← Общие книги

Общие книги · id 6523

أعلام وأقزام في ميزان الإسلام

سيد حسين العفاني

Полный текст (1 176 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

- فطه حسين هنا يقول ببشرية القرآن، وهذا القول كفر أكبر مخرج من الملة بعد قيام الحجة على قائله من قِبَل علماء الأمة. * موقف طه حسين من الدين الإِسلامي والحكومة الإِسلامية: إن مقال طه حسين "بين العلم والدين" الذي نشره في مجلة الحديث عام ١٩٢٧ هو بمثابة تقرير كتبه الدكتور إلى أساتذته عتاة التغريب ليكشف لهم عن الخطر الذي يواجهه تحت مادة دين الدولة الرسمي الإسلام، وفيه يكشف مفهومه للإسلام بأنه لا يزيد عن أن يكون صلاة وصيامًا واحتفالاً بالمولد النبوي والأعياد الرسمية وإطلاق المدافع في رمضان وقيام المحمل إلخ .. أما بالنسبة للنظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فإنه يدعو مصر إلى اعتناق النظرية الغربية يرى أنه لا سبيل غير ذلك. - يقول طه حسين في عدائه للحكومة الإسلامية والتشريع الإسلامي: "لقد اعتزمنا أمام أوروبا أن نذهب مذهبها في الحكم ونسير سيرتها في الإدارة ونسلك طريقها في التشريع، والتزمنا هذا كله أمام أوربا، وهل كان إمضاء معاهدة الاستقلال ومعاهدة إلغاء الامتيازات إلا التزامًا صريحًا قاطعًا أمام العالم المتحضر بأننا سنسير سيرة الأوربيِين في الحكم والإدارة والتشريع فلو هممنا الآن أن نعود أدراجنا وأن نحيي النظم العتيقة لما وجدنا إلى ذلك سبيلاً". - ويقول في كتاب "الفتنة الكبرى": "لقد كانت الخلافة الإسلامية تجربة جريئة توشك أن تكون مغامرة ولكنها لم تنته إلى غايتها ولم يكن من الممكن أن تنتهي إلى غايتها؛ لأنها أُجريت في غير العصر الذي كان يمكن أن تُجرى فيه سبق بها هذا العصر". ويقول في "الفتنة الكبرى": "ليس من شك أن عليًّا قد أخفق في بسط

стр. 247

خلافته على أقطار الأرض الإسلامية، ثم هو لم يخفق وحده، وإنما أخفق معه نظام الخلافة كله وظهر أن الدولة الجديدة التي كان يُرجى أن تكون نموذجًا للون جديد من ألوان الحكم والسياسة والنظام لم تستطع آخر الأمر إلا أن تسلك طريق الدول من قبلها، فيقوم الحكم فيها على مثل ما كان يقوم من قبل من الأثرة والاستعلاء ونظام الطبقات التي تستذل فيه الكثرة الضخمة، لا من شعب واحد بل من شعوب كثيرة لقلة قليلة من الناس" (١). وهذا الكلام تَجَنٍ من طه حسين على الخلافة التي لم تخفق، وإنما ظلت طيلة ثلاثة عشر قرنًا حتى الحرب العالمية الأولى مصدر عزة المسلمين وقوتهم. - ومفهوم طه حسين للدين هو أنه ظاهرة اجتماعية وأنه خرج من الأرض كما خرجت الجماعة نفسها، وأشد من ذلك خطرًا قوله: "بأن الإسلام لم يغير حياة العرب، وأنه بقي على هامش حياة المسلمين، وأنه لم يستطع أن يفرض حياة المسلمين بين أصحاب الحضارات الأخرى". - أما رأيه في الشريعة فهو رأي متعصبي المستشرقين أمثال جولدزيهر، وشاخت وغيرهم فهو يقول: "ولكننا لا نشك في أن الفقه الإسلامي قد تأثر بالفقه الروماني قليلاً أو كثيرًا سواء علم بذلك الفقهاء أم لم يعلموا" وهذا الكلام لطه حسين مغالطة واضحة. - ويقول عن الشيخ الظواهري في "السياسة" (٢٨/ ٦/١٩٣٢): "ما دامت هذه الأيام السود قد جعلت رأي الشيخ الظواهري فوق الدين والعلم، وفوق الحرية والدستور والقانون فمن الحق على هذا (البابا) أن لا يحكم في رعاياه البائسين حكم قراقوش، وأن لا يقضي في أمر حتى يفهم

