← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6521

الفصل في الملل والأهواء والنحل

ابن حزم

Полный текст (708 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا تمويه من المحتج بِهَذَا الْخَبَر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الحَدِيث لَا نَص وَلَا دَلِيل وَلَا إِشَارَة يُمكن أَن يناول على أَن عجب الذَّنب يحيا وَإِنَّمَا فِي الحَدِيث أَن عجب الذَّنب لَا يَأْكُلهُ التُّرَاب وَأَنه من خلق الْجَسَد وَفِيه يركب فَقَط فَظهر تمويه هَذَا الْقَائِل وَضَعفه وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قَالَ الباقلاني وَأما أَن يخلق لتِلْك الْحَيَاة جَسَد آخر فَلَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا مَذْهَب أَصْحَاب التناسخ بِلَا مؤونة وَاحْتج لذَلِك بِالْحَدِيثِ الْمَأْثُور أَن نسمَة الْمُؤمن طير يعلف من ثمار الْجنَّة ويأوي إِلَى قناديل تَحت الْعَرْش وَفِي بَعْضهَا أَنَّهَا فِي حواصل طير خضر قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا حجَّة لَهُم فِي هَذَا الْخَبَر لِأَن معنى قَوْله ﵇ طَائِر يعلف هُوَ على ظَاهره لَا على ظن أهل الْجَهْل وَإِنَّمَا أخبر ﵇ أَن نسمَة الْمُؤمن طَائِر بِمَعْنى أَنَّهَا تطير فِي الْجنَّة فَقَط لَا أَنَّهَا تنسخ فِي صور طير فَإِن قيل أَن النَّسمَة مُؤَنّثَة قُلْنَا قد صَحَّ عَن عَرَبِيّ فصيح أَنه قَالَ أتتك كتابي فاستخففت بهَا فَقيل لَهُ أتؤنث الْكتاب فَقَالَ أَو لَيْسَ صحيفَة وَكَذَلِكَ النَّسمَة روح فَتذكر لذَلِك وَأما الزِّيَادَة الَّتِي فِيهَا أَنَّهَا فِي حواصل طير خضر فَإِنَّهَا صفة تِلْكَ الْقَنَادِيل الَّتِي تأوي إِلَيْهَا وَالْحَدِيثَانِ مَعًا حَدِيث وَاحِد وَخبر وَاحِد قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلم يحصل من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ الفاسدين إِلَّا على دَعْوَى كَاذِبَة بِلَا دَلِيل يشبه الْهزْل أَو على كفر مُجَرّد فِي الْمصير إِلَى قَول أَصْحَاب التناسخ وعَلى تَحْرِيف الحَدِيث عَن وَجهه ونعوذ بِاللَّه من الخذلان فَبَطل هَذَانِ الْقَوْلَانِ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأما قَول من قَالَ أَن النَّفس جَوْهَر لَا جسم من الْأَوَائِل وَمعمر وَأَصْحَابه فَإِنَّهُم موهوا بأَشْيَاء إقناعيات فَوَجَبَ إيرادها ونقضها ليظْهر الْبُرْهَان على وَجه الْإِنْصَاف للخصم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد قَالُوا لَو كَانَت النَّفس جسماً لَكَانَ بَين تَحْرِيك المحرك رجله وَبَين إِرَادَته تحريكها زمَان على قدر حَرَكَة الْجِسْم وَثقله إِذا النَّفس هِيَ المحركة للجسد والمريدة لحركته قَالُوا فَلَو كَانَ المحرك للرجل جسماً لَكَانَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون حَاصِلا فِي هَذِه الْأَعْضَاء وَإِمَّا جائياً إِلَيْهَا فَإِن كَانَ جائياً إِلَيْهَا احْتَاجَ إِلَى مُدَّة وَلَا بُد وَإِن كَانَ حَاصِلا فِيهَا فَنحْن إِذا قَطعنَا تِلْكَ الْعصبَة الَّتِي بهَا تكون الْحَرَكَة لم يبْق مِنْهَا فِي الْعُضْو الَّذِي كَانَ يَتَحَرَّك شَيْء أصلا فَلَو كَانَ ذَلِك المحرك حَاصِلا فِيهِ لبقي مِنْهُ شَيْء فِي ذَلِك الْعُضْو قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَا معنى لَهُ لِأَن النَّفس لَا تَخْلُو من أحد ثَلَاثَة أوجه لَا رَابِع لَهَا إِمَّا أَن تكون مُجَللَة لجَمِيع الْجَسَد من خَارج كَالثَّوْبِ وَإِمَّا أَن تكون متخللة بِجَمِيعِهِ من دَاخل كَالْمَاءِ فِي المدرة وَإِمَّا أَن تكون فِي مَكَان وَاحِد من الْجَسَد وَهُوَ الْقلب أَو الدِّمَاغ وَتَكون قواها مثبتة فِي جَمِيع الْجَسَد فَأَي هَذِه الْوُجُوه كَانَ فتحريكها لما يُرِيد تحريكه من الْجَسَد يكون مَعَ إرادتها لذَلِك بِلَا زمَان كإدراك الْبَصَر لما يلاقي فِي الْبعد بِلَا زمَان وَإِذا قطعت الْعصبَة لم يَنْقَطِع مَا كَانَ من جسم النَّفس مخللاً لذَلِك الْعُضْو إِن كَانَت متخللة لجَمِيع الْجَسَد من دَاخل أَو مُجَللَة لَهُ من خَارج بل يُفَارق الْعُضْو الَّذِي يبطل حسه فِي الْوَقْت وينفصل عَنهُ بِلَا زمَان وَتَكون مفارقتهما لذَلِك الْعُضْو كمفارقة الْهَوَاء للإناء الَّذِي ملئ مَاء وَأما أَن كَانَت النَّفس سَاكِنة فِي مَوضِع وَاحِد من الْجَسَد فَلَا يلْزم على هَذَا الْقسم أَن يسلب من العضود الْمَقْطُوع بل يكون فعلهَا حِينَئِذٍ فِي تحريكها الْأَعْضَاء كَفعل حجر المغنطيس فِي الْحَدِيد وَإِن لم يلصق بِهِ بِلَا زمَان فَبَطل هَذَا الْإِلْزَام الْفَاسِد وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَقَالُوا لَو كَانَت النَّفس جسماً لوَجَبَ أَن نعلم بِبَعْضِهَا أَو بكلها قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا سُؤال فَاسد تقسيمه وَالْجَوَاب وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَنَّهَا لَا تعلم إِلَّا بكلها أَو بِبَعْضِهَا الْآن كل

стр. 667

بسيط غير مركب من طبائع شَتَّى فَهُوَ طبيعة وَاحِدَة وَمَا كَانَ طبيعة وَاحِدَة فقوته فِي جَمِيع أَبْعَاضه وَفِي بعض أَبْعَاضه سَوَاء كالنار تحرق بكلها وببعضها ثمَّ لَا نَدْرِي مَا وَجه هَذَا الِاعْتِرَاض علينا بِهَذَا السُّؤَال وَلَا مَا وَجه استدلالهم مِنْهُ على أَنَّهَا غير جسم وَلَو عكس عَلَيْهِم فِي إبِْطَال دَعوَاهُم أَنَّهَا جَوْهَر لَا جسم لما كَانَ بَينهم وَبَين السَّائِل لَهُم بذلك فرق أصلا وَقَالُوا أَن من شَأْن الْجِسْم أَنَّك إِذا زِدْت عَلَيْهِ جسماً آخر زَاد فِي كميته وَثقله قَالُوا فَلَو كَانَت النَّفس جسماً ثمَّ داخلت الْجِسْم الظَّاهِر لوَجَبَ أَن يكون الْجَسَد حِينَئِذٍ أثقل مِنْهُ دون النَّفس وَنحن نجد الْجَسَد إِذا فارقته النَّفس أثقل مِنْهُ إِذا كَانَت النَّفس فِيهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا شغب فَاسد ومقدمة بَاطِلَة كَاذِبَة لِأَنَّهُ لَيْسَ كل جسم كَمَا ذكرُوا من أَنه إِذا زيد عَلَيْهِ جسم آخر كَانَ أثقل مِنْهُ وَحده وَإِنَّمَا يعرض هَذَا فِي الْأَجْسَام الَّتِي تطلب المركز وَالْوسط فقطيعتي الَّتِي فِي طبعها أَن تتحرك سفلاً وترسب من المائيات والأرضيات وَأما الَّتِي تتحرك بطبعها علوا فَلَا يعرض ذَلِك فِيهَا بل الْأَمر بالضد وَإِذا أضيف جسم مِنْهَا إِلَى جسم ثقيل خففه فَإنَّك ترى أَنَّك لَو نفخت زقا من جلد ثَوْر أَو جلد بعير أَو أمكن حَتَّى يمتلئ هُوَ آثم وزنته فَإنَّك لَا نجد على وَزنه زِيَادَة على مِقْدَار وَزنه لَو كَانَ فَارغًا أصلا وَكَذَلِكَ مَا صعد من الزقاق وَلَو أَنه ورقة سوسنة منفوخة وَنحن نحسد الْجِسْم الْعَظِيم الَّذِي إِذا أضفته إِلَى الْجِسْم الثقيل خففه جدا فَإنَّك لَو رميت الزق غير المنفوخ فِي المَاء الرسب فَإِذا نفخته ورميت بِهِ خف وعام وَلم يرسب وَكَذَلِكَ يَسْتَعْمِلهُ العائمون لِأَنَّهُ يرفعهم عَن المَاء ويمنعهم من الرسوب وَهَكَذَا النَّفس مَعَ الْجَسَد وَهُوَ بَاب وَاحِد كلى لِأَن النَّفس جسم علوي فلكي أخف من الْهَوَاء وأطلب للعلو فَهِيَ تخفف الْجَسَد إِذا كَانَت فِيهِ فَبَطل تمويهم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَقَالُوا أَيْضا لَو كَانَت النَّفس جسماً لكَانَتْ ذَات خاصية إِمَّا خَفِيفَة وَإِمَّا ثَقيلَة وَإِمَّا حارة وَإِمَّا بَارِدَة وَإِمَّا لينَة وَإِمَّا خشنة قَالَ أَبُو مُحَمَّد نعم هِيَ خَفِيفَة فِي غَايَة الخفة ذاكرة عَاقِلَة مُمَيزَة حَيَّة هَذِه خواصها وحدودها الَّتِي بَانَتْ بهَا عَن سَائِر الْأَجْسَام المركبات مَعَ سَائِر أعراضها المحمولة فِيهَا من الْفَضَائِل والرذائل وَأما الْحر واليبس وَالْبرد والرطوبة واللين والخشونة فَإِنَّمَا هِيَ من أَعْرَاض عناصر الأجرام الَّتِي دون الْفلك خَاصَّة وَلَكِن هَذِه الْأَعْرَاض الْمَذْكُورَة مُؤثرَة فِي النَّفس اللَّذَّة أَو الْأَلَم فَهِيَ منفعلة لكل مَا ذكرنَا وَهَذَا يثبت أَنَّهَا جسم قَالُوا إِنَّمَا من كَانَ الْأَجْسَام فكيفياته محسوسة وَمَا لم تكن كيفياته محسوسة فَلَيْسَ بجسم وكيفيات النَّفس إِنَّمَا هِيَ الْفَضَائِل والرذائل وَهَذَانِ الجنسان من الكيفيات ليسَا محسوسين فَالنَّفْس لَيست جسماً قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا شغب فَاسد ومقدمة كَاذِبَة لِأَن قَوْلهم أَن مَا تحس كيفياته فَلَيْسَ جسماً دَعْوَى كَاذِبَة لَا برهَان عَلَيْهَا أصلا لَا عَقْلِي وَلَا حسي وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ قَول سَاقِط ومطروح لَا يعجز عَن مثله أحد وَلَكنَّا لَا نقنع بِهَذَا دون أَن نبطل هَذِه الدَّعْوَى ببرهان حسي ضَرُورِيّ بعون الله تَعَالَى وَهُوَ أَن الْفلك جسم وكيفياته غير محسوسة وَأما اللَّوْن اللازوردي الظَّاهِر فَإِنَّمَا يتَوَلَّد فِيمَا دونه من امتزاج بعض العناصر وَوُقُوع خطّ الْبَصَر عَلَيْهَا وبرهان ذَلِك تبدل ذَلِك اللَّوْن بِحَسب الْعَوَارِض المولدة لَهُ فَمرَّة ترَاهُ أَبيض صافي الْبيَاض وَمرَّة ترى حمرَة ظَاهِرَة فصح أَن قَوْلهم دَعْوَى مُجَرّدَة كَاذِبَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأَيْضًا فَإِن الْجِسْم تتفاضل أَنْوَاعه فِي وُقُوع الْحَواس عَلَيْهِ فَمِنْهُ مَا يدْرك لَونه وطعمه وريحه وَمِنْه مَا لَا يدْرك مِنْهُ إِلَّا المجسة فَقَط كالهواء وَمِنْهَا النَّار فِي عنصرها لَا يَقع عَلَيْهَا شَيْء من الْحَواس أصلا بِوَجْه من الْوُجُوه وَهِي جسم عَظِيم المساحة مُحِيط بالهواء كُله فَوَجَبَ من هَذَا أَن الْجِسْم كل مَا زَاد لطافة وصفاء لم تقع عَلَيْهِ الْحَواس وَهَذَا حكم النَّفس وَمَا دون النَّفس فأكثره محسوس للنَّفس لَا حس الْبَتَّةَ إِلَّا للنَّفس وَلَا حساس إِلَّا هِيَ فَهِيَ حساسة لَا محسوسة وَلم يجب قطّ لَا بعقل وَلَا بحس أَن يكون كل حساس محسوساً فَسقط قَوْلهم

стр. 668

جملَة وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَقَالُوا أَن كل جسم فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو من أَن يَقع تَحت جَمِيع الْحَواس أَو تَحت بَعْضهَا وَالنَّفس لَا تقع تَحت كل الْحَواس وَلَا تَحت بَعْضهَا فَالنَّفْس لَيست جسماً قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه مُقَدّمَة فَاسِدَة كَمَا ذكرنَا آنِفا لِأَن مَا عدم اللَّوْن من الْأَجْسَام لم يدْرك بِالْبرِّ كالهواء وكالنار فِي عنصرها وَإِن مَا عدم الرَّائِحَة لم يدْرك بالشم كالهواء وَالنَّار والحصى والزجاج وَغير ذَلِك وَمَا عدم الطّعْم لم يدْرك بالذوق كالهواء وَالنَّار والحصى والزجاج وَمَا عدم المجسة لم يدْرك باللمس كالهواء السَّاكِن وَالنَّفس عادمة اللَّوْن والطعم والمجسة والرائحة فَلَا تدْرك بِشَيْء من الْحَواس بل هِيَ المدركة لكل هَذِه المدركات وَهِي الحساسة لكل هَذِه المحسوسات فَهِيَ حساسة لَا محسوسة وَإِنَّمَا تعرف بآثارها وبراهين عقلية وَسَائِر الْأَجْسَام والأعراض محسوسة لَا حساسة وَلَا بُد من حساس لهَذِهِ المحسوسات وَلَا حساس لَهَا غير النَّفس وَهِي الَّتِي تعلم نَفسهَا وَغَيرهَا وَهِي الْقَابِلَة لأعراضها الَّتِي تتعاقب عيها من الْفَضَائِل والرذائل الْمَعْلُومَة بِالْعقلِ كقبول سَائِر الأجرام لما يتعاقب عَلَيْهَا من الْأَعْرَاض بِالْعقلِ وَالنَّفس هِيَ المتحركة باختيارها المحركة لسَائِر الْأَجْسَام هِيَ مُؤثرَة فِيهَا تألم وتلتذ وتفرح وتحزن وتغضب وترضى وَتعلم وتجهل وتحب وَتكره وتذكر وتنسي وتنتقل وَتحل فَبَطل قَول هَؤُلَاءِ أَن كل جسم فَلَا بُد من ان يَقع تَحت الْحَواس أَو تَحت بَعْضهَا لِأَنَّهَا دَعْوَى لَا دَلِيل عَلَيْهَا وكل دَعْوَى عربت من دَلِيل فَهِيَ بَاطِلَة وَقَالُوا كل جسم فَإِنَّهُ لَا محَالة يلْزمه الطول وَالْعرض والعمق والسطح والشكل والكم والكيف فَإِن كَانَت النَّفس جسماً فَلَا بُد أَن تكون هَذِه الكيفيات فِيهَا أَو يكون بَعْضهَا فِيهَا فَأَي الْوَجْهَيْنِ كَانَ فَهِيَ إِذا محاط بهَا هِيَ مدركة بالحواس أَو من بَعْضهَا وَلَا نرى الْحَواس تدركها فَلَيْسَتْ جسماً قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا كُله صَحِيح وقضايا صَادِقَة حاشا قَضِيَّة وَاحِدَة لَيست فِيهَا وَهِي قَوْلهم وَهِي مدركة من الْحَواس أَو من بَعْضهَا فَهَذَا هُوَ الْبَاطِل المقحم بِلَا دَلِيل وَسَائِر ذَلِك صَحِيح وَهَذِه الْقَضِيَّة الْفَاسِدَة دَعْوَى كَاذِبَة وَقد تقدم أَيْضا إفسادنا لَهَا آنِفا مَعَ تعريها عَن دَلِيل يصححها وَنعم فَالنَّفْس جسم طَوِيل عريض عميق ذَات سطح وَخط وشكل ومساحة وَكَيْفِيَّة يحاط بهَا ذَات مَكَان وزمان لِأَن هَذِه خَواص الْجِسْم وَلَا بُد وَالْعجب من قلَّة حَيَاء من أقحم مَعَ هَذَا فَهِيَ إِذا مدركة بالحواس وَهَذَا عين الْبَاطِل لِأَن حاسة الْبَصَر وحاسة السّمع وحاسة الذَّوْق وحاسة الشم وحاسة اللَّمْس لَا يَقع شَيْء مِنْهَا لَا على الطول وَلَا على الْعرض وَلَا على العمق وَلَا على السَّطْح وَلَا على الشكل وَلَا على المساحة وَلَا على الْكَيْفِيَّة وَلَا على الْخط وَإِنَّمَا تقع حاسة الْبَصَر على اللَّوْن فَقَط فَإِن كَانَ فِي شَيْء مِمَّا ذكرنَا لون وَقعت عَلَيْهِ حاسبة الْبَصَر وَعلمت ذَلِك الملون بتوسط اللَّوْن وَإِلَّا فَلَا وَإِنَّمَا تقع حاسة السّمع على الصَّوْت فَإِن حدث فِي شَيْء مِمَّا ذكرنَا صَوت وَقعت عَلَيْهِ حاسة السّمع حِينَئِذٍ وَعلمت ذَلِك المصوت بتوسطه وَإِلَّا فَلَا وَإِنَّمَا تقع حاسة الشم على الرَّائِحَة فَإِن كَانَ فِي شَيْء مِمَّا ذكرنَا رَائِحَة وَقعت عَلَيْهَا حِينَئِذٍ حاسة الشم وَعلمت حَامِل الرَّائِحَة بتوسط الرَّائِحَة وَإِلَّا فَلَا وَإِن كَانَ لشَيْء مِمَّا ذكرنَا طعم وَقعت عيه حِينَئِذٍ حاسة الذَّوْق وَعلمت المذوق بتوسط الطّعْم وَإِلَّا فَلَا وَإِن كَانَ فِي شَيْء مِمَّا ذكرنَا مجسة وَقعت عَلَيْهَا حاسة اللَّمْس حِينَئِذٍ وَعلمت الملموس بتوسط المجسة وَإِلَّا فَلَا وَقَالُوا أَن من خَاصَّة الْجِسْم أَن يقبل التجزيء وَإِذا جزئ خرج مِنْهُ الْجُزْء الصَّغِير وَالْكَبِير وَلم يكن الْجُزْء الصَّغِير كالجزء الْكَبِير فَلَا يحلو حِينَئِذٍ من أحد أَمريْن إِمَّا أَن يكون كل جُزْء مِنْهَا نفسا فَيلْزم من ذَلِك أَن لَا تكون النَّفس نفسا وَاحِدَة بل تكون حِينَئِذٍ أنفساً كَثِيرَة مركبة من أنفس وَإِمَّا أَن يكون كل جُزْء مِنْهَا نفسا فَيلْزم أَن لَا تكون كلهَا نفسا

стр. 669

قَالَ أَبُو مُحَمَّد أما قَوْلهم إِن خَاصَّة الْجِسْم احْتِمَال التجزيء فَهُوَ صدق وَالنَّفس مُحْتَملَة للتجزيء لِأَنَّهَا جسم من الْأَجْسَام وَأما قَوْلهم أَن الْجُزْء الصَّغِير لَيْسَ كالكبير فَإِن كَانُوا يُرِيدُونَ المساحة فَنعم وَأما فِي غير ذَلِك فَلَا وَأما قَوْلهم أَنَّهَا إِن تجزأت فإمَّا أَن يكون كل جُزْء مِنْهَا نفسا وإلزامهم من ذَلِك أَنَّهَا مركبة من أنفس فَإِن القَوْل الصَّحِيح فِي هَذَا أَن النَّفس مُحْتَملَة للتجزيء بِالْقُوَّةِ وَإِن كَانَ التجزيء بانقسامها غير مَوْجُود بِالْفِعْلِ وَهَكَذَا القَوْل فِي الْفلك وَالْكَوَاكِب كل ذَلِك مُحْتَمل للتجزيء بِالْقُوَّةِ وَلَيْسَ التجزيء مَوْجُودا فِي شَيْء مِنْهَا بِالْفِعْلِ وَأما قَوْلهم أَنَّهَا مركبة من أنفس فشغب فَاسد لأننا قد قدمنَا فِي غير مَوضِع أَن الْمعَانِي الْمُخْتَلفَة والمسميات المتغايرة يجب أَن يُوقع على كل وَاحِد مِنْهَا اسْم يبين بِهِ عَن غَيره وَإِلَّا فقد وَقع الأشكال وَبَطل التفاهم وصرنا إِلَى قَول السوفسطائية المبطلة لجَمِيع الْحَقَائِق وَوجدنَا الْعَالم يَنْقَسِم قسمَيْنِ أَحدهمَا مؤلف من طبائع مُخْتَلفَة فاصطلحنا على أَن سمينا هَذَا الْقسم مركبا وَالثَّانِي مؤلفا من طبيعة وَاحِدَة فاصطلحنا على أَن سمينا هَذَا الْقسم بسيطاً ليَقَع التفاهم فِي الْفرق بَين هذَيْن الْقسمَيْنِ وَوجدنَا الْقسم الأول لَا يَقع على كل جُزْء من أَجْزَائِهِ اسْم كُله كالإنسان الجزئي فَإِنَّهُ متألف من أَعْضَاء لَا يُسمى شَيْء مِنْهَا إنْسَانا كَالْعَيْنِ وَالْأنف وَالْيَد وَسَائِر أَعْضَائِهِ الَّتِي لَا يُسمى عُضْو مِنْهَا على انْفِرَاده إنْسَانا فَإِذا تألفت سمي المتألف مِنْهَا إنْسَانا وَوجدنَا الْقسم الثَّانِي يَقع على كل جُزْء من أَجْزَائِهِ اسْم كُله كالأرض وَالْمَاء والهواء وَالنَّار وكالفلك فَكل جُزْء من النَّار نَار وكل جُزْء من المَاء مَاء وكل جُزْء من الْهَوَاء هَوَاء وكل جُزْء من الْفلك فَهُوَ فلك وكل جُزْء من النَّفس نفس وَلَيْسَ ذَلِك مُوجبا أَن تكون الأَرْض مؤلفة من أَرضين وَلَا أَن يكون الْهَوَاء مؤلفاً من أهوية وَلَا أَن يكون الْفلك مؤلفاً من أفلاك وَلَا أَن تكون النَّفس مؤلفة من أنفس وَحَتَّى لَو قيل ذَلِك بِمَعْنى أَن كل بعض مِنْهَا يُسمى نفسا وكل بعض من الْفلك يُسمى فلكاً فَمَا كَانَ يكون فِي ذَلِك مَا يعْتَرض بِهِ على أَنَّهَا جسم كَسَائِر الْأَجْسَام الَّتِي ذكرنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقَالُوا أَيْضا طبع ذَات الْجِسْم أَن يكون غير متحرك وَالنَّفس متحركة فَإِن كَانَت هَذِه الْحَرَكَة الَّتِي فِيهَا من قبل الْبَارِي تَعَالَى فقد وجدنَا لَهَا الحركات فَاسِدَة فَكيف يُضَاف ذَلِك إِلَى الْبَارِي تَعَالَى قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا الْكَلَام غَايَة الْفساد والهجنة وَلَقَد كَانَ يَنْبَغِي لمن ينتسب إِلَى الْعلم إِن كَانَ يدْرِي مِقْدَار سُقُوط هَذِه الاعتراضات وسخفها أَن يصون نَفسه عَن الِاعْتِرَاض بهَا لرذالتها فَكَانَ الأولى بِهِ أَن يتَعَلَّم قبل أَن يتَكَلَّم فَأَما قَوْله أَن طبع ذَات الْجِسْم أَن تكون غير متحركة فَقَوْل ظَاهر الْكَذِب والمجاهرة لِأَن للأفلاك وَالْكَوَاكِب أجساماً وطبعها الْحَرَكَة الدائمة الْمُتَّصِلَة أبدا إِلَى أَن يحيلها خَالِقهَا عَن ذَلِك يَوْم الْقِيَامَة وَأَن للعناصر دون الْفلك أجساماً وطبعها الْحَرَكَة إِلَى مقرها والسكون فِي مقرها وَأما النَّفس فَلِأَنَّهَا حَيَّة كَانَ طبعها السّكُون الِاخْتِيَارِيّ وَالْحَرَكَة الاختيارية حينا وحيناً هَذَا كُله لَا يجهله أحد بِهِ ذوق وَأما قَوْلهم أَن لَهَا حركات ردية فَكيف تُضَاف إِلَى الْبَارِي تَعَالَى فَإِنَّمَا كَانَ بعض حركات النَّفس ردياً بمخالفة النَّفس أَمر باريها فِي تِلْكَ الحركات وَإِنَّمَا أضيفت إِلَى الْبَارِي تَعَالَى لِأَنَّهُ خلقهَا فَقَط على قَوْلنَا أَو لِأَنَّهُ تَعَالَى خلق تِلْكَ القوى الَّتِي بهَا كَانَت تِلْكَ الحركات فَسقط إلزامهم الْفَاسِد وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَقَالُوا أَيْضا إِن الْأَجْسَام فِي طبعها الاستحالة والتغير وَاحْتِمَال الإنقسام أبدا بِلَا غَايَة لَيْسَ شَيْء مِنْهَا إِلَّا هَكَذَا أبدا فَهِيَ محتاجة إِلَى من يربطها ويشدها ويحفظها وَيكون بِهِ تماسكها قَالُوا وَالْفَاعِل لذَلِك النَّفس فَلَو كَانَت النَّفس جسماً لكَانَتْ محتاجة إِلَى من يربطها ويحلها فَيلْزم من ذَلِك أَن تحْتَاج إِلَى نفس أُخْرَى وَالْأُخْرَى إِلَى أُخْرَى وَالْأُخْرَى كَذَلِك إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَمَا لَا نِهَايَة لَهُ بَاطِل قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا أفسد من كل قَول سبق من تشغيباتهم لِأَن مقدمته مغشوشة فَاسِدَة كَاذِبَة أما قَوْلهم

стр. 670

أَن الْأَجْسَام فِي طبعها الاستحالة والتغير على الْإِطْلَاق كذب لِأَن الْفلك جسم لَا يقبل الاستحالة وَإِنَّمَا تجب الاستحالة والتغيير فِي الْأَجْسَام المركبة من طبائع شَتَّى بخلعها كيفياتها ولباسها كيفيات أُخْرَى وبانحلالها إِلَى عناصرها هَكَذَا مُدَّة مَا أَيْضا ثمَّ تبقى غير منحلة أَو مستحيلة وَأما النَّفس فَإِنَّهَا تقبل الاستحالة والتغيير فِي أعراضها فيتغير ويستحيل من علم إِلَى جهل وَمن جهل إِلَى علم وَمن حرص إِلَى قناعة وَمن بخل إِلَى وجود وَمن رَحْمَة إِلَى قسوة وَمن لَذَّة إِلَى ألم هَذَا كُله مَوْجُود محسوس وَأما أَن تستحيل فِي ذَاتهَا فَتَصِير لَيست نفسا فَلَا وَهَذَا الْكَوْكَب هُوَ جسم وَلَا يصير غير كَوْكَب والفلك لَا يصير غير فلك وَأما قَوْله أَن الْأَجْسَام محتاجة إِلَى مَا يشدها ويربطها ويمسكها فَصَحِيح وَأما قَوْله أَن النَّفس هِيَ الفاعلة لذَلِك فكذب وَدَعوى بِلَا دَلِيل عَلَيْهَا إقناعي وَلَا برهاني بل هُوَ تمويه مُدَلّس يجوز باطله على أهل الْغَفْلَة وَهَكَذَا قَول الدهرية وَلَيْسَ كَذَلِك بل النَّفس من جملَة الْأَجْسَام المحتاجة إِلَى مَا يمْسِكهَا ويشدها ويقيمها وحاجتها إِلَى ذَلِك كحاجة سَائِر الْأَجْسَام الَّتِي فِي الْعَالم وَلَا فرق وَالْفَاعِل لكل ذَلِك فِي النَّفس وَفِي سَائِر الْأَجْسَام والممسك لَهَا والحافظ لجميعها والمحيل لما اسْتَحَالَ مِنْهَا فَهُوَ المبدى للنَّفس وَلكُل مَا فِي الْعَالم من جسم أَو عرض والمتمم لكل ذَلِك هُوَ الله الْخَالِق الْبَارِي المصور فبعض أمْسكهَا بطبائعها الَّتِي خلقهَا فِيهَا وصرفها فضبطها لما هِيَ فِيهِ وَبَعض أمْسكهَا برباطات ظَاهِرَة كالعصب وَالْعُرُوق والجلود لَا فَاعل لشَيْء من ذَلِك من دون الله تَعَالَى وَقد قدمنَا الْبَرَاهِين على كل ذَلِك فِي صدر كتَابنَا هَذَا فأغني عَن ترداده وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَقَالُوا أَيْضا كل جسم فَهُوَ إِمَّا ذُو نفس وَإِمَّا لَا ذُو نفس فَإِن كَانَت النَّفس جسماً فَهِيَ متنفسة أَي ذَات نفس وَإِمَّا لَا متنفسة أَي لَا ذَات نفس فَإِن كَانَت لَا متنفسة فَهَذَا خطأ لِأَنَّهُ يجب من ذَلِك أَن تكون النَّفس لَا نفسا وَإِن كَانَت متنفسة أَي ذَات نفس فَهِيَ محتاجة إِلَى نفس وَتلك النَّفس إِلَى أُخْرَى وَالْأُخْرَى إِلَى أُخْرَى وَهَذَا يُوجب مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَمَا لَا نِهَايَة لَهُ بَاطِل قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذِه مُقَدّمَة صَحِيحَة ركبُوا عَلَيْهَا نتيجة فَاسِدَة لَيست منتجة على تِلْكَ الْمُقدمَة وَأما قَوْلهم أَن كل جسم فَهُوَ إِمَّا ذُو نفس وَإِمَّا لَا ذُو نفس فَصَحِيح وَأما قَوْلهم أَن النَّفس إِن كَانَت غير متنفسة وَجب من ذَلِك أَن تكون النَّفس لَا نفسا فشغب فَاسد بَارِد لَا يلْزم لِأَن معنى القَوْل بِأَن الْجِسْم ذُو نفس إِنَّمَا هُوَ أَن بعض الْأَجْسَام أضيفت إِلَيْهِ نفس حَيَّة حساسة متحركة بِإِرَادَة مُدبرَة لذَلِك الْجِسْم الَّذِي استضافت إِلَيْهِ وَمعنى القَوْل بِأَن هَذَا الْجِسْم غير ذِي نفس وَإِنَّمَا هُوَ أَنه لم يستضف إِلَيْهِ نفس فَالنَّفْس الْحَيَّة هِيَ المتحركة الْمُدبرَة وَهِي غير محتاجة إِلَى جسم مُدبر لَهَا وَلَا محرك لَهَا فَلم يجب أَن يحْتَاج إِلَى نفس وَلَا أَن تكون لَيست نفسا وَلَا فرق بَينهم فِي قَوْلهم هَذَا وَبَين من قَالَ أَن الْجِسْم يحْتَاج إِلَى جسم كَمَا قَالُوا أَنه يجب أَن تحْتَاج النَّفس إِلَى نفس أَو قَالَ يجب أَن يكون الْجِسْم لَا جسماً كَمَا قَالُوا يجب أَن تكون النَّفس لَا نفسا وَهَذَا كُله هوس وَجَهل وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَقَالُوا لَو كَانَت النَّفس جسماً لَكَانَ الْجِسْم نفسا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا من الْجَهْل المفرط المظلم وَلَو كَانَ الْقَائِل هَذَا الْجُنُون أقل علم بحدود الْكَلَام لن يَأْتِ بِهَذِهِ الغثاثة لِأَن الْمُوجبَة الْكُلية لَا تنعكس الْبَتَّةَ انعكاسا مطردا إِلَّا مُوجبَة جزئية لَا كُلية وَكَلَامهم هَذَا بِمَنْزِلَة من قَالَ لما كَانَ الْإِنْسَان جسماً وَجب أَن يكون الْجِسْم إنْسَانا وَلما كَانَ الْكَلْب جسماً وَجب أَن يكون الْجِسْم كَلْبا وَهَذَا غَايَة الْحمق والقحة لَكِن صَوَاب القَوْل فِي هَذَا أَن يَقُول لما كَانَت النَّفس جسماً كَانَ بعض الْأَجْسَام نفسا وَلما كَانَ الْكَلْب جسماً وَجب أَن يكون بعض الْأَجْسَام كَلْبا وَهَذَا هُوَ الْعَكْس الصَّحِيح المطرد اطراداً صَحِيحا أبدا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقَالُوا أَيْضا إِن كَانَت النَّفس جسماً فَهِيَ بعض الْأَجْسَام وَإِذا كَانَت كَذَلِك فكلية الْأَجْسَام أعظم مساحة مِنْهَا فَيجب أَن تكون أشرف مِنْهَا

