الروحية التي كانت للكنيسة، وليس في الجماعة المسلمة فئة تتمتع بالسلطة الدينية على حساب الآخرين، وللفقراء والمحرومين حق معلوم في أموال الأغنياء فلهم جزء من أربعين جزءًا من كل مال مقبول، وقال: لقد انحدر إلينا من تعاليم الإسلام ما يؤيد الإخاء والمساواة. وقال: إن ذلك النظام الاجتماعي والسياسي قد هوى في حال من الانحلال والتدني حينما اضصرب المسلمون وأصبح الأمر فوضى ليس له أساس من علم ولا دين، فقد قام على الجماعات المسلمة طغاة لا يعرفون إلا صالحهم الشخصي. وقد عبرت مصر قرونًا يستغلها وحوش في صورة آدميين، أقبلوا عليها من كل بقاع الأرض، فكانت مسرحًا لفظائع الظلم والقسوة.
وأشار إلى أن أوربا قد أقامت العثرات في طريق التقدم والنهضة في الزمن الحديث، وأن القناصل في بلادنا يكونون ممالك مستقلة تحمي المجرمين واللصوص وسفاكي الدماء من رعاياهم.
* جبرائيل هانوتو يأمر الأوربيين بقطع الصلة بين المسلمين والإِسلام ويدعي أن الإِسلام يدعو أتباعه إلى الكسل:
نشر هانوتو أحد وزراء خارجية فرنسا في الجورنال الفرنسية ١٩١٠ بعض مقالات هاجم فيها الإسلام والثقافة العربية الإسلامية، وقد ترجم هذه المقالات محمد مسعود في المؤيد (٢ - ١٥) إبريل ١٩٠٠ وقد نشر الشيخ محمد عبده على الأثر مقالات رد فيها على اتهامات هانوتو كما نشر فريد وجدي فصلاً مطولاً.
وقد حملت كلمات هانوتو عبارات غاية في العنف والتعصب، ومن ذلك قوله: الإسلام دين بشري يثقل معتقده دائمًا ويغريهم بالكسل أو التسكع والتبرؤ من شر الفسوق، وأن السياسة التي تجب على أوربا المستعمرة في الشرق أن نجتذبها مع المسلمين هي تلقيح أفكارهم بجانب من الأخلاق
стр. 1087
الأوربية وقطع الصلة بينهم وبين كعبة الإسلام.
وأشار إلى كلمات كيمون ورددها وقال: إن كيمون دعا إلى نسف الكعبة، ونقل قبر محمد إلى متحف اللوفر، وهاجم هانوتو أصول الإسلام، ودعا قومه إلى قتال المسلمين والقضاء عليهم، وقال الشيخ محمد عبده في الرد عليه: لو لم يتعرض مسيو هانوتو إلى الطعن في أصل من أصول الإسلام ما حركت قلمي لذكر اسمه وكان حظي من النظر في مقاله هو العظة والاعتبار. يرى الناظر في كلام مسيو هانوتو لأول وهلة أنه مقلد في التاريخ كما هو مقلد في العقائد وأنه جمع خليطًا من الصور وحشرها في ذهنه ثم هو سلط قلمه ينثرها كما يشاء القدر ليدهش بها من لا يعرف الإسلام من الفرنساويين، وقال: يجب على الباحث في الإسلام أن يطلبه في كتابه كما يجب عليه أن يطلب آثاره، والإسلام إسلام والمسلمون مسلمون، لا أنكر أن الزمان تجهم للمسلمين كما كان قد تنكر لغيرهم وابتلاهم بمن فسد من المتصوفة من عدة قرون فبثوا فيهم أهامًا لا نسبة بينها وبين أصول دينهم فلصقت بأذهانهم لا على أنها عقائد ولكنها وساوس، قد تملك الجاهل وتربك العاقل، إذا لم يغلبها بعوامل الدين الصحيح، فنشأ الكسل بين المسلمين بفشو الجهل بأصول دينهم، أما لو رجع المسلمون إلى الحقيقة من دينهم لأدوا فرضهم واستنبتوا أرضهم واستعزوا من الثروة، واعتمدوا في نجاح أعمالهم على معونة القدر وأيقنوا في صولتهم علمًا أن ليس من الموت مفر، ثم صال صائلهم على مكان العزة منها ونال ما ينال القوي من الضعيف.
أما لو رجع المسلمون إلى كتابهم واسترجعوا باتباعه ما فقدوه من آدابهم لسمت نفوسهم من العيب وطلبوا من أسباب السعادة ما هداهم الله إليه في تنزيله وعلى لسان نبيه واستجمعت لهم القوة. ودبت فيهم الروح قوة وكان ما يلقاه هانوتو وكيمون من دين صحيح شرًا عليهما مما يخشوه من دين
стр. 1088
شوهته إليها.
ويرى كيمون أن يخلى وجه الأرض من الإسلام والمسلمين ويستحسن رأي هانوتو لولا ما يقف في طريق ذلك من كثرة عدد المسلمين وبئسما اختارا لسياسة بلادهما أن يظهرا ضغنهما ويعلنا رأيهما وضعف حلمهما.
أما فليعلما وليعلم كل من يخدع نفسه بمثل حلمهما أن الإسلام إن طالت به غيبة فله أوبة، وإن صدعته النوائب فله نوبة.
وقد يقول عنه المصنفون اليوم من الإنكليز مثل إسحاق طيار وهو قس شهير ورئيس كنيسة: "أنه يمتد في أفريقيا ومعه تسير الفضائل حيث سار، فالكرم والعفاف والنجدة من آثاره والشجاعة والإقدام من أنصاره، ثم هو لا يزال ينتشر في الصين وغيره من أطراف آسيا وسترشده الحوادث إلى طريق الرجوع إلى إظهاره وتنثني به الملمات إلى ما كان عليه لأول نشأته وتدرك عند ذلك الأمم منه خير ما ترجو إن شاء الله".
* رئيس الشياطين وكبير المبشرين في القرن العشرين صمويل زويمر:
لعب صمويل زويمر دورًا ضخمًا في حركة التغريب بوصفه رئيسًا للمبشرين في الشرق الأوسط منذ أوائل هذا القرن وأجرأ الدعاة المقاومين للفكر الإسلامي والرجل الذي استطاع أن يقتحم الأزهر، ويوزع منشوراته، وقد أتيح له أن يطوف بالصين والهند وأفريقيا والهند والصحراء ومدغشقر وأن يكتب دراسات مطولة عن البعثات التبشيرية والإرساليات في هذه المناطق وكيف تحاول أن تنافس الإسلام وتقضي عليه وقد رأس مؤتمرات التبشير التي عقدت في القاهرة ولكنؤ (الهند) والقدس، وأدلى فيها بتقارير ضافية عن الخطوات التي حققتها محاولته في تغريب العالم الإسلامي ونزع مقومات فكره عن طريق التعليم والصحافة والمستشفى.
وهو في تقدير بعض الباحثين أول من قدم من الغرب في أوائل هذا
стр. 1089
القرن من دعاة التغريب، قدم إلى البحرين، وانتقل إلى الأحساء، وتردد بينهما وكان يلقب نفسه (ضيف الله) فتح في أول أمره حانوتا في السوق لبيع الكتب المختلفة، ثم تخصص بالتدريج في بيع الكتب التي تفرق بين الأديان، ثم لم يلبث أن أسس مدرسة ومستشفى صغيرًا للتبشير، ثم استقدم عددًا كبيرًا من المراسلين والدعاة إلى بلاد البحرين من رجال ونساء أمريكيات، واستخدم الفقراء من العرب والمسلمين في العمل معهم، وادعى أنهم قد تركوا دينهم، قالوا عنه: أنه الرجل الذي لا يهزم؛ لأنه درس الفكر الإسلامي سنين طويلة بعد أن عاش سنين أطول في غمار الشعوب الإسلامية، وقد ظل ينتقل بين البحرين ومسقط والكويت والبصرة حتى عام ١٩١٣ وكان قد قدم إلى القاهرة ١٩٠٦ وأقام مؤتمرًا للتبشير في بيت أحمد عرابي في باب اللوق، تحديًا لشعور المسلمين، ثم في ١٩١١ في (لكنؤ) معقل الفكر الإسلامي في الهند ومقر جماعة العلماء التي يرأسها شبلي النعماني، ثم رأس مؤتمرًا في القدس ١٩٢٤ ثم في ١٩٢٦، وتولى تحرير مجلة "العالم الإسلامي" التي أنشأها مع مكدونالد، وله عشرات الكتب عن الإسلام تحمل وجهة نظره منها: داخل عالم الإسلام، المسلمون اليوم، الإسلام في العالم، ترجمات القرآن، أمية النبي، الحديث القدسي وقد أشار نجيب العقيقي الذي ذكره في كتابه "المستشرقين" وعده واحدًا منهم، إلى أن له من المصنفات في العلاقات بين المسيحية والإسلام ما "أفقدها بتعصبه واعتسافه وتضليله قيمتها العلمية"، وقد أشار المقتطف في باب الكتب (مجلد ٥٠) إلى كتابه "صراخ المستغيثين من أبناء الشرقيين"، وقال: إن مدار بحثه في هذا الكتاب عن أطفال المسلمين وأحوالهم الصحية وتربيتهم العقلية والأدبية والدينية، ألفه بالإنجليزية الدكتور زويمر المراسل الأمريكي في هذا القطر وعربه الشيخ متري حبيب الدويري. وقد نقد محمد محمد سعفان (بالقضاء الشرعي) اهتمام المقتطف بهذا الكتاب وأشار إلى ما فيه من تعصب واعتساف على الفكر
стр. 1090
العربي الإسلامي، وقد سارع الدكتور صروف فنشر خطابه وعلق عليه متنصلاً وقال: إننا مع استحساننا قيام أناس من أصحاب كل دين ومذهب لانتقاد ما يرونه فيه مما يستحق الانتقاد، نستهجن جدًّا أن يقوم أناس من غير دينهم ومذهبهم وينقدون ما يعتقدون أن خطأ فيه؛ لأن التنديد بمعتقدات الغير لا يصلحها بل يزيد أصحابها تشبثًا بها، ناهيك أن الخارج على المذهب قلما يفهم حقيقة ما يحسه خطأ؛ لأنه لا يعرف ملابساته فيخطئ في حكمه أكثر مما يصيب" ومجمل ما ذهب إليه (زويمر) هو اتهام الفكر العربي الإسلامي بأنه لم يؤلف كتبًا للأطفال وقال: "إن العرب عنوا بفروع العلم والآداب كلها ووضعوا فيها عشرات والمئات والألوف من المؤلفات، ولكنهم مع وفرة ما ألفوا وترجموا أهملوا أطفالهم وصغارهم فلم يضعوا كتبًا لتعليمهم"، وهذا ولا شك من أكبر مغالطات زويمر وهو ليس صحيحًا على إطلاقه، فإن الفكر العربي الإسلامي حافل بما يصلح للأطفال في باب التربية والتعليم وإن أعلام المسلمين ومفكريه قد تناولوا بالبحث شئون التربية ورسموا لها مخططًا ما زال حيًّا نابضًا بالحياة وقد شهد بذلك علماء التربية المحدثين وقد صور الدكتور زويمر مذهبه في إثارة الشبهات في الفكر الإسلامي على نحو ماكر مليء بالتعصب والكراهية. عدم المجادلة بالبراهين العقلية، بلا استجلاب العواطف واستمالة الأهواء. إن المسلمين يعتقدون بأن القرآن لم يحرف، من دون الكتب السماوية كلها، فيجب علينا أن نثبت لهم أن فيه متناقضات. إن للإرساليات التبشيرية في البلاد الإسلامية مزيتين: مزية تشييد ومزية هدم، أو بالحري مزيتي تحليل وتركيب، والأمر الذي لا مرية فيه هو أن حظ المبشرين من التغيير الذي أخذ يدخل على عقائد الإسلام ومبادئه الخلقية أكثر بكثير من حظ الحضارة الغربية منه. العمل لمنع اتساع نطاق الإسلام بين الشعوب الوثنية وقد أشار (زويمر) في تقريره ١٩١١ إلى أن الإسلام قد بدأ يتنبه لحقيقة موقفه من الحملة عليه، ويشعر بحاجته إلى تلافي الخطر، وهو يتمخض الآن بثلاث
стр. 1091
نهضات إصلاحية:
١ - إصلاح الطرق الصوفية.