стр. 248

ويتبصر. وأنا أعلم أن عمامة الشيخ تضيق بفهم هذه الكتب العلمية الخالصة التي يطبعها في مصر جماعة من المصريين والأجانب الشرقيين والغربيين". وواضح أن هدف طه حسين هو فتح الطريق أمام الأجانب الغربيين وحدهم في نشر ما يشاءون من آراء سواء أكانت معارضة للإسلام أو مهاجمة له. وأيضًا في اتهامه لقراقوش بالاستبداد تزييف واضح للتاريخ. الخطوة الثانية: - وكانت مقالات طه حسين عن ما أسماه الخطوة الثانية: هي أخطر محاولاته لهدم الأزهر. فقد أُعلن إلغاء المحاكم الشرعية فإذا الدكتور طه حسين يتقدم بطلب إلغاء الأزهر تحت اسم الخطوة الثانية في مقال بجريدة الجمهورية ٢١/ ١٠/١٩٥٥ دعا فيها إلى توحيد التعليم على الأساس المدني، ثم أردفه بمقال آخر في ٢/ ١١/١٩٥٥، ثم بمقال في ١٦/ ١١/١٩٥٥ ثم مقال رابع بتاريخ ٢٧/ ١١/١٩٥٥. وقد ردّ عليه الكثير من العلماء والدعاة مثل الشيخ محب الدين الخطيب، والدكتور محمد أبو شهبة. - قال الدكتور محمد محمد أبو شهبة في مجلة الأزهر عن طه حسين: "أيريد أن نتخلى عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الموحى إليه بهما من ربهما ونشتغل بفلسفة اليونان وسقطاتهم وثقافة الفرنسيين الذين يحبهم ويحبونه حتى ننفي عن أنفسنا أننا محافظون، أم يريد أن تقطع صلتنا بالسلف الصالح من هذه الأمة الإسلامية وما خلّفوا لنا من كنوز وذخائر ونصل حبالنا بأبناء السين والتايمز حتى يرضى عنا ويضعنا في قائمة المجددين، ألا فليعلم الدكتور ومن على شاكلته أنه لن يكون شيء من ذلك، ودون ما يريد خرط القتاد وصعود السماء ﴿فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ﴾.

стр. 249

- وكتب السيد محب الدين الخطيب رئيس تحرير مجلة الأزهر في مقدمة العدد الخاص (ديسمبر عام ١٩٥٥): ْ"إن الضجة التي أثارها مؤلف "مستقبل الثقافة في مصر" لم يثرها ليقضي على مناهج الأزهر من ناحية العلوم. بل هو يريد من مصر ومن الأزهر ومن كل من ينتسب إلى العلم من الناطقين بالضاد أن يؤمنوا بثقافة الغرب ما آمن هو بها .. وبعد: فإن مصر لو فقدت عقلها وسارت وراء مؤلف "مستقبل الثقافة في مصر" لخسرت جميع أبنائها المثقفين كما خسرت ويا للأسف المسيو كلود طه حسين ناظم ديوان أجراس الكنائس الذي يتغنى فيه لابنته بموسيقى الكنائس، وأظن أن مؤلف كتاب "مستقبل الثقافة" يتمنى لجميع أبناء مصر أن يكون كل واحد منهم (كلود طه حسين). - أما القائمون بالولاية على مصر فإن أبناء مصر أكرم عليهم من ذلك وأعز، وهم يعلمون أن حياة مصر بالإسلام وقوتها بالتعاون مع العرب. إن هذه البذور التي زُرِعت في تربتنا الجامعية منذ نحو ثلاثين سنة بمشهد من صاحب "الخطوة الثانية" كما يشهد له بذلك كتابه "في الشعر الجاهلي"، وأعمدة الصحف ومحاضر مجالس النواب وبعض قرارات النيابة إلى أن أنبتت تلك البذور رجالاً صار منهم الآن مدرسون وأساتذة كالذي "كان يمزح مع طلابه على حساب إيمانهم فيقول لهم: إنه سيعطي درجات إضافية في الامتحان للذين يفطرون في رمضان"، وكالذي يعتبر الآن حجة للفسلفة الوجودية في مصر، ويقول في رسالة له صدرت في القاهرة عام ١٩٥٣: "إما أن تقول بالأخلاق فتفقد ذاتك، وإما أن تقول باللا أخلاق فتخاطر بوجودك. وإننا معاشر الوجوديين لا نريد أن ننساق وراء أحلام البراءة والبكارة والطهارة" .. هذا هو خطر الوجودية .. إن صاحب "الخطوة الثانية"

