Полный текст (708 стр.). Показаны 701–708 · переход к 706.
стр. 701
الِاثْنَيْنِ الَّذين هما إِلَى الْخَطَأ من أَنه لم يطْلب الْبُرْهَان طلبا صَحِيحا بل عَاجِزا عَنهُ بِأحد الْوُجُوه الَّتِي قدمنَا قبل وَأما الِانْتِقَال إِلَى الصَّوَاب فَإِنَّهُ وَقع عَلَيْهِ بِحَدّ صَحِيح وَطلب صَحِيح أَو بِحَدّ وَبحث وَهَذَا يعرض فِيمَا يدْرك بالحواس كثيرا فَيرى الْإِنْسَان شخصا من بعيد فيظنه فلَانا وَيحلف عَلَيْهِ ويكابر ويجرد ثمَّ تبين لَهُ أَنه لَيْسَ هُوَ الَّذِي ظن وَقد يشم الْإِنْسَان رَائِحَة يَظُنهَا من بعض الروائح وَيقطع على ذَلِك وَيحلف عَلَيْهِ مجداً ثمَّ يتَبَيَّن لَهُ أَنه لَيْسَ هُوَ الَّذِي ظن وَهَكَذَا فِي الذَّوْق أَيْضا وَقد يعرض هَذَا فِي الْحساب فقد يغلط الحاسبون فِي جمع الْأَعْدَاد الْكَثِيرَة فَيَقُول أحدهم أَن الْجَمِيع من هَذِه الْأَعْدَاد كَذَا وَكَذَا وَيُخَالِفهُ غَيره فِي ذَلِك حق إِذا بحثوا بحثا صَحِيحا صَحَّ الْأَمر عِنْدهم وَقد يعرض هَذَا للْإنْسَان فِيمَا بَين يَدَيْهِ يطْلب الشَّيْء بَين مَتَاعه طلبا مرددا الْمَرْء بعد الْمَرْء فَلَا يجده وَلَا يَقع عَلَيْهِ وَهُوَ بَين يَدَيْهِ وَنصب عَيْنَيْهِ ثمَّ يجده فِي أقرب مَكَان مِنْهُ وَقد يكْتب الْإِنْسَان مستملياً أَو يقْرَأ فيصحف وَيزِيد وَينْقص وَلَيْسَ هَذَا بِمُوجب أَلا يَصح شَيْء بِإِدْرَاك الْحَواس أبدا وَلَا إِلَّا يَصح وجود الْإِنْسَان شَيْئا افتقده أبدا وَلَا إِلَّا يَصح جمع الْأَعْدَاد أبدا وَلَا إِلَّا يَصح حرف مَكْتُوب وَلَا كلمة مقروءة أبدا لَا مَكَان وجود الْخَطَأ فِي بعض ذَلِك لَكِن التثبيت الصَّحِيح يليخ الْحق من الْبَاطِل وَهَكَذَا كل شَيْء أَخطَأ فِيهِ وَلَا بُد من برهَان يليح الْحق فِيهِ من الْبَاطِل وَلَا يظنّ جَاهِل أَن هَذِه الْمعَانِي كلهَا حجَّة لمبطلي الْحَقَائِق بل هِيَ برهَان عَلَيْهِم لائح قَاطع لِأَن كل مَا ذكرنَا لَا يخْتَلف حس أحد فِي أَن كل ذَلِك إِذا فتش تفتيشاً صَحِيحا فَإِنَّهُ يَقع الْيَقِين والضرورة بِأَن الْوَهم فِيهَا غير صَحِيح وَأَن الْحق فِيهَا وَلَا بُد فَبَطل تعلقهم بِمن رَجَعَ من مَذْهَب إِلَى مَذْهَب وَلم يحصلوا إِلَّا على أَن قَالُوا أَنا نرى قوما يخطئون فَقُلْنَا لَهُم نعم ويصيب آخَرُونَ فإقرارهم بِوُجُود الْخَطَأ مُوجب ضَرُورَة أَن ثمَّ صَوَابا لِأَن الْخَطَأ هُوَ مُخَالفَة الصَّوَاب فَلَو لم يكن صَوَابا لم يكن خطأ وَلَو لم يكن برهانا لم يكن شغب مُخَالف للبرهان ثمَّ نعكس استدلالهم عَلَيْهِم فَنَقُول لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد فَإذْ قد وجدْتُم من يعْتَقد مَا أَنْتُم عَلَيْهِ ثمَّ يرجع عَنهُ فَهَلا قُلْتُمْ أَن مذهبكم هَذَا كالأقوال الْأُخَر الَّتِي أبطلتموها من أجل هَذَا الظَّن الْفَاسِد فِي الْحَقِيقَة وَهُوَ فِي ظنكم صَحِيح فَهُوَ لكم لَازم لأنكم صححتموه وَلَا يلْزمنَا لأننا لَا نصححه وَلَا صَححهُ برهَان
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَبِهَذَا الَّذِي قُلْنَا يبطل مَا اعْتَرَضُوهُ بِهِ من اخْتِلَاف المدعين الفلسفة والمتحلين الْكَلَام فِي مذاهبهم وَمَا ذَكرُوهُ من اخْتِلَاف المختارين أَيْضا فِي اختيارهم لأننا لم نَدع أَن طبائع النَّاس سليمَة من الْفساد لَكنا نقُول أَن الْغَالِب على طبائع النَّاس الْفساد فَإِن الْمنصف لنَفسِهِ أَولا ثمَّ لخصمه ثَانِيًا الطَّالِب الْبُرْهَان على حَقِيقَة الْعَارِف بِهِ فدليل برهاننا على هَذَا مَا وَجَدْنَاهُ من اخْتِلَاف النَّاس وَاخْتِلَافهمْ كثيرا دَلِيل على كَثْرَة الْخَطَأ مِنْهُم وَقد وضحنا أَن وجود الْخَطَأ يَقْتَضِي ضَرُورَة وجود الصَّوَاب مِنْهُم وَلَا بُد وَلَيْسَ اخْتلَافهمْ دَلِيلا على أَن لَا حَقِيقَة فِي شَيْء من أَقْوَالهم وَلَا على امْتنَاع وجود السَّبِيل إِلَى معرفَة الْحق وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما احتجاجهم بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو من حقق شَيْئا من الديانَات والمقالات والآراء من أَن يكون صَحَّ لَهُ بالحواس أَو بِبَعْضِهَا أَو ببديهة الْعقل وضرورته