٢ - تقريب الأفكار من الجامعة الإسلامية.
٣ - إفراغ العقائد والتقاليد القديمة في قالب معقول، ومصدر هذا الشعور بالحاجة إلى الإصلاح واحد، وهو التغيير الذي حدث في الإسلام عندما اكتسحت أهله الأفكار العصرية والحضارة الأفرنجية ولا يمنع أن يكون الشعور مؤديًا إلى عاطفة الاحتجاج والحذر، أو إلى التوفيق والتحكيم؛ لأن كلا العاطفتين تجتمعان عند جعل الإسلام في مستوى الأفكار العصرية.
وفي العالم الإسلامي الآن حركتان متناقضتان: يحمل لواء الحركة الأولى: رجال الصوفية والمشايخ من اليمن والصومال والبوادي وشعارها الرجوع إلى التعاليم المحمدية، والحركة الثانية يتولى زعامتها أنصار الإصلاح ومبشرو الدين الجديد في مصر والهند وجاوه وفارس، وهؤلاء يبنون أساسهم على رسم الطرق المعقولة ثم يقول زويمر: إن أشياع الإسلام الجديد يريدون أن يرموا من السفينة مشحونها لينقذوها من الغرق. وعنده أن مدينة مكة والطرق الصوفية هما من أكبر العوامل على بث شعور الوحدة بين المسلمين فإذا كان في أفريقيا عوامل أخرى فهي الأحوال المساعدة التي يتصف بها الإسلام ومركز بلاده الجغرافي وارتقاء الشعوب الإسلامية في السودان، وقال": إن التجارة في هذه الأصقاع كلها بين القبائل الإسلامية -ومن المحقق أن التاجر المسلم يبث في هؤلاء المواطنين مع بضاعته التجارية دينه الإسلامي وحضارته الراقية.
وللإسلام في أفريقيا صديق يساعد على انتشاره هو الاستعمار الأوربي؛ فإن الذي يفعله الاستعمار بعد أن يسلب من الأمراء المسلمين سلطتهم السياسية هو أن يقرر الأمن ويمهد السبيل للمسلمين فالاستعمار
стр. 1092
يسلب عن المستعمرات السلطة الإسلامية السياسية، ولكنه يزيد الإسلام نفوذًا وما زال الشيخ والدرويش هما صاحبا النفوذ في أفريقيا ولقد كانت كتابات زويمر كلها ترمي إلى إثارة الشبهة حول إمكانية مجاراة تيار الحضارة مع الاحتفاظ بمبادئ القرآن وتعاليمه، وكان يرى أن اتساع نطاق الحضارة من شأنه أن يقضي على مفاهيم الإسلام، وكان يعلن دائمًا أن هدف بعثات التبشير ليس إدخال المسلمين في المسيحية، وإنما إثارة الشبهات أمامهم فيحتقروا أمتهم، ويتنكروا لقيمهم الأساسية ويصبحوا ملحدين إباحيين ومن ذلك قوله: لقد تساءل اللورد كرومر مرة: هل يبقى الإسلام إسلامًا إذا دخل عليه الإصلاح، فأنا أقول بصفة قطعية أنه لا يبقى كذلك؛ لأن الإصلاحات تجهز عليه فالأركان الأساسية الموجودة في الإسلام كالحج وتعدد الزوجات والطلاق لا تستطيع الثبات في وجهة تيار المدنية الجارف والواقع أن كل ما وصل إليه دعاة التغريب من آراء هي في أساسها أهواء، وما وضعوه منها في صبغة "التقرير" قد ثبت بمرور الأيام أنه ليس صحيحًا، وأن الفكر الإسلامي العربي استطاع أن يوائم بينه وبين الحضارة والفكر العصري، وقد كان دائمًا قادرًا على التلقي والامتصاص ودومًا كان قادرًا على الحركة، مرنًا لا يجمد، وما يزال الإسلام قائمًا والفكر الإسلامي حيًّا إلى اليوم وبعد أن كتب زويمر ما كتب بنصف قرن وفي كتابه "الإسلام: ماضيه وحاضره ومستقبله"، أورد معلومات مضللة عن نفوذ المبشرين في أفكار الإسلام وعن تعداد المسلمين.
ومن رأيه عدم مجادلة المسلمين بالبراهين العقلية بل الدخول عليهم من الجهة القلبية لاستجلاب عواطفهم واستمالة أهوائهم ومع أنه بروتستانتي فقد كان يستجمع البعثات الكاثوليكية والأثوذكسية ويدعو إلى توحيد العمل في شن الغارة على الإسلام وانتهاز فرصة الضعف التي مر بها العالم الإسلامي بعد الحرب العالية الأولى وقد أولى زويمر اهتمامًا بأواسط أفريقيا والنيجر ودعا إلى توسيع نطاق العمل بها وأبدى تخوفه من اتساع نطاقها.
стр. 1093
وسجل في تقاريره تقدم الإسلام في هذه المناطق، "من مركزه الواسع في الشمال ومعاقله التي في السواحل إلى الجنوب والغرب الأفريقي"، وقال: إن المبشرين قد أخطأوا في تقديراتهم السابقة؛ لأنه تبين لهم فيما بعد أن بعض البلاد التي كانوا يحسبونها خالية من الأديان المعروفة، هي إما إسلامية محضة، أو أنها على أهبة الدخول في الإسلام"، وفي مؤتمر ١٩٢٤ المنعقد في القدس كشف زويمر عن خطته الجديدة وصاغ خلاصة تجاربه في عمل جديد، هو ما ألمحنا إليه من الاتجاه إلى التحول في الأساليب لا في الغايات، وإخفاء التبشير وإبراز التغريب، والاعتماد على الأساليب الخفية الحتمية عن طريق المناهج الدراسية والصحف وإثارة الشبهات حول قضايا الدين واللغة والتاريخ والتراث وهذا مجمل خطته: "لقد صرفنا من الوقت شيئًا كثيرًا، وأنفقنا من الذهب قناطير مقنطرة، وألفنا ما استطعنا أن نؤلف وخطبنا ومع ذلك كله فإننا لم ننقل من الإسلام إلا عاشقًا بنى دينه الجديد على أساس الهوى.
فالذي نحاوله من نقل المسلمين عن دينهم هو باللعب أشبه منه بالجد وقال: وعندي أننا يجب أن نعمل حتى يصبح المسلمون غير مسلمين. إن عملية الهدم أسهل من عملية البناء في كل شيء إلا في موضوعنا هذا؛ لأن هدم الإسلام في نفس المسلم معناه هدم الدين على العموم وأعلن أن الأحوال السياسية في جميع البلاد الإسلامية أصبحت ملائمة لأعمال التبشير، وأن العراقيل من بعض الحكومات قد أزيلت، وأن الحرب العظمى جعلت العديد من المسلمين على صلة مباشرة بالحضارة الغربية، وهم يزورون الأقطار الأوربية زرافات، وألوف من الطلاب المسلمين يهاجرون من آسيا ليتعلموا في أوربا وسيل من العمال والصناع يتدفق من شمال أفريقيا على فرنسا ويبلغ عدد الذين يزورون باريس سنويًّا أكثر من الذين يحجون إلى مكة، وأنه لا بد من عمل مجهود لإيجاد الاستعداد الفكري والذهني لقبول جهود المبشرين
стр. 1094
عن طريق إدارات التربية والتعليم والمعارف والصحف والكتب والسينما والمسرح وقد وسعت وسائل النشر الحديثة المجال لنمو الصلة بين المسلمين والحضارة الغربية.
وقال: إن التطورات الحديثة الحادثة بنطاق واسع في جميع أنحاء العالم الإسلامي قد دعت بالضرورة لأن يتخذ "التبشير" شكلاً جديدًا ملائمًا للحالة الجديدة في الشرق الإسلامي وقد أمكن أن نتبين بدلائل قاطعة أن الإسلام قد انتقض غزله وحلق به الضعف وتفككت حزمته، وعلى الإجمال أصبحت الروح القومية تدحر روح الجامعة الإسلامية وتحل محلها، فإن المسلم التركي على سبيل المثال أخذ ينقلب ليصير تركيًّا أكثر منه مسلمًا.
وكان لإلغاء الخلافة تأثير عميق ليس فقط في تركيا بل في جميع العالم الإسلامي، وقد أخذت الظواهر تتكاثر في النواحى لتدل بصفة قاطعة على انحلال الرابطة الاجتماعية في الإسلام وآثار هذا الانحلال نراها جلية في تطور مكانة المرأة وعلى الأخص في المدن. ومن ثمار هذا الانقلاب النسائي على الزواج المبكر والتوسعة في الحرية على المرأة.
أما الانقلاب الفكري في الإسلام فظاهر لا يحتاج إلى بيان، فأينما أدار الإنسان وجهه وجد تعطش المسلمين للمعارف، وطلب العلوم، وتتكون الآن عقلية جديدة في المسلمين هي نتيجة الاحتكاك والاتصال بالعلوم الغربية والحضارة الغربية، وفوق كل هذا، الأمر العظيم الذي يقف الإنسان عنده حائرًا معتبرًا هو انحلال العروة الدينية في الإسلام، حتى أنك ترى من المسلمين من قد أصبحوا في عماية من أمرهم لا يدرون كيف يتقدمون، ولا كيف يتأخرون لوقوعهم في الحيرة .. اهـ.
هذه هي أفكار (صمويل زويمر) المبشر الأكبر الذي رسم مناهج الدعوة إلى تغريب الفكر العربي الإسلامي، وعمل في الميدان أكثر من ٣٥ عامًا
стр. 1095
وعقد عديدًا من المؤتمرات في الجزائر والقدس والقاهرة .. ولكن كيف تبدو آراؤه اليوم بعد أكثر من ثلاثين عامًا .. ؟ أنها في الحق تبدو مجرد أوهام وتكهنات لم تصدق، فإن الإسلام لم تنحل عروته، والتجار المسلمون والطرق الصوفية استطاعوا غزو أفريقيا غزوًا قويًّا وبعثات التبشير المزودة بالجاه والمال لم تحقق إزاءه تقدمًا يذكر.
