حاولت أن أقفل باب الحديث في هذا الشان وخاصة بعد أن لمحت عليها معالم الأضطراب والجد والعنف.
فلما اطلعت على ما جاءَ به ثارت ثورة شديدة ووجهت القول بعنف إلى الشيخ محمد عبده؛ لأنه توسط في هذا الموضوع .. مرت الأيام بعد ذلك واتفق محمد عبده وسعد زغلول والمويلحي وغيرهم على أن يتقدم قاسم أمين بالاعتذار إلى سمو الأميرة.
فقبلت اعتذاره ثم أخذ يتردد على صالونها، وكلما مرت الأيام ازدادت في عينه، وارتفع مقامها لديه. وإذا به يضع كتابه الأول عن المرأة الذي كان الفضل فيه للأميرة نازلي والذي أقام الدنيا وأقعدها بعد أن كان أكثر الناس دعوة إلى الحجاب" انتهى كلام فارس نمر.
ثالثًا: أشارت هدى شعراوي في محاضرة لها إلى هذا المعنى وكشفت هذا السر الذي ظل خافيًا زمنًا طويلاً، ولم يكشف إلا بعد وفاة قاسم أمين بعشرين سنة غير أن الذي يلفت النظر أن قاسم أمين عدل عن رأيه هذا من بعده، وتبين له أنه أخطأ الطريق.
وقد تبين هذا حين صرح قاسم أمين في حديث له في صحيفة "الظاهر" التي كان يصدرها المحامي محمد أبو شادي حيث أعلن رجوعه، وأعلن أنه كان مخطئًا في (توقيت) الدعوة إلى تحرير المرأة .. هذا التصريح نشرته جريدة "الظاهر" في أكتوبر ١٩٠٦ قال قاسم أمين: "لقد كنت أدعو المصريين قبل الآن إلى اقتفاء في هذا المعنى حتى دعوتهم إلى تمزيق ذلك الحجاب، وإلى إشراك النساء في كل أعمالهم ومآدبهم وولائمهم .. ولكني أدركت الآن خطر هذه الدعوة بما اختبرته من أخلاق الناس .. فلقد تتبعت خطوات النساء في كثير من أحياء العاصمة والإسكندرية لأعرف عرف درجة احترام الناس لهن، وماذا يكون شأنهم معهن إذا خرجن حاسرات، فرأيت من فساد أخلاق
стр. 107
الرجال بكل أسف ما حمدت الله على ما خذل من دعوتي واستنفر الناس إلى معارضتي .. رأيتهم ما مرت بهم امرأة أو فتاة إلا تطاولوا إليها بألسنة البذاء، ثم ما وجدت زحامًا في طريق فمرت به امرأة إلا تناولتها الأيدي والألسن جميعًا .. إنني أرى أن الوقت ليس مناسبًا للدعوة إلى تحرير المرأة بالمعنى الذي قصدته من قبل".
ومعنى كلام قاسم أمين هذا الذي نشره قبل وفاته بعام ونصف عام أن قاسم أمين قد اكتشف بعد سبع سنوات من دعوته (التي جاءَت استدراجًا ومرضاة لنفوذ وليست خالصة لوجه الله تعالى) أنها لم تكن قائمة على أُسسها الصحيحة وهي الدعوة إلى تربية الخلق والإيمان بالله، وأنها لم تكن على طريق الحق .. أو ربما أن قاسم رأى بعد أن تغيرت الظروف بزوال كرومر ووفاة محمد عبده وانطفاء نفوذ نازلي فاضل (ربيبة كرومر) أن يتخفف من هذه التبعة. وربما كان لبعض التجارب أثرها في نفسه .. فها هو يروي أن صديقًا عزيزًا زاره ذات مرة فلما فتح له الباب قال: جئت هذه المرة من أجل التحدث مع زوجك!! فدهش قاسم .. كيف يطلب مقابلة زوجته.
فقال له صديقه: ألست تدعو إلى ذلك. إذن لماذا لا تقبل التجربة مع نفسك. فأطرق قاسم أمين صامتًا ومما يذكر أن السيدة زوجة قاسم أمين كتبت منذ سنوات تعلن أن دعوة قاسم أمين كانت خطيرة وأنها لم تكن قائمة على أساس صحيح.
وقال محمد فريد وجدى: إن دعوة قاسم أمين قد أحدثت تدهورًا مريعًا في الآداب العامة، وأحدثت انتشارًا مفزعًا لمبدأ العزوبة، وأصبحت ساحات المحاكم غاصة بقضايا هتك الأعراض وهرب الشابات من دور أهلهن. ونعت الدكتورة بنت الشاطئ ما تكشف من حركة تحرير المرأة مما أسمته مهزلة أليمة موجعة.
стр. 108
تقول بنت الشاطئ: "إن الرجال ساقونا لنعمل لحسابهم .. وهم يوهمونا أننا نعمل أو يعملون معنا لحسابنا .. ذلك أن الرجال رتبوا لنا الخروج زاعمين أنهم يؤثروننا على أنفسهم .. ولكنهم كذبوا في هذا الزعم فما أخرجونا إلا ليحاربوا بنا السآمة والضجر في دنياهم".
ثم قالت بنت الشاطئ: "إن المرأة دفعت ضريبة فادحة ثمنًا للتطور ويكفي أن أُشير في إيجاز إلى الخطأ الأكبر الذي شوه نهضتنا. وأعني به انحراف المرأة الجديدة عن الطريق الطبيعي وترفعها عن التفرغ لما نسميه: خدمة البيوت وتربية الأولاد. ونحن نرى البيوت أصبحت مقفرة منهن. أما الأبناء فتركوا للخدم. وقد نشأ هذا الانحراف الضال نتيجة لخطأ كبير في فهم روح النهضة.
وبلغ من سوء ما وصلت إليه أن نادت مناديات بحذف نون النسوة في اللغة كأنما الأُنوثة نقص ومذلة وعار. وأهدر الأعتراف بالأُمومة كعمل من الأعمال الأصيلة لنا حتى سمعنا من يسأل كيف تعيش أمة برئة معطلة .. يقصد بالرئة المعطلة هؤلاء الباقيات في بيوتهن يرعين الأولاد .. وزعموا أن المرأة تستطيع أن تجمع بين عملها في البيت ووظيفتها في الخارج" انتهى كلام الدكتورة بنت الشاطئ (١).
وتكشف السيدة صافي ناز كاظم سموم قاسم أمين في كتابه المرأة الجديدة حيث يهاجم المدنية الإسلامية ويدعو إلى التغريب.
يقول: نحن لا نستغرب أن المدنية الإسلامية أخطات في فهم طبيعة
стр. 109
المرأة وتقدير شأنها فليس خطؤها في ذلك أكبر من خطأها في كثير من الأمور الأخرى.
ثم يقول: الذي أراه أن تمسكنا بالماضي إلى هذا الحد هو من الأهواء التي يجب أن ننهض جميعًا لمحاوبتها؛ لأنه ميل إلى التدني والتقهقر، وهذا هو الداء الذي يلزم أن نبادر إلى علاجه وليس له من دواء إلا أننا نربي أولادنا على أن يعرفوا شئون المدنية الغربية، ويقفوا على أصولها وفروعها وآثارها.
فإذا أتى هذا الحين ونرجو أن لن يكون بعيدًا - انجلت الحقيقة أمام أعيننا ساطعة سطوع الشمس وعرفنا قيمة التمدن الغربي، وتيقنا أنه من المستحيل أن يتم إصلاح ما في أحوالنا إذا لم يكن مؤسسًا على العلوم العصرية الحديثة.
ولا يمكن أن يوصف هذا الكلام إلا أنه (ردة) من مستشار وصف بالعقل والحكمة ولكنه انزلق مع المنزلقين إلى مطالع المناصب الكبرى والحظوة في صالون نازلي فاضل.
والمعروف أنه بعد أن دافع قاسم أمين عن حجاب المرأة المسلمة في كتابه (المصريون) حدثت مؤثرات من الأميرة نازلي على قاسم أمين مما أدى إلى حدوث متغيرات في فكر قاسم عرفت في كتابه تحرير المرأة، والمرأة الجديدة.
وكان كتاب تحرير المرأة نوعًا من الاعتذار للأميرة التي أغضبها كتابه الأول، وقيل: أن الشيخ محمد عبده ومحمد المويلحي وسعد زغلول اتفقوا على أن يقدم قاسم الاعتذار للأميرة نازلي (عندما هاجم المرأة غير المتحجبة في كتابه المصريون) ودفع قاسم أمين الثمن غاليًا يتجنى على الحقائق ويحاول أن يلوي عنقها حتى خرج كتابه "تحرير المرأة".
وجاء في كتابه "المرأة الجديدة" فخرج عن أفكاره الأصلية التي كانت تعلي من شأن المدنية الإسلامية.
стр. 110
واتجه إلى حجاب المرأة المسلمة وأخذ يحاول أن يدلل على أن حجاب المرأة ليس من الإسلام وأن الدعوة إلى السفور ليس فيها خروج عن صحائح الاسلام.
ومما علمه الاستشراق إياه: القول بأن الشريعة ليس فيها نص يوجب
الحجاب، على الطريقة المعهودة، وإنما هي (عادة) عرضت للمسلمين من
مخالطة الأمم فاستحسنوها وأخذوا بها وألبسوها لباس الدين ونسي قوِل الله
﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (١).
* مصطفى كامل يعارض حركة "تحرير المرأة ":
ولقد عارض الزعيم مصطفى كامل هذه الحركة المشبوهة "حركة تحرير المرأة" وربط بين هذا الاتجاه وبين الاستعمار على أنه وسيلة من وسائله في القضاء على مقومات الأمة، والبقية الباقية من أخلاقها ومعنوياتها .. وهكذا سارع الزعيم الشاب إلى مقاومة هذه الحركة الخائنة، وتحذير الأمة منها، فأشار إليها في أول اجتماع عام عقده عقب صدور هذا الكتاب، وذلك في ٥ شعبان سنة ١٣١٧ الموافق ١٨ سبتمبر سنة ١٨٩٩ حيث قال: "إني لست ممن يرون أن تربية البنات يجب أن تكون على المبادئ الأوروبية، فإن في ذلك خطرًا كبيرًا على مستقبل الأمة، فنحن مصريون ويجب أن نبقى كذلك، ولكل أمة مدنية خاصة بها، فلا يليق بنا أن نكون قردة مقلدين للأجانب تقليدًا أعمى، بل يجب أن نحافظ على الحسن من أخلاقنا، ولا نأخذ عن الغرب إلا فضائله، فالحجاب في الشرق عصمة وأي عصمة، فحافظوا عليه في نسائكم وبناتكم وعلموهن التعليم السليم
стр. 111
الصحيح، وإن أساس التربية التي بدونه تكون ضعيفة ركيكة غير نافعة هو تعليم الدين".