أَو بِدَلِيل من الْأَدِلَّة غير هذَيْن وَأَنه لَو صَحَّ بالحواس أَو بِالْعقلِ لم يخْتَلف فِيهِ وإلزامهم فِي الدَّلِيل مثل ذَلِك إِلَى آخر كَلَامهم فَهَذَا كُله مُقَرر قد مُضِيّ الْكَلَام فِيهِ وَقد أريناهم أَنه قد يخْتَلف النَّاس فِيمَا يدْرك بالحواس وببديهة الْعقل كاختلافهم فِي الشَّخْص يرونه ويختلفون فِيهِ مَا هُوَ وَفِي الصَّوْت يسمعونه بَينهم فِيمَا هُوَ ويختلفون فِيهِ وكأقوال النَّصَارَى وَغَيرهم مِمَّا يعلم بضرورة الْعقل فَسَاده ثمَّ نقُول لَهُم إِن أول المعارف هُوَ مَا أدْرك بالحواس وببديهة الْعقل وضرورته ثمَّ ينْتج براهين رَاجِعَة من قرب
стр. 702
أَو من بعد بعد إِلَى أول الْعقل أَو إِلَى الْحَواس فَمَا صححته هَذِه الْبَرَاهِين فَهُوَ حق وَمَا لم تصححه هَذِه الْبَرَاهِين فَهُوَ غير صَحِيح ثمَّ نعكس عَلَيْهِم هَذَا السُّؤَال بِعَيْنِه فَنَقُول لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَوْلكُم هَذَا بِأَيّ شَيْء علمتموه بالعقول أم بالحواس أَو بِدَلِيل غَيرهمَا فَإِن علمتموه بالحواس أَو الْعُقُول فَكيف خولفتم فِيهِ وَإِن كُنْتُم عرفتموه بِدَلِيل فَذَلِك الدَّلِيل بِمَا عرفتموه أبالحواس أم بالعقول أم بِدَلِيل آخر وَهَكَذَا أبدا وكل سُؤال أفسد حكم نَفسه فَهُوَ فَاسد وعَلى أَن هَذَا لَهُم لَازم لأَنهم صححوه وَمن صحّح شَيْئا لزمَه وَنحن لم نصحح هَذَا السُّؤَال فَلَا يلْزمنَا وَقد أجبنا عَنهُ بِمَا دَفعه عَنَّا وَأما هم فَلَا مخلص لَهُم مِنْهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما قَوْلهم نسألهم عَن علمهمْ بِمَا يدعونَ صِحَّته أتعلمونه أم لَا فَإِن قَالُوا لَا نعلمهُ بَطل قَوْلهم إِذا قروا بِأَنَّهُم لَا يعلمونه وَإِن قَالُوا بل نعلمهُ سألناهم أبعلم علمْتُم علمكُم بذلك أم بِغَيْر علم وَهَكَذَا أبدا فَهَذَا أَمر قد أحكمنا بَيَان فَسَاده فِي بَاب أفردناه فِي ديواننا هَذَا على أَصْحَاب معمر فِي قَوْلهم بالمعاني وعَلى الأشعرية وَمن وافقهم من الْمُعْتَزلَة فِي قَوْلهم بالأحوال وَإِنَّمَا كلامنا هَذَا مَعَ من يَقُول بتكافؤ الْأَدِلَّة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا السُّؤَال نَفسه مَرْدُود عَلَيْهِم كَمَا هُوَ ونسألهم أتعلمون صِحَة مذهبكم هَذَا أم لَا فَإِن قَالُوا لَا أقرُّوا بِأَنَّهُم لَا يعلمُونَ صِحَّته وَفِي هَذَا إِبْطَاله وَالله أَنما هُوَ ظن لَا حَقِيقَة وَإِن قَالُوا بل نعلمهُ سألناهم أبعلم تعلمونه أم بِغَيْر علم وَهَكَذَا أبدا إِلَّا أَن السُّؤَال لَازم لَهُم لأَنهم صححوه وَمن صحّح شَيْئا لزمَه وَأما نَحن فَلم نصححه فَلَا يلْزمنَا وَقد أجبنا عَنهُ فِي بَابه بأننا نعلم صِحَة علمنَا بعلمنا ذَلِك بِعَيْنِه لَا بِعلم آخر ونعقل أَن لنا عقلا بعقلنا ذَلِك بِنَفسِهِ وَإِنَّمَا هُوَ سُؤال من يبطل الْحَقَائِق كلهَا لَا من يَقُول بتكافؤ الْأَدِلَّة فَبَطل كل مَا موهوا بِهِ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ثمَّ نقُول لَهُم أَنْتُم فد أثبتم الْحَقَائِق وَفِي النَّاس من يُبْطِلهَا وَمن يشك فِيهَا وهم السوفسطائية وعلمتم أَنهم مخطئون فِي ذَلِك ببراهين صِحَاح فبراهين صِحَاح أَيْضا صَحَّ مَا أبطلتموه أَو شَكَكْتُمْ فِيهِ من أَن فِي مَذَاهِب النَّاس مذهبا ظَاهر صَحِيحا الصِّحَّة فَإِذا سَأَلَ عَنْهَا أُجِيب بهَا فِي مَسْأَلَة مَسْأَلَة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَيُقَال لمن قَالَ لكل ذِي مِلَّة أَو نحلة أَو مَذْهَب لَعَلَّك مُخطئ وَأَنت تظن أَنَّك مُصِيب لِأَن هَذَا مُمكن فِي كثير من الْأَقْوَال بِلَا شكّ أخبرنَا أَفِي النَّاس من فسد دماغه وَهُوَ يظنّ أَنه صَحِيح الدِّمَاغ فَإِن أنكر ذَلِك كَابر وَدفع المشاهدات وَإِن قَالَ هَذَا مُمكن قيل لَهُ لَعَلَّك أَنْت الْآن كَذَلِك وَأَنت تظن أَنَّك سَالم الدِّمَاغ فَإِن قَالَ لَا لِأَن هَا هُنَا براهين تصحح أَنِّي سَالم الذِّهْن قيل لَهُ وَهَا هُنَا براهين تصحح الصَّحِيح من الْأَقْوَال وتبينه من الْفَاسِد فَإِن سَأَلَ عَنْهَا أجبْت بهَا فِي مَسْأَلَة مَسْأَلَة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإذْ قد بَطل بِيَقِين أَن تكون جَمِيع أَقْوَال النَّاس صَحِيحَة لِأَن فِي هَذَا إِن يكون الشَّيْء بَاطِلا حَقًا مَعًا وَبَطل أَن تكون كلهَا بَاطِلا لِأَن فِي هَذَا أَيْضا إِثْبَات الشَّيْء وضده مَعًا لِأَن الْأَقْوَال كلهَا إِنَّمَا هِيَ نفي شَيْء يُثبتهُ آخر من النَّاس فَلَو كَانَ كلا الْأَمريْنِ بَاطِلا لبطل النَّفْي فِي الشَّيْء وإثباته مَعًا وَإِذا بَطل إثْبَاته صَحَّ نَفْيه وَإِذا بَطل نَفْيه صَحَّ إثْبَاته فَكَانَ يلْزم من هَذَا أَيْضا أَن يكون الشَّيْء حَقًا بَاطِلا مَعًا تثبت بِيَقِين أَن فِي الْأَقْوَال حَقًا وباطلاً وَإِذ هَذَا لَا شكّ فِيهِ فبالضرورة نَعْرِف أَن بَين الْحق وَالْبَاطِل فرقا مَوْجُودا وَذَلِكَ الْفرق هُوَ الْبُرْهَان فَمن عرف الْبُرْهَان عرف الْحق من الْبَاطِل وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن قَالَ قَائِل فَإِنَّكُم محيلون عَليّ براهين تَقولُونَ أَن ذكرهَا جملَة لَا يُمكن وتأمرون بالجد فِي طلبَهَا فَمَا الْفرق بَيْنكُم وَبَين دعاة الإسماعيلية والقرامطة الَّذين يحيلون على مثل هَذَا قُلْنَا لَهُم الْفرق بَيْننَا وَبينهمْ برهانان
стр. 703
واضحان أَحدهمَا أَن الْقَوْم يأمرون باعتقاد أَقْوَالهم وتصديقهم قبل أَن يعرفوا براهينهم وَنحن لَا نَفْعل هَذَا بل ندعوا إِلَى معرفَة الْبَرَاهِين وتصحيحها قبل أَن نصدق فِيمَا نقُول وَالثَّانِي أَن الْقَوْم يكتمون أَقْوَالهم وبراهينهم مَعًا وَلَا يبيحونها للسبر وَالنَّظَر وَنحن نهتف بأقوالنا وبراهيننا لكل أحد وندعوا إِلَى سبرها وتقبيسها وَأَخذهَا إِن صحت ورفضها إِن لم تصح وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين ولسنا نقُول إننا لَا نقدر أَن نحد براهيننا بِحَدّ جَامع مُبين لَهَا بل نقدر على ذَلِك وَهُوَ أَن الْبُرْهَان المفرق بَين الْحق وَالْبَاطِل فِي كل مَا اخْتلفُوا فِيهِ أَن يرجع رُجُوعا صَحِيحا متيقناً إِلَى الْحَواس أَو إِلَى الْعقل من قرب أَو من بعد رُجُوعا صَحِيحا لَا يحْتَمل وَلَا يُمكن فِيهِ إِلَّا ذَلِك الْعَمَل فَهُوَ برهَان وَهُوَ حق مُتَيَقن وَإِن لم يرجع كَمَا ذكرنَا إِلَى الْحَواس أَو إِلَى الْعقل فَلَيْسَ برهاناً وَلَا يَنْبَغِي أَن تشتغل بِهِ فَإِنَّمَا هُوَ دَعْوَى كَاذِبَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَبِهَذَا سقط الْقيَاس والتقليد لِأَنَّهُ لَا يقدر الْقَائِلُونَ بهما على برهَان فِي تصحيحهما يرجع إِلَى الْحَواس أَو إِلَى أول الْعقل رُجُوعا متيقناً
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَنحن نقُول قولا كَافِيا بعون الله وقوته وَهُوَ أَن أول كل مَا اخْتلفت فِيهِ من غير الشَّرِيعَة وَمن تَصْحِيح حُدُوث الْعَالم وَأَن لَهُ مُحدثا وَاحِدًا لم يزل وَمن تَصْحِيح النُّبُوَّة ثمَّ تَصْحِيح نبوة مُحَمَّد ﷺ فَإِن براهين كل ذَلِك رَاجِعَة رُجُوعا صَحِيحا ضَرُورِيًّا إِلَى الْحَواس وضرورة الْعقل فَمَا لم يكن كَذَا فَلَيْسَ بِشَيْء وَلَا هُوَ برهاناً وَإِن كَانَ مَا اخْتلف فِيهِ من الشَّرِيعَة بعد صِحَة جملها فَإِن براهين كل ذَلِك رَاجِعَة إِلَى مَا أخبر بِهِ رَسُول الله ﷺ عَن الله تَعَالَى إِذْ هُوَ الْمَبْعُوث إِلَيْنَا بالشريعة فَمَا لم يكن هَكَذَا فَلَيْسَ برهاناً وَلَا هُوَ شَيْئا وَفِي أول ديواننا هَذَا بَاب فِي مَاهِيَّة الْبَرَاهِين الموصلة إِلَى معرفَة الْحَقِيقَة فِي كل مَا اخْتلف النَّاس فِيهِ فَإِذا أضيف إِلَى هَذَا ارْتَفع الْإِشْكَال وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
الْكَلَام فِي الألوان
قَالَ أَبُو مُحَمَّد الأَرْض غبراء وفيهَا حَمْرَاء وفيهَا بَيْضَاء وصفراء وخضراء وسوداء وموشاة وَالْمَاء كُله أَبيض إِلَّا أَن يكْتَسب لوناً بِمَا استضاف إِلَيْهِ لفرط صفائه فيكتسى لون إنائه أَو مَا هُوَ فِيهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنه أَبيض لبراهين
أَحدهَا أَنه إِذا صب فِي الْهَوَاء بهرق ظهر أَبيض صافي الْبيَاض