стр. 671

قَالَ أَبُو مُحَمَّد عَن عدم الْحيَاء وَالْعقل لم يبال بِمَا نطق بِهِ لِسَانه وَهَذِه قَضِيَّة فِي غَايَة الْحمق لِأَنَّهَا توجب أَن الشّرف إِنَّمَا هُوَ بِعظم الْأَجْسَام وَكَثْرَة المساحة وَلَو كَانَ كَذَلِك لكَانَتْ الْقَضِيَّة والبلبلة وَكَانَ الْحمار والبغل وكدس الْعذرَة أشرف من الْإِنْسَان المنبأ والفيلسوف لِأَن كل ذَلِك أعظم مساحة مِنْهُ ولكانت الغرلة أشرف من نَاظر الْعين والآلية أشرف من الْقلب والكبد والدماغ والصخرة أشرف من اللؤلؤة وأف لكل علم أدّى إِلَى مثل هَذَا نعم فَإِن كثيرا من الْأَجْسَام أعظم مساحة من النَّفس وَلَيْسَ ذَلِك مُوجبا أَنَّهَا اشرف مِنْهَا مَعَ أَن النَّفس الرذلة المضربة عَمَّا أوجبه التَّمْيِيز وَعَن طَاعَة رَبهَا إِلَى الْكفْر بِهِ فَكل شَيْء فِي الْعَالم أشرف مِنْهَا ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وَقَالُوا كَانَت أَن النَّفس جسماً آخر مَعَ الْجِسْم فالجسم نَفسه وَشَيْء آخر وَإِذا كَانَ كَذَلِك فالجسم أتم وَإِذا كَانَ أتم فَهُوَ أشرف قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا جُنُون مردد لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَثْرَة الْعدَد يجب الْفضل والشرف وَلَا بِعُمُوم اللَّفْظ يجب الشّرف بل قد يكون الْأَقَل والأخص أشرف وَلَو كَانَ مَا قَالُوهُ لوَجَبَ أَن تكون الْأَخْلَاق جملَة شرف من الْفَضَائِل خَاصَّة لِأَن الْأَخْلَاق فَضَائِل وَشَيْء آخر فَهِيَ أتم فَهِيَ على حملهمْ السخيف أشرف وَهَذَا مَا لَا يَقُوله ذُو عقل وهم يقرونَ أَن النَّفس جَوْهَر والجوهر نفس وجسم فالجوهر أشرف من النَّفس لِأَنَّهُ نفس وَشَيْء آخر وَقد قَالُوا أَن الْحَيّ بقع تَحت النامي فيلزمهم أَن النامى أشرف من الْحَيّ لِأَنَّهُ حَيّ وَشَيْء آخر وَهَذَا تَخْلِيط وحماقة ونعوذ بِاللَّه من الوسواس وَقَالُوا أَيْضا كل جسم يتغذى وَالنَّفس لَا تتغذى فَهِيَ غير جسم قَالَ أَبُو مُحَمَّد إِن كَانَ هَؤُلَاءِ السخفاء إِذا اشتغلوا بِهَذِهِ الحماقات كَانُوا سكارى بل سكر الْجَهْل والسخف أعظم من سكر الْخمر لِأَن سكر الْخمر سريع الْإِفَاقَة وسكر الْجَهْل والسخف بطيء الْإِفَاقَة أَترَاهُم إِذْ قَالُوا كل جسم فَهُوَ متغذ ألم يرَوا المَاء وَالْأَرْض والهواء وَالْكَوَاكِب والفلك وَإِن كل هَذِه أجسام عِظَام لَا تتغذى وَإِنَّمَا يتغذى من الْأَجْسَام النوامي فَقَط وَهِي أجساد الْحَيَوَان السكان فِي المَاء وَالْأَرْض وَالشَّجر والنبات فَقَط فَإِذا كَانَ هَؤُلَاءِ النوكي وَإِلَّا يتغذى لَيْسَ جسماً فالأرض وَالْحِجَارَة وَالْكَوَاكِب والفلك وَالْمَلَائِكَة لَيْسَ كل ذَلِك جسماً وَكفى بِهَذَا جنوناً وَخطأ وبحمد الله على السَّلامَة قَالُوا لَو كَانَت النَّفس جسماً لكَانَتْ لَهَا حَرَكَة لِأَن لكل جسم حَرَكَة وَنحن لَا نرى للنَّفس حَرَكَة فَبَطل أَن تكون جسماً قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذِه دَعْوَى كَاذِبَة وَقد تناقضوا أَيْضا فِيهَا لأَنهم قد قَالُوا قبل هَذَا بِنَحْوِ ورقة فِي بعض حججهم أَن الْأَجْسَام غير متحركة وَالنَّفس متحركة وَهنا قلبوا الْأَمر فَظهر جهلهم وَضعف عُقُولهمْ وَأما قَوْلهم لَا نرى لَهَا حَرَكَة فمخرقة وَلَيْسَ كل مَا لَا يرى يجب أَن يُنكر إِذا قَامَ على صِحَّته دَلِيل ويلزمهم إِذْ أبطلوا حَرَكَة النَّفس لأَنهم لَا يرونها أَن يبطلوا النَّفس لأَنهم جملَة أَيْضا لَا يرونها وَلَا يسمعونها وَلَا يلمسونها وَلَا يذوقونها وحركة النَّفس مَعْلُومَة بالبرهان وَهُوَ أَن الْحَرَكَة قِسْمَانِ حَرَكَة اضطرار وحرك اخْتِيَار فحركة الِاضْطِرَار هِيَ حَرَكَة كل جسم غير النَّفس هَذَا مَا لَا يشك فِيهِ فَبَقيت حَرَكَة الِاخْتِيَار وَهِي مَوْجُودَة يَقِينا وَلَيْسَ فِي الْعَالم شَيْء متحرك بهَا حاشا النَّفس فَقَط فصح أَن النَّفس هِيَ المتحركة بهَا فصح ضَرُورَة أَن للنَّفس حَرَكَة اختيارية مَعْلُومَة بِلَا شكّ وَإِذ لَا شكّ فِي أَن كل متحرك فَهُوَ جسم وَقد صَحَّ أَن النَّفس متحركة فَالنَّفْس جسم فَهَذَا هُوَ الْبُرْهَان الضَّرُورِيّ التَّام الصَّحِيح لَا تِلْكَ الوساوس والأهذار وَنَحْمَد الله على نعمه وَقَالُوا لَو كَانَت النَّفس جسماً لوَجَبَ أَن يكون اتصالها بالجسم إِمَّا على سَبِيل الْمُجَاورَة وَإِمَّا على سَبِيل المداخلة وَهِي الممازجة قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَبعد هَذَا مَاذَا وَنعم فَإِن النَّفس مُتَّصِلَة بالجسم على سَبِيل الْمُجَاورَة وَلَا يجوز سوى ذَلِك إِذْ لَا يُمكن أَن يكون اتِّصَال الجسمين إِلَّا بالمجاورة وَأما اتِّصَال المداخلة فَإِنَّمَا هِيَ الْعرض وَالْعرض والجسم وَالْعرض على مَا بَينا قبل وَقَالُوا أَيْضا إِن كَانَت النَّفس جسماً فَكيف يعرف الْجِسْم بمماسة أم غير مماسة

стр. 672

قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأَجْسَام كلهَا حاش النَّفس موَات لَا علم لَهَا وَلَا حس وَلَا تعلم شَيْئا وَإِنَّمَا الْعلم والحس للنَّفس فَقَط فَهِيَ تعلم الْأَجْسَام والأعراض وخالق الْأَجْسَام والأعراض الَّذِي هُوَ خَالِقهَا أَيْضا بِمَا فِيهَا من صفة الْفَهم وطبيعة التَّمْيِيز وَقُوَّة الْعلم الَّتِي وَضعهَا فِيهَا خَالِقهَا وسؤالهم نَادِر وَقَالُوا أَيْضا إِن كل جسم بَدَأَ فِي نشوة وَغَايَة يَنْتَهِي إِلَيْهَا وأجود مَا يكون الْجِسْم إِذا انْتهى إِلَى غَايَته فَإِذا أَخذ فِي النَّقْص ضعف وَلَيْسَت الْأَنْفس كَذَلِك لأننا نرى أنفس المعمرين اكثر ضِيَاء وأنفذ فعلا ونجد أبدا أَنهم أَضْعَف من أبدان الْأَحْدَاث فَلَو كَانَت النَّفس جسماً لنَقص فعلهَا بِنُقْصَان الْبدن فَإِذا كَانَ هَذَا كَمَا ذكرنَا فَلَيْسَتْ النَّفس جسماً قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذِه مُقَدّمَة فَاسِدَة التَّرْتِيب أما قَوْلهم إِن الْجِسْم أَجود مَا يكون إِذا انْتهى إِلَى غَايَته فخطأ إِذا قيل على الْعُمُوم وَإِنَّمَا ذَلِك فِي النوامي فَقَط وَفِي الْأَشْيَاء الَّتِي تستحيل اسْتِحَالَة ذبولية فَقَط كالشجر وأصناف أجساد الْحَيَوَان وللنبات وَأما الْجبَال وَالْحِجَارَة وَالْأَرْض والبحار والهواء وَالْمَاء والأفلاك وَالْكَوَاكِب فَلَيْسَ لَهَا غَايَة إِذْ بلغتهَا أخذت فِي الانحطاط وَإِنَّمَا يَسْتَحِيل بعض مَا يَسْتَحِيل من ذَلِك على سَبِيل التفتت كحجر كَسرته فانكسر وَلَو ترك لبقي وَلم يذبل ذبول الشّجر والنبات وأجسام الْحَيَوَان وَكَذَلِكَ النَّفس لَا تستحيل اسْتِحَالَة ذبول وَلَا اسْتِحَالَة تفتت وَإِنَّمَا تستحيل أعراضها كَمَا ذكرنَا فَقَط وَلَا نَمَاء لَهُ وَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَة والفلك وَالْكَوَاكِب والعناصر الْأَرْبَعَة لَا نَمَاء لَهَا وكل بَاقٍ على هَيئته الَّتِي خلقه الله تَعَالَى عَلَيْهَا إِذْ خلق كل ذَلِك وَالنَّفس كَذَلِك منتقلة من عَالم الِابْتِدَاء إِلَى عَالم الِانْتِهَاء إِلَى عَالم البرزخ إِلَى عَالم الْحساب إِلَى عَالم الْجَزَاء فتخلد فِيهِ أبدا بِلَا نِهَايَة وَهِي إِذا تخلصت من رطوبات الْجَسَد وكدره كَانَت أصفي نظرا وَأَصَح علما كَمَا كَانَت قبل حلولها فِي الْجَسَد نسْأَل الله خير ذَلِك المنقلب بمنه آمين قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا مَا هُوَ بِهِ من كل نطيحة ومتردية قد تقصيناه لَهُم وَبينا أَن كُله فَسَاد وحماقات وتقصيناه بالبراهين الضرورية وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِذا بَطل كل مَا شغب بِهِ من يَقُول أَن النَّفس لَيست جسماً وَسقط هَذَا القَوْل لتعريه عَن الْأَدِلَّة جملَة فَنحْن إِن شَاءَ الله تَعَالَى نوضح بعون الله وقوته الْبَرَاهِين الضرورية على أَنَّهَا جسم وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد وَذَلِكَ بعد أَن نبين بتأييد الله شغبين يُمكن أَن يعْتَرض بهما إِن قَالَ قَائِل أتنمو النَّفس فَإِن قُلْتُمْ لَا قُلْنَا نَحن نجدها تنشأ من صغر إِلَى كبر وترتبط بالجسد بالغذاء وَإِذا انْقَطع الْغذَاء انْحَلَّت عَن الْجَسَد ونجدها نسوء أخلاقها ويقل صبرها بِعَدَمِ الْغذَاء فَإِذا تغذت اعتدلت أخلاقها وصلحت قَالَ أَبُو مُحَمَّد لَا تتغذى وَلَا تنمو أما عدم غذائها فالبرهان الْقَائِم أَنَّهَا لَيست مركبة من الطبائع الْأَرْبَع وَأَنَّهَا بِخِلَاف الْجَسَد هَذَا هُوَ الْبُرْهَان على أَنَّهَا لَا تتغذى وَهُوَ أَن مَا تركب من العناصر الْأَرْبَعَة فَلَا بُد لَهُ من الْغذَاء ليستخلف ذَلِك الْجَسَد أَو تِلْكَ الشَّجَرَة أَو ذَلِك النَّبَات من رطوبات ذَلِك الْغذَاء أَو أرضياته مثل مَا تحلل من رطوباته بالهواء وَالْحر وَلَيْسَت هَذِه صفة النَّفس إِذْ لَو كَانَت لَهَا هَذِه الصّفة لكَانَتْ من الْجَسَد أَو مثله وَلَو كَانَت من الْجَسَد أَو مثله لكَانَتْ مواتاً كالجسد غير حساسة فَإِذا قد بَطل أَن تكون مركبة من طبائع العناصر بَطل أَن تكون متغذية نامية وَأما ارتباطها بالجسد من أجل الْغذَاء فَهُوَ أَمر لَا يعرف كيفيته إِلَّا خَالِقهَا الَّذِي هُوَ مدبرها إِلَّا أَنه مَعْلُوم أَنه كَذَلِك فَقَط وَهُوَ كطحن الْمعدة للغذاء لَا يدْرِي كَيفَ هُوَ وَغير ذَلِك

стр. 673

مِمَّا يُوجد الله يُعلمهُ وَمن الْبُرْهَان على إِن النَّفس لَا تتغذى وَلَا تنمو أَن الْبُرْهَان قد قَامَ على أَنَّهَا كَانَت قبل تركيب الْجَسَد على آباد الدهور وَأَنَّهَا بَاقِيَة بعد انحلاله وَلَيْسَ هُنَالك فِي ذَيْنك الْعَالمين غذَاء يُولد نَمَاء أصلا وَأما مَا ظنوه من نسأتها من صغر إِلَى كبر فخطأ وَإِنَّمَا هُوَ عودة من النَّفس إِلَى ذكرهَا الَّذِي سقط عَنْهَا بِأول ارتباطها بالجسد فَإِن سَأَلَ سَائل أتموت النَّفس قُلْنَا نعم لِأَن الله تَعَالَى نَص على ذَلِك فَقَالَ ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ وَهَذَا الْمَوْت إِنَّمَا هُوَ فراقها للجسد فَقَط برهَان ذَلِك قَول الله تَعَالَى ﴿اخْرُجُوا أَنفسكُم الْيَوْم تُجْزونَ عَذَاب الْهون﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿كَيفَ تكفرون بِاللَّه وكنتم أَمْوَاتًا فأحياكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ فصح أَن الْحَيَاة الْمَذْكُورَة إِنَّمَا هِيَ ضم الْجَسَد إِلَى النَّفس وَهُوَ نفخ الرّوح فِيهِ وَأَن الْمَوْت الْمَذْكُور إِنَّمَا هُوَ التَّفْرِيق بَين الْجَسَد وَالنَّفس فَقَط وَلَيْسَ موت النَّفس مِمَّا يَظُنّهُ أهل الْجَهْل وَأهل الْإِلْحَاد من إِنَّهَا تعدم جملَة بل هِيَ مَوْجُودَة قَائِمَة كَمَا كَانَت قبل الْمَوْت وَقبل الْحَيَاة الأولى وَلَا أَنَّهَا يذهب حسها وَعلمهَا بل حسها بعد الْمَوْت أصح مَا كَانَ علمهَا أتم مَا كَانَ وحياتها الَّتِي هِيَ الْحس وَالْحَرَكَة الإرادية بَاقِيَة بحسبها أكمل مَا كَانَت قطّ قَالَ ﴿وَإِن الدَّار الْآخِرَة لهي الْحَيَوَان لَو كَانُوا يعلمُونَ﴾ وَهِي رَاجِعَة إِلَى البرزخ حَيْثُ رَآهَا رَسُول الله ﷺ لَيْلَة أسرِي بِهِ عَن الميمنة من آدم ﵇ ومشئمته إِلَى أَن تحيا ثَانِيَة بِالْجمعِ بَينهَا وَبَين جَسدهَا يَوْم الْقِيَامَة وَأما أنفس الْجِنّ وَسَائِر الْحَيَوَان فَحَيْثُ شَاءَ الله تَعَالَى وَلَا علم لنا إِلَّا مَا علمنَا وَلَا يحل لأحد أَن يَقُول بِغَيْر علم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد فلنذكر الْآن الْبَرَاهِين الضرورية على أَن النَّفس جسم من الْأَجْسَام فَمن الدَّلِيل على أَن النَّفس جسم من الْأَجْسَام انقسامها على الْأَشْخَاص فَنَفْس زيد غير نفس عَمْرو فَلَو كَانَت النَّفس وَاحِدَة لَا تَنْقَسِم على مَا يزْعم الجاهلون أَنَّهَا جَوْهَر لَا جسم لوَجَبَ ضَرُورَة أَن تكون نفس الْمُحب هِيَ نفس الْمُبْغض وَهِي نفس المحبوب وَأَن تكون نفس الْفَاسِق الْجَاهِل هِيَ نفس الْفَاضِل الْحَكِيم الْعَالم ولكانت نفس الْخَائِف هِيَ نفس الْمخوف مِنْهُ وَنَفس الْقَاتِل هِيَ نفس الْمَقْتُول وَهَذَا حمق لَا خَفَاء بِهِ فصح أَنَّهَا نفوس كَثِيرَة مُتَغَايِرَة الْأَمَاكِن مُخْتَلفَة الصِّفَات حاملة لأعراضها فصح أَنَّهَا جسم بِيَقِين لَا شكّ فِيهِ وبرهان آخر هُوَ أَن الْعلم لَا خلاف فِي أَنه من صِفَات النَّفس وخواصها لَا مدْخل للجسد فِيهِ أصلا ولاحظ فَلَو كَانَت النَّفس جوهرا وَاحِد لَا تتجزي نفوساً لوَجَبَ ضَرُورَة أَن يكون علم كل أحد مستوياً لَا تفاضل فِيهِ لِأَن النَّفس على قَوْلهم وَاحِدَة وَهِي العالمة فَكَانَ يجب أَن يكون كلما علمه زيد يُعلمهُ عَمْرو لِأَن نَفسهَا وَاحِدَة عِنْدهم غير منقسمة وَلَا متجزئة فَكَانَ يلْزم وَلَا بُد أَن يعلم جَمِيع أهل الأَرْض مَا يُعلمهُ كل عَالم فِي الدُّنْيَا لِأَن نفسهم وَاحِدَة لَا تَنْقَسِم وَهِي العالمة وَهَذَا مَالا انفكاك مِنْهُ الْبَتَّةَ فقد صَحَّ بِمَا ذكرنَا ضَرُورَة أَن نفس كل أحد غير نفس غَيره وَأَن أنفس النَّاس أشخاص مُتَغَايِرَة تَحت نوع نفس الْإِنْسَان وَإِن نفس الْإِنْسَان الْكُلية نوع تَحت جنس النَّفس الْكُلية الَّتِي يَقع تحتهَا أنفس جَمِيع الْحَيَوَان وَإِذ هِيَ أشخاص مُتَغَايِرَة ذَات أمكنة مُتَغَايِرَة حاملة لصفات مُتَغَايِرَة فَهِيَ أجسام وَلَا يُمكن غير ذَلِك الْبَتَّةَ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأَيْضًا فَإِن الْعَالم كُله مَحْدُود مَعْرُوف أجسام وأعراض وَلَا مزِيد فَمن ادّعى أَن هَهُنَا جوهراً لَيْسَ جسماً وَلَا عرضا فقد ادّعى مَا لَا دَلِيل عَلَيْهِ الْبَتَّةَ وَلَا يتشكل فِي الْعقل وَلَا يُمكن توهمه وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل مَقْطُوع على بُطْلَانه وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأَيْضًا فَإِن النَّفس لَا تَخْلُو من أَن تكون خَارج الْفلك أَو دَاخل الْفلك فَإِن كَانَت خَارج الْفلك فَهَذَا بَاطِل إِذا قَامَ الْبُرْهَان على تناهي جرم الْعَالم فَلَيْسَ وَرَاء النِّهَايَة شَيْء وَلَو كَانَ وَرَاءَهَا شَيْء لم تكن نِهَايَة

стр. 674

فَوَجَبَ ضَرُورَة أَنه لَيْسَ خَارج الْفلك الَّذِي هُوَ نِهَايَة الْعَالم شَيْء لَا خلاء وَلَا ملاء وَإِن كَانَت فِي الْفلك فَهِيَ ضَرُورَة أما ذَات مَكَان وَأما مَحْمُولَة فِي ذِي مَكَان لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَالم شَيْء غير هذَيْن أصلا وَمن ادّعى أَن فِي الْعَالم شَيْئا ثَالِثا فقد ادّعى الْمحَال وَالْبَاطِل وَمَا لَا دَلِيل لَهُ عَلَيْهِ وَهَذَا لَا يعجز عَنهُ أحد وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل يَقِين وَقد قَامَ الدَّلِيل على أَن النَّفس لَيست عرضا لِأَنَّهَا عَالِمَة حساسة وَالْعرض لَيْسَ عَالما وَلَا حساساً وَصَحَّ أَنَّهَا حاملة لصفاتها لَا مَحْمُولَة فَإذْ حاملة متمكنة فَهِيَ هِيَ جسم لَا شكّ فِيهِ إِذْ لَيْسَ إِلَّا جسم حَامِل أَو عرض مَحْمُول وَقد بَطل أَن تكون عرضا مَحْمُولا فَهِيَ جسم حَامِل وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأَيْضًا فَلَا تَخْلُو النَّفس من أَن تكون وَاقعَة تَحت جنس أَولا فَإِن كَانَت لَا وَاقعَة تَحت جنس فَهِيَ خَارِجَة عَن المقولات وَلَيْسَ فِي الْعَالم شَيْء خَارج عَنْهَا وَلَا فِي الْوُجُود شَيْء خَارج عَنْهَا إِلَّا خَالِقهَا وَحده لَا شريك لَهُ وهم لَا يَقُولُونَ بِهَذَا بل يوقعونها تَحت جنس الْجَوْهَر فَإذْ هِيَ وَاقعَة تَحت جنس الْجَوْهَر فَإنَّا نسألهم عَن الْجَوْهَر الْجَامِع للنَّفس وَغَيرهَا لَهُ طبيعة أم لَا فَإِن قَالُوا لَا وَجب أَن كل مَا تَحت الْجَوْهَر لَا طبيعة لَهُ وَهَذَا بَاطِل وهم لَا يَقُولُونَ بِهَذَا فَإِن قَالُوا لَا نَدْرِي مَا الطبيعة قُلْنَا لَهُم إِلَه صفة مَحْمُولَة فِيهِ لَا يُوجد دونهَا أم لَا فَلَا بُد من نعم وَهَذَا هُوَ معنى الطبيعة وَإِن قَالُوا بل لَهُ طبيعة وَجب ضَرُورَة أَن يعْطى كل مَا تَحْتَهُ طبيعة لِأَن الْأَعْلَى يُعْطي لكل مَا تَحْتَهُ اسْمه وحدوده عَطاء صَحِيحا وَالنَّفس تَحت الْجَوْهَر فَالنَّفْس ذَات طبيعة بِلَا شكّ وَإِذ صَحَّ أَن لَهَا طبيعة فَكل مَا لَهُ طبيعة فقد حصرته الطبيعة وَمَا حصرته الطبيعة فَهُوَ ذُو نِهَايَة مَحْدُود وكل ذِي نِهَايَة فَهُوَ إِمَّا حَامِل وَإِمَّا مَحْمُول وَالنَّفس بِلَا شكّ حاملة لأعراضها من الأضداد كَالْعلمِ وَالْجهل والذكاء والبلادة والنجدة والجبن وَالْعدْل والجور وَالْقَسْوَة وَالرَّحْمَة وَغير ذَلِك وكل حَامِل فذو مَكَان وكل ذِي مَكَان فَهُوَ جسم فَالنَّفْس جسم ضَرُورَة وَأَيْضًا فَكل مَا كَانَ وَاقعا تَحت جنس فَهُوَ نوع من أَنْوَاع ذَلِك الْجِنْس وكل نوع فَهُوَ مركب من جنسه إِلَّا على الْعَام لَهُ من أَنْوَاعه ومركب أَيْضا مَعَ ذَلِك من فَصله الْخَاص بِهِ الْمُمَيز لَهُ من سَائِر الْأَنْوَاع الْوَاقِعَة مَعَه تَحت جنس وَاحِد فَإِنَّهُ مَوْضُوع وَهُوَ جنسه الْقَابِل لصورته وَصُورَة غَيره وَله مَحْمُول وَهُوَ صورته الَّتِي خصته دون غَيره فَهُوَ ذُو مَوْضُوع ومحمول فَهُوَ مركب وَالنَّفس نوع للجوهر فَهِيَ مركبة من مَوْضُوع ومحمول وَهِي قَائِمَة بِنَفسِهَا فَهِيَ جسم وَلَا بُد قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه براهين ضَرُورِيَّة حسية عقلية لَا محيد عَنْهَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَهَذَا قَول جمَاعَة من الْأَوَائِل وَلم يقل ارسطاطاليس أَن النَّفس لَيست جسماً على مَا ظَنّه أهل الْجَهْل وَإِنَّمَا نفى أَن تكون جسماً كدراً وَهُوَ الَّذِي لَا يَلِيق بِكُل ذِي علم سواهُ ثمَّ لَو صَحَّ أَنه قَالَهَا لكَانَتْ وهلة وَدَعوى لَا برهَان عَلَيْهَا وَخطأ لَا يجب اتِّبَاعه عَلَيْهِ وَهُوَ يَقُول فِي مَوَاضِع من كتبه اخْتلف أفلاطون وَالْحق وَكِلَاهُمَا إِلَيْنَا حبيب غير أَن الْحق إِلَيْنَا وَإِذا جَازَ أَن يخْتَلف أفلاطون وَالْحق فَغير نَكِير وَلَا بديع أَن يخْتَلف ارسطاطاليس وَالْحق وَمَا عصم إِنْسَان من الْخَطَأ فَكيف وَمَا صَحَّ قطّ أَنه قَالَه قَالَ أَبُو مُحَمَّد إِنَّمَا قَالَ أَن النَّفس جَوْهَر لَا جسم من ذهب إِلَى أَنَّهَا هِيَ الخالقة لما دون الله تَعَالَى على مَا ذهب إِلَيْهِ بعض الصابئين وَمن كني بهَا عَن الله تَعَالَى قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكلا الْقَوْلَيْنِ سخف وباطل لِأَن النَّفس وَالْعقل لفظتان من لُغَة الْعَرَب موضوعتان فِيهَا لمعنيين مُخْتَلفين فأحالتهما عَن موضوعهما فِي اللُّغَة سفسطة وَجَهل وَقلة حَيَاء وتلبيس وتدليس قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما من ذهب إِلَى أَن النَّفس لَيست جسماً مِمَّن ينتمي إِلَى الْإِسْلَام بِزَعْمِهِ فَقَوْل يبطل بِالْقُرْآنِ وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة فَأَما الْقُرْآن فَإِن الله قَالَ ﴿هُنَالك تبلو كل نفس مَا أسلفت﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿الْيَوْم تجزى كل نفس بِمَا كسبت لَا ظلم الْيَوْم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿كل امْرِئ بِمَا كسب رهين﴾ فصح

стр. 675

أَن النَّفس هِيَ الفعالة الكاسبة المجزية المخطئة وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن النَّفس لأمارة بالسوء﴾ ﴿وَيَوْم تقوم السَّاعَة ادخُلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تَقولُوا لمن يقتل فِي سَبِيل الله أموات بل أَحيَاء وَلَكِن لَا تشعرون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ فرحين بِمَا آتَاهُم الله من فَضله﴾ فصح أَن الْأَنْفس مِنْهَا مَا يعرض على النَّار قبل يَوْم الْقِيَامَة فيعذب وَمِنْهَا مَا يرْزق وينعم فَرحا وَيكون مَسْرُورا قبل يَوْم الْقِيَامَة وَلَا شكّ أَن أجساد آل فِرْعَوْن وأجساد المقتولين فِي سَبِيل الله قد تقطعت أوصالها وأكلتها السبَاع وَالطير وحيوان المَاء فصح أَن الْأَنْفس منقولة من مَكَان إِلَى مَكَان وَلَا شكّ فِي أَن الْعرض لَا يلقِي الْعَذَاب وَلَا يحس فَلَيْسَتْ عرضا وَصَحَّ أَنَّهَا تنْتَقل فِي الْأَمَاكِن قَائِمَة بِنَفسِهَا وَهَذِه صفة الْجِسْم لَا صفة الْجَوْهَر عِنْد الْقَائِل بِهِ فصح ضَرُورَة أَنَّهَا جسم وَأما من السّنَن فَقَوْل رَسُول الله ﷺ أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي حواصل طير خضر فِي الْجنَّة وَقَوله ﷺ أَنه رأى نسم بني آدم عِنْد سَمَاء الدُّنْيَا عَن يَمِين آدم ويساره فصح أَن الْأَنْفس مريئة فِي أماكنها وَقَوله ﵇ أَن نفس الْمُؤمن إِذا قبضت عرج بهَا إِلَى السَّمَاء وَفعل بهَا كَذَا وَنَفس الْكَافِر إِذا قبضت فعل بهَا كَذَا فصح أَنَّهَا معذبة ومنعمة ومنقولة فِي الْأَمَاكِن وَهَذِه صفة الْأَجْسَام ضَرُورَة وَأما من الْإِجْمَاع فَلَا خلاف بَين أحد من أهل الْإِسْلَام فِي أَن أنفس الْعباد منقولة بعد خُرُوجهَا عَن الأجساد إِلَى نعيم أَو إِلَى صُفُوف ضيق وَعَذَاب وَهَذِه صفة الْأَجْسَام وَمن خَالف هَذَا فَزعم أَن الْأَنْفس تعدم أَو أَنَّهَا تنْتَقل إِلَى أجسام أخر فَهُوَ كَافِر مُشْرك حَلَال الدَّم وَالْمَال بخرقه الْإِجْمَاع ومخالفته الْقُرْآن وَالسّنَن ونعوذ بِاللَّه من الخذلان قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد ذكرنَا فِي بَاب عَذَاب الْقَبْر أَن الرّوح وَالنَّفس شَيْء وَاحِد ومعني قَول الله تَعَالَى ﴿ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ إِنَّمَا هُوَ لِأَن الْجَسَد مَخْلُوق من تُرَاب ثمَّ من نُطْفَة ثمَّ من علقَة ثمَّ من مُضْغَة ثمَّ عظما ثمَّ لَحْمًا ثمَّ أمشاجاً وَلَيْسَ الرّوح كَذَلِك وَإِنَّمَا قَالَ الله تَعَالَى أمرا لَهُ بالكون كن فَكَانَ فصح أَن النَّفس وَالروح والنسمة أَسمَاء مترادفة لِمَعْنى وَاحِد وَقد يَقع الرّوح أَيْضا على غير هَذَا فجبريل ﵇ الرّوح الْأمين وَالْقُرْآن روح من عِنْد الله وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فقد بَطل قَوْلهم فِي النَّفس وَصَحَّ أَنَّهَا جسم وَلم يبْق إِلَّا الْكَلَام فِي الْجُزْء الَّذِي ادعوا أَنه لَا يتَجَزَّأ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذهب جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين إِلَى أَن الْأَجْسَام تنْحَل إِلَى أَجزَاء صغَار لَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يكون لَهَا جُزْء وَأَن تِلْكَ الْأَجْزَاء جَوَاهِر لَا أجسام لَهَا وَذهب النظام وكل من يحسن القَوْل من الْأَوَائِل إِلَى أَنه لَا جُزْء وَإِن دق إِلَّا وَهُوَ يحْتَمل التجزيء أبدا بِلَا نِهَايَة وَأَنه لَيْسَ فِي الْعَالم جُزْء وَلَا يتَجَزَّأ وَإِن كل جُزْء انقسم الْجِسْم إِلَيْهِ فَهُوَ جسم أَيْضا وَإِن دق أبدا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وعمدة الْقَائِلين بِوُجُود الْجُزْء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ خمس مشاغب وَكلهَا رَاجِعَة بحول الله وقوته عَلَيْهِم وَنحن إِن شَاءَ الله تَعَالَى نذكرها كلهَا وتقضى لَهُم كل مَا هُوَ بِهِ ونرى بعون الله بطلَان جَمِيعهَا بالبراهين الضرورية ثمَّ نرى بالبراهين الصِّحَاح صِحَة القَوْل بِأَن كل جُزْء فَهُوَ يتَجَزَّأ أبدا وَأَنه لَيْسَ فِي الْعَالم جُزْء لَا يتَجَزَّأ أصلا كَمَا فعلنَا بِسَائِر الْأَقْوَال وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَأول مشاغبهم أَن قَالُوا أخبرونا إِذا قطع الْمَاشِي الْمسَافَة الَّتِي مشي فِيهَا فَهَل قطع ذَا نِهَايَة أَو غير ذِي نِهَايَة فَإِن قُلْتُمْ قطع غير ذِي نِهَايَة فَهَذَا محَال وَإِن قُلْتُمْ قطع ذَا نِهَايَة فَهَذَا قَوْلنَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد فجوابنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن الْقَوْم أَتَوا من أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَنهم لم يفهموا قَوْلنَا فتكلموا بِجَهْل وَهَذَا لَا يرضاه ذُو ورع وَلَا ذُو عقل وَلَا حَيَاء وَإِمَّا أَنهم لما عجزوا عَن مُعَارضَة الْحق رجعُوا إِلَى الْكَذِب والمباهتة وَهَذِه شَرّ من الأولى وَفِي أحد هذَيْن الْقسمَيْنِ وجدنَا كل من ناظرناه مِنْهُم فِي هَذِه

стр. 676

الْمَسْأَلَة وَهَكَذَا عرض لنا سَوَاء مَعَ الْمُخَالفين لنا فِي الْقيَاس المدعين لتصحيحه فَإِنَّهُم أَيْضا أحد رجلَيْنِ إِمَّا جَاهِل بقولنَا فَهُوَ يقولنا مَا لَا نقُوله وَيتَكَلَّم فِي غير مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ وَإِمَّا مكابر ينْسب إِلَيْنَا مَا لَا نقُوله مباهتة وجراءة على الْكَذِب وعجزاً عَن مُعَارضَة الْحق من أننا ننكر اشْتِبَاه الْأَشْيَاء وأننا ننكر قضايا الْعُقُول وأننا ننكر اسْتِوَاء حكم الشَّيْئَيْنِ فِيمَا أوجبه هما مَا اشتبها فِيهِ وَهَذَا كُله كذب علينا بل نقر بذلك كُله ونقول بِهِ وَإِنَّمَا ننكر أَن نحكم فِي الدّين لشيئين بِتَحْرِيم أَو إِيجَاب أَو تَحْلِيل من أجل أَنَّهُمَا اشتبها فِي صفة من صفاتهما فَهَذَا هُوَ الْبَاطِل البحت وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين على عَظِيم نعمه ونقول على هَذَا السُّؤَال الَّذِي سألونا عَنهُ أننا لم نرفع النِّهَايَة عَن الْأَجْسَام كلهَا من طَرِيق المساحة بل نثبتها ونعرفها ونقطع على أَن كل جسم فَلهُ أبدا مساحة محدودة وَللَّه الْحَمد وَإِنَّمَا نَفينَا النِّهَايَة عَن قدرَة الله تَعَالَى على قسْمَة كل جُزْء وَإِن دق وأثبتنا قدرَة الله تَعَالَى على ذَلِك وَهَذَا هُوَ شَيْء غير المساحة وَلم يتَكَلَّف الْقَاطِع بِالْمَشْيِ أَو بالذرع أَو بِالْعَمَلِ قسْمَة مَا قطع وَلَا تجزئته وَإِنَّمَا تكلّف عملا أَو مَشى فِي مساحة مَعْدُودَة بالميل أَو بالذراع والشبر أَو الإصبع أَو مَا أشبه ذَلِك وكل هَذَا لَهُ نِهَايَة ظَاهِرَة وَهَذَا غير الَّذِي نَفينَا وجود النِّهَايَة فِيهِ فَبَطل إلزامهم وَالْحَمْد لله كثيرا ثمَّ نعكس هَذَا الِاعْتِرَاض عَلَيْهِم فَنَقُول لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق نَحن الْقَائِلُونَ بِأَن كل جسم فَلهُ طول وَعرض وعمق وَهُوَ مُحْتَمل للانقسام والتجزيء وَهَذَا هُوَ إِثْبَات النِّهَايَة لكل جُزْء انقسم الْجِسْم إِلَيْهِ من طَرِيق المساحة ضَرُورَة وَأَنْتُم تَقولُونَ أَن الْجِسْم يَنْقَسِم إِلَى أَجزَاء لَيْسَ لشَيْء مِنْهَا عرض وَلَا طول وَلَا عمق وَلَا مساحة وَلَا يتَجَزَّأ وَلَيْسَت أجساماً وَأَن الْجِسْم هُوَ تِلْكَ الْأَجْزَاء نَفسهَا لَيْسَ هُوَ شَيْء غَيرهَا أصلا وَأَن تِلْكَ الْأَجْزَاء لَيْسَ لشَيْء مِنْهَا مساحة فلزمكم ضَرُورَة إِذْ الْجِسْم هُوَ تِلْكَ الْأَجْزَاء وَلَيْسَت أجساماً وَأَن الْجِسْم هُوَ تِلْكَ الْأَجْزَاء وَلَيْسَ هُوَ غَيرهَا وكل جُزْء من تِلْكَ الْأَجْزَاء لَا مساحة لَهُ إِن الْجِسْم لَا مساحة لَهُ وَهَذَا أَمر يُبطلهُ العيان وَإِذا لم تكن لَهُ مساحة والمساحة هِيَ النِّهَايَة فِي ذرع الْأَجْسَام فَلَا نِهَايَة لما قطعه الْقَاطِع من الْجِسْم على قَوْلهم وَهَذَا بَاطِل والاعتراض الثَّانِي أَن قَالُوا لَا بُد أَن يَلِي الجرم من الجرم الَّذِي يَلِيهِ جُزْء يَنْقَطِع ذَلِك الجرم فِيهِ قَالُوا وَهَذَا إِقْرَار بِجُزْء لَا يتَجَزَّأ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا تمويه فَاسد لأننا لم ندفع النِّهَايَة من طَرِيق المساحة بل نقُول إِن لكل جرم نِهَايَة وسطحاً يَنْقَطِع تماديه عِنْده وَإِن الَّذِي يَنْقَطِع بِهِ الجرم إِذا جزئ فَهُوَ متناه مَحْدُود وَلكنه مُحْتَمل للتجزيء أَيْضا وكل مَا جزئ فَذَلِك الْجُزْء وَهُوَ الَّذِي يَلِي الجرم الملاصق لَهُ بنهايته من جِهَته الَّتِي لاقاه مِنْهَا لَا مَا ظنُّوا من أَن أحد الجرم جُزْء مِنْهُ وَهُوَ وَحده الملاصق للحرم الَّذِي يلاصقه بل هُوَ بَاطِل بِمَا ذكرنَا لَكِن الْجُزْء وَهُوَ الملاصق للجرم بسطحه فَإِذا جزئ كَانَ الْجُزْء الملاصق للجرم بسطحه هُوَ الملاصق حِينَئِذٍ بسطحه لَا الَّذِي خر عَن ملاصقته وَهَكَذَا بدا وَالْكَلَام فِي هَذَا كَالْكَلَامِ فِي الَّذِي قبله وَلَا فرق والاعتراض الثَّالِث إِن قَالُوا هَل ألف أَجزَاء الْجِسْم إِلَّا الله تَعَالَى فَلَا بُد من نعم قَالُوا فَهَل بِقدر الله على تَفْرِيق أَجزَاء حَتَّى لَا يكون فِيهَا شَيْء من التَّأْلِيف وَلَا تحْتَمل ذَلِك الْأَجْزَاء التجزيء أم لَا يقدر على ذَلِك قَالُوا فَإِن قُلْتُمْ لَا يقدر عجزتم ربكُم تَعَالَى وَإِن قُلْتُمْ يقدر فَهَذَا إِقْرَار مِنْكُم بالجزء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا هُوَ من أقوى شبهم الَّتِي شغبوا بهَا وَهُوَ حجَّة لنا عَلَيْهِم وَالْجَوَاب أننا نقُول لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن سؤالكم سُؤال فَاسد وَكَلَام فَاسد وَلم تكن قطّ أَجزَاء الْعَالم مُتَفَرِّقَة ثمَّ جمعهَا الله وَلَا كَانَت لَهُ أَجزَاء مجتمعة ثمَّ فرقها الله لَكِن الله خلق الْعَالم بِكُل مَا فِيهِ بِأَن قَالَ لَهُ كن فَكَانَ أَو بِأَن قَالَ لكل جرم مِنْهُ إِذا أَرَادَ خلقه كن فَكَانَ ذَلِك الجرم ثمَّ إِن الله تَعَالَى

стр. 677

خلق جَمِيع مَا أَرَادَ جمعه من الأجرام السماوية الَّتِي خلقهَا مفترقة ثمَّ جمعهَا وَخلق تَفْرِيق كل جرم من الأجرام الَّتِي خلقهَا مجتمعة ثمَّ فرقها فَهَذَا هُوَ الْحق لَا ذَلِك السُّؤَال الْفَاسِد الَّذِي أجملتموه وأوهمتم بِهِ أهل الْغَفْلَة أَن الله تَعَالَى ألف الْعَالم من أَجزَاء خلقهَا مُتَفَرِّقَة وَهَذَا بَاطِل لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا برهَان عَلَيْهَا وَلَا فرق بَين من قَالَ أَن الله تَعَالَى ألف أَجزَاء الْعَالم وَكَانَت مُتَفَرِّقَة وَبَين من قَالَ بل الله تَعَالَى فرق الْعَالم أَجزَاء وَإِنَّمَا كَانَ جزأ وَاحِدًا وَكِلَاهُمَا دَعْوَى سَاقِطَة لَا برهَان عَلَيْهَا لَا من نَص وَلَا من عقل بل الْقُرْآن جَاءَ بِمَا قُلْنَاهُ نصا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾ وَلَفْظَة شَيْء تقع على الْجِسْم وعَلى الْعرض فصح أَن كل جسم صغر أَو كبر وكل عرض فِي جسم فَإِن الله تَعَالَى إِذا أَرَادَ خلقه قَالَ لَهُ كن فَكَانَ وَلم يقل قطّ أَنه ألف كل جُزْء من أَجزَاء مُتَفَرِّقَة فَهَذَا هُوَ الْكَذِب على الله حَقًا فَبَطل مَا ظنُّوا أَنهم يلزموننا بِهِ ثمَّ نقُول لَهُم إِن الله تَعَالَى قَادر على أَن يخلق جسماً لَا يَنْقَسِم وَلكنه لم يخلقه فِي بنية هَذَا الْعَالم وَلَا يخلقه كَمَا أَنه تَعَالَى قَادر على أَن يخلق عرضا قَائِما بِنَفسِهِ وَلكنه تَعَالَى لم يخلقه فِي بنية هَذَا الْعَالم وَلَا يخلقه لِأَنَّهُمَا مِمَّا رتبه الله محالاً فِي الْعُقُول وَالله تَعَالَى قَادر على كل مَا يسْأَل عَنهُ لَا نحاشي شَيْئا مِنْهَا إِلَّا أَنه تَعَالَى لَا يفعل كل مَا يقدر عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يفعل مَا يَشَاء وَمَا سبق فِي علمه أَنه يَفْعَله فَقَط وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق ثمَّ نعطف هَذَا السُّؤَال نَفسه عَلَيْهِم فَنَقُول لَهُم هَل يقدر الله على أَن يقسم كل جُزْء ونقسم كل قسم من أَقسَام الْجِسْم أبدا بِلَا نِهَايَة أم لَا فَإِن قَالُوا لَا يقدر على ذَلِك عجزوا رَبهم حَقًا وَكَفرُوا وَهُوَ قَوْلهم دون تَأْوِيل وَلَا إِلْزَام وَلَكنهُمْ يخَافُونَ من أهل الْإِسْلَام فيملحون ضلالتهم بِإِثْبَات الْجُزْء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ جملَة وَإِن قَالُوا أَنه تَعَالَى قَادر على ذَلِك صدقُوا وَرَجَعُوا إِلَى الْحق الَّذِي هُوَ نفس قَوْلنَا وَخلاف قَوْلهم جملَة وَنحن لَا نخالفهم قطّ فِي أَن أَجزَاء طحين الدَّقِيق لَا يقدر مَخْلُوق فِي الْعَالم على تجزئة تِلْكَ الْأَجْزَاء وَإِنَّمَا خالفناهم فِي أَن قُلْنَا نَحن إِن الله تَعَالَى قَادر على مَا لَا نقدر نَحن عَلَيْهِ من ذَلِك وَقَالُوا هم بل هُوَ غير قَادر على ذَلِك تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا وَقَوْلهمْ فِي تناهي الْقُدْرَة على قسْمَة الله تَعَالَى الْأَجْزَاء هُوَ القَوْل بِأَن الله تَعَالَى يبلغ من الْخلق إِلَى مِقْدَار مَا ثمَّ لَا يقدر على الزِّيَادَة عَلَيْهِ ويبقي حسيراً عَاجِزا تَعَالَى الله عَن هَذَا الْكفْر ولعمري أَن أَبَا الهزيل شيخ المثبتين للجزء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ ليحن إِلَى هَذَا الْمَذْهَب حنيناً شَدِيدا وَقد صرح بِأَن لما يقدر الله عَلَيْهِ كمالاً وآخراً لَو خرج إِلَى الْفِعْل لم يكن الله تَعَالَى قَادِرًا بعده على تَحْرِيك سَاكن وَلَا تسكين متحرك وَلَا على فعل شَيْء أصلا ثمَّ تدارك كفره فَقَالَ وَلَا يخرج الآخر أبدا إِلَى حد الْفِعْل قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَيُقَال لَهُ مَا الْمَانِع من خُرُوجه وَالنِّهَايَة حاصرة لَهُ وَالْفِعْل قَائِم فَلَا بُد مَعَ طول الزَّمَان من الْبلُوغ إِلَى ذَلِك الآخر قَالَ أَبُو مُحَمَّد نَعُوذ بِاللَّه من الضلال والاعتراض الرَّابِع هوأن قَالُوا أَيّمَا أَكثر أَجزَاء الْجَبَل أَو أَجزَاء الخردلة وَأَيّمَا أَكثر أَجزَاء الخردلة أَو أَجزَاء الخردلتين قَالُوا فَإِن قُلْتُمْ بل أَجزَاء الخردلتين وأجزاء الْجَبَل صَدقْتُمْ وأقررتم بتناهي التجزيء وَهُوَ القَوْل بالجزء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ وَإِن قُلْتُمْ لَيْسَ أَجزَاء الْجَبَل أَكثر من أَجزَاء الخردلة وَلَا أَجزَاء الخردلتين أَكثر من أَجزَاء الخردلة كابرتم العيان لِأَنَّهُ لَا يحدث فِي الخردلة جزؤ إِلَّا وَيحدث فِي الخردلتين جزآن وَفِي الْجَبَل أَجزَاء وَادعوا علينا أننا نقُول إِن فِي كل جسم أَجزَاء لَا نِهَايَة لعددها وَلَا آخر لَهَا وَأَن من قطع بِالْمَشْيِ مَكَانا مَا أَو قطع بالجلمتين شَيْئا فَإِنَّمَا قطع مَا لَا نِهَايَة لعدده وَقَالُوا أَن عُمْدَة حجتكم على الدهرية هُوَ هَذَا الْمَعْنى نَفسه فِي إلزامكم إيَّاهُم وجوب الْقلَّة وَالْكَثْرَة فِي عدد الْأَشْخَاص وأوقات الزَّمَان وإيجابكم أَن كل مَا حصره الْعدَد فذو نِهَايَة وإنكاركم على الدهرية وجود أشخاص وأزمان لَا نِهَايَة لعددها قَالُوا ثمَّ نقضتم كل ذَلِك فِي هَذَا الْمَكَان

стр. 678

قَالَ أَبُو مُحَمَّد هُوَ الَّذِي قُلْنَا أَنهم إِمَّا لم يفهموا كلامنا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فقولنا مَا لَا نقُوله بظنونهم الكاذبة وَأما أَنهم عرفُوا قَوْلنَا فحرفوه قلَّة حَيَاء وَاسْتِحْلَال الْكَذِب وجراءة كل عمل الفضيحة لَهُم فِي كذبهمْ وعجزاً مِنْهُم عَن كسر الْحق وَنصر الْبَاطِل فاعلموا أَن كل مَا نسبوه إِلَيْنَا من قَوْلنَا أَن من قطع مَكَانا أَو شَيْئا بِالْمَشْيِ أَو بالجملتين فَإِنَّمَا قطع مَا لَا نِهَايَة لَهُ فَبَاطِل مَا قُلْنَاهُ قطّ بل مَا قطع إِلَّا ذَا نِهَايَة بمساحته وزمانه وَأما احتجاجنا على الدهرية بِمَا ذكرُوا فَصَحِيح هُوَ حجتنا على الدهرية وَأما ادعاؤهم أننا نقضنا ذَلِك فِي هَذَا الْمَكَان فَبَاطِل وَالْفرق بَين مَا قُلْنَاهُ من أَن كل جُزْء فَهُوَ يتَجَزَّأ أبدا بِلَا نِهَايَة وَبَين مَا احتججنا بِهِ على الدهرية من إِيجَاب النِّهَايَة بِوُجُود الْقلَّة وَالْكَثْرَة فِي أعداد الْأَشْخَاص والأزمان وإنكارنا عَلَيْهِم وجود أشخاص وأزمان لَا نِهَايَة لَهَا بل هُوَ حكم وَاحِد وَبَاب وَاحِد وَقَول وَاحِد وَمعنى وَاحِد وَذَلِكَ أَن الدهرية أَثْبَتَت وجود أشخاص قد خرجت إِلَى الْفِعْل لَا نِهَايَة لعددها وَوُجُود أزمان قد خرجت إِلَى لفعل لَا نِهَايَة لَهَا وَهَذَا محَال مُمْتَنع وَهَكَذَا قُلْنَا فِي كل جُزْء خرج إِلَى حد الْفِعْل فَإِنَّهَا متناهية الْعدَد بِلَا شكّ وَلم نقل قطّ أَن أَجْزَائِهِ مَوْجُودَة منقسمة لَا نِهَايَة لعددها بل هَذَا بَاطِل محَال ثمَّ إِن الله تَعَالَى قَادر على الزِّيَادَة فِي الْأَشْخَاص وَفِي الْأَزْمَان وَفِي قسْمَة الْجُزْء أبدا بِلَا نِهَايَة لَكِن كل مَا خرج إِلَى الْفِعْل أَو يخرج من الْأَشْخَاص أَو الْأَزْمَان وَفِي قسْمَة الْجُزْء أبدا بِلَا نِهَايَة لَكِن كل مَا خرج إِلَى الْفِعْل أَو يخرج من الْأَشْخَاص اوالأزمان أَو تجزئة الْأَجْزَاء فَكل ذَلِك متناه بعدده إِذا خرج وَهَكَذَا أبدا وَأما مَا لم يخرج إِلَى حد الْفِعْل بعد من شخص أَو زمَان أَو تجزى فَلَيْسَ شَيْئا وَلَا هُوَ عددا وَلَا معدودا وَلَا يَقع عَلَيْهِ عدد وَلَا هُوَ شخص بعد وَلَا زمَان وَلَا جُزْء وكل ذَلِك عدم وَإِنَّمَا يكون جُزْءا إِذا جزئ بِقطع أَو برسم مُمَيّز لَا قبل أَن بِجُزْء وَبِهَذَا تَبْيِين غثاثة سُؤَالهمْ فِي أَيّمَا أَكثر أَجزَاء الخردلة أَو أَجزَاء الْجَبَل أَو أَجزَاء الخردلتين لِأَن الْجَبَل إِذا لم يجزأ والخردلة إِذا لم تجزأ والخردلتان إِذا لم تجزأ فَلَا أَجزَاء لَهَا أصلا بعد بل الخردلة جُزْء وَاحِد والجبل جُزْء وَاحِد والخردلتان كل وَاحِدَة مِنْهُمَا جُزْء فَإِذا قسمت الخردلة على سَبْعَة أَجزَاء وَقسم الْجَبَل جزأين وَقسمت الخردلتان جزئين جزئين فالخردلة الْوَاحِدَة بِيَقِين أَكثر من أَجزَاء من الْجَبَل والخردلتين لِأَنَّهَا صَارَت سَبْعَة أَجزَاء وَلم يصر الْجَبَل والخردلتان إِلَّا سِتَّة أَجزَاء فَقَط فَلَو قسمت الخردلة سِتَّة أَجزَاء لكَانَتْ أجزاؤها وأجزاء الْجَبَل والخردلتين سواهُ وَلَو قسمت الخردلة خَمْسَة أَجزَاء وَكَانَت أَجزَاء الْجَبَل والخردلتين أَكثر من أَجزَاء الخردلة وَهَكَذَا فِي كل شَيْء فصح أَنه لَا يَقع التجزيء فِي شَيْء إِلَّا إِذا قسم لَا قبل ذَلِك فَإِن كَانُوا يُرِيدُونَ فِي أَيهمَا يمكننا التجزئة أَكثر فِي الْجَبَل والخردلتين أم فِي الخردلة الْوَاحِد فَهَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ أَن التجزيء أمكن لنا فِي الْجَبَل وَفِي الخردلتين مِنْهُ فِي الخردلة الْوَاحِدَة لِأَن الخردلة الْوَاحِدَة عَن قريب تصغر أجزاؤها حَتَّى لَا نقدر نَحن على قسمتهَا ويتمادى لنا الْأَمر فِي الْجَبَل كثيرا حَتَّى أَنه يفنى عمر أَحَدنَا قبل أَن يبلغ تجزئته إِلَى أَجزَاء تدق عَن قسمتنا وَأما قدرَة الله على قسْمَة مَا عجزنا نَحن عَن قسمته من ذَلِك فباقية غير متناهية وكل ذَلِك عَلَيْهِ هَين سَوَاء لَيْسَ بعضه أسهل عَلَيْهِ من بعض بل هُوَ قَادر قسْمَة الخردلة أبدا بِلَا نِهَايَة وعَلى قسْمَة الْفلك كَذَلِك وَلَا فرق وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق ونزيد بَيَانا فَتَقول أَن الشَّيْء قبل أَن يجزأ فَلَيْسَ متجزئاً فَإِذا جُزْء بنصفين آو جزئين فَهُوَ جزءان فَقَط فَإِذا جُزْء على ثَلَاثَة أَجزَاء فَقَط فَهُوَ ثَلَاثَة أَجزَاء وَهَكَذَا أبدا وَأما من قَالَ أَو ظن أَن الشَّيْء قبل أَن يَنْقَسِم وَقبل أَن يتَجَزَّأ أَنه منقسم بعد ومتجزهم بعد فوسواس وَظن كَاذِب لكنه مُحْتَمل الانقسام والتجزيء وكل مَا قسم وجزأ فَكل جُزْء ظهر مِنْهُ فَهُوَ مَعْدُود متناه وَكَذَلِكَ كل جسم فطوله وَعرضه متناهيان بِلَا شكّ وَالله تَعَالَى قَادر على الزِّيَادَة فيهمَا أبدا بِلَا نِهَايَة إِلَّا أَن كل مَا زَاده تَعَالَى فِي ذَلِك وَأخرجه إِلَى حد الْفِعْل فَهُوَ متناه ومعدود ومحدود وَهَكَذَا أبدا وَكَذَلِكَ الزِّيَادَة فِي أشخاص الْعَالم وَفِي الْعدَد فَإِن كل مَا خرج إِلَى حد الْفِعْل من الْأَشْخَاص وَمن الْأَعْدَاد فذو نِهَايَة وَالله تَعَالَى قَادر على الزِّيَادَة فِي الْأَشْخَاص أبدا بِلَا نِهَايَة وَالزِّيَادَة فِي الْعدَد مُمكنَة أبدا بِلَا نِهَايَة إِلَّا أَن كل مَا خرج من الْأَشْخَاص والأعداد إِلَى الْفِعْل صحبته النِّهَايَة وَلَا بُد ثمَّ نعكس هَذَا السُّؤَال عَلَيْهِم فَنَقُول

стр. 679

لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق انفضل عنْدكُمْ قدرَة الله تَعَالَى على قسْمَة الْجَبَل على قدرته على قسْمَة الخردلة وَهل تأتى حَال يكون الله فِيهَا قَادِرًا على قسْمَة أَجزَاء الْجَبَل غير قَادر على قسْمَة أَجزَاء الخردلة أم لَا فَإِن قَالُوا بل قدرَة الله تَعَالَى على قسْمَة الْجَبَل أتم من قدرته على قسْمَة الخردلة وأقروا بِأَنَّهُ تأتى حَال يكون الله تَعَالَى فِيهَا قَادِرًا على قسْمَة أَجزَاء الْجَبَل غير قَادر على قسْمَة أَجزَاء الخردلة كفرُوا وعجزوا رَبهم وَجعلُوا قدرته محدثة متفاضلة متناهية وَهَذَا كفر مُجَرّد وَأَن أَبُو من هَذَا وَقَالُوا إِن قدرَة الله تَعَالَى على قسْمَة الْجَبَل والخردلة سَوَاء وَأَنه لَا سَبِيل إِلَى وجود حَال يقدر الله تَعَالَى فِيهَا على تجزئة أَجزَاء الْجَبَل وَلَا يقدر على تجزئة أَجزَاء الْجَبَل وَلَا يقدر على تجزئة أَجزَاء الخردلة صدقُوا وَرَجَعُوا إِلَى قَوْلنَا الَّذِي هُوَ الْحق وَمَا عداهُ ضلال وباطل وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين والاعتراض الْخَامِس هُوَ أَن قَالُوا هَل لأجزاء الخردلة كل أم لَيْسَ لَهَا كل وَهل يعلم الله عدد أَجْزَائِهَا أم لَا يُعلمهُ فَإِن قُلْتُمْ لَا كل لَهَا نفيتم النِّهَايَة عَن الْمَخْلُوقَات والموجودات وَهَذَا كفر وَإِن قُلْتُمْ أَن الله تَعَالَى لَا يعلم عدد أَجْزَائِهَا كَفرْتُمْ وَإِن قُلْتُمْ أَن لَهَا كلا وَإِن الله تَعَالَى يعلم أعداد أَجْزَائِهَا أقررتم بالجزء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا تمويه لائح يَنْبَغِي التَّنْبِيه عَلَيْهِ لِئَلَّا يجوز على أهل الْغَفْلَة وَهُوَ أَنهم أقحموا لَفْظَة كل حَيْثُ لَا يُوجد كل وسألوا هَل يعلم الله تَعَالَى عدد مالاعدد لَهُ وهم فِي ذَلِك كمن سَأَلَ هَل يعلم الله تَعَالَى عدد شعر لحية الأحلس أم لاأو وَهل يعلم جَمِيع أَوْلَاد الْعَقِيم أم لَا وَهل كل حركات أهل الْجنَّة وَالنَّار أم لَا فَهَذِهِ السؤالات كسؤالهم وَلَا فرق وجوابنا فِي ذَلِك كُله أَن الله إِنَّمَا يعلم الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ لَا على خلاف مَا هِيَ عَلَيْهِ لِأَن من علم الشَّيْء على مَا هُوَ عَلَيْهِ فقد علمه حَقًا وَأما من علم الشَّيْء على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ فَلم يُعلمهُ بل جَهله وحاشا لله من هَذِه الصّفة فَمَا لَا كل لَهُ وَلَا عدد لَهُ فَإِنَّمَا يُعلمهُ الله أَن لَا عدد لَهُ وَلَا كل وَمَا علم الله قطّ عددا وَلَا كلا إِلَّا لما لَهُ عدد وكل لَا لما عدد لَهُ وَلَا كل وَكَذَلِكَ لم يعلم الله قد عدد شعر لحية الأطلس وَلَا علم قطّ ولد الْعَقِيم فَكيف أَن يعرف لَهُم كلا وَكَذَلِكَ لم يعلم الله قطّ عدد أَجزَاء الْجَبَل وَلَا الخردلة قبل أَن يجزأ لِأَنَّهُمَا لَا جُزْء لَهما قبل التجزئة وَإِنَّمَا علمهما غير متجزئين وعلمهما محتملين للتجزيء فَإِذا جزئا علمهما حِينَئِذٍ متجزئين وَعلم حِينَئِذٍ عدد أجزائهما وَلم يزل تَعَالَى يعلم أَنه يجزء كل مَا لَا يتجزء وَلم يزل يعلم عدد الْأَجْزَاء الَّتِي لَا تخرج فِي المستأنف إِلَى حد الْفِعْل وَلم يزل يعلم عدد مَا يخرج من الْأَشْخَاص بخلقه فِي الْأَبَد إِلَى حد الْفِعْل أَو لم يزل يعلم أَنه لَا أشخاص زَائِدَة على ذَلِك وَلَا أَجزَاء لما لم يَنْقَسِم بعد وَكَذَلِكَ لَيْسَ للخردلة وَلَا للجبل قبل التجزيء أَجزَاء أصلا وَإِذ ذَلِك كَذَلِك فَلَا كل هَا هُنَا وَلَا بعض فَهَذَا بطلَان سُؤَالهمْ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين ثمَّ نعكس عَلَيْهِم هَذَا السُّؤَال فَنَقُول لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أخبرونا عَن الشَّخْص الْفَرد من خردلة أَو وبرة أَو شَعْرَة أَو غير ذَلِك إِذا جزأنا كل ذَلِك جزئين أَو أَكثر مَتى حدثت الْأَجْزَاء أحين جزئت أم قبل أَن يجزأ فَإِن قَالُوا قبل أَن يجزأ ناقضوا أسمج مناقضة لأَنهم أقرُّوا بحدوث أَجزَاء كَانَت قبل حدوثها وَهَذَا سخف وَأَن قَالُوا إِنَّمَا حدثت لَهَا الْأَجْزَاء حِين جزئت لَا قبل ذَلِك سألناهم مَتى علمهَا الله تَعَالَى متجزئة حِين حدث فِيهَا التجزيء أم قبل أَن يحدث فِيهَا التجزيء فَإِن قَالُوا بل حِين حدث فِيهَا التجزيء صدقُوا وأبطلوا قَوْلهم فِي أَجزَاء الخردلة وَإِن قَالُوا بل علم أَنَّهَا منجزئة وَأَن لَهَا أَجزَاء قبل حُدُوث التجزيء فِيهَا جهلوا رَبهم تَعَالَى إِذا أحبروا أَنه يعلم الشَّيْء بِخِلَاف مَا هُوَ عَلَيْهِ وَيعلم أَجزَاء لما لَا أَجزَاء لَهُ وَهَذَا ضلال وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا كل مَا موهوا بِهِ لم نَدع لَهُم مِنْهُ شَيْئا إِلَّا وَقد أوردناه وَبينا أَنه كُله لَا حجَّة لَهُم فِي شَيْء مِنْهُ وَأَنه كُله عَائِد عَلَيْهِم وَحجَّة لنا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين ثمَّ نبتدئ بحول الله تَعَالَى وقوته بإيراد الْبَرَاهِين الضرورية على أَن كل جسم فِي الْعَالم فَإِنَّهُ متجزؤ مُحْتَمل للتجزئة وكل جُزْء من جسم فَهُوَ أَيْضا جسم مُحْتَمل

стр. 680

للتجزيء وَهَكَذَا أبدا وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد قَالَ أَبُو مُحَمَّد يُقَال لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى نستعين أخبرونا عَن هَذَا الْجُزْء الَّذِي قُلْتُمْ أَنه لَا يتحزى أهوَ فِي الْعَالم أم لَيْسَ فِي الْعَالم وَلَا سَبِيل إِلَى قسم ثَالِث فَإِن قَالُوا لَيْسَ هُوَ فِي الْعَالم صدقُوا وأبطلوا إِلَّا أَنهم يلْزمهُم قَول فَاحش وَهُوَ أَنهم يَقُولُونَ أَن جَمِيع الْعَالم مركب من أَجزَاء لَا تتجزأ وَالْكل لَيْسَ هُوَ شَيْئا غير تِلْكَ الْأَجْزَاء فَإِن كَانَت تِلْكَ الْأَجْزَاء لَيست فِي الْعَالم فالعالم عدم لَيْسَ فِي الْعَالم وَهَذَا تَخْلِيط كَمَا ترى وَإِن قَالُوا بل هُوَ فِي الْعَالم قُلْنَا لَهُم لَا يَخْلُو إِن فِي كل كرة الْعَالم من أَن يكون إِمَّا قَائِما بِنَفسِهِ حَامِلا وَإِمَّا أَن يكون مَحْمُولا غير قَائِم بِنَفسِهِ لَا بُد ضَرُورَة من أحد الْأَمريْنِ إِذْ لَيْسَ الْعَالم كُله إِلَّا على هذَيْن الْقسمَيْنِ فَإِن كَانَ مَحْمُولا غير قَائِم بِنَفسِهِ فَهُوَ عرض من الْأَعْرَاض وَإِن كَانَ حَامِلا قَائِما بِنَفسِهِ ذَا مَكَان فَهُوَ جسم وَثمّ يُقَال لَهُم أخبرونا عَن الْجُزْء الَّذِي ذكرْتُمْ أَنه لَا يتَجَزَّأ وَهُوَ على قَوْلكُم فِي مَكَان لِأَنَّهُ بعض من أبعاض الْجِسْم هَل الملاقي مِنْهُ للمشرق هُوَ الملاقي للمغرب أم غَيره وَهل المحازي مِنْهُ للسماء هُوَ المحازى مِنْهُ للْأَرْض أم غَيره فَإِن قَالُوا كل ذَلِك وَاحِد والملاقي مِنْهُ للمشرق هُوَ الملاقي مِنْهُ للمغرب والمجازى مِنْهُ للسماء هُوَ المجازى مِنْهُ للْأَرْض أَتَوا بِإِحْدَى العظائم وَجعلُوا جِهَة الْمشرق منا هِيَ جِهَة الْمغرب وَجعلُوا السَّمَاء وَالْأَرْض مِنْهُ فِي جِهَة وَاحِدَة وَهَذَا حمق لَا يبلغهُ إِلَّا الموسوس ومكابرة للعيان لَا يرضاها لنَفسِهِ سَالم البنية وَإِن قَالُوا بل الملاقي مِنْهُ للمشرق هُوَ غير الملاقي مِنْهُ للمغرب وَأَن السَّمَاء وَالْأَرْض مِنْهُ فِي جِهَتَيْنِ متقابلتين فَوق وأسفل صدقُوا وَهَكَذَا جِهَة الْجنُوب وَالشمَال فَإذْ ذَلِك كَذَلِك بِلَا شكّ فقد صَحَّ أَنه ذُو جِهَات سِتّ مُتَغَايِرَة وَهَذَا إِقْرَار مِنْهُم بِأَنَّهُ ذُو أَجزَاء إِذْ قطعُوا بِأَن الملاقي مِنْهُ للمغرب غير الملاقي مِنْهُ للمشرق وَمن للتَّبْعِيض وَبَطل قَوْلهم من قرب وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن أَرَادوا إلزامنا مثل هَذَا الْعرض قُلْنَا للعرض جِهَة وَلَا لَهُ مَكَان وَلَا يقوم بِنَفسِهِ وَلَا يحاذى شَيْئا وَإِنَّمَا يحاذى الْأَشْيَاء حَامِل الْعرض لَا الْعرض إِذْ لَو ارْتَفع الْعرض لبقي حامله مالئاً لمكانه كَمَا كَانَ محاذياً من جَمِيع جهاته مَا كَانَ يحاذى حِين حمله للعرض سَوَاء سَوَاء وَلَو ارْتَفع فِي قَوْلكُم الجزأ الَّذِي لَا يتَجَزَّأ لبقي مَكَانَهُ خَالِيا مِنْهُ وَقد أوضحنا أَن عرضين وأعراضاً تكون فِي جسم وَاحِد فِي جِهَة وَاحِدَة مِنْهُ وهم لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَن جزئين كل وَاحِد مِنْهُمَا لَا يتَجَزَّأ أَفلا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يَكُونَا جَمِيعًا فِي مَكَان وَاحِد بل لكل وَاحِد مِنْهُمَا عِنْدهم مَكَانا غير مَكَان الآخر وبرهان آخر وَهُوَ انهم يَقُولُونَ أَن الْجُزْء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ لَا طول لَهُ وَلَا عرض وَلَا عمق فَنَقُول لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِذا أضفتم إِلَى الْجُزْء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ عنْدكُمْ جزأ آخر مثله لَا يتَجَزَّأ أَلَيْسَ قد حدث لَهما طول فَلَا بُد من قَوْلهم نعم لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِك وَلَو أَنهم قَالُوا لَا يحدث لَهما طول للزمهم مثل ذَلِك فِي إِضَافَة جُزْء ثَالِث ورابع وَأكْثر حَتَّى يَقُولُوا أَن الْأَجْسَام الْعِظَام لَا طول لَهَا ويحصلوا فِي مُكَابَرَة العيان فَنَقُول لَهُم إِذا قُلْتُمْ أَن جُزْءا لَا يتَجَزَّأ لَا طول لَهُ إِذا ضم إِلَيْهِ جُزْء آخر لَا يتَجَزَّأ وَلَا طول لَهُ فَأَيّهمَا يحدث لَهُ طول فَقولُوا لنا هَل يَخْلُو هَذَا الطول الْحَادِث عنْدكُمْ من أحد وَالثَّلَاثَة أوجه لَا رَابِع لَهَا أما أَن يكون هَذَا الطول لأَحَدهمَا دون الآخر أَولا لوَاحِد مِنْهُمَا أَو كليهمَا فَإِن قُلْتُمْ لَيْسَ هَذَا الطول لَهما وَلَا لوَاحِد مِنْهُمَا فقد أوجبتم طولا لَا لطويل وطولاً قَائِما بِنَفسِهِ والطول عرض وَالْعرض لَا يقوم بِنَفسِهِ وَصفَة وَالصّفة لَا يُمكن أَن تُوجد إِلَّا فِي مَوْصُوف بهَا وَوُجُود طول لَا لطويل مُكَابَرَة ومحال وَإِن قُلْتُمْ أَن ذَلِك الطول هُوَ لأحد الجزئين دن الآخر فقد أحلتم وأتيتم بِمَا لَا شكّ بالحس وضرورة الْعقل فِي بُطْلَانه ولزمكم الْجُزْء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ لَهُ طول وَإِذا كَانَ لَهُ طول فَهُوَ بِلَا شكّ يتَجَزَّأ وَهَذَا ترك مِنْكُم لقولكم مَعَ أَنه أَيْضا محَال لِأَنَّهُ يجب من هَذَا أَنه يتجزى وَلَا يتجرئ وَإِن قُلْتُمْ أَن ذَلِك الطول للجزئين مَعًا صَدقْتُمْ وأقررتم بِالْحَقِّ فِي أَن كل جُزْء مِنْهُمَا فَلهُ حِصَّته من الطول والحصة من الطول طول بِلَا شكّ وَإِذا كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا لَهُ طول فَكل وَاحِد مِنْهُمَا لَهُ طول فَكل وَاحِد مِنْهُمَا يتَجَزَّأ وَهَذَا خلاف قَوْلكُم أَنه لَا يتَجَزَّأ وَهَذَا