وقد ظل مصطفى كامل حربًا عوانًا على هذه الحركة، حتى إذا ما أُنشئت جريدة اللواء سنة ١٩٠٠ كانت صفحاتها ميدانًا عظيمًا لكل طاعن على قاسم أمين وأفكاره وعصابته الاستعمارية من الخونة والأذناب.
ومما يجدر بالذكر ما كتبه الزعيم مصطفى كامل ﵀ هتكًا لستار هذه الحركة وكشفًا لصلتها الوثيقة بالاستعمار ذلك المقال الذي نشره في اللواء بتاريخ ٩ فبراير سنة ١٩٠١ وقد جاء فيه ما نصّه:
"هذا .. وقد انتشر خبر الكتاب "تحرير المرأة" في جهات من الهند، واهتم الإنجليز بترجمته وبث قضاياه، "وإذاعة مسائله، اهتمامًا عظيمًا لما وراء العمل به من فائدة لهم .. وعلم به سلطان ملديفي، وبلغه في هذه الأيام خبر كتاب "المرأة الجديدة" الذي أخرجه أخيرًا قاسم أمين ليدعم به أمر كتابه الأول ويفتح به آفاقًا جديدة لتحلل المسلمين من دينهم وأخلاقهم، ولما سُئِل السلطان المذكور عن رأيه في هذه الاتجاهات قال:
"أما تعليم النساء المسلمات فقد أصبح من المسائل الحيوية للإسلام والمسلمين، ولكنه لو مال عن طريق الشريعة الغرّاء إلى خطة مدنية الغرب الغبراء، كان معولاً لهدم أركان الإسلام وفأسًا لفتح القبور لأبنائه ودسّهم فيها وهم أحياء، أما رفع الحجاب فلا أرضاه لنسائي وبلادي، وأما حق المرأة وحق طلاق زوجها فدعوة لا تصدر من معترف بقول الله في كتابه: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ فنسأل الله السلامة".
ولم يقتصر مصطفى كامل ﵀ في محاربته لهذه الدعوة الاستعمارية علي بيان خطرها على الكيان الوطني والاجتماعي فحسب، ولكنه اهتم بتفنيدها من الناحية الدينية والفقهية، وأفسح لعلماء المسلمين
стр. 112
المجال الأعظم في جريدة اللواء لإبداء رأي الإسلام فيها وفي أصحابها. ومن هذه البحوث التاريخية ذلك البحث الذي وضعه السيد عبد الله جمال الدين، ونشرته له اللواء في عددها رقم ٤٥٦، ٤٥٧ بتاريخ ٢٥، ٢٦ من ذي الحجة سنة ١٣١٨ هـ أي في أواخر ٤ سنة ١٩٠٠ ميلادية.
ولما توفي قاسم أوحى الإنجليز إلى شيعته بإقامة حفلة تأبين له، فأقاموا هذه الحفلة وأشاروا فيها بدعوته إلى السفور .. فقابل رجال الحزب الوطني هذه الحركة بإقامة احتفال كبير للدعوة إلى الحجاب ولإبراز أصابع الإنجليز في فتنة السفور" (١).
* سعد زغلول وما أدراك ما سعد ؟!
تكلمنا عن سعد زغلول، وفضحنا مواقفة المشبوهة، وبيّنا علاقته بالإنجليز واللورد كرومر .. ولعب زعيم المصريين للقمار (٢) واسلمي يا مصر!!
أما صلته بحركة "تحرير المرأة" المشبوهة فقد أكدها بصفة قاطعة سكرتير سعد فقد ذكر أن سعدًا هو الزعيم الحقيقي للحركة النسائية مستشهدًا بخطابه الذي ألقاه بمناسبة زيارة وفد مختلط من طلبة مدرسة الحقوق الفرنسية لمصر، ومنه:
"إنني من أنصار تحرير المرأة ومن المقتنعين به؛ لأنه بغير هذا التحرير لا نستطيع بلوغ غايتنا ويقيني بهذا ليس وليد اليوم بل هو قديم العهد فقد شاركت منذ أمد بعيد صديقي المرحوم قاسم بك أمين في أفكاره التي ضمنها كتابه الذي أهداه لي (يريد كتاب المرأة الجديدة) .. " (٣).
стр. 113
ويضيف الكاتب أن زوجة سعد كانت مثقفة ثقافة فرنسية، وأنه كان يمنحها الحرية الكاملة (! ) ويبدو من مسيرة زوجة سعد أنها أول زوجة زعيم سياسي عربي -تقريبًا- تظهر معه سافرة في المحافل والصور، وتتسمى على الطريقة الغربية "صفية زغلول" كما أنها أول من اتخذت بدعة لقب "أم المصريين" (١).
ويذكر الكاتب أن "صفية زغلول" هي الزعيمة النسائية الحقيقية لكنها آثرت ألا تظهر ذلك وأسندت هي وزوجها الأمر إلى هدى شعراوي التي عينها سعد "رئيسة لجنة الوفد المركزية للسيدات" (٢).
على أن سكرتير الزعيم يثبت -دون أن يدري- إدانة الزعيم والحركة النسائية وارتباطهما بالاستعمار، وذلك في معرض حديثه عن صديقة سعد "منيرة ثابت" الملقبة "الفتاة الثائرة" و"أول صحفية مصرية" فهو يقول:
"كانت الوزارة الزيورية تضطهد الصحافة الوفدية وتغلق جرائدها واحدة بعد أخرى ولا تسمح لوفدي بأية رخصة جديدة، وعلى حين فجأة غابت الآنسة منيرة ثابت أيامًا عن بيت الأمة ثم عادت تحمل رخصتين لصحيفتين جديدتين باسم "الأمل" و"لسبوار" أولاهما عربية سياسية أسبوعية والثانية فرنسية سياسية يومية، وقدمتهما للرئيس (سعد) لتكونا رهن تصرفه أما كيف حصلت على الرخصتين فلا أعرف عنه إلى اليوم شيئًا" (٣). ثم تطور الأمر إلى تشكيل أحزاب نسائية أهمها الحزب النسائي (١٩٤٥) وحزب بنت النيل (١٩٤٩)، وقد نشرت الصحف المصرية نفسها فضائح عن هذه الأحزاب تثبت أنها كانت تتلقى الأموال من السفارات الغربية لا سيما الأميركية
стр. 114
والإنجليزية (١).
ومن أجل ذلك كان سعد زغلول هو الرجل الذي أهداه قاسم أمين كتابه "المرأة الجديدة" وكان لسعد موقفه من المرأة في المظاهرات حيث انتزع النقاب من وجه (هدى شعراوي) علامة على الدخول في عصر السفور (٢).
* هدى شعراوي زعيمة ما يسمى بحركة النهضة النسائية وصلتها بالاستعمار:
رائدة "حركة النهضة النسائية" وقد التف حولها "سيزا نبراوي" سكرتيرتها ومنيرة ثابت وباحثة البادية وعصبة ممن خلعن رداء الحياء وسخرن أنفسهن لخدمة الدوائر الصليبية.
اشتد الحماس لهذه الحركة -في فترة عصيبة حرجة- وهذا التوقيت المشبوه يوحي بأن وراء الأكمة ما وراءها! - ذلك أنه في سنة ١٩١٩ هبت مصر في وجه الاستعمار ووقف الشعب بشجاعة مع عدد من المخلصين حقيقة يطالب بحقه من الحرية والحياة، وفي تلك الظروف الصاخبة التي تتميز بالغليان والاضطراب وفي غمرة الثورة العارمة نشطت دعوتان مريبتان متآخيتان، إحداهما استغلت ظروف الثورة لسلخ الأمة عن انتمائها وهي الدعوة إلى اللادينية تحت ستار الشعار الذي رفعته الزعامات المصطنعة "الدين لله والوطن للجميع" والأخرى: دعت إلى نسف الفضائل الإسلامية من خلال دعوتها إلى "تحرير المرأة".
في ذلك الجو العاصف انبرت هدى ورفيقاتها للدفاع عن حقوق الوطن وطرد المحتلين ولكن بماذا؟ لقد خرجن في مظاهرة ومزقن الحجاب وأحرقنه
стр. 115
في ميدان عام (١)، وكان هذا أعظم إسهام منهن في الثورة، وإذ حدث أن الجنود البريطانيين -لحاجة في نفس يعقوب- طوقوا الشوارع ساعة المظاهرة واعتدوا على بعض المتظاهرات- فقد بدا ذلك في أعين الشعب محاولة من بريطانيا لمنع المرأة المصرية من التحرر، وبذلك اكتسبت الحركة صفة البطولة الوطنية!! (٢).
وتظهر الحقيقة أجلى وأوضح إذ علمنا أنه في تلك الفترة نفسها كان أتاتورك يهدم الإسلام تحت زيف البطولة الوطنية أيضًا.
لقد اعتبرت هذه البطولة مبررًا كافيًا للانقضاض على الأخلاق بل لمهاجمة أحكام الإسلام علانية، إذ ردد دعاة الإباحية قولهم: أليس الجنس اللطيف الذي أدى دوره في الثورة الوطنية بإخلاص جديرًا بأن يتساوى في كل شيء مع الجنس الخشن؟ أتريدون أن تقدم المرأة للوطن كل شيء ولا يقدم الوطن لها شيئًا؟!.
ولكن الحق لم يلبث أن انشكف واذا بالحركة النسائية في حقيقتها حركة عميلة مريبة ترتبط خارجيًا بالدوائر الأستعمارية وداخليًا بالزعماء المصطنعين.
أما ارتباطها بالاستعمار -والجمعيات التبشيرية خاصة- فيؤيده خطاب هدى شعراوي الذي ألقته في مؤتمر الأتحاد النسائي الدولي بروما، وهذه مقدمته:
"إنه ليسرني حقيقًا أن أرى نفسي بينكن في هذه الجمعية المحترمة التي أمكن للمراة المصرية أن تجيء لتناقش في حقوقها لأول مرة في التاريخ، وأنه لما يدعوني إلى الأغتباط والفخر اختياري لإظهار تلك الرابطة بين بنات النيل
стр. 116
وأخواتهن فى أوربا" (١)
وتختتم خطابها قائلة:
"والآن قبل أن أعود أرجو أن تسمحن لي أيتها السيدات على طلبكن بإلحاح إبداء الرغبة في إشراك المرأة المصرية في واجب "الاتحاد" الجليل ولنا عظيم الرجاء في أن نصل بفضل نصائحكن الغالية التي نعتبرها السبيل الهادي والنسج على منوالكن الذي نجد فيه خير كفيل إلى تحقيق آمالنا ورغائبنا، ونضع تحت تصرفكن أنفسنا في خدمة مبادئكن ونشر آرائكن" (٢).
