فقد نقلت صحيفة "تورنتو صن" الكندية عن مراسلها في سرينجار -عاصمة كشمير- أن إحدى فرق القوات الهندية قامت مؤخرًا باقتحام قرية "كونن بوشبورا" فاعتقل أفرادها كافة الرجال في القرية، ووضعوهم في أحد معسكرات التحقيق وأخضعوهم للضرب والتعذيب لعدة ساعات، ثم عاد جنود تلك الفرقة إلى القرية واقتحموا البيوت وقاموا باغتصاب النساء بما فيهن كبار السن والفتيات اللاتي لا تزيد أعمارهن على عشر سنوات!!.
ويتعاون الجيش الهندي النظامي مع المنظمات الهندوسية المتطرفة لقمع انتفاضة الشعب الكشميري المسلم ضد التسلط الهندي.
إن هذه الصورة الدامية: ما هي إلا واحدة من سلسلة طويلة من الصور التي تتكرر يوميًّا.
وما تقدمه بعض وسائل الإعلام من صور وأخبار عن هذه المأساة، ليس إلا غيضًا من فيض، وهو -على محدوديته- يدفي القلب ويثير الغضب ..
ومع كل ذلك فلا تزال المأساة تتوالى فصولها دون أن يحرك ذلك ساكنًا، فهل كتبَ على المسلمين أن يعانوا في صمت. وأن يكتموا أحزانهم إلى ما لا نهاية (١).
مسلسل من الحقد الصليبي أفرزه بطرس (بيتر) غالي لكل قضية أساء فيها إلى الموحدين كل الإساءة .. ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾.
* وأخيرًا:
أقول للذين يحاولون أن يثيروا الشبهات حول الإسلام، إنهم كمثل
стр. 1052
الذين يحاولون أن يثيروا التراب على السماء، فلسوف يثيرونه على أنفسهم، وتبقى السماء هي السماء ضاحكة السن بسّامة المحيا. والله تعالى يقول لهم ولأمثالهم إلى يوم القيامة ﴿قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ تباركت وتعاليت فإنهم في غيهم يعمهون وفي غيّهم يترددون ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢١ - ١٢٣].
ما يضرُّ البحر أمسى زاخرًا ... أن رمى فيه غلام بحجرْ
أو:
وما ضرّ الورود وما عليها ... إِذا المزكوم لم يطعم شذاها (١)
***
стр. 1053
صليبيون حتى النخاع قد بدت البغضاء من أفواههم
стр. 1054
صليبيون حتى النخاع قد بدت البغضاء من أفواههم
من أصدق من الله قيلا؟! ومن أصدق من الله حديثًا؟!
* قال الله وكلام الملوك ملوك الكلام: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ .. ﴾ [البقرة: ١٢٠].
* وقال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨].
قلوب سوداء لا تحمل للإسلام إلا التحقير وإثارة الشبهات وخلق أجواء الريبة والاتهامات وهم طوائف مختلفة يجمعهم الحقد الشديد على الإسلام وأهله، هم رُوّاد حركة التغريب وكبار مخططيها وأبرز دعاتها الذين حملوا لواء العمل في ميادين التبشير والاستشراق والكتابات السوداء عن الإسلام منهم الحكام: ككرومر وليوتي، ومنهم دعاة التبشير أمثال لافيجري وزويمر وولكوكس، ومنهم كتّاب متعصبون للجنس الأبيض أمثال دوق داركور وهانوتو، ولويس برتران وفولتير، ومنهم مشرفون على التعليم في البلاد المستعمرة أمثال دنلوب، ومستشرقون أمثال فنسك ولويس شيخو، وهنري لامنس ومرجليوث ورينان.
وهذه المجموعة تضم الفرنسيين والإنجليز وغيرهم رابطة العقد بينهم القضاء على مقومات هذه الأمة عن طريق إثارة الشبهات في ثقافتها وفكرها وعقيدتها، ولقد تصدى لهم وسمهم الزعاف رجالات الإسلام مَنْ دينهم أغلى عندهم من الحياة وما فيها حملوه في سويداء قلوبهم يعطرها وينقلهم
стр. 1055
إلى الحياة الآخرة ونعيمها وهم ما بعد في دار الدنيا، فكشفوا زيف هؤلاء الدجاجلة وفندوا أخطاءهم وادعاءاتهم وكشفوا شبهاتهم .. التي ما زال العبيد والأقزام وأذناب الغرب يضعونها أمام عوام المسلمين لزعزعتهم عن دينهم ..
ومكر صبيان الغرب الذين يصدق فيهم قول القائل:
يرمرم من فتات الكفر قوتًا ... ويشرب من كئوسهم الثمالهْ
يقبل راحة الإِفرنج دوما ... ويلثم دونما خجل نعال
ومكر أولئك هو يبور .. ويبقى الإسلام بنوره وبهائه وأصالته وجذوره القوية وكلماته الطيبة وعقيدته الصافية النقية .. تزول الدنيا بأسرها ولا يزال الإسلام بتعاليمه من صدور أبنائه ومحبيه ما بقيت الدنيا.
لا تهيىء كفني يا عاذلي ... فأنا لي مع الفجر مواثيقٌ وعهد
وها هم حملة السموم والحقد الواضح لا الدفين الذى تطفح به مواقفهم وكتاباتهم (١).
* فولتير وتعصبه الفجَّ وتطاوله على رسول الله ﷺ في "تمثيلية محمد ":
أصدر الكاتب الفرنسي المشهور بحرية الرأي (فولتير) عام ١٧٤٥ م تمثيلية أسماها "محمد والتعصب"، وأهداها إلى البابا في محاولة جريئة تكشف عن حقيقة دعوى حرية الفكر عنده، وقد واجه (توفيق الحكيم) هذه القصة فقال: قرأت قصة فولتير التمثيلية (محمد) فخجلت أن يكون كاتبها معدودًا في أصحاب الفكر الحر، فقد سب فيها النبي سبًا قبيحًا عجبت له وما أدركت له علة، لكن عجبي لم يطل فقد رأيته يهديها إلى البابا بنوا
стр. 1056
الرابع عشر. وعلمت أن روسو كان يتناول بالنقد أعمال فولتير التمثيلية فاطلعت على ما قال في قصة (محمد) علّني أجد ما يرد الحق إلى نصابه فلم أر هذا المفكر الحر أيضًا يدفع عن النبي ما ألصق به كذبًا، كأن الأمر لا يعنيه، وكأن ما قيل في النبي لا غبار عليه ولا حرج منه، ولم يتعرض للقصة إلا من حيث هي أدب وفن، وقد قرأت بعد ذلك رد البابا بنوا على فولتير فألفيته ردًّا رقيقًا كيسًا لا يشير بكلمة واحدة إلى الدين، وكله حديث في الأدب، فعظم عجبي لأمر فولتير وسألت نفسي طويلاً: أيستطيع عقل مثقف كعقل هذا الكاتب العظيم أن يعتقد ما يقول، دين يتبعه آلاف الملايين من البشر، على مدى الأجيال، هو في نظره حقًّا دين كاذب، ومبادئ إنسانية كالتي جاء بها الإسلام هي عنده حقًّا مبادئ بربرية، أم أنه التملق والزلفى والنفاق، وأن الزمن والتاريخ يضعان أحيانًا أقنعة زائفة على نفوس تزعم أنها خلقت للدفاع عن حرية الفكر.
منذ ذلك اليوم وأنا أحس كأني فجعت في شيء عزيز لدي: الإيمان بنزاهة الفكر الحر، ولقد كنت أحيانًا ألتمس الأعذار لفولتير وأزعم أنه قال ما قال لا عن مجاملة أو ملق، بل عن عقيدة، وحسن طوية استنادًا على علم خاطئ بأخبار النبي، ولكن كتابه إلى البابا كان يتهمه اتهامًا صارخًا، ولا يدع مجالاً للشك في دخيلة أمره، إني قرأت لفولتير كتبًا أخرى كانت تكشف عن آراء حرة حقًّا في مسائل الأديان وتنم عن روح واسعة الآفاق تكره التعصب الذميم فما باله عندما عرض لذكر "محمد والإسلام" كتب شيئًا هو التعصب بعينه، تعصب لدينه ذهب فيه إلى حد السجود وتقبيل الأقدام، لا لرب العزة والخلق، بل لبشر هو رئيس الكنيسة التي ما أرى أن فولتير كان ذات يوم من خدامها المخلصين.
وإنما هي الأطماع التي كانت تدفع فولتير -فيما أرى- إلى التمسح بأعتاب
стр. 1057
الملوك والبابوات، ولقد يقدم ثمنًا لذلك أفكاره الحرة أحيانًا، منذ ذلك الحين وفولتير عندي متهم، ولن أبرئه أبدًا، ولن أعده أبدًا من بين أولئك العظام الذين عاشوا بالفكر وحده، وللفكر، وأحسب أن التاريخ العادل سوف يحكم عليه هذا الحكم، فينتقم للحق بما افتراه على نبي كريم ظلمًا وزورًا.
على أن الذي يدعو إلى الدهش أكثر من كل هذا أن الشرق والإسلام وقفا من هذا الأمر موقف النائم الذي لا يعي ولا يشعر بما يحدث حوله، فلم نر كاتبًا من كتاب الإسلام قام في ذلك الوقت يدفع عن دينه هذا الهراء الذي قاله فولتير، ويقذف في وجه هذا الكتاب بالحقائق الباهرة القاطعة، أو أن مؤلفًا وضع كتابًا يبرز فيه شخصية النبي الخيرة العظيمة واضحة جلية، لقد كان الشرق في ليل هادئ بهيم لم تثر فيه حركة فولتير يومئذ ساكنًا.
ولكن الأمر قد تغير اليوم ولاحت في أفق الشرق خيوط الفجر، وقام في هذا القرن كتاب يمجدون عقيدتهم وهم يعلمون أن ذلك تمجيد للحق وللشرق، فإن المسألة ليست مسألة دين فقط، وإنما هي مسألة جنس وقومية (١)، وإذ تقول أوروبا "الإسلام" قائمًا تعني في غالب الأحيان "الشرق" إن الحرب الصليبية لم تكن في حقيقتها إلا حرب الغرب على الشرق (٢)، وهذا المد والجزر بين الغرب والشرق يفهمه مفكرو الأوربيين تمام الفهم، ويحسبون له الحساب فالدفاع عن شخصيتنا وعقيدتنا دفاع عن حياتنا.
* كرومر وكتابه (مصر الحديثة) وتغريب الفكر الإِسلامي:
يعد افيلنج بارنج (كرومر) من كبار دعاة التغريب والاستعماريين في العالم الإسلامي وواحدًا من الذين وضعوا مخطط السياسة التي جرى عليها
стр. 1058
الاستعمار ولا يزال، في محاولة القضاء على مقومات العالم الإسلامي والأمة العربية جزء منه، والإيمان بأن هذا العمل الفكري هو أهم الأعمال القادرة على دعم نفوذ الاستعمار وتركيز قوى الغرب في قلب المنطقة، وتمثل كتاباته في تقاريره وفي كتابه "مصر الحديثة" خطة عمل كاملة، وأيدلوجيا شاملة للقضاء على مقومات الفكر العربي الإسلامي وتمزيق وحدة العالم الإسلامي، ومقاومة القيم والمفاهيم العربية والإسلامية.