ولم تؤثر القومية على روح الأخوة الإسلامية بل زادتها قوة، ولدينا في العالم الإسلامي الآن منظمة الوحدة العربية ممثلة في الجامعة العربية ومنظمة العمل الإسلامي الثقافي الموحد ممثلة في رابطة العالم الإسلامي ومجمع البحوث والمؤتمر الإسلامي وكلها تسير في هدفها دون تعارض. ولم تصدق آراؤه التي استقاها من الخبرة الطويلة في نتائج بث الأفكار المسمومة والمغرضة عن الإسلام واللغة العربية واستطاع العرب والمسلمون أن يكشفوا زيفها، وأن يردوا عليها وأن يتجنبوها. والهدف الأكبر الذي سعى إليه وهو إثارة الشكوك عن طريق الطلاب الذين يسافرون إلى أوربا قد باء بالخسران، فإن أكثر الذين حملوا لواء الدعوة إلى الإسلام والدفاع عنه والذين آمنوا بمقومات الفكر العربي أساسًا تعلموا في أوربا، ولا زلنا نذكر الدكتور يحيى الدرديري، ولطفي جمعة والدكتور غلاب وعلي مظهر، ومنصور فهمي، والدكتور هيكل، وعمر الدسوقي ومالك بن نبي، أو ممن تعلموا في معهد الإرساليات: كالدكتور عمر فروخ والدكتور مصطفى الخالدي فضلاً عن أنه قد تحول كثيرون ممن أثرت فيهم خدعة الاستعمار، والغزو الثقافي، وبقي الآخرون في الظل وقد كشفهم العرب المسلمون وتحاموهم، ولم يضعف الإسلام بانحلال الخلافة بل قامت دولة إسلامية هي الباكستان وزاد عدد المسلمين حتى بلغ الآن ألف مليون مسلم. وبذلك سقط منهج الفكر والبحث في الإسلام عند أمثال هؤلاء الدعاة الذين كشفوا عن هدفهم في القضاء على روح الإسلام وقيمه ومفاهيمه.
стр. 1096
* مع رئيس الشياطين زويمر مرة أخرى:
من أهداف التبشير التي أعلنها زويمر في مؤتمرهم قبل الحرب العالية الأولى "هدم الإسلام من قلوب المسلمين، حتى إذا أصبحوا غير مسلمين سهل علينا أو على من يأتي بعدنا أن يبنوا النصرانية في نفوس المسلمين، أو في نفوس من يتربون على أيديهم" (١).
- وقال زويمر لتلاميذه: "إنكم أعددتم شبابًا في ديار الإسلام لا يعرفون الصلة بالله، ولا يريدون أن يعرفوها، وأخرجتم المسلم من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي جاء النشء طبقًا لما أراده له الاستعمار".
- ولما انعقد مؤتمر القدس الأول التبشيري في يافا ١٩٢٤ بإشراف ورئاسة زويمر هاج المسلمون وتناولوا زويمر في قصائدهم ومن أبرزها قصيدة الشاعر الصاوي علي شعلان بعنوان "كيف نودع رئيس الشياطين؟ " إلى الدكتور زويمر جاء في مطلعها.
ألا أبلغْ زويمر والعذارى ... كأمثال الظبا أبت القفار
ترتل في كنائسها صلاة ... فتبعث من فؤادك ما توارى
- وبلغ من نشاط هذا الشيطان أنه ذهب إلى الأزهر الشريف مع ثلاثة من الأجانب من بينهم امرأة، فتبعه مراقبو الجامع الأزهر لعلمهم بنشاطه التبشيري، ودخل المبشرون معه حلقة درس الشيخ سرور الزنكلوني وفي أثناء شرحه لسورة "التوبة"، وزع على الطلبة ثلاث رسائل تتضمن تفسيرات نصرانية لآية الكرسي وأسماء الله الحسنى، ثم ترك الحلقة إلى غيرها يوزع رسائله، وأهاج هذا الأمر نحوًا من ثلاثة آلاف طالب أزهري كانوا موجودين وقتها، ومزقوا الرسائل. وكتبت صحيفة "الفتح" متعجبة أن تبلغ الجرأة
стр. 1097
بالمبشرين أن يدخلوا معقل الدعوة الإسلامية في مصر وهو الجامع الأزهر الشريف ويوزعوا الكتب التبشيرية بين طلابه، الأمر الذي أحدث ردود فعل واسعة النطاق في أروقة الجامع الأزهر، إذ طالب علماؤه بالتصدي لهذه الزمرة من المبشرين الذين يهاجمون الإسلام في عقر داره" (١).
- وانظر إلى علو كعب زويمر في التبشير:
كتب القس زويمر في مجلة "العالم الإسلامي" التبشيرية والتي يشرف على تحريرها في عدد أبريل ١٩٣١ م تحت عنوان "المساحات التي لم تحتل بعد" ذكر فيها أن الأقاليم التي لم يزرها المبشرون للآن يجب أن تكون موضع اهتمام الكنيسة وميدان جهادها، ولا ينبغي أن يبقى في هذا القرن العشرين للتاريخ المسيحي مكان على وجه الأرض لا تطأه قدم المبشر "وأشار إلى أن أكثر البلاد التي لم يحتلها المبشرون إنما تقع في دائرة العالم الإسلامي" (٢).
ومن أبرز الكتاب الذين هاجموا التبشير في الصحف الإسلامية: الشيخ محب الدين الخطيب والشيخ رشيد رضا، والدكتور عبد الحميد سعيد والشيخ عبد الرحمن الساعاتي والأستاذ حسن البنا وشكيب أرسلان وعجاج نويهض والشيخ حسن الطويل (٣).
* مرجليوث وكتابه العفن "محمد وظهور الإِسلام" وقوله: أن النبي كانت تنتابه النوبات العصبية "الصرع" كثيرًا:
يعد مرجليوث من كبار المستشرقين الإنجليز، وكان أستاذ الدراسات
стр. 1098
الإسلامية في جامعة أكسفورد، وله اتصال واسع المدى مع المصريين بعد الاحتلال البريطاني. وقد اتصل به الشيخ عبد العزيز جاويش وهاجمه عندما أصدر كتابه (محمد وظهور الإسلام).
ومنذ عام ١٩٠٧ تناولت الصحف في مصر آراءه فقد أصدر في ذلك الوقت كتابًا عن النبي محمد وجعله حلقة من سلسلة عظماء الأمم، وصفه سليمان الندوى فيما بعد بأنه لم يؤلَّف بالإنجليزية كتابٌ أشد تحاملاً على النبي منه، حاول فيه مرجليوث أن يشوه كل ما يتعلق بالسيرة، وأن يشكك في أسانيدها، ولم يأل جهدًا في نقض ما أبرمه التاريخ ومعارضة ما حققه المحققون من المنصفين. وقد أشار الشيخ جاويش إلى آراء مرجليوث، وقال: إنه -أي مرجليوث- حارب التاريخ كما حارب الإنصاف وحمل على الرسول حملات منكرة وأشار إلى قول مرجليوث: "إن المسلم معناه في الأصل الخائن، وعلل ذلك بأن هذه الكلمة مشتقة من اسم مسلم"، وادعى مرجليوث أن النبي كانت تنتابه النوب العصبية كثيرًا وزعم المؤلف أن النبي عاشر بعض النصارى فاستفاد كثيرًا من القصص واقتبس بعض أساليب التعبير، وعلل زواجه بخديجة بطمعه في مالها". وقد صارت آراء مرجليوث مصدرًا للمتعصبين من الكتاب الغربيين ومن ذلك ما نقله عنه مستر سكوت وأثار كثيرًا من الاعتراضات. وقد أشار رضا إلى أن السبب في أكثر غلط مرجليوث وخطأه في السيرة هو التحكم في الاستنباط والقياس الجزئي وبيان أسباب الحوادث كما هو شأنهم في أخذ تاريخ الأقدمين من الآثار المكتشفة واللغات المنسية ونقص فهمهم. كما أشار صاحب المقبس (محمد كرد علي) إلى كتابه عظماء الأمم فقال: إنه لم يؤلف كتاب بالإنجليزية أشد تحاملاً على النبي مما جاء بهذا الكتاب فقد حاول مرجليوث أن يشوه كل ما يتعلق بالسيرة الشريفة، وأن يشكك في أسانيدها ولم يأل جهدًا في نقض ما أبرمه التاريخ.
ويعارض ما حققه من المثقفين ومرجليوث له فرض في الشعر الجاهلي نشره
стр. 1099
في يوليو ١٩٣٥ في إحدى المجلات الاستشراقية، وفي ١٩٢٦ نقله طه حسين في كتابه المشهور عن الشعر الجاهلي، يقول مالك بن نبي: ربما لم يكن فرض مرجليوث ليحتوي على شيء خاص غير عادي لو أنه حين نشر لم يصادف ذلك الترحيب الحار من المجلات المستغربة، ومن بعض الرسالات التي يقوم بها دكاترة عرب محدثون، حتى لقد كسب هذا الفرض قيمة المقياس الثابت في دراسة الدكتور صباغ عن (المجاز في القرآن) وقد رفض الدكتور صباغ رفضًا مقصودًا مغرضًا الاعتراف بالشعر الجاهلي كحقيقة موضوعية في تاريخ الأدب العربي".
وكتب مرجليوث مقالاً نشر عام ١٩٠٤ فردد قول برايس من أن الإسلام لم يبق من عمره إلا قرنان كما أعاد ما قاله أحد المبشرين من أن الإسلام لا يلبث أن يذوب ذوبان الثلج بين يدي العلم والتمدن والنصرانية كما نقل رأي الدكتور بروين الذي قال": إن الإسلام يذهب بذهاب الدولة العثمانية ومضى يردد الكلمات التقليدية التي يرددها المتعصبون وخدام الاستعمار من أن الإسلام لن يبقى بعد احتكاكه بالتمدن الحديث ويموت لا محالة كما ردد ما قاله أحد كتاب التغريب من أن الانحطاط الذي يعيشه المسلمون -في هذه الفترة- يرجع إلى أسباب متصلة بالإسلام نفسه؛ لأنه لا يوافق روح التمدن وهكذا يتكشف في كتاباته جماع منسق لما تورده حملات التشكيك التي لا يرقى كتابها إلى مقام العلماء ونقد العلامة عبد العزيز جاويش هذا الكتاب (محمد وظهور الإسلام) لمرجليوث فقال: كتاب وضعه مستر مرجليوث: ظهر هذا الكتاب من نحو سبعة أعوام ونفوس الإنجليز والأمريكيين ترقبه لما لذلك الرجل عندهم من المكانة العلمية الرفيعة ولا سيما وهو مشغوف بدعوى أنه محيط بأكثر لغات العالم، فتراه يدعي العلم بالإسبانية والفرنسية والإيطالية والألمانية والعربية والفارسية والعبرانية، وقد كنت إبان ظهور الكتاب في مدينة أكسفورد حيث المؤلف، لما ذكرت له رغبتي
стр. 1100
في شراء كتابه وعد أن يقدم لي منه نسخة ثم جعل يتباطأ تارة ويتناسى أخرى حتى مللت وعوده، وظننت أنه لا بد لهذا الكتاب من سر يريد إخفاءه عني ولا سيما والمؤلف يعلم أنني ضعيف الثقة بكثير من المستشرقين سيئ الظن بهم وقد كنت في الواقع كذلك، ولكن بعد أن خبرتهم وسبرت غور معلوماتهم وتتبعت مبلغ كفاءتهم، ولولا أنني وجدت من بينهم أفذاذًا قليلين جدًّا لا اطمأنت نفسي إلى أحد منهم فلما حصلت على الكتاب وتصفحته ثم درسته بابا بابًا وكلمة كلمة، حتى جئت على آخره فوجدته عند ظني به، وجدته حارب التاريخ كما حارب الإنصاف وحمل على الرسول ﵇ حملات منكرة، ويظهر أن المؤلف توقع أن لا يقع كتابه إلا في أيدي البله ولا يطلع عليه إلا الأغرار، فلم يبال إن جاء فيه بمحدثات لو أنه تدبر لما اجترأ على الإقدام عليها فمن ذلك أنه يقول: إن المسلم معناه في الأصل (الخائن) وعلل ذلك بأن هذه الكلمة مشتقة من اسم مسلمة، ثم زعم أن المسلمين سموا أنفسهم بذلك من غير تدبر ثم حولوا هذه المادة إلى معنى التسليم المشهور اليوم وادعى المستر مرجليوث أن النبي ﷺ كانت تنتابه النوب العصبية كثيرًا، وفسر بذلك ما كان يصيبه ﷺ من الجهد خلال نزول الوحي مع أنه ﵇ لم يعرف في تاريخ حياته أنه كان يصاب بأمثال تلك النوبات العصبية قبل زمن البعثة ومقدماتها.