* ملابسات زعامة هدى شعراوي ابنة محمد سلطان خائن بلاده وعميل الإِنجليز للحركة النسائية:
يقول الأستاذ أنور الجندي: "أما ما هي ملابسات زعامة هدى شعراوي للحركة النسوية، فالواقع أن هناك عدة ملابسات لا يفسرها إلا فهم تاريخ الحركة الوطنية في مصر لرجلين: أحدهما والدها محمد سلطان، والآخر زوجها على باشا شعراوي أما والدها محمد سلطان فيقول الدكتور عبدالعزيز رفاعي في كتابه "محمد سلطان أمام محكمة التاريخ ": إنه كان من أعلام الثورة العرابية، ولكنه تنكر لها في أحلك أوقاتها، ومشى في ركاب أعدائها: الخديوي والإنجليز .. حتى نال حظوته من الخديوي بالإحسان، ومن الإنجليز بالتقدير .. وقد أثبت ما أورده السيد محمد رشيد رضا في كتابه "الأستاذ الإمام محمد عبده" (١/ ٢٥٨، ٢٥٩) عن الدور الذي لعبه محمد سلطان في خدمة مخابرات الإنجليز في سبيل الوصول إلى معسكر العرابيين في التل الكبير. وهكذا حمل لواء الخيانة للثورة العرابية، وطاف ببورسعيد
стр. 117
والإسماعيلية بجيش عرابي معلنًا الثقة في الجيش الغازي ومطمئنًا الأهالي على حياتهم وقد أفهمهم حسن نيات الإنجليز إزاءَ المصريين، وأبان لهم أنهم لا يستهدفون غزو البلاد. بل يستهدفون تأديب العصاة وتابع سلطان باشا نشاطه فأخذ يفرق الناس عن عرابي. ويجمعهم لمعاونة الإنجليز فأرسل إلى شيخ بدو الهنادي المقيم في الصالحية. ويدعى سعود العماوي والآخر إلى محمد صالح الحوت ليتفق معهما على استمالة العربان ولم يكتف محمد سلطان بنشاطه في الجاسوسية وبث الدسائس في منطقة القناة وفي ميدان المعركة. بل مد نشاطه إلى داخل البلاد ليقضي على كل معاونة شعبية لحركة عرابي. ورافق (ولسلي) قائد القوات البريطانية للتفاوض مع مشايخ العربان، كما كانت الأموال التي أعدها الخديو لرشوة شيوخ البدو في عهدة سلطان (راجع بلنت: التاريخ السري ومذكرة سلطان إلى الخديو في الإسماعيلية بدار المحفوظات التاريخية دوسيه رقم ٢). وكان سلطان هو الذي أبلغ الخديو هزيمة عرابي. ودخل سلطان القاهرة مزهوًا يتطلع لفجر جديد في حياته بعد أن سجل خيانته، وكتب تاريخها بنفسه. وقلده الخديو النيشان المجيدي الأول رفيع الشأن ووضعه على صدره بيده، وأعطاه عشرة آلاف جنيه تعويضًا للأضرار التي ألحقت به ثم عينه رئيسًا لمجلس شورى ولكن ضربة القدر لم تمهله ليتمتع بما اشترى من أطيان فداهمه مرض السرطان واشتد به المرض وتوفي في أوربا سنة ١٨٨٤، وقد أنعم الإنجليز عليه بنيشان سان ميشيل وسان جورج الذي يخول صاحبه لقب "سير". هذه هي خلفية الحياة الاجتماعية لقائدة النهضة النسوية والتي تزوجت وهي في الرابعة عشرة من رجل غني موسر صديق لوالدها يبلغ الخمسين من العمر هو على شعراوي باشا أحد الثلاثة الكبار الذين قابلوا المندوب البريطاني بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى (سعد زغلول وعبد العزيز فهمي) بوصفهم من رجال حزب الأمة الموالي للاستعمار البريطاني لعرض مطالب البلاد.
ولم يلبث شعراوي باشا أن توفي وقد كان الثلاثة هم دعاة الولاء
стр. 118
البريطاني والتعامل مع الإنجليز والشاجبين لمفاهيم الحزب الوطني في المفاوضة قبل الجلاء. ولقد وجدت السيدة هدى شعراوي الفرصة سانحة للتبرير خاصة وأن السيدة صفية زغلول -ابنة مصطفى فهمي الذي حكم مصر بالحديد والنار خلال أول مراحل الأستعمار البريطاني ثلاثة عشر عامًا وزوج سعد زغلول والمسماة بأسماء الأضداد (أم المصريين) - تستأثر بالزعامة السياسية فأرادت أن تفتح مجالا جديداً تنفرد فيه بالزعامة فكان ذلك هو مجال المرأة وخاصة وأنها نزعت نقابها في ثورة ١٩١٩. ولقد تلقفتها جماعات تحرير المرأة العالمية والمنبثة في أوربا وخاصة في باريس وبرلين وبروكسل والتابعة للمحافل الماسونية ومنظمات الصهيونية العالمية، ووجدت فيها طيرًا سمينًا فدعتها إلى حضور المؤتمرات النسوية العالمية التي كانت الصهيونية العالمية تديرها من وراء ستار، والتي كانت تستهدف إحداث الضجيج حول حقوق المرأة السياسية في البرلمان والحكم وخلخلة المجتمعات الإسلامية ودفعها إلى طريق الانهيار والمعروف أن هدى شعراوي لم تنطلق في دعوتها من أي منطلق إسلامي. بل على العكس من ذلك كانت سيدة سافرة برزة لها صالون ويتحلق حولها عدد من الرجال المجندين لكتابة الخطب والكلمات التي كانت تلقيها في الاحتفالات وكانت تنفق على ذلك من أموال سلطان باشا التي دفعت ثمنها الثورة العرابية.
ودعت إلى تلك الأفكار التي تحرض المرأة على التحرر من القيود الاجتماعية، والانطلاق حتى كان أحدهم يقول لواحدة سألته: "لو كنت بغير أولاد لقلت لك اتركيه ورزقك ورزق قلبك على الله".
والمعروف أن السيدة هدى شعراوي لم تكن تعبأ في دعوتها بالمفهوم الإسلامي للمرأة، أو تصدر عن فهم حقيقي لرسالة البيت والأُسرة، ولم تكن تتحرك في هذا الإطار. وإنما كانت تضع أمامها المرأة الغربية كمثل أعلى. ولذلك فقد شجعت أسباب الزينة والأزياء والمودات المستحدثة.
стр. 119
وكانت أجنحتها من المثقفات ثقافة فرنسية، وذلك الولاء الماركسي والصهيوني، ولم يكن للمفهوم الإسلامي لديهن أي أهمية.
ويقول الأستاذ حسين يوسف: إنه لم يكن عجبًا أن يعمل الاتحاد النسائي بزعامة هدى شعراوي للأهداف التي يحرص الاحتلال على الوصول إليها. وأن يردد في عام ١٩٢٣ نفس المبادئ التي نادى بها مرقص فهمي من قبل، ومن بعده قاسم أمين. ولما كان دعاة تدمير مفاهيم المرأة المسلمة لا ينامون فإنهم يدعون اليوم إلى تجديد ذكرى هدى شعراوي بإقامة تمثال لها.
والهدف هو دعم هذه الأفكار المسمومة التي تستهدف تدمير الأسرة المسلمة وتحطيم البيت المسلم" (١).
* لطفي السيد وأُكذوبة أستاذ الجيل:
هو أستاذ الجيل المُسْتَعَبد للغرب، المعلن عداوته للثقافة الإسلامية واللغة العربية .. هو أستاذ التغريبيين وسار معه في فلكه زميله ورفيق عمره عبدالعزيز فهمي، وزوج أخته إسماعيل مظهر ثم صديقه الحميم طه حسين ..
ولذا لم يكن غريبًا عليَّ أن أقرأ أن عبد الناصر فكر في إسناد رئاسة جمهورية مصر إليه بعد قيام الثورة!!
ولعل تسليط شيء من: الضوء على حياة لطفي السيد -أستاذ الجيل كما سموه ومحور هذه الدعوى- يعطينا لمحة عن دوافع الفكرة وأهدافها:
كان لطفي السيد من أخلص تلاميذ محمد عبده له وأتيحت له الفرصة أكثر من شيخه إذ عاش بعده ما يزيد على أربعين سنة أي أنه عمر أكثر من تسعين عامًا.
стр. 120
وأهم مناصبه الثقافية توليه لإدارة الجامعة المصرية عند تأسيسها، ثم توليه لوزارة المعارف آخر عمره.
ْأما أعماله السياسية فقد كان أحد زعماء حزب الأمة باعتباره رئيس تحرير "الجريدة" صحيفة الحزب واشتهر بعداوته لفكرة الجامعة الإسلامية ورفعه شعار مصر للمصريين وشعار "سياسة المنافع لا سياسة العواطف" (١).
ولا يستطيع الكاتبون عن حياته أن يخفوا أنه فاوض "كِتْشْنَر" ثم "جراهام" على أن تنفصل مصر عن تركيا وتصبح دولة مستقلة يحكمها الخديوي تحت وصاية بريطانية (٢). أما فكره فكان متأثرًا جدًّا بداروين ومل وروسو وأضرابهم من الغربيين (٣) وكان مع كل ناعق من دعاة التفرنج والعصرية فقد "حظيت دعوة قاسم أمين لتحرير المرأة من تأييد لطفي السيد بما لم تحظ بها من كاتب أو صحفي آخر" (٤).
وعندما أصدرت الحكومة قرارًا بنقل صديقه وشريك دعوته طه حسين من الجامعة -بسبب الضجة التي ثارت حوله- لم يسع لطفي السيد إلا أن يقدم استقالته من منصب وزير المعارف احتجاجًا على ذلك (٥).
ومع زعمه أن الفصحى معقدة وقديمة نراه يمضي ربع قرن من حياته في ترجمة كتب أرسطو (٦).
وقد ذكر مؤرخ حياته حسين فوزي النجار بعض الحوادث التي تدل -
стр. 121
كما يرى- على أنه كان لا يؤمن بالغيبيات والقوى الخفية (١).
وقد عطل لطفي السيد لتأخر مصر وتقدم الغرب بأن مصر تستعمل لغتين لغة للثقافة وأُخرى للتخاطب، والحل الذي رآه وقدم له الاقتراحات الكثيرة هو النزول بالفصحى إلى مستوى العامية حتى يتم مع الزمن توحيد اللغتين في لغة واحدة -هي بالطبع- "العامية" (٢).
أما زميله الأول عبد العزيز فهمي فقد كان أكثر جرأة منه حين دعا إلى كتابة العربية بالحروف اللاتينية وهي الدعوة التي ولدت -لحسن الحظ- ميتة! ..
وأما صديقه طه حسين فقد كانت دعوته للعامية صدى واضحًا لكتابات المستشرقين. وكذلك آراؤه في الشعر الجاهلي، ورحم الله الرافعي فقد فضح هذه الدعوى وعرّى كاتبها (٣).