стр. 250

يعمى عن رؤية هذا الخطر على مصر؛ لأن هواه يصرفه عن اعتبار أن الخطوة الثانية يجب أن تتجه نحو تطهير الجامعة من هذا التيار العدواني للقانون والأخلاق والواجب والطهارة والبراءة وحماية الجامعيين من هذا الوباء الجارف الذي يدعو إلى الإثم ويهدد مستقبل مصر وكيانها، فرأيناه يسكت عن ذلك؛ لأنه كان من شهود زرعه وغرسه ويرفع عقيرته مناديًا بالقضاء على ما يختلف به في مفاهيم تعليمه عن مناهج من يسميهم الناس في مدارسهم، وليس بين مناهج الأزهر والمناهج الأخرى فرق إلا بتعليم القرآن وتفسيره والحديث ومصطلحه والسيرة النبوية والفقه الإسلامي، فالقرآن وهذه العلوم المفسرة له والمستظلة بهدايته هي الخطر كل الخطر على مصر ويجب أن تكون الخطوة الثانية متجهة نحو تحطيمها وإبادتها بتوحيد التعليم في طور الصبا والشباب". * دعوته إِلى أدب المجون والجنس والإِباحة: في جرأة عجيبة على تاريخ الأمة قال طه حسين كلمته المسمومة: "إن القرن الثاني للهجرة كان عصر شك ومجون وزندقة وفجور، وأنه يتخذ كنموذج لهذا العصر: أبا نواس، ووالبة ومسلم بن الوليد وأمثالهم من شعراء اللهو، ويعتمد على كتاب "الأغاني" في كثير من الأحكام التي أصدرها من غير تحرج ولا احتياط على هذا العصر. بل إنه ذهب إلى أبعد من هذا حيث دعا شاب كلية الآداب إلى اعتبار كتاب "الأغاني" مرجعًا في دراسة العصر ومصدرًا لرسم صورة المجتمع الإسلامي، وهذا زيف بالغ الخطر، وجرأة على الحق. وقد رد عليه الدكتور غلاّب والأستاذ محمد عرفة، وأشار الدكتور عبد الحميد سعيد إلى خطورة "حديث الأربعاء" في حديثه في مجلس النواب المصري عام ١٩٣٣. وما توقف طه حسين في دعوته إلى الزندقة والإباحة الجنس، ولقد

стр. 251

ذهب إلى أبعد من ذلك فكتب حياة أبي نواس في أواخر حياته ليصلها بما كتبه عنه في أوائل الشباب (سنة ١٩٢٦) وبينهما أربعة عقود، وإحياء أبي نواس إحياء للدعوة إلى الخمر وإلى الجنس وإلى الإباحة تذكر بعصبة المجان: بشار ومطيع وحماد عجرد والخليع. - وكتب الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني في كتابه "قبض الريح" (ص٦٣) وما بعدها ما يلي: "ولقد لفتني من الدكتور طه حسين في كتابه "حديث الأربعاء" وهو مما وضع قصص تمثيلية - وهي ملخصة، أن له ولعًا بتعقّب الزناة والفسّاق والفجرة والزنادقة". ودعوته إلى تحرير الأدب من الأرتباط بالأخلاق والدين دعوة إلى التحرر من ثوابت هذا الدين، يقول عن شعر المجون: "خسرت الأخلاق من هذا التطور وربح الأدب "- وهو الذي ترجم شعر بودلير الماجن، والقصص الفرنسي الداعر. * طه حسين وحضارة البحر التوسط: دعا الدكتور طه حسين إلى الإقليمية المصرية مع إعلائه الدعوة إلى الفرعونية وإنكار رابطتها العربية والإسلامية، والادعاء بأن لها رابطة بالغرب ودول البحر المتوسط وأن العقل العربي هو عقل يوناني استمد ثقافته من الفلسفة اليونانية في القديم، وهو عقل غربي في الحديث استمد ثقافته من أوربا. وقد كان هدف طه حسين من هذه الدعوى عزل مصر عن العرب والعالم الإسلامي وإدخالها في الحلف اللاتيني الذي أنشأته إيطاليا وفرنسا وأسبانيا بوصفها دول البحر الأبيض المتوسط، وكانت فرنسا هي التي تقود هذه الدعوة، والنظرية تقوم على أساس أن مصر قطعة من أوربا، كما أعلن

