ليس هو فكر الترجمة في ذاتها بل الروح التجديدية التي تكمن وراءها (! ) فقد ترجم لافونتين إلى شعر سهل لا تصنّع فيه ولا رهق، إلا أنه حين ترجم ملاهي موليير كتبها بلهجة العامة في مصر، ولم يكن الوقت قد حان بعد للإقدام على مثل هذا العمل الجريء (! ) غير أن ما تجلى في تلك الخطوة من انفكاك تام من أسر الماضي كان دليلاً على روح العصر، قال الخديوي إسماعيل: "أن مصر أصبحت قطعة من أوروبا"، ولذا كان لا بد للأدب المصري من أن يعبر عن استقلاله عن التقاليد الآسيوية والإفريقية" (١).
* عبد الرحمن الكواكبي أول من نادى بفكرة العلمانية حسب مفهومها الأوربي الصريح:
يقول عبد الرحمن الكواكبي (ت ١٩٠٢): "يا قوم وأعني بكم الناطقين بالضاد من غير المسلمين أدعوكم إلى تناسي الإساءات والأحقاد، وما جناه الآباء والأجداد، فقد كفى ما فعل ذلك على أيدي المثيرين، وأجلكم من أن لا تهتدوا لوسائل الاتحاد وأنتم المتنورون السابقون. فهذه أمم أوستريا وأميركا قد هداها العلم لطرائق الاتحاد الوطني دون الديني، والوفاق الجنسي دون المذهبي، والارتباط السياسي دون الإداري .. ".
"دعونا ندبر حياتنا الدنيا، ونجعل الأديان تحكم الآخرة فقط (! ) دعونا نجتمع على كلمات سواء، ألا وهي فلتحيا الأمة، فليحيا الوطن، فلنحيا طلقاء أعزاء" (٢).
стр. 72
* وكم ذا بمصر من المبكيات .. واإِسلاماه أكبر مؤتمر للتبشير (التنصير) يعقد بمنزل أحمد عرابي!!! فليُعدَّ عرابي للسؤال جوابًا بين يدي الله ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾:
أُتسلم الأمة أزمة أمورها لمن لا يعرفون معنى الولاء والبراء وهل يُصدق مخبول أنه في بيت زعيم المصريين أحمد عرابي عُقد أول مؤتمر تنصيري لتغيير دين الأمة وهذا أمر متواتر يعلمه كل من قرأ التاريخ.
نزف البكاء دموع عينك فاستعر ... عينًا لغيرك دمعها مدرارُ
من ذا يعيرك عينه تبكي بها ... أرأيت عينًا للدموع تُعارُ
وما تزال بقلبي ألف مُبكية .. !!!!
تحت عنوان "مؤتمر القاهرة سنة ١٩٠٦" نقل الأستاذ محب الدين الخطيب إلينا الآتي:
"كان القسيس "زويمر" رئيس إرسالية التبشير العربية في البحرين أول من ابتكر فكرة عقد مؤتمر عام يجمع إرساليات التبشير البروتستانية للتفكير في مسألة نشر الإنجيل بين المسلمين. وفي سنة ١٩٠٦ أذاع اقتراحه وأبان الكيفية التي يكون بها، فوضعت هذه الفكرة على بساط البحث في (ميسور) من ولاية (أكرا) في الهند؛ لأن هذه الولاية ذات أهمية كبرى من حيث المسائل الإسلامية لوجود مدرسة (عليكر) هناك. ثم عرض الاقتراح على مؤتمر التبشير الذي ينعقد في مدينة (مدراس) الهندية كل عشر سنوات فأجاز عقده وأن اتخاذ الهند قاعدة لتأسيس النظامات الخاصة بتبشير المسلمين بالنصرانية أمر طبيعي وبديهي؛ لأن مسلمي الهند أخذوا على عاتقهم منذ القرن التاسع عشر تأييد السياسة الإنكليزية للتغلب على الهندوس.
ولما تقرر عقد المؤتمر شرع القسيس (زويمر) وزميل له يعدان المعدات لتأليف لجنة مؤقتة تضع برنامج مذكرات المؤتمر وتدعو المبشرين المنتشرين في
стр. 73
كل البلاد للاشتراك به وفي يوم ٤ من أبريل من سنة ١٩٠٦ افتتح المؤتمر في القاهرة في منزل عرابي باشا في باب اللوق وبلغ عدد مندوبي إرساليات التبشير ٦٢ بين رجال ونساء. وكان عدد منا ومندوبي إرساليات التبشير الأمريكية التي في الهند وسوريا والبلاد العثمانية وفارس ومصر واحدًا وعشرين ومندوبو إرساليات التبشير الإنكليزية خمسة واشتركت في المؤتمر الإرساليات الأسكتلندية والإنكليزية المنفردة والألمانية والهولندية والسويدية وإرسالية التبشير الدنمركية الموجودة في بلاد العرب.
انتخب القسيس (زويمر) رئيسًا للمؤتمر، وعين معه نائب رئيس وكتبة، وحددت أيام الجلسات.
وهذا برنامج المسائل التي تفاوضوا فيها:
ملخص إحصائي عن عدد المسلمين في العالم، الإسلام في أفريقية، الإسلام في السلطنة العثمانية، الإسلام في الهند، الإسلام في فارس، الإسلام في الملايو، الإسلام في الصين، النشرات التي ينبغي إذاعتها بين المسلمين المتنورين والمسلمين العوام، التنصر، الارتداد، وسائل إسعاف المتنصرين المضطهدين، شئون نسائية إسلامية، موضوعات تتعلق بتربية المبشرين والعلاقات بينهم وكيفية التعليم في الإسلام.
وهذه الموضوعات جمعت على حدة في كتاب كبير اسمه "وسائل التبشير بالنصرانية بين المسلمين" ثم صنف القسيس زويمر كتابًا جمع فيه بعض تقارير عن التبشير وسماه "العالم الإسلامي اليوم".
* وسائل لتبشير المسلمين بالنصرانية:
جمع هذا الكتاب ونشره القسيس (فلِمينغ) الأمريكي وكتب عليه هذه الكلمة "نشرة خاصة" بمعنى أنه طبع ليتنقل في أيدي فئة خاصة من رجال
стр. 74
التبشير لا ليطلع عليه كل الناس وقد ضمنه المباحث التي دارت في مؤتمر القاهرة واختتمه بنداءين استنهض بأحدهما همم رجال النصرانية ليجمعوا قواهم ويتضافروا بأعمال مشتركة وعمومية فيستولوا على أهم الأماكن الإسلامية. والنداء الثاني خاص بأعمال نسائية.
أما الفصل الأول من الكتاب فيبحث في الطريقة التي ينبغي انتهاجها في التبشير وعما إذا كان مفيدًا ضم إرساليات تبشير المسلمين إلى إرساليات تبشير الوثنيين، وفضل بقاءهما منفصلتين.
وفيه البحث أيضًا عما إذا كان الإله الذي يعبده المسلمون هو إله النصارى واليهود أم لا؟ وقد صرح (الدكتور لِبْسِيُوس) في مؤتمر القاهرة بأن إله الجميع واحد إلا أن القسيس زويمر خالفه في هذا الرأي فقال: إن المسلمين مهما يكونوا موحدين فإن تعريفهم لإلههم يختلف عن تعريف المسيحيين؛ لأن إله المسلمين ليس إله قداسة ومحبة ..
وفي الفصل الثاني والثالث بحث في الصعوبات التي تحول دون تبشير المسلمين العوام وذكر الوسائل التي يمكن استجلابهم بها وتحبيب المبشرين إليهم، وأهم هذه الوسائل العزف بالوسيقى الذي يميل إليه الشرقيون كثيرًا، وعرض مناظر الفانوس السحري عليهم وتأسيس الإرساليات الطبية بينهم، وأن يتعلم المبشرون لهجاتهم العامية واصطلاحاتها نظريًا وعمليًا، وأن يدرسوا القرآن ليقفوا على ما يحتويه، وأن يخاطبوا العوام المسلمين على قدر عقولهم ومستوى علمهم، ويجب أن تلقى الخطب عليهم بأصوات رخيمة وبفصاحة، وأن يخطب المبشر وهو جالس ليكون تأثيره أشد على السامعين، وأن لا تتخلل خطاباته كلمات أجنبية عنهم، وأن يبذل عناينه في اختيار الموضوعات، وأن يكون واقفًا على آيات القرآن والإنجيل عارفًا بمحل المناقشة، وأن يستعين قبل كل شيء بالروح القدس والحكمة الإلهية، ومن الضروري أن
стр. 75
يكون خبيرًا بالنفس الشرقية وأن يستعمل التشبيه والتمثيل أكثر مما يستعمل القواعد المنطقية التي لا يعرفها الشرقيون.
وختم المؤلف هذين الفصلين بأن أكثر المسلمين الذين تنصروا إنما هم من العامة والأميين.
وفي الفصل الرابع يأتي ذكر الصعوبات التي تقف في سبيل تبشير المسلمين المتنورين وهذه الصعوبات هي التي جعلت المؤتمر يترك المذاكرة في بادئ الأمر بمسألة التنصير، فخاض في البحث عن الوسائل التي يكون لها تأثير -ولو قليلاً- على الناشئة الإسلامية لتدرك الأمور الاجتماعية والخُلقية والأدبية.
وهنا قال سكرتير المؤتمر: إن الخطة العدائية التي انتهجها الشبان المسلمون المتعلمون اضطرت المبشرين في القطر المصري إلى محاولة إعادة ثقة الشبان المسلمين بهم، فصار هؤلاء المبشرون يلقون محاضرات في موضوعات اجتماعية وخلقية وتاريخية لا يستطردون فيها إلى مباحث الدين، رغبة في جلب قلوب المسلمين إليهم. وأنشاوا بعد ذلك في القاهرة مجلة أسببوعية اسمها (الشرق والغرب) افتتحوا فيها بابًا غير ديني يبحثون فيه بالشئون الاجتماعية والتاريخية، وأسسوا أبضا مكتبة لبيع الكتب بأثمان قليلة والغرض من ذلك استجلاب الزبائن ومحادثتهم في أثناء البيع.