لقد كان كل دعاة العامية أناسًا مشبوهين وصلتهم بالدوائر الاستعمارية واضحة وذلك ما يؤكد أنها كانت جزءًا من المخطط اليهودي الصليبي للقضاء على الإسلام، بل إنه من المؤكد أن الدعوة العامية إنما ظهرت أصلاً من أفكار المستعمرين وفي أحضان المبشرين يتضح ذلك من أسماء دعاتها الأوائل أمثال (بوريان وماسبيرو) (٤).
وجدير بالذكر أن الذي خلف عبد العزيز فهمي في المجمع اللغوي هو توفيق الحكيم الذي دعا إلى قاعدة "سكّن تسلم" (٥)! وليس لمثل هذه
стр. 122
الدعوى ثمرة حنظل إلا أن تفتح كليات اللغة العربية والأداب في البلاد العربية الباب لما أسموه "التراث أو الأدب الشعبي" وأن تحضر فيه رسائل جامعية عليا. على أن الفكرة لم تقتصر على مصر.
* اقتباس الأنظمة والمناهج اللادينية من الغرب:
الأمر على مناهج كرومر ودنلوب، فقد كان أذيال الفكر الغربي لا يقلون عنهما رغبة في صبغ مصر والعالم الإسلامي بالصبغة اللادينية الغربية.
وقد كان من أهداف أعداء الإسلام ما أوصى به مؤتمر القاهرة التبشيري المنعقد سنة ١٩٠٦ من وجوب إنشاء جامعة علمانية على نمط الجامعة الفرنسية (١) لمناهضة الأزهر والذي قالوا: أنه "يتهدد كنيسة المسيح بالخطر"!.
وقد قام الأذيال بتنفيذ المهمة إذ أنه بعد انتهاء المؤتمر بسنتين تقريبًا أسس سعد زغلول وأحمد لطفي السيد وزملاؤهم الجامعة المصرية، وكان النص الأول من شروط إنشائها هو: ألا تختص بجنس أو دين بل تكون لجميع سكان مصر على اختلاف جنسياتهم وأديانهم فتكون واسطة للألفة بينهم" (٢).
وهذا الشرط الجائر -في جامعة تقوم في بلد مسلم وعلى نفقات شعب مسلم- انعكست آثاره على مناهج التعليم في الجامعة، فلم يكن من بينها شيء من علوم الإسلام احترامًا لمشاعر القلة غير المسلمة، وهكذا كان التعليم الجامعي الحديث علمانيًّا من البداية، وكان نتاجه تلك الجموع المستَعبَدة للغرب فكرًا وسلوكًا، النافرة من دين آبائها وأجدادها.
ولم يكن الأمر مقصورًا على المناهج بل تعدّاها إلى أسلوب التربية وفلسفة السلوك فقد طبق لطفي السيد الاختلاط بين الذكور والإناث في
стр. 123
الجامعة المصرية التي كانت مركزًا لأنصار دعوة قاسم أمين المريبة، واستطاع لطفي السيد أن يتحدى الرأي الإسلامي بقوة واقتدار، معلنًا ذلك للملأ بقوله بالنص: "ويتصل بخطأ الجماهير في فهم رسالة الجامعة وهي مسألة كانت قليلة الأنصار في الرأي العام. وفي هذا المقام يسرني أن أؤكد لكم أني لم أتعرض إلى جزئية من الجزئيات تجلعني أندم ولو وقتيًّا على ما شرعته الجامعة من هذه الخطة من غير أن تستفتي الرأي العام" (١).
كما أدخل التقاليد الغربية المنافية للإسلام في صلب النظام الجامعي،. إذ شيدت في إطاره معاهد التمثيل والنحت والموسيقى، كيف لا وقد قال قاسم أمين صديق لطفي السيد في كتابه "كلمات": "لعل أكبر الأسباب في انحطاط الأمة المصرية تأخرها في الفنون الجميلة: التمثيل والتصوير والموسيقى" (٢).
والمؤسف ما أثبته العقاد من أن دراسة الفنون الجميلة من بنات أفكار محمد عبده" (٣)!!!.
ً * أنور الجندي يُعَرّي أستاذ الجيل المزيَّف:
قال ﵀ تحت عنوان: "لطفي السيد .. وأكذوبة أستاذ الجيل" (٤):
خلفت لنا فترة التبعية للغرب مُسَلَّمات خطيرة وكلمات دخيلة وحاولت سُحُب كثيرة من سُحُب الغزو الفكري والتغريب أن ترسم صورة خادعة لبعض الشخصيات وكان أخطر ما أطلق في هذه الفترة كلمة عميد الأدب
стр. 124
على الدكتور طه حسين وأستاذ الجيل علَى لطفي السيد فإلى أي مدى كان هذا اللقب صحيحًا بالنسبة لمنشئ حزب الأمة ومترجم أرسطو والخصم الأول للعروبة وللوحدة الإسلامية جميعًا.
وفي الحق إن اسم لطفي السيد لمع لمعانًا شديدًا وخُدع به كثيرون وكان لامتداد العمر وتغير الأوضاع واقتناص بعض الفرص التي جاءت بها الظروف عاملاً من عوامل القداسة التي منيت بها مثل هذه الشخصيات بالرغم من فساد جوهرها.
وليس علينا أن نصدر حكمًا جازمًا على شخصية ما، يسلم به الجميع ولكن علينا أن نلقي الأضواء الكاشفة على مثل هذه الشخصية من واقع التاريخ وبالوثائق الثابتة ثم ندع القارئ ليحكم هو: هل كان لطفي السيد حقيقة أستاذ الجيل وأي جيل:
أولاً: الدعوة إلى قصر التعليم على أبناء الأعيان باعتبار أنهم وحدهم الذين سيتولون الحكم ومقاومة تعليم سواد الأمة ومعارضة الاتجاه إلى المجانية وذلك حتى يمكن المحافظة على وجود طبقة معينة تتولى حكم البلاد دون أن يتاح ذلك لباقي أفراد الشعب.
وقد رد عليه مصطفى كامل صاحب اللواء رئيس الحزب الوطني ولخص آراءه وكشف عن فسادها.
ثانياً: الدعوة إلى العامية: وقد سار في هذا التيار مؤيدًا الخطوات التي كان قد قطعها المستشرقون والمبشرون (مولار - وبلكوكس) وكان أبرز ما دعا إليه إبطال الشكل وتغييره بالحروف اللينة وتسكين أواخر الكلمات وإحياء الكلمات العامية والمتداولة وإدخالها في صلب اللغة الفصحى والنزول باللغة المكتوبة إلي ميدان التخاطب العامي وكانت وجهة دعوته: تمصير العربية بإحياء العامية (مقالاته في الجريدة خلال شهري أبريل ومايو ١٩١٣). وقد
стр. 125
رد عليه عبد الرحمن البرقوقي ومصطفى صادق الرافعي بما يكشف زيف هذا الاتجاه.
ثالثًا: مقاومة التضامن العربي الإسلامي وقد عارض مساعدة المصريين لجيرانهم في طرابلس الغرب أثناء الغزو الإيطالي الاستعماري عام ١٩١١ وكتب في هذا المعنى تحت عنوان "سياسة المنافع، لا سياسة العواطف" مقالات متعددة دعا فيها المصريين إلى التزام الحياد المطلق في هذه الحرب الإيطالية التركية وإلى الضمن بأموالهم أن تبعثر في سبيل أمر لا يفيد بلادهم وقد أثارت هذه المقالات على لطفي السيد عاصفة بل وطعنًا جارحًا على حد تعبير تلميذه الدكتور محمد حسين هيكل في مذكراته.
رابعًا: أيد وجهة النظر البريطانية الاستعمارية في التعاون مع الجاليات المسيطرة المحلية ودعا إلى أن تملك هذه الجاليات في الأراضي المصرية فيكون لها الحق في التملك والسيطرة على البنوك والتجارة وغيرها.
خامسًا: مجد اللورد كرومر: الحاكم البريطاني الذي أذل المصريين لمدة ربع قرن مسيطرًا على سياسة البلاد وساحقًا لكرامتها ومغتصبًا لثروتها وحياتها وحيّاه يوم خروجه من البلاد تحية الأبطال وقال عنه:
"أمامنا الآن رجل من أعظم عظماء الرجال ويندر أن نجد في تاريخ عصرنا ندًا له يضارعه في عظائم الأعمال: هو اللورد كرومر، وقال: لو بقي اللورد كرومر عامًا واحدًا في منصبه لعد عيده الذهبي في خدمة دولته، نشر هذا في الجريدة في نفس اليوم الذي ألقى فيه كرومر خطاب الوداع فسب المصريين جميعًا وقال لهم أن الاحتلال البريطاني باقٍ إلى الأبد.
سادسًا: رسم لطفي السيد خلال عمله في الجريدة (١٩٠٧ - ١٩١٤) منهجًا للحياة الأجتماعية والسياسية والتربوية والاقتصادية يقوم على التبعية العامة للنفوذ الأجنبي والاحتلال البريطاني والفكر الغربي تحت اسم عبارة
стр. 126
ماكرة خادعة هي (مصر للمصريين) وقاوم بهذا الفكر ذلك الأتجاه الأصيل الذي كان يحمل لواء دعاة الوطنية الصادقة والفكر الإسلامي النير وكون مدرسة تحقق لها بعد الحرب العالمية الأولى السيطرة على مقدرات الأمور بعد أن أقصى رجال الوطنية الحقة.
سابعًا: تبين أن مترجمات لطفي السيد عن أرسطو (التي ترجمت من الفرنسية) "السياسة. الكون والفساد. الأخلاق" وهي منسوبة إليه، تبين أنه ليس مترجمها وأن مترجمها الحقيقي هو قسم الترجمة في دار الكتب المصرية وذلك بشهادة عديد من معاصري هذه الفترة.
ومنهم (الأستاذ أحمد عابدين مدير دار الكتب السابق ولا يزال حيًّا يرزق).
ثامنًا: بالرغم من دعوة لطفي السيد العريضة إلى الدستور والحرية فإن الوزارات التي قبل الاشتراك فيها كانت كلها تتسم بطابع واحد فهي جميعًا وزارات انقلاب ضد الدستور والبرلمان والحريات العامة.
يقول الأستاذ فاروق عبد القادر: أن الباحث في لطفي السيد ليس بوسعه أن يتجاهل هذا التناقض كيف للرجل الذي كتب مطالبًا بالدستور مدافعًا عن الحرية أن يشترك في وزارات عبثت بالدستور وصادرت الحرية، كيف يشترك في وزارات طابعها الإرهاب والسطو على الحريات.