стр. 252

ذلك الخديو إسماعيل وأنها جزء من حوض البحر المتوسط. - يقول طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة": "إن العقل المصري منذ عصوره الأولى عقل إن تأثر بشيء فإنما يتأثر بالبحر الأبيض المتوسط، وإن تبادل المنافع على أخلاقها فإنما بتبادلها مع شعوب البحر المتوسط. فإذا لم يكن بد من أن نلتمس أسرة للعقل المصري نقره فيها فهي أسرة الشعوب التي عاشت حول بحر الروم، وإن كلمة إسماعيل لم تكن فنًا من فنون التمدح أو لونًا من ألوان المفاخرة، وإنما كانت مصر دائمًا جزءًا من أوربا في كل ما يتصل بالحياة الثقافية العقلية". - وهذه دعوى عريضة باطلة، وقد وجه طه حسين بعشرات الردود التي تكسف شمسه وتزيف رأيه، ولكنه كان يمضي في هذا الطريق على نحو من الصلف والكبرياء الكاذب الذي لا يبلغه. ولقد أخطأ خطأً بالغًا حين كتب في جريدة "كوكب الشرق" عام ١٩٣٣ هذه العبارة: "وإن المصريين قد خضعوا لضروب من البغي وألوان من العدوان جاءتهم من الفرس واليونان وجاءتهم من العرب والترك والفرنسيين وجاءتهم الآن من الإنجليز، وهم قد صبروا لهذا كله وانتصروا على هذا كله فردوا من ردوا من المعتدين وأفنوا في أنفسهم من أفنوا من هؤلاء المعتدين". - وقام شباب متحمس لعروبته في دمشق في ساحة الشهداء بحرق بعض كتب طه حسين. وانهالت الردود على طه حسين من عبد الرحمن عزام، ومحمد علي علوبة، وأحمد حسن الزيات، وعبد القادر حمزة، وعلي الجندي (العربي - إبريل عام ١٩٨٠). وأعلنت مجلة "المكشوف" المارونية البيروتية عام ١٩٣٨ عن كتاب لم يصدر للدكتور طه حسين هو "مستقبل حضارة البحر التوسط في الشرق والغرب". وجاء في هذه المجلة قول طه حسين: "أؤكد قول أحد الطلبة

стр. 253

القائل: "لو وقف الدين الإسلامي حاجزًا بيننا وبين فرعونيتنا لنبذناه". إن المصري مصري قبل كل شيء فهو لم يتنازل عن مصريته مهما تقلّبت الظروف". إن طه حسين يكشف بذلك انغماسه حتى الأذنين في وثنية عميقة يتنقل بها من اليونان إلى الرومان إلى الفراعنة، وفي نفس ذلك الحقد المتصل على الإسلام فضلاً عن أن هناك فارقًا واسعًا وعميقًا بين دراسة الآثار وبين الدعوة إلى الفرعونية. وما استطاعت كتابات طه حسين هذه أن تزيح سمومه الفرعونية التي بثها على طول حياته، تلك التي شكلت مدرسة الإقليمية المصرية البغيضة وقوامها: حسين مؤنس، وتوفيق الحكيم، وحسين فوزي ولويس عوض، وهم الخلفاء الطبيعيون للثقافة الوثنية التي أنشاها طه حسين وهيكل، ومحمود عزمي، وسلامة موسى، هؤلاء جميعًا كانوا يعتقدون بأن انتماء مصر يجب أن يكون انتماء غربيًا أوربيًا في التعليم والثقافة وفي الحكم والسياسة وفي الاقتصاد وفي الاجتماع وفي التشريع. - ولكن أخطر ما دعا إليه الدكتور طه حسين هو إنكار فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الحديثة، ورد عليه شيخ العروبة أحمد زكي ردًا مفحمًا بيَّن هراءه ودجله. * طه حسين وتزييف التراث وإِحياء التراث الزائف الذي صنعته الباطنية كـ "رسائل إِخوان الصفا ": كان أكبر أهداف طه حسين تزييف التراث، وكان موقفه من التراث الإسلامي واضحًا وهو موقف الاستهانة والامتهان له باطلاق اسم القديم عليه، ومحاولة إعادة كتابته بمفهوم التفسير المادي للتاريخ ومنهج الجبرية