وقد مضى على ذلك ثلاث سنوات تسنى فيها للمبشرين أن يتوصلوا إلى النتائج الآتية:
الأولى: أنهم عرفوا أحوال البلاد وأفكار المسلمين وشعورهم وعواطفهم وميولهم.
الثانية: أنهم حصلوا على ثقة عدد من المسلمين بهم.
الثالثة: أن المبشرين تحققوا أنهم بتظاهرهم في وداد المسلمين وميلهم إلى
стр. 76
ما تطمح إليه نفوسهم من الاستقلال السياسي والاجتماعي والنشأة القومية يمكنهم أن يدخلوا إلى قلوبهم.
وبناء على هذا ساعد المبشرون الشبان المسلمين فى تأسيس جمعية الغرض منها إيجاد صلة وتقرب بين الطبقة المتعلمة والطبقات المتعددة التي تتألف الأمة منها وإنماء روح الاتفاق هذه هي الطريقة التي استحسنها المبشرون بعد أن علموا أن الأمور التي يتذرعون بها وتكون صبغتها دينية لا ريب أن عاقبتها الفشل. ولكن المبشرين الذين هم على شيء من الجرأة يقولون إنهم سمعوا بعض المسلمين يشكون من الزواج في الإسلام وتعدد الزوجات وتربية المرأة وعدم وجود التسامح الديني.
وكل ما خاض فيه المؤتمر من هذه المباحث يختص بالمجهودات التي يبذلها المبشرون لتبشير الشبيبة الإسلامية التي تعلمت على الطريقة الأوربية وفي مدارس الحكومة وما يلقونه من الصعوبات والفشل في تنصيرها.
أما الذين تعلموا على الطريقة الشرقية في الأزهر وما يماثله فلم يتكلم أعضاء المؤتمر عنهم إلا بعض اقتراحات ونظريات: من ذلك أن أحد أعضاء المؤتمر أفاض في وصف ما للجامع الأزهر القديمم من النفوذ وإقبال الألوف عليه من الشبان المسلمين في كل أقطار العالم. وتساءل عن سر نفوذ هذا الجامع منذ ألف سنة إلى الآن ثم قال: إن السنيين من المسلمين رسخ في أذهانهم أن تعليم العربية في الجامع الأزهر متقن ومتين أكثر منه في غيره والمتخرجون في الأزهر معروفون بسعة الاطلاع على علوم الدين، وباب التعليم مفتوح في الأزهر لكل مشايخ الدنيا خصوصًا وأن أوقاف الأزهر الكثيرة تساعد على التعليم فيه مجانًا؛ لأن في استطاعته أن ينفق على ٢٥٠ أستاذًا. ثم تساءل عما إذا كان الازهر يتهدد كنيسة المسيح بالخطر، وعرض اقتراحًا يريد به إنشاء مدرسة جامعة نصرانية تقوم الكنيسة بنفقاقها وتكون
стр. 77
مشتركة بين كل الكنائس المسيحية في الدنيا على اختلاف مذاهبها لتتمكن من مزاحمة الأزهر بسهولة وتتكفل هذه المدرسة الجامعة بإتقان تعليم اللغة العربية.
ثم قال إن في الإمكان مباشرة هذا العمل في دائرة صغيرة وهي أن تخص أولاً بتعليم المسلمين المتنصرين وتربيتهم تربية إسلامية ليتمكن هؤلاء من القيام بخدم جليلة في تنصير المسلمين الآخرين.
وختم كلامه قائلاً: ربما كانت العزة الإلهية قد دعتنا إلى اختيار مصر مركز عمل لنا لنسرع بإنشاء هذا المعهد المسيحي. لتنصير الممالك الإسلامية.
وفي الباب الخامس ذكر المولف ما دار في المؤتمر عن النشرات التي ينبغي للمبشرين إذاعتها لتنصير المسلمين. وقد ظهر للمؤتمر أن التوراة مترجمة إلى معظم اللغات الإسلامية وأكثر لهجاتها، أما أدبيات التبشير ومؤلفاته فمترجمة إلى اللغات الإسلامية المهمة فقط.
وقد اقترح أحد المندوبين أن تراجع المؤلفات التي قدم عليهم العهد لإصلاحها واستخدامها في تبشير المسلمين المتنورين الذين اقتبسوا علومهم في المعاهد العصرية مثل مدرسة أكسفورد وبرلين، إلى وجوب تخفيف اللهجة في المجادلات الدينية.
وقال مندوب آخر: إن الحاجة الشديدة إلى نشر كتب في الموضوعات الدينية الآتية: أسماء وألقاب المسيح التي في الأناجيل، طبيعة الخطيئة الأصلية، ضرورة الغفران، الجنة وكيفية الحصول عليها، الروح القدس وأعماله، عقيدة سر التجسد، الإنسان فرد اجتماعي وخالقه ليس كذلك، وأن الإله الاجتماعي يشمل الثالوث، الشيطان وكيفية الخلاص منه.
* إِرساليات التبشير الطبية:
خاض المؤتمر بعد ذلك في مسالة إرساليات التبشير الطبية، فقام المستر
стр. 78
(هاربر) وأبان وجوب الإكثار من الإرساليات الطبية لأن رجالها يحتكون دائمًا بالجمهور ويكون لهم تأثير على المسلمين أكثر مما للمبشرين الآخرين. وهنا ذكر المستر هاربر حكاية طفلة مسلمة عني المبشرون بتمريضها في مستشفى مصر القديمة، ثم ألحقت بمدرسة البنات البروتستانية في باب اللوق، وكانت نهاية أمرها أن عرفت كيف تعتقد بالمسيح بالمعنى المعروف عند النصارى.
وذكر أيضًا عن رجل مسلم كان يحضر محاضرات المبشرين لإثارة الجلبة والضوضاء، واتفق أنه مرض فدخل مستشفى المبشرين وبعد أن لبث فيه مدة شفي وخرج منه فصار يحضر المحاضرات في هذه المرة، ولكن بخشوع زائد وبعد ذلك بقليل تعمد وأصبح نصرانيًّا على مذهب البروتستان.
ثم قام الدكتور أراهارس طبيب إرسالية التبشير في طرابلس الشام فقال: إنه قد مر عليه اثنان وثلاثون عامًا وهو في مهنته فلم يفشل إلا مرتين فقط وذلك عقب منع الحكومة العثمانية أو أحد الشيوخ لاثنين من زبائنه من الحضور إليه.
وأورد إحصاء لزبائنه فقال: إن ٦٨ في المائة منهم مسلمون ونصف هؤلاء من النساء وفي أول سنة مجيئه إلى حيث يبشر بلغ عدد زبائنه ١٧٥ وفي آخر سنة كان عددهم ٢٥٠٠ وختم كلامه قائلاً:
يجب على طبيب إرساليات التبشير أن لا ينسى ولا في لحظة واحدة أنه مبشرقبل كل شيء ثم هو طبيب بعد ذلك.
وقام بعده الدكتور تمباني وذكر الصعوبات التي يلقاها الطبيب في التوفيق بين مهنتي التبشير والطب كما حدث معه هو. إلا أن ما بذله من المجهودات قد أعانه على النجاح حتى تمكن من تأسيس مستشفى التبشير من طريق الاكتتابات. وكان أول مكتتب لهذا المستشفى التبشيري رجلاً مسلمًا.
وخطب الأستاذ سمبسون بعد ذلك -في بيان فضل الإرساليات
стр. 79
الطبية- ومما قاله: إن المرضى والذين ينازعهم الموت بوجه خاص لا بد لهم من مراجعة الطبيب وحسن أن يكون هذا الطبيب (المبشر) في جانب المريض عندما يكون في حالة الاحتضار التي لا بد أن يبلغها كل واحد من أفراد البشر.
ثم خطبت المس (أناوستون) فتكلمت عن إرسالية التبشير الطبية في مدينة طنطا قائلة: إن ٣٠ في المائة من الذين يعالجون في مستشفى هذه الإرسالية هم من الفلاحين المسلمين وأكثرهم من النساء. أما طريقة التبشير في هذا المستشفى فهي أن يذكر الإنجيل للمرضى بأسلوب بسيط لا يدعو إلى التطرف في المناقشة إذ المستشفى يجمع بين جدرانه نساء ورجالاً.
* الأعمال النسائية في التبشير:
كان لهذا الموضوع اهتمام كبير من أعضاء المؤتمر؛ لأنه خاص بنصف مسلمي العالم فقالت المس (ولسون): إن النساء المبشرات يستعن في الهند بالمدارس وبالعيادات الطبية وزيارة قرى الفلاحين لينشرن النصرانية، بين طبقات الناس.
وخطبت المس (هلداي) في حث المبشرين على الرفق بالمرأة المسلمة.
وتناوبت السيدات المبشرات الخطابة في أخبار نجاحهن في المناطق التي انتدبن للتبشير فيها. فقالت إحداهن: إن المسلمات الفارسيات يظهرن ميلاً شديدًا للعلم بالرغم من جهلهن باتساع نطاقه وهن يعتقدن أن الذي يعرف جغرافية البلاد نابغة. ولقصة الابن المسرف التي في الإنجيل وللمزمار الحادي والخمسين تأثير شديد على النفس المسلمة.
وقالت مبشرة أخرى إن مدرسة البنات البروتستانية التي في الخرطوم فيها من ٨٠ إلى ٩٠ تلميذة مسلمة ولأهلهن الحرية في السماح لهن بقراءة
стр. 80
العهد الجديد (الإنجيل وذيوله) أو في منعهن من ذلك إلا أن المدرسة في هذه السنة لم يرد عليها طلب استثناء واحدة من التلميذات من قراءة الإنجيل.
وانتقل المؤتمر بعد ذلك إلى موضوع تربية النساء اللاتي يتطوعن للتبشير.
* المتنصرون والمرتدون:
تساءل القس (جون فان ايس) عن الأركان التي يشترط توافرها في الشخص المتنصر أو النصراني الشرقي الذي يدخل في المذهب البروتستاني.
وبعد أن بحث في ذلك قال: إن المحبة التي يعرفها نصارى الشرق تشوبها نزعة الاعتقاد بالقضاء والقدر وعقيدة الشرقيين عمومًا ضرب من الخرافات وإن تكن مبادئ الإيمان موجودة لديهم جميعًا.