تاسعًا: إن حزب الأمة الذي أنشأه لطفي السيد كان بإجماع الآراء صناعة بريطانية أراد بها اللورد كرومر أن يواجه الحركة الوطنية بجموع من الإقطاعيين والثراة والأعيان (الذين وصفهم بأنهم) أصحاب المصالح الحقيقية، وقد كان هدف حزب الأمة والجريدة بقيادة الفيلسوف الأكبر لطفي السيد تقنين الاستعمار والعمل على إيجاد شرعية للاحتلال مع الدعوة إلى المهادنة مع الغاصب وتقبل كل ما يسمح به دون مطالبته بشيء.
стр. 127
هذه مجموعة من الخطوط العامة نضعها بين يدي القارئ العربي المثقف دون أن نقدم حكمًا على لطفي السيد وندعه هو أن يصدر هذا الحكم. ولقد تعددت المصادر والأبحاث التي تكشف حقيقة هذا الرجل فليرجع إليها من يشاء وكلها تجمع على أن هذه الدعوة التي حملها لطفي السيد إنما هي خطة دقيقة محكمة من خطط الاستعمار الغربي والنفوذ الأجنبي، فإن اللورد كرومر أراد في إطار عمل مرسوم أن ينشئ في مصر جيلاً جديدًا يسير في ركب الاستعمار معجبًا به مقدرًا له ومحبًا، ولذلك عمل خلال عشرين سنة أو يزيد على صياغة هذا الجيل عن طريق المدرسة وعن طريق الثقافة، وكانت دعوته الملحة الحارة أن بريطانيا ستسلم مصر لأبنائها متى ظهر هذا الجيل الذي يعمل بالتعاون مع الاستعمار، ولفت نظر الشباب المتعلم وهم جميعًا من أبناء الطبقة التي أنشاها النفوذ الاستعماري وسودها وجعلها مركز القيادة السياسية إلى أنهم هم حكام مصر في المستقبل القريب .. وكان حريصًا على أن تتشكل هذه القوة أو هذا الحزب في نفس الوقت الذي كان الاحتلال يضرب القوى الوطنية وأصحاب الأصالة ليقضي عليهم ويفرغ البلاد منهم ويسلمها لهذا الجيل الذي كان من قيادته: لطفي السيد وسعد زغلول وعبد العزيز فهمي وقد تشكل حزب الأمة من مجموعة من أصحاب النفوذ وكبار الباشوات والملاك مثال محمود سليمان وحسين عبد الرازق وحمد الباسل وفخري عبد النور وسليمان أباظة وعبد الرحيم الدمرداش والطرزي وغيرهم وكان رأي هؤلاء أن السلطة الفعلية قد آلت كلها إلى كرومر الذي يمثل سلطة الاحتلال وأن مصالحهم الشخصية تقضي عليهم أن يكونوا على وفاق معهم فألفوا حزبهم بصفة رسمية في ٢١ سبتمبر ١٩٠٧ برئاسة محمود سليمان باشا وتولى لطفي السيد قيادة فكرهم وصحيفتهم التي جمعوا لها في ذلك الوقت مبلغ ٣٠ ألف جنيه: وقد ظهرت الجريدة في ٩ مارس ١٩٠٧ تصور الاحتلال على أنه حقيقة واقعة وترى أن عدم الاعتراف بشريعته لا يعني عدم
стр. 128
وجوده ولا يقلل من سلطته ونفوذه وكانت ترى أن هؤلاء المحتلين ماضون في طريقهم مستقلون بتصريف الأمور، رضي المصريون بذلك أم كرهوا وأن التخلص من الاحتلال يحتاج إلى قوة لم تتوفر للمصريين وأن دعاة الحركة خياليون ينفقون الوقت فيما لا طائل تحته وأنهم أصحاب خيال وتهريج.
وبذلك استطاع لطفي السيد أن يرسي مفاهيم الإقليمية المصرية الضيقة التي تكره العرب وتكره المسلمين وتعارض كل تقارب وكل صلة بل وتكره الاتصال بالفكر الإسلامي الذي هو أساس الثقافة والتعليم. وقد صور هذا المعنى مستشرق غربي هو ألبرت حوراني حين قال عن لطفي السيد ما يلي: كان يرى أن بريطانيا قوية وأن لها مصالح جوهرية في مصر وأنها هي نفسها قد أعلنت عن بقائها في مصر إلى أن تصبح هذه قادرة على حماية المصالح وإذن لا يمكن إخراجها بالقوة.
وقد أعلنت بريطانيا تجديد احتلالها وخلقت الشعور بأنها باقية إلى الأبد وأن مصلحة مصر تقتضي التعاون معها في أي تدبير تتخذه في سبيل إنماء قوة البلاد وهكذا كان ينفث لطفي السيد سموم التثبيط والاسترخاء في وجه دعاة الوطنية ولا يقف عند هذا الحد بل يتهمهم بأنهم خياليون مغالون في الخيال ويتهم خطتهم بأنها ولاء لتركيا بينما لم يكن مصطفى كامل ومحمد فريد إلا دعاة إلى الحرية والاستقلال والجلاء دون أن يلينوا أي لين لتقبل وعود بريطانيا وكانوا في دعوتهم لا يستهدفون العودة إلى النفوذ التركي العثماني، وإنما كانوا يؤمنون بأن حركة الحرية يجب أن تتم داخل إطار أوسع من الإقليمية ويجب أن تكون في إطار الجامعة الإسلامية والمفاهيم الإسلامية الأصلية التي كانت بريطانيا عن طريق حزب الأمة تهدف إلى تجريد المصريين منها ودفعهم إلى التبعية في التشريع والتعليم والاقتصاد لتكون مصر خاضعة تمام الخضوع
стр. 129
للقانون الوضعي ولمفاهيم الغرب في التعليم والثقافة ولتنقطع الصلة تمامًا بين مصر وبين جيرانها عربًا ومسلمين وبين الفكر والثقافة في مصر وبين الفكر الإسلامي الأصيل المستمد من القرآن والسنة.
ولقد كان لطفي السيد في دعوته هذه ينتقص أهمية الأرضية الإسلامية للفكر والثقافة والتعليم ويغالي في التبعية للفكر الليبرالي الغربي الذي كان في هذه الفترة خصيصًا خصيما للدين والأخلاق.
يقول ألبرت حوراني: "إن الأنطباع القوي الذي تتركه قراءة مقالات لطفي السيد التي نشرها في الجريدة (وهي كل ثروته الفكرية) هو الأندهاش من الدور الصغير الذي لعبه الإسلام في تفكير رجل تتلمذ على (محمد عبده) لا شك أنه كان يشعر بأنه هو ومعظم مواطنيه مسلمون بالوراثة، وأنهم جزء من الأمة، لكن الإسلام لم يكن المبدأ المسيطر على تفكيره فلم يهتم بالدفاع عن الإسلام كالأفغاني، ولا يهتم كمحمد عبده بإعادة الشريعة الإسلامية إلى مركزها كأساس خلقي للمجتمع. وفي هذا يقول: لست ممن يتشبثون بوجوب تعلم دين بعينه أو قاعدة أخلاقية بعينها، ولكني أقول: بأن التعليم العام يجب أن يكون له مبدأ من المبادئ يتمشى عليه المتعلم من صغره إلى كبره، هذا المبدأ هو مبدأ الخير والشر.
وهكذا ترى أن مفهومه للأخلاق والدين مستمد من الفكر الغربي ويعلق حوراني فيقول: وهكذا نرى أنه تخلى عن أول مبدأ من مبادئ محمد عبده واستعاض عنه بمبادئ جديدة. ويقول: لقد أخذ يطرح أسئلة جديدة لا تدور حول الشروط التي تؤدي إلى ازدهار المجتمع الإسلامي أو انحلاله.
بقدر ما تدور حول الشروط التي تؤدي إلى ازدهار أي مجتمع أو انحلاله، كذلك لم تكن المفاهيم التي أجاب بها على هذه الأسئلة هي مفاهيم للفكر
стр. 130
الإسلامي، بل مفاهيم الفكر الأوربي حول التقدم والمجتمع الأفضل.
ويقرر حوراني أن لطفي السيد ورفاقه تأثروا بنمطين من التفكير الأوربي:
أولاً: تفكير كونت، ورينان، وبلي، وسبنسر، ودوركايم الذين ذهبوا إلى أن المجتمع البشري متجه بحكم سنة التقدم نحو طور مثالي يتميز بسيطرة العقل واتساع أفق الحرية الفردية وحلول التعاقد الحر والمصلحة الفردية محل العادات والأوضاع الراهنة.
ثانيًا: تفكير جوستاف لوبون الذي يقول بفكرة الطبع القومي، وأن كل شعب له بنية ذهنية ثابته بثبوت بنيته الجسدية.
ويقول الحوراني:
إن لطفي السيد يحدد فكرة الأمة على أساس الأرض، لا على أساس اللغة والدين، وهو لم يفكر بأمة إسلامية أو عربية بل بأمة مصرية هي: أمة القاطنين أرض مصر، وكان شعوره بوجود مصر شديد بحيث أهمل الدين بالنسبة لعناصر الوحدة الأخرى. فمعظم القاطنين في مصر يشتركون في الأصل واللغة والدين.