стр. 254

التاريخية وإزالة طابع الإيمان والبطولة والتضحية. وتركيزه على القول بأنه لم يجد في الأدب العربي القديم ما يستحق أن يُبعث وينشر إلا أخبار المجونيين الذين ابتلي بهم الأدب العربي كأبي نواس ووالبة والخليع ومن إليهم. وعمل على إحياء التراث الزائف الذي صنعته الشعوبية والباطنية، فقد حرص على إعادة إحياء بعض الكتب القديمة واعتبرها مراجع لدراسة المجتمع الإسلامي، وقد ركّز على كتاب "الأغاني" تركيزًا شديدًا مع أن هذا الكتاب بإجماع المؤرخين لا يصلح للغرض الذي قصد إليه. - وقصد إلى إحياء بعض الكتب القديمة ذات الأثر الخطير في طرح مفاهيم الباطنية والمجوسية وذلك باهتمامه بكتاب "رسائل إخوان الصفا". وطمع في إحياء كتب المعتزلة والفلاسفة والتصوف الفلسفي وهو تيار بدأه المستشرقون وسار فيه أستاذه "ماسنيون" الذي أحيا الفكر الباطني للحلاج. - يقول طه حسين: "إنه استكشف كتابًا عظيم الخطر في تاريخ الفلسفة الإسلامية هو كتاب "المغني" للقاضي عبد الجبار، وهو كتاب يصور مذاهب المعتزلة في علم الكلام" وهو بنشره هذا الكتاب في فكر المعتزلة يضلل الناس عن مفهوم التوحيد الخالص ويردهم إلى الشبهات. - وهكذا نجده في المجمع اللغوي ولجنة الثقافة بالجامعة العربية يهدف إلى نشر مثل هذه الكتب ويسميها "الخطيرة القيمة"، وهو في لجنة الثقافة يهتم بكتاب "أنساب الأشراف" للبلاذري وهو كتاب مضطرب طبعه اليهود في إسرائيل؛ لأنه يبرئ عبد الله بن سبأ. كتاب "رسائل إِخوان الصفا": كشف كثير من الباحثين أخطاء طه حسين في كلامه عن "رسائل إخوان الصفا"، ومنهم الأستاذ محمود الملاح، والأستاذ عبد الآمر غلوس على

стр. 255

النحو التالي: - قال طه حسين عن إخوان الصفا أنهم مفكرون مستقلون يحاولون أن يصبغوا ما انتهى إليه المسلمون من آثار الأمم بصبغة إسلامية، وكان من زعمائهم جماعة كالفارابي وابن سينا. وقد أجاب الأستاذ الملاح عن ذلك الأفتراء بقوله: "إن هذه النحلة الهدامة تحاول صبغ الملة الإسلامية صبغة الأساليب الوثنية المتضمنة للشرك والرجوع بالمسلمين إلى الوراء بعد أن ذاقوا نعمة التوحيد الخالص". - كذلك قال طه حسين: إن رسائل إخوان الصفا أشبه شيء بدائرة معارف فلسفية جمعت كل ما لم يكن بد من تحصيله للرجل المثقف في هذا العصر، وأن هذه الرسائل ليست إلا مدخلاً إلى رسالة جامعة هي خلاصة العلم وغاية الغايات. هل يبعد أن يكون رجل كالغزالي قد تأثر إلى حد قريب أو بعيد بفلسفة هذه الجماعة ولا سيما حينما نلاحظ أنه نشأ فيلسوفًا وانتهى صوفيًّا؟! وقول طه حسين كله كذب فلقد كان الغزالي معروفًا بمحاربة الباطنية فرسائل إخوان الصفا جب ملئ بالأفاعي والعقارب، وهذه الرسائل بخسة الغاية والهدف. * طه حسين والسيرة النبوية: "على هامش السير" أو "على هامش الشعر الجاهلي" وبعث الأساطير "المثيولوجية" الإِسلامية: جمع طه حسين كل السموم والشبهات التي أثارها الاستشراق في مختلف كتبه وفي دائرة المعارف الإسلامية وأدخلها في دراسته عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان والصحابة ﵁ حتى يمكن القول بأن "على هامش السيرة" يمكن أن يُسمى "على هامش الشعر الجاهلي"، ولقد وضع الكتاب على نمط كتاب غربي كتبه "الفريد أورشيم" الأستاذ بجامعة أكسفورد