ولقد أمضى لورد كرومر في مصر ما لا يقل عن ربع قرن قابضًا على زمام السلطات (١٨٨٢ - ١٩٠٦) وأتيح له من قبل أن يمضي وقتًا في الهند، درس في خلالها مناهج الاستعمار البريطاني هنالك، وقد عمل أول أمره في مصر مندوبًا في صندوق الدين المصري ١٨٧٧، ثم ما لبث أن عين بعد الاحتلال البريطاني مباشرة مندوبًا ساميًّا، ومعتمدًا لبريطانيا، ويهمنا في هذه الدراسة أن نتناول آثاره في مجال الفكر العربي الإسلامي ومخططه الذي سار عليه من بعده كل دعاة التغريب والذي اتخذته منظمات التبشير ومعاهد الإرساليات وكل من اشترك في مخطط العمل (دستورًا) من أجل تأكيد النفوذ الأجنبي عن طريق الفكر.
- وقد تبلورت حملات كرومر في نقاط هامة قليلة:
١ - إثارة الشبهات حول الإسلام، وذلك بالادعاء بأنه دين مناف للمدنية ولم يكن صالحًا إلا للبيئة والزمان اللذين وجد فيهما.
٢ - أن المسلمين لا يمكنهم أن يرقوا في سلم الحضارة والتمدن إلا بعد أن يتركوا دينهم وينبذوا القرآن وأوامره ظهريًا؛ لأنه يأمرهم بالخمول والتعصب، ويبث فيهم روح البغض لمن يخالفهم والشقاق وحب الانتقام وأن المانع الأعظم والعقبة الكئود في سبيل رقي الأمة هو: القرآن والإسلام.
٣ - إن الإسلام يناقض مدنية هذا العصر من حيث المرأة والرقيق وأن
стр. 1059
الإسلام يجعل المرأة في مركز منحط.
٤ - الطعن في شريعة الإسلام وسياسته ومعاملاته.
٥ - أن الشاب المصري المسلم أثناء ممارسته التعليم الأوربي يفقد إسلامه، أو أفضل قسم منه ويقطع حبل المرساة الذي يربطه بمرفإ إيمانه. وأن الشبان الذين يتلقون علومهم في أوربا يفقدون صلتهم الثقافية والروحية بوطنهم، ولا يستطيعون الالتجاء في نفس الوقت إلى البلد الذي منحهم ثقافته، فيتأرجحون في الوسط ويتحولون إلى مخلوقات شاذة ممزقة نفسيًّا.
٦ - هاجم القرآن، وقال: إنه ينافي العمران وهاجم الإسلام؛ لأنه أباح الطلاق، وأنه حرم الربا والخمر.
٧ - قال: إن الإسلام خال من التسامح ويغلب عليه التعصب، وأنه يغرس في العقول الانتقام والكره اللذان يجب أن يكونا أساسًا للعلاقات بين الرجل والمرأة بدلاً من المحبة والإحسان.
٨ - دعا إلى إطلاق الحرية للمرسلين والمبشرين في مصر والسودان، وأن ينشئوا مدارسهم، وضمن تقاريره إحصائيات عن أعمال التبشير في جنوب السودان وفي تقريره عام ١٩٠٤ أعلن أنه كتب إلى جمعية تبشيرية إنكليزية يحضها على بعث مرسليها إلى جنوب السودان، وقال: إن جنوب السودان سكانه وثنيون، وإن اتصالهم بالمسلمين إنما يذكرهم بفضائح الدراويش والنخاسين من العرب، وطالب بأن يتاح للمرسلين في أن ينشئوا مدارس في الخرطوم ويدخلوا ما شاءوا من التعاليم الدينية، وقال: إن أعمال المبشرين في الجنوب (جنوبي كودوك - فاشوده) سائرة سيرًا مستمرًا، وقال: إنه لم يطلب منه حتى الآن أي ترخيص لإنشاء مدارس في جنوب السودان تعلم فيها فرائض الإسلام.
٩ - دعا إلى خلق طبقة من المتفرنجين المستغربين من الوجهة الأوربية،
стр. 1060
والمدنية الحديثة، وقال: إن هؤلاء جديرون بكل تنشيط ومعاونة يمكن أن تعطى لهم، وقال: إن هؤلاء هم حلفاء الأوربي المصلح ومساعدوه، وسوف يجد محبو الوطنية المصرية أحسن أمل في ترقي أتباع الشيخ محمد عبده، للحصول على مصر مستقلة بالتدريج.
وهذه النصوص المنقولة من كلمات كرومر تمثل جماع ما دعا إليه المبشرون والمستشرقون دعاة التغريب والشعوبيون وما يزالون يدعون إليه حتى الآن، وهي مجموعة من الأكاذيب المنبعثة من التعصب واستخدام سلاح الشبهات للقضاء على مقومات الأمة وقيم فكرها، بعد أن تأكد الاستعمار والنفوذ الأجنبي من أن هذه المقومات هي مصدر القوة في العالم الإسلامي لمقاومة كل ضغط أجنبي.
وقد استهدفت هذه الحملة أساسًا قتل روح المقاومة والحملة على الاستعمار وخلق روح تدعو إلى تقبله والرضا به والاستسلام له، على أساس أنه أمر لا يمكن مقاومته، ومن المصلحة الانتفاع بالمستعمرين وقبول فكرهم وحضارتهم، وتقبل الحرية والاستقلال على مراحل، وهذا التيار الذي دُعي فيما بعد بتيار التعقيل أو الالتقاء مع الإنجليز في منتصف الطريق، وقد ارتفع هذا الصوت في السنوات الأخيرة لكرومر، وحاول خلق فلسفة قوامها تقبل الاستعمار وصداقته وعدم معارضته، وذلك بتصوير الاحتلال على أنه حقيقة واقعة، وكانت حجة دعاة هذه المعركة التي تعد خطوات التغريب والشعوبية القائمة الآن في العالم الإسلامي امتدادًا لها، كانت حجة هذه الحركة في (الاعتدال)، أو التعقيل على أساس فهم سلبي قوامه أن التخلص من الاحتلال يحتاج إلى قوة ليست موجودة لدى المصريين، وأن الدعوة إلى مقاومة الاستعمار هو إنفاق للوقت فيما لا طائل تحته، وما دام الإنجليز هم الذين يمسكون زمام الأمور وحدهم فلا سبيل إلى الإصلاح إلا بمصادقتهم
стр. 1061
والتفاهم معهم وقبول ما يتنازلون عنه.
وقد أشاد كرومر بهذه الدعوة التي حمل لواءها لطفي السيد في الجريدة. ومن هنا تعمقت الحملة على الوطنيين وعلى دعاة الجلاء والحرية وعلى أصوات الدعوة المتحمسة وهوجمت أبشع هجوم، وقد حملت هذه الدعوة: الإيمان بالفكر العربي إيمانًا كاملاً ونقله، والتشيع له، وتحقير كل مقومات الفكر العربي الإسلامي ورميه بالضعف والجمود والتخلف، كما حملت لواء التقدير لأمثال كرومر ووصفه بالبطولة والإعجاب ببريطانيا وأوربا واعتبارها رأس الأمم العظيمة، وبذلك انحرف ميزان المفاهيم بين القيم الأساسية والمفاهيم المستوردة، وقد أيد كرومر هذا الاتجاه وأطلق عليه اسم (المدرسة) وتمثل هذا الاتجاه في كتابات الجريدة، التي أنشأها الباشوات والإقطاعيون والموالون للإنجليز، وأصبح شعار هذه الدعوة: (الاعتدال، المحاسنة، التعقيل).
- ثم كان أن اتجه المخطط إلى نهايته في ظل هذه الحركة وكانت الدعوة إلى:
١ - الإقليمية الضيقة، مصر للمصريين، نحن لسنا عربًا، وليس لنا بالمسلمين أي روابط، ولا دخل لنا في أمورهم ومن هنا لا يجوز لنا أن نشارك في معارك طرابلس التي وقعت مع إيطاليا في سبيل مقاومة الاستعمار.
٢ - التعليم، لا يكون إلا لطبقة معينة من الأمة هي الطبقة الثرية التي تتأهل لولاية الحكم وإن أبناء الطبقات الفقيرة لا يجوز أن يتعلموا إلا (فك الخط).
٣ - اللغة العربية الفصحى هي مصدر التخلف، ولذلك لا بد من تحسين اللغة العامية حتى تصبح لغة الكلام والكتابة معًا.
стр. 1062
٤ - الإنجليز يعملون لتمديننا وحمايتنا، فلا خصومة بيننا وبينهم ولكن مودة وصداقة.
٥ - الوطنية لا تكون اندفاعًا عاطفيًا، ولا ينبغي أن يتعلق بأوهام الإسلامية أو الرابطة العربية وإنما تقوم على سياسة المصالح فمصر أولاً وقبل كل شيء. وبذلك حقق كرومر هدفه في خلق تيار واضح في تعميق دعوته ونشر سمومه وقبول آرائه في ازدراء الفكر العربي الإسلامي واحتقار الإسلام والعروبة واللغة العربية والشك في صلاحية هذه المقومات لبناء أمة أو نهضة.
فاستطاع أن ينشر هذه الآراء عن طريق صحيفتين: صحيفة لها طابعها العلني في تأييد الاستعمار "المقطم" وصحيفة لها طابعها المصري الغامض "الجريدة" وقد مضى كرومر خلال فترة إقامته في مصر إلى آخر المدى في تنفيذ مخططه الاستعماري التغريبي الذي يتركز على عدة أعمال أساسية:
١ - الحملة على مركز الرابطة التي تجمع العالم الإسلامي وهي السلطنة العثمانية والخلافة والسلطان عبد الحميد وتأييد خصومها وفتح أبواب مصر لهم وإتاحة الفرصة لهم للحملة على الجامعة الإسلامية والخلافة والدولة العثمانية.
٢ - الحملة على الإسلام باعتباره تركيا وباعتبار أن الكيان القائم في تركيا بكل أخطائه ومساوئه هو "الإسلام" والتركيز على الخلافة الإسلامية باعتبارها نقطة الالتقاء للعالم الإسلامي رغبة في القضاء عليها.
٣ - الاتفاق مع فرنسا وتوقيع الاتفاق الودي وذلك حتى لا يجد المصريون مجالاً للحملة على بريطانيا ومقاومة نفوذها، وقد كشف ذلك عن أن الاستعمار ملتق على هدف واحد هو السيطرة على العالم الإسلامي.