ولا نستطيع أن نتجاوز عرض حياة لطفي السيد دون أن نذكر زيارته للجامعة العبرية في القدس ١٩٢٤ واشتراكه في استقبال الوفد الصهيوني إلى مصر بزعامة الدكتور وايزمان حيث أقيم له حفل شاي بفندق الكونتيال ١٩٢٦م" (١)
стр. 131
* حزب الأمة (الإنجليزي) ومفكره ومُنَظِّره لطفي السيد:
معلوم أن هذا الحزب من صنع كرومر، وتولى لطفي السيد قيادة فكره وصحيفته " الجريدة " وهو الذي احتضن الدعوة إلى تحرير المرأة، فكان لطفي السيد في مقدمة المروّجين لها على صفحات جريدة "الجريدة" وهي لسان الحزب المذكور. ومن المعروف أن أعضاء حزب الأمة الذين أطلق الإنجليز عليهم اسم "الرجال المعتدلون"؛ لأنهم حاربوا مصطفى كامل وناوؤه؛ لأنه جعل مبدأه في مقاومة الاستعمار يقوم على أساس الجلاء ووحدة وادي النيل، ووصفوه بالرجل العنيف .. وكفى حزب الأمة خزيًا وهوانًا وذلاً أن كان من زعمائه الهلباوي "جلاَّد دنشواي" وفتحي زغلول شقيق سعد زغلول وعضو المحكمة المخصوصة التي حكمت بما حكمت به في دنشواي والذي قال فيه أحمد شوقي:
إِذا ما جمعتم أمركم وهممتمُ ... بتقديم شيء للوكيل ثمين
خذوا حبل مشنوق بغير جريرةٍ ... وسروال مسجون وقيد سجينِ
ولا تقرءوا شعري عليه فحسبه ... من الشعر حكم خطّه بيمينِ
ولا تنشروه في شبرد (١) بل انشروا ... على ملأٍ في دنشواى حزين
* الحملة علي اللغة العربية، الفصحى والدعوة إِلى العامية:
كانت حملة لطفي السيد على اللغة العربية الفصحى هي أخطر الأعمال التي قام بها والتي دفعته بالتبعية؛ لأن يواصل الخطة التي بدأها الاستعمار البريطاني بقيادة ولكوكس وقد كانت محاولته ماكرة خبيثة بدأها في ١٨٩٩
стр. 132
في مجلة الموسوعات حيث ادعى أن اللغة العربية أصبح تعلمها أبعد منالاً من تعلم اللغات الأجنبية، ودعا إلى تسكين حروف الهجاء وفك الإدغام، وإهمال الشكل، وسخر من هذه الضوابط كلها، ثم وسع نطاق الدعوة عام ١٩١٣ في جريدة الجريدة فكتب أكثر من سبع مقالات (إبريل- ومايو ١٩١٣) وهو في هذه الحملة كان خادعًا فهو لم يفاجئ القارئ بالحملة على اللغة العربية (وكذلك خصوم اللغة العربية يفعلون ذلك فلا يكشفون عن خصومتهم) بل يصدرون عن غيرة مفتعلة تدعوهم إلى ادعاء الحافظة عليها حين يوجهون سمومهم وهو لم يدع إلى ترك الكتابة بالفصحى إلى العامية بل تسلل إلى ذلك بطريقة فيها كثير من المكر والمداورة وكانت دعوته إلى إدخال الكلمات الأجنبية (الأتومبيل والبسكلت والجاكته والبنطلون وغيرها) إلى اللغة العربية، وقال: أنها دخلت اللغة فعلاً وأننا لا نستطيع أن نضع لها ولا لغيرها من المسميات الجديدة أسماء جديدة.
وقال: الأسماء الجديدة ما لها لو أخذناها (زي ماهية).
وقال: أن اللغة ملك للأمة وللكتاب الحرية في الزيادة عليها بأساليب جديدة وألفاظ جديدة، وأنه لا حرج على الكاتب أو المترجم أن يستعمل من الألفاظ ما شاء لما شاء من المعاني، ويقول: نريد أن لا نذر (اللغة العامية) أو لغة الشعب تموت بإبعاد عربيتها وفصيحها عن عالم الكتابة والعلم ونريد أن نرفع لغة العامة إلى الاستعمال الكتابي وننزل بالضروري من اللغة المكتوبة إلى ميدان التخاطب والتعامل، وقال: إن العامية وأسماها لغة، لها مشخصات ثابتة تحددها من جميع الجهات وتجعلها مميزة تميزًا تامًا ودعا إلى استعمال العامية في الكتابة.
وقال: إن كل الحروف تكون ساكنة ولا تتحرك إلا بحروف العلة".
هذه هي المؤامرة التي حمل لواءها لطفي السيد الذي اختير بعد ذلك
стр. 133
رئيسًا لمجمع اللغة العربية وقد عاشت هذه الأفكار قائمة في حياته وفكره بل وعمل المجمع إلى تحقيقها بعد أن ضم إليه عدد من خصوم اللغة العربية أمثال طه حسين وعبد العزيز فهمي الذي دعا إلى كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية ومن بعد ذلك عدد كبير من هؤلاء السطويين التغريبيين.
وقد وقف عبد الرحمن البرقوقي ومصطفى صادق الرافعي في مجلة البيان موقفًا حاسمًا جريئًا في الدفاع عن اللغة العربية وقد حملا لواء الاتهام للطفي السيد مؤمنين بأن القضاء على اللغة العربية هو قضاء على أقدس مقدسات الأمة الإسلامية.
وكتب مصطفى صادق الرافعي يرد عليه تحت عنوان: "الرأي العامي في اللغة العربية الفصحى:
زعموا أنهم يريدون أن تسهل الألفاظ وتنكشف المعاني وتكون الكتابة في استوائها وجمالها كصفحة السماء فهل البلاغة العربية إلا تلك، وهل هذا أمر غير عربي بل وهل يعرفون -أصلحهم الله- أن الطفل يرى كل ما يدور في مسمعه من ألفاظ والديه كأنه إنما يلفق لهما اعتصامًا واعتسافًا واستكراهًا إذ لا يفهم من كل ذلك شيئًا إلا بمقدار ما يعتاد وعلى حسب ما تبلغ حاجته.
ثم ما هو حكم العامي -وهو في كل أمة الطفل العلمي- بجانب أهل العلوم، أتراه يلقف عنهم إلا بميزان تلك الغريزة الفطرية في الطفل الصغير مع أبويه فلم لا تحمي العلوم وألفاظها وأساليب التعبير عنها ونحو ذلك مما تتراخى به شقة الفهم إذا تعاطاه ذهن العامي أو حاوله ويكون سداد العلماء فيما تطيقه العامة وسداد العامة فيما يطيقه الأطفال.
وأنت إذا تخطيت أمر الطفل اللغوي والطفل العلمي وأسندت في حد هذه الطفولة لم تر إلا طراز أصحابنا وهم أطفال الأقلام فهل يكبر عليهم أن
стр. 134
يكبروا ويشيدوا وأن يساوقوا الفطرة في مجراها فيأخذوا الشيء بأسبابه ويأتوا الأمر من بابه، يصدرون رأيهم على جهل فإذا كشف لهم معناه وبصرتهم بمصايره ووقفت بهم على حدوده وأريتهم وجوههم في مرآة النصيحة أنكروا ما جئت به وحسبوك تمتري الكذب وأصروا واستكبروا استكبارًا لأن رأس علمهم أن يظنوا لا أن يحققوا ما يظنون فالرأي هو الرأي في ذاته لا ما يتعلق به ولا ما ينادى إليه.
اللغة مظهر من مظاهر التاريخ والتاريخ صفة الأمة فكيفما قلبت أمر اللغة من حيث اتصالها بتاريخ الأمة واتصال الأمة بها وجدتها الصفة الثابتة التي لا تزول إلا بزوال الجنسية وانسلاخ الأمة من تاريخها واشتمالها جلدة أمة أخرى، فلو بقي للمصريين شيء متميز من نسب الفراعنة لبقيت لهم جملة مستعملة من اللغة الهيروغليفية وأن في العربية سرًا خالدًا هو هذا الكتاب المبين (القرآن) الذي يجب أن يؤدى على وجهه العربي الصريح ويحكم منطقًا وإعرابًا بحيث يكون الإخلال بمخرج الحرف الواحد منه كالزيغ بالكلمة عن وجهها وبالجملة عن مؤداها، ثم هذا المعنى الإسلامي (الدين) المبني على الغلبة والمعقود على أنقاض الأمم والقيم على الفطرة الإنسانية؛ والقرآن الكريم ليس كتابًا يجمع بين دفتيه ما يجمعه كتاب أو كتب فحسب، إذ لو كان هذا أكبر أمره لتحللت عقده، وإن كانت وثيقة ولأتى عليه الزمان، أو بالحري لنفس من أمره شيء كثير عن الأمم ولاستبان منه مساغ للتحريف والتبديل من غال أو مبطل ولكانت عربيته الصريحه الخالصة عذرًا للعوام والمستعجمين في إحالته إلى أوضاعهم إذا ثبت لهم قدره على ذلك.
وليس يقول بهذا إلا ظنين قد انطوى صدره على غل واجتمع قلبه على داخلة مكروهة وإلا جاهل من طراز أولئك لا يستطيل نظره بتجربة ولا ينفذ بعلم، وإنما هو آخذ بذنب الرأي لا بوجهه ولكن بتوجه معه ولا يقبل به ولكن يدبر به الرأي.
стр. 135
إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة العربية فلا يزال أهله مستعربين به متميزين بهذه الجنسية حقيقة أو حكمًا حتى يتأذن الله بانقراض الخلق وطي هذا البسيط، ولولا هذه العربية التي حفظها القرآن على الناس وردهم إليها وأوجبها عليهم لما اطرد التاريخ الإسلامي ولا تراخت به الأيام إلى ما شاء الله ولما تماسكت أجزاء هذه الأمة ولا استقلت بها الوحدة الإسلامية، ثم لتلاحمت أسباب كثيرة بالمسلمين ونضب ما بينها فلم يبق إلا أن تستلحقهم الشعوب وتستلحقهم الأمم على وجه من الجنسية الطبيعية -لا السياسية- فلا تتبين من آثارهم بعد ذلك إلا ما يثبت عن طريق الماء إذا انساب الجدول في المحيط، على أنك لو اعترضت على من يهجن العربية ويزري على سبكها لرأيته أجهل الناس بتركيبها وحكمة اشتقاقها ووجوه تصريفها ثم لرأيت له غرة في تاريخ قومها فهو أن عرف منه شيئًا فقد تجرد من ثمرة المعرفة كان يحفظ طلاسم لا يتخبط فيها حتى يتخبطه الشيطان من المس، ثم ترى الآفة الكبرى أنه مستدرَج من حيث لا يعلم فهو يكافئ محبة لغة أجنبية أحكمها بعداوة لغته التي جهلها ويجزي منفعة تاريخ علمه بمضرة التاريخ الذي لم يعلمه والناس أعداء ما يجهلون.
٣٠ ربيع الثاني ١٣٣٠ (البيان)
* سياسة الجريدة ورئيسها لطفي السيد:
قال الدكتور محمد محمد حسين: أن الجريدة كانت تصور الاحتلال على أنه حقيقة واقعة، وترى أن الاعتراف بشرعيته لا تعني عدم وجوده ولا يقلل من سلطته أو نفوذه وقد دعا لطفي السيد إلى الولاء للثقافة الغربية والفكر الغربي وهاجم الحركة الوطنية وتأول تصرفات الاستعمار البريطاني وبرر وجوده في مصر وقدم مقاييس مختلفة عما كان يؤمن به التوجه الوطني والإسلامي في ذلك الوقت وأيد سعد زغلول في عدم تعليم العلوم باللغة
стр. 136
العربية وتعليمها باللغات الأجنبية، ودعا إلى مقاومة تعليم سواد الأمة وعارض الاتجاه إلى المجانية ومجد مزايا السياسة البريطانية ومدح اللورد كرومر عدو الوطنية المصرية، وقال عنه: أنه رجل من أعاظم الرجال.
هذا هو النهج الذي سارت عليه الجريدة لسان حال حزب الأمة.