ثم تساءل عما إذا كان المسلم المتنصر أهل لنشر النصرانية وأجاب على ذلك بأن هذا الأمر هو محك إخلاصه؛ لأن نشر الدعوة أمر تقتضيه روح الإسلام وبهذا كان الإسلام دين دعوة وتبشير وكم بالحري لو انتفعنا بهذه المزية وأدخلناها في النصرانية.
وتناقش المؤتمر بعد ذلك بشأن المتنصرين المضطهدين ووسائل استخدام المخلصين منهم وإدخال الأطفال الذين اعتنقوا المذهب البروتستاني في المدارس العادية والصناعية.
* شروط التعمد:
بسط القسيس (جصب) القول في هذا البحث وسأل عن الشروط التي يجب أن تتوفر في المسلم المتنصر ليكون أهلاً للتعميد، ثم قال: إن المبشرين الكاثوليك يعمدون الناس ليجعلوهم مسيحيين أما نحن فنعمدهم لأنهم مسيحيون. وذكر بعد ذلك أيام التجربة والمعلومات الدينية التي يجب على
стр. 81
المتنصر معرفتها وبحث فيما إذا كان يحق له أن يتلقى سر التناول.
واستطرد المؤتمر إلى مسألة تعدد الزوجات عند المسلمين، وعن موقف المرأة التي تعمد زوجها هل يفرق الإسلام بينها وبينه أم لا؟ وعما إذا كان يجوز للمتنصر أن يتزوج ثانية أم لا؟ فتقرر أن هذه المسائل عويصة وقد سبق الخوض فيها في مؤتمر (لمبث) سنة ١٨٨٨ م.
وأن الظروف تقضي باعتبار المسلم المتنصر وهو ذو زوجات متعددة بأنه تحت تجربة إلا إذا كان تنصره في ساعة الاحتضار. أما هذه المسائل نفسها فقد تركت بدون حل.
كيف يتقرب المسلمون؟
خطب القسيس (هاريك) في هذا الموضوع فعرض على المؤتمر نتيجة أبحاثه التي أجراها في بلاد السلطنة العثمانية فمنها أنه عرف أن لا فائدة لطريقة المناظرة والجدل التي وضعها الدكتور (بفندر) المبشر ولم يكن من نتائجها غير وقوف الحكومة العثمانية في وجه المبشرين والذين ينتمون إليهم.
أما ترجمة الإنجيل وكتب التبشير إلى اللغة التركية بدون مناقشة ومجادلة فكانت أكثر فائدة وأعم نفعًا وقد تبين أنه بمجرد اشتراء المسلمين لهذه الكتب ومطالعتها لها صارت تتبدد أوهامهم القديمة. ثم قال: إن الجدل والمناظرة يبعدان المحبة التي لها وقع كبير على قلوب الأغيار وتأثير عظيم في نشر النصرانية فالمحبة والمجاملة هما آلة المبشر لأن طريق الاعتقاد غايته دائمًا هو قلب الإنسان. وقال بعد ذلك: يرى بعضهم أن الموازنة بين حياة وأخلاق الأمم النصرانية وحياة وأخلاق الأمم الإسلامية تنتج دائمًا رجحان النصرانية على الإسلام.
وأنا أيضًا أوافق على رأي هؤلاء ولكن من الوجهة المادية. وفي هذه الأيام نجد جمهورًا عظيمًا من متنوري المسلمين يرغب في المناظرة والجدل.
стр. 82
والعثمانيون يشيرون بازدراء إلى ما حدث في بلاد الروس النصرانية في السنة الماضية خصوصًا في أوربا "يريد اضطهاد نصارى روسيا ليهودها"، ويقولون لنا هذه هي نصرانيتكم وأنتم الذين كنتم قبل زمن قليل تتهموننا بلا شفقة بأنا أرقنا قليلا من الدماء أثناء استغلالنا بقمع فتنة .. وعلق القسيس على ذلك بوجوب تحلي حياة المبشر بمبدأ المسيحية قبل أن يُعنى بالأمور النظرية كيما يظهر للمسلم أن النصرانية ليست عقيدة دينية ولا دستورا سياسيًّا بل هي الحياة كلها. وأنها تحب العدل والطهر وتمقت الظلم والباطل: نفتح للمسلم مدارسنا ونتلقاه في مستشفياتنا ونعرض عليه محاسن لغتنا ثم نقف أمامه منتظرين النتيجة بصبر وتعلق بأهداف الأمل إذ المسلم هو الذي امتاز بين الشعوب الشرقية بالاستقامة والشعور بالمحبة ومعرفة الجميل.
بهذه الطريقة فقط يمكن للمبشر أن يدخل إلى قلوب المسلمين ولو أن أحدًا أظهر لنا شغفًا وميلاً عظيمًا إلى طرد كل العثمانيين من أوربا ومن وجه الأرض كلها يجب أن نجيبه قائلين بل سنتحد إن شاء الله مع العثمانين وندعوهم بكل إخلاص للاشتراك معنا في اقتباس أنوار النصرانية.
* موضوعات تبشيرية:
خاض المؤتمر بعد إتمامه الموضوع السابق في موضوعات كثيرة منها كيفية عرض العقيدة النصرانية والمناظرة فيها والوسائل التي يجدر التذرع بها لنشر مبادئها والاحتكاك بالنفوس الإسلامية والوقوف أمام صبغة الإسلام والصفات التي ينبغي أن يتصف بها مبشر المسلمين بالنصرانية والإنجيل.
ثم قام القسيس (ثرونتن) وعرض على المؤتمر هذه النظريات الأولية:
ا- الشعب البسيط يلزمه إنجيل بسيط.
٢ - الشرق سئم المجادلات الدينية.
٣ - الشرق يحتاج إلى دين خلقي روحي.
стр. 83
واستنتج من هذه النظريات الأولية القواعد الآتية:
١ - يجب أن لا نثير نزاعًا مع مسلم.
٢ - يجب أن لا يحرض المسلم على الموافقة والتسليم بمبادئ النصرانية إلا عرضًا وبعد أن يشعر المبشر بأن الشروط الطبيعية والعقلية والروحية قد توفرت في ذلك المسلم.
٣ - إذا حدث سوء تفاهم حول الدين المسيحي أن يزال في الحال ولو أفضى الأمر إلى المناقشة.
أما (لفروا) أسقف مدينة لاهور فيرى أن المبشر الذي يُعِدُّ نفسه لمجادلة المسلمين في أمور الدين يجب أن تتفوق فيه الصفات الخلقية والاستقامة التامة على المزايا العقلية، وأن يكون مقتنعًا بصحة البراهين التي يحتج بها وأن يكون صحيح المجاملة وأن يضع الأمل بالفوز على خصمه نصب عينية ويحاول حمل خصمه على الرضوخ للحقيقة. وهذا الأسقف يستنكر قسوة التعاليم القديمة ويرى أنها كانت ترمي إلى التغلب على العدو لا إلى اكتساب مودته. ثم قال: ويظهر لي أن كثيرًا من إخواننا المبشرين يريدون أن يبشروا الناس برشقهم بالحجارة لا بعرض الحقيقة عليهم. نعم إن هذه الطريقة قد تفيد ولكني أشك في موافقتها للتبشير وبما ينتج عنها من الحالات النفسية.
وختم كلامه قائلاً: يحب على المبشر أن يتذرع بالصبر والسكينة وأن يكون حاكمًا على عواطفه إلى الغاية القصوى. وأن لا يخالج نفسه أقل ريب في أنه هو الذي سيفوز.
وهذا كان آخر مناقشات المؤتمر. ثم قام القسيس زويمر رئيس المؤتمر وقال:
إن انعقاد هذا المؤتمر كان بالتقريب نتيجة لأعمال (شبان التبشير
стр. 84
المتطوعين) أما البحث في أحوال العالم الإسلامي وتبشيره بالنصرانية فقد سبق الخوض فيه في مؤتمر كلفلند. وهذه الخريطة التي نراها أمامنا الآن موسوعة باسم "خريطة تنصير العالم الإسلامي في هذا العصر"، قد بعثت الأمل في قلوب ألوف من الطلبة في مؤتمر (ناشفيل) الذي انعقد في شهر فبراير (شباط) الماضي والتبشير متوقف على وجود زمرة من المبشرين المتطوعين الذين يقفون حياتهم ويضحونها في هذا السبيل، ثم ختم كلامه راجيًا أن يكون لندائه صدى في المدارس الجامعة في أوربا وأمريكا" (١).
"ومن الأمور العجيبة في ذلك العهد أن (أحمد عرابي) الذي اكتوى بخيانة الصليبيين أثناء الحملة على الحبشة، ورأى تآمرهم وغدرهم، يقع في شراكهم، وينخدع بهم، ولنستمع له عندما عين وكيلاً لنظارة الجهادية حيث يقول: "ولما استلمت منصبي الجديد كثر توارد المتظلمين عليَّ من أرجاء البلاد .. في تلك المدة حضر إلى منزلي الرجل المتفاني في حب الحق والعدل والحرية!!، محب الشرقيين عمومًا والمصريين خصوصًا!!! (المستر ولفرن سكاون بلانت)، وكان معه صاحبه العلامة (القس الصابرنجي) صاحب جرنال النحلة، وعرض علي قبول صداقته لي فقبلت منه ذلك، فمد يده إلي ومددت يدي إليه، وتصافحنا وتعاقدنا على الصداقة والإخلاص.
وكنت أظن أننا بواسطته وبفخامة مركزه في قومه، وشدة غيرته على الحرية نتمكن من تذليل الصعوبات التي يلقيها قناصل الإنجليز في طريق حريتنا ونجاح بلادنا بدعوى الإنسانية والعدل والإنصاف بين الأمم والشعوب، وهذا ما يدعيه الغربيون زورًا وتضليلاً دائمًا وهي كلمات محبوبة يدسون بها السم في الدسم ليتمكنوا من الاستيلاء على مشارق الأرض ومغاربها طمعًا
стр. 85
وجشعًا. وكذلك حضر لزيارتنا كاتم أسرار ملكة الإنجليز محب الحرية (السير وليم جريجري) الرجل الإرلندي الذي كان قد تولى حكومة جزيرة سيلان مرتين إجابة لرغبة أهل تلك البلاد" (١).
