهل هَذِه الْملَّة يَعْنِي الْيَهُود وَأهل هَذِه النحلة يَعْنِي من أنكر التَّثْلِيث من النَّصَارَى موافقون لنا فِي الْإِقْرَار بِالتَّوْحِيدِ ثمَّ بِالنُّبُوَّةِ وبآيات الْأَنْبِيَاء ﵈ وبنزول الْكتب من عِنْد الله إِلَّا أَنهم فارقونا فِي بعض الْأَنْبِيَاء ﵈ دون بعض وَكَذَلِكَ وافقتنا الصابئة وَالْمَجُوس على لإقرار بِبَعْض الْأَنْبِيَاء فَأَما الْيَهُود فَإِنَّهُم قد افْتَرَقُوا على خمس فرق وَهِي ١ السامرية وهم يَقُولُونَ أَن مَدِينَة الْقُدس هِيَ نابلس وَهِي من بَيت الْمُقَدّس على ثَمَانِيَة عشر ميلًا وَلَا يعْرفُونَ حُرْمَة لبيت الْمُقَدّس وَلَا يعظمونه وَلَهُم توراة غير التَّوْرَاة الَّتِي بأيدي سَائِر الْيَهُود وييبطلون كل نبوة كَانَت فِي بني اسرائييل بعد مُوسَى ﵇ وَبعد يُوشَع ﵇ فيكذبون بنبوة شَمْعُون وَدَاوُد وَسليمَان واشعيا وَالْيَسع والياس وعاموص وحبقوق وزَكَرِيا وارميا وَغَيرهم وَلَا يقرونَ بِالْبَعْثِ أَلْبَتَّة وهم بِالشَّام لَا يسْتَحلُّونَ الْخُرُوج عَنْهَا والصدوقية ونسبوا إِلَى رجل يُقَال لَهُ صَدُوق وهم يَقُولُونَ بَين سَائِر اليهودان العزير هُوَ ابْن الله تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَكَانُوا بِجِهَة الْيَمين والعنانية وهم أَصْحَاب عانان الدَّاودِيّ الْيَهُودِيّ وتسميهم الْيَهُود العراس والمسر وَقَوْلهمْ إِنَّهُم لَا يتعدون شرائع التَّوْرَاة وَمَا جَاءَ فِي كتب الْأَنْبِيَاء ﵈ ويتبرؤن من قَول الْأَحْبَار ويكذبونهم وَهَذِه الْفرْقَة بالعراق ومصر وَالشَّام وهم من الأندلس بطليطله وطليبره والربانية وهم الأشعنية وهم الْقَائِلُونَ بأقوال الْأَحْبَار ومذاهبهم وهم جُمْهُور الْيَهُود والعيسوية وهم أَصْحَاب أبي عِيسَى الْأَصْبَهَانِيّ رجل من الْيَهُود كَانَ بأصبهان وَبَلغنِي أَن اسْمه كَانَ مُحَمَّد بن عِيسَى وهم يَقُولُونَ بنبوة عِيسَى بن مَرْيَم وَمُحَمّد ﷺ وَيَقُولُونَ أَن عِيسَى بَعثه الله إِلَى بني إِسْرَائِيل على مَا جَاءَ فِي الْإِنْجِيل وَأَنه أحد أَنْبيَاء بني اسرائيل وَيَقُولُونَ أَن مُحَمَّدًا ﷺ نَبِي أرْسلهُ الله تَعَالَى بشرائع الْقُرْآن إِلَى بني إِسْمَاعِيل ﵈ وَإِلَى سَائِر الْعَرَب كَمَا كَانَ أَيُّوب نَبيا فِي بني عيص وكما كَانَ بلعام نَبيا فِي بني مواب بِإِقْرَار من جَمِيع فرق الْيَهُود قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَلَقَد لقِيت من ينحو إِلَى هَذَا الْمَذْهَب من خَواص الْيَهُود كثيرا وقرأت فِي تَارِيخ لَهُم جمعه رجل هاروني كَانَ قَدِيما فيهم وَمن كبارهم وأئمتهم وَمِمَّنْ عصبت بِهِ ثلث بلدهم وَثلث حروبهم وَثلث جيوشهم أَيَّام حَرْب طيطوس خراب الْبَيْت وَكَانَ لَهُ فِي تِلْكَ آثَار عَظِيمَة وَكَانَ قد أدْرك أَمر الْمَسِيح ﵇ واسْمه يُوسُف بن هَارُون فَذكر

стр. 75

مُلُوكهمْ وحروبهم إِلَى أَن وصل إِلَى قتل يحيى بن زَكَرِيَّا ﵇ فَذكره أجمل ذكر وَعظم شَأْنه وَأَنه قتل ظلما لقَوْله الْحق وَذكر أَمر المعمودية ذكرا حسنا لم ينكرها وَلَا أبطلها ثمَّ قَالَ فِي ذكره لذَلِك الْملك هردوس بن هردوس وَقبل هَذَا الْملك من حكماء بني إِسْرَائِيل وخيارهم وعلمائهم جمَاعَة وَلم يذكر من شَأْن الْمَسِيح عِيسَى بن مَرْيَم ﵉ أَكثر من هَذَا (قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَإِنَّمَا ذكرت هَذَا الْكَلَام لأرى إِن هَذَا الْمَذْهَب كَانَ فيهم ظَاهرا فاشياً فِي أئمتهم من حِينَئِذٍ إِلَى الْآن ثمَّ انقسم الْيَهُود جملَة على