وزعم أن ما كان من بلاغ النبي ورسالاته لم يكن وحيًا يُوحى وإنما آراء وأنباء يجيئه بها جواسيسه وعيونه.
وقال أن محمدًا ﷺ والذين آمنوا به قد كونوا جماعة سرية على
نحو ما يفعل الماسون، وأن هذا الجمع السري قد اتخذ له بضع رموز منها قولهم: "السلام عليكم"، وللمستر مرجليوث عدة تأويلات من أعجب ما يرى الراءون فمن ذلك ما قاله في التوحيد الذي هو روح الإسلام فلقد زعم
стр. 1101
أن النبي ﷺ نظر في تعاليم النصارى واليهود فأخرج منها ما لا يقبله العقل وكان (الله) أحد أصنام الكعبة قبل الإسلام فوفق بين إله اليهود والنصارى وجعلهما واحدًا، فكيف يكون التوحيد هو عين التثليث إلا في نظر من يغالطون في القضايا الحسابية العقلية. ولو أن الكاتب أراد أن ينصف الحق والتاريخ لقال بما قال به القرآن في أكثر من آية من أن التوحيد هو دين جميع رسل الله وأنبيائه. ومما ورد في الكتاب في تعليل إسلام عمر بن الخطاب بأن سر انقلاب عمر من اضطهاد أخته وضربها إلى مجاراتها والمبادرة باعتناق الإسلام بأنه تأثر من رؤيتها مجروحة بسبب قسوته وتسرعه فأحب أن يكفر عن سيئته هذه فأظهر إعجابه بالقرآن ورضي الإسلام دينًا يتصفح الناقد هذا الكتاب فيتمثل صاحبه إذ أخذ يدافع عن اليهود كأنه يهودي المنبت، وإذا كتب للدفاع عن النصارى فكأنه هو نصراني صميم. وإذا ذكر حوادث الوثنيين من العرب، وما أصاب النبي من أذاهم وكيدهم طرب طربه ممن دبر تلك الحكاية وأمعن في إيصالها إلى الرسول قد اشتهر مستر مرجليوث بقدرته البليغة وعمله الواسع باللغة العربية، وأنا لا أريد أن أذكر هنا رأيي في هذا المستشرق الشهير اكتفاء بحادثة وقعت لنا في جامعة أكسفورد. ذلك أنني كنت مدعوًّا معه في بعض المنازل فلما كنا على المائدة سألني بعض الحاضرين: هل سبق لي أكل لحم الجزور، فأجبته أنني لا أذكر ذلك، وربما اتفق لي هذا وأنا صغير، فلما سمع الأستاذ مرجليوث هذا الكلام قال: كيف ذلك، وعلى كل مسلم فرض أن يأكل لحم الجمال ولو مرة واحدة في حياته؛ لأنه من قواعد الإسلام، عند ذلك أجبته وأنا دهش مما قال: يا سيدي إنني أعرف أن قواعد الإسلام خمس، أما هذا السادس فلا أعرفه، بيد أني أستميح الأستاذ عفوًا أن يذكر لي مأخذ هذا الحكم فقال: أنه ورد في "صحيح البخاري" إنه قد جاء أحد اليهود إلى رسول الله ﷺ وقال له: إني جئت أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فأجلسه الرسول ﷺ -
стр. 1102
وأمر له بلحم جزور، ومن هنا استنبط مستر مرجليوث أنه يجب على كل مسلم أن يأكل لحم الجزور وأن هذا من العوائد الإسلامية التي ينهدم الدين بانهدامها، فلما فرغ قلت له: إن صح وجود هذا الحديث في البخاري فالذي يفهمه المسلم الذي يفقه اللغة العربية منه أحد أمرين: فإما أن يكون الرسول ﷺ أراد يقدم لذلك اليهودي شيئًا من الطعام؛ لأنه ضيفه في بيته، وإما أنه أراد أن يمتحن إيمان اليهودي بإطعامه شيئًا مما حرمه الله على بني إسرائيل في التوارة من أجزاء اللحم، ثم تلوت الأدلة المفيدة لذلك، فبهت الأستاذ، ولكن لم تجسر قوة المكابرة وشدة العناد التي فطر عليها الأوربيون ولا سيما المستشرقون منهم على أن تحوله عن رأيه وبمثل كلام هذا الأستاذ يقتدي واضعو الكتب التاريخية القانونية وعن مثله ينقل أمثال مستر سكوت آداب الإسلام ودقائق أسراره.
* لورانس الخائن للعرب والمسلمين وكتابه "الأعمدة السبعة ":
إن الجانب الذي يهمنا من دراسة هذا المغامر البريطاني في هذا المجال هو كتاباته عن العرب في كتابه "أعمدة الحكمة السبعة" فقد كشف في كتابه عن حقد وكراهية للعرب والمسلمين ولتاريخهم، وحاول التقليل من شأنهم ورميهم بالجهل والتخلف. فضلاً عن مغالطاته المتعددة وأخطائه التاريخية وأبرز ما يؤكد ذلك قوله بالنص: "لقد كنت أعلم أننا إذا كسبنا الحرب فإن عهودنا للعرب ستصبح "أوراقًا ميتة" غير أن الاندفاع العربي كان وسيلتنا الرئيسية في كسب الحرب الشرقية، وعلى ذلك فقد أكدت لهم أن بريطانيا سوف تحافظ على عهودها نصًّا روحًا فاطمأنوا إلى هذا القول وقاموا بالكثير من الأعمال المدهشة، ولكني في الواقع بدلاً من أن أشعر بالفخر لهذا الذي فعلته، كنت أشعر دائمًا بنوع من المرارة والخجل، لقد ذهبت إلى الصحراء غريبًا لا أملك أن أفكر على طريقة أهلها ولا أن أشاركهم معتقداتهم، ولكنه
стр. 1103
كان علي أن أقود العرب، وأن أستخدم حركتهم إلى أقصى حد لصالح بريطانيا في الحرب، وإذا لم أكن أقدر على التطبع بطباعهم فعلي على الأقل أن أخفي ما عندي وأن أتسلل بنفوذي بينهم، إن الرجل إذا ألقت به الظروف إلى من لا يماثلونه عاش بينهم ولا ضمير له؛ لأنه قد يعمل ضد صالحهم أو يستميلهم إلى غير ما يحبون لأنفسهم، وهو يتحايل بدهائه ليغلب دهاءهم وهكذا كنت مع العرب، كنت أقلد أحوالهم فيقلدونني حكاية واقتداء، وكنت أخرج علي مألوفي وأتظاهر بمألوفهم، لقد كان بعض الإنجليز وعلى رأسهم كتشنر يعتقدون أن ثورة يقوم بها العرب على الأتراك تساعد إنكلترا وهي تحارب ألمانيا على دحر خليفتها تركيا، إنني لم أبلغ درجة من الحمق تجعلني لا أدرك أنه لو قُضي للحلفاء أن ينتصروا وأننا لو كسبنا الحرب فإن هذه الوعود سوف تكون حبرًا على ورق، ولو كنت مناصحًا شريفًا للعرب لنصحتهم بالعودة إلى بيوتهم وسرحت جيشهم وجنبتهم التضحية بأرواحهم ودعوتهم إلى عدم المخاطرة بحياتهم في مثل هذه الحرب، أما الشرف فقد فقدته يوم أن أكدت للعرب بأن بريطانيا ستحافظ على وعدها لقد كان قواد الحركة العربية يفهمون السياسية الخارجية فهمًا عشائريًّا بدويًّا، وكانت طبيعة قلبهم وصفاء نيتهم وانعزالهم عن العالم الغربي تخفي عليهم ملتويات السياسة وأخطاءها وتشجع البريطانيين والفرنسيين على القيام بمناورات جريئة يعتمدون في نجاحها على سذاجة العرب وضعفهم وبساطة قلوبهم.
وكانت لهم بساطة في التفكير وثقة في العدو إنني أكثر ما أكون فخرًا أن الدم الإنجليزي لم يسفك في المعارك الثلاثين التي خضتها؛ لأن جميع الأقطار الخاضعة لنا لم تكن تساوي في نظري موت إنجليزي واحد، لقد جازفت بخديعة العرب لاعتقادي أن مساعدتهم كانت ضرورية لانتصارنا القليل الثمن في الشرق، ولاعتقادي أن كسبنا للحرب مع الحنث بوعودنا أفضل من عدم الانتصار" اهـ.
стр. 1104
وأعتقد أن هذه النصوص كافية لكي تكشف حقيقة لورنس والدور الذي قام به في العالم العربي، وآية خداع لورنس وتآمره على العرب ما سجله (وايزمان) في كتابه "التجربة والخطأ" قوله: وأود أن أعلن في هذا المجال تقديري للخدمات الجليلة التي أسداها لقضيتنا الكولونيل لورنس، لقد اجتمعت به في مصر وفلسطين، وقابلته فيما بعد مقابلات عدة، إن علاقته بالصهيونية علاقة إيجابية على الرغم من تظاهره بالميل للعرب وقد ظل اسم لورنس يدوي مصورًا تلك المغامرة السحرية الجريئة التي قام بها والعمل البطولي الذي وصف من أجله بأنه سلطان الصحراء العربية، وملك العرب غير المتوج حتى توفي في ١٩ مايو ١٩٣٥. ثم ظهرت بعد ذلك كتابات كشفت وجهه الحقيقي، كتبها أمثال ريتشارد الدنجتون في كتابه "لورنس الدجال" وجان بيروفيلار الكاتب الفرنسي، ولويل توماس، وروبرت جرنفر، والكابتن ليدل هارت، فكشفوا عن حقيقته وأظهروا عشرات المغالطات التي ملأ بها كتابه، وعزوا سر اندفاعه ومحبته للظهور إلى سبب باطني، ذلك أنه كان ابنًا غير شرعي لأمه، ووصفوه بأنه كان متحمسًا للقضاء على الإمبراطورية العثمانية لتأكيد سطوة الاستعمار البريطاني وحده.
وإن ما ادعاه من محبته للعرب، ومقابلته للملك البريطاني مع فيصل بالعباءة والعقال العربي ورفضه قبول الوسام إنما كان هذا كله تغطية لموقفه، وبلوغًا بالمسرحية إلى غايتها. وقد دحض ريتشارد الدنجتون في كتابه هذه الأسطورة البطولية، ليحل محلها إنسان مليء بالعقد والشذوذ.
وعنده أن لورنس هو الذي عمل على اجتماع فيصل وحاييم وايزمان في باريس ١٩١٩ وهو الذي كتب الاتفاقية التي وقعها كليهما. وكان لورنس يطلق على الثورة العربية "تقطيع أوصال الدولة العثمانية"، وهدفه إيقاع الخلاف وتعميقه بين العرب والترك وقد عرف أنه لم يصل إبان الحرب العالمية مصادفة، ولكن العمل الذي قام به كان بدء ربيع ١٩١٤ عندما وصل إلى
стр. 1105
الشرق، متخذًا من (فن البناء العسكري الصليبي) موضوعًا لدراسته، وكان قبل ذلك ملتحقًا ببعثة أوفدت إلى وادي الفرات للبحث عن آثار الحيثيين، وهكذا كانت خطته في دراسة الصحراء تختفي وراء عمل علمي بحت، هو دراسة البادية والمدن العربية والإلمام باللهجات التي يتكلمون بها والوقوف على عاداتهم، ثم استخدمه الإنجليز في ديوان الاستخبارات بعد ذلك حتى وصل جدة ١٩١٦ واتصل بفيصل وعمل معه.