стр. 256

تحت عنوان "على هامش سيرة المسيح" ذكر ذلك الأستاذ عبد الله كنون في كتابه "التعاشيب". وأشار الدكتور محمد برادة إلى أن طه حسين كتبه تقليدًا لكتاب "على هامش الكتب القديمة" لجيل لومتير. - يقول طه حسين في كتاب "الإسلام والغرب" الصادر عام ١٩٤٦ في باريس "ويتحتم أن نعترف بأن كتابين فرنسيين كانا بمثابة الشرارتين اللتين أشعلتا موقدين مختلفين، أحد الكتابين لجيل لومتير وعنوانه "على هامش الكتب القديمة"، والثاني "حياة محمد" لإميل درمنجم". قال هذا الكلام في أول مؤتمر للحوار بين المسيحية والإسلام ويعد كتابه خطوة في هذا السبيل من حيث دمج الأديان كلها في كتاب واحد، وفي اختراع أخطر بدعة من إحياء الأساطير في الأدب العربي. - وقد ردّ عليه الأستاذ غازي التوبة في كتابه عن الفكر الإسلامي المعاصر، والأستاذ محمد النايف في مقالاته المستفيضة عن السيرة التي نشرها في مجلة المجتمع الكويتية سنوات (١٣٩٤ و١٣٩٥ هـ) والدكتور محمد حسين هيكل، وقال الدكتور محمد حسين هيكل: "في رأيي أن لا تتخذ حياة النبي ﷺ مادة الأدب الأسطوري، وإنما يُتخذ من التاريخ وأقاصيصه مادة لهذا الأدب .. والنبي ﷺ وسيرته وعصره تتصل بحياة ملايين المسلمين جميعًا بل هي فلذة من هذه الحياة، ومن أعز فلذاتها عليها وأكبرها أثرًا، واعلم أن هذه الإسرائيليات قد أُريد بها إقامة (ميثولوجية إسلإمية) لإفساد العقول والقلوب من سواد الشعب، ولتشكيك المستنيرين ودفع الريبة إلى نفوسهم في شأن الإسلام ونبيه ﷺ ، وقد كانت هذه غاية الأساطير التي وضعت عن الأديان الأخرى، من أجل ذلك ارتفعت صيحة المصلحين الدينيين في جميع العصور لتطهير العقائد من هذه الأوهام".

стр. 257

ولا ريب أن كلام الدكتور محمد حسين هيكل هذا هو اتهام صريح للدكتور طه حسين في اتجاهه وتحميل له لمسئولية من أخطر المسئوليات، وهي إعادة إضافة الأساطير التي حرر المفكرون المسلمون سيرة الرسول ﷺ منها طوال العصور، وإعادتها مرة أخرى لخلق جو معين يؤدي إلى إفساد العقول في سواد الشعب، وتشكيك المستنيرين ودفع الريبة إلى نفوسهم في شأن الإسلام ونبيه ﷺ . ومن أخطر مزاعمه أن النبي ﷺ قد أحب زينب بنت جحش وهي زوجة لزيد وهذا بهتان عظيم (١). ولقد وصف الأستاذ مصطفى صادق الرافعي كتاب "على هامش السيرة" بأنه تهكم صريح (٢). - ويقول الأستاذ غازي التوبة: "إن طه حسين ينصب نفسه إمامًا للأساطير اليونانية ويضع السيرة في مصاف الإلياذة ويطلب من المؤلفين والكتاب أن يفتتنوا في الحديث عنها افتتان أوربا بأساطير اليونان، كي يرضوا ميول الناس إلى السذاجة، ويمتعوا عواطفهم وأخيلتهم. ولكن هل يتساوى الأثران في المجتمعين: " الإلياذة" في المجتمع اليوناني، والسيرة في المجتمع الإسلامي، وهل كانت السيرة يومًا ما في التاريخ موضوعًا لتسلية قصصية أو مباراة لفظية" (٣). وفي الجزائر نشرت مجلة "الشباب الجزائرية" (ذي القعدة عام ١٣٥٢ هـ - ١٩٣٤م) تحت عنوان "دسائس طه حسين" قالت: "ألف طه حسين كتابًا أسماه "على هامش السيرة" يعني السيرة النبوية الطاهرة، فملأه من الأساطير