قسمَيْنِ فقسم أبطل النّسخ وَلم يجْعَلُونَ مُمكنا وَالْقسم الثَّانِي أجازوه إِلَّا أَنهم قَالُوا لم يَقع وعمدة حجَّة من أبطل النّسخ أَن قَالُوا إِن الله يَسْتَحِيل مِنْهُ أَن يَأْمر بِالْأَمر ثمَّ ينْهَى عَنهُ وَلَو كَانَ كَذَلِك لعاد الْحق بَاطِلا وَالطَّاعَة مَعْصِيّة وَالْبَاطِل حَقًا وَالْمَعْصِيَة طَاعَة (قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ لَا نعلم لَهُم حجَّة غير هَذِه وَهِي من أَضْعَف مَا يكون من التمويه الَّذِي لَا يقوم على سَاق لِأَن من تدبر أَفعَال الله كلهَا وَجَمِيع أَحْكَامه وآثاره تَعَالَى فِي هَذَا الْعَالم تَيَقّن بطلَان قَوْلهم هَذَا لِأَن الله تَعَالَى يحيي ثمَّ يُمِيت ثمَّ يحيي وينقل الدولة من قوم أعزة فيذلهم إِلَى قوم أَذِلَّة فيعزهم ويمنح من شَاءَ مَا شَاءَ من الْأَخْلَاق الْحَسَنَة والقبيحة وَلَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون ثمَّ نقُول لَهُم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق مَا تَقولُونَ فِيمَن كَانَ قبلكُمْ من الْأُمَم المقبول دُخُولهَا فِيكُم إِذا غزوكم أَلَيْسَ دِمَاؤُهُمْ لكم حَلَالا وقتلهم حَقًا وفرضاً وَطَاعَة وَلَا بُد من نعم فَنَقُول لَهُم فَإِن دخلُوا فِي شريعتكم لَيْسَ قد حرمت دِمَاؤُهُمْ وَصَارَ عنْدكُمْ قَتلهمْ حَرَامًا وباطلاً ومعصية بعد أَن كَانَ فرضا وَحقا وَطَاعَة فَلَا بُد من نعم ثمَّ إِن عدوا فِي السبت وَعمِلُوا أَلَيْسَ قد عَاد قَتلهمْ فرضا بعد أَن كَانَ حَرَامًا فَلَا بُد من نعم فَهَذَا إِقْرَار ظَاهر مِنْهُم بِبُطْلَان قَوْلهم وَإِثْبَات مِنْهُم لما أنكروه من أَن الْحق يعود بَاطِلا وَالْأَمر يعود نهيا وَأَن الطَّاعَة تعود مَعْصِيّة وَهَكَذَا القَوْل فِي جَمِيع شرائعهم لِأَنَّهَا إِنَّمَا هِيَ أوَامِر فِي وَقت مَحْدُود بِعَمَل مَحْدُود فَإِذا خرج ذَلِك الْوَقْت عَاد ذَلِك الْأَمر مَنْهِيّا عَنهُ كالعمل هُوَ عِنْدهم مُبَاح فِي الْجُمُعَة محرم يَوْم السبت ثمَّ يعود مُبَاحا يَوْم الْأَحَد وكالصيام والقرابين وَسَائِر الشَّرَائِع كلهَا وَهَذَا بِعَيْنِه هُوَ نسخ الشَّرَائِع الَّذِي أَبوهُ وامتنعوا مِنْهُ إِذْ لَيْسَ معنى النّسخ إِلَّا أَن يَأْمر الله عزز وَجل بِأَن يعْمل عمل مَا مُدَّة مَا ثمَّ ينْهَى عَنهُ بعد انْقِضَاء تِلْكَ الْمدَّة وَلَا فرق فِي شَيْء من الْعُقُول بَين أَن يعرف الله تَعَالَى ويخبر عباده بِمَا يُرِيد أَن يَأْمُرهُم بِهِ قبل أَن يَأْمُرهُم بِهِ ثمَّ بِأَنَّهُ سينهى عَنهُ بعد ذَلِك وَبَين أَن لَا يعرفهُمْ بِهِ إِذْ لَيْسَ عَلَيْهِ تَعَالَى شَرط أَن يعرف عباده بِمَا يُرِيد أَن يَأْمُرهُم قبل أَن يَأْتِي الْوَقْت الَّذِي يُرِيد إلزامهم فِيهِ الشَّرِيعَة وَأَيْضًا فَإِن جَمِيعهم مقرّ بِأَن شَرِيعَة يَعْقُوب ﵇ كَانَت غير شَرِيعَة مُوسَى ﵇ وَإِن يَعْقُوب تزوج ليا وراحيل إبنتي لَا بَان وجمعهما مَعًا وَهَذَا حرَام فِي شَرِيعَة مُوسَى ﵇ هَذَا مَعَ قَوْلهم أَن أم مُوسَى ﵇ كَانَت عمَّة أَبِيه أُخْت جده وَهِي يوحا نذا بنت لاوي وَهَذَا فِي شَرِيعَة مُوسَى حرَام وَلَا فرق فِي الْعُقُول بَين شَيْء أحله الله تَعَالَى ثمَّ حرمه وَبَين شَيْء حرمه الله ثمَّ أحله والمفرق بَين هذَيْن مكابر للعيان مجاهر بالقحة وَلَو قلب عله قالب كَلَامه مَا كَانَ بَينهمَا فرق وَفِي توراتهم أَن الله تَعَالَى افْترض عَلَيْهِم بِالْوَحْي إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام
следующие страницы →