* هنري لامنس الراهب اليسوعي المؤرخ الكذاب:
يعد (هنري لامنس) من أشد المستشرقين تعصبًا على الفكر العربي الإسلامي وقد بالغ في التعصب على الإسلام حتى أعلن المنصفون شكهم في أمانته العلمية، وقالوا: إنه لا ينسى عواطفه فيما يكتب عن النبي والإسلام، وإنه كان داعية ولم يكن عالمًا، وقد عرف بتهكمه على النصوص العربية، كما وصف بإرهاقه للنصوص وتحميلها أكثر مما تحتمل، فإذا وجد في الإسلام موضعًا للفضل ذهب بنسبته إلى مصدر غير إسلامي. ولد عام ١٨٦٢ في بلجيكا واتخذ لبنان موطنًا ودرس في الكلية اليسوعية ببيروت، واشتغل بالتدريس فيها من ١٨٨٦ وتخصص في تاريخ الشرق الأدنى وحضارة أهله، وأتقن اللغة العربية وعين ١٩٠٧ أستاذًا في معهد الدراسات الشرقية في الكلية اليسوعية ببيروت، وتوفي في (مايو ١٩٣٧) ووصف بالراهب المؤرخ وأخذ عن جولد زيهر ونولدكه وكيناني وولهوزن وله كتاب عن حياة محمد لم توافق دوائر الفاتيكان على نشره خشية أن يؤدي ما فيه من طعن وتهجم إلى احتجاج الأمم الإسلامية، وله كتاب "فاطمة وبنات محمد"، وكتابه عن الثلاثة: أبو بكر وعمر وأبو عبيدة (ومغزى الربط بينهم هو ادعاؤه بأنهم تآمروا على الخلافة بعد وفاة النبي دون علي)، ويقول: فييت: إن كتابه عن فاطمة وبنات محمد يسوده التعصب والاتجاه العدائي.
стр. 1106
- وقد تحيز لامنس للأمويين ووقف جانبًا كبيرًا من جهوده العلمية لدرس تاريخهم السياسي وخلافهم مع العباسيين، ومصدر إعجابه ببني أمية أن دولتهم كانت في تقديره -لا دينية- ولأنهم أقاموا ملكهم في الشام وتأثروا بالمدنية القديمة التي أقامت في ربوعه.
- يتهم الأب لامنس في جميع مؤلفاته رواة السيرة بأنهم مخترعون ولكنه لا يحجم عن الاعتماد على رواية من رواياتهم إذا استطاع أن يلمح فيها مطعنًا على الإسلام.
- وهو إن تكلم عن السيدة عائشة لم يجد من مفردات الفرنسية إلا كلمة (Favorite) ليصف بها زوجة النبي، وأقرب ترجمة لها بالعربية (محظية).
- ويذكر هذا المجرم أن رقية ابنة النبي ﵂ كانت جميلة وأن عثمان ابن عفان ﵁ إنما اعتنق الإسلام ليتزوجها.
- وقد سجل عليه تعصبه زملاء له من أعلام الاستشراق في مقدمتهم: بيكرودسو، وجور فروا، وبمومبين، وماسيه، وقال (فييت) في نعي لامنس بجلسة ١٠ مايو ١٩٣٧: إنه من الصعب أن نقبل كتاب "فاطمة وبنات محمد" في ثقة ودون تحفظ فإن التعصب والاتجاه العدواني يسودانه إلى حد كبير. وهكذا ترى أن الأب لامنس كان من أشد المتعصبين على الإسلام، وكان المستشرقون يعرفون في لامنس هذا العيب الكبير ويأخذونه به.
- وادعى هذا الكاذب أن أبا بكر وعمر وأبا عبيدة ﵃ اجتمعت كلمتهم في أواخر عهد النبي ﷺ أن يحتكروا الحكم بعد وفاته ويتداولوه واحدًا بعد واحد. وأن اثنتين من أزواج النبي ﷺ ، هما عائشة وحفصة ﵄ مهدتا لهم السبيل، وأن هذه المؤامرة قد نجحت إلى حد بعيد، وقد ردّ عليه الأستاذ عبد الحميد العبادي فأفحمه، وممن ردّ على لامنس فأجاد الأستاذ
стр. 1107
كرد علي.
- وقد ذكر أن عالم قريش خالد بن يزيد تلميذ راهب ولم يقل كلمة واحدة في أثر هذا الراهب عليه.
- وادعى أن شيخ الإسلام ابن تيمية هو صاحب "المذهب الارتجاعي" وأن عمله مختل، وأنه كان لا يفتر عن مقاتلة البدع، وقضى حياته وهو يسوق أبناء أمته في سبيل التعصب.
- وادعى هذا الدجال بأن الفقه الإسلامي قد تأثر بالفقه اليوناني.
ووصف صلاح الدين الأيوبي بالطمّاع ووصف وقائع الحروب الصليبية بالبسالة، وصور ملوك الصليبيين على الغاية من النجدة والعقل، وقال: إن ترك صلاح الدين للأسرى الصليبيين يوم فتح بيت المقدس أحياء ولم يعمل السيف فيهم مثلما فعلوا هم يوم أخذوا القدس قال: إن هذا العمل كان عن "عجز وخوف". واعتذر عن فعلة الصليبيين في بيت المقدس بأن هذه المدينة عوملت بما تقضي به الأخلاق الحربية في ذلك العهد.
وقال: إن دور الأكراد الأيوبيين كان قليل البهاء.
- ولا يعترف لامنس الدجال بأنه قامت للعدل سوق في ديار الشام منذ فتحها العرب.
- وقال كرد علي: إن (لامنس) ألف تاريخًا مختصرًا للشام لم يذكر فيه للإسلام ولا للعرب محمدة من ثلاثة عشر قرنًا ونصف قرن، ووصف العربي بأنه ليس شجاعًا وأنه على استعداد للنهب. كما تمدح الصليبيين - وهم بشهادة المؤرخين- من أهل الخبث والفجور، وادعى أن الصليبيين عاملوا الأهالي في الحروب الصليبية معاملة حسنة. وفي تقدير الباحثين أن لامنس أضعف من شأن أكثر مؤرخي العرب أمثال الطبري والبلاذري وابن سعد والأصفهاني وابن الأثير وابن خلدون وأبي الفداء، ووثق بعض القصاص
стр. 1108
الوضاع، وقد ذكر إميل درمنجم وهو من كتاب الغرب الأب لامنس باللوم، وقال: إن كتبه قد شوهت محاسنها بما بدأ في تضاعيفها من كراهية الإسلام ورسوله وأنه استعمل إلى التاريخ طرقًا بالغ فيها بالنقد".
- وقال كرد علي: إن لامانس نشر أخطاءه وأكاذيبه في دائرة المعارف الإسلامية، ومن عمله تحريف آيات القرآن، وحذف ما لا يروقه من كتب المسلمين وخلط الآيات القرآنية بأبيات من الشعر، وبجعل الأحاديث النبوية من كلام بعضهم، ومن ذلك اقتطاع جملة واحدة من نص طويل وإيراد الخرافات المنقولة من كتب الوضاعين والقصاصين، مدعيًّا أنها منقولة من كتب الثقات الأثبات.
- وادعى هذا الدجال الراهب أن رسول الله ﷺ كان رجلاً غير أمين!!! قليل الشجاعة أكول ونؤوم قال هذا في كتابه "هل كان محمد صادقًا"، ووصفه بأنه أسلم نفسه للتمتع بلذات العيش، وأنه مصروع، وادعى أن النبي لم يكن له ولد يُسمّى القاسم وأن فاطمة ﵍ تزوجت في سن متقدمة وأنها لم تكن حسنة الصورة.
- ولقد أبدى هذا الراهب إعجابًا كبيرًا في مقال له "نظرة في حاضر الإسلام" نشره في المشرق سنة ١٩٣٠ لما بلغ إليه الأمر من أن التعليم القرآني في تأخر مستمر ومطرد في البلاد الإسلامية المستقلة، وأن تطور التعليم الرسمي في المعاهد العالية والثانوية يتحرر شيئًا فشيئًا من تأثير الدين حتى يصبح لا دينيًّا محضًا، وأن دعاة التطور قد مدوا أصابعهم داخل الجامع الأزهر، والزيتونة، وأشار إلى أن ذلك سيؤدي إلى اضطراب الشبيبة الإسلامية في مبادئها وعقائدها وأن ذلك سيؤدي إلى صدمة قوية يعانيها الإسلام.
стр. 1109
* القس اليسوعي لويس شيخو الصليبي المتعصب ورسالته "خرافات القرآن ":
يعد لويس شيخو من أقسى المستشرقين على الإسلام والفكر الإسلامي وفي مجلة المشرق التي أصدرها منذ ربع قرن حملات متصلة وإشارة مستمرة للشبهات، وفي مجال دراساته الأدبية لا ينسى خصومته وتعصبه ففي عشرات المجالات والأبحاث يتناول الإسلام والفكر الإسلامي على نحو لا يشرف العالم أو الباحث. ومن أبرز آثاره رسالة أسماها "خرافات القرآن" ترجمها زويمر عام ١٩١٤ وانتفع بها دعاة التبشير في مصر والبلاد العربية في الطعن على الإسلام ونشرها في مجلة العالم الإسلامي.
ولويس شيخو قس يسوعي ولد بماردين وتعلم بمدرسة الآباء اليسوعيين في غزير بلبنان وانتظم في سلك الرهبانية اليسوعية وتنقل في بلاد أوربا والشرق، وقد عهد إليه بتعليم الآداب العربية في جامعة القديس يوسف وأنشأ مجلة المشرق (١٨٩٨) وتوفي في بيروت (١٨٥٩ - ١٩٢٧) وله مؤلفات متعددة أهمها شعراء النصرانية. وقد وجه إليه النقد من زملائه المستشرقين لتعصبه ومما ذكره إميل درمنجم عنه قوله: "وشيخو مثل لامنس، لم يأل جهدًا في إثبات دعواه أن العرب قبل الإسلام وبعده لا شأن لهم في المدنية وإذا كان هناك حضارة، فإن أصحابها هم نصارى العرب، وقد لفق كتابًا ادعى فيه أن معظم شعراء العرب قبل الإسلام كانوا نصارى وبراهينه على دعواه واهية.
وقال كرد علي: إن لويس شيخو كتب معظم مقالات مجلته مدة خمس وعشرين سنة ونشر فيها أولاً أمهات تآليفه وراعى في كتبه نظام رهبانيته فجاءت كتاباته إلا قليلاً أشبه بكتب الدعايات المذهبية، منها بكتب علمية مشتركة، وما خالف قط طريقته الدينية إلى ما يسمونه الطريقة العلمانية، ولو
стр. 1110
خلت من هذه النزعة لكانت في الغاية من جودة التأليف. ولم يرزق ذوقًا عاليًا في الأدب العربي، وظلت كتاباته إلى آخر أيامه كما كانت في أول عهده نمطًا واحدًا لا تتناسب مع مقدرته على التأليف ووقوفه على أدب العرب والإفرنج وعلوم العصر، وهكذا يقال في ذوقه في الشعر، وقضت عليه الصنعة أو البيئة على ما يظهر أن يغمط حق العرب في مدنيتهم، وكان في الأغلب ينظر إليها من الوجه الذي لا يستحسن، لذا يعد شعوبيًا وشديد الشعوبية بأفكاره وتصريحاته لا صلة بينه وبين العرب إلا بما نشره من آثار علمهم وآخر أثر له من هذا القبيل أنه ذكر جملة من آباء المسلمين -وهو مولع في التفريق بين المسلمين والمسيحيين- في الربع الأول من القرن العشرين لم يتجاوز في عدهم العشرات في الأمة العربية، مع أن من وضعوا المصنفات والتآليف ولهم مكانة في الشعر والأدب لعهدنا لا يقلون عن ثلاثمائة رجل، اعتذر بجهله أسماءهم مع أن من اشتهرت بين قراء العرب مصنفاتهم وفيها الممتع لا يصعب السؤال عنهم ويستغرب أن لا يطلع مثله على أعمالهم.