стр. 258

اليونانية الوثنية وكتب ما كتب في السيرة الكريمة على منوالها، فأظهرها بمظهر الخرافات الباطلة وأساطير الخيال، حتى يخيل للقارئ أن سيرة النبي ﷺ ما هي إلا أسطورة من الأساطير، وفي هذا من الدس والبهت ما فيه" (١). * " الشيخان" أبو بكر وعمر: يمضي الدكتور طه حسين في كتابه هذا على نفس النمط الذي سار عليه في كتابه "الفتنة الكبرى" وهي مجموعة أحقاد ووصايا تبشيرية واستشراقية موجهة ومدروسة يضعها في قلب هذه الدراسات لإثارة الشكوك حول صحابة النبي ﷺ . وقد مهّد لكتاب "الشيخان" بمقدمة خطيرة أعلن فيها مذهب الشك الفلسفي بوضوح فيعبث في تاريخ أمتنا ويطعن في الرواة الثقات من أصحاب الرسول ﷺ والتابعين وتابعي التابعين وينكر أحاديث متفقًا على صحتها: فيطعن في حادث السقيفة قائلاً: "لست أطمئن إلى أكثر ما يرويه الرواة من نصوص الحوار الذي كان بين أبي بكر وصاحبيه من جهة وبين الأنصار من جهة أخرى". - ويطعن في حديث العباس وعلي عن موت النبي ﷺ وأن العباس عرف الموت في وجه النبي، مع رواية البخاري له وأحمد. - ويشكك في استسقاء عمر بالعباس مع أن الحديث مروي عن أنس في "صحيح البخاري". - ويشكك في أن يكون عمر قد راجع أبا بكر ﵁ معترضًا على حرب المرتدين مع أن الحديث رواه الجماعة سوى ابن ماجه .. وما أكثر قوله

стр. 259

في رواية الثقات العدول: "ويزعم الرواة". - ويلغ في أعراض الصحابة فيلمز أبا هريرة وسعد بن أبي وقاص ويتحامل على معاوية ﵁ ويوغل في عرض سيف الله المسلول خالد بن الوليد ﵁ ويجد في القصص التي اختلقها الوضاعون من أعداء الله عبر التاريخ الإسلامي ذريعة للطعن في أعظم قائد عرفته المعارك بعد رسول الله ﷺ ويصف عمر ﵁ في غير موضع بالبطش، وقال: إنه لم يمت حتى ملته قريش. وينتقد أبا بكر ﵁ في أنه حصر الخلافة في قريش مع أنه في هذه المسألة قد وردت أحاديث صحيحة كثيرة، ويصف عمرو بن العاص ﵁ بأنه ماكر أهل الشام والأشعث بن قيس بأنه ماكر أهل العراق، ولا ريب أن الطعن في الصحابة ﵁ يرمي إلى زلزلة الثقة بأهل الثقة. انظر إليه وهو يقول في كتابه "الشيخان": "وكان حظ الكوفة من سواد العراق ومما فُتح من أرض الفرس أعظم من حظ البصرة. وكان أهل البصرة يطمعون في أن يوسعوا رقعتهم ويكثروا من الفتوح، لتتاح لهم من الغنائم وسعة الفيء إلى ما كانوا يؤمنون به من فضل الجهاد والغزو في سبيل الله، حتى قال الأحنف بن قيس ذات يوم لعمر: "إن عيشنا أضيق من عيش إخواننا بالكوفة، وأنا لن نأمن الفرس"، وما زال الإلحاح حتى أذن عمر، فاندفع أهل البصرة حتى بلغوا من الفتح ما أرادو" فهل هذه هي النيات التي تحكم الأبرار الأطهار الذين تربوا في مدرسة محمد ﷺ ووعوا قوله: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" فما بال القتال في سبيل الغنائم. * طه حسين والصحابة: نجد أصولاً عامة مشتركة في كل كتب طه حسين:

стр. 260

أولاً: ظلم عثمان واستنقاص الصحابة ﵃ والافتراء على السيدة عائشة ﵂ ثانيًا: تكذيب الروايات التي وردت في "صحيح البخاري" وكتب السنة. وفي كتاب "الوعد الحق": - يطيل الحديث في كتابه "الوعد الحق" عن ظلم عثمان ﵁ وطغيانه، وأنه ما زال يضرب ابن مسعود ﵁ حتى كسر ضلعه، وأشبع عمار بن ياسر ﵁ ضربًا حتى أصابه الفتق، وغشي عليه، وفاتته صلوات الظهر والعصر والمغرب (ص ١٧٠)، وهذا دجل من طه حسين وكذب صراح. - ويدعي أن عثمان ﵁ نكث عن بيعته لعبد الرحمن بن عوف وانحرف عن طريق صاحبيه، وأن بني أمية في عهد عثمان حكموا حكمًا جاهليًّا بعيدًا عن الإسلام. وفي كتابه "مرآة الإِسلام": في صفحاته الأخيرة تتوالي عباراته الجارحة للصحابة ﵁ وتكذيب للأحاديث الصحاح. ويركز طه حسين في هذا الكتاب على خصوم الإسلام الذين تآمروا عليه من أمثال الزنادقة في عهد المهدي، والحلاج، فيدافع عنهم ويهاجم الخليفة المهدي في صنيعه بالزنادقة، ويصف قتل الحلاج بالغلوّ، ويزكي المعتزلة القائلين بخلق القرآن ويدافع عن قتلة عثمان ﵁. * إعجاب طه حسين بثورات التخريب: بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك في مغايظة المسلمين وتنكب الطريق الصحيح، واعتبر أن مؤامرة القرامطة والزنج ثورتان إسلاميتان تطلبان العدل والمساواة.