٤ - استقدام عديد من الأجانب ومن السوريين واللبنانيين خصوم الدولة العثمانية ليصبحوا (ركائز) في دعم الحكم وإتاحة الوسائل الكفيلة لهم
стр. 1063
بالكتابة والتجارة والسيطرة على مجالات الاقتصاد والفكر والصحافة.
٥ - نشر اللغة الإنجليزية والثقافة الإنجليزية على حساب اللغة العربية والثقافة الفرنسية في محاولة القضاء على الفكر الإسلامي العربي، وبذلك أمكن تجميد اللغة العربية في المدرسة المصرية والجامعة وتجميدها عن النمو في العالم العربي والإسلامي كله.
وقد حاول كرومر تنفيذ تجربة الاستعمار البريطاني في الهند للقضاء على اللغة العربية بها، وذلك بنشر اللغة الإنجليزية حتى تكون لغة تخاطب، ففرض التدريس بها، ولقد كان الإسلام هو العامل الأساسي الذي استطاع أن يحمي اللغة العربية بوصفها لغة القرآن ولولاه لانتهت اللغة العربية في مصر.
٦ - خلق روح الإقليمية وتمصير القيم بعد أن كانت عربية أو إسلامية، وذلك لعزل كل قطر عن القطر الآخر وأقام حدود فكرية بين أجزاء الوطن العربي والعالم الإسلامي.
وقد استطاع هذا التيار أن يبتعد عن جذور الفكر العربي الإسلامي، وأن يشجبه شجبًا كاملاً، ويجعل الحديث عنه جمودًا ورجعية، كما انتشرت الحملة العنيفة المستمرة على رجال الأزهر ووصفهم بأنهم رجال الدين وإلقاء اتهامات الأكليروس على علماء المسلمين، كما نقلت الاتهامات التي وجهها الفكر الغربي إلى المسيحية الغربية على الإسلام. ولم تمر حملات كرومر دون أن تواجه بمعارضة ونقد وتشريح وكشف لما بها من أخطاء ومغالطات وتعقيب، وأبرز ثلاثة تناولوا كتابات كرومر بالرد هم: فريد وجدي، ومصطفى الغلاييني، ورشيد رضا.
وعندما صدر كتاب مصر الحديثة (مارس ١٩٠٨) نشرت اللواء والمؤيد ردودًا تفصيلية، مما جاء فيها قول المؤيد: "لم يكن كرومر من رجال العلم والفلسفة، ولا من رجال التأليف إنما كان جنديًّا يؤمن بمجد الإمبراطورية،
стр. 1064
تعود بحكم وظيفته أن يكتب، ونظرته استعمارية تنبع من وجهة نظر سيطرة بريطانيا، وهي قائمة على كراهية الشرق والعرب والمسلمين واحتقارهم والإيمان بأن الرجل الأبيض له حق تمدينهم".
١ - وقال فريد وجدي في رده على كرومر: إنه مما لا خلاف فيه أن الإسلام كان وحده سبب يقظة الأمة العربية والروح التي بعثتها لتكوين وحدتها الاجتماعية والسياسية وأنها باسمه وبتأثير تعاليمه اتصلت من بين شعابها وهضابها الرملية لمنازعة دولتي الرومان والأعاجم حق السيادة الأرضية، وباسمه أسست تلك المملكة الباهرة في الأندلس التي كانت سببًا في إيصال نور المدنية إلى أوربا في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، فهل يصح أن توصف المبادئ التي كونت هذه الدول بأنها مبادئ تميت الشعوب التي تسود فيها.
٢ - أما مصطفى الغلاييني فقد أصدر كتابًا في ٢٢٤ صفحة باسم "الإسلام روح المدنية" صدر ١٩٠٨ في بيروت وأعيد طبعه في مصر بعد ذلك. وقد رد فيه مفصلاً على آراء كرومر عن:
(١) التعصب في الإسلام.
(٢) الرق في الإسلام.
(٣) المرأة في الإسلام.
(٤) المدنية الإسلامية.
وأجاب على ثلاثة أسئلة هي:
(أ) هل الشريعة الإسلامية لا توافق هذا الزمان؟
(ب) هل الإسلام مدن الإنسانية أم أخرها؟
(ج) هل القرآن منافٍ للعمران؟
٣ - أما الشيخ رشيد رضا فقد رد في المنار مجلد ١٠ (١٩٠٧) على ما
стр. 1065
ذكره كرومر وأعاد إلى الذاكرة ما وجهه إلى المستشار الإنجليزي عام ١٩٠٥ عندما هاجم الشريعة الإسلامية، وقد جاء في ذلك قوله إلى كرومر: "هل عنيت بما قلت في تقريرك الأخير عن الحكم بالشريعة الإسلامية التي وضعت منذ أكثر من ألف سنة الدين الإسلامي نفسه الذي هو عبارة عن القرآن الكريم والسنة النبوية أم عنيت بذلك الفقه الإسلامي الذي وضعه الفقهاء؟!.
وقد رد كرومر في مكر ولؤم، فقال: إنه إنما قصد الفقه ولم يقصد الدين الإسلامي نفسه".
- وكان كرومر في تقريره ١٩٠٦ قد هاجم الإسلام والفكر العربي الإسلامي في ثلاثة مواضع:
١ - إباحة الاسترقاق.
٢ - المرأة.
٣ - اجتماع الأصول المدنية والقانونية في الإسلام.
وقد رد عليه كثيرون في مقدمتهم فريد وجدي، ومصطفى الغلاييني والدكتور شبلي شميل.
وقد نشر فريد وجدي رده باللغة الإنجليزية في جريدة اجبيشيان ستندر حتى يهيئ للورد كرومر فرصة قرائته بنفسه وبلغته، غير أن كرومر لم يلبث بعد عامين بعد خروجه من مصر أن أصدر كتابه "مصر الحديثة" وعاد فاتهم الإسلام والثقافة العربية الإسلامية مرة أخرى باتهامات جديدة فعاد فريد وجدي إلى الرد عليه مفندًا رأيه بأدلة جديدة في بضعة وعشرين مقالاً نشرها في جريدة الدستور عام ١٩٠٨ ثم جمعها في كتابه "اللورد كرومر والإسلام".
ومما جاء فيها قول فريد وجدي: صغر في عيني جدًا من حيث معارفه التاريخية والاجتماعية والدينية وكنت أظن أنه بعد أن قرأ ردي عليه في أجبيشان ستندارد الإنجليزية يؤوب إلى الحق، فيتنازل عما اختزنه ذهنه عن
стр. 1066
الإسلام عن طريق الوراثة والتقليد فإذا به ازداد تعسفًا وجنى على الحقيقة.
ويظهر أن السياسة قطعته عن العلم فلم يدرس في فلسفة الأديان كتابًا واحدًا. ويسوءنا أن نجاريه في تعديه على الإسلام فنكيل له الصاع بالصاع ونريه من أقوال قادة الفلسفة الأوربية مبلغ ما أتت به المسيحية للعلم والمدنية، ولكن يردنا عن ذلك أدب إسلامي أفاضه علينا القرآن فنمتنع عن تناول النصرانية بالقول تفاديًا من استياء الآخرين بذلك الدين.
ولكن ذلك لا يمنعنا من أن نذكره بقول العلامة "درابر" أن المسيحية لبثت في أوربا ألف سنة فلم تنجب عالمًا واحدًا، ولم يلبث الإسلام غير سنين معدودة حتى نبغ فيه ألوف من أراكين العلم وأساطين الفلسفة. إن المصري يعتبر من أكثر العالمين أدبًا وظرفًا وكرمًا، وماذا رأى كرومر من سوء أدبنا حتى يحط من قدرنا إلى هذا الحد، إن ذنب الإسلام في نظر أهل السياسة من أوربا أنه دين يحمل الآخذ به على الإباء والشمم، ويحميه من أن يكون مضغة للمستعمرين من الأمم، مم يكفر المسلم المعتصم، أيكفر من وجدانه دينًا لا يجافي العقل ولا يحجر عليه، دينًا يفتح باب الحرية المعقولة في وجه كل ميل من أميال جسده وبصره، دينًا يدعو للقوة الدنيوية كما يدعو للمنزلة الأخروية.
لا بد أن يكون من الذين يحومون حول كرومر رجل أو رجال دسوا له الدسائس، فما كان كرومر يستطيع أن يقول هذا الكلام ما لم يقم قوم من المسلمين يدعون أنهم آخذون في إصلاح الإسلام وكلمة إصلاح التي هي في لغتهم، Reform تذكرهم بانقلاب أساسي للدين من نوع الانقلاب الذي أحدثه لوثر وكالفان من مؤسسي البروتستانية، فلما رأى كرومر أن في مصر رجالاً يدعون هذه الدعوى، ولم يثمر أعمالهم سنين ثمرة تذكر، زعم أن الإسلام غير قابل للإصلاح.
أما الإسلام في ذاته فلا يعوزه إصلاح ما، وكل ما يشاهد في أهله من
стр. 1067
آثار الحياة عنه، أسبابه الجهل والبعد عن أصوله وفروعه، فانشر العلم بين طبقات المسلمين تنتهي كل هذه الخرافات. فثم يطلب الإسلام الإصلاح.
هل يحجر على المتعلم العلم، قال: يصد الباحث، هل يأمر بإحراق المتكلمين في الطبيعيات، هل يزجر أهله عن السعادة المادية، هل يكبح الآخذين به عن الملذات البدنية المعتدلة، هل يقيم لهم الوسطاء والشافعين من الكهنة، هل يأمر الناس بالذلة والمسكنة، هل يحسن للإنسان قتل الناس بمجرد مخالفتهم له في العقيدة، هل يبيع حملته الجنة والرحمة الإلهية، كل ما في الأمر أن جهال المسلمين غلوا في تعظيم الصالحين وفي استعمال البيارق والطبول في الأذكار، وافرط أغنياؤهم في كثرة التزاوج والطلاق، وهي أمور سببها الجهل، وأوجبها سكوت العلماء وغدًا تنتبه العقول فلا يوجد لها عين ولا أثر.
يقول اللورد: إن الإسلام فشل في تكوين نظام اجتماعي وهذه كلمة تضحك الصخر وتبكيه في آن واحد، فيا ليت شعري إذا خاب الإسلام في تكوين نظام اجتماعي فكيف جمع العرب المشتتين وكون منهم أمة دحرت الرومان والفارسيين وما زالت تمتد حتى بلغت أقصى ما بلغته دولة الرومان في قرون وصار ملكها أكبر من ملك إنجلترا اليوم، ألم يقرأ نظام الأندلسيين في غرب أوربا في القرن السابع والثامن والتاسع والعشر والحادي عشر من الميلاد حيث كانت أوربا تتعلم منهم العلوم وتقتبس منهم المدنية.