* لويس برتران الصليبى المتعصب وكتابه "إِمام الإِسلام ":
أصدر الكاتب الفرنسي لويس برتران عضو الأكاديمية الفرنسية عام ١٩٢٦ كتابًا بعنوان "إمام الإسلام" تناول فيه المصريين والشرقيين والمسلمين واتهمهم بالتأخر والتعصب، وقال: إنه لا قابلية لهم للتمدن، وردد العبارات المعروفة التي تدعي أن للغرب حق تمدين العالم.
وقد واجه الدكتور هيكل هذا الكتاب وما تضمنه من آراء فقال: "إنه أشد ما ظهر في السنين الأخيرة صراحة في عدوانه على المسلمين والمصريين وأشدها إمعانًا في الطعن عليهم والنيل منهم، وهو فوق ذلك صيحة لإعلان الحرب بين الشرق والغرب والنصرانية والإسلامية والكتاب لا يشتمل على شيء جديد غير هذه النزعة الرجعية التي أدت إلى الحروب الصليبية في
стр. 1111
القرون الوسطى.
وقال: إن واحدًا من أربعين بيدهم قيادة الرأي والفكر في فرنسا، وقد حمل على أهل الإسكندرية؛ لأنه رآهم يبدو عليهم الاعتداد بالنفس والاعتقاد بأنهم مسايرون للأوربي، وقال: هذه هي الجريمة في نظر برتران.
وكتابه هو عصارة روح الكراهية والحنق، ثم قال: إذا كان مسيوا برتران يريد أن يعتقد أن قومه أكرم عنصرًا وأشرف مقامًا في الإنسانية من الشرقيين ومن المسلمين، فليعلم أن الزمن الذي أتاح لأوربا أن تحكم العالم من الزمن، قد أتاح من قبل لأمم آسيا ولأمم أفريقيا ومصر التي نالها المؤلف بحقده وكراهية قد حكمت العالم عصورًا عديدة، وقد صبغت العالم بمدنيتها، ولعل أهلها يومئذ كانوا يعتقدون أن الأجناس التي تقطن أوربا كلها همج وبرابرة متوحشون وأن أمم الإسلام قد نظرت لأمم أوربا ردحًا من الزمن على أنها أمم الموت والتقهقر.
* وليم ويلكوكس والدعوة إِلى العامية:
في يناير ١٨٩٣ ألقى المهندس الإنجليزي وليم ويلكوكس محاضرة في نادي الأزبكية (انجلوا اجيبشيان كلوب) موضوعها: لماذا لم توجد قوة الاختراع لدى المصريين الآن؟ زعم فيها أن قوة الاختراع تأتي من القوة المفكرة ويرثها الإنسان من آبائه والقوة الخيالية ويرثها الإنسان من الأمهات. وقال: إن أهم عائق يمنع المصريين من الاختراع أنهم يؤلفون ويكتبون باللغة العربية الفصحى، ولو ألفوا وكتبوا باللغة العامية لصاروا مخترعين، واستدل على ذلك بأن الإنجليز كانوا يؤلفون باللاتينية فلم يكونوا مخترعين، فلما اختاروا لغة الفلاحين الإنجليز، وكتبوا بها صاروا مخترعين، ويرجع ذلك إلى الزمن الذي نبغ فيه شكسبير وبيكون .. ". ولم يتوقف وليكوكس عن هذا الحد، بل اشترى ترخيص مجلة اسمها الأزهر من منشئيها إبراهيم مصطفى وحسين
стр. 1112
رفقي، وأصدرها بالاستعانة بالشيخ أحمد الأزهري وراح يردد فيها هذه الدعوة. ومضى فاتجه إلى الإنجيل فترجمه إلى اللغة العامية، ثم ما كاد يحال إلى المعاش وكان من أكبر مهندسي الري والخزانات حتى عمل مبشرًا، يجادل الناس في عقائدهم ويحمل إلى القرى النائية الأدوية والتبشير، وظل يعمل في مستشفى مصر العتيقة (هرمل) المعروف إبان حملات التبشير التي أثارت الرأي العام وقد كتبت مجلة اللطائف عنه أنه اعتكف سنة ١٩٢٦ في داره بحلوان وخرج منه أخيرًا مبشرًا يجيد اللغة العربية وبدأ حركة التبشير في مسكنه الحالي الصغير في جهة الزمالك حيث وضع كتابين أو ثلاثة كتبها باللغة العامية وأطلق على آخرها اسم "الأكل والإيمان" ووزع كتابه بنفسه مجانًا على العامة في المدن وسكان القرى وكان ينتقل بينها ويجالس أهلها.
وقد ردد سلامة موسى في مجلة الهلال دعوة ويلكوكس إلى العامية وتحدث معه، وقال: إن الهم الذي يقلق ويلكوكس هو اللغة التي نكتبها فهو يرغب في أن نهجرها ونعود إلى لغتنا العامية فنؤلف بها وندون بها آدابنا وعلومنا وأن ويلكوكس يرفض التسوية أي قيام لغة مشتركة من العامية والفصحى - ويدعونا إلى هجرة اللغة الفصحى هجرة تامة واصطناع العامية. وقد نشر موسى ذلك عام ١٩٢٦ أي أن ويلكوكس ظل مقيمًا على دعوته أكثر من ثلاثين عامًا. ولما توفي في يوليو ١٩٣٣ أشارت جريدة الأهرام إلى دوره هذا فقالت: كان يقوم باستخدام اللغة العامية لأنها أقرب إلى الأفهام وأنه أنشأ لإذاعة هذه الفكرة بمعاونة سكرتيره أحمد بك الأزهري مجلة باسمه في مجلة الأزهر ولكن الرأي العام قاوم فكرته فأبطل تلك المجلة ولكنه ظل هو ذاته يؤلف باللغة العامية المصرية فكتب في ذلك حياة المسيح وأعمال الرسل وترجم كتب العهد الجديد إلى اللغة العامية المصرية.
***
стр. 1113
* فنسنك المرتد عن الإِسلام و"دائرة المعارف الإِسلامية ":
يعد فنسنك من أبرز المستشرقين، وقد ولي تحرير القسم الأكبر من دائرة المعارف الإسلامية وهو تلميذ (سنوك هيجرونيه) سافر قبل الحرب الأولى إلى جاوه، واعتنق الإسلام، وما كاد يعود إلى بلاده بعد الحرب الأولى حتى ارتد عن الإسلام ومضى يهاجمه في عنف وأخذ طريق مرجليوث ونيكلسون والأب لامنس ودي كاستري وكازنوفا. وقد رشح عام ١٩٣٣ عضوًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة غير أن الدكتور حسين الهراوي تصدى لكشف مواقفه من الإسلام مما عمل على شطب اسمه وإقصائه وقد أشار الدكتور الهراوي إلى أن فنسنك إذا أراد أن ينال من الإسلام، فإنه يفرض فرضًا، ثم يبحث عن الآيات التي قد تتناسب مع هذا الرأي الذي فرضه، فإذا وجد آية تدحض رأيه حذفها، وأنكرها إنكارًا حتى يخرج بالنتيجة التي تؤدي إلى نزوع الشك في فؤاد من يطلع على أقواله من غير تمحيص، وقال: إن هذه هي طريقة المستشرقين الذين يتبعونها في مباحثهم عن الإسلام أو حياة محمد ﷺ أو عندما يريدون أن يستقصوا مسألة في القرآن، وهذه الطريقة لم يبتدعها فنسنك بل هي طريقة قديمة من أقدم ما ورد في كتب المستشرقين، والغرض منها ظاهر جلي، وهو تزويد جماعة المبشرين والمستعمرين بحجج شبه منطقية يزعزعون بها عقائد المسلمين ويقللون من تمسكهم بدينهم، وهي إحدى الطرق التي وضعها رواد الاستعمار من زمن قديم، وكانت إحدى وسائلهم مع تقوية اللغات العامية حتى لا يتفاهم المسلمون ولا يفهمون لغة قرآنهم، وقديمًا اطلعنا على تقرير لجنة العمل المغربي، وفيه يقول المستشرق سيكاردا: "إن الإسلام في روحه الخاص قوة مخالفة لاحتياجاتنا ورغباتنا ونزعاتنا" إلى أن قال: "فمن مصلحتنا التقليل منه بين الشعوب الخاضعة لسلطتنا".
стр. 1114
وفي تقرير بورينو الذى يدرس اللغة العربية لفريق من طلبة أوربا: إنني سأعلمك لغة القرآن، فهذه اللغة قد ماتت ولا يتكلم بها أحد فهي (لاتينية) العربي، وهذه اللغة المستعملة في جنة محمد وسأحبب إليك دراستها في المستقبل إذا أردت أن تتذوق حلاوة الاجتماع بالحور العين" فأمثال هذه المبادئ هي التي رسمها المستشرقون لدراسة اللغة العربية، وأكثر من ذلك أن بعضهم مثل مرجليوث يغالي في الطعن في نسب (محمد) فيقول: إن اسم أبيه (عبد الله) معناه أنه (مجهول الأب) وتتمثل لك نتيجة عمل المستشرقين جليًّا في كل كتاب علمي أو عمراني أو اجتماعي، يكتب شيئًا عن الشرق وعن الإسلام، فإنك لا تكاد تقرأ أي هذه الكتب حتى ترى إجماعًا على الجهل بالإسلام، وإجماعًا على الطعن في النبي الكريم، وقد أنتج ذلك أن بعض المسلمين الذين لم يلموا إلمامًا كافيًا بدينهم أخذوا يتبعون خطأ المستشرقين ويقتفون أثرهم وقد اخترعوا لنا اسمًا غريبًا لهذه الجهالة هو (حرية الفكر).
بمثل تلك النواحي أصبحنا لا نقرأ للمستشرقين شيئًا إلا ونحن نحرص على تفكيرنا وأن نعنى بتعرف الغرض الذي يرمي إليه قبل أن نثق بما يكتب وأن نقتفي أثره فيما يبحث وفي مستنداته".
- وقال الدكتور الهراوي: إن من أخطر آراء فنسنك رأيه في كلمة إبراهيم، ورأيه في كلمة كعبة (في دائرة المعارف الإسلامية). فقد أشار تحت لفظ إبراهيم: إن الآيات المكية ليس فيها ذكر لنسب إسماعيل لإبراهيم، ويقول: إنه لا يعرف شيئًا عن شعور محمد نحو الكعبة في شبابه وبعد الرسالة إلا بعد أن هاجر بعام ونصف، وأن ما لديه من تاريخ حياته لا يصح أن يؤخذ أساسًا تاريخيًّا. ونسب (فنسنك) إلى النبي محمد ﷺ أنه لم يشذ عن الجماعة في العبادة المكية، أي بعبارة أصرح: أنه كان وثنيًّا قبل البعثة وأن فنسنك لا يعرف شعور محمد نحو الكعبة.