стр. 681

برهَان ضَرُورِيّ أَيْضا لَا محيد عَنهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق برهَان آخر قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونقول لَهُم أَيّمَا أطول جزآن لَا يتَجَزَّأ كل وَاحِد مِنْهُمَا وَقد ضم أَحدهمَا إِلَى الآخر أم أَحدهمَا غير مضموم إِلَى الآخر فَلَا يجوز أَن يَقُول لأحد إِلَّا أَن الجزئين المضمومين أطول من أَحدهمَا غير مضموم إِلَى الآخر فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فَمن الْمحَال المتنع الْبَاطِل أَن يُقَال فِي شَيْء هَذَا أطول من هَذَا إِلَّا وَفِي الآخر طول دون طول مَا هُوَ أطول مِنْهُ فقد صَحَّ ضَرُورَة أَن الطول مَوْجُود لكل جُزْء قَالُوا فِيهِ أَنه لَا يتَجَزَّأ وَإِذا كَانَ لَهُ طول فَهُوَ منقسم بِلَا خلاف من أحد منا وَمِنْهُم وَهَكَذَا القَوْل فِي عرضهما أَن ضم أَحدهمَا إِلَى الآخر وَفِي عمقها كَذَلِك وَلَا بُد من أَن يكون لكل وَاحِد مِنْهُمَا حِصَّة من الْعرض والعمق وَإِذ ذَاك كَذَلِك ضَرُورَة فَكل جُزْء قَالُوا فِيهِ أَنه لَا يتجزى فَلَا بُد من أَن يكون لَهُ طول وَعرض وعمق وَإِذ ذَلِك كَذَلِك ضَرُورَة فَكل جُزْء قَالُوا فِيهِ أَنه لَا يتَجَزَّأ فَلَا بُد من ان يكون لَهُ طول وَعرض وعمق وَإِذ ذَلِك كَذَلِك فَهُوَ جسم يتَجَزَّأ وَلَا بُد وَهَذَا أَيْضا برهَان ضَرُورِيّ لَا محيد عَنهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقد رام أَبُو الْهُذيْل التَّخَلُّص من هَذَا الْإِلْزَام فَبعد ذَلِك عَلَيْهِ لِأَنَّهُ رام محالا فَقَالَ أَن الطول الْحَادِث للجزأين عِنْد اجْتِمَاعهمَا إِنَّمَا هُوَ كالاجتماع الْحَادِث لَهما وَلم يكن لَهما وَلَا لأَحَدهمَا إِذا كَانَا منفردين قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا تمويه ظَاهر لِأَن الِاجْتِمَاع هُوَ ضم أَحدهمَا إِلَى الآخر نَفسه لَيْسَ هُوَ شَيْئا آخر وَلم يَكُونَا قبل الضَّم وَالْجمع مضمومين وَلَا مُجْتَمعين وَلَيْسَ معنى الطول وَالْعرض والعمق كَذَلِك بل هُوَ شَيْء آخر غير الضَّم وَالْجمع وَإِنَّمَا هُوَ صفة للطويل مضموماً كَانَ إِلَى غَيره أَو غَيره مضموم وَلَا يُوجب الْجمع وَالضَّم طولا لم يكن وَاجِبا قبل الضَّم وَالْجمع فَلم يزدْ أَبُو الْهُذيْل على أَن قَالَ لما اجْتمعَا صَارا مُجْتَمعين وصارا طويلين وَهَذِه دَعْوَى فَاسِدَة وَنظر منحل لِأَن طول قَوْله لما اجْتمعَا صَارا مُجْتَمعين صَحِيح لَا سك فِيهِ وَقَوله وصارا طويلين دَعْوَى مُجَرّدَة من الدَّلِيل جملَة وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل وَأَيْضًا فَإِن الِاجْتِمَاع لما حدث بَينهمَا بَطل معنى آخر كَانَ مَوْجُودا فيهمَا وَهُوَ الِافْتِرَاق الَّذِي هُوَ ضد الِاجْتِمَاع فأخبرونا إِذا حدث الطول بزعمكم فَأَي شَيْء هُوَ الْمَعْنى الَّذِي ذهب بِوُجُود الطول وعاقبة الطول وَلَا سَبِيل لَهُم إِلَى وجوده فصح أَن الطول كَانَ مَوْجُودا فِي كل جُزْء على انْفِرَاد وَكَذَلِكَ الْعرض والعمق ثمَّ لما اجْتمعَا زَاد الطول وَالْعرض والعمق وَهَكَذَا أبدا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَهَذَا هُوَ الَّذِي تشهد لَهُ الْحَواس والمشاهدة وَالْعقل وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وبرهان آخر وَهُوَ أَن الجرم إِن كَانَ أَحْمَر فَكل جُزْء من أَجْزَائِهِ أَحْمَر بِلَا شكّ فَإِن قَالُوا لَيْسَ أَحْمَر قُلْنَا لَهُم فعله أَخْضَر أَو أصفر أَو غير ذِي لون وَهَذَا عين الْمحَال لِأَن لكل قد بَينا أَنه لَيْسَ هُوَ شَيْئا غير أَجْزَائِهِ فَلَو كَانَ لون أَجْزَائِهِ غير لَونه كُله لَكَانَ لَونه غير لَونه وَهَذَا محَال فَإذْ لَا شكّ فِيمَا ذكرنَا فالجزء الَّذِي يدعونَ أَنه لَا يتَجَزَّأ هُوَ ذُو لون بِلَا شكّ وَإِذ هُوَ ذُو لون فَهُوَ جسم لَا يعقل غير ذَلِك فَهُوَ يتَجَزَّأ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالَت الأشعرية هَهُنَا كلَاما ظريفاً وَهُوَ أَنهم قَالُوا هُوَ ذُو لون وَاحِد قَالَ أَبُو مُحَمَّد كل ملون فَهُوَ ذُو لون وَاحِد لَا ذُو ألوان كَثِيرَة إِلَّا أَن يكون أبلق أَو موشى برهَان آخر أَن وجود شَيْء فِي الْعَالم قَائِم بِنَفسِهِ لَيْسَ جسماً وَلَا عرضا وَلَا قَابلا للتجزيء وَلَا طول لَهُ وَلَا عرض وَلَا عمق فَهُوَ محَال مُمْتَنع إِذْ هَذَا الْمَذْكُور لَيْسَ شَيْئا غير الْبَارِي تَعَالَى وَجل تَعَالَى أَن يكون لَهُ فِي الْعَالم شبه وَبِهَذَا بَان عَن مخلوقاته وَلم يكن لَهُ كفوا أحد وَلَيْسَ كمثله شَيْء برهَان آخر قَالَ أَبُو مُحَمَّد كل شَيْء يحْتَمل أَن يكون لَهُ أَجزَاء كَثِيرَة فبالضرورة نَدْرِي أَنه يحْتَمل أَن يجزأ إِلَى أقل مِنْهَا هَذَا مَا لَا تخْتَلف الْعُقُول والإحساس فِيهِ كشيء احْتمل أَن يقسم على أَرْبَعَة أَقسَام فَلَا شكّ أَنه يحْتَمل أَن يَنْقَسِم على ثَلَاثَة وعَلى اثْنَيْنِ وَهَكَذَا فِي كل عدد وَمن دَافع فِي هَذَا فَإِنَّمَا يدْفع الضَّرُورَة ويكابر الْعقل فَلَو أَقمت خطا من ثَلَاثَة أَجزَاء كل جُزْء مِنْهَا

стр. 682

لَا يتَجَزَّأ على قَوْلهم أَو يعْمل ذَلِك الْخط من عشرَة أَجزَاء وَكَذَلِكَ من ألف جُزْءا كَذَلِك أَو مِمَّا زَاد فَإِنَّهُ لَا يخْتَلف أحد فِي أَن الْخط الَّذِي هُوَ من ثَلَاثَة أَجزَاء فَإِنَّهُ يَنْقَسِم ثَلَاثًا فِي موضِعين وَأَن الَّذِي هُوَ أَرْبَعَة أَجزَاء فَإِنَّهُ يَنْقَسِم أَربَاعًا فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَأَن الَّذِي من ألف جزؤ فَإِنَّهُ يَنْقَسِم أعشاراً وبنصفين وَإِذ لَا شكّ فِي هَذَا فبيقين لَا محيد عَنهُ يدْرِي كل ذِي حس سليم وَلَو أَنه عَالم أَو جَاهِل أَن مَا انقسم أَثلَاثًا فَإِنَّهُ يَنْقَسِم نِصْفَيْنِ مستويين وَمَا انقسم أَربَاعًا فَإِنَّهُ يَنْقَسِم أَثلَاثًا مستوية وَإِن مَا كَانَ من الخطوط فَلهُ أعشار وأخماس وَنصف وأثلاث وأسداس وأسباع مُتَسَاوِيَة فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا فَإِن الْقِسْمَة لَا بُد أَن تقع فِي نصف جزءٍ مِنْهَا أَو فِي أقل من نصفه فصح أَن كل جسم فَهُوَ يتَجَزَّأ ضَرُورَة وَإِن الْجُزْء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ بَاطِل مَعْدُوم من الْعَالم وَهَذَا مَا لَا مَحْض لَهُم مِنْهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق برهَان آخر قَالَ أَبُو مُحَمَّد بِلَا شكّ نعلم أَن الخطين المستقيمين المتوازيين لَا يَلْتَقِيَانِ أبدا وَلَو مدا عمر الْعَالم أبدا بِلَا نِهَايَة وَأَنَّك إِن مددت من الْخط الْأَعْلَى إِلَى الْخط الْمُقَابل لَهُ خطين مستقيمين متوازيين قَالَ مِنْهُمَا مربع بِلَا الشَّك فَإذْ أخرجت من زَاوِيَة ذَلِك المربع خطا منحدراً من هُنَالك إِلَى الْخط الْأَسْفَل فَإِن تِلْكَ الخطوط المخرجة من الضلع لَدَى ذكرنَا وَتلك الخطوط المخرجة من الزاوية لَا تمر مَعَ الْخط الْأَعْلَى أبدا لِأَنَّهَا غير موازية لَهُ فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فَذَلِك الضلع منقسم أبدا لَا بُد مَا أخرجت الخطوط بِلَا نِهَايَة برهَان آخر قَالَ أَبُو مُحَمَّد وبالضرورة نَدْرِي أَن كل مربع متساوي الأضلاع فَإِن الْخط الْقَاطِع من الزاوية الْعليا إِلَى الزاوية السُّفْلى الَّتِي لَا يوازيها يقوم مِنْهُ فِي المربع مثلثان متساويان وَأَنه لَا شكّ أطول من كل ضلع من أضلاع ذَلِك المربع على انْفِرَاد فنسألهم عَن مائَة جُزْء لَا تتجزأ رتبت متلاصقة عشرَة عشرَة فبالضرورة نجد فِيهَا مَا ذكرنَا فبيقين نعلم حِينَئِذٍ أَن كل جُزْء من الْأَجْزَاء الْمَذْكُورَة لَوْلَا أَن لَهُ طولا وعرضاً لما كَانَ الْخط الْمَار بهَا الْقَاطِع للمربع الْقَائِم مِنْهَا على مثلثين متساويين أطول من الْخط الْمَار بِكُل جِهَة من جِهَات ذَلِك المربع على اسْتِوَاء وموازاة لِلْخُطُوطِ الْأَرْبَعَة المحيطة بذلك المربع وَهُوَ أطول مِنْهُ بِلَا شكّ فصح ضَرُورَة أَن لكل جُزْء مِنْهَا طولا وعرضاً وَأَن مَاله طول وَعرض فَهُوَ متجزء بِلَا شكّ فصح أَيْضا بِمَا ذكرنَا أَن كل جزءٍ مر عَلَيْهِ الْخط الْمَذْكُور فقد انقسم برهَان آخر وَأَيْضًا فإننا لَو أَقَمْنَا خطا من أَجزَاء لَا تتجزأ على قَوْلهم مُسْتَقِيمًا ثمَّ أردناه حَتَّى يلتقي طرفاه وَيصير دَائِرَة فبالضرورة يدْرِي كل ذِي حس سليم أَن الْخط إِذا أدير حَتَّى يلتقي طرفاه فَإِن مَا قَابل من أَجْزَائِهِ مَرْكَز الدائرة أَضْعَف مِمَّا قَابل مِنْهَا خَارج الدائرة فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فَهَذَا لَازم فِي هَذَا الْخط الْمدَار بِلَا شكّ وَإِذ لَا شكّ فِي هَذَا فقد فضل من أحد طرفِي الْجُزْء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ عِنْدهم فضلَة على طرفه الآخر وَهَكَذَا كل جُزْء من تِلْكَ الْأَجْزَاء بِلَا شكّ فصح ضَرُورَة أَنه مُحْتَمل للانقسام وَلَا بُد وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق برهَان آخر نسألهم عَن دَائِرَة قطرها أحد عشر جُزْءا لَا يتَجَزَّأ كل وَاحِد مِنْهَا عِنْدهم أَو أَي عدد شِئْت على الْحساب فأردنا أَن نقسمها بنصفين على السوَاء وَلَا خلاف فِي أَن هَذَا مُمكن فبالضرورة نَدْرِي أَن الْخط الْقَاطِع على قطر الدائرة من الْمُحِيط إِلَى مَا قابله من الْمُحِيط ماراً على مركزها لَا يَقع الْبَتَّةَ فِي أَنْصَاف تِلْكَ الْأَجْزَاء فصح ضررة أَنَّهَا تتجزأ وَلَو لم يمر ذَلِك الْخط على أَنَّهَا فِيهَا قسم الدائرة بنصفين وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق برهَان آخر وَهُوَ أَن نسألهم عَن الْجُزْء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ الَّذِي يحققونه إِذا وضع على سطح زجاجة ملساء مستوية هَل لَهُ حجم زَائِد على سطحها أم لَا حجم لَهُ زَائِد على سطحها فَإِن قَالُوا لَا حجم لَهُ زَائِد على سطحها أعدموه وَلم يجْعَلُوا لَهُ مَكَانا

стр. 683

وَلَا جَعَلُوهُ مُتَمَكنًا أصلا فنسألهم عَن جزأين جعلا كَذَلِك فَلَا بُد من قَوْلهم أَن لَهما حجماً فنسألهم عَن ذَلِك الحجم ألهما مَعًا أم لأَحَدهمَا فَأَي ذَلِك قَالُوا أثبتوا وَلَا بُد الحجم لَهما وللجزء هُوَ أَحدهمَا وَإِذا كَانَ للجزء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ حجم زَائِد فَالَّذِي لَا شكّ فِيهِ أَن لَهُ ظلاً وَإِذا صَحَّ يَقِينا أَن لَهُ ظلاً فَلَا شكّ فِي أَن الظل يزِيد وَينْقص ويمتد ويتقلص وَيذْهب إِذا سامتته الشَّمْس فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فبيقين نَدْرِي أَن ظله ينقص حَتَّى يكون أقل من قدره وَإِذ ذَلِك فقد ظهر وَوَجَب أَن لَهُ تجزياً ومقدارا متبعضا وبرهان آخر وَهُوَ أننا نسألهم عَن جُزْء لَا يتَجَزَّأ من الْحَدِيد أَو من الذَّهَب وجزء لَا يتَجَزَّأ من خليط قطن هَل ثقلهما ووزنهما سَوَاء أم الَّذِي من الذَّهَب أَو الْحَدِيد أثقل من الَّذِي من الْقطن فَإِن قَالُوا نقلهما ووزنهما سَوَاء كابروا لزومهم هَذَا فِي ألف جُزْء كَذَلِك من الذَّهَب أَنَّهُمَا ليستا أثقل من ألف جُزْء من الْقطن مجتمعة كَانَت الْأَجْزَاء أَو مُتَفَرِّقَة وَهَذَا جُنُون ومكابرة وَإِن قَالُوا بل الَّذِي من الذَّهَب أوزن وأثقل صدقُوا وأوجبوا أَن لَهُ تجزياً يتفاضل الْوَزْن ضَرُورَة وَلَا بُد قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَذِهِ براهين ضَرُورِيَّة قَاطِعَة بِأَن كل جُزْء فَهُوَ يتَجَزَّأ أبدا بِلَا نِهَايَة وَأَن جُزْءا لَا يتَجَزَّأ لَيْسَ فِي الْعَالم أصلا وَلَا يُمكن وجوده بل هُوَ من الْمحَال ليمتنع وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد أما أَبُو الْهُذيْل فخلط فِي هَذَا الْبَاب وَحقّ لمن رام نصر الْبَاطِل أَن يخلط فَقَالَ أَن الْجُزْء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ ذُو حَرَكَة وَسُكُون يتعاقبان عَلَيْهِ وَأَنه يشغل مَكَانا لَا يسع فِيهِ مَعَه غَيره وَأَنه أقرب إِلَى السَّمَاء من مَكَانَهُ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ من الأَرْض وَهَذَا غَايَة التَّنَاقُض إِذْ مَا كَانَ هَكَذَا فَلهُ مساحة بِلَا شكّ وَهُوَ ذُو جِهَات سِتّ للمساحة أَجزَاء من نصف وَثلث وَأَقل وَأكْثر وَمَا كَانَ ذَا جِهَات فَالَّذِي مِنْهُ فِي كل جِهَة غير الَّذِي مِنْهُ فِي الْجِهَة الْأُخْرَى بِلَا شكّ وَمَا كَانَ هَذَا فَهُوَ مُحْتَمل للتجزيء بِلَا شكّ وَمَا عدا هَذَا فوسواس نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي تخليطهم هَذَا اخْتِلَافا ظريفاً أَيْضا فَأَجْمعُوا أَنه إِذا ضم جُزْء وَلَا يتَجَزَّأ إِلَى جُزْء لَا يتَجَزَّأ فَصَارَ اثْنَيْنِ فقد حدث لَهما طول ثمَّ اخْتلفُوا مَتى يصير جسماً لَهُ طول وَعرض وعمق فَقَالَ بَعضهم إِذا صَار جزأين صَار جسماً وَهُوَ قَول الأشعرية وَقَالَ بَعضهم إِذا صَارا أَرْبَعَة أَجزَاء وَقَالَ بَعضهم بل إِذا صَارا سِتَّة أَجزَاء وَاتَّفَقُوا على أَنه إِذا صَار ثَمَانِيَة أَجزَاء فقد صَار جسماً لَهُ طول وَعرض وعمق وكل هَذَا تَخْلِيط ناهيك بِهِ وَجَهل شَدِيد كَانَ الأولى بأَهْله أَن يتعلموا قبل أَن يتكلموا بِهَذِهِ الحماقات برهَان ذَلِك أَنهم لم يَخْتَلِفُوا أَنهم إِذا صفوا أَرْبَعَة أَجزَاء لَا يتَجَزَّأ وتحتها أَجزَاء لَا يتَجَزَّأ فَإِنَّهُ فسد صَار عِنْدهم الْجَمِيع من هَذِه الْأَجْزَاء جسماً طَويلا عريضاً عميقاً قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا الَّذِي طابت نُفُوسهم عَلَيْهِ وأنست عُقُولهمْ إِلَيْهِ فِي الثَّمَانِية وَسَهل على بَعضهم دون بعض فِي ثَلَاثَة أَجزَاء تحتهَا ثَلَاثَة أَجزَاء أَو فِي جزأين تحتهَا جزآن وَمنعُوا كلهم من ذَلِك فِي جُزْء على جُزْء حاشا الأشعرية فَإِنَّهُ بِعَيْنِه مَوْجُود على أصولهم المخذولة وأقوالهم المرذولة فِي جُزْء على جُزْء على جُزْء سَوَاء سَوَاء بِعَيْنِه وَذَلِكَ أَن الْأَرْبَعَة أَجزَاء على أَرْبَعَة أَجزَاء فَإِنَّمَا الْحَاصِل مِنْهَا جُزْء على جُزْء فَقَط من كل جِهَة فَإِذا جعلُوا الْأَرْبَعَة على الْأَرْبَعَة طولا فَإِنَّمَا جَعَلُوهُ فِي جُزْء إِلَى جنب جُزْء كَذَلِك فعلوا فِي الْعرض وَكَذَلِكَ فعلوا فِي العمق وَإِذا هُوَ كَذَلِك والطول عِنْدهم يُوجد فِي جُزْء إِلَى جنب جُزْء وَالْعرض يُوجد جنب الطول لِأَن الْعرض لَا يكون أَكثر من الطول أصلا والعمق مَوْجُود فيهمَا أَيْضا فطهر أَن لكل جُزْء مِنْهَا طولا وعرضاً وعمقاً ومكاناً وجهات وَوَجَب ضَرُورَة بِهَذَا أَنه يتَجَزَّأ ولاح جهلهم وخطبهم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق

стр. 684

قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِذا قد بَطل قَوْلهم فِي الْجُزْء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ وَفِي كل مَا أوجبوه أَنه جَوْهَر لَا جسم وَلَا عرض فقد صَحَّ أَن الْعَالم كُله حَامِل قَائِم بِنَفسِهِ ومحمول لَا يقوم بِنَفسِهِ وَلَا يُمكن وجود أَحدهمَا متخلياً فالمحمول هُوَ الْعرض وَالْحَامِل هُوَ الْجَوْهَر وَهُوَ الْجِسْم سمه كَيفَ شِئْت وَلَا يُمكن فِي الْوُجُود غَيرهمَا وَغير الْخَالِق لَهما تَعَالَى وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالَ هَؤُلَاءِ الْجُهَّال أَن الْعرض لَا يبْقى وَقْتَيْنِ وَأَنه لَا يحمل عرضا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد كلمناهم فِي هَذَا وتقريبا كتبهمْ فَمَا وجدنَا لَهُم حجَّة فِي هَذَا أصلا أَكثر من أَن بَعضهم قَالَ لَو بَقِي وَقْتَيْنِ لشغل مَكَانا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه حجَّة فقيرة إِلَى حجَّة وَدَعوى كَاذِبَة نصر بهَا دَعْوَى كَاذِبَة وَلَا عجب أَكثر من هَذَا ثمَّ لَو صحت لَهُم للزمهم هَذَا بِعَيْنِه فِيمَا جوزوه من بَقَاء الْعرض وقتا وَاحِدًا وَيُقَال لَهُم مَا الْفرق بَيْنكُم وَبَين من قَالَ لَو بَقِي الْعرض وقتا وَاحِدًا لشغل مَكَانا وبيقين يدْرِي كل ذِي حس سليم أَنه لَا فرق فِي اقْتِضَاء الْمَكَان بَين بَقَاء وَقت وَاحِد وَبَين بَقَاء وَقْتَيْنِ فَصَاعِدا فَإِن أبطلوا بَقَاءَهُ وقتا لَزِمَهُم أَنه لَيْسَ بَاقِيا أصلا وَأَيْضًا لم يكن بَاقِيا فَلَيْسَ مَوْجُودا أصلا وَإِذ لم يكن مَوْجُودا فَهُوَ مَعْدُوم فحصلوا من هَذَا التَّخْلِيط على نفي الْأَعْرَاض ومكابرة العيان وَيُقَال لَهُم مَا الْفرق بَيْنكُم وَبَين من قَالَ بل يبْقى وَقْتَيْنِ وَلَا يبْقى ثَلَاثَة أَوْقَات إِذْ لَو بَقِي ثَلَاثَة أَوْقَات لشغل مَكَانا وكل هَذَا هوس وَلَيْسَ من أجل الْبَقَاء وَجب اقْتِضَاء الْبَاقِي الْمَكَان لَكِن من أجل أَنه طَوِيل عريض عميق فَقَط وَلَا مزِيد وَقد قَالَ بَعضهم أَن الشَّيْء فِي حِين خلق الله تَعَالَى لَهُ لَيْسَ بَاقِيا وَلَا فانياً وَهَذِه دَعْوَى فِي الْحمق كَمَا سلف لَهُم وَلَا فرق وَهِي مَعَ ذَلِك لَا تعقل وَلَا يتَمَثَّل فِي الْوَهم أَن يكون فِي الزَّمَان أَو فِي الْعَالم شَيْء مَوْجُود لَيْسَ بَاقِيا وَلَا فانياً قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا عجب أعجب من حمق من قَالَ أَن بَيَاض الثَّلج وَسَوَاد القار وخضرة البقل لَيْسَ شَيْء مِنْهَا الَّذِي كَانَ آنِفا بل يفني فِي كل حِين ويستعيض ألف ألف بَيَاض وَأكْثر وَألف ألف خضرَة وَأكْثر هَذِه دَعْوَى عَارِية من الدَّلِيل إِلَّا أَنَّهَا جمعت السخف مَعَ المكارة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالصَّحِيح من هَذَا هُوَ مَا قُلْنَاهُ ونقوله أَن الْأَعْرَاض تَنْقَسِم أقساما فَمِنْهَا مَالا يَزُول وَلَا يتَوَهَّم زَوَاله الانفساد مَا هُوَ فِيهِ لَو أمكن ذَلِك كالصورة الْكُلية أَو كالطول وَالْعرض والعمق وَمِنْهَا مَا لَا يَزُول وَلَا يتَوَهَّم زَوَاله إِلَّا بإنفساد حامله كالاسكار فِي الْخمر وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهَا إِن لم تكن مسكرة لم تكن خمرًا وَهَكَذَا كل صفة يجدهَا مَا هِيَ عَلَيْهِ وَمِنْهَا مَا لَا يَزُول إِلَّا بِفساد حامله إِلَّا أَنه لَو توهم زائلاً لم يفْسد حامله كرزق الْأَزْرَق وفطس الْأَفْطَس فَلَو زَالا لبقي الْإِنْسَان إنْسَانا بِحَسبِهِ وَمِنْهَا مَا يبْقى مدَدا طوَالًا وقصاراً وَرُبمَا زايل مَا هُوَ كسواد الشّعْر بعض الطعوم والخشونة والاملاس فِي بعض الْأَشْيَاء وَالطّيب وَالنَّتن فِي بَعْضهَا والسكون وَالْعلم وكبعض الألوان الَّتِي تستحيل وَمِنْهَا مَا يسْرع الزَّوَال كحمرة الخجل وكمدة الْهم وَلَيْسَ من الْأَعْرَاض شَيْء يفني بِسُرْعَة حَتَّى لَا يُمكن أَن يضْبط مُدَّة بَقَائِهِ إِلَّا الْحَرَكَة فَقَط على أَنَّهَا بضرورة الْعقل والحس نَدْرِي أَن حَرَكَة الْجُزْء من الْفلك الَّتِي نقطع الْفلك بنصفين من شَرق إِلَى غرب أسْرع من حَرَكَة الْجُزْء مِنْهُ الَّذِي حوالي القطبين لِأَن كل هذَيْن الجزأين يرجع إِلَى مَكَانَهُ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ فِي أَربع وَعشْرين سَاعَة وَبَين دائر بهما فِي الْكبر مَا لَا يكون مساحة خطّ دَائِرَة أَو خطّ مُسْتَقِيم أَكثر مِنْهُ فِي الْعَالم وبيقين يدْرِي أَن حَرَكَة المذعورة فِي طيرانها أسْرع من حَرَكَة السلحفاة فِي مشيها وَأَن حَرَكَة المنساب فِي الحدور أسْرع من حَرَكَة المَاء الْجَارِي فِي سيل النَّهر وَأَن حَرَكَة الْعَصْر فِي الجري أسْرع من حَرَكَة الْمَاشِي فصح يَقِينا أَن خلال الحركات أَيْضا

стр. 685

بَقَاء إِقَامَة يتفاضل فِي مدَّته لِأَن الحركات كلهَا إِنَّمَا هِيَ نقلة من مَكَان إِلَى مَكَان فللمتحرك مُقَابلَة وَلَا بُد لكل جرم مر عَلَيْهِ فَفِي تِلْكَ المقابلات بِكَوْن التَّفَاضُل فِي السرعة أَو فِي البطيء إِلَّا أَنه لَا يحس أجزاؤه وَلَا تضبط دقائقه إِلَّا بِالْعقلِ فَقَط الَّذِي بِهِ يعرف زِيَادَة الظل وَالشَّمْس وَلَا ندرك ذَلِك بالحس إِلَّا إِذا اجْتمعت مِنْهُ جملَة مَا فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يعرف بحس الْبَصَر كَمَا لَا يدْرك بالحواس نَمَاء النامي إِلَّا إِذا اجْتمعت مِنْهُ جملَة مَا وكما يعرف بِالْعقلِ لَا بالحس أَن لكل خردلة جَزَاء من الأثقال فَلَا يحس إِلَّا إِذا اجْتمعت مِنْهُ جملَة مَا وَكَذَلِكَ الشِّبَع والري وَكثير من أَعْرَاض الْعَالم فَتَبَارَكَ خَالق ذَلِك هُوَ الله أحسن الْخَالِقِينَ وَأما قَوْلهم أَن الْعرض لَا يحمل الْعرض فَكَلَام فَاسد مُخَالف للشريعة وللطبيعة وللعقل وللحواس وَلَا جماع جَمِيع ولد آدم لأننا لَا تخْتَلف فِي أَن نقُول حَرَكَة سريعة وحركة بطيئة وَحُمرَة مشرقة وخضرة أَشد من خضرَة وَخلق حسن وَخلق مسيء وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن كيدكن عَظِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَصَبر جميل﴾ وحسبك فَسَادًا بقول أدّى إِلَى هَذَا وَمن أحَال على العيان والحس والمعقول وَكَلَام الله تَعَالَى فقد فَازَ قدحه وخسرت صَفْقَة من خَالفه قَالَ أَبُو مُحَمَّد ولسنا نقُول أَن عرضا يحمل عرضا إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ بل هَذَا بَاطِل وَلَكِن كَمَا وجد وكما خلق الْبَارِي تَعَالَى مَا خلق وَلَا مزِيد وَمَا عدا هَذَا فرقة دين وَضعف عقل وَقلة حَيَاء ونعوذ بِاللَّه من هَذِه الثَّلَاث وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم الْكَلَام فِي المعارف قَالَ أَبُو مُحَمَّد اخْتلف النَّاس فِي المعارف فَقَالَ قَائِلُونَ المعارف كلهَا باضطرار إِلَيْهَا وَقَالَ آخَرُونَ المعارف كلهَا باكتساب لَهَا وَقَالَ آخَرُونَ بَعْضهَا باضطرار وَبَعضهَا باكتساب قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالصَّحِيح فِي هَذَا الْبَاب إِن الْإِنْسَان يخرج إِلَى الدُّنْيَا لَيْسَ عَاقِلا لَا معرفَة لَهُ بِشَيْء كَمَا قَالَ ﴿وَالله أخرجكم من بطُون أُمَّهَاتكُم لَا تعلمُونَ شَيْئا﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فحركاته كلهَا طبيعية كأخذه التديين حِين وِلَادَته وتصرفه تصرف الْبَهَائِم على حسبها فِي تألمها وطربها حَتَّى إِذا كبر وعقل وتقوت نَفسه الناطقة وأنست بِمَا صَارَت فِيهِ وسكنت إِلَيْهِ وبدت رطوباته تَجف بدأت بتمييز الْأُمُور فِي الدَّار الَّتِي صَارَت فِيهَا فَيحدث الله تَعَالَى لَهَا قُوَّة على التفكير وَاسْتِعْمَال الْحَواس فِي الِاسْتِدْلَال وأحدث الله تَعَالَى لَهَا الْفَهم بِمَا تشاهد وَمَا تخبر بِهِ فطريقه إِلَى بعض المعارف اكْتِسَاب فِي أول توصله إِلَيْهَا لِأَنَّهُ بِأول فهمه ومعرفته عرف أَن الْكل أَكثر من الْجُزْء وَإِن جسماً وَاحِدًا لَا يكون فِي مكانين وَأَنه لَا يكون قَاعِدا قَائِما مَعًا وَهُوَ إِن لم يحسن الْعبارَة عَن ذَلِك فَإِن أَحْوَاله كلهَا تقضي تيقنه كل مَا ذكرنَا وَعرف أَولا صِحَة مَا أدْرك بحواسه ثمَّ انتجت لَهُ بعد ذَلِك سَائِر المعارف بمقدمات رَاجِعَة إِلَى مَا ذكرنَا من قرب أَو بعد فَكل مَا ثَبت عندنَا ببرهان وَإِن كَانَ بعيد الرُّجُوع إِلَى مَا ذكرنَا فمعرفة النَّفس بِهِ اضطرارية لِأَنَّهُ لَو رام جهده أَن يزِيل عَن نَفسه الْمعرفَة بِمَا ثَبت عِنْده هَذَا الثَّبَات لم يقدر فَإذْ هَذَا لَا شكّ فِيهِ فالمعارف كلهَا باضطرار إِذْ مَا لم يعرف بِيَقِين قَائِما عرف بِظَنّ وَمَا عرف ظنا فَلَيْسَ علما وَلَا معرفَة هَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ إِلَّا أَن يتَطَرَّق إِلَى طلب الْبُرْهَان بِطَلَب هُوَ وَهَذَا الطّلب الِاسْتِدْلَال وَلَو شَاءَ أَو لَا يسْتَدلّ لقدر على ذَلِك فَهَذَا الطّلب وَحده هُوَ الِاكْتِسَاب فَقَط مَا كَانَ مدْركا بِأول الْعقل وبالحواس فَلَيْسَ عَلَيْهِ اسْتِدْلَال أصلا بل من قبل هَذِه الْجِهَات يبتدي كل أحد باستدلال وبالرد إِلَى ذَلِك فَيصح استدلاله أَو يبطل وحد الْعلم بالشَّيْء وَهُوَ الْمعرفَة بِهِ أَن نقُول الْعلم والمعرفة اسمان واقعان على معنى وَاحِد وَهُوَ اعْتِقَاد الشَّيْء