أتريد دليلاً على فساد مزاعم اللورد كرومر أقوى من قوله: إن الإسلام خاب في تكوين نظام اجتماعي في الوقت الذي أجمعت فيه التواريخ أن الأمة الإسلامية اجتمعت بالإسلام وارتقت به وكونت لنفسها في ممالك متعددة مدنيات باهرة تفضل مدنية اليوم من أكثر الوجوه؟!. ولكن الأغرب في كل ما مر من تعليلات كرومر لإخفاق النظام الاجتماعي الذي وضعه الإسلام قوله: إنه حط من قدر المرأة، كيف حط الإسلام من قدر المرأة، وهو
стр. 1068
الذي أثبت لها روحًا وقد نفتها عنها أوربا في مجمع ديني مقدس، وأثبت أن لها أن تضحك وأن تأكل اللحم وأن تلبس ما تشتهي وقد حرمت عليها الكنيسة الأوربية ذلك في العصور الوسطى، وأباح لها حق التملك والتصرف بمالها والتكلم في شئون المسلمين العامة، وتولي القضاء والإفتاء وفرض لها في بيت زوجها كل كرامة حتى لم يكلفها بإرضاع ولا بخدمة منزلية.
هذه المرأة الأوربية المعطاة قشور الحرية دون لبابها، ولم تزل، لا تمتلك حرية للتصرف بمالها.
ويصور الدكتور سامي النشار دور اللورد كرومر في تغريب الفكر العربي الإسلامي على نحو أشد وضوحًا وقوة وذلك بعد مرور أكثر من ثلاثين عامًا على كتابات فريد وجدي يقول: إن كرومر قد أتى وكان إليه جماع الحروب الصليبية، وفيه حقيقتها، أضغان الصليبيين القدامى وأحقادهم وسخائمهم العتيقة، إنه حين أتى أعلن أنه سيهدم في مصر ثلاثًا: القرآن، والكعبة، والأسرة الإسلامية، وظن هذا الصليبي الصغير أنه قادر على هدم حقيقة الكون الكبرى، وأنه إله صغير في يده الأمر والنهي، ولكنه حاول وحاول، واستخدم ببراعة نادرة حلقة معينة وقد استطاعت هذه الحلقة أن توجه الفكر الإسلامي إلى الاتجاه الذي أراده كرومر.
* المارشال ليوتي أول حاكم فرنسي للمغرب عمل على هدم اللغة العربية وإحلال الفرنسية محلها، وخلق الخصومة بين العرب والبربر:
لا تستطيع أن تقرأ تاريخ المغرب الحديث دون أن ترى اسم المارشال (ليوتي) بارزًا واضح الأثر بوصفه الرجل الذي مهد للاحتلال الفرنسي للمغرب وقعد قواعده، مثلة مثل كرومر في مصر، فهو أول حاكم للمغرب (ديسمبر ١٩١٢) ويعده مواطنوه الفرنسيون أنه منشئ المغرب الحديث، وأبرز أعماله هو خلق الخصومة وتأريثها بين عنصر الأمة المغربية العرب والبربر،
стр. 1069
كما خلق كرومر الخلاف بين المسلمين والمسيحيين في مصر، وقد حارب اللغة العربية وحارب جامعة الزيتونة وظل يعمل في همة حتى عام ١٩٣٥ حينما بلغ السبعين من عمره وقد استطاع أن يكسب بعض شيوخ الطرق الصوفية إلى صف الحماية واستعان بهم على تركيز النفوذ الفرنسي عن طريق الفكر والدين، وكان ليوتي بارعًا في استغلال الحزازات القبلية واستطاع أن يكسب إلى صف الاستعمار أرباب الطريقة الدرقاوية التي حملت لواء تثبيط مقاومة الشعب للاحتلال فقد أوصى دعاتها الأهالي بالطاعة والتسليم للسلطات الفرنسية، وقد بلغ مولاي عبد الرحمن غاية ما أملت فرنسا في هذا وقد ربط مستقبله بمستقبل فرنسا على حد تعبير روم لاندو في كتابه "تاريخ المغرب في القرن العشرين" في أنه لم تكد جنود الحلفاء تنزل المغرب حتى اتصل شيخ الدرقاوية بهم وطلب أن يصبح مواطنًا، وقد قام الطرقيون بدورهم في ترجيح استسلام الأمير عبد الكريم في حرب الريف عام ١٩١٦، وقد أشار لاندو إلى أن الطريقة التيجانية هي أيضًا قد نفعت فرنسا بنفوذها القوي في جنوبي المغرب وموريتانيا والريف، وكذلك الطريقة الكتانية وكان الفضل في ذلك إلى المارشال ليوتي الذي كان عمله الفكري من أكبر الأعمال التي مهدت للنفوذ الغربي الفرنسي في العقل العربي الإسلامي المغربي، وقد أولى ليوتي اهتمامه الأكبر إلى مقاومة جامعة الزيتونة حتى قال لأحد أعوانه أنه: إذا تم لفرنسا القضاء على القرويين فقد ضمنت فرنسا لنفسها الخلود في المغرب؛ ذلك لأن خريجي القرويين كانوا أهم عنصر في المقاومة التي واجهت الاستعمار الفرنسي، ولقد تعرضت جامعة القرويين منذ أواخر القرن الثامن عشر إلى حملة ضخمة قادها كتاب الأفرنج وطعنوا في معارف أهلها وكفاءاتهم، وكان هذا تمهيدًا للتدخل في مناهجها ومحاولة إماتتها والقضاء عليها. وأبرز أعمال ليوتي هي حركة الفصل بين العرب والبربر، وقد صور هذا الدور فيكتور بليه في كتاب "الشعب المغربي أو العنصر البربري" فقال:
стр. 1070
لما حفظنا للقبائليين (البربر) في الجزائر حالهم، اتخذوا اللغة الفرنسية بدلاً من العربية، ولا بد لبربر المغرب أن يتبعوا تلك الخطة، ومن الواجب علينا إعانتهم على ذلك، وقانونهم الخاص لا علاقة له بالقرآن، فيجب أن نثبته ونتممه ونرقيه بكيفية بربرية، إن لم تكن فرنسية، ولا نترك القرآن يثبت في أوطانهم، ولقد جعلنا برنامجًا للتعليم البربري في فكرة فرنسية، وجعلنا المدرسين من القبائليين وذلك من أحسن الوسائل لمصادرة اللغة العربية".
- وهكذا كشف مخطط ليوتي وحلفائه هدفهم في القضاء على اللغة العربية والإسلام والقرآن أساسًا باعتبارها وسائل المقاومة للغاصب، وقد أشار الجنرال مارتي في كتابه (مغرب الغد) إلى هذا المعنى حين قال: "لا حاجة لنا في تعليم العربية إلى المستغنين عنها، والعربية رائد الإسلام، ويجب علينا أن نمدن البربر خارج طور الإسلام ويجب علينا أن نمر من (البربرية) إلى (الفرنسية) بدون واسطة، ولا بد لنا من فتح مدارس فرنسية بربرية تتعلم فيها الشبية البربرية اللغة الفرنسية، ويجب علينا أن نأخذ الاحتياط في المذاكرة معهم في شأن الدين؛ لأن الإسلام ما وضع على البرابر إلا صبغة سطحية".
وصور مارتي هذه المدرسة الفرنسية البربرية.
- فقال: "إنها فرنسية باعتبار ما يقرأ فيها وبربرية باعتبار تلاميذها فلا حاجة إلى واسطة أجنبي حيث إن التعليم العربي، وتدخل الفقهاء، وكل المظاهر الإسلامية ستبعد عنها ابتعادًا، وبذلك نبعدهم قسرًا عن كل ما يطلق عليه لفظ إسلام".
- وقد أشار فيكتور فيكي إلى إنه يهتدي في ذلك بتعليمات المارشال ليوتي التي تهدف إلى مصادرة اللغة العربية وكتابة البربرية بحروف فرنسية.
وأشار جان جيرو في مجلة المغرب الكاثوليكي إلى أن الجنرال ليوتي فهم أن إثارة التناقض بين العنصرين البربري والعربي هو الكفيل بجلب المصالح لدولة فرنسا وأنه قد اندفع إلى ذلك بما له من ذكاء حاد يكشف به جانب
стр. 1071
المنفعة.
وكما أولت فرنسا الجنرال لافيجري اهتمامًا خالدًا بإقامة تمثاله الضخم في مدخل تونس، كذلك أقيم للمارشال ليوتي مدفنًا على ربوة تشرف على مدينة رباط الفتح بالمغرب.
وقد أشارت جريدة المقطم إلى الرابطة بين أهداف كرومر وليوتي، فقال خليل ثابت رئيس تحريرها: إن كرومر وليوتي كانا يمثلان سياسة من أكبر السياسات في القرن التاسع عشر فإنهما مع عنايتهما بالإصلاح الإداري والمالي والاقتصادي، لم ينسب أنهما وكيلا دولتين لهما أغراض ومقاصد لا بد من مراعاتها والسهر عليها وأنهم كانوا من أعظم رجال الاستعمار.
- وبعد فقد كان ليوتي عاملاً على هدم ثلاث قواعد هامة:
١ - اللغة العربية وإحلال اللغة الفرنسية مكانها وتشجيع اللهجة البربرية.
٢ - تحويل التعليم إلى اتجاه الفكر التونسي والثقافة التونسية والقضاء على القرآن والدراسات الإسلامية.
٣ - إقامة المحاكم البربرية، وذلك للقضاء على النظم القضائية المستمدة من التشريع الإسلامي.
* الكردينال لافيجري طبّق ما وصّى به لويس التاسع وهو مؤسس جمعية الآباء البيض المبشرين في الجزائر وتونس وهو أكبر دعاة التغريب في المغرب العربي:
يعد الكردينال لافيجري من أكبر دعاة التغريب والعاملين على تثبيت قواعد النفوذ الأجنبي في المغرب العربي كله، وعندما توفي ١٨٩٢ كان عملاً ضخمًا قد تم في الشمال الأفريقي لتركيز دعائم النفوذ الفرنسي حتى نسب
стр. 1072
إليه وارتبط به المؤتمر الأفخارستي الذي عقد في مدينة تونس ١٩٣٥ بعد أن أقيم تمثال له في مدخل المدينة عام ١٩٢٥ يمثله وهو أخذ الصليب بيده اليمنى والإنجيل بيده اليسرى.
وما زال قائمًا في مكانه إلى اليوم، وهو مع الجنرال ليوتي من طلائع الاستعمار في المغرب أشبه بكرومر وزويمر في المشرق وقد حاول من جاء من بعده أن يربطوا بينه وبين لويس وحملته الثامنة على تونس فقال أسقف قرطاجنة: "إن الفكرة العظمى التي كانت تدور بين جني سان لوي (لويس التاسع). والتي ورثها الكردينال لافيجري هي التي تدفعنا إلى عقد المؤتمر الأفخارستي، إن مؤتمر قرطاجنة سيكون حملة صليبية جديدة أو الحملة الصليبية التاسعة والكردينال لافيجري هو مؤسس جمعية الآباء البيض المبشرين في الجزائر وتونس، وكان مصدر العمل كله تقرير حقيقة تقول: إن الوسيلة الوحيدة لبقاء الاحتلال والنفوذ الفرنسي دوامه هو تحويل أهالي المغرب إلى فرنسيين وتغيير دينهم إلى دين الغرب.