قال الشيخ عبد العزيز جاويش: أما الجريدة فإنها منذ اليوم الأول لها وهي موالية للاحتلال على نحو فيه ذكاء وبراعة فهي تدعي أنها تمثل وجهة نظر أصحاب المصالح الحقيقية وهم أصحاب البيوتات والقصور وممثلو الطبقة الارستقراطية المصرية التي كونها كرومر وقدمت ولاءها للإنجليز وتؤمن الجريدة بأن الاحتلال أمر واقع لا سبيل لمقاومته ومن المصلحة الانتفاع بما يمكن الحصول عليه، ولكن المواقف المتوالية كانت تكشف تبعية الجريدة يومًا
بعد يوم، ولم يكن طيبًا من الجريدة على لسان لطفي السيد فيلسوف الحرية أن تؤيد عودة قانون المطبوعات ومن رأي جاويش أنها فعلت ذلك لأنها تعلم أنه لن ينفذ عليها:
"وفي الوقت الذي يدعو فيه الحزب الوطني إلى مجلس الأمة المنتخب الممثل للأمة يذهب لطفي السيد إلى أن (مجلس الشورى) الذي صنعه الإنجليز يصح أن يطلق عليه مجلس الأمة، ويقول جاويش في استهلال إحدى معاركه مع مدير الجريدة:
"إذا سألنا مدير الجريدة عن المجلس الممثل للأمة، ذلك المجلس الذي نطالب به ونلح في طلبه؛ لأننا الآن محرومون من مجلس يمثل الأمة تمثيلاً بكافة طبقاتها، وإذا جارينا مدير الجريدة في اعتبار مجلس الشورى ممثلاً للأمة لاعتبر أن كل ما تقرره كأنه صادر عن مجموعها وهذا ما لا يقول به أعضاء الشورى أنفسهم فأين هذه. القواعد التي يقررها الآن مدير الجريدة من مبدأ سلطة الأمة الذي ينادي به في كل حين، هل يتفق هذا المبدأ الشريف السامي
стр. 137
مع اعتباره مجلس الشورى بنظامه الحاضر ممثلاً للأمة أمام السلطة التنفيذية.
و (يلاحظ أن مجلس الشورى ليس مجلسًا منتخبًا على النحو البرلماني وليس رأيه ملزمًا للحكومة، وقد صنعه الإنجليز بعد أن ألغوا الدستور)، ثم يعرض جاويش لما ذكره لطفي السيد من وصف (مصطفى كامل) صاحب اللواء بأنه لا ينطق إلا بالكفر، وأن سياسة اللواء خرقاء وكتاباته عصبية ليست من العقل في شيء).
وقال جاويش: إذا كان ما تحتوي عليه خطبة الإسكندرية لمصطفى كامل كفرًا فالإيمان في مذهب "الجريدة" هو الرضا بالاحتلال وعدم المطالبة بالاستقلال وهل يمكن أن يقال. أن حزب الأمة متحد مع الحزب الوطني.
وأشار جاويش إلى موقف لطفي السيد من الذين هاجموا تكريم كرومر عند انتهاء مدة حكمه وحملة مصطفى كامل عليه إذ ذاك وقال جاويش:
"أنسيت حملته الصادقة على الجريدة عندما كانت تدعو القوم إلى إقامة احتفال باللورد كرومر وتنشر "في صحيفتك الجريدة هذه العبارة:
"ومما يذكر لجناب اللورد كرومر من علو الهمة والثبات على مبدأه أن كبار الأعيان طلبوا إليه أن يقدموا له هدية تذكارًا لشخصه يذكر به المصريون الذين أقام بينهم هذا الزمن الطويل، موفور القسط من الرفعة الذاتية والشمم وحسن اللقاء والحلم".
وردد جاويش في مجال تصوير الفرق بين مفاهيم الجريدة واللواء للوطنية قول مصطفى. كامل: "أن سياسة الجريدة تدلنا على أنها أشد الجرائد تعلقًا بالاحتلال وحسبنا قدحها فيمن استنكروا الاحتفال باللورد كرومر أعدى أعداء المصريين والطاعن على الإسلام والمسلمين (١٨/ ١١/١٩٠٧ اللواء) وأضاف جاويش: قوله ولا عجب من أن يكون مدير الجريدة هو الآلة الخاضعه لهذه السياسة.
стр. 138
وأشار جاويش إلى الفارق الواضح بين اتجاه الجريدة وحزب الأمة وبين اتجاه الحزب الوطني في موقف خطير، عندما هوجمت طرابلس الغرب فنهضت مصر كلها لتدافع عنها وتقدم لها الأموال والرجال والأسلحة لمقاومة الاحتلال الإيطالي الباطش، الذي كان يدمر السواحل الليبية جارة مصر، هنالك تصدى لطفي السيد للأمر فسخر من المصريين لموقفهم من طرابلس وقال:
ما لنا نحن وهذا الأمر، إن ما يحدث هناك لا يهم مصر ولا دخل لنا فيه ودعا إلى سياسة المنافع لا العواطف، ودعا الحكومة إلى محاكمة من يحملون لواء الدعوة إلى مساعدة طرابلس.
وقال جاويش: "لقد خسر الذين فتنتهم وساوس صدورهم، وأعمتهم عن الحق سخافات مكتشفاتهم، يحاولون أن يصرفوا الأمة المصرية الإسلامية عن تخفيف ويلات إخوانهم الذين أغارت عليهم دولة الخيانة والغدر، إخوانهم في الإنسانية.
إن مساعدة المصريين للدولة العثمانية مساعدة حربية أمر لا يصح معه اتهامهم بالتعصب.
أي مدير الجريدة، أي عدو نفسه، هل نقمت منا أن ندعو المسلمين لنجدة المسلمين، وأن نستنفر الموحدين لإغاثة الموحدين، فماذا كنت تريد، أن الأمر لم يزد على أعمال الإعانة، أعمدنا إلى السيوف فسللناها والى البنادق فصوبناها وإلى الرماح فشددناها؟!.
أي عدو بلاده، رأيت مصر العزيزة مشرفة على موسمها المالي، ثم رأيت بنظارتك كيف تجلب إليها الأموال من كل جانب فعز عليك أن تحسد ذا نعمة، وشق على نفسك أن يستفيد غيرك من أصحاب المزارع، ثم تعلم (ومثلك من تعلمه الفلسفة).
مكانك مكانك أيها الجبان فما لك بميادين تميتك صورتها وتصعقك
стр. 139
ذكراها إن لم تشأ فخير لك أن تحفر الأرض بأظافرك، وأن تتردى فيها ثم ارطم رأسك بالحجارة حتي يخرج من دماغك ذلك المخ الذي كان سبب شقائك وأصل بلائك".
وقد أخرجت مدرسة الجريدة جيلاً من الكتاب عرف فيما بعد بحزب الأحرار الدستوريين وانطوى تحت لوائه في هذه المفاهيم طه حسين ومحمد حسين هيكل ومحمود عزمي وعلي عبد الرازق، وقد تمددت هذه الأفكار في هؤلاء مقاومة للوحدة الإسلامية وللعروبة وقبول الاحتلال والتفاهم معه وقصر التعليم على أبناء البيوتات وحدهم والولاء للفكر الغربي والفلسفة اليونانية والديمقراطية الليبرالية الغربية.
* لطفي السيد وترجمة مؤلفات أرسطو:
رحم الله الشافعي إذ يقول: "إنما فسد العرب لما تركوا الفطرة واتبعوا
لسان أرسطوطاليس".
" لم يكن أرسطو معلمًا للمسلمين ".
يقول الأستاذ أنور الجندي:
كان الأستاذ أحمد لطفي السيد (أستاذ الجيل) هو أول من ترجم فلسفة أرسطو بترجمة كتاب "الأخلاق" إلى العربية عن الترجمة الفرنسية التي قام بها من اليونانية (بارتلي سلنهيار) كمنطلق لتيار جديد أراد به (التغريب) إدخال الفكر الفلسفي اليوناني إلى الأدب العربي الحديث من طريق شخصية لامعة مثل (أرسطوطاليس) وكانت تلك خطة خطيرة غاية الخطورة، ذلك أن العرب والمسلمون في العصر العباسي عندما ترجمت الفلسفة اليونانية رفضوا أرسطو وهاجموه، وكُشف زيفُ منهجه وأنشأوا المنهج العلمي التجريبي الذي تبناه روجر بيكون وكانَ أول خطوات الغرب نحو التجريد بعد التبعية لعصر التأمل الذي كان سمة الفكر الإغريقي، وهكذا نجد أن الغرب أخذ مَن
стр. 140
المسلمين المنهج التجريبي في أول عصر النهضة، ثم جاء فأعطى المسلمين منهج أرسطو في أول عصر النهضة العربية على يد لطفي السيد في مقدمة ترجمة كتاب "الأخلاق".
والسؤال هو: هل حقًا كان لطفي السيد أستاذ الجيل صادقًا فيما قال وفيما دعا إليه العرب والمسلمين من اتخاذ أرسطو منطلقًا إلى النهضة الجديدة، وقد مضت كتاباته وكتابات طه حسين وغيره من بعده دعوة ملحة إلى هذا الطريق. أم أن الأمر كان فيه شبهة وخدعة؟!.
وهل كان حقًا (أرسطو) هو منطلق الحضارة الغربية في عصر النهضة وما بعدها، أم أن أول عمل قامت به النهضة هو نقض أرسطو وتزييفه، والحملة على منهجه واعتبار منهجه هو عامل التجميد الذي عاش فيه الغرب معتقلاً قرونًا حتى جاء نور الفجر مع منهج التجريب الإسلامي الذي أطلق الطاقات إلى عصر العلم الحديث، ندع هذا للباحثين، لقد كان علماء المسلمين انطلاقًا من القرآن هم الذين أنشأوا المنهج العلمي التجريبي الذي كان أول حجر في بناء الحضارة والعلم بشهادة:
دراير وبريفولت وجوستاف لوبون في القديم، وسارتون وهونكه وغيرهم في العصر الحديث ومن أهم الكتب في هذا الشأن كتاب هونكه "شمس الله تشرق على الغرب" وكتاب "أوربا ولدت في آسيا".
إذن فلم يكن لطفي السيد صادقًا في دعواه ولم يكن عميد الأدب العربي طه حسين أمينًا حين نقل إلينا هذا المعنى، ذلك أن المسلمين نقدوا أرسطو أولاً (في القرن الرابع الهجري)، ثم جاء الأوربيون فنقدوه ورفضوه فى القرن (الخامس عشر الميلادى)، واستعملوا أسلوب المسلمين في نقده، والتمسوا منهج المسلمين الذي دفعهم إلى ذروة الحضارة والعلم والتكنولوجيا الآن.
стр. 141
إذن فلماذا هذا التعارض. يُسأل عن هذا الاستشراق والاستعمار، ذلك بأنهم على حد تعبير الدكتور محمود قاسم: نقلوا المسلمين إلى أرسطو ونقلوا أنفسهم إلى منهج المسلمين (جابر وابن الهيثم والبيروني).
ذلك أن أرسطو هو الذي سيضع المسلمين مرة أخرى داخل القوقعية المنطقية التأملية ويحرمهم من ثمرات منهج التجريب الذي أنشاه دعاة الغرب.