وَالثَّانِي فِي أَنه جمد فَصَارَ ثلجاً أَو بردا ظهر أَبيض شَدِيد الْبيَاض وَأما الْهَوَاء فَلَا لون لَهُ أصلا وَلذَلِك لَا يرى لِأَنَّهُ لَا يرى إِلَّا اللَّوْن وَقد زعم قوم أَنه إِنَّمَا لَا يرى لَا نطباقه على الْبَصَر وَهَذَا فَاسد جدا وبرهان ذَلِك أَن الْمَرْء يغوص فِي المَاء الصافي وَيفتح عَيْنَيْهِ فِيهِ فَيرى المَاء وَهُوَ منطبق على بَصَره لَا حَائِل بَينهمَا لَا يرى الْهَوَاء فِي تِلْكَ الْحَال وَإِن استلقي على ظَهره فِي المَاء وَهَذَا أَمر مشَاهد وَأما الَّذِي يرى عِنْد دُخُول خطّ ضِيَاء الشَّمْس من كوَّة فَإِنَّمَا هُوَ أَن الْأَجْسَام تنْحَل مِنْهَا أبدا أَجزَاء صغَار وَهِي الَّتِي تسمي الهباء فَإِذا انحصر خطّ ضِيَاء الشَّمْس وَقع الْبَصَر على تِلْكَ الْأَجْزَاء الصغار وَهِي متكاثفة جدا ولونها الغبرة فَهِيَ الَّتِي ترى لأما سواهَا وَمن تَأمل هَذَا عرفه يَقِينا وَإِن الْبيُوت مَمْلُوءَة من هَذَا الضياء المنحل من لأرض وَالثيَاب والأبدان وَسَائِر الأجرام وَلَكِن لدقتها لَا ترى إِلَّا أَن انحصر خطّ الشَّمْس فَيرى مَا فِي ذَلِك الانحصار مِنْهَا فَقَط وَأما النَّار فَلَا ترى أَيْضا لِأَنَّهُ لَا لون لَهَا فِي فلكها وَأم المرئية عندنَا فِي الْحَطب والفتيلة وَسَائِر مَا يَحْتَرِق فَإِنَّمَا هِيَ رطوبات ذَلِك المحترق يَسْتَحِيل هَوَاء فِيهِ نارية فتكتسب ألوانا بمقدارما تعطيها طبيعتها فتراها خضراء وَلَا وردية وحمراء وبيضاء وصفراء وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَهَذَا يعرض للرطوبات الْمُتَوَلد مِنْهَا دَائِرَة قَوس قزَح
стр. 704
قَالَ أَبُو مُحَمَّد أجمع جَمِيع الْمُتَقَدِّمين بعد التَّحْقِيق بالبرهان على أَنه لَا يرى إِلَّا الألوان وَإِن كل مَا يرى فَلَيْسَ إِلَّا لوناً وحدوا بعد ذَلِك الْبيَاض بِأَنَّهُ لون يفرق الْبَصَر وحدوا السوَاد بِأَنَّهُ لون يجمع الْبَصَر
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا حد وَقعت فِيهِ مُسَامَحَة وَإِنَّمَا خرجوه على قَول الْعَامَّة فِي لون السوَاد وَمعنى يجمع الْبَصَر أَنه يقبضهُ فِي دَاخل النَّاظر وَيمْنَع من انتشاره وَمن تشكل المرئيات وَإِذا هَذَا معنى الْقَبْض بِلَا شكّ فَهُوَ معنى منع الْبَصَر والإدراك وكفه وَمن هَذَا سمى المكفوف مكفوفاً فَإِذا السوَاد يمْنَع الْبَصَر من الانتشار ويقبضه عَن الانبساط ويكفه عَن الْإِدْرَاك وَهَذَا كُله معنى وَاحِد وَإِن اخْتلفت الْعبارَات فِي بَيَانه فالسواد بِلَا شكّ غير مرئي إِذْ لَو رؤى لم يقبض خطّ الْبَصَر إِذْ لَا رُؤْيَة إِلَّا بامتداد الْبَصَر فَإذْ هُوَ غير مرئي فالسواد لَيْسَ لوناً إِذْ اللَّوْن مرئي وَلَا بُد وَمَا لم ير فَلَيْسَ لوناً وَهَذَا برهَان عَقْلِي ضَرُورِيّ وبرهان آخر حسي وَهُوَ أَن الظلمَة إِذا أطبقت فَلَا فرق حِينَئِذٍ بَين المفتوح الْعَينَيْنِ السَّالِم النظرين وَبَين الْأَعْمَى المنطبق والمسدود الْعَينَيْنِ سداً أَو كفا فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فالظلمة لَا ترى وَمن الْبَاطِل الْمُمْتَنع أَن تكون ترى الظلمَة وبالحس نعلم أَن المنطبق الْعَينَيْنِ فِيهَا بِمَنْزِلَة وَاحِدَة من عدم الرُّؤْيَة وَمَعَ المفتوح الْعَينَيْنِ فِيهَا والظلمة هِيَ السوَاد نَفسه فَمن ادّعى أَنَّهُمَا متغايران فقد كَابر العينان وَادّعى مَالا يَأْتِي عَلَيْهِ بِدَلِيل أبدا وَنحن نجد أَن لَو فتح فِي حَائِط بَيت مغلق كوتان ثمَّ جعل على أحداهما ستر أسود وَتركت الْأُخْرَى مكشوفة لما فرق النَّاظر من بعد بَينهمَا أصلا وَلَو جعل على أحداهما ستر أَحْمَر أَو أصفر أَو أَبيض لتبين ذَلِك للنَّاظِر يَقِينا من بعد أَو قرب وَهَذَا بَيَان أَن السوَاد والظلمة سَوَاء وبرهان آخر حسي وَهُوَ أَن خطوط الْبَصَر إِذا اسْتَوَت فَلَا بُد من أَن تقع على شَيْء مَا لم يقف فِيهِ مَانع من تماديها وَنحن نشاهد من بَين يَدَيْهِ ظلمَة أَو هُوَ فِيهَا لَا يَقع بَصَره على حَائِط إِن كَانَ فِي الظلمَة وَسَوَاء كَانَ فِيهَا حَائِط مَانع من تمادي خطّ الْبَصَر أَو لم يكن فصح يَقِينا أَن الظلمَة لَا ترى بل هِيَ مَانِعَة من الرُّؤْيَة والظلمة هِيَ السوَاد والسواد هُوَ الظلمَة لم يخْتَلف قطّ فِي هَذَا اثْنَان لَا بطبيعة وَلَا بشريعة وَلَا فِي معنى اللُّغَة وَلَا بِالْمُشَاهَدَةِ فقد صَحَّ أَن السوَاد لَا يرى أصلا وَأَنه لَيْسَ لوناً