ومن أبرز ضربات الكردينال لافيجري محاضرته المشهورة عن الرقيق في الإسلام والتي رد عليها المؤرخ العربي المصري أحمد شفيق صاحب الحوليات بكتاب ضخم باللغة الفرنسية ترجمه أحمد زكي باشا إلى اللغة العربية.
ومنذ مطالع شباب الكردينال لافيجري المولود عام ١٨٣٥ كان اتجاهه إلى دراسة العلوم اللاهوتية حتى وصل إلى مناصب الأكليروس إلى رتبة (الكردينالية) وقد جال جولات واسعة في بلاد المغرب وبلاد أفريقيا من أجل تدعيم إرساليات التبشير، والمعروف أن تونس احتلت سنة ١٨٨١ وأن عمله كان تمهيدًا لهذا الاحتلال الذي كانت فرنسا تتطلع إليه منذ احتلال الجزائر سنة ١٨٣٠ ثم تأكيدًا ودعمًا لهذا الاحتلال.
- ومن أهم الأعمال التي وضع لافيجري أسسها:
стр. 1073
١ - إقامة مدارس تبشيرية ومنها مدارس للراهبات استطاعت من بعد أن تضم كثيرًا من حفيدات الباي والمفتي الأكبر وكبار الشخصيات المتصدرة للقيادات السياسية.
٢ - محاربة اللغة العربية والإسلام والقرآن.
٣ - الدعوة إلى إعادة الغرب إلى أصله الروماني.
٤ - توسيع نطاق التبشير في أفريقيا كلها وأقام جمعية الآباء البيض ذات التاريخ المعروف في مواجهة انتشار الإسلام.
وقد خلفه يونس وفوكو وجول سيكار ولهم مؤلفات خطيرة في الدعوة إلى تقويض أركان الإسلام والفكر الإسلامي واللغة العربية. وجملة رأي الكردينال لافيجري واتباعه أن هذه البلاد (المغرب) بلاد رومانية أصلاً، ولا بد من إرجاعها إلى طابعها الروماني القديم. وفي نفس الوقت الذي كان المؤتمر الأفخارستي يعقد في تونس على أثر حملة التجنيس ودعوة التونسيين إلى الجنسية الفرنسية، كان الظهير البربري الصادر في المغرب (مراكش) يدعو إلى فصل العرب عن البربر، وفي نفس العام ١٩٣٠ كان احتفال فرنسا في الجزائر بمرور مائة عام على احتلالها، واعتباره احتفالاً بمرور قرن على إقرار الكنيسة المسيحية في الجزائر.
وفي هذه الحركات جميعًا كان اسم لافيجري لا يفارق الكتاب والمتحدثين متخذًا منه نقطه البدء إلى توسيع نشاط التبشير في شمال أفريقيا، ولقد آثار المؤتمر الأفخارستي ضجة لا حد لها، فقد اعتمد له مليونًا من الفرنكات من ميزانية الحكومة التونسية، وتقرر عنده في قرطاجنة، فلما اقترب موعده قدمت إلى العاصمة جماعات كثيفة من الرهبان وأخذت تتجول في الشوارع، صفوفًا متراصة تتقدمها كشافة ترتدي ملابس الحروب الصليبية، وهي قمصان بيضاء رسم عليها الصليب من أمام ومن خلف ينشدون الأناشيد
стр. 1074
الكنائسية، وكان حديث الرهبان إلى المسلمين لا يخرج عن أنهم من أرومة مسيحية ورومانية وأنهم لا بد أن يعودوا إليها، وأن هذه البلاد "ستدخل في حياة جديدة بعد ليل الإسلام الطويل".
١ - الرقيق في الإسلام: هاجم الكردينال لافيجري الإسلام في محاضرة له عن الرقيق، أثارت كاتبًا عربيًّا مصريًّا هو المؤرخ أحمد شفيق صاحب الحوليات الذي كان في باريس في هذه الفترة:
- قال أحمد شفيق باشا في مذكراته: في أول يوليو ١٨٨٨ ذهبت إلى كنيسة سان سوليبس لأستمع فيها إلى محاضرة عن الرقيق. وهو موضوع يهمني بصفتي مسلمًا، وكان بصحبة الكردينال سوداني صغير قال: إنه أنقذه من الرق وقد تكلم عن سير الرق في أفريقيا ولفت الأنظار إلى انتشاره ومما قال: لقد زاد الرقيق في أفريقيا منذ عشر سنين وأصبح يقدر بمليون نسمة في السنة فإذا استمرت هذه الحال خمسين عامًا أخرى فلن يبقى في تلك الأنحاء إنسان حر، وما يزال ذائعًا عند حدود مصر وفي زنجبار وبلاد العرب، وعلى ساحل البحر الأحمر، وبالرغم من رقابة السفن الإنجليزية فإن النخاسة يعبرون هذا البحر في جوف الليل فلا يراهم أحد. ثم تكلم عما يلاقيه الرقيق من المر والذل وتعرض إلى الإسلام في هذه النقطة فقال: إن سوء معاملة الرقيق أمر يبيحه الإسلام. وقد عقدت العزم منذ عودتي من باريس على أن أرد بالفرنسية على المزاعم التي وردت في محاضرة الكردينال لافيجري.
وقد رددت على الكردينال سنة ١٨٩٠ في مؤلف بالفرنسية ترجم إلى اللغتين التركية والعربية عنوانه "الرق في الإسلام".
- وقال شفيق باشا: الذي حملني على الشروع في هذا البحث على الاسترقاق إنما هو الخطأ الشائع في أوربا بخصوص الديانة الإسلامية إذ يزعم
стр. 1075
القوم أن نصوصها تحض على ارتكاب الفظائع الحاصلة في أفريقيا الوسطى، فلما أقدمت على هذا العمل رأيت الواجب على أن أحيط علم الجمهور بخلاصة تاريخ عن الاسترقاق وموقف الإسلام منه.
- وقال أحمد شفيق: إن الدين الإسلامي الحنيف لا يبيح في أي حال من الأحوال معاملة الرق إذا كان أبواه مسلمين حرين، ولا يكون الاسترقاق إلا في الحرب ومع ذلك فهو مقيد بشروط وروابط معلومة منها أن يتم على وجه المقرر له، ومنها أن يكون مع أقوام يؤمنون بالله ورسوله على أنهم إذا رضوا بالإسلام دينًا أو دفعوا الجزية تخلصوا من ربقة العبودية. إن الشريعة الإسلامية تأمر تابعيها بالتزام الرفق والرأفة مع المملوكين واستشهد على ذلك بالمأثور عن النبي فقد قال: "اتقوا الله في الضعيفين المرأة والمملوك".
وأمر ﷺ بأن يلبس المملوك من لباس سيده ويتغذى من غذائه، ولا يُحمل فوق طاقته وإن كان سيده مقترًا في معيشته فلا يسري عليه ذلك.
إن الكتاب والحكم والأحاديث النبوية تبيح للسيد أن يتزوج مملوكته إذا أعتقها وأمهرها.
وقال: إن الكردينال لافيجري وأتباعه قد اتهموا الديانة الإسلامية بأنها تدعو إلى النخاسة وتوصي أهلها بارتكاب الفظائع والقبائح التي يرويها عن أواسط أفريقيا. وبلغ من حكمة أحمد شفيق أنه لم يشر إلى الكردينال لافيجري في كتابه الذي لقي بالغ التقدير من الكتاب الغربيين أمثال: مسمو، رنيو، أندري لوبون، ماسيجلي. وقالت جريدة الربيو بليكان أوليانز الفرنسية: أن لافيجري زعم من المسلمين يعتقدون أن الزنجي ليس من العامة البشرية والهيئة الاجتماعية الإنسانية بل هو واسطة بين الحيوانات العجم وأنهم يعلمون هذه المعتقدات لأطفالهم ويبثونها في أذهانهم وقد حققنا بالبراهين الدامغة أن الكردينال لافيجري قد استعمل في دعواه طريق الغش والتدليس
стр. 1076
لكي يجتذب تعضيد الفرق الدينية ماديًا وأدبيًّا قد يرقش رأيه ودعوته بصفة الدين فنهج منهجًا مناقضًا لطريقة تمثيل الحقائق بالصفة التي من حقها أن تكون عليها.
* القس المبشر دنلوب وتغريب التعليم في مصر:
يعد "دنلوب" واضع المخطط الأساسي لتغريب التعليم والتربية وإقصاء الإسلام عن برامج التعليم في المدرسة المصرية، باعتبار أن التعليم والتربية لها أكبر الأثر في مخطط التغريب والشعوبية والتبشير والاستشراق إن لم تكن هي جوهر هدف الاستعمار الأساسي.
فإن خلق طبقة من المتفرنجة الذين ينكرون الدين والخلق معًا (الإلحاد والإباحية) هو عمل أساسي فعلى هؤلاء يعتمد الاستعمار مستقبلاً في تنفيذ مخططه، وتكوين ركائزه التي يعتمد عليها بعد جلاء القوات المحتلة، وقد قام دنلوب بدور كبير في تعميق مخطط التغريب وهدم مقومات الفكر الإسلامي، وكان أبرز ما عمل له: نزع اعتقاد الشباب المسلم في القرآن وكان مذهبه "متى توارى القرآن ومدينة مكة من بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة".
وكان دوجلاس دنلوب قد عين سكرتيرًا عموميًا للمعارف في ٨ مارس سنة ١٨٩٧ ثم مستشارًا في ٢٤ مارس سنة ١٩٠٦، وقد كان في أول أمره قسًا مبشرًا عمل في وظيفة مدرس للغة الإنجليزية والخط الإفرنجي في مدرسة رأس التين الثانوية ثم لفت نظر كرومر فدفعه إلى العمل في نظارة المعارف فما زال يترقى به حتى أصبح مسيطرًا سيطرة تامة على شئون التربية والتعليم.
ولد دنلوب في اسكوتلانده ١٨٦٠ وتخرج من القسم اللاهوتي في إحدى كلياتها، وجاء إلى مصر مبشرًا ١٨٨٩ وعين مدرسًا في مدرسة سنت أندرو التابعة للمجتمع التبشيري لاسكوتلانده بمرتب فرنكات معدودات،
стр. 1077
وسعى لدى كرومر بمساعدة السير فونكريف وكيل الأشغال حتى عين مدرسًا للغة الإنجليزية في مدرسة المهندسخانة فالمعلمين الخديوية.
- وكانت أبرز أعمال دنلوب:
١ - العمل على محاربة اللغة العربية والإسلام والأزهر لذلك عمل على اضطهاد معلمي اللغة العربية من الأزهريين.