стр. 686

على مَا هُوَ عَلَيْهِ وتيقنه بِهِ وارتفاع الشكوك عَنهُ وَيكون ذَلِك إِمَّا بِشَهَادَة الْحَواس وَأول الْعقل وَأما الْبُرْهَان رَاجع من قرب أَو من بعد إِلَى شَهَادَة الْحَواس أَو أول الْعقل وَأما بِاتِّفَاق وَقع لَهُ فِي مصادفة اعْتِقَاد الْحق خَاصَّة بِتَصْدِيق مَا افْترض الله عَلَيْهِ اتِّبَاعه خَاصَّة دون اسْتِدْلَال وَأما علم الله تَعَالَى فَلَيْسَ مَحْدُود أصلا وَلَا يجمعه مَعَ علم الْخلق حد فَلَا حس وَلَا شَيْء أصلا وَذَهَبت الأشعرية إِلَى أَن علم الله تَعَالَى وَاقع مَعَ علمنَا تَحت حد وَاحِد قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا خطأ فَاحش إِذْ من الْبَاطِل أَن يَقع مَا لم تزل النهايات وَعلم الله تَعَالَى لَيْسَ هُوَ غير الله تَعَالَى على مَا بَينا قبل وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد قَالَت طوائف مِنْهُم الأشعرية وَغَيرهم من اتّفق لَهُ اعْتِقَاد شَيْء على مَا هُوَ بِهِ عَن غير دَلِيل لَكِن بتقليد أَن تميل بإرادته فَلَيْسَ عَالما بِهِ وَلَا عَارِفًا بِهِ وَلكنه مُعْتَقد لَهُ وَقَالُوا كل علم وَمَعْرِفَة اعْتِقَاد وَلَيْسَ كل اعْتِقَاد علما وَلَا معرفَة لِأَن الْعلم والمعرفة بالشَّيْء إِنَّمَا يعبر بهما عَن تَيَقّن صِحَّته قَالُوا وتيقن الصِّحَّة لَا يكون إِلَّا برهَان قَالُوا وَمَا كَانَ بِخِلَاف ذَلِك فَإِنَّمَا هُوَ ظن وَدَعوى لَا تَيَقّن بهَا إِذْ لَو جَازَ أَن يصدق قَول بِلَا دَلِيل لما كَانَ قَول أولى من قَول ولكانت الْأَقْوَال كلهَا صَحِيحَة على تضادها وَلَو كَانَ ذَلِك لبطلت الْأَقْوَال ولبطلت الْحَقَائِق كلهَا لِأَن كل قَول يبطل كل قَول سواهُ فَلَو صحت الْأَقْوَال كلهَا لبطلت كلهَا لِأَنَّهُ لَو كَانَ يكون كل قَول صَادِقا فِي إبِْطَال مَا عداهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن التَّسْمِيَة وَالْحكم لَيْسَ إِلَيْنَا وَإِنَّمَا هما إِلَى خَالق اللُّغَات وخالق الناطقين بهَا وخالق الْأَشْيَاء ومرتبها كَمَا شَاءَ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ قَالَ مُنْكرا على من سمى من قبل نَفسه ﴿إِن هِيَ إِلَّا أَسمَاء سميتموها أَنْتُم وآباؤكم مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ فنهي الله كل أحد عَن أَن يَقُول مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ علم ووجدناه يَقُول فِي غير مَوضِع من الْقُرْآن ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة فإخوانكم فِي الدّين﴾ فخاطب الله تَعَالَى بِهَذِهِ النُّصُوص وبغيرها وَكَذَلِكَ رَسُول الله ﷺ كل مُؤمن فِي الْعَالم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وبيقين نَدْرِي أَنه قد كَانَ فِي الْمُؤمنِينَ على عَهده ﵇ ثمَّ من بعده عصراً عصراً إِلَى يَوْم الْقِيَامَة الْمُسْتَدلّ وهم الْأَقَل وَغير الْمُسْتَدلّ كمن أسلم من الزنج وَمن الرّوم وَالْفرس والآماء وضعفة النِّسَاء والرعاة وَمن نَشأ على الْإِسْلَام بتعليم أَبِيه أَو سَيّده إِيَّاه وهم الْأَكْثَر وَالْجُمْهُور فسماهم مُؤمنين وَحكم لَهُم بِحكم الْإِسْلَام وَهَذَا كُله مَعْرُوف بِالْمُشَاهَدَةِ والضرورة وَقَالَ تَعَالَى ﴿آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله﴾ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يشْهدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله يُؤمنُوا بِمَا أرْسلت بِهِ فصح يَقِينا أَنهم كلهم مأمورون بالْقَوْل بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِي ﷺ وَإِن كل من صد عَنهُ فَهُوَ كَافِر حَلَال دَمه وَمَاله فَلَو لم يُؤمن بالْقَوْل بِالْإِيمَان إِلَّا من عرفه من طَرِيق الِاسْتِدْلَال لَكَانَ كل من لم يسْتَدلّ مِمَّن ذكرنَا مَنْهِيّا عَن اتِّبَاع الرَّسُول ﷺ وَعَن القَوْل بتصديقه لِأَنَّهُ عِنْد هَؤُلَاءِ القَوْل لَيْسُوا عَالمين بذلك وَهَذَا خلاف الْقُرْآن وَسنة رَسُول الله ﷺ واجتماع الْأمة الْمُتَيَقن أما الْقُرْآن وَالسّنة فقد ذكرناهما وَأما إِجْمَاع الْأمة فَمن الْبَاطِل الْمُتَيَقن أَن يكون الِاسْتِدْلَال فرضا لَا يَصح أَن يكون أحد مُسلما إِلَّا أَنه بِهِ ثمَّ يغْفل الله أَن يَقُول لَا تقبلُوا من أحد أَنه مُسلم حَتَّى يسْتَدلّ أتراه نسي تَعَالَى أَو تعمد ترك ذكر ذَلِك إضلالاً لِعِبَادِهِ وبترك ذَلِك رَسُوله ﷺ إِمَّا عمدا أَو قصدا إِلَى الضلال والإضلال أَو نسيا لمن اهْتَدَى لَهُ هَؤُلَاءِ ونبهو إِلَيْهِ وهم من هم بلادة وجهلاً

стр. 687

وسقوطاً هَذَا لَا يَظُنّهُ إِلَّا كَافِر وَلَا يحققه إِلَّا مُشْركًا فَمَا قَالَ فَقَط رَسُول الله ﷺ لأهل قَرْيَة أَو حلَّة أَو حَيّ وَلَا لراع وَلَا لراعية وَلَا للزنج وَلَا للنِّسَاء لَا أقبل إسلامكم حَتَّى أعلم الْمُسْتَدلّ من غَيره فَإِذا لم يقبل ﵇ ذَلِك فَالْقَوْل بِهِ واعتقاده افك وضلال وَكَذَلِكَ أجمع جَمِيع الصَّحَابَة ﵃ على الدُّعَاء على الْإِسْلَام وقبوله من كل وَاحِد دون ذكر اسْتِدْلَال ثمَّ هَكَذَا جيلاً فجيلاً حَتَّى حدث من لَا قدر لَهُ فَإِن قَالُوا قد قَالَ الله ﴿قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ قُلْنَا نعم وَهَذَا حق وَإِنَّمَا قَالَه الله لن خَالف الْحق الَّذِي أَمر الْجِنّ والأنس باتباعه وَهَكَذَا القَوْل إِن كل من قَالَ قولا خَالف فِيهِ مَا أَمر الله باتباعه فَسَوَاء اسْتدلَّ بِزَعْمِهِ وَلم يسْتَدلّ هَذَا مُبْطل غير مَعْذُور إِلَّا من عذره الله فبمَا عذره فِيهِ كالمجتهدين من الْمُسلمين يخطأ قَاصِدا إِلَى الْحق فَقَط مَا لم يقم عَلَيْهِ الْحجَّة فيعاند وَأما من اتبع الْحق فَمَا كلفه الله قطّ برهاناً والبرهان قد ثَبت بِصِحَّة كل مَا أَمر الله تَعَالَى بِهِ فَسَوَاء علمه فتبع الرَّسُول ﷺ بِعِلْمِهِ حَسبه أَنه عَالم بِالْحَقِّ مُعْتَقد لَهُ موقن بِهِ وَإِن جهل برهانه الَّذِي قد علمه غَيره وَهَذَا خلق الله الْإِيمَان وَالْعلم فِي نَفسه كَمَا خلقه فِي نفس الْمُسْتَدلّ وَلَا فرق قَالَ تَعَالَى ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح وَرَأَيْت النَّاس يدْخلُونَ فِي دين الله أَفْوَاجًا﴾ فسماهم داخلين فِي دينه وَإِن كَانُوا أَفْوَاجًا وَمَا شَرط الله قطّ أَولا رَسُوله ﷺ أَن يكون ذَلِك باستدلال بل هَذَا شَرط من شَرط ذَلِك مِمَّن قذفه إِبْلِيس فِي قلبه وعَلى لِسَانه ليخرجه إِلَى تَكْفِير الْأمة وَلَا عجب أعجب من اطباق هَذِه الطَّائِفَة الضَّالة المخذولة على أَنه لَا يَصح لأحد إِيمَان حَتَّى يسْتَدلّ على ذَلِك وَلَا يَصح لأحد اسْتِدْلَال حَتَّى يكون شاكا فِي نبوة مُحَمَّد ﷺ غير مُصدق بهَا فَإِذا كَانَ ذَلِك صَحَّ لَهُ الِاسْتِدْلَال وَإِلَّا فَلَيْسَ مُؤمنا فَهَل سمع بأحمق أَو أَدخل فِي الْحمق وَالْكفْر من قَول من قَالَ لَا يُؤمن أحد حَتَّى يكفر بِاللَّه تَعَالَى وبالرسول ﷺ وَإِن من آمن بهما وَلم يكفر بهما قطّ فَهُوَ كَافِر مُشْرك نبرأ إِلَى الله تَعَالَى من كل من قَالَ بِهَذَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد فهذان طَرِيقَانِ لَا ثَالِث لَهما كل طَرِيق مِنْهَا تَنْقَسِم قسمَيْنِ أَحدهمَا من اتبع الَّذِي أمره الله تَعَالَى باتباعه وَهُوَ رَسُول الله ﷺ فَهَذَا مُؤمن عَالم حَقًا سَوَاء اسْتدلَّ أَو لم يسْتَدلّ لِأَنَّهُ فعل مَا أمره الله تَعَالَى بِهِ ثمَّ يَنْقَسِم هَؤُلَاءِ قسمَيْنِ أَحدهمَا من لم يتبع قطّ غَيره ﵊ وَوَافَقَ الْحق بِتَوْفِيق الله فَهَذَا فِي كل عقد اعْتقد أَجْرَانِ وَأما أَن يكون حرم موافقه الْحق وَهُوَ مُرِيد فِي أمره ذَلِك اتِّبَاع رَسُول الله ﷺ فَهَذَا مَعْذُور مأجور آجرا وَاحِدًا مَا لم تقم عَلَيْهِ الْحجَّة فيعاندها وَهَذَا نَص قَوْله ﵇ فِي الْحَاكِم الْمُجْتَهد الْمُصِيب والمخطئ وَالطَّرِيق الثَّانِيَة من اتبع غير الَّذِي أمره الله باتباعه فَهَذَا سَوَاء اسْتدلَّ أَو لم يسْتَدلّ هُوَ مُخطئ ظَالِم عَاص لله تَعَالَى وَكَافِر على حسب مَا جَاءَت بِهِ الدّيانَة فِي أمره ثمَّ يَنْقَسِم هَؤُلَاءِ قسمَيْنِ أَحدهمَا أصَاب مَا جَاءَ بِهِ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ غير قَاصد إِلَى اتِّبَاعه ﵊ فِيهِ وَالْآخر لم يصبهُ فكلاهما لَا خير فِيهِ وَكِلَاهُمَا آثم غير مأجور وَكِلَاهُمَا عَاص لله أَو كَافِر على حسب مَا جَاءَت بِهِ الدّيانَة من أمره لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا تَعَديا حُدُود الله فِيمَا أَمرهم بِهِ من ابْتَاعَ رَسُول الله ﷺ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظلم نَفسه﴾ وَلَا ينْتَفع بإصابته الْحق إِذْ لم يصبهُ من الطَّرِيق الَّتِي لم يَجْعَل الله طلب الْحق وَأَخذه إِلَّا من قبلهَا وَقد علمنَا أَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى يوافقون الْحق فِي كثير كإقرارهم بنبوة مُوسَى ﵇ وكتوحيد بَعضهم لله تَعَالَى فَمَا انتفعوا بذلك إِذْ لم يعتقدوا اتبَاعا لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ

стр. 688

وَسلم وَكَذَلِكَ من قلد فَقِيها فَاضلا دون رَسُول الله ﷺ وَكَانَ عقده أَنه لَا يتبع رَسُول الله ﷺ إِلَّا إِن وَافق قَوْله قَول ذَلِك الْفَقِيه فَهَذَا فَاسق بِلَا شكّ أَن فعله غير مُعْتَقد لَهُ وَهُوَ كَافِر بِلَا شكّ أَن اعتقده بِقَلْبِه أَو نطق بِهِ بِلِسَان لمُخَالفَته قَول الله تَعَالَى ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجاً مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ فنفي الله عَن أهل هَذِه الصّفة الْإِيمَان وَأقسم على ذَلِك وَنحن ننفي مَا نفي الله عَمَّن نَفَاهُ عَنهُ وَيقسم على ذَلِك ونوقن أننا على الْحق فِي ذَلِك وَأما من قلد فَقِيها فَاضلا وَقَالَ إِنَّمَا اتبعهُ لِأَنَّهُ اتبع رَسُول الله ﷺ فَهَذَا مُخطئ لِأَنَّهُ فعل من ذَلِك مَا لم يَأْمُرهُ الله تَعَالَى بِهِ وَلَا يكفر لِأَنَّهُ قَاصد إِلَى اتِّبَاع رَسُول الله ﷺ مُخطئ للطريق فِي ذَلِك وَلَعَلَّه مأجور بنيته أجرا وَاحِدًا مَا لم نقم الْحجَّة عَلَيْهِ بخطأ فعله فَإِن ذكرُوا قَول رَسُول الله ﷺ فِي حَدِيث فتْنَة الْقَبْر وَأما الْمُنَافِق أَو المرتاب فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ مَا قَوْلك فِي هَذَا الرجل يَعْنِي رَسُول الله ﷺ فَيَقُول لَا أَدْرِي سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فقلنه قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا حق على ظَاهره كَمَا أخبر رَسُول الله ﷺ أَنه لَا يَقُول هَذَا إِلَّا الْمُنَافِق أوالمرتاب لَا الْمُؤمن الموقن بل الْمُؤمن الموقن فِي هَذَا الحَدِيث أَنه يَقُول هُوَ عبد الله وَرَسُوله أَتَانَا بِالْهدى والنور أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ أَو أخبر ﵇ عَن موقن ومرتاب لَا عَن مستدل وَغير مستدل وَكَذَلِكَ نقُول أَن من قَالَ فِي نَفسه أَو بِلِسَانِهِ لَوْلَا أَنِّي نشأت بَين الْمُسلمين لم أكن مُسلما وَإِنَّمَا اتبعت من نشأت بَينهم فَهَذَا لَيْسَ مُؤمنا وَلَا موقناً وَلَا مُتبعا لمن أمره الله تَعَالَى باتباعه بل هُوَ كَافِر قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَإِذا كَانَ قد يسْتَدلّ دهره كُله من لَا يوفقه الله تَعَالَى للحق وَقد يوفق من لَا يسْتَدلّ يَقِينا لَو علم أر أَبَاهُ أَو أمه أَو ابْنة أَو امْرَأَته أَو أهل الأَرْض يخالفونه فِيهِ لاستحل دِمَاءَهُمْ كلهم وَلَو خير بَين أَن يلقِي فِي النَّار وَبَين أَن يُفَارق الْإِسْلَام لاختار أَن يحرق بالنَّار على أَن يَقُول مثل هَذَا قُلْنَا فَإذْ هُوَ مَوْجُود فقد صَحَّ أَن الِاسْتِدْلَال لَا معنى لَهُ وَإِنَّمَا الْمدَار على الْيَقِين وَالْعقد فَقَط وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَإِنَّمَا يضْطَر إِلَى الِاسْتِدْلَال من نازعته نَفسه إِلَيْهِ وَلم يسكن قلبه إِلَى اعْتِقَاد مَا لم يعرف برهانه فَهَذَا يلْزمه طلب الْبُرْهَان حِينَئِذٍ ليقي نَفسه نَارا وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة فَإِن مَاتَ شاكا قبل أَن يَصح عِنْده الْبُرْهَان مَاتَ كَافِرًا مخلد فِي النَّار أبدا قَالَ أَبُو مُحَمَّد ثمَّ نرْجِع إِلَى مَا كُنَّا فِيهِ هَل المعارف باضطرار أم باكتساب فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن المعلومات قسم وَاحِد وَهُوَ مَا عقد عَلَيْهِ المر قلبه وتيقنه ثمَّ هَذَا يَنْقَسِم قسمَيْنِ أَحدهمَا حق فِي ذَاته قد قَامَ الْبُرْهَان على صِحَّته وَالثَّانِي لم يقم على صِحَّته برهَان وَأما مَا لم يتَيَقَّن الْمَرْء صِحَّته فِي ذَاته فَلَيْسَ عَالما بِهِ وَلَا لَهُ بِهِ علم وَإِنَّمَا هُوَ ظان لَهُ وَأما كل مَا علمه الْمَرْء ببرهان صَحِيح فَهُوَ مُضْطَر إِلَى علمه بِهِ لِأَنَّهُ لَا مجَال للشَّكّ فِيهِ عِنْده وَهَذِه صفة الضَّرُورَة وَأما الِاخْتِيَار فَهُوَ الَّذِي إِن شَاءَ الْمَرْء فعله وَإِن شَاءَ تَركه قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَعلمنَا بحدوث الْعَالم وَأَن لَهُ بِكُل مَا فِيهِ خَالِقًا وَاحِدًا لم يزل لَا يُشبههُ شَيْء من خلقه فِي شَيْء من الْأَشْيَاء وَالْعلم بِصِحَّة نبوة مُحَمَّد ﷺ وَصِحَّة كل مَا أَتَى بِهِ مِمَّا نَقله إِلَيْنَا الصَّحَابَة كلهم ﵃ وَنَقله عَنْهُم الكواف كَافَّة بعد كَافَّة حَتَّى بلغ إِلَيْنَا أَن نَقله الْمُتَّفق على عَدَالَته مثله وَهَكَذَا حَتَّى بلغ رَسُول الله ﷺ فَهُوَ كُله علم حق مُتَيَقن مَقْطُوع على صِحَّته عِنْد الله تَعَالَى لَان الْأَخْذ بِالظَّنِّ فِي شَيْء من الدّين لَا يحل قَالَ

стр. 689

الله تَعَالَى ﴿أَن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ إيَّاكُمْ وَالظَّن فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ فصح أَن الدّين مَحْفُوظ لما ضمن الله حفظه فَنحْن على يَقِين أَنه لَا يجوز أَن يكون فِيهِ شكّ وَقد أَمر الله تَعَالَى بِقبُول خبر الْوَاحِد الْعدْل وَمن الْمحَال أَن يَأْمر الله بِأَن نقُول عَلَيْهِ مَا لم يقل وَهُوَ قد حرم ذَلِك أَو أَن نقُول عَلَيْهِ مَالا نعلم أَنه تَعَالَى قد حرم ذَلِك بقوله ﴿وَإِن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ فَكل مَا أمرنَا الله بالْقَوْل بِهِ فَنحْن على يَقِين من أَنه من الدّين وَأَن الله تَعَالَى قد حماه من كل دخل وَكَذَلِكَ أَخذنَا بالزايد من الِاثْنَيْنِ المتعارضين وَمن الْخَبَرَيْنِ المتعارضين وَقد علمنَا صِحَة أَن الْحق فِي فعلنَا ذَلِك علم ضَرُورَة مُتَيَقن وَلَا أعجب مِمَّن يَقُول أَن خبر الْوَاحِد لَا يُوجب الْعلم وَإِنَّمَا هُوَ غَالب ظن ثمَّ نقطع بِهِ ونقول أَنه قد دخلت فِي الدّين دواخل لَا تميز من الْحق وَأَنه لَا سَبِيل إِلَى تَمْيِيز مَا أَمر الله تَعَالَى بِهِ فِي الدّين مِمَّا شَرعه الكذابون هَذَا أَمر نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ وَمن الرضاء بِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما مَا اجْتمعت عَلَيْهِ الْجَمَاعَات الْعَظِيمَة من أرائهم مِمَّا لم يَأْتِ بِهِ نَص عَن الله وَلَا عَن رَسُول الله ﷺ فَهُوَ بَاطِل عِنْد الله بِيَقِين لِأَنَّهُ شرع فِي الدّين مَا لم يَأْذَن الله وَقَالَ على الله تَعَالَى مَا لم يقلهُ وبرهان ذَلِك أَنه قد يُعَارض ذَلِك قَول آخر قالته جماعات مثل هَذِه وَالْحق لَا يتعارض والبرهان لَا يناقضه برهَان آخر وَقد تقصينا هَذَا فِي كتَابنَا المرسوم بِكِتَاب الْأَحْكَام فِي أصُول الْأَحْكَام فأغني عَن ترداده وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَكل من كَانَ من أهل الْملَل الْمُخَالفَة فبلغته معجزات النَّبِي ﷺ وَقَامَت عَلَيْهِ الْبَرَاهِين فِي التَّوْحِيد فَهُوَ مُضْطَر إِلَى الْإِقْرَار بِاللَّه تَعَالَى وبنبوة مُحَمَّد ﷺ وَكَذَلِكَ كل من قَامَ على شَيْء مَا أَي شَيْء كَانَ عِنْده برهَان ضَرُورِيّ صَحِيح وفهمه فَهُوَ مُضْطَر إِلَى التَّصْدِيق بِهِ سَوَاء كَانَت من الْملَل أَو من النَّحْل أَو من غير ذَلِك وَإِنَّمَا أنكر الْحق فِي ذَلِك أحد ثَلَاثَة إِمَّا غافل معرض عَمَّا صَحَّ عِنْده من ذَلِك مشتغل عَنهُ بِطَلَب معاشه أَو بالتزايد من مَال أَو جاه أَو صَوت أَو لَذَّة أَو عمل يَظُنّهُ صلاحاً أَو إيثارا للمشغل بِمَا يتَبَيَّن لَهُ من ذَلِك عَجزا وَضعف عقل وَقلة تَمْيِيز لفضل الْإِقْرَار بِالْحَقِّ أَو مسوف نَفسه بِالنّظرِ كَحال كل طبقَة من الطَّبَقَات الَّذين نشاهدهم فِي كل مَكَان وكل زمَان وَأما مقلد لأسلافه أَو لمن نَشأ بَينهم قد شغله حسن الظَّن بِمن قلد أَو استحسانه لما قلد فِيهِ وغمر الْهوى عقله عَن التفكير فِيمَا فهم من الْبُرْهَان قد حَال مَا ذكرنَا بَينه وَبَين الرُّجُوع إِلَى الْحق وَصرف الْهوى نَاظر قلبه عَن التفكر فِيمَا يتَبَيَّن لَهُ من الْبُرْهَان وَنَفر عَنهُ وأوحشه مِنْهُ فَهُوَ إِذا سمع برهاناً ظَاهرا لَا مدفع فِيهِ عِنْده ظَنّه من الشَّيْطَان وغالب نَفسه حَتَّى يعرض عَنهُ وَقَالَت لَهُ نَفسه لَا بُد إِن هَا هُنَا برهاناً يبطل بِهِ هَذَا الْبُرْهَان الَّذِي أسمع وَإِن كنت أَنا لَا أدريه وَهل خَفِي هَذَا على جَمِيع أهل ملتي وَأهل نحلتي أَو مذهبي أَو على فلَان وَفُلَان وَفُلَان وَلَا بُد إِنَّه قد كَانَ عِنْدهم مَا يبطلون بِهِ هَذَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا عَام فِي أَكثر من يظنّ أَنه عَالم فِي كل مِلَّة وكل نحلة وكل مَذْهَب وَلَيْسَ وَاحِد من هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ إِلَّا وَالْحجّة قد لَزِمته وبهرته وَلكنه غلب وساوس نَفسه وحماقتها على الْحَقَائِق اللائحة لَهُ وَنصر ظَنّه الْفَاسِد على يَقِين الثَّابِت وتلاعب الشَّيْطَان بِهِ وسخر مِنْهُ فأوهمه لشهوته لما هُوَ فِيهِ أَن هَا هُنَا دَلِيلا يبطل بِهِ هَذَا الْبُرْهَان وَأَنه لَو كَانَ فلَان حَيا أَو حَاضرا لأبطل هَذَا الْبُرْهَان وَهَذَا أعظم مَا يكون من السخافة لما لَا يدْرِي وَلَا سمع

стр. 690

بِهِ وَتَكْذيب لما صَحَّ عِنْده وَظهر إِلَيْهِ ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وَالثَّالِث مُنكر بِلِسَانِهِ مَا قد تَيَقّن صِحَّته بِقَلْبِه إِمَّا اسْتِدَامَة لرياسة أَو استدرار مكسب أَو طعما فِي أَحدهمَا لَعَلَّه يتم لَهُ أَو لَا يتم وَلَو تمّ لَهُ لَكَانَ خاسر الصَّفْقَة فِي ذَلِك أَو أثر غرُورًا ذَاهِبًا عَن قريب على فوز الْأَبَد أَو يفعل ذَلِك خوف أَذَى أَو عصبَة لمن خَالف مَا قد قَامَ الْبُرْهَان عِنْده أَو عَدَاوَة لقَائِل ذَلِك القَوْل الَّذِي قَامَ بِهِ عِنْده الْبُرْهَان وَهَذَا كُله مَوْجُود فِي جُمْهُور النَّاس من أهل كل مِلَّة وكل نحلة وَأهل كل رأى بل هُوَ الْغَالِب عَلَيْهِم وَهَذَا أَمر يجدونه من أنفسهم فهم يغالبونها قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَيُقَال لمن قَالَ مِمَّن ينتمي إِلَى الْإِسْلَام أَن المعارف لَيست باضطرار وَإِن الْكفَّار لَيْسُوا مضطرين إِلَى معرفَة الْحق فِي الربوبية والنبوة أخبرونا عَن معجزات الْأَنْبِيَاء ﵈ هَل رفعت الشَّك جملَة عَن كل من شَاهدهَا وحسمت عللها وفصلت بَين الْحق وَالْبَاطِل فصلا تَاما أَو لَا فَإِن قَالُوا نعم أقرُّوا بِأَن كل من شَاهدهَا مُضْطَر إِلَى الْمعرفَة بِأَنَّهَا من عِنْد الله تَعَالَى حق شَاهد بِصدق من أَتَى بهَا وَرَجَعُوا إِلَى الْحق الَّذِي هُوَ قَوْلنَا وَللَّه الْحَمد وَأَن قَالُوا لَا بل الشَّك بَاقٍ فِيهَا وَيُمكن أَن تكون غير شاهدة بِأَنَّهُم محقون قطع بِأَن الْأَنْبِيَاء ﵈ لم يَأْتُوا ببرهان وَإِن الشَّك بَاقٍ فِي أَمرهم وَأَن حجَّة الله تَعَالَى لم تقع على الْكفَّار وَلَا لَزِمَهُم قطّ لَهُ تَعَالَى حجَّة وَأَن الْأَنْبِيَاء ﵈ إِنَّمَا أَتَوا بِشَيْء رُبمَا قَامَ فِي الظَّن أَنه حق وَرُبمَا لم يقم وَهَذَا كف مُجَرّد من دَان بِهِ أَو قَالَه وَهَكَذَا نسألهم فِي الْبَرَاهِين الْعَقْلِيَّة على آيَات التَّوْحِيد وَفِي الكواف الناقلة أَعْلَام الْأَنْبِيَاء ﵈ حَتَّى يقرُّوا بِالْحَقِّ بِأَن حجج الله تَعَالَى بِكُل مَا ظَهرت وبهرت واضطرت الْكفَّار كلهم إِلَى تصديقها والمعرفة بِأَنَّهَا حق أَو يَقُولُوا أَنه لم تقم لله حجَّة على أحد وَلَا تبين قطّ لأحد تعين صِحَة نبوة مُحَمَّد ﷺ وَإِنَّمَا نَحن فِي الْإِقْرَار بذلك على ظن إِلَّا أَنه من الظنون قوي وَقد يُمكن أَن يكون بِخِلَاف ذَلِك وَمن قَالَ بِهَذَا فَهُوَ كفر مُجَرّد مَحْض شرك لَا خَفَاء بِهِ ونعوذ بِاللَّه من الخذلان قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن أنكر أَن يكون الْكفَّار وكل مُبْطل مضطرين إِلَى تَصْدِيق كل مَا قَامَ بِهِ برهَان بعد بُلُوغه إِلَيْهِم وَقَالَ أَن مَا اضْطر الْمَرْء إِلَى مَعْرفَته فَلَا سَبِيل لَهُ إِلَى إِنْكَاره أريناه كذب قَوْله فِي تكوين الأَرْض والأفلاك ومدار الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وتناهي مَسَافَة كل ذَلِك وَأكْثر النَّاس على إِنْكَار هَذَا وَدفعه الْحق فِي ذَلِك وَكَذَلِكَ من دَان بِالْقِيَاسِ والرأي أَو دَلِيل الْخطاب وَسمع الْبَرَاهِين فِي إِبْطَالهَا فَهُوَ مُضْطَر إِلَى معرفَة بطلَان مَا هُوَ عَلَيْهِ مكابر لعقله فِي ذَلِك مغالط لنَفسِهِ مغالب ليقينه مغلب لظنونه قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَعلم الْمَلَائِكَة ﵈ وَعلم النَّبِيين ﵈ بِصِحَّة مَا جَاءَتْهُم بِهِ الْمَلَائِكَة وأوحي إِلَيْهِم بِهِ وأروه فِي منامهم علم ضَرُورِيّ كساير مَا أدركوه بحواسهم وأوايل عُقُولهمْ وكعلمهم بِأَن أَرْبَعَة أَكثر من اثْنَيْنِ وَأَن النَّار حارة والبقل أَخْضَر وَصَوت الرَّعْد وحلاوة الْعَسَل ونتن الحلتيت وخشونة الْقُنْفُذ وَغير ذَلِك لَو لم يكن الْأَمر كَذَلِك لَكَانَ عِنْد الْمَلَائِكَة والنبيين شكا فِي أَمرهم وَهَذَا كفر مِمَّن أجَازه إِلَّا أَن الْمَلَائِكَة لَا علم لَهُم بِشَيْء إِلَّا هَكَذَا وَلَا ظن لَهُم أصلا لأَنهم لَا يخطئون وَلَا ركبُوا من طبايع متخالفة كَمَا ركب الْإِنْسَان فَإِن قَالَ قَائِل فَإِذا الْعلم كُله باضطرار والاضطرار فعل الله تَعَالَى فِي النُّفُوس فَكيف يُؤجر الْإِنْسَان أَو يعذب على فعل الله تَعَالَى فِيهِ قُلْنَا نعم لَا شَيْء فِي الْعَالم إِلَّا خلق الله تَعَالَى وَقد صَحَّ الْبُرْهَان بذلك على مَا أوردنا فِي كلامنا فِي خلق الْأَفْعَال فِي ديواننا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَمَا نقل حَافظ نصا وَلَا برهَان عقل بِالْمَنْعِ من أَن يعذبنا الله تَعَالَى ويؤجرنا على مَا خلق فِينَا وَالله تَعَالَى يفعل مَا يَشَاء لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون

стр. 691

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَكَيف يُنكر أهل الْغَفْلَة أَن يكون قوم يخالفون مَا هم إِلَى الْمعرفَة بهم مضطرون وهم يشاهدون السوفسطائية الَّذين يبطلون الْحَقَائِق جملَة وكما يعْتَقد النَّصَارَى وهم أُمَم لَا يحصي عَددهمْ إِلَّا خالقهم ورازقهم ومضلهم لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَفِيهِمْ عُلَمَاء بعلوم كَثِيرَة وملوك لَهُم التدابير الصائبة والسياسات المعجبة والآراء المحكمة والفطنة فِي دقائق الْأُمُور وبصر بغوامضها وهم مَعَ ذَلِك يَقُولُونَ أَن وَاحِدًا ثَلَاثَة وَثَلَاثَة وَاحِد وَأَن أحد الثَّلَاثَة أَب وَالثَّانِي ابْن وَالثَّالِث روح وَأَن الْأَب هُوَ الابْن وَلَيْسَ هُوَ الابْن وَالْإِنْسَان هُوَ الْإِلَه وَهُوَ غير إِلَه وَابْن الْمَسِيح إِلَه تَامّ وإنسان تَامّ وَهُوَ غَيره وَإِن الأول الَّذِي لم يزل هُوَ الْمُحدث الَّذِي لم يكن وَلَا هُوَ هُوَ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَيْسَ فِي الْجُنُون أَكثر من هَذَا واليعقوبية مِنْهُم وهم مئتين أُلُوف يَعْتَقِدُونَ الْبَارِي تَعَالَى عَن كفرهم ضرب بالسياط واللطام وصلب وَنحر وَمَات وَسَقَى الحنظل وَبَقِي الْعَالم ثَلَاثَة أَيَّام بِلَا مُدبر وكأصحاب الْحُلُول وغالية الرافضة الَّذين يَعْتَقِدُونَ فِي رجل جَالس مَعَهم كالحلاج وَابْن أبي الْعِزّ أَنه الله والإله عِنْدهم قد يَبُول ويسلح ويجوع فيأكل ويعطش فيشرب ويمرض فيسوقون إِلَيْهِ الطَّبِيب ويقلع ضرسه إِذا ضرب عَلَيْهِ ويتضر إِذا أَصَابَهُ دمل ويجامع ويحتجم ويفتصد وَهُوَ الله الَّذِي لم يزل وَلَا يزَال خَالق هَذَا الْعَالم كُله ورازقه ومحيصه ومدبره ومدبرا لأفلاك المميت المحيي الْعَالم بِمَا فِي الصُّدُور ويصبر وَفِي جنب هَذَا الِاعْتِقَاد على السجون والمطابق وَضرب السِّيَاط وَقطع الْأَيْدِي والأرجل وَالْقَتْل والصلب وهتك الْحَرِيم وَفِيهِمْ قُضَاة وَكتاب وتجاورهم الْيَوْم الرف وكما يَدعِي طوائف الْيَهُود وَطَوَائِف من الْمُسلمين أَن رَبهم تَعَالَى جَسَد فِي صُورَة الْإِنْسَان لحم وَدم يمشي وَيقْعد كالأشعرية الَّذين يَقُولُونَ إِن هَا هُنَا أحوالاً لَا مخلوقة وَلَا غير مخلوقة وَلَا مَعْلُومَة وَلَا مَجْهُولَة وَلَا حق وَلَا بَاطِل وَأَن النَّار لَيست حارة والثلج لَيْسَ بَارِد وكما يَقُول بعض الْفُقَهَاء وَأَتْبَاعه أَن رجلا وَاحِدًا يكون ابْن رجلَيْنِ وَابْن امْرَأتَيْنِ كل وَاحِد مِنْهُمَا أمه وَهُوَ ابْنهَا بِالْولادَةِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد أَتَرَى كل من ذكرنَا لَا تشهد نَفسه وحسه وَلَا يقر عقله بِأَن كل هَذَا ابطل بلَى وَالَّذِي خلقهمْ وَلَكِن الْعَوَارِض الَّتِي ذكرنَا قبل سهلت عَلَيْهِم هَذَا الِاخْتِلَاط وكرهت عَلَيْهِم الرُّجُوع إِلَى الْحق والإذعان لَهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما العناد فقد شَاهَدْنَاهُ من كل مَا رَأَيْنَاهُ فِي المناظرة فِي الدّين وَفِي الْمُعَامَلَات فِي الدُّنْيَا أَكثر من أَن يحصي مِمَّن يعلم الْحق يَقِينا ويكابر على خِلَافه ونعوذ بِاللَّه من الخذلان ونسأله الْهدى والعصمة قَالَ أَبُو مُحَمَّد لَا يدْرك الْحق من طَرِيق الْبُرْهَان إِلَّا من صفى عقله وَنَفسه من الشواغل الَّتِي قدمنَا وَنظر من الْأَقْوَال كلهَا نظرا وَاحِدًا واستوت عِنْده جَمِيع الْأَقْوَال ثمَّ نظر فِيهَا طَالبا لما شهِدت الْبَرَاهِين الراجعة رُجُوعا صَحِيحا غَيره مموه ضَرُورِيًّا إِلَى مُقَدمَات مَأْخُوذَة من أوايل الْعقل والحواس غير مسامح فِي شَيْء من ذَلِك فَهَذَا مَضْمُون لَهُ بعون الله الْوُقُوف على الْحَقَائِق والخلاص من ظلمَة الْجَهْل وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما نَقله اثْنَان فَصَاعِدا نوقن أَنَّهُمَا لم يجتمعا وَلَا تساررا فَأخْبر بِخَبَر وَاحِد رَاجع إِلَى مَا أدْركهُ بالحواس من أَي شَيْء كَانَ فَهُوَ حق بِلَا شكّ مَقْطُوع على حيته وَالنَّفس مضطرة إِلَى تَصْدِيقه وَهَذَا قَول أحد الكافة وأولها إِذْ لَا يُمكن الْبَتَّةَ إِنْفَاق اثْنَيْنِ فِي وليد حَدِيث وَاحِد لَا يَخْتَلِفَانِ فِيهِ عَن غير تواطؤ وَأما إِذا تواطأت الْجَمَاعَة الْعَظِيمَة فقد تَجْتَمِع على الْكَذِب وَقد شاهدنا جماعات يشكرون ولاتهم وهم كاذبون إِلَّا أَن هَذَا لَا يُمكن أَن ينفقوا على ظَنّه أبدا وَمن أنكر مَا تنقله الكافة لزمَه أَن لَا يصدق أَنه كَانَ فِي الدُّنْيَا أحد قبله لِأَنَّهُ لَا يعرف كَون النَّاس إِلَّا بالْخبر

стр. 692

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد يضْطَر خبر الْوَاحِد فِي بعض الْأَوْقَات إِلَى التَّصْدِيق يعرف ذَلِك من تدبر أُمُور نَفسه كمتذر يَمُوت إِنْسَان لدفنه وكرسالة من عِنْد السُّلْطَان يَأْتِي بهَا بريد وككتاب وَارِد من صديق بديهة وكمخبر يُخْبِرك أَن هَذَا دَار فلَان وكمنذر بعرس عِنْد فلَان وكرسول من عِنْد القَاضِي وَالْحَاكِم وَسَائِر ذَلِك من أَخْبَار بِأَن هَذَا فلَان بن فلَان وَمثل هَذَا كثير جدا وَهَذَا لَا يَنْضَبِط بِأَكْثَرَ مِمَّا يسمع وَمن رَاعى هَذَا الْمَعْنى لم يمض لَهُ يَوْم وَاحِد قطعا حَتَّى يُشَاهد فِي منزله وخارج منزله من خبر وَاحِد مَا يضْطَر إِلَى تَصْدِيقه وَلَا بُد كثيرا جدا وَأما فِي الشَّرِيعَة فخبر الْوَاحِد الثِّقَة مُوجب للْعلم وبرهان شَرْعِي قد ذَكرْنَاهُ فِي كتَابنَا الْأَحْكَام لأصول الْأَحْكَام وَقد ادّعى المخالفون أَن مَا اتّفقت عَلَيْهِ أمتنَا بآرائها فَهِيَ معصومة بِخِلَاف سَائِر الْأُمَم وَلَا رهان على هَذَا وَقَالَ النظام أَن خبر التَّوَاتُر لَا يضْطَر لِأَن كل وَاحِد مِنْهُم يجوز عَلَيْهِ الْغَلَط وَالْكذب وَكَذَلِكَ يجوز على جَمِيعهم وَمن الْمحَال أَن يجْتَمع مِمَّن يجوز عَلَيْهِ الْكَذِب وَمِمَّنْ يجوز عَلَيْهِ الْكَذِب من لَا يجوز عَلَيْهِ الْكَذِب وَنظر ذَلِك بأعمى وأعمى وأعمي فَلَا يجوز أَن يجْتَمع مبصرون قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا تنظير فَاسد لِأَن الْأَعْمَى لَيْسَ فِيهِ شَيْء من صِحَة الْبَصَر وَلَيْسَ كَذَلِك المخبرون لِأَن كل وَاحِد مِنْهُم كَمَا يجوز عَلَيْهِ الْكَذِب كَذَلِك يجوز عَلَيْهِ الصدْق وَيَقَع مِنْهُ وَقد علم بضرورة الْعقل أَن اثْنَيْنِ فَصَاعِدا إِذا فرق بَينهمَا لم يُمكن الْبَتَّةَ مِنْهُمَا أَن يتَّفقَا على توليد خبر كَاذِب يتفقان فِي لَفظه وَمَعْنَاهُ فصح أَنَّهُمَا إِذا أخبرا بِخَبَر فاتفقا فِيهِ أَنَّهُمَا أخبرا عَن علم صَحِيح مَوْجُود عِنْدهمَا وَمن أنكر هَذَا لزمَه أَن لَا يصدق بِشَيْء من الْبِلَاد الغائبة عَنهُ وَلَا بالملوك السالفين وَلَا بالأنبياء وَهَذَا خُرُوج إِلَى الْجُنُون بِلَا شكّ أَو إِلَى المكابرة فِي الْحس وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن قَالَ قَائِل كَيفَ أجزتم هَهُنَا إِطْلَاق اسْم الضَّرُورَة والاضطرار ومنعتم من ذَلِك فِي أَفعَال الفاعلين عِنْد ذكركُمْ الِاسْتِطَاعَة وَخلق الله تَعَالَى أَفعَال الْعباد وكل ذَلِك عنْدكُمْ خلق الله تَعَالَى فِي عباده قُلْنَا أَن الْفرق بَين الْأَمريْنِ فِي ذَلِك لائح وَهُوَ أَن الْفَاعِل متوهم مِنْهُ ترك فعله لَو اخْتَار تَركه وممكن مِنْهُ ذَلِك وَلَيْسَ مُمكنا مِنْهُ اعْتِقَاد خلاف مَا تيقنه بِأَن يرفع عَن نَفسه تَحْقِيق مَا عرف أَنه أَحَق فَهَكَذَا أَو قعناها هُنَا اسْم الِاضْطِرَار ومنعناه مِنْهُ هُنَالك وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد الْكَلَام على من قَالَ بتكافؤ الْأَدِلَّة قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذهب قوم إِلَى القَوْل بتكافؤ الْأَدِلَّة وَمعنى هَذَا أَنه لَا يُمكن نصر مَذْهَب على مَذْهَب وَلَا تَغْلِيب مقَالَة على مقَالَة حَتَّى يلوح الْحق من الْبَاطِل ظَاهر بَينا لَا إِشْكَال فِيهِ بل دَلَائِل كل مقَالَة فَهِيَ مكائنه لدلائل سَائِر المقالات وَقَالُوا كل مَا ثَبت بالجدل فَإِنَّهُ بالجدل ينْقض وانقسم هَؤُلَاءِ إِلَى أَقسَام ثَلَاثَة فِيمَا أنتجه لَهُم هَذَا الأَصْل فطائفة قَالَت بتكافؤ الْأَدِلَّة جملَة فِي كل مَا اخْتلف فِيهِ فَلم تحقق الْبَارِي تَعَالَى وَلَا أبطلته وَلَا أَثْبَتَت النُّبُوَّة وَلَا أبطلتها وَهَكَذَا فِي جَمِيع الْأَدْيَان والأهواء لم تثبت شَيْئا من ذَلِك وَلَا أبطلته إِلَّا أَنهم قَالُوا إننا نوقن أَن الْحق فِي أحد هَذِه الْأَقْوَال بِلَا شكّ إِلَّا أَنه غير بَين إِلَى أحد الْبَتَّةَ وَلَا ظَاهر وَلَا متميز اصلا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَكَانَ إِسْمَاعِيل بن يُونُس الْأَعْوَر الطَّبِيب الْيَهُودِيّ تدل أَقْوَاله ومناظراته دلَالَة صَحِيحَة على أَنه كَانَ يذهب إِلَى هَذَا القَوْل لاجتهاده فِي نصر هَذِه الْمقَالة وَإِن كَانَ غير مُصَرح بِأَنَّهُ يعتقدها وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى بتكافؤ الْأَدِلَّة فِيمَا دون الْبَارِي تَعَالَى فَأثْبت الْخَالِق تَعَالَى وَقطعت بِأَنَّهُ حق خَالق لكل مَا دونه بِيَقِين لَا شكّ فِيهِ ثمَّ لم نحقق النُّبُوَّة وَلَا أبطلتها وَلَا حققت دين مِلَّة وَلَا أبطلته لَكِن قَالَت أَن فِي هَذِه الْأَقْوَال قولا صَحِيحا بِلَا شكّ إِلَّا

стр. 693

أَنه غير ظَاهر إِلَى أحد وَلَا بَين وَلَا كلفه الله تَعَالَى أحدا وَكَانَ إِسْمَاعِيل بن القراد الطَّبِيب الْيَهُودِيّ يذهب إِلَى هَذَا القَوْل يَقِينا وَقد ناظرنا عَلَيْهِ مُصَرحًا بِهِ وَكَانَ يَقُول إِذا دعوناه إِلَى الْإِسْلَام وحسمنا شكوكه ونفضنا علله الِانْتِقَال فِي الْملَل تلاعب قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد ذكرلنا عَن قوم من أهل النّظر والرياسة فِي الْعلم هَذَا القَوْل إِلَّا أننا لم يثبت ذَلِك عندنَا عَنْهُم وَطَائِفَة قَالَت بتكافؤ الْأَدِلَّة فِيمَا دون الْبَارِي وَدون النُّبُوَّة فَقطعت أَن الله حق وَأَنه خَالق الْخلق وَأَن النُّبُوَّة حق وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ﷺ حَقًا ثمَّ لم يغلب قولا من من أَقْوَال أهل الْقبْلَة على قَول بل قَالُوا أَن فِيهَا قولا هُوَ الْحق بِلَا شكّ إِلَّا أَنه غير بَين إِلَى أَحْمد وَلَا ظَاهر وَأما الْأَقْوَال الَّتِي صَارُوا إِلَيْهَا فِيمَا يثبتوا عَلَيْهَا مِنْهَا فطائفة لَزِمت الْحيرَة وَقَالَت لَا نَدْرِي مَا نعتقد وَلَا يمكننا أَخذ مقَالَة لم يَصح عندنَا دون غَيرهَا مغالطين لأنفسنا مكابرين لعقولنا لَكنا لَا ننكر شَيْئا من ذَلِك وَلَا نثبته وَجُمْهُور هَذِه الطَّائِفَة مَالَتْ إِلَى اللَّذَّات وأمراح النُّفُوس فِي الشَّهَوَات كَيفَ مَا مَالَتْ إِلَيْهِ بطبايعها وَطَائِفَة قَالَت على الْمَرْء فرض لموجب الْعقل أَلا يكون سداً بل يلْزمه وَلَا بُد أَن يكون لَهُ دين برد جربه عَن الظُّلم والقبائح وَقَالُوا من لَا دين لَهُ فَهُوَ غير مَأْمُور فِي هَذَا الْعَالم على الْإِفْسَاد وَقتل النُّفُوس غيلَة وجهراً وَأخذ الْأَمْوَال خِيَانَة وعصياً والتعدي على الْفروج تحيلاً وَعَلَانِيَة وَفِي هَذَا هَلَاك الْعَالم بأسره وَفَسَاد البنية وانحلال النظام وَبطلَان الْعُلُوم والفضائل كلهَا الَّتِي تَقْتَضِي الْعُلُوم يلْزمهَا وَهَذَا هُوَ الْفساد الَّذِي توجب الْعُقُول التَّحَرُّز مِنْهُ واجتنابه قَالُوا فَمن لَا دين لَهُ فَوَاجِب على كل من قدر على قَتله أَن يُسَارع إِلَى قَتله وإراحة الْعَالم مِنْهُ وتعجيل استكفاف ضره لِأَنَّهُ كالأفعى وَالْعَقْرَب أَو أضرّ مِنْهُمَا ثمَّ انقسم هَؤُلَاءِ قسمَيْنِ قَالَت طَائِفَة فَإِذا الْأَمر كَذَلِك فَوَجَبَ على الْإِنْسَان لُزُوم الدّين الَّذِي نَشأ عَلَيْهِ أَو ولد عَلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الدّين الَّذِي تخيره الله لَهُ فِي مبدأ خلقه ومبدأ نشأته بِيَقِين وَهُوَ الَّذِي أثْبته الله عَلَيْهِ فَلَا يحل لَهُ الْخُرُوج عَمَّا رتبه الله تَعَالَى فِيهِ وابتداه عَلَيْهِ أَي دين كَانَ وَهَذَا كَانَ قَول إِسْمَاعِيل بن القداد وَكَانَ يَقُول من خرج من دين إِلَى دين فَهُوَ وقاح متلاعب بالأديان عَاص لله المتعبد لَهُ بذلك الدّين وَكَانَ يَقُول بِالْمَسْأَلَة الْكُلية وَمعنى ذَلِك أَلا يبْقى أحد دون دين يَعْتَقِدهُ على مَا ذكرنَا آنِفا وَقَالَت طَائِفَة لَا عذر للمرء فِي لُزُوم دين أَبِيه وجده أَو سَيّده وجاره وَلَا حجَّة فِيهِ لَكِن الْوَاجِب على كل أحد أَن يلْزم مَا اجْتمعت الديانَات بأسرها والعقول بكليتها على صِحَّته وتفضيله فَلَا يقتل أحدا وَلَا يَزْنِي وَلَا يلوط وَلَا يبغ بِهِ وَلَا يسع فِي إِفْسَاد حُرْمَة أحد وَلَا يسرق وَلَا يغصب وَلَا يظلم وَلَا يجر وَلَا يحن وَلَا يغش وَلَا يغتب وَلَا ينم وَلَا يسفه وَلَا يضْرب أحدا وَلَا يستطيل عَلَيْهِ وَلَكِن يرحم النَّاس وَيتَصَدَّق وَيُؤَدِّي الْأَمَانَة ويؤمن النَّاس شَره ويعين الْمَظْلُوم وَيمْنَع مِنْهُ فَهَذَا هُوَ الْحق بِلَا شكّ لِأَنَّهُ الْمُتَّفق عَلَيْهِ من الديانَات كلهَا ويتوقف عَمَّا اخْتلفُوا فِيهِ لَيْسَ علينا غير هَذَا لِأَنَّهُ لم يلح لنا الْحق فِي شَيْء مِنْهُ دون غَيره قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَذِهِ أصولهم ومعاقدهم وَأما احتجاجهم فِي ذَلِك فَهُوَ أَنهم قَالُوا وجدنَا الديانَات والآراء والمقالات كل طَائِفَة تَدعِي أَنَّهَا إِنَّمَا اعتقدت مَا اعتقدته عَن الأوايل وبراهين باهرة وكل طَائِفَة مِنْهَا تناظر الْأُخْرَى فتنتصف مِنْهَا وَرُبمَا غلبت هَذِه فِي مجْلِس ثمَّ غلبتها الْأُخْرَى فِي مجْلِس آخر على حسب قُوَّة نظر المناظر وَقدرته على الْبَيَان والتحلل والتشعب لَهُم فِي ذَلِك كالمنحازين يكون الظفر سجالاً بَينهم قَالُوا فصح أَنه لَيْسَ هَا هُنَا قَول ظَاهر الغلية وَلَو كَانَ لما أشكل على أحد وَلم يخْتَلف النَّاس فِي ذَلِك كَمَا لم يَخْتَلِفُوا فِيمَا أدركوه بحواسهم وبداية عُقُولهمْ وكما لم يَخْتَلِفُوا فِي الْحساب وَفِي كل شَيْء عَلَيْهِ برهَان لايح قَالُوا وَمن الْمحَال أَن يَبْدُو الْحق إِلَى النَّاس

стр. 694

فعاندوه فَلَا معنى ويرضوا بِالْهَلَاكِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بِلَا سَبَب قَالُوا فَلَمَّا بَطل هَذَا صَحَّ أَن كل طَائِفَة إِنَّمَا تتبع أما مَا نشأت عَلَيْهِ وَأما مَا يخيل لأَحَدهم أَنه الْحق دون تثبيت وَلَا يَقِين قَالُوا وَهَذَا مشَاهد من أهل كل مِلَّة وَإِن كَانَ فِيهَا مَا لَا شكّ فِي سخافته وبطلانه وَقَالُوا أَيْضا إِنَّا نرى الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة قد طلبُوا علم الفلسفة وتبحروا ووسموا أنفسهم بِالْوُقُوفِ على الْحَقَائِق وبالخروج عَن جملَة الْعَامَّة وبأنهم قد اشرفوا على الصَّحِيح بالبراهين وميزو من الشغب والإقناع ونجد آخَرين قد تمهروا فِي علم الْكَلَام وأفنوا فِيهِ دهرهم ورسخوا فِيهِ وفخروا بِأَنَّهُم قد وقفُوا على الدلايل الصِّحَاح وميزوها من الْفَاسِدَة وَأَنَّهُمْ قد لَاحَ لَهُم الْفرق بَين الْحق وَالْبَاطِل والحجج والإنصاف ثمَّ نجدهم كلهم يَعْنِي جمع هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ فلسفتهم وَكَلَامهم فِي أديانهم الَّتِي يقرونَ أَنَّهَا نجاتهم أَو هلكتهم مُخْتَلفين كاختلاف الْعَامَّة وَأهل الْجَهْل بل أَشد اخْتِلَافا فَمن يَهُودِيّ يَمُوت على يَهُودِيَّته وَنَصْرَانِي يتهالك عل نصرانيته وتثليثه ومجوسي يستميت على مجوسيته وَمُسلم يستقتل فِي إِسْلَامه ومنافي يستهلك فِي مانونيته ودهري يَنْقَطِع فِي دهريته قد اسْتَوَى العامى الْمُقَلّد من كل طَائِفَة فِي ذَلِك مَعَ الْمُتَكَلّم الماهر الْمُسْتَدلّ بِزَعْمِهِ ثمَّ نجد أهل هَذِه الْأَدْيَان فِي فرقهم أَيْضا كَذَلِك سَوَاء سَوَاء فَإِن كَانَ يَهُودِيّا فاما رباني يتقد غيظاً على سَائِر فرق دينه وَأما صائبي يلعن سَائِر فرق دينه وَأما عيسوي يسخر من سَائِر فرق دينه وَأما سامري يبرأ من سَائِر فرق دينه وَإِن كَانَ نَصْرَانِيّا فإمَّا ملكي يتهالك غيظاً على سَائِر فرق دينه وَأما نسطوري يقداسنا على سَائِر فرق دينه وَأما يعقوبي يسْخط على سَائِر فرق دينه وَإِن كَانَ مُسلما فإمَّا خارجي يسْتَحل دِمَاء سَائِر أهل مِلَّته وَأما معتزلي يكفر سَائِر فرق مِلَّته وَأما شيعي لَا يتَوَلَّى سَائِر فرق مِلَّته وَأما مرجئي لَا يرضى عَن سَائِر فرق مِلَّته وَأما سني ينافر فرق مِلَّته قد اسْتَوَى فِي ذَلِك الْعَاميّ والمقلد الْجَاهِل والمتكلم بِزَعْمِهِ الْمُسْتَدلّ وكل امْرِئ من متكلمي الْفرق الَّتِي ذكرنَا يَدعِي أَنه إِنَّمَا أَخذ مَا أَخذ وَترك مَا ترك ببرهان وَاضح ثمَّ هَكَذَا نجدهم حَتَّى فِي الْفتيا إِمَّا حنيفي يُجَادِل عَن حنيفيته وَإِمَّا مالكي يُقَاتل عَن مالكيته وَإِمَّا شَافِعِيّ يناضل عَن شافعيته وَإِمَّا حنبلي يضارب عَن حنبليته وَإِمَّا ظاهري يحارب ظاهريته وَإِمَّا متحير مستدل فهنالك جَاءَ التجازب حَتَّى لَا يتَّفق اثْنَان مِنْهُم على مائَة مَسْأَلَة إِلَّا فِي الندرة وكل امْرِئ مِمَّن ذكرنَا يزرى على الآخرين وَكلهمْ يَدعِي أَنه أشرف على الْحَقِيقَة وَهَكَذَا الْقَائِلُونَ بالدهر أَيْضا متباينون متنابذون مُخْتَلفُونَ فِيمَا بَينهم فَمن مُوجب أَن الْعَالم لم يزل وَإِن لَهُ فَاعِلا لم يزل وَمن مُوجب إزالية الْفَاعِل وَأَشْيَاء أخر مَعَه وَأَن سَائِر الْعَالم محدوث وَمن مُوجب إزالية الْفَاعِل وحدوث الْعَالم أمبطل للنبوات كلهَا كَمَا اخْتلف سَائِر أهل النَّحْل أَولا فرق قَالُوا فصح أَن جَمِيعهم إِمَّا مُتبع للَّذي نَشأ عَلَيْهِ والنحلة الَّتِي تربي عَلَيْهَا وَإِمَّا مُتبع لهواه قد تخيل لَهُ أَنه الْحق فهم على مَا ذكرنَا دون تَحْقِيق قَالُوا فَلَو كَانَ للبرهان حَقِيقَة لما اخْتلفُوا فِيهِ هَذَا الِاخْتِلَاف ولبان على طول الْأَيَّام وكرور الزَّمَان ومرور الدهور وتداول الأجيال لَهُ وَشدَّة الْبَحْث وَكَثْرَة ملاقاة الْخُصُوم ومناظراتهم وإفنائهم الْأَوْقَات وتسويدهم الْقَرَاطِيس واستنفاذ وسمعهم وَجَهْدهمْ أَيْن الْحق فيرتفع الْإِشْكَال بل الْأَمر وَاقِف بِحَسبِهِ أمتزيد فِي الِاخْتِلَاف وحدوث التجاذب وَالْفرق قَالُوا وَأَيْضًا فَإنَّا نرى الْمَرْء الْفَهم الْعَالم النَّبِيل الْمُتَيَقن فِي عُلُوم الفلسفة وَالْكَلَام وَالْحجاج المستنفذ لعمره فِي طلب الْحَقَائِق المؤثرة للبحث عَن الْبُرْهَان على كل مَا سواهُ من لَذَّة أَو مَال أَو جَاءَ المستفرغ لقُوته فِي ذَلِك النافر عَن التَّقْلِيد يعْتَقد مقَالَة وَمَا يناظر عَنْهَا ويحاجج دونهَا ويدافع أمامها ويعادي من خالفها مجداً فِي ذَلِك موقناً بصوابه وَخطأ من خَالفه منافراً لَهُ مضللاً أَو مكفراً فَيبقى كَذَلِك الدَّهْر الطَّوِيل

стр. 695

والأعوام الجمة ثمَّ تبدو لَهُ بادية عَنْهَا فَيرجع أَشد مَا كَانَ عَدَاوَة لما كَانَ ينصر وَلَا هَل لَك الْمقَالة الَّتِي كَانَ يدين بِصِحَّتِهَا وينصرف يُقَاتل فِي إِبْطَالهَا ويناظر فِي إفسادها ويعتقد من ضلالها وضلال أَهلهَا الَّذِي كَانَ يعْتَقد من صِحَّتهَا ويعجب الْآن من نَفسه أمس وَرُبمَا عَاد إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَو خرج إِلَى قَول ثَالِث قَالُوا فَدلَّ هَذَا على فَسَاد الْأَدِلَّة وعَلى تكافؤها جملَة وَإِن كل دَلِيل فَهُوَ هَادِم الآخر كِلَاهُمَا بهدم صَاحبه وَقَالُوا أَيْضا لَا يَخْلُو من حقق شَيْئا فَمن هَذِه الديانَات أَو المقالات من أَن يكون صَحَّ لَهُ أَو لم يَصح لَهُ وَلَا سَبِيل إِلَى قسم ثَالِث قَالُوا فَإِن كَانَ لم يَصح لَهُ بِأَكْثَرَ من دَعْوَاهُ أَو من تَقْلِيده مُدعيًا فَلَيْسَ هُوَ أولى من غَيره بِالصَّوَابِ وَإِن كَانَ صَحَّ لَهُ فَلَا يَخْلُو من أَن يكون صَحَّ لَهُ بالحواس أَو بَعْضهَا أَو بضرورة الْعقل وبديهيته أَو صَحَّ لَهُ بِدَلِيل مَا غير هذَيْن وَلَا سَبِيل إِلَى قسم رَابِع فَإِن كَانَ صَحَّ لَهُ بالحواس أَو بِبَعْضِهَا أَو بضرورة الْعقل وبديهته فَيجب أَن لَا يخْتَلف فِي ذَلِك أحد كَمَا لم يَخْتَلِفُوا فِيمَا أدْرك بالحواس وبديهة الْعقل من أَن ثلثة أَكثر من اثْنَيْنِ وَأَنه لَا يكون الْمَرْء قَاعِدا قَائِما مَعًا بِالْعقلِ فَلم يبْق إِلَّا أَن يَقُولُوا أَنه صَحَّ لنا بِدَلِيل غير الْحَواس فنسألهم عَن ذَلِك الدَّلِيل بِمَاذَا صَحَّ عنْدكُمْ بِالدَّعْوَى فلستم بِأولى من غَيْركُمْ فِي دَعْوَاهُ أم بالحواس وبديهة الْعقل فَكيف خولفتهم فِيهِ هَذَا وَلَا يخْتَلف فِي مدركاته أحد أم بِدَلِيل غير ذَلِك وَهَكَذَا أبدا إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ قَالُوا وَهَذَا مَا لَا مخلص لَهُم مِنْهُ قَالُوا ونسألهم أَيْضا عَن علمهمْ بِصِحَّة مَا هم عَلَيْهِ أيعلمون أَنهم يعلمُونَ ذَلِك أم لَا فَإِن قَالُوا لَا نعلم ذَلِك أحالوا وَسقط قَوْلهم وكفونا مؤونتهم لأَنهم يقرونَ أَنهم لَا يعلمُونَ أَنهم يعلمُونَ مَا علمُوا وَهَذَا هوس وإفساد لما يعتقدونه وَإِن قَالُوا بل نعلم ذَلِك سألناهم أبعلم علمُوا ذَلِك أم بِغَيْر علم وَهَكَذَا أبدا وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون للْعلم علم ولعلم الْعلم علم إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَهَذَا عِنْدهم محَال قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا كل مَا موهوا بِهِ مَا نعلم لَهُم شغباً غير مَا ذكرنَا وَلَهُم مُتَعَلق سَوَاء أصلا بل قد زدناهم فَمَا رَأينَا لَهُم وتقصيناه لَهُم بغاية الْجهد كَمَا فعلنَا بِأَهْل كل مقَالَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكل هَذَا الَّذِي موهوا بِهِ منحل بِيَقِين ومنتقض بأبين برهَان بِلَا كثير كلفة وَلم تَجِد أحدا من الْمُتَكَلِّمين السالفين أورد بَابا خَالِصا فِي النَّقْض على هَذِه الْمقَالة وَنحن إِن شَاءَ الله تَعَالَى ننقض كل مَا موهوا بِهِ بالبراهين الْوَاضِحَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَذَلِكَ بعد أَن نبين فَسَاد معاقد هَذِه الطوائف الْمَذْكُورَة إِن شَاءَ الله قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد أما الطَّائِفَة الْمُتَحَيِّرَة فقد شهِدت على أَنْفسهَا بِالْجَهْلِ وكفت خصومها مؤنتها فِي ذَلِك وَلَيْسَ جهل من جهل حجَّة على علم من علم وَلَا من لم يتَبَيَّن لَهُ الشَّيْء غباراً على من تبين لَهُ بل من علم فَهُوَ الْحجَّة على من جهل هَذَا هُوَ الَّذِي لَا يشك أحد فِيهِ فِي جَمِيع الْعُلُوم والصناعات وكل مَعْلُوم يُعلمهُ قوم ويجهله قوم وَلَا أَحمَق مِمَّن يَقُول لما جهلت أَنا أَمر كَذَا وَلم أعرفهُ علمت أَن كل أحد جَاهِل لَهُ كجهل وَهَذِه صفة هَؤُلَاءِ الْقَوْم نَفسهَا وَلَو سَاغَ هَذَا لأحد لبطلت الْحَقَائِق وَجَمِيع المعارف وَجَمِيع الصناعات إِذْ لكل شَيْء مِنْهَا من يجهله من النَّاس نعم وَمن لَا يتحجج فِيهِ وَلَا يفهمهُ وَإِن طلبه هَذَا أَمر مشَاهد بالحواس فهم قد أقرُّوا بِالْجَهْلِ وندعي نَحن الْعلم بِحَقِيقَة مَا اعْتَرَفُوا بجهلهم بِهِ فَالْوَاجِب عَلَيْهِم أَن ينْظرُوا فِي براهين المدعين للمعرفة بِمَا جهلوه نظرا صَحِيحا مُقْتَضى بِغَيْر هوى فَلَا بُد يَقِينا من أَن يلوح حَقِيقَة قَول المحق وَبطلَان قَول الْمُبْطل فتزول عَنْهُم الْحيرَة وَالْجهل حِينَئِذٍ فَسَقَطت هَذِه الْمقَالة بِيَقِين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأما من قطع بِأَن لَيْسَ هَا هُنَا مَذْهَب صَحِيح أصلا فَإِن قَوْله ظَاهر الْفساد بِيَقِين لَا إِشْكَال فِيهِ لأَنهم أثبتوا حَقِيقَة وجود الْعَالم بِمَا فِيهِ وَحَقِيقَة