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَإِنَّمَا وَقع الْغَلَط على من ظن أَن السوَاد يرى لِأَنَّهُ أحس بِوُقُوع خطوط الْبَصَر على مَا حوالي الشَّيْء الْأسود من سَائِر الألوان فَعلم بتوسط إِدْرَاكه مَا حوالي الْأسود أَن بَين تِلْكَ النهايات شَيْئا خَارِجا عَن تِلْكَ الألوان فَقدر أَنه يرَاهُ وَمن هَا هُنَا عظم غلط جمَاعَة ادعوا بظنونهم من الْجِهَة الَّتِي ذكرنَا أَنهم يرَوْنَ الحركات والسكون فِي الأجرام وَالْأَمر فِي كل ذَلِك وَفِي الْأسود وَاحِد وَلَا فرق فَإِن قَالَ قَائِل أَنه إِن كَانَ فِي جسم الْأسود زِيَادَة ناتئة سَوْدَاء كَسَائِر جسده رأيناها فَلَو لم تَرَ لم تعلم بنتوء تِلْكَ الْهَيْئَة الناتئة لَهُ على سطح جسده قيل لَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق هَذَا أَيْضا وهم لِأَنَّهُ لما لم يَمْتَد خطّ الْبَصَر عِنْد قبض تِلْكَ الْهَيْئَة الناتئة لَهُ وامتدت سَائِر الخطوط إِلَى أبعد من تِلْكَ الْمسَافَة وَعلمت النَّفس بذلك توهم من لم يُحَقّق أَن هَذِه رُؤْيَة وَلَيْسَت كَذَلِك وتوهموا أَيْضا أَنهم يرَوْنَ السوَاد ممازجا لحمرة أَو لغبرة أَو لخضرة أَو لصفرة أَو لزرقة فَإِذا كَانَ هَكَذَا فَإِن الْبَصَر يرى مَا فِي ذَلِك السَّطْح من هَذِه الألوان على حسب قوتها وضعفها فَقَط فيتوهمون من ذَلِك أَنهم رَأَوْا السوَاد ويتوهمون أَيْضا أَنهم يرونه لأَنهم قَالُوا نَحن نميز الْأسود الْبراق البصيص واللمعان من الْأسود إِلَّا كدر الغليظ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا مَكَان يَنْبَغِي أَن نتثبت فِيهِ فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن الأملاس
стр. 705
هُوَ اسْتِوَاء أَجزَاء السَّطْح والخشونة هِيَ تبَاين أَجزَاء السَّطْح وَقد نجد أملس لماعاً وأملس كدراً فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فالبصيص واللمعان شَيْء آخر غير اسْتِوَاء أَجزَاء السَّطْح وَإِذ هُوَ كَذَلِك وَهُوَ مرئي فالبصيص بِلَا شكّ لون آخر مَحْمُول فِي اللَّوْن بالحمرة أَو الصُّفْرَة أَو سَائِر الألوان وَفِيمَا عري من جَمِيع الألوان سَوَاء فَإِذا قُلْنَا أسود لماع فَإِنَّمَا تُرِيدُ أَنه لَيْسَ فِيهِ من الألوان إِلَّا اللمعان فَقَط فَهُوَ لون صَحِيح وَقد عرى من الْحمرَة وَمن الصُّفْرَة وَمن الْبيَاض والخضرة والزرقة وَمِمَّا تولد من امتزاج هَذِه الألوان وَلَعَلَّ الكدرة أَيْضا لون آخر مرئي كاللمعان وَهِي أَيْضا غير سَائِر الألوان فَهَذَا مَا لَا يُوجد مَا يمْنَع مِنْهُ بل الدَّلِيل يثبت أَن الكدرة أَيْضا لون وَهُوَ وُقُوع الْبَصَر عَلَيْهَا وَهُوَ لَا يَقع إِلَّا على لون وَمن أَبى من هَذَا كلفناه أَن يحد لنا اللمعان والكدرة فَإِنَّهُ لَا يقدر على شَيْء أصلا غير مَا قُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن قَالَ قَائِل فَإنَّا نرى الثَّوْب الْأسود يستبين نسج خيوطه ونتوء مَا نتأ مِنْهَا وانخفاض مَا انخفض فلولا أَنه يرى مَا علم ذَلِك كُله فَالْجَوَاب وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق أَنا قد علمنَا أَن خطوط الْبَصَر تخرج من النَّاظر وَلها مساحة مَا وَبَعضهَا أطول من بعض بِلَا شكّ لِأَن الخطوط الْخَارِجَة من الْبَصَر إِلَى السَّمَاء أطول من الخطوط الْخَارِجَة من الْبَصَر إِلَى الجليس لَك بِلَا شكّ فَلَمَّا خرجت خطوط الْبَصَر إِلَى الثَّوْب الْمَذْكُور انْقَطع تمادي بَعْضهَا أَكثر من تمادي الْبَعْض فبالحس علمنَا هَذَا لَا لِأَن بصرنا وَقع على لون أصلا وَأَيْضًا فَإِن النُّور هُوَ اللَّوْن الَّذِي طبعه بسط قُوَّة النَّاظر واستخراج قوى الْبَصَر حَتَّى أَنه إِذا وَافق نَاظرا ضَعِيف البنية بطبعه أَو بِعرْض اجتلب جَمِيعه واستلبه كُله أَو اقتطفه فعلى قدر قُوَّة النُّور فِي اللَّوْن المرئي وَضَعفه فِيهِ يكون وُقُوع الْبَصَر عَلَيْهِ هَذَا أَمر مشَاهد بالعيان فَكلما قل النُّور فِي اللَّوْن كَانَ وُقُوع الْبَصَر عَلَيْهِ أَضْعَف وَكَانَت الرُّؤْيَة لَهُ أقل حَتَّى