٢ - نشر لواء اللغة الإنجليزية وتأهيلها للسيطرة الكاملة على كل شئون التعليم، وبذلك أمكنه القضاء على نفوذ اللغة العربية ولقد مضى في ذلك إلى حد أنه جعل تعليم سائر العلوم كالرياضيات والتاريخ، والكيمياء والجغرافيا والرسم باللغة الإنجليزية، وضيق على اللغة العربية تضييقًا كبيرًا.
ومما يذكر أنه كان يسافر كل صيف إلى بريطانيا ثم يعود في أول العام الدراسي، وقد استقدم معه عددًا كبيرًا من الإنجليز حملة الشهادات الأهلية الذين كانوا يعينون بمرتب لا يقل على ثلاثين جنيهًا، وقد اختارهم بنفسه، وقد كان أبرز كتابات هؤلاء المدرسين الكراهية للغة العربية والعداء للحرية، ومحاولة تحطيم آمال الأمة العربية وتغريب التلاميذ واتهام تاريخ العرب والمسلمين وإثارة الشكوك حوله، واتهام الحضارة الإسلامية العربية بالاتهامات المختلفة وذلك لخلق شعور عام بكراهية هذه الأمجاد والنفور منها والسخرية بها، وكانوا يطعنون روح الوطنية في الشباب والقضاء على حماستهم وتهديدهم، وكانوا يصفون الأمة بأنها نصف متحضرة، وقد داسوا على كل عاطفة وطنية واضطهدوا كل شاب أظهر ميلاً أو عاطفة نحو دين أو وطن وأنشئوا نظامًا من التجسس في المدارس يطاردون به الشباب الوطني، وكان محرمًا على كل أستاذ مصري أن يتحدث عن تاريخ مصر أو تاريخ الإسلام بما يبرز عظمة أمتنا، وكان أهم ما يقال إذ ذاك أن مصر بلد زراعي، وأنها ظلت محتلة طوال تاريخها بالفرس والرومان والأتراك والعرب. وأنها لن
стр. 1078
تحكم نفسها أبدًا، وأن جيشها قد هزم في التل الكبير وأن الجنود المصريين ذبحوا ليلة ١٤ سبتمبر ١٨٨٢ التي كانت قمرية كما يذبح الخراف وكان محرمًا أن تقرأ جريدة وطنية أو تاريخ الإسلام أو العربية.
وقد قاوم (دنلوب) بنشر التعليم العالي في مصر وقد سجل ذلك كرومر في تقريره سنة ١٩٠٧ "أن إنجلترا لا تريد نشر التعليم العالي في مصر، وأنها لا تريد إلا إعداد جمهور من طبقة الأفندية ليشغلوا الوظائف الثانوية في الحكومة وأن المصريين لا يصلحون للعلوم العالية، وأن زيادة التعليم تصرف عن فلاحة الأرض وتعود على مصر بالإفلاس".
وقد حرص دنلوب بتوجيه كرومر وبريطانيا على تنفيذ خطة واضحة المعالم للعمل على وقف انتشار التعليم أو ترقيته وسبيلهم إلى ذلك تقليل اعتمادات المعارف، وصرف أغلب المبالغ المعتمدة في بناء القصور المشيدة واقتناء الأثاث الفاخر للمدارس.
وكان دنلوب منفذ هذه السياسة يقول: "إن سياستي في التعلم هي الجودة لا الكثرة"، وهذه مغالطة واضحة.
وكان دنلوب يعمل على قلب المدارس الابتدائية إلى أولية راقية اكتفاء بالمدارس الأميرية في كل مديرية، كما شجع انتشار المدارس الأجنبية وفق غايات سياسية تسير في نفس الاتجاه الاستعماري، وهم بتحطيم كيان الأمة وإفساد معنويتها.
وحرص دنلوب على معاملة الطلبة الوطنيين بمنتهى القسوة فعدل في ١٩١٠ المادتين ٨٨ و١٠٠ من قانون نظام المدارس بفرض عقوبات على التلاميذ، وفصل كل تلميذ لا يحصل على ٢٠ درجة في السلوك واتخذ من ذلك القانون سلاحًا لخنق الشعور بالحرية وقد سجل مسيو (إدوار لامبير) ناظر مدرسة الحقوق في تقريره الذي نشره في جريدة الطان ١٩٠٧ بعد أن
стр. 1079
أبعده كرومر ودنلوب صورة الصراع بين الفرنسيين والإنجليز على المناصب الكبرى في التربية والتعليم وكشف عن الخطة التي رسمها كرومر ونفذها دنلوب في إقصاء الفرنسيين عن المناصب الكبرى في المدارس العالية وتعيين إنجليز بدلاً منهم، دون أن يكونوا في مستواهم من الناحية الفنية، وأنه قد أخرج الأساتذة الفرنسيين من القضاة من مدرسة الحقوق واستبدل بهم شبانًا من الإنجليز عينوا بمجرد تخرجهم من الكليات البريطانية دون أن يكون لهم أي قدر من الكفاية التي تمكنهم من دراسة القانون.
كما أشار إلى الأنظمة الاستبدادية التي اتخذها بالنسبة للطلبة، وكيف عاملهم بقسوة متناهية، واضطهدهم وجرح كرامتهم، مما أحال مدرسية الحقوق معقلاً للوطنية المصرية بحيث أصبح كل طلابها الأربعمائة تابعين للحزب الوطني.
وأن كرومر حين اضطر تحت ضغط الرأي العام إلى تعيين سعد زغلول ناظرًا للمعارف، وعمل على سلب سلطته الفعلية وأشار إلى الخطط التي كان دنلوب يدبرها مع نظار المدارس وكبار الموظفين للاتصال به شخصيًا وتلقى أوامره وتعليماته قبل أن يكتبوا تقاريرهم الرسمية.
وقال لامبير في تقريره: إن الموظف القابض على الإدارة الحقيقية لوزارة المعارف دوجلاس دنلوب.
وفي ظل هذه الفترة التي قضاها دنلوب في وزارة المعارف وقد امتدت إلى عام ١٩٣٠، ثم تبعه خليفة له في تنفيذ خطة التغريب الكاملة للتعليم على النحو الذي استمر يشق طريقه من بعد، وكان هدف هذا المخطط أساسًا هو تغريب ثقافتنا ومحاولة تدمير شخصيتنا العربية وإحالتها إلى مزيج مضطرب من نتف الثقافات المختلفة ومحاولة التشكيك في عظمة تراثنا الفكري وأمجادنا العربية وتاريخنا الباهر الحافل بالمواقف الخالدة في الدفاع
стр. 1080
عن الحرية ومقامة الغالب والمشاركة في الحضارة والمدنية وحماية آثارها والإضافة إليها وكان هدف التعليم أساسًا تخريج موظفين، وأدوات، وليس التثقيف العام. وقد أبطل دنلوب عديدًا من الكتب المقررة؛ لأنها تتحدث عن القيم العربية الإسلامية وقد كشفت جريدة المؤيد (٢٥ يوليو ١٨٩٩) عن نماذج من هذا العمل، وقالت: إن هذه الكتب غير موافقة لهدفه من الوجهتين الدينية والسياسية، وذلك بإيرادها قواعد الإسلام، وأركانه مصحوبة بالحكم والآيات والقرآن والأحاديث التي تحث على حب الوطن والتعاون وإصلاح ذات البين، وفي سبيل شجب هذه الكتب أعلن دنلوب أن مثل هذه الكتب غير وافية بحاجات التعليم وأوعز إلى بعض المدرسين الموالين له بأن يضعوا كتبا بديلة لها، تضم بعض خرافات لافونتين، وفي عبارة سقيمة وأسلوب نازل، وأشارت المؤيد إلى أن الشيخ حمزة فتح الله ناضل في سبيل إحباط رأيه، فأعلن دنلوب أن كتب المطالعة يجب أن تكون مجردة خالية من كل ما له مساس بالدين".
ومثل هذا حدث مع عبد العزيز جاويش الذي عاد من بريطانيا بعد الدراسة وقد ناقش دنلوب في منهج مدرسة المعلمين وكان رأيه أن يكون المنهج عامًا واحدًا، فاعترض جاويش، وقال: إن في مدرسة المعلمين في بريطانيا برنامجًا من أربع سنوات فأشار دنلوب إلى أن مدرسة المعلمين تهدف إلى تخريج مدرسين يؤدون واجبًا محدودًا لا يزيد عن إعداد موظفين. كان ذلك متمشيًا مع قول كرومر: "عقل بريطاني وأيد مصرية".
وقد واجهت مؤلفات عبد العزيز جاويش نفس مصير مؤلفات علي مبارك وعبد الله فكري فقد أقصيت فعلاً وأُلفت كتب أخرى بدلاً منها تحقق هدف (دنلوب) وهدف التغريب أساسًا.
ولم يجد (دنلوب) قبولاً لعمله ومخططه فقد ظلت الصحف الوطنية توالي مهاجمته وقد تعرضت له اللواء في ٩ أكتوبر سنة ١٩٠٧ فقالت: إن
стр. 1081
المصريين يعلمون أن دنلوب هو أقول آلة وضعها اللورد كرومر لتعطيل التعليم في مصر وأكبر مقاوم لرقي البلاد من باب المعارف، ومحاولة سد الطرق التي يرقى بها، وأنه يستعمل كل ما أوتي من سلطة وقوة لمحاربة المصريين حتى بالسطو على ذمم الموظفين معه لتجد من ضعفها قوة ومن التلاعب بها السلاح القاتل للأمة".
وقد أبطل دنلوب عام ١٩٨٨ كتاب علي مبارك وعبد الله فكري "طرق الهجاء"؛ لأنه تحدث فيه عن الفضائل الإسلامية، ورأى أن هذا الكتاب غير موافق لغرضه من الوجهتين الدينية والسياسية بإيراده قواعد الإسلام وأركانه بالحكم والآيات والأحاديث التي تحث على حب الوطن وتعاونه وإصلاح ذات البين وكان هذا الكتاب مقررًا منذ عام ١٨٩٤ ولكنه بمكره أعلن أن هذا الكتاب غير واف بحاجات التعليم وأوعز إلى بعض أوليائه من المدرسين أن يضع كتابًا يتفق مع المواصفات الاستعمارية فألف الكتاب الجديد حافلاً بخرافات لافونتين في أسلوب سقيم وعبارة نازلة.
كما ألغى دنلوب الباب الوارد في المنهج تحت عنوان العقائد والعبادات الإسلامية، وناضل الشيخ حمزة فتح الله في سبيل إحباط رأيه فكان من قول دنلوب أن كتب المطالعة يجب أن تكون خالية من كل ما له مساس بالدين.