стр. 1115
ويرد الدكتور الهراوي على هذه الشبهة فيقول: إن عبادة محمد كما وردت في كتب السيرة معروفة تمامًا فقد كان في الغار شهرًا، ثم يطوف بالكعبة ويوزع الصدقات.
وكان يحترم الكعبة ويتجنب الأصنام، وكانت عبادته بالغريزة والوراثة تتصل بعبادة جده الأعلى إبراهيم.
ومما أورده الدكتور الهراوي ردًّا على فنسنك القائل: بأن الآيات المكية ليس فيها إشارة إلى علاقة محمد بالكعبة، قال: إننا نذكره بالآية ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا﴾، إلى قوله: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾. وقال: هلا يفهم فنسنك أن الحج هو استجابة لهذا الدعاء إن لم يكن بناء البيت في هذا المكان لغرض الحج. وفنسنك يعرض بالاختراع في الدين ويصرح بأن ملة إبراهيم اخترعت اختراعًا، ويزعم أن محمدًا أراد بهذا الاختراع أن يتصل بيهودية إبراهيم والواقع أنه: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾، وأشار الدكتور الهراوي إلى أن لفنسنك زميل هو إميل درمنجم يزعم أن محمدًا كان يتعبد على طريقة اليهودية والمسيحية تمهيدًا لدين هو الإسلام، ومثله مرجليوث، ويقول الهراوي: فأنت ترى أنهم اختلفوا في أسانيدهم التاريخية واتفقوا على أن محمدًا كان يخدع ويدس ويطلب علاقات اليهود.
* دائرة المعارف الإِسلامية:
وقد واجهت دائرة المعارف منذ بدأت ترجمتها عام ١٩٣٢ كثيرًا من النقد، لما تضمنته من شبهات واتهامات، تناولتها أقلام (رشيد رضا) صاحب المنار. و (كرد علي) رئيس المجمع العلمي العربي وأحد أقطاب دراسات دوائر الاستشراق، و (فريد وجدي)، كما تناولها الدكتور (تقي الدين الهلالي) الباحث المغربي المسلم الذي قال: إن في دائرة المعارف الإسلامية أخطاء
стр. 1116
ودسائس ناشئة عن التعصب الأوربي، وقال: إن كتابات بروكلمات مثل ذلك وأقبح.
وقد أشار كثير من الباحثين أن أغلب كتاب دائرة المعارف قسس مبشرون يهمهم أن يخنقوا الإسلام لا ينصفوه، وقليل منهم من يتصف بالشجاعة العلمية فيتغلب على عناصر التعصب وضيّق الأفق، وليس كتاب الدائرة وحدهم على هذا النمط، بل جل المشتغلين بالدراسات الإسلامية وهم لا يتجاوزون صناعة التبشير، تعرفهم من لحن القول.
ومن هؤلاء توماس باترك هيور صاحب قاموس الإسلام، وهو مرجع متداول لا تكاد تخلو منه مكتبة أوربية، وقد قضى القس المؤلف في وظيفته التبشيرية في بلاد الهند بين المسلمين والبوذيين والبرهميين أكثر من عشرين سنة، ونشر معجمه هداية للموظفين الإنجليز ممن كانوا يتولون الحكم ببلاد الإنجليز في أواخر القرن الماضي ومساعدة للمبشرين بالمسيحية ممن يجادلون علماء الإسلام.
وأشار الباحثون إلى أن أهم نواحي الخطر في هذه الدائرة أن ما يترجم منها لا يتعرض بالتحليل والإيضاح لما فيها من أخطاء وشبهات، وأنها تسطر البدع الدخيلة على الإسلام باستفاضة مثيرة. وقد أمعن مؤلفو الدائرة في تسجيلها وشرحها وكأنها أصول مقررة لا بدع دخيلة.
١ - أخطاء دائرة المعارف الإسلامية: قال رشيد رضا: إنه معجم لفقه طائفة من علماء الإفرنج المستشرقين لخدمة ملتهم ودولتهم المستعمرة لبلاد المسلمين بهدم معاقل الإسلام وحصونه بعد أن عجز عن ذلك دعاة دينهم بالطعن الصريح على كتاب الله ورسوله وبعد أن عجز عن ذلك الذين حرفوا القرآن بترجماتهم الباطلة، والذين شوهوا التاريخ الإسلامي بمفترياتهم، ذلك أن هؤلاء الملفقين لهذا المعجم الذي سموه دائرة المعارف لم يتركوا شيئًا من
стр. 1117
عقائد الإسلام ولا من فضله، ولا من الشريعة ولا من مناقب رجاله إلا وصوروه لقراء معجمهم بما يخالف الصورة الصحيحة من بعض الوجوه، إما بصورة مشوهة أو بصورة عادية لا مزية لها.
وفي هذه الدائرة عيوب علمية وتاريخية أخرى أهمها أنها لم تكتب لتحقيق المسائل التاريخية والعلمية لذاتها بل لأجل بيان آرائهم وأهوائهم والإعلام بما سبق لهم ولعلمائهم فيها من بحث وطعن في كتبهم ورسائلهم المتفرقة. وكان على الذين شرعوا في ترجمة هذا المعجم وضع حواشي لتصحيح ما فيها من الأغلاط التاريخية والعلمية والدينية وبيان الحق فيما دسوه فيه من عقائدهم وآرائهم الباطلة، وقد نيط هذا وذاك بالعلماء الإحصائيين، وقد ذيل الجزءان الأول والثاني ببعض الحواشي من هذه التصحيحات والانتقادات إلا أنها غير كافية في موضوعها ثم أعرض المترجمون عن ذلك فيما بعد، وطفقوا ينشرون الأجزاء غفلاً من التعليق على مواردها المشوهة للإسلام وتاريخه بعد أن ظننا أنهم سيزيدونه استقصاء وتحقيقًا، أقول ولا أخشى لا آثمًا ولا مخالفًا أن نشر هذا المعجم باللغة العربية كما كتبه واضعوه بدون تعليق على ما فيه من الأغلاط والمطاعن ومخالفة الحقائق هو أضر من شر كتب دعاة المبشرين وصحفهم؛ لأن هذه كلها لا تخدع أحدًا من أعلام المسلمين بما فيها من الباطل، أما هذا المعجم المسمى بدائرة المعارف الإسلامية المعزو أكثر ما نقل فيه إلى كتب المسلمين فإنه يخدع أكثر القارئين له ممن يعدون من خواص المتعلمين؛ لأنه يقل فيهم من يفرق بين الحق والباطل مما فيه ويقل فيهم من يعلم أن مؤلفي هذه الدائرة من خصوم العرب والإسلام واللغة العربية.
٢ - رأى فريد وجدي في دائرة المعارف الإسلامية: أن هذه الدائرة تشمل على السيِّئ الكثير من التهم الباطلة على الإسلام ورسوله ورجالاته الصالحين ولا يدفع ببعض هؤلاء المستشرقين إلى التورط مع هذه الخطة الحربية
стр. 1118
إلا ما يحملونه في صدورهم من البغضاء لهذا الدين فلا يصح والحالة هذه أن يحمل المترجمون أنفسهم إثم نقل هذه السفاسف إلى لغتهم وبأقلامهم ليقرأها الناس في جميع بلاد المسلمين فالذي آراه أن يمتنعوا عن ترجمة ما يصادفونه من هذه الأباطيل وأن يكتفوا بالإشارة إليه مشفوعة بما يدحضها ويبين فسادها بكل دليل. أليس من البلاء أن يضطر أحدنا أن يصف أطهر نساء العالم وهي في الوقت نفسه أمة في الدين بالطيش والفجور، أي فائدة أدبية ترجى من إذاعة هذه الفرية بين المسلمين في عبارات وقحة يسمح بها لنفسه رجل أجنبي عن الدين، لذلك أرى الامتناع عن ترجمتها والإشارة إليها بدلاً من ترجمتها على غير وجهها وتلطيفها بما يخرجها عن صيغتها التي أراد لها كاتبها. والملاحظ أن مترجمي الدائرة لم يعقبوا على التهم التي وجهها الكاتب إلى خاتم النبيين.
* جلوب قاتد القوات العربية في حرب ١٩٤٨ م وكتابه "الفتوحات العربية الكبرى ":
عاش (جون جلبرت جلوب) ثلاثين عامًا يجوب الصحاري العربية مختلطًا بأهلها، وتعلم اللغة العربية ولا سيما لهجات البدو فأجادها وعاش مع العرب في خيامهم ثم، عاد إلى بلاده عام ١٩٥٦ وكان قائدًا للفيلق العربي في الأردن وله تاريخ لا يشرف في مقاومة الوحدة العربية ومهاجمة الإسلام والعروبة، وقد كتب بحثًا في تاريخ العرب من الزاوية العسكرية. أطلق عليه اسم "الفتوحات العربية الكبرى" وقد استمد الكتاب من سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري والبلاذري. وقد كتب (خيري حماد) مترجم الكتاب إلى اللغة العربية تعليقات إضافية على الأخطاء والانحرافات ورد على الشبهات التي وردت فيه فقال: "إن أهم ما في الكتاب هي المحاولة البارزة في كل ناحية من نواحيه للتشويه والتضليل ورسم الصور الزائفة التي تشكك القارئ في
стр. 1119
الشخصيات العربية العظيمة ابتداء من النبي ﷺ وانتهاء بصغار القادة، عبورًا بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية وخالد وأبي عبيدة وعمرو بن العاص وسعد بن أبي وقاص ﵃. وقال: إن المؤلف قد استند في عملية التشويه على ذكاء نادر، وعلى روايات ابتكرها من خياله أو وجد أثرًا منها في بعض الكتب الصفراء التي وضعها الشعوبيون في مختلف العصور.
وقال: إنه اتضح لنا من قراءة الكتاب، تشيعه لليهود والصهيونية تشيعًا كاملاً لا شك فيه. وكانت هذه الناحية خفية على الجميع ذلك أن جلوب كان يتظاهر بحب العرب حبًّا شخصيًّا قويًّا جعل الكثيرين ينخدعون به. فهو يظهر في كتابه مؤيدًا لليهود كل التأييد وإن لم يعلن تأييده هذا صراحة، فهو يروي قصص إجلاء النبي لليهود من يثرب ومن خيبر كبني النضير وبني قريظة وبني قنيقاع، دون أن يذكر الأسباب التي دفعت النبي إلى اتخاذ هذه الخطوات، ومنها: نقضهم لعهودهم معه وخياناتهم لاتفاقاتهم ومحاولتهم طعن المسلمين في ظهورهم إبان غزوة الأحزاب وحصار المدينة أو أثناء معركة أحد على الرغم من وجود اتفاقات معقودة بينهم وبين النبي أو سعيهم إلى اغتيال الرسول ﷺ .
٢ - تصوير النزاع في فلسطين على أنه نزاع بين العرب واليهود، وهي الصورة التي ضللت العرب مدة طويلة وخدمت مصالح الاستعمار ومكنته من أن يقيم قاعدته إسرائيل في قلب الوطن العربي مع أن مشكلة فلسطين مشكلة استعمارية لا طائفية (١).
٣ - تعبير "الشعوب الناطقة بالعربية" تعبير استعماري ماكر يقصد منه تجزئة الأمة العربية الواحدة إلى مجموعة من الشعوب تشترك في لغة واحدة.
стр. 1120
٤ - ما يقوم من الجزيرة العربية والشمال الإفريقي من فروق أو تباينات فهو يصفها بأنها كبيرة للغاية، ولكننا لا نرى أنها تزيد بأية حال على الفروق التي تقوم بين أهل اسكوتلندة مثلاً وأهل ويلز، فاللغة واحدة تقريبًا.