стр. 696

مَا يدْرك بالحواس وبأول الْعقل وبديهته ثمَّ لم يصححوا حُدُوثه وَلَا أزليته وَلَا أبطلوا حُدُوثه وأزليته مَعًا وَلم يصححوا أَن لَهُ خَالِقًا وَلَا أَنه لَا خَالق لَهُ وأبطلوا كلا الْأَمريْنِ وأبطلوا النُّبُوَّة وأبطلوا إبطالهما فقد خَرجُوا يَقِينا إِلَى الْمحَال وَإِلَى أقبح قَول السوفسطائية وفارقوا بديهة الْعقل وضرورته الَّتِي قد حققوها وَصَدقُوا مُوجبهَا إِذْ لَا خلاف بَين أحد لَهُ مسكة عقل فِي أَن كل مَا لم يكن حَقًا فَهُوَ بَاطِل وَمَا لم يكن بَاطِلا فَإِنَّهُ حق وَإِن اثْنَيْنِ قَالَ أَحدهمَا فِي قَضِيَّة وَاحِدَة فِي حكم وَاحِد قَالَ نعم وَالْآخر لَا فأحدهما صَادِق بِلَا شكّ وَالْآخر كَاذِب بِلَا شكّ هَذَا يعلم بضرورة الْعقل وبديهته وَأما قَول قَائِل هَذَا حق بَاطِل مَعًا من وَجه وَاحِد فِي وَقت وَاحِد وَقَول من قَالَ لَا حق وَلَا بَاطِل فَهُوَ بَين بَاطِل مَعْلُوم بضرورة الْعقل وبديهته فَوَاجِب بإقرارهم أَن من قَالَ إِن الْعَالم لم يزل وَقَالَ الآخر هُوَ مُحدث أَن أَحدهمَا صَادِق بِلَا شكّ وَكَذَلِكَ من أثبت النُّبُوَّة وَمن نفاها فَظهر بِيَقِين وضرورة الْعقل يَقِينا فَسَاد هَذِه الْمقَالة إِلَّا أَن يبطلوا الْحَقَائِق ويلحقوا بالسوفسطائية فيكلمون حِينَئِذٍ بِمَا تكلم بِهِ السوفسطائية مِمَّا ذَكرْنَاهُ من قبل وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما من مَال إِلَى اللَّذَّات جملَة فَإِنَّهُ إِن كَانَ من إِحْدَى هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ فقد بَطل عقده وَصَحَّ يَقِينا أَنه على ضلال وَخطأ وباطل وَفَسَاد فِي أصل معتقده الَّذِي أَدَّاهُ إِلَى الإنهماك وَإِذا بَطل شَيْء بِيَقِين قد بَطل مَا تولد مِنْهُ وَإِن مَال إِلَى أحد الْأَقْوَال الآخر فَكلهَا مُبْطل للُزُوم اللَّذَّات والإنهماك فصح ضَرُورَة بطلَان هَذِه الطَّرِيقَة وَإِن صَار إِلَى تَحْقِيق الدهرية كلم بِمَا تكلم بِهِ الدهرية مِمَّا قد أوضحناه وَالْحَمْد لله وَأما من قَالَ بإلزام الْمَرْء دين سلفه وَالدّين الَّذِي نَشأ عَلَيْهِ فخطأ لَا خَفَاء بِهِ لأننا نقُول لمن قَالَ بِوُجُوب ذَلِك ولزومه أخبرنَا من أوجبه وَمن ألزمهُ فالإيجاب والإلزام يَقْتَضِي فَاعِلا ضَرُورَة وَلَا بُد مِنْهَا فَمن ألزم مَا ذكرْتُمْ من أَن يلْزم الْمَرْء دين سلفه أَو الدّين الَّذِي نَشأ عَلَيْهِ الله ألزم ذَلِك جَمِيع عباده أم غير الله تَعَالَى أوجب ذَلِك إِمَّا إِنْسَان وَإِمَّا عقل وَإِمَّا دَلِيل فَإِن قَالَ بل مَا ألزم ذَلِك إِلَّا من دون الله تَعَالَى قيل لَهُ إِن من دون الله تَعَالَى معصي مُخَالف مرفوض لَا حق لَهُ وَلَا طَاعَة إِلَّا من أوجب الله لَهُ فَيلْزم طَاعَته لِأَن الله أوجبهَا لَا لِأَنَّهَا وَاجِبَة بذاتها وَلَيْسَ من أوجب شَيْئا من دون الله تَعَالَى بِأولى من آخر أبطل مَا أوجب هَذَا وَأوجب بُطْلَانه وَفِي هَذَا كِفَايَة لمن عقل وَلَا ينقاد للُزُوم من دون الله تَعَالَى إِلَّا جَاهِل مغرور كالبهيمة تقاد فتنقاد وَلَا فرق وَإِن قَالَ إِن الْعقل ألزم ذَلِك قيل لَهُ أَنَّك تَدعِي الْبَاطِل على الْعقل إِذا دعيت عَلَيْهِ مَا لَيْسَ فِي بنيته لِأَن الْعقل لَا يُوجب شَيْئا وَإِنَّمَا الْعقل قُوَّة تميز النَّفس بهَا الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ فَقَط وَيعرف مَا صَحَّ وُجُوبه مِمَّا أوجبه من تلْزم طَاعَته مِمَّا لم يَصح وُجُوبه مِمَّا لم يُوجِبهُ من يجب عَلَيْهِ طَاعَته لَيْسَ فِي الْعقل المُرَاد بِهِ المتميز شَيْء غير هَذَا أصلا وَأَيْضًا فَإِن قَائِل هَذَا مجاهر بِالْبَاطِلِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِن يكون يزْعم أَن الْعقل أوجب ذَلِك ببديهته أَو ببرهان رَاجع إِلَى البديهة من قرب أَو من بعد فَإِن ادّعى أَن الْعقل يُوجب ذَلِك ببديهته كَابر الْحس وَلم ينْتَفع بِهَذَا أَيْضا لِأَنَّهُ لَا يعجز عَن التوقح بِمثل هَذِه الدَّعْوَى أحد فِي أَي شَيْء شَاءَ وَإِن ادّعى أَنه أوجب ذَلِك برهَان رَاجع إِلَى الْعقل كلف الْمَجِيء بِهِ وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ أبدا فَإِن قَالَ إِن الله أوجب ذَلِك سُئِلَ الدَّلِيل على صِحَة هَذِه الدَّعْوَى الَّتِي أضافها إِلَى الْبَارِي وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ لِأَن مَا عِنْد الله من إِلْزَام لَا يعرف الْبَتَّةَ إِلَّا يُوحى من عِنْده تَعَالَى إِلَى رَسُول من خَلفه يشْهد لَهُ تَعَالَى بالمعجزات وَأما بِمَا يَضَعهُ الله فِي الْعُقُول وَلَيْسَ فِي شَيْء من هذَيْن دَلِيل على صِحَة دَعْوَى هَذَا الْمُدَّعِي وَأما احتجاجه بِأَنَّهُ هُوَ الدّين الَّذِي اخْتَارَهُ الله لكل أحد وَأَنْشَأَ عَلَيْهِ فَلَا حجَّة لَهُ فِي هَذَا لأننا لم نخالفه فِي أَن هَذَا درب على هَذَا الدّين

стр. 697

وخلقه الله مَعَ من دربه عَلَيْهِ بل نقر بِهَذَا كَمَا نقر بِأَن الله خلقنَا فِي مَكَان مَا فِي صناعَة مَا وعَلى معاش مَا وعَلى خلق مَا وَلَيْسَ فِي ذَلِك دَلِيل عِنْد أحد من الْعَالم على أَنه لَا يجوز لَهُ فِرَاق ذَلِك الْخلق إِلَى مَا هُوَ خير مِنْهُ وَلَا على أَنه لزمَه لُزُوم الْمَكَان الَّذِي خلق فِيهِ والصناعة الَّتِي نَشأ عَلَيْهِ والقوت الَّذِي كبر عَلَيْهِ بل لَا يخْتَلف اثْنَان فِي أَن لَهُ مُفَارقَة ذَلِك الْمَكَان وَتلك الصِّنَاعَة وَذَلِكَ المعاش إِلَى غَيره وَأَن فرضا عَلَيْهِ لزوَال عَن كل ذَلِك إِذْ كَانَ مذموماً إِلَى الْمَحْمُود من كل ذَلِك وَأَيْضًا فَإِن جَمِيع الْأَدْيَان الَّتِي أوجبهَا كلهَا هَذَا الْقَائِل وحقق جَمِيعهَا فَكل دين مِنْهَا فِيهِ إِنْكَار غَيره مِنْهَا وَأهل كل دين مِنْهَا تكفر سَائِر أهل تِلْكَ الْأَدْيَان وَكلهمْ يكذب بَعضهم بَعْضًا وَفِي كل دين مِنْهَا تَحْرِيم الْتِزَام غَيره على كل أحد فَلَو كَانَ كل دين مِنْهَا لَازِما أَن يَعْتَقِدهُ من نَشأ عَلَيْهِ لَكَانَ كل دين مِنْهَا حَقًا وَإِذا كَانَ كل دين مِنْهَا حَقًا مِنْهَا يبطل سائرها وكل مَا أبْطلهُ الْحق فَهُوَ بَاطِل بِلَا شكّ فَكل دين مِنْهَا بَاطِل بِلَا شكّ فَوَجَبَ ضَرُورَة على قَول هَذَا الْقَائِل أَن جَمِيع الْأَدْيَان بَاطِل وَأَن جَمِيعهَا حق فجميعها حق بَاطِل مَعًا فَبَطل هَذَا القَوْل بِيَقِين لَا شكّ فِيهِ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأما من قَالَ أَنِّي ألزم فعل الْخَيْر الَّذِي اتّفقت الديانَات والعقول على أَنه فضل وأجتنب مَا اتّفقت الديانَات والعقول على أَنه قَبِيح فَقَوْل فَاسد مموه مضمحل أول ذَلِك أَنه كذب وَلَا اتّفقت الديانَات وَلَا الْعُقُول على شَيْء من ذَلِك بل جَمِيع الديانَات إِلَّا الْأَقَل مِنْهَا مجموعون على قتل من خالفهم وَأخذ أَمْوَالهم وكل دين مِنْهَا لَا يحاشى دينا قَاتل بِأَحْكَام هِيَ عِنْد سائرها ظلم وَأما الثَّانِيَة فَإِنَّهَا وَإِن لم تقل بِالْقَتْلِ فَإِنَّهَا تَقول بترك النِّكَاح الَّذِي هُوَ مُبَاح عِنْد سَائِر الديانَات وَيَقُولُونَ بِإِبَاحَة اللياطة والسحق وَسَائِر الديانَات مُحرمَة لذَلِك فَمَا اتّفقت الديانَات على شَيْء أصلا وَلَا على التَّوْحِيد وَلَا على إِبْطَاله لَكِن اتّفقت الديانا على تخطئته وتكفيره والبراءة مِنْهُ إِذا لم يعْتَقد دينا فبيناه بِطَلَب مُوَافقَة جَمِيع الديانَات حصل على مُخَالفَة جَمِيعهَا وَهَكَذَا فَلْيَكُن السَّعْي المضلل وَكَذَلِكَ طبائع جَمِيع النَّاس مُؤثرَة للذات كارهة لما يلتزمه أهل الشَّرَائِع والفلاسفة فَبَطل تعلقهم بِشَيْء مجمع عَلَيْهِ وَلم يحصل إِلَّا على طمع خائب مُخَالفا لجَمِيع الديانَات غير مُتَعَلق لدَلِيل لَا عَقْلِي وَلَا سَمْعِي وَقد قُلْنَا أَن الْعُقُول لَا توجب شَيْئا وَلَا تقبحه وَلَا تُحسنهُ وبرهان ذَلِك أَن جَمِيع أهل الْعُقُول إِلَّا يَسِيرا فَإِنَّهُم أَصْحَاب شرائع وَقد جَاءَت الشَّرَائِع بِالْقَتْلِ وَأخذ المَال وَضرب الْإِنْسَان وَذبح الْحَيَوَان فَمَا قَالَ قطّ أَصْحَاب الْعُقُول أَنَّهَا جَاءَت بِخِلَاف مَا فِي الْعُقُول وَلَا ادّعى ذَلِك إِلَّا أقل النَّاس وَمن لَيْسَ عقله عياراً على عقل غَيره وَلَو كَانَ ذَلِك وَاجِبا فِي الْعُقُول لوجده سَائِر أهل الْعُقُول كَمَا قَالُوا هم سَوَاء سَوَاء فصح أَن دَعوَاهُم على الْعُقُول كَاذِبَة فِي بَاب التقبيح والتحسين جملَة وَهَذَا أكسر عَام لنَفس أَقْوَالهم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين ثمَّ نذْكر إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْبَرَاهِين على إبِْطَال حججهم الشغبة المموه بهَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد قَالَ أَبُو مُحَمَّد أما احتجاجهم بِأَن قَالُوا وجدنَا أهل الديانَات والآراء والمقالات كل طَائِفَة تناظر الْأُخْرَى فتنتصف مِنْهَا وَرُبمَا غلبت هَذِه فِي مجْلِس ثمَّ غلبتها الْأُخْرَى فِي مجْلِس آخر على حسب قُوَّة المناظر وَقدرته على الْبَيَان والتحيل والشغب فهم فِي ذَلِك كالمتحاربين يكون الظفر سجالاً بَينهم فصح أَنه لَيْسَ هَهُنَا قَول ظَاهر الْغَلَبَة وَلَو كَانَ ذَلِك لما أشكل على أحد وَلَا اخْتِلَاف النَّاس فِيهِ كَمَا لم يَخْتَلِفُوا فِيمَا أدركوا بحواسهم وبداية عُقُولهمْ وكما هم يَخْتَلِفُوا فِي الْحساب وَفِي كل شَيْء عَلَيْهِ برهَان لائح واللائح الْحق على مُرُور الزَّمَان وَكَثْرَة الْبَحْث وَطول المناظرات قَالُوا وَمن الْمحَال أَن يَبْدُو الْحق إِلَى النَّاس ظَاهرا فيعاندوه بِلَا معنى ويرضوا بِالْهَلَاكِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بِلَا سَبَب قَالُوا فَلَمَّا بَطل هَذَا أَن كل طَائِفَة تتبع أما

стр. 698

مَا نشأت عَلَيْهِ وَأما مَا يخيل لأَحَدهم أَنه الْحق دون تثبيت وَلَا يَقِين قَالُوا وَهَذَا مشَاهد من كل مِلَّة ونحلة وَإِن كَانَ فِيهَا مَا لَا يشك فِي بُطْلَانه وسخافته قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذِه جمل نَحن نبين كل عقده مِنْهَا ونوفيها حَقًا من الْبَيَان بتصحيح أَو إِفْسَاد بِمَا لَا يخفى على أحد صِحَّته وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أما قَوْلهم أَن كل طَائِفَة من أهل الديانَات والآراء يناظر فينتصف وَرُبمَا غلبت هَذِه فِي مجْلِس ثمَّ غلبتها الْأُخْرَى فِي مجْلِس آخر على قدر قُوَّة المناظر وَقدرته على الْبَيَان والتحيل والشغب والتمويه فَقَوْل صَحِيح إِلَّا أَنه لَا حجَّة لَهُم فِيهِ على مَا دَعوه من تكافؤ الْأَدِلَّة أصلا لِأَن غَلَبَة الْوَقْت لَيست حجَّة وَلَا يقنع بهَا عَالم مُحَقّق وَإِن كَانَت لَهُ وَلَا يلْتَفت إِلَيْهَا وَإِن كَانَت عَلَيْهِ وَإِنَّمَا نحتج بهَا ويغضب مِنْهَا أهل المحرفة والجهال وَأهل الصَّباح والتهويل والتشنيع القانعون بِأَن يُقَال غلب فلَان فلَانا وَأَن فلَانا لنظار جِدَال وَلَا يبالون بتحقيق حَقِيقَة وَلَا بِإِبْطَال بَاطِل فصح أَن تغالب المتناظرين لَا معنى لَهُ وَلَا يجب أَن يعْتد بِهِ لَا سِيمَا تجَادل أهل زَمَاننَا الَّذين أما لَهُم نوب مَعْدُودَة لَا يتجاوزوزنها بِكَلِمَة وَإِمَّا أَن يغلب الصَّلِيب الرَّأْس بِكَثْرَة الصياح والتوقح والتشنيع والجعات وَأما كثير الهدر قوي على أَن يمْلَأ الْمجْلس كلَاما لَا يتَحَصَّل مِنْهُ معنى وَأما الَّذِي يَعْتَقِدهُ أهل التَّحْقِيق الطالبون معرفَة الْأُمُور على مَا هِيَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَن يبحثوا فِيمَا يطْلبُونَ مَعْرفَته على كل حجَّة احْتج بهَا أهل فرقة فِي ذَلِك الْبَاب فَإِذا نقضوها وَلم يبقوا مِنْهَا شَيْئا تأملوها كل حجَّة حجَّة فميزوا الشغبي مِنْهَا والأقناعي فأطرحوهما وفتشوا البرهاني على حسب الْمُقدمَات الَّتِي بيناها فِي كتَابنَا الموسوم بالتقريب فِي مائية الْبُرْهَان وتمييزه مِمَّا يظنّ أَنه برهَان وَلَيْسَ ببرهان وَفِي كتَابنَا هَذَا وَفِي كتَابنَا الموسوم بِالْأَحْكَامِ فِي أصُول الْأَحْكَام فَإِن من سلك تِلْكَ الطَّرِيق الَّتِي ذكرنَا وميز فِي المبدأ مَا يعرف بِأول التَّمْيِيز والحواس ثمَّ ميز مَا هُوَ الْبُرْهَان مِمَّا لَيْسَ برهاناً ثمَّ لم يقبل الْأَمَاكِن برهاناً رَاجعا رُجُوعا صَحِيحا ضَرُورِيًّا إِلَى مَا أدْرك بالحواس أَو ببديهة التَّمْيِيز وضرورة فِي كل مَطْلُوب يَطْلُبهُ فَإِن سارع الْحق يلوح لَهُ وَاضحا ممتازاً من كل بَاطِل دون إِشْكَال وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأما من لم يفعل مَا ذكرنَا وَلم يكن كده إِلَّا نصر الْمَسْأَلَة الْحَاضِرَة فَقَط أَو نصر مَذْهَب قد الفه قبل أَن يَقُودهُ إِلَى اعْتِقَاده برهَان فَلم يَجْعَل غَرَضه إِلَّا طلب أَدِلَّة ذَلِك الْمَذْهَب فَقَط فبعيد عَن معرفَة الْحق عَن الْبَاطِل وَمثل هَؤُلَاءِ غروا هَؤُلَاءِ المخاذيل فظنوا أَن كل بحث ونظو مجراهما هَذَا المجرى الَّذِي عهدوه مِمَّن ذكرونا فضلوا ضلالا بَعيدا وَأما قَوْلهم فصح أَنه لَيْسَ هَا هُنَا قَول ظَاهر الْغَلَبَة وَلَو كَانَ ذَلِك لما أشكل على أحد وَلما اخْتلف النَّاس فِيهِ كَمَا لم يَخْتَلِفُوا فِيمَا أدركوه بحواسهم وبداية عُقُولهمْ وكما لم يَخْتَلِفُوا فِي الْحساب وَفِي كل مَا عَلَيْهِ برهَان لايح فَقَوْل أَيْضا مموه لِأَنَّهُ كُله دَعْوَى فَاسِدَة بِلَا دَلِيل وَقد قُلْنَا قبل فِي إبِْطَال هَذِه الْأَقْوَال كلهَا بالبرهان بِمَا فِيهِ كِفَايَة وَهَذَا لَا يُمكن فِيهِ تَفْصِيل كل برهَان على كل مَطْلُوب لَكِن نقُول جملَة أَن من عرف الْبُرْهَان وميزه وَطلب الْحَقِيقَة غير مايل بهوى وَلَا ألف وَلَا نفار وَلَا كسل فمضمون لَهُ تَمْيِيز الْحق وَهَذَا كمن سَأَلَ عَن الْبُرْهَان على أشكال أقليدس فَإِنَّهُ لَا أشكال فِي جَوَابه عَن جَمِيعهَا بقول مُجمل لَكِن يُقَال لَهُ سل عَن شكل شكل تخبر ببرهانه أَو كمن سَأَلَ مَا النَّحْو وَأَرَادَ أَن يُوقف على قوانينه جملَة فَإِن هَذَا لَا يُمكن بِأَكْثَرَ من أَن يُقَال لَهُ هُوَ بَيَان حركات وحروف يتَوَصَّل باختلافها إِلَى معرفَة مُرَاد الْمُخَاطب باللغة الْعَرَبيَّة ثمَّ لَا يُمكن توقيفه على حَقِيقَة ذَلِك وَلَا إِلَى إثْبَاته جملَة إِلَّا بِالْأَخْذِ مَعَه فِي مَسْأَلَة مَسْأَلَة وَهَكَذَا فِي هَذَا الْمَكَان الَّذِي نَحن فِيهِ لَا يُمكن أَن نبين جَمِيع الْبُرْهَان على كل مُخْتَلف فِيهِ بِأَكْثَرَ من أَن يُقَال لَهُ سل عَن مَسْأَلَة مسالة نبين لَك برهانا يحول الله تَعَالَى وقوته ثمَّ تَقول

стр. 699

لمن قَالَ من هَؤُلَاءِ أَن هَهُنَا قولا صَحِيحا وَاحِدًا لَا شكّ فِيهِ أخبرنَا من أَيْن عرفت ذَلِك وَلَعَلَّ الْأَمر كَمَا يَقُول من قَالَ أَن جَمِيع الْأَقْوَال كلهَا حق فَإِن قَالَ لَا لِأَنَّهَا لَو كَانَت حَقًا لَكَانَ محالاً مُمْتَنعا لِأَن فِيهَا إِثْبَات الشَّيْء وإبطاله مَعًا وَلَو كَانَ جَمِيعهَا بَاطِلا لَكَانَ كَذَلِك أَيْضا سَوَاء سَوَاء وَهُوَ محَال مُمْتَنع لِأَن فِيهِ أَيْضا إِثْبَات الشَّيْء وإبطاله مَعًا وَإِذا ثَبت إِثْبَات الشَّيْء بَطل إِبْطَاله بِلَا شكّ وَإِذا بَطل إثْبَاته ثَبت إِبْطَاله بِلَا شكّ فَإذْ قد بَطل هَذَانِ الْقَوْلَانِ بِيَقِين لم يبْق بِلَا شكّ إِلَّا أَن فِيهِ حَقًا بِعَيْنِه وباطلاً بِعَيْنِه قُلْنَا لَهُ صدقت وَإِذ الْأَمر كَمَا قلت فَإِن هَذَا الْعقل الَّذِي عرفت بِهِ فِي تِلْكَ الْأَقْوَال قولا صَحِيحا بِلَا شكّ بِهِ تميز ذَلِك القَوْل الصَّحِيح بِعَيْنِه مِمَّا لَيْسَ بِصَحِيح لِأَن الصَّحِيح من الْأَقْوَال يشْهد لَهُ الْعقل والحواس ببراهين ترده إِلَى الْعقل وَإِلَى الْحَواس ردا صَحِيحا وَأما الْبَاطِل فَيَنْقَطِع وَيقف قبل أَن يبلغ إِلَى الْعقل وَإِلَى الْحَواس وَهَذَا بَين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأما من أبطل أَن يكون فِي الْأَقْوَال كلهَا قَول صَحِيح فقد أخبرنَا أَنه مُبْطل للحقائق كلهَا متناقض لِأَنَّهُ يبطل الْحق وَالْبَاطِل مَعًا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أما قَوْلهم لَو كَانَ هَهُنَا قَول صَحِيح لما أشكل على أحد وَلَا اخْتلف فِيهِ كَمَا لم يَخْتَلِفُوا فِيمَا أدركوه بحواسهم وَلَا فِي الْحساب فَإِن هَذَا قَول فَاسد لِأَن أشكال الشَّيْء على من أشكل عَلَيْهِ إِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنه جهل حَقِيقَة ذَلِك الشَّيْء فَقَط وَلَيْسَ جهل من جهل حجَّة على من علم برهَان هَذَا أَنه لَيْسَ فِي الْعَالم شَيْء إِلَّا ويجهله بعض النَّاس كالمجانين والأطفال وَمن غمرة الْجُهَّال والبلدة ثمَّ يتزيد النَّاس فِي الْفَهم فيفهم طَائِفَة شَيْئا لَا تفهمه المجانين وتفهم أُخْرَى مَا لَا تفهمه هَؤُلَاءِ وَهَكَذَا إِلَى أرفع مَرَاتِب الْعلم فَكلما اخْتلف فِيهِ فقد وقف على الْحَقِيقَة فِيهِ من فهمه وَإِن كَانَ خَفِي على غَيره هَذَا أَمر مشَاهد محسوس فِي جَمِيع الْعُلُوم وَآفَة ذَلِك مَا قد ذكرنَا قبل وَهُوَ إِمَّا قُصُور الْفَهم والبلادة وَإِمَّا كسل عَن تقصي الْبُرْهَان وَإِمَّا لِأَلف أَو نفار تعدا بصاحبهما عَن الْغَايَة الْمَطْلُوبَة أَو تعدياها وَهَذِه دواعي الِاخْتِلَاف فِي كل مَا اخْتلف فِيهِ فَإِذا ارْتَفَعت الْمَوَانِع لَاحَ الْبُرْهَان بِيَقِين فَبَطل مَا شغبوا بِهِ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأما قَوْلهم كَمَا لم يَخْتَلِفُوا فِيمَا أدركوه بحواسهم وَفِي الْحساب وَفِيمَا أدركوه ببداية عُقُولهمْ فَقَوْل غير مطرد وَالسَّبَب فِي انْقِطَاع اطراده هُوَ أَنه لَيْسَ فِي أَكثر مَا يدْرك بالحواس وبداية الْعُقُول شَيْء يَدْعُو إِلَى التَّنَازُع وَلَا إِلَى تقليديتها لَك فِي نَصره أَو إِبْطَاله وَكَذَلِكَ فِي الْحساب حَتَّى إِذا صرنا إِلَى مَا فِيهِ تَقْلِيد مِمَّا يدْرك بالحواس أَو بأوائل التَّمْيِيز وجد فِيهِ من التَّنَازُع والمكابرة والمدافعة وَجحد الضرورات كَالَّذي يُوجد فِيمَا سواهُ كمكابرة النَّصَارَى واستهلاكهم فِي أَن الْمَسِيح لَهُ طبيعتان ناسوتية ولاهوتية ثمَّ مِنْهُم من يَقُول أَن تِلْكَ الطبيعتين صارتا شَيْئا وَاحِدًا وَصَارَ اللاهوت ناسوتاً تَاما مُحدثا مخلوقاً وَصَارَ الناسوت ألهاً تَاما خَالِقًا غير مَخْلُوق وَمِنْهُم من يَقُول امتزج كامتزاج الْعرض بالجوهر وَمِنْهُم من يَقُول امتزجا كامتزاج البطانة والظهارة وَهَذَا حمق ومحال يدْرك فَسَاده بِأول الْعقل وضرورته وكما تهالكت المنانية على أَن الْفلك فِي كل أفق من الْعَالم لَا يَدُور إِلَّا كَمَا يَدُور الرَّحَى وَهَذَا أَمر يُشَاهد كذبه بالعيان وكما تهالكت الْيَهُود على أَن النّيل الَّذِي يُحِيط بِأَرْض مصر وزويلة ومعادن الذَّهَب وَأَن الْفُرَات الْمُحِيط بِأَرْض الْموصل مخرجهما جَمِيعًا من عين وَاحِدَة من الْمشرق وَهَذَا كذب يدْرك بالحواس وكما تهالكت الْمَجُوس على أَن الْولادَة كمن إِنْسَان وَأَن مَدِينَة واقفة من بُنيان بعض مُلُوكهمْ بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وكتهالك جَمِيع الْعَامَّة على أَن السَّمَاء مستوية كالصحيفة لَا مقبية مكورة وَأَن الأَرْض كَذَلِك أَيْضا وَأَن الشَّمْس تطلع على جَمِيع النَّاس فِي جَمِيع الأَرْض فِي سَاعَة وَاحِدَة وتغرب عَنْهُم كَذَلِك وَهَذَا مَعْلُوم كذبه بالعيان وكتهالك الأشعرية وَغَيرهم مِمَّن يَدعِي الْعلم والتوفيق فِيهِ أَن النَّار لَا حر فِيهَا وَأَن الثَّلج لَا برد فِيهِ وَأَن

стр. 700

الزّجاج والحصا لَهما طعم ورائحة وَأَن الْخمر لَا يسكر وَأَن هَهُنَا أحوالاً لَا مَعْدُومَة وَلَا مَوْجُودَة وَلَا هِيَ حق وَلَا هِيَ بَاطِل وَلَا هِيَ مخلوقة وَلَا غير مخلوقة وَلَا هِيَ مَعْلُومَة وَلَا مَجْهُولَة وَهَذَا كُله مَعْلُوم كذبه وبطلانه بالحواس وبأول الْعقل وضرورته وتخليط لَا يفهمهُ أحد وَلَا يتشكل فِي وهم أحد وَلَوْلَا أننا شاهدنا أَكثر من ذكرنَا لما صدقنا أَن من لَهُ مسكة عقل ينْطَلق لِسَانه بِهَذَا الْجُنُون وكتهالك طوائف على أَن اسْمَيْنِ يقعان على مسميين كل وَاحِد من ذَيْنك المسميين لَا هُوَ الآخر وَلَا هُوَ غَيره وكالسوفسطائية الْمُنكرَة للحقائق وَأما الْحساب فقد اخْتلف لَهُ فِي أَشْيَاء من التَّعْدِيل وَمن قطع الْكَوَاكِب وَهل الْحَرَكَة لَهَا أَو لأفلاكها وَأما الَّذِي لَا يَخْلُو وَقت من وجوده فخطأ كثير من أهل الْحساب فِي جمع الْأَعْدَاد الْكَثِيرَة حَتَّى يَخْتَلِفُوا اخْتِلَافا ظَاهرا حَتَّى إِذا حقق النّظر يظْهر الْحق من الْبَاطِل وَهَذَا نفس مَا يعرض فِي كل مَا يدْرك بالحواس فَظهر بطلَان تمويههم وتشبيههم جملَة وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصَحَّ مَا أنكروه من أَن كثيرا من النَّاس يغيبون عَن اعْتِقَاد مَا شهِدت لَهُ الْحَواس وَيُنْكِرُونَ أَوَائِل الْعُقُول ويكابرون الضرورات أما أَنهم كسلوا عَن طلب الْبُرْهَان وَقَطعُوا بظنونهم وَأما لأَنهم زلوا عَن طَرِيق الْبُرْهَان وظنوا أَنهم عَلَيْهِ وَأما لأَنهم ألفوا مَا مَالَتْ إِلَيْهِ أهوائهم لِأَلف شَيْء ونفار عَن آخر وَأما قَوْلهم وللاح الْحق على مُرُور الْأَزْمَان وَكَثْرَة الْبَحْث وَطول المناظرات فَيُقَال لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق نعم قد لَاحَ الْحق وَبَان ظن الْبَاطِل وَإِن كَانَ كل طَائِفَة تدعيه فَإِن من نظر على الطَّرِيق الَّتِي وَصفنَا صَحَّ عِنْده المحق الْمُدَّعِي من الْمُبْطل وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما قَوْلهم وَمن الْمحَال أَن يَبْدُو الْحق إِلَى النَّاس فيعاندوه بِلَا معنى ويرضوا بِالْهَلَاكِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بِلَا معنى فَقَوْل فَاسد لأَنا قد رأيناهم أَتَوا أَشْيَاء بدا الْحق فِيهَا إِلَى النَّاس فعانده كثير مِنْهُم وبذلوا مهجهم فِيهِ وَكَأَنَّهُم مَا شاهدوا الْأَمر الَّذِي مَلأ الأَرْض من المقاتلين الَّذين يعْرفُونَ بقلوبهم ويقرون بألسنتهم أَنهم على بَاطِل يقتتلون ويعترفون بِأَنَّهُم بلغُوا مهجهم ودماءهم وَأَمْوَالهمْ وأديانهم ويموتون أَوْلَادهم ويرملون نِسَاءَهُمْ فِي قتال عَن سُلْطَان غَائِب عَن ذَلِك الْقِتَال لَا يرجون زِيَادَة دِرْهَم وَلَا يخَاف كل امْرِئ مِنْهُم فِي ذَاته تقصيراً بِهِ لَو لم يُقَاتل أَو لم يرو كثيرا من النَّاس يَأْكُلُون أَشْيَاء يوقنون بِأَنَّهُم يستضرون بهَا ويكثرون شرب الْخمر وهم يقرونَ أَنَّهَا قد آذتهم وأفسدت أمزجتهم وَأَنَّهَا تؤديهم إِلَى التلاف وهم يقرونَ مَعَ ذَلِك أَنهم عاصون لله تَعَالَى وَكم رَأينَا من الموقنين بخلود العَاصِي فِي النَّار الْمُحَقِّقين لذَلِك يقر على نَفسه أَنه يفعل مَا يخلد بِهِ فِي النَّار فَإِن قَالُوا أَن هَؤُلَاءِ يستلذون مَا يَفْعَلُونَ من ذَلِك قُلْنَا لَهُم أَن استلذاذ من يدين بِشَيْء مَا يبصره لما يدين بِهِ وتعصبه لَهُ أَشد من استلذاذ الْأكل وَالشرب لما يدْرِي أَنه يبلغهُ من ذَلِك ثمَّ نقُول لَهُم أخبرونا عَن قَوْلكُم هَذَا أَنه لَيْسَ هَهُنَا قَول سطعت حجَّته وَلَو كَانَ لما اخْتلف النَّاس فِيهِ أَحَق وَهِي هَذِه الْقَضِيَّة الَّتِي قطعْتُمْ بهَا وَهل قَوْلك هَذَا ظَاهر الْحجَّة مُتَيَقن الْحَقِيقَة أم لَا فَإِن قَالُوا لَا أقرُّوا بِأَن قَوْلهم لم تصح حجَّته وَلَا لَاحَ برهانا وَأَنه لَيْسَ حَقًا مَا قَالُوهُ وَإِن قَالُوا بل هُوَ حق قد لاحت حجَّته قُلْنَا لَهُم كَيفَ خولفتم فِي شَيْء لاحت حجَّته حَتَّى صَار أَكثر أهل الأَرْض يعمون عَمَّا لَا شكّ فِيهِ عنْدكُمْ وَعَن مَا لَاحَ الْحق فِيهِ حَتَّى اعتقدوا فِيكُم الضلال وَالْكفْر وَإِبَاحَة الدَّم وَهَذَا هُوَ نفس مَا أَنْكَرُوا قد صَرَّحُوا أَنه حق وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأما احتجاجهم بانتقال من ينْتَقل من مَذْهَب إِلَى مَذْهَب وتهالكه فِي إثْبَاته ثمَّ تهالكه فِي إِبْطَاله ورومهم أَن يفسدوا بِهَذَا جَمِيع الْبَرَاهِين فَلَيْسَ كَمَا ظنُّوا لِأَن كل متنقل من مَذْهَب إِلَى مَذْهَب فَلَا يَخْلُو ضَرُورَة من أحد ثَلَاثَة أوجه إِمَّا أَن يكون انْتقل من خطأ إِلَى خطأ أَو من خطأ إِلَى صَوَاب أَو من صَوَاب إِلَى خطأ وَأي ذَلِك كَانَ فَإِنَّمَا أَتَى فِي الانتقالين