فوا عجبًا متى كان الصليبيون والقساوسة متفانين في حب الحق والعدل والحرية، عاشقين للشرقيين عمومًا، وللمصريين خصوصًا. وغريب أمر هذا الرجل .. فهل كل من يهرع إلى مكتبه أو يزوره في بيته يكون محبًا للحرية والعدل حتى ولو كان أمينًا لأسرار ملكة بريطانيا!!.
والحقيقة التي يؤسف لها أن "القائد أحمد عرابي" الذي قاد الثورة الشعبية ضد الإنجليز و (الخديوي توفيق) عام ١٨٨٢ م كان في الواقع بعيدًا عن عقيدة أهل السنة والجماعة، جاهلاً لكثير من قضاياها المهمة التي على رأسها عقيدة الولاء والبراء والتي أجزم أنه لم يع معناها أبدًا.
بالإضافة إلى عدم وضوح المنهج وصفاء الرؤية، واعتقاده الساذج أنه يمكن أن يستغل علاقاته بهؤلاء الماكرين في إزالة الصعوبات التي كان يضعها الإنجليز في طريق حرية البلاد واستقلالها.
هذا الخلل الخطير في شخصية الزعيم (أحمد عرابي) كان من الأسباب الخطيرة في انهزام الجيش المصري، وانتصار الجيش البريطاني بكل سهولة.
فحين احتل الإنجليز الإسكندرية عزم عرابي على ردم مدخل القناة ليمنع الأسطول الإنجليزي من إنزال جنوده في الجبهة الشرقية، ولكن المستر ديلسبس أثناه عن عمله هذا، ووعده بمنع الأسطول من المرور في القنال
стр. 86
اعتمادًا على حيادها (١).
ولكن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، وخدع بها القائد (عرابي) وعبر الأسطول الإنجليزي قناة السويس ليطوق البلاد من الشرق والغرب، وتقع الكارثة، ويجثم الاحتلال الإنجليزي على صدر مصر قرابة السبعين عامًا.
حقًّا إنها مأساة متكررة، فكم رزئت الأمة بأعداد من الحكام والقواد الذين لم يكونوا جديرين ومؤهلين لقيادتها، ومع إخلاص بعضهم إلى أن جهلهم بالعقيدة الصحيحة كان سببًا في إخفاق إخلاصهم، ونكبة أممهم وشعوبهم، ومن هؤلاء القائد (أحمد عرابي) الذي تصدى لقيادة الثورة والجهاد، وخلفه جموع الأمة وعلماؤها، ولكنه كان غير خليق بالقيادة بسبب ما ذكرنا (٢).
"وهذه الثورة العرابية لو قُدِّر لها أن تنجح فربما كانت سبقت مصطفى كمال أتاتورك بأشياء كثيرة فها هو محمود سامي البارودي أحد زعمائها يقول:
"كنا نرمي منذ بداية حركتنا إلى قلب مصر جمهورية مثل سويسرا، ولكنا وجدنا العلماء لم يستعدوا لهذه الدعوة؛ لأنهم كانوا متأخرين عن زمنهم، ومع ذلك فسنجتهد في جعل مصر جمهورية قبل أن نموت" (٣).
стр. 87
* أحمد عرابي والماسون:
"أنشأ الأفغاني في الإسكندرية "جمعية مصر الفتاة"، ولم يكن فيها مصري حقيقي واحد، وإنما كان أغلب أعضائها من شباب اليهود .. ! كانت هذه الجمعية سرية وكان لها صحيفة تنطق باسمها هي صحيفة "مصر الفتاة" ذكر ذلك الشيخ محمد عبده في كتابه "أسباب الحوادث العرابية" (١).
ويظهر أنهم كانوا من الأتراك النازحين؛ لأنه كان معروفًا عن الأتراك المعادين لسياسة السلطان عبد الحميد أنهم يهربون إلى مصر، وإلا فما معنى قول الشيخ محمد عبده: "لم يكن فيها مصري واحد". وقد كان لهذه الجمعية دور خطير في إدارة ثورة عرابي، وهذا ما يجعلنا نشك في إخلاص أحمد عرابي في ثورته، خاصة وأنه ثبت أنه ماسوني. ورغم أن هذه الجمعية تأسست في الإسكندرية، إلا أنه أصبح لها فروع في مختلف المدن المصرية، وكانت هذه الجمعية أشبه ما تكون بجمعية تركيا الفتاة، التي حركت الثورة ضد السلطان عبد الحميد وانتهت بخلعه.
وهنا يعلق الدكتور محمد حسين على التشابه بين هاتين الجمعيتين فيقول: "هذا التشابه بين الاسمين وبين الأهداف الثورية لكل منهما، مع الاتفاق الزمني؛ لأن مؤسس تركيا الفتاة على ما هو معروف هو مدحت المعاصر للثورة العرابية، يوحي بوجود صلة ويؤيد وجود هذه الصلة أن عدداً كبيرا من أعضاء الحزبين التركي والمصري كانوا من الماسون، وأن الحزبين كليهما كانا متأثرين بمبادئ الثورة الفرنسية التي كان بعض زعمائها ومفكريها من الماسون أيضًا" (٢). إذن لا بد أن تكون جذور هذين الحزبين واحدة، ولا
стр. 88
يستبعد أن تكون الماسونية هي التي أوعزت إلى جمال الدين الأفغاني بتشكيل هذا الحزب أو الجمعية.
والذي يؤيد القول بأن هذه الجمعية كانت وراء ثورة عرابي وأن للماسونية الدور الأكبر في أمثال هذه الجمعيات السرية التي لا يعرف أعضاؤها ومحركوها ما جاء في البحوث التي نشرتها الجامعة الأمريكية في بيروت إذ تقول: " .. ويكفي أن نقول: أنه كان للماسونية دور كبير في هذه الجمعيات لم يكشف بعد، ولم توضح جوانبه الخفية .. ونحن نعلم أن الجمعيات الماسونية وعلى رأسها مكالييري اليوناني، قامت بدور كبير في حركة الانتفاض على حكم عبد الحميد في تركيا.
وأحب أن أشير أيضًا إلى تأثر بعض هذه الجمعيات بتنظيم جمعيات الكاربوناري كما كان الأمر في "جمعية مصر الفتاة" التي نظمها عدد من يهود الإسكندرية بالاشتراك مع بعض المثقفين المصريين على غرار جمعيات الكاربوناري، وفي الجمعيات السرية في العهد الحميدي" (١). من هذا تفهم أن جمعية مصر الفتاة هي صورة مصغرة عن جمعية تركيا الفتاة، وكلاهما يعملان سرًا بأوامر الماسونية اليهودية العالمية" (٢).
* الثعلب والجاسوس البريطاني "بلنت" تنبّه له مصطفى كامل وصادقه أحمد عرابي !!
هناك صداقة مريبة جمعت بين بلنت وكل من الأفغاني ومحمد عبده وأحمد عرابي، وكان بلنت من أشد الناس تفانيًا في خدمة مصالح الإنجليز رغم أنه يتظاهر بصداقته للشرق المتمثل بالشعوب التابعة لتركيا، وبعدائه
стр. 89
للحكومات البريطانية، بل كان أحيانا يتظاهر بالدفاع عن قضايا الشعوب الشرقية ويقف بجانبهم، كما وقف بجانب عر بي ودافع عنه بعد أسره، كان هذا نوعًا من الدهاء والحنكة الإنجليزية.
بلنت واضع كتاب "مستقبل الإسلام " الذي يدعو فيه إلى هدم الخلافة الإسلامية بنقلها من السلاطين العثمانيين إلى العرب الضعفاء، ويدعو إلى الاعتماد على الإنجليز في إقامة خلافة إسلامية قوية. بلنت كان على صلة بزعماء الثورة العرابية التي انتهت باحتلال مصر من قبل قومه (١).
بلنت شجع عرابي على الثورة، وهو يعلم أنه ضعيف لا يستطيع الوقوف أمام جيوش الاحتلال، وهو الذي زين لعرابي الحكم الجمهوري الذي قام من أجل تحقيقه، ووقف أمام الخديوي يطالب بالتخلي عن السلطة، ففي خطاب عرابي إلى صديقه بلنت يقول: "ثم خلع إسماعيل فزال عنا عبء ثقيل، ولكنا لو كنا نحن قد فعلنا بأنفسنا لكنا تخلصنا من أسرة محمد علي بأجمعها، ولم يكن فيها أحد جدير بالحكم سوى سعيد، وكنا عندئذ أعلنا الجمهورية" (٢).
بلنت أودى بصاحبه عرابي وثورته وبلاده في الهاوية، ومع ذلك لم يفطن عرابي لخطره بل بقي على صداقته له بعد ذلك، وتولى بلنت الدفاع عنه بعد أسره ومحاكمتة (٣).
يقول الدكتور محمد محمد حسين واصفًا بلنت: "والمستر بلنت كان غريبًا جدًا في تصريحاته، كان لا يفتر عن التنقل بين مضارب الأعراب في مصر وفي سوريا وفي نجد، يدعو المصريين إلى الثورة، ويتكلم بعد وقوعها
стр. 90
باسم عرابي، ويقدم صورًا مضللة عن صفته الرسمية وقدرته السياسية" (١)، ولذا فقد لفت أنظار الكثيرين، ممن درس حياة جمال الدين الأفغاني، هذه الصداقة الحميمة لهذا الثعلب والجاسوس البريطاني، الذي تنبه له مصطفى كامل وغفل عنه جمال الدين.
وكان الدكتور محمد محمد حسين قد شعر بهذه الصلة المشبوهة بين جمال الدين وبلنت فراح يتساءل ويقول: "وفيم كانت صلة الأفغاني بهذا الرجل بلنت، ينزل ضيفًا عليه عندما زار انجلترا؟ ويكتب إلى محمد عبده من بورسعيد وهو في طريقه إليها يطلب إليه أن يكون رده بعنوان المستر بلنت .. " (٢).