وهكذا نجد أن هذا المنطلق على يد لطفي السيد وطه حسين وجماعة من أتباعهم يتسع ويمتد حتى يقرر: أن العرب خضعوا لمنهج اليونان وأرسطو في القديم ولما كان الفكر الحديث هو ثمرة فكر اليونان فإن تبعية المسلمين والعرب له لا يعد شيئًا غريبًا ولا جديدًا؛ لأنهم كانوا تابعين لليونان من قبل فلا عجب أن يتبعوا ما جدده أحفاد اليونان، لم يكن أستاذ الجيل صادقًا إذن ولم يكن الدكتور طه حسين صادقًا في هذا، فإن المسلمين لم يقبلوا أرسطو ولم يعتنقوا فكر اليونان وإنما العكس هو الصحيح، ذلك أنهم قاوموه ونقدوه وأبانوا عن وجوه الخلاف العميق بينه وبين منطق القرآن وتصدى كثيرون منهم لهذا وفي مقدمتهم الشافعي وابن حنبل والغزالي وابن تيمية.
وقد أثبت الشيخ مصطفى عبد الرازق وأبو ريدة والنشار أن المنطق الأرسطوطاليسي هو منهج الحضارة والفكر اليوناني لم يقبل في المدارس العقلية الإسلامية، وأن المنهج التجريبي الإسلامي هو الذي عرفته أوربا بعد قرون من مطلع حضارتها الحديثة لمباينته للحضارة اليونانية، وأن اكتشاف وجود هذا المنهج لدى المسلمين يفسر روح الحضارة الإسلامية، فالحضارة الإسلامية حضارة عملية تجريبية تتجه إلى تحقيق الفعل الإنساني في ضوء نظرية حية ملموسة. كذلك، فقد كشفت الأبحاث المتعددة عن اضطراب خطير في المراجع التي اعتمد عليها الفارابي وباعتراف الدكتور محمد عبد الرحمن
стр. 142
مرحبا: "أن الفكر الذي نقل إلى المسلمين من اليونان والإغريق لم يكن صحيح الأصول بل كانت صورة زائفة دخلت عليها مفاهيم السريانية والنساطرة المترجمين وعقائدهم، وكانت تهدف إلى خدمة مفاهيم دينية، ومن هنا كان فسادها في أن تعطي الفكر الإسلامي شيئًا، ومن ناحية أخرى فقد تبين أن المقاومة للفلسفة اليونانية ومذهب أرسطو بالذات قد بدأت منذ أن تمت الترجمة، وأن المعارضة بدأت منذ اليوم الأول، ذلك أن الفكر الإسلامي كان قد تم تشكيله قبل الترجمة على أساس قيمه القرآنية من التوحيد والأخلاق، ومن الربط بين الوحي والعقل، ولذلك فإنه كان من العسير أن تنصهر فيه الفلسفة اليونانية أو ينصهر فيها، خاصة وهي فلسفة مجتمع وثني قام على العبودية وإعلاء الشهوات وعبادة الجسد فضلاً عن أن محاذير الترجمة من فساد وانتحال وتحريف نصوص وإن كانت طائفة من الفلاسفة أطلق عليهم اسم المشائين قاموا بمحاولة شاقة وعسيرة لإدخال الفلسفة اليونانية في إطار الإسلام ولكن المحاولة فشلت تمامًا، وكانت وقفة الإمام الغزالي في وجه الفلسفة اليونانية وقفة صارمة ردت السهم إلى صدور أصحابه فقد كشف عن الفرق بين الفلسفة الرياضية والطبيعية وبين الفلسفة الإلهية ورفض الأخيرة؛ لأنها متعارضة مع التوحيد وأعلن أن الكلام في الطبيعيات برهاني، أما في الإلهيات فهو تخميني. وفي الفلسفة الإلهية عارض الغزالي القضايا الكبرى الثلاث التي تقرها الفلسفة اليونانية وتختلف مع مفهوم الإسلام:
١ - ما يقولون به من قدم العالم.
٢ - وأن الله (جل وعلا) لا يحيط علمًا بالجزئيات.
٣ - وإنكارهم البعث، وهاجم الفلاسفة الذين جحدوا الصانع أو زعموا أن العالم قديم كالدهرية والزنادقة، والذين قالوا: أن النفس تموت ولا تعود ومن أنكروا الأخرة.
стр. 143
ويقول الدكتور النشار: أن المنطق الأرسطاليسي قد نقل إلى العالم الإسلامي وأثر فقط في المدرسة المشائية الإسلامية وبقيت المدارس الأخرى المنبثقة عن النظام الإسلامي بعيدة كل البعد عنه، تحاربه وتجاهده، وكانت قد وضعت منطقا مختلفًا تمام الأختلاف في روحه وجزئياته.
وقد وصل علماؤنا في مجال البحث من منهج أرسطو إلى حقيقة أساسية هي أن: منطق أرسطو يعبر تعبيرًا دقيقًا عن المجتمع اليوناني العبودي المنقسم إلى سادة يتأملون وعبيد يعملون، السادة هم الصورة والعبيد هم المادة، ولكن المجتمع الإسلامي يختلف عن المجتمع اليوناني اختلافًا كبيرًا تقوم دولته على الأخوة والمساواة وتنطلق من نقطة النظر في السموات والأرض والعمل والكسب والسعي والتجريب.
ومن هنا اختلف منهج المجتمع الإسلامي عن مجتمع اليونان من جملة جوانب أهمها:
التوحيد وإلغاء العبودية والممارسة في مجال العلم، وبذلك بدأ ذلك التعارض الواضح العميق بين مجتمع ومجتمع وفكر وفكر خرج الفكر الإسلامي من الطبقة الأرسطية التي ترى أن العلم لا يكون إلا بالكلي أما العلم الجزئي فليس علمًا، فتقدم الفكر الإسلامي فحطم هذه القاعدة.
وقد صور كثير من الباحثين أثر منهج أرسطو فوصفه الدكتور محمود قاسم بأنه كان منهجًا عقيمًا، وأنه ضلل كثيرًا من مفكري العرب، ثم وقف حائلاً دون ازدهار الحضارة العربية، ويرجع عقمه إلى أنه كان خلوًا من الخيال، وأنه كان أكثر اهتمامًا بالقضايا العامة المجردة منه لدراسة التفاصيل والجزئيات، يستدل على صدق دعوانا وتواضعها بتاريخ النهضة الأوربية، فإنها لم تتحرر من الجمود الذي فرضه عليها منهج اليونان إلا بعد أن عرفت مناهج العرب في العلم والفلسفة ولنا أن نستشهد برنيان نفسه، ذلك أنه
стр. 144
يصف (روجر بيكون) بأنه الأمير الحقيقي للفكر الأوربي في القرن الثالث، ويجب أن تعلم كيف جاءته إمارة الفكر، إذ ليس في هذا المجال خلق من العدم ومن اليسير أن نكتشف سر أصالته إذا نحن بينا أنه أول من نادى بمهاجمة المنهج الأرسطاطاليسي في أوربا ودعا إلى اصطناع نهج العرب فهو يأخذ على معاصريه بأنهم يصبون لعناتهم على الرياضة من أنه من الممكن أن يبرهن بالرياضة على كل ما هو ضروري لفهم الطبيعة ولولا الرياضة لاستحال علينا أن نعرف أشياء هذا العالم معرفة صحيحة تعود علينا بالنفع في الأمور الإنسانية والأمور الدينية أيضًا، كذلك يأخذ عليهم الانصراف عن استخدام الملاحظات والتجارب مع أن الطبيعة لا تكشف أسرارها إلا بدراسة الأمور الجزئية حتى تصعد بنا إلى القوانين الكلية".
وهكذا انتصر المنهج الإسلامي على المنهج الأرسطي وحطمه في عقر داره بعد أن حطمه في مجال الفكر الإسلامي نفسه.
فإذا أردنا أن نتبين فكر أرسطو وجدناه يقول بالنظام العبودي اليوناني ويرى أن (نظام الرق) هو أصلح نظام للبشرية وأن العبد إذا تحرر من عبوديته فهو عبد والأمير إذا استعبد فهو أمير، ومفهومه لله ﵎ ناقص وضال وماديته في التفكير بكونه أساس المذهب المادي واضح لا شبهة فيه، ولذلك فقد كان لا بد أن يصحح الفكر الإسلامي موقفه من أرسطو وفلسفته وخير ما يذكر في ذلك ما كتبه الإمام الجليل ابن تيمية في كتابه "منطق القرآن في مواجهة منطق أرسطو".
يقول أحد الباحثين: أن لطفي السيد هو أول من ضرب وحدة الفكر العربي الإسلامي وقسمه إلى تيارين: قومي وديني وسارت الأحزاب المصرية المنبثقة من حزب الأمة (الوفد، الأحرار الدستوريين) على نفس الطريق الذي رسمه كرومر ونفذه لطفي السيد، والذي كان سعد زغلول أكثر إيمانًا به، وقد
стр. 145
حمل لواءه سعد زغلول بعد ثورة ١٩١٩ واستطاع هذا الاتجاه أن يسيطر بعد الاستقلال وأن يمتلك نفوذ الحكم والسيطرة السياسية بينما وقف الاتجاه الإسلامي في حدود ضيقة وبرز من خلال الجمعيات الإسلامية والأزهر بعد أن انتشرت حركة التبشير في الجامعة الأمريكية وسقوط الخلافة، وظل مسيطرًا حتى أسلم نفسه لحركة يوليو التي عمقت خطر العلمانية تعميقًا كبيرًا، وفتحت الباب واسعًا أمام الماركسية اللينية.
* عبد العزيز فهمي الداعي إِلى استبدال العربية بالحروف اللاتينية:
صديق لطفي السيد ورفيق عمره، دعا إلى كتابة العربية بالحروف اللاتينية، ولدت دعوته ميتة، وتصدى له العلامة أحمد شاكر كما مرّ بنا.
* إِسماعيل مظهر ساهم في نقل الدارونية إِلى الشرق الإسلامي:
دعا إسماعيل مظهر إلى الارتماء في أحضان الغرب وأخذ حضارته دون وعي وتمييز. وكان ضمن ثلاثة أسهموا بصفة بارزة في نقل الدارونية إلى الشرق بطريق الترجمة المباشرة وبالدراسة المستفيضة في الصحف هم: شبلي شميل وسلامة موسى وإسماعيل مظهر (١)، والأولان نصرانيان أشهرا إلحادهما وكفرهما بكل دين (٢)، أما الأخير فمسلم الأصل إلا أنه كتب ما لا يتردد أحد في نسبة قائله إلى الكفر، وكان لكتبهم وأبحاثهم الأثر الكبير في جيلهم ومن تلاه.
وكتب إسماعيل مظهر في عدد مارس ١٩٢٨ م من مجلته مقالاً،