* أرنست رينان يطعن في الإسلام ويصفه بأنه عدو العلم والعقل ويصف الرسول محمدًا ﷺ بالخداع والدجل:
لم تكن خصومة (رينان) للإسلام والفكر العربي الإسلامي إلا خصومة للأديان والروحية جميعًا، وقد حمل حملات عنيفة على المسيحية، ولم تكن آراء (رينان) إلا صورة عميقة لشكوك عصره وشبهاته التي صنعتها مراحل طويلة من تطور الفكر الغربي. وقد طعن (رينان) في الإسلام ووصفه بأنه عدو العلم والعقل، ووصف العرب بأن عقولهم قاصرة بطبعها، غير مستعدة
стр. 1082
لفهم الفلسفة وما وراء الطبيعة، ومع ذلك فإن آراء رينان حافلة بالتناقض والاضطراب فبينما هو يمقت الفكر العربي الإسلامي ويحمل عليه وينتقده انتقادًا مرًا يعترف برهبة هذا الدين وعظمته.
وفي دراسة لجرجي زيدان يقول: إن رينان قد اشتهر بمقاومة النصرانية فبينما كان أبواه يعدانه لخدمتها انقلب حتى أصبح من أشد الناس انتقادًا عليها، فألف سلسلة مؤلفات في هذا الشأن صدرها بكتاب (حياة يسوع) وألحقه بأبحاث في تاريخ الرسل وأصل النصرانية والقديس بولس شدد فيها لهجة الانتقاد حتى أصبح مكروهًا من كل الفئات الدينية، ومن مؤلفاته (اللغات السامية) الذي تناول فيه تاريخ اللغات السامية ومقابلتها بعضها ببعض، وقد بسط تاريخ اللغات العبرانية والفينيقية والآرامية بفروعها، وقال عن الشعوب السامية: إنهم يميلون بفطرتهم إلى التوحيد وأنهم أول من قال بوحدانية الخالق بينما عبدت الشعوب الأخرى آلهة شتى كاليونان والرومان والمصريون.
ورأى رينان في النبي محمد رأي متعصب فقد وصفه بالخداع والدجل وقرر أن الذي أسس الإسلام وشيد صرحه هو عمر؛ لأنه يماثل القديس بولس في المسيحية، وقال: إن الفلسفة الإسلامية ما هي إلا الفلسفة اليونانية مخطوطة بحروف عربية، ولم يهضمها العرب لأن الإسلام دين لا يسمح بحرية الفكر وروح النقد، كما هاجم ابن رشد، وقال: إنه لا يعرف كيف يكتب ولا كيف يفكر، وأن لغته همجية، ومؤلفاته لا قيمة لها، وقال: إن الإسلام يعادي العلم والفلسفة وأنه صارم يتحكم في العبد وفي دنياه وفي آخرته، وأنه ذلك القيد الثقيل الذي لم تصب الإنسانية في تاريخها.
والواقع أن رينان لم يثبت في نظر مؤرخيه بأنه باحث مستقر الفكر، بل عرف باضطراب الرأي وقد وصفه بيكافيه أكبر الباحثين في إثارة: بأنه رجل يقلب أوضاع الأشياء والمسائل وذلك لاختمار النزعة الصليبية في عقله الباطن
стр. 1083
وتملكها على أفكاره في الحكم على من يخالف تعاليم دينه الأول قبل إلحاده وكفره.
وقال مؤرخوه أنه أفسد الاستشراق الفرنسي بهذه الآراء وقد سار على نهجه (منك) في كتابه الفلسفة العربية واليهود، وكليمان هور في كتابه تاريخ العرب، وكازنوفا في كتابه محمد ونهاية العالم.
والواقع أن رينان مدان برأيه في الإلحاد والتدين أساسًا فهو الذي يقول في كتابه "مقالات ومحاضرات" أقول دائمًا، ولست بحاجة إلى أن أكرر أن العقل البشري يجب أن ينزه من كل المعتقدات الدينية وأن يحصر جهوده في مجاله الخاص وهو إقامة العلم الوضعي.
وقد كان كتابه "حياة يسوع" قد أجج ثورة جامحة في فرنسا في القرن الثامن عشر، وقد انتزعه هذا الكتاب من كرسيه في كوليج دي فرانس بتهمة الإلحاد والكفر، وكان منذ مطالع شبابه قد آثار حنق الأساقفة ورؤساء الدين عليه ورُمي بالزندقة، حين انتزع نفسه من العقيدة الكاثوليكية وآمن بمذهب الدهريين، فقد قدس الطبيعة في كل مظاهرها، ولرينان محاضرة مشهورة ألقاها في ٢٩ مارس ١٨٨٣ في جامعة السربون عنوانها "الإسلام والعلم".
حمل فيها على الإسلام حملة متعصبة عنيفة، وقال: إن الدين الإسلامي عقبة في سبيل تقدم العلم بسبب التعصب. وقال: إنه اضطهد العلم والفلسفة، ووصف العقلية السامية بأنها مجدبة كالصحراء التي نبتت فيها، وقال: إنها لا تقوى على التحليل والتعمق. وقد وجه رينان في محاضراته اتهامات واضحة تتلخص في:
١ - نشأ من التساهل الواقع في التعبير بعلوم العرب وفلسفة العرب وفنون العرب وتمدن العرب وعلوم الإسلام آراء فاسدة وخطأ عظيم عمل به.
٢ - انحطاط بلاد الإسلام في العالم واضح.
стр. 1084
٣ - سبب هذا الانحطاط هو أن عقول المسلمين بلغت من الحمق غايته حتى كأن دينهم صار حجابًا على قلوبهم منعها من أن تعي شيئًا من العلوم.
٤ - العجز عن التقدم ناتج عن دين الإسلام.
٥ - دين الإسلام قد نجح، ولكن لشقائه فإنه لما قبل الإسلام الفلسفة قتل نفسه وحكم عليها بالانحطاط التام. وقد رد على رينان رجال من أبناء جلدته منهم غوستاف لوبون الذي قد أشار إلى محاضرة رينان ووصفها بالتناقض وأنه أراد أن يثبت عجز العرب.
وقال لوبون: ولكن ترهاته كانت تنقضي بما كان يجيء في الصفحة التي تليها فبعد أن قال رينان: إن تقدم العلوم مدين للعرب وحدهم عدة ستمائة سنة ذكر أن عدم التسامح مما لا يعرفه الإسلام إلا بعد أن حلت محل العرب شعوب متأخرة كالبربر والترك، ثم عاد فادعى أن الإسلام اضطهد العلم والفلسفة وقضى على العقل في البلاد التي دانت له.
* دوق داركور وكتابه "مصر والمصريون" وزعمه أن الإِسلام هو سر تأخر الفكر في مصر:
أصدر دوق داركور كتابًا بالفرنسية عام ١٨٩٣ هاجم فيه الإسلام والثقافة العربية الإسلامية وكان مما قاله: أن السر في تأخر الفكر في مصر يرجع إلى الإسلام.
فالدين هو السبب الأساسي في التأخر الذي لحظه في كل بلد إسلامي، وعنده أن الإسلام لا يحض على البحث في العلوم غير الدينية، لذلك احتقر المسلمون علوم الغرب، واعتقدوا أن القرآن قد حوى بين دفتيه علوم الأولين والآخرين وأن كل ما عداه باطل، أنكر دوق داركور أن للعرب الأولين مدنية خاصة وعنده أن المدنية لا تقوم إلا على أساس علمي والعلم عندهم لم يكن
стр. 1085
يخرج عما أتى به القرآن لذلك أمر عمر بإحراق مكتبة الإسكندرية، ثم إن العرب لم يحاولوا استكشاف علوم الدنيا، لأنهم تعصبوا لأصول دينهم وآمنوا بالقضاء والقدر، لذلك قامت مدنيتهم على قوائم المدنيات العتيقة.
وقد واجه قاسم أمين هذه الحملة بكتاب رد فيه على الدوق الفرنسي صدر ١٨٩٤ تحت عنوان "المصريون" (١)، وقد بدا قاسم أمين فأشار إلى أن الإسلام لم يعترض تطور العقل الإنساني، ولا تقدم العلوم ولا الآداب ولم يحل دون استكشاف الحقائق العلمية، وقد مضت فترة كان العلماء المسيحيون ينقلون العلم عن العلماء العرب. وفي القرآن آيات تحض المسلم على أن يفكر في خلق السماوات والأرض، وأن يبحث ماهية هذه العوالم والعوالم الأخرى، وقال: إنما عاق التقدم قوم من الجهلة حاولوا تفسير القرآن حسب ما يمليه عليهم الهوى، وعند ذلك تسربت إلى الدين فئة من الأوهام والخرافات هي التي يحسبها السائحون من أصول الدين وليست في الواقع من الدين في شيء، وقال: إنه سيأتي يوم تجتمع فيه الإنسانية تحت راية الإسلام حينما يتبينون أنه دين العلم ودين السياسة ودين الاجتماع.
ودحض قاسم في رده على داركور ما عرضر له من أن الإسلام هو الذي أقام ذلك الاختلاف بين الطبقات، وقال قاسم: أن الإِسلام قد سوى بين الناس جميعًا، وليس من قواعد الجماعة المسلمة أن يرث الرجل امتيازًا خاصًا؛ لأنه من أسرة أو من طبقة خاصة، بل لقد سبق الإسلام كل النظم السياسية الثورية بألف سنة أو يزيد حين أنكر امتيازات الميلاد أو الثروة. وهو من بين الأديان جميعًا يفسح المجال لكل ذي عمل أن يحسن عمله فيرقى من أدنى الدرجات حتى يبلغ أسماها، ثم ليس في الإسلام طبقة تمثل السلطة
стр. 1086
الروحية التي كانت للكنيسة، وليس في الجماعة المسلمة فئة تتمتع بالسلطة الدينية على حساب الآخرين، وللفقراء والمحرومين حق معلوم في أموال الأغنياء فلهم جزء من أربعين جزءًا من كل مال مقبول، وقال: لقد انحدر إلينا من تعاليم الإسلام ما يؤيد الإخاء والمساواة. وقال: إن ذلك النظام الاجتماعي والسياسي قد هوى في حال من الانحلال والتدني حينما اضصرب المسلمون وأصبح الأمر فوضى ليس له أساس من علم ولا دين، فقد قام على الجماعات المسلمة طغاة لا يعرفون إلا صالحهم الشخصي. وقد عبرت مصر قرونًا يستغلها وحوش في صورة آدميين، أقبلوا عليها من كل بقاع الأرض، فكانت مسرحًا لفظائع الظلم والقسوة.
وأشار إلى أن أوربا قد أقامت العثرات في طريق التقدم والنهضة في الزمن الحديث، وأن القناصل في بلادنا يكونون ممالك مستقلة تحمي المجرمين واللصوص وسفاكي الدماء من رعاياهم.