إِذا عدم النُّور جملَة وَلم يبْق مِنْهُ شَيْء فقد بَطل بِالضَّرُورَةِ أَن يَمْتَد خطوط الْبَصَر إِلَيْهِ وَأَن يَقع النَّاظر عَلَيْهِ إِذْ لَا نور فِيهِ وَلَا يخْتَلف ذُو حس فِي الْعَالم فِي أَن السوَاد الْمَحْض الْخَالِص لَيْسَ فِيهِ شَيْء من النُّور فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا فَلَا شكّ فِي أَنه يرى وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأَيْضًا فَإِن جبلا ذَا لون مَا وأرضاً ذَات لون مَا وفيهَا غاران مظلمان لَا شكّ أَن كل نَاظر إِلَيْهِمَا فَإِنَّهُ لَا يرى إِلَّا مَا حول الغارين وَأَنه لَا يرى مَا ضمه خطّ الغارين فَإذْ هَذِه كلهَا براهين ضَرُورِيَّة مُشَاهدَة حسية عقلية فالبرهان لَا يُعَارضهُ برهَان أصلا والبرهان لَا يُعَارض بِالدَّعْوَى وَلَا بالظنون وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأما من كَلَام الله تَعَالَى فَالله يَقُول ﴿ظلمات بَعْضهَا فَوق بعض إِذا أخرج يَده لم يكد يَرَاهَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يكَاد الْبَرْق يخطف أَبْصَارهم كلما أَضَاء لَهُم مَشوا فِيهِ وَإِذا أظلم عَلَيْهِم قَامُوا﴾ فصح يَقِينا أَن الظلمَة مَانِعَة من النّظر والرؤية جملَة وَهُوَ السوَاد بِلَا شكّ فَهُوَ لَا يرى وَلَا خلاف فِي أَن الْبَصَر الْقَلِيل يداوى بِالثَّوْبِ الْأسود وَالْقعُود فِي الظلمَة وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا لمَنعه من امتداد خطّ بَصَره فيكل بامتداده وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن قيل السوَاد غير الظلمَة قُلْنَا إِنَّا نجد الأرمد الشَّديد الرمد مَتى صَار فِي بَيت مظلم شَدِيد الانطباق لَا يدْخلهُ شَيْء من الضَّوْء أمكنه فتح عَيْنَيْهِ بِحَسب طاقته وَلم يألم بِالنّظرِ إِلَيْهِ وَمَتى جَعَلْنَاهُ فِي بَيت مضيء وعَلى وَجهه وَعَيْنَيْهِ ثوب كثيف جدا أسود أمكنه فتح عَيْنَيْهِ حسب طاقته وَلم يألم بِالنّظرِ إِلَيْهِ وَكَانَت حَاله فِي تَغْطِيَة وَجهه بذلك الثَّوْب كحاله فِي الظلمَة التَّامَّة سَوَاء سَوَاء وَكَذَلِكَ يعرض للصحيح الْبَصَر فِي الْحَالَتَيْنِ المذكورتين وَلَا فرق وَمَتى جعلنَا على بصر الأرمد ثوبا أَبيض ألم ألما شَدِيدا كألمه إِذا نظر فِي الضَّوْء وَلَا فرق فَإِن جعلنَا على وَجهه ثوبا أصفر ألم دون ذَلِك وَإِن كَانَ أَحْمَر ألم دون ذَلِك فَإِن كَانَ أخضرا ألم دون ذَلِك على قدرهما فِي اللَّوْن من ممازجة الْبيَاض لَهُ فصح أَن السوَاد والظلام شَيْء وَاحِد وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا بِالسَّوَادِ غير الظلمَة وَهُوَ لَا يرى إِلَّا أَن
стр. 706
الزنْجِي والغراب وَالثَّوْب لَيْسَ شَيْء من ذَلِك أسود وكل ذَلِك يرى ولون كل مَا ذكرنَا لون غير السوَاد إِلَّا أَنه سمي باسم السوَاد مجَازًا وَقَالَ بَعضهم السوَاد اسْم مُشْتَرك يَقع على الظلمَة وَيَقَع على لون الزنْجِي والغراب وَالثَّوْب فَكل ظلام سَواد وَلَيْسَ كل سَواد ظلاماً فَإِن عنيت بِالسَّوَادِ لون الزنْجِي والغراب وَالثَّوْب فَهُوَ يرى وَهُوَ غير الظلمَة وَإِن عنيت بِالسَّوَادِ الظلمَة فَهُوَ لَا يرى وَقَالَ بَعضهم الظلمَة لَا ترى وَلَيْسَت سواداً أصلا والسواد شَيْء آخر غير الظلمَة وَهُوَ لون يرى وَقَالَ بَعضهم الظلمَة والسواد شَيْء وَاحِدًا وَكِلَاهُمَا يرى وأقروا بِأَن الْأَعْمَى والأكمة والمفقوء الْعَينَيْنِ والمطبق الْعَينَيْنِ يرى الظلمَة
الْكَلَام فِي المتوالد والمتولد
قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْحَيَوَان كُله يَنْقَسِم أقساما ثَلَاثَة متوالد وَلَا بُد وَلَا ومتولد وَلَا بُد لَا يتوالد وَقسم ثَالِث يتوالد ويتولد أَيْضا فَأَما الْمُتَوَلد يتَوَلَّد ومتولد فكبنات وردان فَإِنَّهَا تتولد وَقد رأيناها تتسافد وكالعجلان فَإِنَّهَا تتولد وَقد رأيناها تتسافد وَكثير من الْحَيَوَان الْمُتَوَلد فِي النَّبَات وَقد رَأَيْنَاهُ يتسافد وَمثل الْقمل فَإنَّا قد شَاهَدْنَاهُ يخرج من تَحت الْجلد عيَانًا وَيحدث فِي الرؤس وَقد يتوالد وَقد نجد بعضه إِذا قطع ممروء بيضًا وَأما الْمُتَوَلد الَّذِي