والتاريخ واحد إلى حد كبير.
٥ - أراد أن يظهر أن كل من اعتنق الإسلام إنما كان بدافع الانتهاز والتقرب من الحاكمين والتساوي بهم هو قول خطأ كل الخطأ إذ لو صح دافع الانتهاز لانقلب المسلمون على دينهم في البلاد التي خضعت لهذا الإسلام.
٦ - محاولة التفرقة بين العرب والبربر في المغرب العربي، وهي تفرقة غذاها الاستعمار الفرنسي طيلة وجوده في المغرب، إذ حاول أن يجعل من البربر أقلية مميزة.
٧ - يصر جلوب على إخفاء الدور الذي لعبه الشعوبيون وفي مقدمتهم اليهودي عبد الله بن سبأ وأتباعه في المؤامرة ضد الإسلام.
وقد علق الباحث العربي: محمد عبد الغني حسن على هذه الدراسة فقال: إن جلوب قد حمل على المؤرخين العرب في تواريخهم واتهمهم بسوء التقدير، ونسي أن تواريخ اليونان والرومان القديمة فيها كثير من هذا الذي عابه على العرب وقال: إن جلوب قصد إلى رسم صورة فيها تشكيك وتضليل ورسم الصورة الزائفة التي تشكك في النبي وقادة الإسلام (١).
* اليهودي جولد تسيهر ودجله الواضح في كتابه "العقيدة والشريعة ":
أثار جولد تسيهر عدة شبهات وشكوك حول السنة والفقه والتشريع
стр. 1121
الإسلامي فقد حاول التشكيك في قيمة الأحاديث النبوية وذلك بالقول بأن السنة بدأ تدوينها بعد وفاة النبي بتسعين عامًا، وقوله في كتاب "العقيدة والشريعة" أن التوحيد الإسلامي ينطوي على غموض في حين أن التثليث واضح في فهم الألوهية ومن ذلك قوله: إن الشريعة الإسلامية تأثرت بالقانون الروماني في بداية عهد تكوينها.
وجولد تسيهر مستشرق يهودي ولد ١٨٥٠ وتوفي ١٩٢١، ودرس في مدارس اللغات الشرقية ببرلين وليبزج وفيينا ورحل إلى سوريا ١٨٧٣ وتتلمذ على الشيخ طاهر الجزائري، ونزح إلى مصر وتضلع في الدين على شيخ الأزهر، وبدأ حياته بالتأليف عن الظاهرية ومذهبهم وتاريخهم وله في ذلك دراسات إسلامية ومحاضرات، وقد اشتهر بكتابه "العقيدة والشريعة في الإسلام" الذي ترجمته له دار الكاتب المصري التي أشرف عليها الدكتور طه حسين، ولم يعن مترجمو هذا الكتاب بالرد على الشبهات التي أثارها المستشرق على نحو يعصم قارئها من الخطأ، وله كتاب "مذهب المسلمين في تفسير القرآن". وقد واجهت كتاباته المتعصبة كثيرًا من المجاراة من كتاب وأساتذة الجامعات المدنية والأزهرية، كما وجدت تفنيدًا من كثير من الكتاب اليقظين في مقدمتهم: مصطفى السباعي، ومحمد الغزالي، وسليمان الندوي. وقد تابع جولد تسيهر كثير من المستشرقين في آرائه المتعصبة في مقدمتهم المستشرق اليهودي شاخت (جامعة ليدن) بهولندا وقد التقى به الدكتور مصطفى السباعي وباحثه طويلاً في تعمده تحريف النصوص التي ينقلها من كتب المسلمين وقد حاول شاخت أن ينكر ذلك فكشف له الدكتور السباعي عن بعض الأمثلة في هذا التحريف الذي تورط فيه.
وجولد تسيهر يحاول في مجمل رأيه أن يصور الفقه الإسلامي بأنه من صنع الصحابة والتابعين، ولا شك أنه رأي مصدره الخطأ الناتج عن قصور
стр. 1122
الاستقصاء، أو العجز عن فهم أصول الإسلام وأمرها يسير، ويمكن المراجعة فيه والنظر، إذا كان صاحبه حريصًا على بلوغ الحق، أما حين يكون الاتهام صادرًا عن التعصب أو الخصومة المغرقة، فإن المراجعة لا قيمة لها.
وإذا كانت عبارات جولد تسيهر في مجموعها ترفض صلاحية الإسلام الفقهية لكي يشرع للأمم والأجناس، فليس معنى هذا هو عجز الرجل عن الفهم، وإلا فإن أمامه ذلك الفيض الضخم من ثقافة الإسلام وهو قادر على أن يرده عن هذا الرأي، لو كان منصفًا ولكنه هو أساسًا ليس قابلاً للوصول عن طريق البحث العلمي إلى الحقيقة؛ لأنه يفترض أساسًا أن القرآن من وضع محمد نقلاً عن غيره، وأن السنة من وضع الصحابة والتابعين نقلاً عن الشريعة الرومانية. ومن هنا فهو يسد الطريق على كل سلامة في تقدير، أو بلوغ وجه الصدق أو تقبله. ولقد واجه أخطاء جولدتسيهر عالم غربي منصف هو العلامة (فتز جيرالد) في كتاب عنوانه "الدين المزعوم للقانون الروماني على القانون الإسلامي" فعرض آراء جولد تسيهر ومن جرى مجراه، فقال: إنه كان مدفوعًا في كتاباته بغرض سياسي خاص هو إظهار أن التشريع الإسلامي كان قابلاً للمؤثرات الغربية، وقال: أنه إذا أخذت فكرة عند شعب إلى شعب آخر، ظهر في لغة وكتابات الشعب الآخر أثر لهذه الفكرة. وهذا واضح مثلاً فيما أخذ عن اليونان في القانون الروماني، كما هو واضح كذلك في شريعة "التلمود" اليهودية المملوءة بالكلمات والمصطلحات اليونانية واللاتينية. أما في الإسلام فإنه لا يوجد لفظ واحد مستعار من اللغة اللاتينية أو اليونانية في القاموس الضخم للفقة الإسلامي وتشريعه، كما لا يوجد في جميع المؤلفات الفقهية الإسلامية أدنى ذكر لمصدر روماني علمي، وهذا أيضًا وحده مما ينفي فكرة كل استعارة من القانون الروماني، لذلك كله ترى أنه لا داعي مطلقًا الافتراض أن مصادر هذا التشريع كانت شيئًا آخر غير ما قاله
стр. 1123
الكتاب المسلمون أنفسهم، والقول بغير هذا يعد افتراضًا لا حقيقة له، وقولاً بغير علم ولا دليل، ومن ثم يجب رفضه وعدم الاعتداد به.
- والتشريع الإسلامي يختلف أساسًا في طابعه ومقصده عن القانون الروماني، وهذا القانون الذي هو من وضع رجال حذقوا لغة القانون ومصطلحاته أما الشريعة الإسلامية فهي نظام من المسائل الفقهية الدقيقة، وقد نظر إليها من حيث علاقة الإنسان بالله أولاً، ولهذا تشمل ما يُسمى بـ (العبادات) من صلاة وصوم وزكاة وحج، وغير ذلك، وحتى عندما تعالج المسائل المدنية، كالبيع والرهن مثلاً، نجد فيها أثر الدين واضحًا" اهـ.
- هذا غيض من فيض مما طفحت به كتابات كبار رواد الصليبيين وعتاة مخططيهم ويكفيهم هذا البيت من الشعر.
يا ناطح الجبل العالي لتكلمه ... أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل
* محاولات التشكيك وإِثارة الشبهات من قبل المستشرقين الصليبيين:
- جرت محاولات التشكيك والإثارة في خمسة مجالات كبرى:
١ - رسول الإسلام.
٢ - الإسلام.
٣ - الفكر الإسلامي العربي.
٤ - القرآن واللغة العربية.
٥ - التاريخ العربي الإسلامي.
- وقد ترددت هذه الشبهات في محاولة لتمييع القيم الأساسية للفكر العربي الإسلامي واتهامها:
١ - بأنها قيم دينية صرفة قاصرة في مجال العقيدة.
стр. 1124
٢ - قيم تاريخية قاصرة في مجال الزمن.
٣ - اتهام الجضارة العربية الإسلامية بأنها حضارة غير أصيلة وذلك في محاولة لإسقاطها من مجال تطور الحضارة الإنسانية وتجاهل فترة الألف عام الإسلامية بين الحضارتين الرومانيه والحديثة.
٤ - ترديد الاتهامات التي تنقض أصالة الفلسفة الإسلامية على أنها يونانية مكتوبة باللغة العربية.
٥ - اتهام مفهوم الإسلام بأنه لم يعد قوة محركة تهدي الناس إلى الوجهة الصحيحة.
٦ - جحود التراث.
٧ - إثارة الشبهات حول الغيبيات.
٨ - اتهام الفكر العربي الإسلامي بأنه فكر تجريدي.
٩ - الزعم بأن العقلية العربية عقلية سامية قاصرة عن الخلق عاجزة عن استنتاج المعاني المجردة.
١٠ - القول بأن الفكر العربي الإسلامي يحمل دعوة التزهيد في العالم الأرضي ويجعل مسألة الموت والتطلع إلى الآخرة مسألة رئيسية.
١١ - محاولة خلق الفوارق بين العرب والبربر كوسيلة لخلق خلاف جذري في العالم الإسلامي والأمة العربية.
١٢ - اتهام القرآن بأنه موضوع، وليس وحيًا من الله وأن القرآن مرآة لأفق خاص من الحياة: أفق عقيدة صحراوية في الجزيرة العربية.
١٣ - القول بأن شرائع الإسلام اقتبست من الأديان السابقة له.
١٤ - القول باختلاف الشعوب.
١٥ - اتهام اللغة العربية بأنها لغة ميتة، عاجزة عن التعبير غير قادرة
стр. 1125
على الاستجابة للحضارة.
١٦ - الدعوة إلى اتخاذ اللهجات العامة لغات محلية إقليمية.
١٧ - تزييف التاريخ العربي الإسلامي وإثارة الشبهات حوله، واتهامه بأنه مليء بالثغرات.
١٨ - الفصل بين العروبة والإسلام.
١٩ - اتهام العرب والمسلمين بأنهم لم يستيقظوا حتى أيقظهم الغرب.
٢٠ - القول بأن الإسلام عائق عن التقدم والحضارة.
٢١ - إبراز جوانب الانحراف والتأكيد عليها كقضايا الباطنية والشعوبية والاهتمام في دراسات التصوف بدعاة الحلول ووحدة الوجود.
هذا مجمل سريع للشبهات التي أثارها التغريب وأثارتها الشعوبية في الفكر العربي المعاصر.
* رينولد نيكلسون وهنري جونستون وجب وكرومر وطعنهم في القرآن:
واجه "القرآن الكريم" حملة من أعنف الحملات وأثيرت حوله شبهات متعددة. كانت تهدف في مجموعها إلى القول بأن:
١ - القرآن من نظم النبي محمد، وأنه موضوع وليس منزلاً من عند الله.
٢ - أنه كتاب مضطرب وغير متماسك وفيه تعارض.
٣ - أنه صعب الفهم وركيك.
٤ - أنه غير منظم أو مبوب.
٥ - أنه العقبة الكئود في سبيل ارتقاء الأمم الإسلامية والمسئول عن تقهقرها.
٦ - أن القرآن مقتبس من التورة والإنجيل.
٧ - القرآن مرآة لأفق خاص من الحياة.