وكان جمال الدين يحكي أفكار بلنت في مسألة الخلافة، فقد دعا المستر بلنت المسلمين في كتابها مستقبل الإسلام" إلى نقل الخلافة من العثمانيين إلى العرب (٣). وكذلك جمال الدين كان يدعو إلى وضع الشريف حسين خليفة المسلمين بدلاً من السلطان عبد الحميد الثاني (٤). وهذا يؤكد صحة قول السلطان عبد الحميد بأنهما اتفقا في وزارة خارجية بريطانية على هدم الخلافة العثمانية. ثم إن بلنت هذا رجل ملحد لا يؤمن بدين ولا شريعة، فهل يصح لمسلم مؤمن بالله واليوم الآخر أن يصادق رجلاً ملحدًا، يقول الدكتور محمد محمد حسين: "بلنت كان من المتحررين الذين لا يؤمنون بالمسيحية، ولا يحسنون الظن بالكنيسة الكاثوليكية" (٥).
стр. 91
والغريب أنه كان له اتصال وثيق بجميع من اشتغلوا بالمسألة المصرية من المصريين والأجانب منذ عهد عرابي إلى أن مات (١). فقد صادق محمد عبده وبقي يراسله وينشر أفكاره حتى بعد موت جمال الدين الأفغاني، فهو الذي توسط لدى المعتمد البريطاني كرومر، بعد احتلال مصر على أثر ثورة عرابي وطرد محمد عبده من مصر، على إعادة الشيخ محمد عبده إلى مصر (٢). ولما عاد محمد عبده إلى مصر كان أول هدف له هو ترك السياسة ومجانبة الخصام مع الحكومة البريطانية.
وقد قال اللورد كرومر نفسه في كتابه "مصر الحديثة": "إن العفو صدر عن الشيخ محمد عبده بسبب الضغط البريطاني" (٣).
وأعجب من هذا أن تجد بعض المؤرخين المغفلين يقول: بأن بلنت كان رجلاً أرستقراطيًّا وثريًا، وكان يحب العرب والشرق ويدافع عن قضاياهم ويعطف على ثوراتهم وقادتهم ومفكريهم، منهم جمال الدين الأفغاني وأحمد عرابي ومحمد عبده وغيرهم، وكذا كانت صداقته لهم شريفة!! (٤).
ويقول الشيخ محمد الجنبيهي وهو من علماء الأزهر المعروفين بالصلاح والتقوى في كتابه "بلايا بُوزا" يعارض فكر طه حسين ومحمد عبده: يقول الجنبيهي في صلة محمد عبده باللورد كرومر وبالمستر بلنت "لما شرعت القوة البريطانية في نفي الخونة العرابيين، ذلك النفي الصوري، كان
стр. 92
نفي ابن عبده الغرابلي في البلاد الشامية وحده ليفتن فيها من أراد الله فتنته.
فلما انقضت مدة النفي، ورجع إلى الديار المصرية، كانت ثقة اللورد كرومر به أكبر ثقة. فسكن في "منشية الصدر" بعيدًا عن عيون الرقباء وكانت الواسطة بينه وبين اللورد رجلاً إنكليزيًا اسمه "بلنت" .. " (١).
يقول الدكتور محمد محمد حسين في كتابه "الإسلام والحضارة العربية" (ص ٩٤) بالهامش "يرى المؤلف (٢) أن عرابي كان خائنًا، وأنه كان يمثل الجناح الحربي في مدرسة الأفغاني، بينما كان محمد عبده يمثل الجناح الفكري، ويستدل على ذلك بصلتهما المشتركة وصلة أستاذهما الأفغاني من قبل بالمستر بلنت، الذي كان يعمل على تمزيق الدولة الإسلامية. فالمستر بلنت -كما هو معروف- هو الذي تولى الدفاع عن عرابي في محاكمته، وهو الذي أصدر بيانًا باسم الثورة العرابية نشره في جريدة التيمز، يصف فيه الحزب الوطني الذي أعد للثورة بأنه "حزب سياسي لا ديني" "الاتجاهات الوطنية" (١/ ١٥٤).
* موقف محمد الهدي السنوسي شيخ السنوسيين من الحركة العرابية:
لم يقتنع المهدي السنوسي بجدوى الثورة، كأسلوب لتحقيق مطالب عرابي؛ لأنها تتيح للأجانب التدخل، وقد وضح هذا الرأي في رسالة بعث بها محمد الشريف أخو المهدي إلى الشيخ مصطفى المحجون شيخ زاوية الطيلمون بتاريخ شعبان ١٣٠٦ هـ بمناسبة قيام إحدى قبائل برقة بالعصيان على الدولة العثمانية، إذ قال فيها: "ونرجو أن تكون الفتنة التي بالوطن قد طُفئت؛ لأنها مخيفة سيئة العاقبة، تشبه الفتنة العرابية التي من أجلها حلّ
стр. 93
بالوطن الشرقي وأهله ما حلّ؛ لأنهم يحركونها ويعجزون عنها فتكون العاقبة التسليم للأجانب، فلو أنهم سلكوا طريقًا غير هذا لكان أسهل وآمن عاقبة ولسوف تكشف الأيام الكثير عن خبايا الثورة العرابية" (١).
* جمال الدين الأسد آبادي المشهور بالأفغاني:
لقد قدّمنا صفحات كثيرة من الفكر المشبوه لهذا الرجل ورئاسته للمحفل الماسوني "كوكب الشرق" وعضوية محمد عبده فيه كما يؤكد ذلك الشيخ محمد رشيد رضا (٢)، واعتناقه لفكر وحدة الوجود.
وقد تعرضنا وسنتعرض لفكره بإسهاب في المدرسة العقلية وكتابات الدكتور محمد محمد حسين ونزيد هنا بمحاولته وتلاميذه - وهي المحاولة الأولى في التاريخ الإسلامي للتقريب بين الإسلام والمذاهب البشرية الوضعية، فهو يقول عن الاشتراكية:
"وهكذا دعوى الاشتراكية .. وإن قل نصراؤها اليوم فلا بد أن تسود في العالم يوم يعم فيه العلم الصحيح ويعرف الإنسان أنه وأخاه من طين واحد أو نسمة واحدة وأن التفاضل إنما يكون بالأنفع من المسعى للمجموع".
ويقول: "أما الاشتراكية في الإسلام فهي ملتحمة مع الدين الإسلامي ملتصقة في خلق أهله، منذ كانوا أهل بداوة وجاهلية، وأول من عمل بالاشتراكية بعد التدين بالإسلام هم أكابر الخلفاء من الصحابة، وأعظم المحرضين على العمل بالاشتراكية كذلك من أكابر الصحابة أيضًا" (٣). أما
стр. 94
تلميذه الشيخ محمد عبده فيستحسن الأنظمة الجمهورية النيابية معتقدًا أنها هي الوسيلة الحديثة للشورى الإسلامية، يقول:
"والمبايعة لا تتوقف على صحتها على الشورى ولكن قد يحتاج فيها إلى الشورى لأجل جمع الكلمة على واحد ترضاه الأمة فإذا أمكن ذلك بغير تشاور بين أهل الحل والعقد كأن جعلوا ذلك بالانتخاب المعروف الآن في الحكومة الجمهورية وما هو في معناها حصل المقصود" (١).
أما قضية المرأة فقد اعتقد الأفغاني أن من أعظم علل الشرق أن المرأة فيه ليست متساوية مع الرجل في الحقوق والواجبات، وكان من تلاميذه الذين سرت فيهم هذه الفكرة محمده عبده، وقاسم أمين الذي كان مترجمًا لجمعية العروة الوثقى (٢، ٣)
وكانت أفكار محمد عبده منطلقًا للهجوم على موقف الشريعة من المرأة (٤).
ولعل الله يمدّ في العمر لنكشف عن كل جوانب الفكر المشبوه لهذه المدرسة التي تضم الأفغاني ومحمد عبده، وقاسم أمين وأحمد لطفي السيد، وسعد زغلول وغيرهم .. (٥)
* الشيخ محمد عبده تلميذ الأفغاني:
سبق الحديث عنه وسيأتي أيضًا أثناء الحديث عن المدرسة العقلية. ولقد كان التلميذ الوفي للأفغاني، وكان أمل المخطط اليهودي الصليبي -كما
стр. 95
أوضح كرومر وجب وغيرهما- أن تكون حركة الشيخ مماثلة تمامًا لحركة (سير أحمد خان) مؤسس جامعة (علي قره) بالهند التي تسمت (المعتزلة الجدد) وكانوا مفتونين بحضارة الغرب منبهرين بها إلى أقصى حد.
ولكن ظروف مصر غير ظروف الهند، كما أن الشيخ وإن كان اعتزاليًا متطرفًا (١) لم يستطع أن يصدم المشاعر الإسلامية بأكثر مما فعل حيث قامت ضد بعض تصرفاته ضجة في كثير من أنحاء العالم الإسلامي (الفتوى الترنسفالية، فتوى إباحة صناديق التوفير .. ). وليس ثمة شك في أن "مصر الحديثة" التي يريدها كرومر هي دولة لا دينية لا صلة لها بالإسلام وحكومتها ستكون على الشرط الذي مر آنفًا، أما محمد عبده فلم تكن لديه كما يبدو صورة واضحة، وإنما كان يهدف إلى الاصلاح الذي ينشده في ظل الاحتلال الإنجليزي. ولهذا فإن التعاون بين كرومر والشيخ يعني تقديم تنازلات من الأخير للأول، أما العدو المشترك لهما فهم العلماء. "غير الأحرار" الذين كانوا -رغم ما فيهم- ينفرون من المحتل والعمل معه في أية صورة!
وابتدأ محمد عبده عمله الاصلاحي بمهاجمة الأزهر ونقد المحاكم ونقد الحياة الاجتماعية وكرومر من ورائه يقطف الثمار.