* جبرائيل هانوتو يأمر الأوربيين بقطع الصلة بين المسلمين والإِسلام ويدعي أن الإِسلام يدعو أتباعه إلى الكسل:
نشر هانوتو أحد وزراء خارجية فرنسا في الجورنال الفرنسية ١٩١٠ بعض مقالات هاجم فيها الإسلام والثقافة العربية الإسلامية، وقد ترجم هذه المقالات محمد مسعود في المؤيد (٢ - ١٥) إبريل ١٩٠٠ وقد نشر الشيخ محمد عبده على الأثر مقالات رد فيها على اتهامات هانوتو كما نشر فريد وجدي فصلاً مطولاً.
وقد حملت كلمات هانوتو عبارات غاية في العنف والتعصب، ومن ذلك قوله: الإسلام دين بشري يثقل معتقده دائمًا ويغريهم بالكسل أو التسكع والتبرؤ من شر الفسوق، وأن السياسة التي تجب على أوربا المستعمرة في الشرق أن نجتذبها مع المسلمين هي تلقيح أفكارهم بجانب من الأخلاق
стр. 1087
الأوربية وقطع الصلة بينهم وبين كعبة الإسلام.
وأشار إلى كلمات كيمون ورددها وقال: إن كيمون دعا إلى نسف الكعبة، ونقل قبر محمد إلى متحف اللوفر، وهاجم هانوتو أصول الإسلام، ودعا قومه إلى قتال المسلمين والقضاء عليهم، وقال الشيخ محمد عبده في الرد عليه: لو لم يتعرض مسيو هانوتو إلى الطعن في أصل من أصول الإسلام ما حركت قلمي لذكر اسمه وكان حظي من النظر في مقاله هو العظة والاعتبار. يرى الناظر في كلام مسيو هانوتو لأول وهلة أنه مقلد في التاريخ كما هو مقلد في العقائد وأنه جمع خليطًا من الصور وحشرها في ذهنه ثم هو سلط قلمه ينثرها كما يشاء القدر ليدهش بها من لا يعرف الإسلام من الفرنساويين، وقال: يجب على الباحث في الإسلام أن يطلبه في كتابه كما يجب عليه أن يطلب آثاره، والإسلام إسلام والمسلمون مسلمون، لا أنكر أن الزمان تجهم للمسلمين كما كان قد تنكر لغيرهم وابتلاهم بمن فسد من المتصوفة من عدة قرون فبثوا فيهم أهامًا لا نسبة بينها وبين أصول دينهم فلصقت بأذهانهم لا على أنها عقائد ولكنها وساوس، قد تملك الجاهل وتربك العاقل، إذا لم يغلبها بعوامل الدين الصحيح، فنشأ الكسل بين المسلمين بفشو الجهل بأصول دينهم، أما لو رجع المسلمون إلى الحقيقة من دينهم لأدوا فرضهم واستنبتوا أرضهم واستعزوا من الثروة، واعتمدوا في نجاح أعمالهم على معونة القدر وأيقنوا في صولتهم علمًا أن ليس من الموت مفر، ثم صال صائلهم على مكان العزة منها ونال ما ينال القوي من الضعيف.
أما لو رجع المسلمون إلى كتابهم واسترجعوا باتباعه ما فقدوه من آدابهم لسمت نفوسهم من العيب وطلبوا من أسباب السعادة ما هداهم الله إليه في تنزيله وعلى لسان نبيه واستجمعت لهم القوة. ودبت فيهم الروح قوة وكان ما يلقاه هانوتو وكيمون من دين صحيح شرًا عليهما مما يخشوه من دين
стр. 1088
شوهته إليها.
ويرى كيمون أن يخلى وجه الأرض من الإسلام والمسلمين ويستحسن رأي هانوتو لولا ما يقف في طريق ذلك من كثرة عدد المسلمين وبئسما اختارا لسياسة بلادهما أن يظهرا ضغنهما ويعلنا رأيهما وضعف حلمهما.
أما فليعلما وليعلم كل من يخدع نفسه بمثل حلمهما أن الإسلام إن طالت به غيبة فله أوبة، وإن صدعته النوائب فله نوبة.
وقد يقول عنه المصنفون اليوم من الإنكليز مثل إسحاق طيار وهو قس شهير ورئيس كنيسة: "أنه يمتد في أفريقيا ومعه تسير الفضائل حيث سار، فالكرم والعفاف والنجدة من آثاره والشجاعة والإقدام من أنصاره، ثم هو لا يزال ينتشر في الصين وغيره من أطراف آسيا وسترشده الحوادث إلى طريق الرجوع إلى إظهاره وتنثني به الملمات إلى ما كان عليه لأول نشأته وتدرك عند ذلك الأمم منه خير ما ترجو إن شاء الله".
* رئيس الشياطين وكبير المبشرين في القرن العشرين صمويل زويمر:
لعب صمويل زويمر دورًا ضخمًا في حركة التغريب بوصفه رئيسًا للمبشرين في الشرق الأوسط منذ أوائل هذا القرن وأجرأ الدعاة المقاومين للفكر الإسلامي والرجل الذي استطاع أن يقتحم الأزهر، ويوزع منشوراته، وقد أتيح له أن يطوف بالصين والهند وأفريقيا والهند والصحراء ومدغشقر وأن يكتب دراسات مطولة عن البعثات التبشيرية والإرساليات في هذه المناطق وكيف تحاول أن تنافس الإسلام وتقضي عليه وقد رأس مؤتمرات التبشير التي عقدت في القاهرة ولكنؤ (الهند) والقدس، وأدلى فيها بتقارير ضافية عن الخطوات التي حققتها محاولته في تغريب العالم الإسلامي ونزع مقومات فكره عن طريق التعليم والصحافة والمستشفى.
وهو في تقدير بعض الباحثين أول من قدم من الغرب في أوائل هذا
стр. 1089
القرن من دعاة التغريب، قدم إلى البحرين، وانتقل إلى الأحساء، وتردد بينهما وكان يلقب نفسه (ضيف الله) فتح في أول أمره حانوتا في السوق لبيع الكتب المختلفة، ثم تخصص بالتدريج في بيع الكتب التي تفرق بين الأديان، ثم لم يلبث أن أسس مدرسة ومستشفى صغيرًا للتبشير، ثم استقدم عددًا كبيرًا من المراسلين والدعاة إلى بلاد البحرين من رجال ونساء أمريكيات، واستخدم الفقراء من العرب والمسلمين في العمل معهم، وادعى أنهم قد تركوا دينهم، قالوا عنه: أنه الرجل الذي لا يهزم؛ لأنه درس الفكر الإسلامي سنين طويلة بعد أن عاش سنين أطول في غمار الشعوب الإسلامية، وقد ظل ينتقل بين البحرين ومسقط والكويت والبصرة حتى عام ١٩١٣ وكان قد قدم إلى القاهرة ١٩٠٦ وأقام مؤتمرًا للتبشير في بيت أحمد عرابي في باب اللوق، تحديًا لشعور المسلمين، ثم في ١٩١١ في (لكنؤ) معقل الفكر الإسلامي في الهند ومقر جماعة العلماء التي يرأسها شبلي النعماني، ثم رأس مؤتمرًا في القدس ١٩٢٤ ثم في ١٩٢٦، وتولى تحرير مجلة "العالم الإسلامي" التي أنشأها مع مكدونالد، وله عشرات الكتب عن الإسلام تحمل وجهة نظره منها: داخل عالم الإسلام، المسلمون اليوم، الإسلام في العالم، ترجمات القرآن، أمية النبي، الحديث القدسي وقد أشار نجيب العقيقي الذي ذكره في كتابه "المستشرقين" وعده واحدًا منهم، إلى أن له من المصنفات في العلاقات بين المسيحية والإسلام ما "أفقدها بتعصبه واعتسافه وتضليله قيمتها العلمية"، وقد أشار المقتطف في باب الكتب (مجلد ٥٠) إلى كتابه "صراخ المستغيثين من أبناء الشرقيين"، وقال: إن مدار بحثه في هذا الكتاب عن أطفال المسلمين وأحوالهم الصحية وتربيتهم العقلية والأدبية والدينية، ألفه بالإنجليزية الدكتور زويمر المراسل الأمريكي في هذا القطر وعربه الشيخ متري حبيب الدويري. وقد نقد محمد محمد سعفان (بالقضاء الشرعي) اهتمام المقتطف بهذا الكتاب وأشار إلى ما فيه من تعصب واعتساف على الفكر
стр. 1090
العربي الإسلامي، وقد سارع الدكتور صروف فنشر خطابه وعلق عليه متنصلاً وقال: إننا مع استحساننا قيام أناس من أصحاب كل دين ومذهب لانتقاد ما يرونه فيه مما يستحق الانتقاد، نستهجن جدًّا أن يقوم أناس من غير دينهم ومذهبهم وينقدون ما يعتقدون أن خطأ فيه؛ لأن التنديد بمعتقدات الغير لا يصلحها بل يزيد أصحابها تشبثًا بها، ناهيك أن الخارج على المذهب قلما يفهم حقيقة ما يحسه خطأ؛ لأنه لا يعرف ملابساته فيخطئ في حكمه أكثر مما يصيب" ومجمل ما ذهب إليه (زويمر) هو اتهام الفكر العربي الإسلامي بأنه لم يؤلف كتبًا للأطفال وقال: "إن العرب عنوا بفروع العلم والآداب كلها ووضعوا فيها عشرات والمئات والألوف من المؤلفات، ولكنهم مع وفرة ما ألفوا وترجموا أهملوا أطفالهم وصغارهم فلم يضعوا كتبًا لتعليمهم"، وهذا ولا شك من أكبر مغالطات زويمر وهو ليس صحيحًا على إطلاقه، فإن الفكر العربي الإسلامي حافل بما يصلح للأطفال في باب التربية والتعليم وإن أعلام المسلمين ومفكريه قد تناولوا بالبحث شئون التربية ورسموا لها مخططًا ما زال حيًّا نابضًا بالحياة وقد شهد بذلك علماء التربية المحدثين وقد صور الدكتور زويمر مذهبه في إثارة الشبهات في الفكر الإسلامي على نحو ماكر مليء بالتعصب والكراهية. عدم المجادلة بالبراهين العقلية، بلا استجلاب العواطف واستمالة الأهواء. إن المسلمين يعتقدون بأن القرآن لم يحرف، من دون الكتب السماوية كلها، فيجب علينا أن نثبت لهم أن فيه متناقضات. إن للإرساليات التبشيرية في البلاد الإسلامية مزيتين: مزية تشييد ومزية هدم، أو بالحري مزيتي تحليل وتركيب، والأمر الذي لا مرية فيه هو أن حظ المبشرين من التغيير الذي أخذ يدخل على عقائد الإسلام ومبادئه الخلقية أكثر بكثير من حظ الحضارة الغربية منه. العمل لمنع اتساع نطاق الإسلام بين الشعوب الوثنية وقد أشار (زويمر) في تقريره ١٩١١ إلى أن الإسلام قد بدأ يتنبه لحقيقة موقفه من الحملة عليه، ويشعر بحاجته إلى تلافي الخطر، وهو يتمخض الآن بثلاث