стр. 701

الِاثْنَيْنِ الَّذين هما إِلَى الْخَطَأ من أَنه لم يطْلب الْبُرْهَان طلبا صَحِيحا بل عَاجِزا عَنهُ بِأحد الْوُجُوه الَّتِي قدمنَا قبل وَأما الِانْتِقَال إِلَى الصَّوَاب فَإِنَّهُ وَقع عَلَيْهِ بِحَدّ صَحِيح وَطلب صَحِيح أَو بِحَدّ وَبحث وَهَذَا يعرض فِيمَا يدْرك بالحواس كثيرا فَيرى الْإِنْسَان شخصا من بعيد فيظنه فلَانا وَيحلف عَلَيْهِ ويكابر ويجرد ثمَّ تبين لَهُ أَنه لَيْسَ هُوَ الَّذِي ظن وَقد يشم الْإِنْسَان رَائِحَة يَظُنهَا من بعض الروائح وَيقطع على ذَلِك وَيحلف عَلَيْهِ مجداً ثمَّ يتَبَيَّن لَهُ أَنه لَيْسَ هُوَ الَّذِي ظن وَهَكَذَا فِي الذَّوْق أَيْضا وَقد يعرض هَذَا فِي الْحساب فقد يغلط الحاسبون فِي جمع الْأَعْدَاد الْكَثِيرَة فَيَقُول أحدهم أَن الْجَمِيع من هَذِه الْأَعْدَاد كَذَا وَكَذَا وَيُخَالِفهُ غَيره فِي ذَلِك حق إِذا بحثوا بحثا صَحِيحا صَحَّ الْأَمر عِنْدهم وَقد يعرض هَذَا للْإنْسَان فِيمَا بَين يَدَيْهِ يطْلب الشَّيْء بَين مَتَاعه طلبا مرددا الْمَرْء بعد الْمَرْء فَلَا يجده وَلَا يَقع عَلَيْهِ وَهُوَ بَين يَدَيْهِ وَنصب عَيْنَيْهِ ثمَّ يجده فِي أقرب مَكَان مِنْهُ وَقد يكْتب الْإِنْسَان مستملياً أَو يقْرَأ فيصحف وَيزِيد وَينْقص وَلَيْسَ هَذَا بِمُوجب أَلا يَصح شَيْء بِإِدْرَاك الْحَواس أبدا وَلَا إِلَّا يَصح وجود الْإِنْسَان شَيْئا افتقده أبدا وَلَا إِلَّا يَصح جمع الْأَعْدَاد أبدا وَلَا إِلَّا يَصح حرف مَكْتُوب وَلَا كلمة مقروءة أبدا لَا مَكَان وجود الْخَطَأ فِي بعض ذَلِك لَكِن التثبيت الصَّحِيح يليخ الْحق من الْبَاطِل وَهَكَذَا كل شَيْء أَخطَأ فِيهِ وَلَا بُد من برهَان يليح الْحق فِيهِ من الْبَاطِل وَلَا يظنّ جَاهِل أَن هَذِه الْمعَانِي كلهَا حجَّة لمبطلي الْحَقَائِق بل هِيَ برهَان عَلَيْهِم لائح قَاطع لِأَن كل مَا ذكرنَا لَا يخْتَلف حس أحد فِي أَن كل ذَلِك إِذا فتش تفتيشاً صَحِيحا فَإِنَّهُ يَقع الْيَقِين والضرورة بِأَن الْوَهم فِيهَا غير صَحِيح وَأَن الْحق فِيهَا وَلَا بُد فَبَطل تعلقهم بِمن رَجَعَ من مَذْهَب إِلَى مَذْهَب وَلم يحصلوا إِلَّا على أَن قَالُوا أَنا نرى قوما يخطئون فَقُلْنَا لَهُم نعم ويصيب آخَرُونَ فإقرارهم بِوُجُود الْخَطَأ مُوجب ضَرُورَة أَن ثمَّ صَوَابا لِأَن الْخَطَأ هُوَ مُخَالفَة الصَّوَاب فَلَو لم يكن صَوَابا لم يكن خطأ وَلَو لم يكن برهانا لم يكن شغب مُخَالف للبرهان ثمَّ نعكس استدلالهم عَلَيْهِم فَنَقُول لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد فَإذْ قد وجدْتُم من يعْتَقد مَا أَنْتُم عَلَيْهِ ثمَّ يرجع عَنهُ فَهَلا قُلْتُمْ أَن مذهبكم هَذَا كالأقوال الْأُخَر الَّتِي أبطلتموها من أجل هَذَا الظَّن الْفَاسِد فِي الْحَقِيقَة وَهُوَ فِي ظنكم صَحِيح فَهُوَ لكم لَازم لأنكم صححتموه وَلَا يلْزمنَا لأننا لَا نصححه وَلَا صَححهُ برهَان قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَبِهَذَا الَّذِي قُلْنَا يبطل مَا اعْتَرَضُوهُ بِهِ من اخْتِلَاف المدعين الفلسفة والمتحلين الْكَلَام فِي مذاهبهم وَمَا ذَكرُوهُ من اخْتِلَاف المختارين أَيْضا فِي اختيارهم لأننا لم نَدع أَن طبائع النَّاس سليمَة من الْفساد لَكنا نقُول أَن الْغَالِب على طبائع النَّاس الْفساد فَإِن الْمنصف لنَفسِهِ أَولا ثمَّ لخصمه ثَانِيًا الطَّالِب الْبُرْهَان على حَقِيقَة الْعَارِف بِهِ فدليل برهاننا على هَذَا مَا وَجَدْنَاهُ من اخْتِلَاف النَّاس وَاخْتِلَافهمْ كثيرا دَلِيل على كَثْرَة الْخَطَأ مِنْهُم وَقد وضحنا أَن وجود الْخَطَأ يَقْتَضِي ضَرُورَة وجود الصَّوَاب مِنْهُم وَلَا بُد وَلَيْسَ اخْتلَافهمْ دَلِيلا على أَن لَا حَقِيقَة فِي شَيْء من أَقْوَالهم وَلَا على امْتنَاع وجود السَّبِيل إِلَى معرفَة الْحق وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما احتجاجهم بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو من حقق شَيْئا من الديانَات والمقالات والآراء من أَن يكون صَحَّ لَهُ بالحواس أَو بِبَعْضِهَا أَو ببديهة الْعقل وضرورته أَو بِدَلِيل من الْأَدِلَّة غير هذَيْن وَأَنه لَو صَحَّ بالحواس أَو بِالْعقلِ لم يخْتَلف فِيهِ وإلزامهم فِي الدَّلِيل مثل ذَلِك إِلَى آخر كَلَامهم فَهَذَا كُله مُقَرر قد مُضِيّ الْكَلَام فِيهِ وَقد أريناهم أَنه قد يخْتَلف النَّاس فِيمَا يدْرك بالحواس وببديهة الْعقل كاختلافهم فِي الشَّخْص يرونه ويختلفون فِيهِ مَا هُوَ وَفِي الصَّوْت يسمعونه بَينهم فِيمَا هُوَ ويختلفون فِيهِ وكأقوال النَّصَارَى وَغَيرهم مِمَّا يعلم بضرورة الْعقل فَسَاده ثمَّ نقُول لَهُم إِن أول المعارف هُوَ مَا أدْرك بالحواس وببديهة الْعقل وضرورته ثمَّ ينْتج براهين رَاجِعَة من قرب

стр. 702

أَو من بعد بعد إِلَى أول الْعقل أَو إِلَى الْحَواس فَمَا صححته هَذِه الْبَرَاهِين فَهُوَ حق وَمَا لم تصححه هَذِه الْبَرَاهِين فَهُوَ غير صَحِيح ثمَّ نعكس عَلَيْهِم هَذَا السُّؤَال بِعَيْنِه فَنَقُول لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق قَوْلكُم هَذَا بِأَيّ شَيْء علمتموه بالعقول أم بالحواس أَو بِدَلِيل غَيرهمَا فَإِن علمتموه بالحواس أَو الْعُقُول فَكيف خولفتم فِيهِ وَإِن كُنْتُم عرفتموه بِدَلِيل فَذَلِك الدَّلِيل بِمَا عرفتموه أبالحواس أم بالعقول أم بِدَلِيل آخر وَهَكَذَا أبدا وكل سُؤال أفسد حكم نَفسه فَهُوَ فَاسد وعَلى أَن هَذَا لَهُم لَازم لأَنهم صححوه وَمن صحّح شَيْئا لزمَه وَنحن لم نصحح هَذَا السُّؤَال فَلَا يلْزمنَا وَقد أجبنا عَنهُ بِمَا دَفعه عَنَّا وَأما هم فَلَا مخلص لَهُم مِنْهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأما قَوْلهم نسألهم عَن علمهمْ بِمَا يدعونَ صِحَّته أتعلمونه أم لَا فَإِن قَالُوا لَا نعلمهُ بَطل قَوْلهم إِذا قروا بِأَنَّهُم لَا يعلمونه وَإِن قَالُوا بل نعلمهُ سألناهم أبعلم علمْتُم علمكُم بذلك أم بِغَيْر علم وَهَكَذَا أبدا فَهَذَا أَمر قد أحكمنا بَيَان فَسَاده فِي بَاب أفردناه فِي ديواننا هَذَا على أَصْحَاب معمر فِي قَوْلهم بالمعاني وعَلى الأشعرية وَمن وافقهم من الْمُعْتَزلَة فِي قَوْلهم بالأحوال وَإِنَّمَا كلامنا هَذَا مَعَ من يَقُول بتكافؤ الْأَدِلَّة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا السُّؤَال نَفسه مَرْدُود عَلَيْهِم كَمَا هُوَ ونسألهم أتعلمون صِحَة مذهبكم هَذَا أم لَا فَإِن قَالُوا لَا أقرُّوا بِأَنَّهُم لَا يعلمُونَ صِحَّته وَفِي هَذَا إِبْطَاله وَالله أَنما هُوَ ظن لَا حَقِيقَة وَإِن قَالُوا بل نعلمهُ سألناهم أبعلم تعلمونه أم بِغَيْر علم وَهَكَذَا أبدا إِلَّا أَن السُّؤَال لَازم لَهُم لأَنهم صححوه وَمن صحّح شَيْئا لزمَه وَأما نَحن فَلم نصححه فَلَا يلْزمنَا وَقد أجبنا عَنهُ فِي بَابه بأننا نعلم صِحَة علمنَا بعلمنا ذَلِك بِعَيْنِه لَا بِعلم آخر ونعقل أَن لنا عقلا بعقلنا ذَلِك بِنَفسِهِ وَإِنَّمَا هُوَ سُؤال من يبطل الْحَقَائِق كلهَا لَا من يَقُول بتكافؤ الْأَدِلَّة فَبَطل كل مَا موهوا بِهِ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قَالَ أَبُو مُحَمَّد ثمَّ نقُول لَهُم أَنْتُم فد أثبتم الْحَقَائِق وَفِي النَّاس من يُبْطِلهَا وَمن يشك فِيهَا وهم السوفسطائية وعلمتم أَنهم مخطئون فِي ذَلِك ببراهين صِحَاح فبراهين صِحَاح أَيْضا صَحَّ مَا أبطلتموه أَو شَكَكْتُمْ فِيهِ من أَن فِي مَذَاهِب النَّاس مذهبا ظَاهر صَحِيحا الصِّحَّة فَإِذا سَأَلَ عَنْهَا أُجِيب بهَا فِي مَسْأَلَة مَسْأَلَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَيُقَال لمن قَالَ لكل ذِي مِلَّة أَو نحلة أَو مَذْهَب لَعَلَّك مُخطئ وَأَنت تظن أَنَّك مُصِيب لِأَن هَذَا مُمكن فِي كثير من الْأَقْوَال بِلَا شكّ أخبرنَا أَفِي النَّاس من فسد دماغه وَهُوَ يظنّ أَنه صَحِيح الدِّمَاغ فَإِن أنكر ذَلِك كَابر وَدفع المشاهدات وَإِن قَالَ هَذَا مُمكن قيل لَهُ لَعَلَّك أَنْت الْآن كَذَلِك وَأَنت تظن أَنَّك سَالم الدِّمَاغ فَإِن قَالَ لَا لِأَن هَا هُنَا براهين تصحح أَنِّي سَالم الذِّهْن قيل لَهُ وَهَا هُنَا براهين تصحح الصَّحِيح من الْأَقْوَال وتبينه من الْفَاسِد فَإِن سَأَلَ عَنْهَا أجبْت بهَا فِي مَسْأَلَة مَسْأَلَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإذْ قد بَطل بِيَقِين أَن تكون جَمِيع أَقْوَال النَّاس صَحِيحَة لِأَن فِي هَذَا إِن يكون الشَّيْء بَاطِلا حَقًا مَعًا وَبَطل أَن تكون كلهَا بَاطِلا لِأَن فِي هَذَا أَيْضا إِثْبَات الشَّيْء وضده مَعًا لِأَن الْأَقْوَال كلهَا إِنَّمَا هِيَ نفي شَيْء يُثبتهُ آخر من النَّاس فَلَو كَانَ كلا الْأَمريْنِ بَاطِلا لبطل النَّفْي فِي الشَّيْء وإثباته مَعًا وَإِذا بَطل إثْبَاته صَحَّ نَفْيه وَإِذا بَطل نَفْيه صَحَّ إثْبَاته فَكَانَ يلْزم من هَذَا أَيْضا أَن يكون الشَّيْء حَقًا بَاطِلا مَعًا تثبت بِيَقِين أَن فِي الْأَقْوَال حَقًا وباطلاً وَإِذ هَذَا لَا شكّ فِيهِ فبالضرورة نَعْرِف أَن بَين الْحق وَالْبَاطِل فرقا مَوْجُودا وَذَلِكَ الْفرق هُوَ الْبُرْهَان فَمن عرف الْبُرْهَان عرف الْحق من الْبَاطِل وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن قَالَ قَائِل فَإِنَّكُم محيلون عَليّ براهين تَقولُونَ أَن ذكرهَا جملَة لَا يُمكن وتأمرون بالجد فِي طلبَهَا فَمَا الْفرق بَيْنكُم وَبَين دعاة الإسماعيلية والقرامطة الَّذين يحيلون على مثل هَذَا قُلْنَا لَهُم الْفرق بَيْننَا وَبينهمْ برهانان

стр. 703

واضحان أَحدهمَا أَن الْقَوْم يأمرون باعتقاد أَقْوَالهم وتصديقهم قبل أَن يعرفوا براهينهم وَنحن لَا نَفْعل هَذَا بل ندعوا إِلَى معرفَة الْبَرَاهِين وتصحيحها قبل أَن نصدق فِيمَا نقُول وَالثَّانِي أَن الْقَوْم يكتمون أَقْوَالهم وبراهينهم مَعًا وَلَا يبيحونها للسبر وَالنَّظَر وَنحن نهتف بأقوالنا وبراهيننا لكل أحد وندعوا إِلَى سبرها وتقبيسها وَأَخذهَا إِن صحت ورفضها إِن لم تصح وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين ولسنا نقُول إننا لَا نقدر أَن نحد براهيننا بِحَدّ جَامع مُبين لَهَا بل نقدر على ذَلِك وَهُوَ أَن الْبُرْهَان المفرق بَين الْحق وَالْبَاطِل فِي كل مَا اخْتلفُوا فِيهِ أَن يرجع رُجُوعا صَحِيحا متيقناً إِلَى الْحَواس أَو إِلَى الْعقل من قرب أَو من بعد رُجُوعا صَحِيحا لَا يحْتَمل وَلَا يُمكن فِيهِ إِلَّا ذَلِك الْعَمَل فَهُوَ برهَان وَهُوَ حق مُتَيَقن وَإِن لم يرجع كَمَا ذكرنَا إِلَى الْحَواس أَو إِلَى الْعقل فَلَيْسَ برهاناً وَلَا يَنْبَغِي أَن تشتغل بِهِ فَإِنَّمَا هُوَ دَعْوَى كَاذِبَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَبِهَذَا سقط الْقيَاس والتقليد لِأَنَّهُ لَا يقدر الْقَائِلُونَ بهما على برهَان فِي تصحيحهما يرجع إِلَى الْحَواس أَو إِلَى أول الْعقل رُجُوعا متيقناً قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَنحن نقُول قولا كَافِيا بعون الله وقوته وَهُوَ أَن أول كل مَا اخْتلفت فِيهِ من غير الشَّرِيعَة وَمن تَصْحِيح حُدُوث الْعَالم وَأَن لَهُ مُحدثا وَاحِدًا لم يزل وَمن تَصْحِيح النُّبُوَّة ثمَّ تَصْحِيح نبوة مُحَمَّد ﷺ فَإِن براهين كل ذَلِك رَاجِعَة رُجُوعا صَحِيحا ضَرُورِيًّا إِلَى الْحَواس وضرورة الْعقل فَمَا لم يكن كَذَا فَلَيْسَ بِشَيْء وَلَا هُوَ برهاناً وَإِن كَانَ مَا اخْتلف فِيهِ من الشَّرِيعَة بعد صِحَة جملها فَإِن براهين كل ذَلِك رَاجِعَة إِلَى مَا أخبر بِهِ رَسُول الله ﷺ عَن الله تَعَالَى إِذْ هُوَ الْمَبْعُوث إِلَيْنَا بالشريعة فَمَا لم يكن هَكَذَا فَلَيْسَ برهاناً وَلَا هُوَ شَيْئا وَفِي أول ديواننا هَذَا بَاب فِي مَاهِيَّة الْبَرَاهِين الموصلة إِلَى معرفَة الْحَقِيقَة فِي كل مَا اخْتلف النَّاس فِيهِ فَإِذا أضيف إِلَى هَذَا ارْتَفع الْإِشْكَال وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين الْكَلَام فِي الألوان قَالَ أَبُو مُحَمَّد الأَرْض غبراء وفيهَا حَمْرَاء وفيهَا بَيْضَاء وصفراء وخضراء وسوداء وموشاة وَالْمَاء كُله أَبيض إِلَّا أَن يكْتَسب لوناً بِمَا استضاف إِلَيْهِ لفرط صفائه فيكتسى لون إنائه أَو مَا هُوَ فِيهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنه أَبيض لبراهين أَحدهَا أَنه إِذا صب فِي الْهَوَاء بهرق ظهر أَبيض صافي الْبيَاض وَالثَّانِي فِي أَنه جمد فَصَارَ ثلجاً أَو بردا ظهر أَبيض شَدِيد الْبيَاض وَأما الْهَوَاء فَلَا لون لَهُ أصلا وَلذَلِك لَا يرى لِأَنَّهُ لَا يرى إِلَّا اللَّوْن وَقد زعم قوم أَنه إِنَّمَا لَا يرى لَا نطباقه على الْبَصَر وَهَذَا فَاسد جدا وبرهان ذَلِك أَن الْمَرْء يغوص فِي المَاء الصافي وَيفتح عَيْنَيْهِ فِيهِ فَيرى المَاء وَهُوَ منطبق على بَصَره لَا حَائِل بَينهمَا لَا يرى الْهَوَاء فِي تِلْكَ الْحَال وَإِن استلقي على ظَهره فِي المَاء وَهَذَا أَمر مشَاهد وَأما الَّذِي يرى عِنْد دُخُول خطّ ضِيَاء الشَّمْس من كوَّة فَإِنَّمَا هُوَ أَن الْأَجْسَام تنْحَل مِنْهَا أبدا أَجزَاء صغَار وَهِي الَّتِي تسمي الهباء فَإِذا انحصر خطّ ضِيَاء الشَّمْس وَقع الْبَصَر على تِلْكَ الْأَجْزَاء الصغار وَهِي متكاثفة جدا ولونها الغبرة فَهِيَ الَّتِي ترى لأما سواهَا وَمن تَأمل هَذَا عرفه يَقِينا وَإِن الْبيُوت مَمْلُوءَة من هَذَا الضياء المنحل من لأرض وَالثيَاب والأبدان وَسَائِر الأجرام وَلَكِن لدقتها لَا ترى إِلَّا أَن انحصر خطّ الشَّمْس فَيرى مَا فِي ذَلِك الانحصار مِنْهَا فَقَط وَأما النَّار فَلَا ترى أَيْضا لِأَنَّهُ لَا لون لَهَا فِي فلكها وَأم المرئية عندنَا فِي الْحَطب والفتيلة وَسَائِر مَا يَحْتَرِق فَإِنَّمَا هِيَ رطوبات ذَلِك المحترق يَسْتَحِيل هَوَاء فِيهِ نارية فتكتسب ألوانا بمقدارما تعطيها طبيعتها فتراها خضراء وَلَا وردية وحمراء وبيضاء وصفراء وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَهَذَا يعرض للرطوبات الْمُتَوَلد مِنْهَا دَائِرَة قَوس قزَح

стр. 704

قَالَ أَبُو مُحَمَّد أجمع جَمِيع الْمُتَقَدِّمين بعد التَّحْقِيق بالبرهان على أَنه لَا يرى إِلَّا الألوان وَإِن كل مَا يرى فَلَيْسَ إِلَّا لوناً وحدوا بعد ذَلِك الْبيَاض بِأَنَّهُ لون يفرق الْبَصَر وحدوا السوَاد بِأَنَّهُ لون يجمع الْبَصَر قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا حد وَقعت فِيهِ مُسَامَحَة وَإِنَّمَا خرجوه على قَول الْعَامَّة فِي لون السوَاد وَمعنى يجمع الْبَصَر أَنه يقبضهُ فِي دَاخل النَّاظر وَيمْنَع من انتشاره وَمن تشكل المرئيات وَإِذا هَذَا معنى الْقَبْض بِلَا شكّ فَهُوَ معنى منع الْبَصَر والإدراك وكفه وَمن هَذَا سمى المكفوف مكفوفاً فَإِذا السوَاد يمْنَع الْبَصَر من الانتشار ويقبضه عَن الانبساط ويكفه عَن الْإِدْرَاك وَهَذَا كُله معنى وَاحِد وَإِن اخْتلفت الْعبارَات فِي بَيَانه فالسواد بِلَا شكّ غير مرئي إِذْ لَو رؤى لم يقبض خطّ الْبَصَر إِذْ لَا رُؤْيَة إِلَّا بامتداد الْبَصَر فَإذْ هُوَ غير مرئي فالسواد لَيْسَ لوناً إِذْ اللَّوْن مرئي وَلَا بُد وَمَا لم ير فَلَيْسَ لوناً وَهَذَا برهَان عَقْلِي ضَرُورِيّ وبرهان آخر حسي وَهُوَ أَن الظلمَة إِذا أطبقت فَلَا فرق حِينَئِذٍ بَين المفتوح الْعَينَيْنِ السَّالِم النظرين وَبَين الْأَعْمَى المنطبق والمسدود الْعَينَيْنِ سداً أَو كفا فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فالظلمة لَا ترى وَمن الْبَاطِل الْمُمْتَنع أَن تكون ترى الظلمَة وبالحس نعلم أَن المنطبق الْعَينَيْنِ فِيهَا بِمَنْزِلَة وَاحِدَة من عدم الرُّؤْيَة وَمَعَ المفتوح الْعَينَيْنِ فِيهَا والظلمة هِيَ السوَاد نَفسه فَمن ادّعى أَنَّهُمَا متغايران فقد كَابر العينان وَادّعى مَالا يَأْتِي عَلَيْهِ بِدَلِيل أبدا وَنحن نجد أَن لَو فتح فِي حَائِط بَيت مغلق كوتان ثمَّ جعل على أحداهما ستر أسود وَتركت الْأُخْرَى مكشوفة لما فرق النَّاظر من بعد بَينهمَا أصلا وَلَو جعل على أحداهما ستر أَحْمَر أَو أصفر أَو أَبيض لتبين ذَلِك للنَّاظِر يَقِينا من بعد أَو قرب وَهَذَا بَيَان أَن السوَاد والظلمة سَوَاء وبرهان آخر حسي وَهُوَ أَن خطوط الْبَصَر إِذا اسْتَوَت فَلَا بُد من أَن تقع على شَيْء مَا لم يقف فِيهِ مَانع من تماديها وَنحن نشاهد من بَين يَدَيْهِ ظلمَة أَو هُوَ فِيهَا لَا يَقع بَصَره على حَائِط إِن كَانَ فِي الظلمَة وَسَوَاء كَانَ فِيهَا حَائِط مَانع من تمادي خطّ الْبَصَر أَو لم يكن فصح يَقِينا أَن الظلمَة لَا ترى بل هِيَ مَانِعَة من الرُّؤْيَة والظلمة هِيَ السوَاد والسواد هُوَ الظلمَة لم يخْتَلف قطّ فِي هَذَا اثْنَان لَا بطبيعة وَلَا بشريعة وَلَا فِي معنى اللُّغَة وَلَا بِالْمُشَاهَدَةِ فقد صَحَّ أَن السوَاد لَا يرى أصلا وَأَنه لَيْسَ لوناً قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَإِنَّمَا وَقع الْغَلَط على من ظن أَن السوَاد يرى لِأَنَّهُ أحس بِوُقُوع خطوط الْبَصَر على مَا حوالي الشَّيْء الْأسود من سَائِر الألوان فَعلم بتوسط إِدْرَاكه مَا حوالي الْأسود أَن بَين تِلْكَ النهايات شَيْئا خَارِجا عَن تِلْكَ الألوان فَقدر أَنه يرَاهُ وَمن هَا هُنَا عظم غلط جمَاعَة ادعوا بظنونهم من الْجِهَة الَّتِي ذكرنَا أَنهم يرَوْنَ الحركات والسكون فِي الأجرام وَالْأَمر فِي كل ذَلِك وَفِي الْأسود وَاحِد وَلَا فرق فَإِن قَالَ قَائِل أَنه إِن كَانَ فِي جسم الْأسود زِيَادَة ناتئة سَوْدَاء كَسَائِر جسده رأيناها فَلَو لم تَرَ لم تعلم بنتوء تِلْكَ الْهَيْئَة الناتئة لَهُ على سطح جسده قيل لَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق هَذَا أَيْضا وهم لِأَنَّهُ لما لم يَمْتَد خطّ الْبَصَر عِنْد قبض تِلْكَ الْهَيْئَة الناتئة لَهُ وامتدت سَائِر الخطوط إِلَى أبعد من تِلْكَ الْمسَافَة وَعلمت النَّفس بذلك توهم من لم يُحَقّق أَن هَذِه رُؤْيَة وَلَيْسَت كَذَلِك وتوهموا أَيْضا أَنهم يرَوْنَ السوَاد ممازجا لحمرة أَو لغبرة أَو لخضرة أَو لصفرة أَو لزرقة فَإِذا كَانَ هَكَذَا فَإِن الْبَصَر يرى مَا فِي ذَلِك السَّطْح من هَذِه الألوان على حسب قوتها وضعفها فَقَط فيتوهمون من ذَلِك أَنهم رَأَوْا السوَاد ويتوهمون أَيْضا أَنهم يرونه لأَنهم قَالُوا نَحن نميز الْأسود الْبراق البصيص واللمعان من الْأسود إِلَّا كدر الغليظ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا مَكَان يَنْبَغِي أَن نتثبت فِيهِ فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن الأملاس

стр. 705

هُوَ اسْتِوَاء أَجزَاء السَّطْح والخشونة هِيَ تبَاين أَجزَاء السَّطْح وَقد نجد أملس لماعاً وأملس كدراً فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فالبصيص واللمعان شَيْء آخر غير اسْتِوَاء أَجزَاء السَّطْح وَإِذ هُوَ كَذَلِك وَهُوَ مرئي فالبصيص بِلَا شكّ لون آخر مَحْمُول فِي اللَّوْن بالحمرة أَو الصُّفْرَة أَو سَائِر الألوان وَفِيمَا عري من جَمِيع الألوان سَوَاء فَإِذا قُلْنَا أسود لماع فَإِنَّمَا تُرِيدُ أَنه لَيْسَ فِيهِ من الألوان إِلَّا اللمعان فَقَط فَهُوَ لون صَحِيح وَقد عرى من الْحمرَة وَمن الصُّفْرَة وَمن الْبيَاض والخضرة والزرقة وَمِمَّا تولد من امتزاج هَذِه الألوان وَلَعَلَّ الكدرة أَيْضا لون آخر مرئي كاللمعان وَهِي أَيْضا غير سَائِر الألوان فَهَذَا مَا لَا يُوجد مَا يمْنَع مِنْهُ بل الدَّلِيل يثبت أَن الكدرة أَيْضا لون وَهُوَ وُقُوع الْبَصَر عَلَيْهَا وَهُوَ لَا يَقع إِلَّا على لون وَمن أَبى من هَذَا كلفناه أَن يحد لنا اللمعان والكدرة فَإِنَّهُ لَا يقدر على شَيْء أصلا غير مَا قُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن قَالَ قَائِل فَإنَّا نرى الثَّوْب الْأسود يستبين نسج خيوطه ونتوء مَا نتأ مِنْهَا وانخفاض مَا انخفض فلولا أَنه يرى مَا علم ذَلِك كُله فَالْجَوَاب وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق أَنا قد علمنَا أَن خطوط الْبَصَر تخرج من النَّاظر وَلها مساحة مَا وَبَعضهَا أطول من بعض بِلَا شكّ لِأَن الخطوط الْخَارِجَة من الْبَصَر إِلَى السَّمَاء أطول من الخطوط الْخَارِجَة من الْبَصَر إِلَى الجليس لَك بِلَا شكّ فَلَمَّا خرجت خطوط الْبَصَر إِلَى الثَّوْب الْمَذْكُور انْقَطع تمادي بَعْضهَا أَكثر من تمادي الْبَعْض فبالحس علمنَا هَذَا لَا لِأَن بصرنا وَقع على لون أصلا وَأَيْضًا فَإِن النُّور هُوَ اللَّوْن الَّذِي طبعه بسط قُوَّة النَّاظر واستخراج قوى الْبَصَر حَتَّى أَنه إِذا وَافق نَاظرا ضَعِيف البنية بطبعه أَو بِعرْض اجتلب جَمِيعه واستلبه كُله أَو اقتطفه فعلى قدر قُوَّة النُّور فِي اللَّوْن المرئي وَضَعفه فِيهِ يكون وُقُوع الْبَصَر عَلَيْهِ هَذَا أَمر مشَاهد بالعيان فَكلما قل النُّور فِي اللَّوْن كَانَ وُقُوع الْبَصَر عَلَيْهِ أَضْعَف وَكَانَت الرُّؤْيَة لَهُ أقل حَتَّى إِذا عدم النُّور جملَة وَلم يبْق مِنْهُ شَيْء فقد بَطل بِالضَّرُورَةِ أَن يَمْتَد خطوط الْبَصَر إِلَيْهِ وَأَن يَقع النَّاظر عَلَيْهِ إِذْ لَا نور فِيهِ وَلَا يخْتَلف ذُو حس فِي الْعَالم فِي أَن السوَاد الْمَحْض الْخَالِص لَيْسَ فِيهِ شَيْء من النُّور فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا فَلَا شكّ فِي أَنه يرى وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأَيْضًا فَإِن جبلا ذَا لون مَا وأرضاً ذَات لون مَا وفيهَا غاران مظلمان لَا شكّ أَن كل نَاظر إِلَيْهِمَا فَإِنَّهُ لَا يرى إِلَّا مَا حول الغارين وَأَنه لَا يرى مَا ضمه خطّ الغارين فَإذْ هَذِه كلهَا براهين ضَرُورِيَّة مُشَاهدَة حسية عقلية فالبرهان لَا يُعَارضهُ برهَان أصلا والبرهان لَا يُعَارض بِالدَّعْوَى وَلَا بالظنون وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأما من كَلَام الله تَعَالَى فَالله يَقُول ﴿ظلمات بَعْضهَا فَوق بعض إِذا أخرج يَده لم يكد يَرَاهَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يكَاد الْبَرْق يخطف أَبْصَارهم كلما أَضَاء لَهُم مَشوا فِيهِ وَإِذا أظلم عَلَيْهِم قَامُوا﴾ فصح يَقِينا أَن الظلمَة مَانِعَة من النّظر والرؤية جملَة وَهُوَ السوَاد بِلَا شكّ فَهُوَ لَا يرى وَلَا خلاف فِي أَن الْبَصَر الْقَلِيل يداوى بِالثَّوْبِ الْأسود وَالْقعُود فِي الظلمَة وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا لمَنعه من امتداد خطّ بَصَره فيكل بامتداده وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن قيل السوَاد غير الظلمَة قُلْنَا إِنَّا نجد الأرمد الشَّديد الرمد مَتى صَار فِي بَيت مظلم شَدِيد الانطباق لَا يدْخلهُ شَيْء من الضَّوْء أمكنه فتح عَيْنَيْهِ بِحَسب طاقته وَلم يألم بِالنّظرِ إِلَيْهِ وَمَتى جَعَلْنَاهُ فِي بَيت مضيء وعَلى وَجهه وَعَيْنَيْهِ ثوب كثيف جدا أسود أمكنه فتح عَيْنَيْهِ حسب طاقته وَلم يألم بِالنّظرِ إِلَيْهِ وَكَانَت حَاله فِي تَغْطِيَة وَجهه بذلك الثَّوْب كحاله فِي الظلمَة التَّامَّة سَوَاء سَوَاء وَكَذَلِكَ يعرض للصحيح الْبَصَر فِي الْحَالَتَيْنِ المذكورتين وَلَا فرق وَمَتى جعلنَا على بصر الأرمد ثوبا أَبيض ألم ألما شَدِيدا كألمه إِذا نظر فِي الضَّوْء وَلَا فرق فَإِن جعلنَا على وَجهه ثوبا أصفر ألم دون ذَلِك وَإِن كَانَ أَحْمَر ألم دون ذَلِك فَإِن كَانَ أخضرا ألم دون ذَلِك على قدرهما فِي اللَّوْن من ممازجة الْبيَاض لَهُ فصح أَن السوَاد والظلام شَيْء وَاحِد وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا بِالسَّوَادِ غير الظلمَة وَهُوَ لَا يرى إِلَّا أَن
следующие страницы →