لقد كانت بريطانيا -كعادتها- عازمة على إلغاء الشريعة الإسلامية فور تمكنها في البلاد، غير أن كرومر رأى أن أفضل وسيلة لذلك هو تفريغ المحاكم الشرعية من محتواها بأن يتولاها علماء "ذوو طابع تحرري" تتم تربيتهم بإشرافه هو والشيخ في معهد خاص لقضاة الشرع، وقوّى عزمه على
стр. 96
ذلك، المعلومات التي يذكر أنه حصل عليها عن الكلية التي أنشاتها في سراجيفو حكومة النمسا والمجر (١) لتخريج قضاة الشرع المسلمين والتي يقول عنها أنها: "كلية أثبتت نجاحها من كل الوجوه"، ويتحدث عن ذلك في تقريره السنوي لحكومته عام ١٩٠٥:
" .. وقد وضعت هذه المعلومات تحت تصرف لجنة ذات كفاية ممتازة يرأسها المفتي الأكبر السابق (محمد عبده) بقصد وضع خطة مشابهة تلائم ظروف مصر وحاجاتها، وقد أتمت اللجنة عملها في شهر يونيه السابق ووضعت النظم المقترحة تحت تصرف الحكومة .. وهذه النظم تزود الطالب ببرامج ثقافية ذات طابع تحرري لا تحصر الطالب في الدراسات الدينية الخاصة (٢).
والعجيب حقًا أن محمد عبده لم يكن يرى حرجًا من اقتباس القوانين التشريعية الغربية، ما دام ذلك يحقق (الإصلاح في نظره) بل يقول العقاد - وهو من المعجبين به- إنه: "علم أن المراجع العربية لهذه القوَانين لا تعطيه الإحاطة الواجبة بتلك المبادئ في أصولها المأثورة عند فلاسفة التشريع الغربيين فشرع في تعلم اللغة الفرنسية" (٣). كما أن إعجابه بالثقافة الغربية هو الذي جعله يبالغ في انتقاص الأزهر مطلقًا عليه لفظ "الإصطبل أو المارستان أو المخروب"، ويحاول إصلاحه وإصلاح التعليم كله على الطريقة الغربية ويقول:
"إن كان لي حظ من العلم الصحيح .. فإنني لم أحصله إلا بعد أن مكثت عشر سنين أكنس من دماغي ما علق فيه من وساخة الأزهر وهو إلى
стр. 97
الأن لم يبلغ ما أريد له من النظافة" (١).
لا شك أن الأزهر كان بحاجة إلى الإصلاح، ولكن الإصلاح الذي يريده الإنجليز -ومعهم الشيخ- كان من نوع آخر، لا سيما وأن شبح سليمان الحلبي يهدد كرومر كل حين (٢).
وكان من أعظم خطط الإنجليز للقضاء على الشريعة الإسلامية إنشاء "مجلس شورى القوانين" الذي كانوا يحكمون مصر من خلاله، والذي قدم الشيخ له خدمات جليلة مما دفع المستشار القضائي الإنجليزي إلى رثائه في تقريره عن المحاكم لعام ١٩٠٥ قائلاً:
"ولا يسعني ختم ملاحظاتي على سير المحاكم الشرعية في العام الماضي بغير أن أتكلم عن وفاة مفتي الديار المصرية الجليل المرحوم الشيخ محمد عبده في شهر يوليه الفائت وأن أبدي أسفي الشديد على الخسارة التي أصابت هذه النظارة بفقده .. ".
إلى أن يقول:
"وفوق ذلك فقد قام لنا بخدمة جزيلة لا تقدر في مجلس شورى القوانين في معظم ما أحدثناه أخيرًا من الإصلاحات المتعلقة بالمواد الجنائية وغيرها من الإصلاحات القضائية، إذ كان يشرح للمجلس آراء النظارة ونياتها ويناضل عنها ويبحث عن حل يرضي الفريقين كلما اقتضى الحال ذلك (! ) وإنه ليصعب تعويض ما خسرناه بموته نظرًا لسمو مداركه وسعة اطلاعه وميله لكل ضروب الإصلاح والخبرة الخصوصية التي اكتسبها أثناء توظفه في محكمة الأستئناف وسياحاته إلى مدن أوربا (! ) ومعاهد العلم .. " (٣).
стр. 98
وقد يكون أخطر آثار محمد عبده التي تعد ركيزة من ركائز العلمانية في العالم الإسلامي إضعاف مفهوم "البراء والولاء، ودار الحرب ودار الإسلام" إذ كان الشيخ أعظم من اجترأ عليه من المنتسبين للعلماء، لا بتعاونه مع الحكومة الإنجليزية الكافرة فحسب، ولكن بدعوته الصريحة إلى موالاة الإنجليز وغيرهم -بحجة أن التعاون مع الكفار ليس محرمًا من كل وجه- ودعوته إلى التقريب بين الأديان.
حقيقة أن الراي العام الإسلامي قد ثار على بعض فتاوى الشيخ التي أباح بها موالاة الكفار، ولكن تأثيرها في الأمة لا شك فيه، لا سيما في تلك الفترة الحرجة التي تتميز بغبش الرؤية واختلاط المفهومات.
ويليها في الخطورة فتواه حول إباحة الربا بطريق صناديق التوفير معتمدًا -كما يرى العقاد- على مفهوم الآية من أنه لا يحرم من الربا إلا الأضعاف المضاعفة!
وأخيراً فإن الشيخ -بقصد أو بدون قصد- قد أوجد القاعدة التي ارتكز عليها من يسمون دعاة الاصلاح (١) للتعلق بأذيال الغرب وإقصاء الإسلام عن توجيه الحياة، إذ ظلوا ينقضون عرى الإسلام عروة عروة حتى أن المعركة الآن أصبحت تدور ضد قانون الأحوال الشمخصية وهو البقية الضئيلة من آثار الشريعة الإسلامية والميزة الأجتماعية التي تميز المسلم من غيره.
لم يكن محمد عبده علمانيًا ولكن أفكاره تمثل بلا شك حلقة وصل بين العلمانية الأوروبية والعالم الإسلامي، ومن ثم فقد باركها المخطط اليهودي الصليبي واتخذها جسرًا عبر عليه إلى علمانية التعليم والتوجيه في
стр. 99
العالم الإسلامي وتنحية الدين عن الحياة الاجتماعية بالإضافة إلى إبطال العمل بالشريعة والتحاكم إلى القوانين الجاهلية المستوردة، - واستيراد النظريات الاجتماعية الغربية، وهو ما تم جميعه تحت ستار " الإصلاح " أيضًا (١). أما الجماهير الإسلامية فقد اتخذت أفكار الشيخ الإصلاحية مبررًا نفسيًا لتقبلها للتغير العلماني المتدرج في الدول العربية.
وقد صور محمد المويلحي في عمله الرائع " حديث عيسى بن هشام " شيئًا من ذلك على لسان أبطال الرواية، إذ يسال أحدهم متعجبًا كيف ساغ للمصريين أن يأخذوا بقانون نابليون المخالف للشريعة؟ فيجيب الأخر بأن المفتي أقسم بالله أنه موافق للشريعة (٢).
وانظر كيف حرص المغرضون على تضخيم فتوى محمد عبده ليبتروا هذا الجانب بكامله عن الشريعة، وممن استخدموا لذلك حفني ناصف الذي قال: "إن الربا بفائده ليس من أنواع الربا المحرم، وأن سبب تخلف مصر هو عدم فتح بنوك على الطريقة الغربية"، ثم تلاه من تلاه حتى استصدرت فتوى من أحد شيوخ الأزهر البارزين بإباحته، ولا يزال هذا هو رأي من يسمون أصحاب الاتجاه العصري (٣، ٤).
* قاسم أمين ودعوته المشبوهة إِلى تحرير الراة:
ابتعث قاسم أمين إلى فرنسا للدراسة، يقول عنه مؤرخ حياته:
стр. 100
"ويعود قاسم إلى قاعة المحاضرات بجامعة مونبلييه وهو أشد رغبة في تعرف المزيد عن الحياة في أوروبا، وهناك يجد زميلته، "سلافا" .. فلا يتردد في سؤالها أن تصحبه إلى المجتمعات الفرنسية وتقبل هي في سرور باد، وصحبته فتاته إلى كثير من الحفلات وتعرف إلى كثير من الأسر فوجد حياة اجتماعية تختلف عن الحياة في مصر، وجد السفور بدل الحجاب والاختلاط بدل العزلة والثقافة بدل الجهالة" (١).
وعاد قاسم إلى مصر يحمل إلى أمته فكرة خطرة عرضها على أصدقائه فتردد بعضهم وأيده أكثرهم وخاصة الزعماء مثل: سعد زغلول ومصطفى كامل وأحمد لطفي السيد (٢)، وكذلك علي شعراوي زوج هدى شعراوي - الملقبة بزعيمة الحركة النسائية وغيرهم ممن قال عنهم كرومر "أسميهم حبًا في الأختصار أتباع المرحوم المفتي السابق الشيخ محمد عبده! " (٣).
وأظهر قاسم فكرته تلك في كتابيه "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة" وعند صدور الأول شك كثيرون في كونه كاتبه لما حواه الكتاب من عرض ومناقشة الأقوال الفقهية والأدلة الشرعية التي كان مثل قاسم قليل البضاعة منها، ولكنهم لم يشكوا في أن الذي دفعه إلى الفكرة أحد رجلين إما كرومر وإما محمد عبده (٤) ويحل لطفي السيد الإشكال في كتابه قصة حياتي إذ يقول:
стр. 101
"إن قاسم أمين قرأ عليه وعلى الشيخ محمد عبده فصول كتاب "تحرير المرأة" في جنيف عام ١٨٩٧ قبل أن ينشره على الناس (١).
وجاء مثل هذا في كتاب "قاسم أمين" أيضًا (٢).
وعلى أية حال فقد ظهر كتابه "تحرير المرأة" الذي يمكن تلخيص أفكاره فيما يلي:
١ - إن المرأة مساوية للرجل في كل شيء و "إن تفوقه البدني سببه استعمال الأعضاء" (٣) -ويتضح من هذا تعريضه بالقرآن الكريم وتأثره بالداروينية-.