لَا يتوالد فالحيوان الْمُتَوَلد فِي أصُول أشفار الْعَينَيْنِ وأصول شعر الشَّارِب واللحية والصدر والعانة وَهُوَ ذُو أرجل كَثِيرَة لَا يُفَارق مَوْضِعه وَمَا علمناه يتوالد أصلا وَمثل الصفار الْمُتَوَلد فِي الْبَطن وشحمة الأَرْض وكل هَذَا لَا نعلمهُ يتوالد الْبَتَّةَ وَقد شاهدنا ضفادع صغَارًا تتولد من لَيْلَتهَا فَتُصْبِح مناقع الْمِيَاه مِنْهَا مَمْلُوءَة وَمِنْهَا الثلماندرية وَهُوَ حَيَوَان كَبِير يشبه الجراذين الصغار بطيئة الْحَرَكَة وحيوانات كَثِيرَة مِنْهَا صَغِير مفرط الصغر يكَاد لصغره لَا يتَجَزَّأ مِثْلَمَا كثيرا رَأَيْنَاهُ فِي الدوى والدفاتر وَهُوَ سريع الْمَشْي جدا ومها السوس الْمُتَوَلد فِي الباقلا والدود الْمُتَوَلد فِي الْجِرَاحَات وَفِي الحمص والبلوط وَفِي التفاح وَبَين الْحَشِيش وَبَين الصنوبر وَفِي الكنف وَهِي ذَوَات الأذناب والحباحب الْمُتَوَلد فِي الْخضر وَهُوَ فِي غَايَة الْحسن وَمِنْه مَا يضيء بِاللَّيْلِ كَأَنَّهُ شرارة نَار والدود ذَوَات الأرجل الْكَثِيرَة والذراريح وَهَذَا كثير لَا يُحْصِيه لَا خالقه وَمِنْهَا الضفادع والحجازب فقد صَحَّ عندنَا يَقِينا لَا مجَال للشَّكّ فِيهِ أَنَّهَا تتولد فِي مناقع الْمِيَاه دويبات صغَار ملس شَدِيدَة السوَاد ذَوَات أَذْنَاب تمشي عندنَا ثمَّ صَحَّ عندنَا كَذَلِك أَنَّهَا تكبر فنقطع أذنابها وتتبدل ألوانها وتستحيل أشكالها وتعظم فَتَصِير ضفادع ثمَّ تزيد كبرا واستحالة ألوان فَتَصِير حجازب
قَالَ أَبُو مُحَمَّد قد رَأَيْتهَا فِي جَمِيع تنقلها كَمَا وَصفنَا وَقد عرض علينا فِي مناقع الْمِيَاه خطوط ظَاهِرَة قيل لنا أَنَّهَا بيض الضفادع وَأما الذُّبَاب فقد شاهدناها عيَانًا تتناكح وَالْأُنْثَى مِنْهَا هِيَ الْكِبَار والذكور هِيَ الصغار وشاهدنا البراغيث تتناكح أَيْضا والكبار هِيَ الْإِنَاث والذكور هِيَ الصغار نشاهد ذَلِك بِأَن الْأَعْلَى هُوَ الصَّغِير أبدا ونجد الْأُنْثَى مَمْلُوءَة بيضًا إِذا وضعت فتلقي بيضها فِي القباب وَفِي خلال أَجزَاء الثِّيَاب ثمَّ يخرج
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد رَأينَا ذباباً صغَارًا جدا وذباباً كبارًا مفرط الْكبر وشاهدنا بِأَبْصَارِنَا الدُّود الطَّوِيل الذَّنب الْمُتَوَلد فِي الكنف وبزول الْبَقر وَالْغنم يَسْتَحِيل فَيصير فراشا طياراً مُخْتَلف الألوان بديع الْخلقَة من ابيض وأصفر فَاقِع وأخضر وَلَا زودي منقط وَلَا نَدْرِي كَيفَ الْحَال فِي العقارب والعناكب والرتيلات والبقوقات والدبر إِلَّا أننا نَدْرِي أَن دود الْحَرِير يتوالد يتسافد الذُّكُور مِنْهَا والأناث وتبيض ثمَّ تحضن بيضها هَذَا مَالا خلاف فِيهِ وَمَا رأى أحد قطّ دود حَرِير يتَوَلَّد من غير بيضه وَكَذَلِكَ النَّمْل فَإِنَّهُ يتوالد وَقد رَأينَا بيضه وَالْعرب تسميه المازن وَكَذَلِكَ النَّحْل يتوالد وَيُوجد فِي مَوَاضِع من
стр. 707
بنائِهِ فِي تضاعيفه الْقَبْر الَّذِي فِيهِ الْعَسَل وَكَذَلِكَ الْجَرَاد وَالْعرب تسميه بَيْضَة الصرد
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمَا رأى أحد قطّ نحلاً يتَوَلَّد وَلَا نملاً يتَوَلَّد وَلَا جَرَادًا يتَوَلَّد إِلَّا فِي أكذوبات لَا تصح وَأما سَائِر الْحَيَوَان فمتوالد ولابد من مني أَو بيض فَكل ذِي أذن بارزة يلد طائراً كَانَ أَو غير طَائِر كالخفاش غَيره وكل مَا لَيْسَ لَهُ أذن بارزة فَهُوَ يبيض طائراً كَانَ أَو غير طَائِر كالحيات والجراذين والوزغ وَغير ذَلِك
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فطلبنا أَن نجد حدا يجمع مَا يتَوَلَّد دون مَا يتوالد أَو مَا يتوالد دون مَا يتَوَلَّد فَلم نجد إِلَّا أننا رَأينَا كل ذِي عظم وفقارات لَا سَبِيل الْبَتَّةَ إِلَى أَن يُوجد من غير تناكح كحيوان الْبَحْر الَّذِي لَهُ الْعظم والفقارات ورأينا مَالا عظم لَهُ وَلَا فقار فَمِنْهُ مَا يتَوَلَّد وَلَا يتوالد وَمِنْه مَا يتَوَلَّد ويتوالد مَعًا وكل ذَلِك خلق الله يخلق مَا شَاءَ كَمَا شَاءَ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَلَيْسَت الْقُدْرَة فِي الْخلق فِي خلق مَا خلقه الله حَيَوَانا ذَا أَربع أَو ذَا