٢ - "إن الانتقاب والتبرقع ليسا من المشروعات الإسلامية لا للتعبد ولا للأدب بل هما من العادات القديمة السابقة على الإسلام والباقية بعده "وهي عادة عرضت على المسلمين" من مخالطة بعض الأمم فاستحسنوها وأخذوا بها وبالغوا فيها وألبسوها لباس الدين كسائر العادات الضارة التي تمكنت في الناس باسم الدين والدين منها براء" لكن بالنسبة للأمم الأخرى فإن هذه العادة "تلاشت طوعًا لمقتضيات الاجتماع وجريًا على سنة التقدم والترقي" (٤).
٣ - إن الحجاب ليس عائقًا عن التقدم فحسب بل هو مدعاة للرذيلة وغطاء للفاحشة في حين أن الاختلاط يهذب النفس ويميت دوافع الشهوة!.
وقد حرص قاسم علي تبرئة نفسه من تهمة الدعوة إلى تقليد الغرب في مناداته بهذه الفكرة (٥) مدعيًا أن الدافع الوحيد هو الحرص على الأمة والغيرة
стр. 102
على الدين والوطن، فهو يزعم أن أصل فكرته هو الرد على "داركور" المستشرق الذي هاجم الحجاب، ولست أدري ماذا ترك قاسم لداركور!
لكن كتابه الثاني "المرأة الجديدة" يكذب ادعاءاته تلك فهو يقول فيه: "هذا هو الداء الذي يلزم أن نبادر إلى علاجه وليس له دواء إلا أن نربي أولادنا على أن يتعرفوا شئون المدنية الغربية، ويقفوا على أصولها وفروعها وآثارها، وإذا أتى ذلك الحين -ونرجو ألاّ يكون بعيدًا- انجلت الحقيقة أمام أعيننا ساطعة سطوع الشمس وعرفنا قيمة التمدن الغربي وتيقنا أن من المستحيل أن يتم إصلاح ما في أحوالنا إذا لم يكن مؤسسًا على العلوم العصرية" (١).
وقد طبق ذلك في بيته فأحضر لابنتيه مربيتين -إحداهما فرنسية والأخرى إنجليزية (٢) وظل قاسم حريصًا على دعوته داعيًا إلى فكرته "إلى آخر نسمة من حياته القصيرة ففي ليلة وفاته بالسكتة القلبية في ٢٣ إبريل ١٩٠٨م كان يقدم طالبات رومانيات في نادي المدارس العليا" (٣).
يقول الأستاذ أنور الجندي في كتابه "جيل العمالقة" وكتابه "محاولة لبناء منهج إسلامي متكامل" (٣/ ٦٦٠ - ٦٦٤):
"كانت حركة تحرير المرأة التي قادها قاسم أمين مؤامرة استعمارية تستهدف تدمير الأسرة المسلمة وتحطيم البيت المسلم حتى قال محمد فريد: إن دعوة قاسم أمين قد أحدثت تدهورًا مريعًا في الآداب العامة وأحدثت انتشارًا مفزعًا لمبدأ العزوبة وأصبحت ساحات المحاكم غاصة بقضايا هتك الأعراض
стр. 103
وهرب الشابات من دور أهلهن.
لقد تراجع قاسم أمين بعد قليل من دعوته إلى تحرير المرأة وجاءت (هدى شعراوي) فاحتضنتها دوائر الماسونية والتغريب واليهودية العالمية.
في محاولة لتقويم حركة قاسم أمين لتحرير المرأة بعد أن تسربت وثائق عدة تكشف عن خطة أشبه بالمؤامرة وراء هذه الدعوة، وتطرقت الأسئلة إلى أم المصريين (صفية زغلول) وإلى زعيمة النهضة النسائية في مصر (هدى شعراوي) التي دعت بعض الأقلام التي تجهل الحقيقة أو تخدع كتابها إلى إقامة تمثال لهما والحقيقة أنه لكي تعرض خلفيات هذه القضية يجب أن نذكر شيئًا مهمًا هو أن كتابًا ظهر في مصر عام ١٨٩٤ (أي بعد الاحتلال البريطاني بعام واحد لمحام مصري موال لكرومر وللنفوذ الأجنبي يدعى (مرقص فهمي) تحت عنوان "المرأة في الشرق" صور فيها خطة الاستعمار في المطالبة بتحقيق أربعة أغراض:
أولاً: القضاء على الحجاب الإسلامي.
ثانيًا: إباحة الاختلاط للمرأة المسلمة بالأجانب عنها.
ثالثًا: تقييد الطلاق ووجوب وقوعه أمام القاضي.
رابعًا: منع الزواج بأكثر من واحدة.
خامسًا: إباحة الزواج بين المسلمات وغير المسلمين.
وكان هذا المخطط هو النواة للنفوذ الأجنبي الذي تدرس على ضوئه "حركة قاسم أمين" وهدى شعراوي، ذلك أنه لم تمض سنوات خمس حتى ظهر كتاب "تحرير المرأة" فكان ذلك خطوة على الطريق ظن البعض سلامتها، فما هي هذه الخلفيات لهذا الحدث الخطير.
أولاً: كتب داود بركات رئيس تحرير الأهرام بجريدته الصادرة في
٤ يناير ١٩٢٨ مقالاً قال فيه أن قاسم أمين قرأ كتاب الدوق داركور
стр. 104
"المصريون" ورد عليه بكتاب باللغة الفرنسية وفند اتهاماته .. فلما ظهر هذا الكتاب وصف بأنه لم يكن في صف النهضة النسائية فقد رفع الكتاب من شأن الحجاب وعده دليلاً على كمال المرأة، كما ندد بالداعيات إلى السفور وقد رأت فيه الأميرة نازلي فاضل تعريضًا.
ثم استطرد يقول: "وكانت الأميرة نازلي فاضل ولها صالون يحضره سعد زغلول ومحمد عبده وجماعة من الطامحين إلى تولي السلطة في مصر تحت قيادة النفوذ البريطاني وبرعاية اللورد كرومر".
ويقول داود بركات متابعًا: وقد أُشير على جريدة المقطم -وهي لسان الإنجليز في مصر ذلك الوقت- أن تكتب ست مقالات عن الكتاب تفند أخطاء قاسم في هذا الاتجاه ودفاعه عن الحجاب، واستنكاره اختلاط الجنسين .. ثم أوقفت الحملة بعد اتفاق الشيخ محمد عبده وسعد زغلول مع قاسم أمين على تصحيح رأيه.
وقد حمل الشيخ محمد عبده الدعوة إلى تحرير المرأة في دروسه في "الرواق العباسي" بالأزهر حين أعلن أن الرجل والمرأة متساويان عند الله.
وقد ترددت آراء كثيرة بأن الشيخ محمد عبده كتب بعض فصول الكتاب أو كان له دور في مراجعتها ومما أورده لطفي السيد أنه اجتمع في جنيف عام ١٨٩٧ م بالشيخ محمد عبده وقاسم أمين وسعد زغلول وأن قاسم أمين أخذ يتلو عليه فقرات من كتاب "تحرير المرأة" وصفت بأنها تنم على أُسلوب الشيخ محمد عبده نفسه.
ثانيًا: كتب فارس نمر صاحب المقطم مقالاً في مجلة الحديث (الحلبية) عام ١٩٣٩م وأشار إلى هذا الحادث فقال: "إنه ظهر كتاب للدوق داركور يطعن فيه على المصريين طعنًا مرًا، ويخص النساء بأكبر قسط منه.
стр. 105
إذ رماهن بالجهل وضعف مكانتهن في المجتمع. فاهتاج الشباب وتطوع قاسم أمين للرد على كتابه".
ويستطرد فارس نمر يقول: وهنا أشير لحقيقة لا يكاد يعلمها إلا ندرة في مصر. هذه الحقيقة أن كتاب قاسم أمين الذي رد فيه على (دوق دار كير) لم يكن في صف النهضة النسائية التي كانت تمثلها الأميرة نازلي .. بل كان الكتاب يتناول الرد على مطاعن المؤلف الفرنسي، ويرفع من شأن الحجاب، ويعده دليلاً على كمال المرأة، ويندد بالداعيات إلى السفور، واشتراك المرأة في الأعمال العامة .. ولما ظهر كتابه هذا ساءَ ما به إخوانه من أمثال محمد المويلحي، ومحمد بيرم، وسعد زغلول .. ورأوا فيه تعريضًا جارحًا بالأميرة نازلي، فتشاوروا فيما بينهم في الرد واتفقوا أخيرًا أن أتولى الكتابة عن هذا الموقف وعرض فصوله وانتقاد ما جاءَ به خاصًا بالمرأة، وبدأت في كتابة سلسلة مقالات عنه .. ولكن ذلك النقد لم يرق في نظر قضاة محكمة الاستئناف، ورأوا فيه مساسًا بهيبتهم. لأن قاسم أفندي كان أحدهم ورأوا أن أفضل وسيلة يبذلونها لكي أكف عن الكتابة أن مؤلفه يرجو الأميرة نازلي فاضل لكي تطلب إليَّ ذلك .. وتطوع الشيخ محمد عبده للقيام بهذه المهمة، وذات مساء حضرت إلي صالون الأميرة كما حضر الشيخ محمد عبده ْ ومحمد بيرم والمويلحي .. وبعد قليل تحدث الشيخ محمد عبده مع الأميرة في هذا الشأن. فالتفتت إلى سموها وقالت لي: أنها لا تجد بأسًا في أن أكف عن الكتابة في الموضوع.
وكانت هي لم تقرأ الكتاب ولم تعرف أنه يشمل الطعن فيما تدعو إليه. فلما رأى ذلك محمد المويلحي قال لسموها: أنه يدهش من طلب الأميرة وخاصة لأن الكتاب تعرض لها.
فبدت الدهشة عليها وكانت إحدى نسخ الكتاب موجودة عندها. وعبثًا
стр. 106
حاولت أن أقفل باب الحديث في هذا الشان وخاصة بعد أن لمحت عليها معالم الأضطراب والجد والعنف.
فلما اطلعت على ما جاءَ به ثارت ثورة شديدة ووجهت القول بعنف إلى الشيخ محمد عبده؛ لأنه توسط في هذا الموضوع .. مرت الأيام بعد ذلك واتفق محمد عبده وسعد زغلول والمويلحي وغيرهم على أن يتقدم قاسم أمين بالاعتذار إلى سمو الأميرة.