ريش من بَيْضَة أَو من مني بأعظم من الْقُدْرَة من خلقهَا من تُرَاب دون توَسط بَيْضَة وَلَا مني وَلَا الْبُرْهَان عَن الصنع والابتداء فِي إِحْدَاهمَا بأوضح مِنْهُ فِي الآخر بل كل لَك برهَان على ابْتِدَاء الْخلقَة وعَلى عَظِيم الْقُدْرَة من الْبَارِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد ادّعى قوم أَنه يتَوَلَّد فِي الثَّلج حَيَوَان ويتولد فِي النَّار حَيَوَان وَهَذَا كذب وباطل وَإِنَّمَا قاسوه على تولد حَيَوَان مَا فِي الأَرْض وَالْمَاء وَالْقِيَاس بَاطِل لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا برهَان وَمَا لَا برهَان لَهُ فَلَيْسَ بِشَيْء وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَإِذا حصلت الْأَمر فالحيوان لَا يتَوَلَّد من المَاء وَحده وَلَا من الأَرْض وَحدهَا وَلَكِن مِمَّا يجْتَمع من الأَرْض وَالْمَاء مَعًا فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ وَلَا معقب لحكمه لَا إِلَه غَيره تمّ السّفر الثَّالِث بِتمَام جَمِيع الدِّيوَان من الْفَصْل فِي الْملَل والآراء والنحل بِحَمْد الله وشكره على حسن تأييده وعونه وَافق الْفَرَاغ مِنْهُ فِي تِسْعَة أَيَّام خلت من شهر ذِي الْقعدَة سنة ١٢٧١ إِحْدَى وَسبعين وَمِائَتَيْنِ بعد الْألف من هِجْرَة من لَهُ الْعِزّ والشرف على يَد الْفَقِير الى الله مُحَمَّد بن مُوسَى غفر الله لَهُ ولوالديه وللمسلمين آمين وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد النَّبِي الْأُمِّي وعَلى آله وَصَحبه وَسلم
стр. 708
يَقُول مصححه الراجي غفران المساوى مُحَمَّد ماضي الرخاوى الْحَمد لله الَّذِي تفرد بِالتَّوْحِيدِ وتوحد بالأزلية والتأييد وتمجد بالصمدانية وتقدس عَن التولد والتوليد وَجل ذاتا وَصفَة وفعلا عَن الضِّدّ والتشبيه والنديد خَالق الْخلق وباسط الرزق ومدبر الْأُمُور ومصرفها كَيفَ يَشَاء وَيُرِيد بِلَا همامة وَلَا فكرة وَلَا ترو وَلَا ترويد الْقَائِم على كل نفس بِمَا كسبت والرقيب على خلقه والشهيد الَّذِي لَا تنفذ خَزَائِن رَحمته وَلَا يبيد ملكه وَلَا يُعِيد أَحْمَده وأشكره وَأَتُوب إِلَيْهِ وأستغفره وأسأله اللطف بِمَا جرت بِهِ الْمَقَادِير وأصلى وَسلم على سيدنَا مُحَمَّد الفاتح لما أغلق والناصر الْحق بِالْحَقِّ وَالْهَادِي إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم أما بعد فقد تمّ بعون الله سُبْحَانَهُ تَعَالَى طبع كتاب الْفَصْل فِي الْملَل والأهواء والنحل للْإِمَام أَبُو مُحَمَّد عَليّ بن أَحْمد بن سعيد بن حزم وَإِن هَذَا السّفر من أنفس الْأَسْفَار الَّتِي وضعت للبحث فِي الديانَات والكتب السماوية وآراء الفلاسفة وَالْخلاف بَينهم وَبَين المليين وَالرَّدّ على منكري الألوهية ومعتنقي الْأَدْيَان الْمُخَالفَة لدين الْإِسْلَام وَبَيَان مَا طَرَأَ على معتقداتهم من زيغ وتضليل وَدخل على كتبهمْ من تَحْرِيف وتبديل عني فِيهِ مؤلفة ﵁ بالبحث والتمحيص وإيراد الْأَدِلَّة وَالْحجاج الْعَقْلِيَّة والنقلية الَّتِي تبت بأجلى الْبَرَاهِين وأدمغ الْحجَج حقية الشَّرِيعَة المحمدية ووضوح محجتها وخلوصها من كل شوائب التَّغَيُّر وَالْفساد ومتانة أُصُولهَا وَبعدهَا عَن كل مَا يُنَافِي التَّوْحِيد وعصمة الْأَنْبِيَاء وسلامة نصوصها من كيد الكائدين وعبث العابثين وبهامشه كتاب الْملَل والنحل لإبن أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن أَحْمد أبي الْقَاسِم عبد الْكَرِيم بن أبي بكر أَحْمد الشَّهْر ستاني ﵃ جَمِيعًا ونفع بمؤلفاتهم جَمِيع الْملَّة الإسلامية ووفق أهل الزيغ والأهواء للدّين الحنيف والمللة السمحاء هَذَا وَقد قَامَ بشرح معضلات الفاظه وتبيين كَلَامه فَضِيلَة الْأُسْتَاذ الْعَلامَة الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن خَليفَة الْمدرس بمدرسة ماهر باشا وَقد قَامَ بطبعه حَضْرَة الْهمام السَّيِّد مُحَمَّد على صبيح ذَلِك بمطبعته الْكَائِن مركزها بجوار الْأَزْهَر الشريف بِمصْر وَكَانَ تَمام طبعه وَحسن تنسيقه وَوَضعه فِي أَوَاخِر شهور ربيع الثَّانِي من شهور سنة ١٣٤٨ هجرية على صَاحبهَا أفضل الصَّلَاة وأزكى التَّحِيَّة آمين