فقبلت اعتذاره ثم أخذ يتردد على صالونها، وكلما مرت الأيام ازدادت في عينه، وارتفع مقامها لديه. وإذا به يضع كتابه الأول عن المرأة الذي كان الفضل فيه للأميرة نازلي والذي أقام الدنيا وأقعدها بعد أن كان أكثر الناس دعوة إلى الحجاب" انتهى كلام فارس نمر.
ثالثًا: أشارت هدى شعراوي في محاضرة لها إلى هذا المعنى وكشفت هذا السر الذي ظل خافيًا زمنًا طويلاً، ولم يكشف إلا بعد وفاة قاسم أمين بعشرين سنة غير أن الذي يلفت النظر أن قاسم أمين عدل عن رأيه هذا من بعده، وتبين له أنه أخطأ الطريق.
وقد تبين هذا حين صرح قاسم أمين في حديث له في صحيفة "الظاهر" التي كان يصدرها المحامي محمد أبو شادي حيث أعلن رجوعه، وأعلن أنه كان مخطئًا في (توقيت) الدعوة إلى تحرير المرأة .. هذا التصريح نشرته جريدة "الظاهر" في أكتوبر ١٩٠٦ قال قاسم أمين: "لقد كنت أدعو المصريين قبل الآن إلى اقتفاء في هذا المعنى حتى دعوتهم إلى تمزيق ذلك الحجاب، وإلى إشراك النساء في كل أعمالهم ومآدبهم وولائمهم .. ولكني أدركت الآن خطر هذه الدعوة بما اختبرته من أخلاق الناس .. فلقد تتبعت خطوات النساء في كثير من أحياء العاصمة والإسكندرية لأعرف عرف درجة احترام الناس لهن، وماذا يكون شأنهم معهن إذا خرجن حاسرات، فرأيت من فساد أخلاق
стр. 107
الرجال بكل أسف ما حمدت الله على ما خذل من دعوتي واستنفر الناس إلى معارضتي .. رأيتهم ما مرت بهم امرأة أو فتاة إلا تطاولوا إليها بألسنة البذاء، ثم ما وجدت زحامًا في طريق فمرت به امرأة إلا تناولتها الأيدي والألسن جميعًا .. إنني أرى أن الوقت ليس مناسبًا للدعوة إلى تحرير المرأة بالمعنى الذي قصدته من قبل".
ومعنى كلام قاسم أمين هذا الذي نشره قبل وفاته بعام ونصف عام أن قاسم أمين قد اكتشف بعد سبع سنوات من دعوته (التي جاءَت استدراجًا ومرضاة لنفوذ وليست خالصة لوجه الله تعالى) أنها لم تكن قائمة على أُسسها الصحيحة وهي الدعوة إلى تربية الخلق والإيمان بالله، وأنها لم تكن على طريق الحق .. أو ربما أن قاسم رأى بعد أن تغيرت الظروف بزوال كرومر ووفاة محمد عبده وانطفاء نفوذ نازلي فاضل (ربيبة كرومر) أن يتخفف من هذه التبعة. وربما كان لبعض التجارب أثرها في نفسه .. فها هو يروي أن صديقًا عزيزًا زاره ذات مرة فلما فتح له الباب قال: جئت هذه المرة من أجل التحدث مع زوجك!! فدهش قاسم .. كيف يطلب مقابلة زوجته.
فقال له صديقه: ألست تدعو إلى ذلك. إذن لماذا لا تقبل التجربة مع نفسك. فأطرق قاسم أمين صامتًا ومما يذكر أن السيدة زوجة قاسم أمين كتبت منذ سنوات تعلن أن دعوة قاسم أمين كانت خطيرة وأنها لم تكن قائمة على أساس صحيح.
وقال محمد فريد وجدى: إن دعوة قاسم أمين قد أحدثت تدهورًا مريعًا في الآداب العامة، وأحدثت انتشارًا مفزعًا لمبدأ العزوبة، وأصبحت ساحات المحاكم غاصة بقضايا هتك الأعراض وهرب الشابات من دور أهلهن. ونعت الدكتورة بنت الشاطئ ما تكشف من حركة تحرير المرأة مما أسمته مهزلة أليمة موجعة.
стр. 108
تقول بنت الشاطئ: "إن الرجال ساقونا لنعمل لحسابهم .. وهم يوهمونا أننا نعمل أو يعملون معنا لحسابنا .. ذلك أن الرجال رتبوا لنا الخروج زاعمين أنهم يؤثروننا على أنفسهم .. ولكنهم كذبوا في هذا الزعم فما أخرجونا إلا ليحاربوا بنا السآمة والضجر في دنياهم".
ثم قالت بنت الشاطئ: "إن المرأة دفعت ضريبة فادحة ثمنًا للتطور ويكفي أن أُشير في إيجاز إلى الخطأ الأكبر الذي شوه نهضتنا. وأعني به انحراف المرأة الجديدة عن الطريق الطبيعي وترفعها عن التفرغ لما نسميه: خدمة البيوت وتربية الأولاد. ونحن نرى البيوت أصبحت مقفرة منهن. أما الأبناء فتركوا للخدم. وقد نشأ هذا الانحراف الضال نتيجة لخطأ كبير في فهم روح النهضة.
وبلغ من سوء ما وصلت إليه أن نادت مناديات بحذف نون النسوة في اللغة كأنما الأُنوثة نقص ومذلة وعار. وأهدر الأعتراف بالأُمومة كعمل من الأعمال الأصيلة لنا حتى سمعنا من يسأل كيف تعيش أمة برئة معطلة .. يقصد بالرئة المعطلة هؤلاء الباقيات في بيوتهن يرعين الأولاد .. وزعموا أن المرأة تستطيع أن تجمع بين عملها في البيت ووظيفتها في الخارج" انتهى كلام الدكتورة بنت الشاطئ (١).
وتكشف السيدة صافي ناز كاظم سموم قاسم أمين في كتابه المرأة الجديدة حيث يهاجم المدنية الإسلامية ويدعو إلى التغريب.
يقول: نحن لا نستغرب أن المدنية الإسلامية أخطات في فهم طبيعة
стр. 109
المرأة وتقدير شأنها فليس خطؤها في ذلك أكبر من خطأها في كثير من الأمور الأخرى.
ثم يقول: الذي أراه أن تمسكنا بالماضي إلى هذا الحد هو من الأهواء التي يجب أن ننهض جميعًا لمحاوبتها؛ لأنه ميل إلى التدني والتقهقر، وهذا هو الداء الذي يلزم أن نبادر إلى علاجه وليس له من دواء إلا أننا نربي أولادنا على أن يعرفوا شئون المدنية الغربية، ويقفوا على أصولها وفروعها وآثارها.
فإذا أتى هذا الحين ونرجو أن لن يكون بعيدًا - انجلت الحقيقة أمام أعيننا ساطعة سطوع الشمس وعرفنا قيمة التمدن الغربي، وتيقنا أنه من المستحيل أن يتم إصلاح ما في أحوالنا إذا لم يكن مؤسسًا على العلوم العصرية الحديثة.
ولا يمكن أن يوصف هذا الكلام إلا أنه (ردة) من مستشار وصف بالعقل والحكمة ولكنه انزلق مع المنزلقين إلى مطالع المناصب الكبرى والحظوة في صالون نازلي فاضل.
والمعروف أنه بعد أن دافع قاسم أمين عن حجاب المرأة المسلمة في كتابه (المصريون) حدثت مؤثرات من الأميرة نازلي على قاسم أمين مما أدى إلى حدوث متغيرات في فكر قاسم عرفت في كتابه تحرير المرأة، والمرأة الجديدة.
وكان كتاب تحرير المرأة نوعًا من الاعتذار للأميرة التي أغضبها كتابه الأول، وقيل: أن الشيخ محمد عبده ومحمد المويلحي وسعد زغلول اتفقوا على أن يقدم قاسم الاعتذار للأميرة نازلي (عندما هاجم المرأة غير المتحجبة في كتابه المصريون) ودفع قاسم أمين الثمن غاليًا يتجنى على الحقائق ويحاول أن يلوي عنقها حتى خرج كتابه "تحرير المرأة".
وجاء في كتابه "المرأة الجديدة" فخرج عن أفكاره الأصلية التي كانت تعلي من شأن المدنية الإسلامية.
стр. 110
واتجه إلى حجاب المرأة المسلمة وأخذ يحاول أن يدلل على أن حجاب المرأة ليس من الإسلام وأن الدعوة إلى السفور ليس فيها خروج عن صحائح الاسلام.
ومما علمه الاستشراق إياه: القول بأن الشريعة ليس فيها نص يوجب
الحجاب، على الطريقة المعهودة، وإنما هي (عادة) عرضت للمسلمين من
مخالطة الأمم فاستحسنوها وأخذوا بها وألبسوها لباس الدين ونسي قوِل الله
﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (١).
* مصطفى كامل يعارض حركة "تحرير المرأة ":
ولقد عارض الزعيم مصطفى كامل هذه الحركة المشبوهة "حركة تحرير المرأة" وربط بين هذا الاتجاه وبين الاستعمار على أنه وسيلة من وسائله في القضاء على مقومات الأمة، والبقية الباقية من أخلاقها ومعنوياتها .. وهكذا سارع الزعيم الشاب إلى مقاومة هذه الحركة الخائنة، وتحذير الأمة منها، فأشار إليها في أول اجتماع عام عقده عقب صدور هذا الكتاب، وذلك في ٥ شعبان سنة ١٣١٧ الموافق ١٨ سبتمبر سنة ١٨٩٩ حيث قال: "إني لست ممن يرون أن تربية البنات يجب أن تكون على المبادئ الأوروبية، فإن في ذلك خطرًا كبيرًا على مستقبل الأمة، فنحن مصريون ويجب أن نبقى كذلك، ولكل أمة مدنية خاصة بها، فلا يليق بنا أن نكون قردة مقلدين للأجانب تقليدًا أعمى، بل يجب أن نحافظ على الحسن من أخلاقنا، ولا نأخذ عن الغرب إلا فضائله، فالحجاب في الشرق عصمة وأي عصمة، فحافظوا عليه في نسائكم وبناتكم وعلموهن التعليم السليم