стр. 261

ولا ريب أن طه حسين كما يقول محمد النايف: لا يستطيع أن يتخلى عن عاطفته نحو الملحدين كالسبأية، والزنادقة والحلولية والقرمطية وثورة الزنج، ويُحشر المرء مع من أحب. * طه حسين وصلته باليهود: في محاضرته في " المدرسة الإسرائيلية " بالإسكندرية في ٢٤ ديسمبر ١٩٤٤ كما نشرتها مجلة المكشوف البيروتية في ٢ كانون الثاني ١٩٤٤: "ألقى الدكتور طه حسين مراقب الثقافة في وزارة التربية الوطنية في المدرسة الإسرائيلية بالإسكندرية - يوم ٢٤ كانون الأول ١٩٤٤ محاضرة عن اليهود والأدب العربي فذكر العلاقات بين اليهود والعرب منذ الجاهلية وأي أثر كان لليهود في تحضير سكان الجزيرة، ثم تكلم عن انتشارهم في أفريقيا الشمالية وأسبانيا حيث كانت لهم خدمات في سبيل الثقافة وكيف نافسوا العرب أنفسهم على أكثر المناصب في الدولة، إلى أن قال: إن المسيحيين واليهود كانوا خير عون للعرب في نقلهم العلوم والفنون والآداب عن اليونان والهنود والفرس .. " قالت المجلة: فقُوبل كلام المحاضر بعاصفة من التصفيق وقرر المجلس الملي الإسرائيلي إنشاء جائزتين باسم طه حسين يُمنحان لألمع طالبين في المدرسة الإسرائيلية". - وقبل ذلك بكثير احتضن طه حسين في كلية الآداب طالبه الأثير (إسرائيل ولفنسون) الذي وُصف بأنه رجل استقدمه الدكتور إلى الجامعة وأحاطه بعنايته ورعايته ومكّنه من الحصول على إجازة الدكتوراه برسالة عن "اليهود في جزيرة العرب" قدمها بنفسه في الحفل وفي الطبع، وقد أطلق على نفسه (أبو ذؤيب) وقد عمل أستاذًا فترة من الزمن في دار العلوم، وقد وجد فيما نقله من أخبار وأحاديث تحريفًا وبترًا واقتطاعًا من نصوص محفوظة معروفة.

стр. 262

موضوع رسالة الصهيوني إسرائيل ولفنسون (المشرف على البحوث الإسرائيلية في أفريقيا بعد ذلك) هو "تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام" قدم لها الأستاذ المشرف طه حسين بمقدمة جاء فيها: الموضوع في نفسه قيّم جليل الخطر بعيد الأثر جدًا في التاريخ الأدبي السياسي والديني للأمة العربية فليس من شك أن هذه المستعمرات اليهودية قد أثرت تأثيرًا قويًّا في الحياة العقلية والأدبية للجاهليين من أهل الحجاز، وليس من شك أن الخصومة كانت عنيفة أشد العنف بين الإسلام ويهودية هؤلاء اليهود، وفي أنها استحالت من المحاججة والمجادلة إلى حرب بالسيف انتهت بإجلاء اليهود عن البلاد العربية. وهذه الرسالة استحق صاحبها من الدكتور طه المشرف عليها أن ينعته بأنه عالم شاب وُفِّق إلى الخير وإلى تحقيق أشياء كثيرة لم تكن قد حُققت من قبل. وإسرائيل ولفنسون هذا قال عنه طه حسين: جئت به من فرنسا، وهو القائد لأكبر حملات الكذب والدعاية والتضليل على العرب في فلسطين. - ورسالة الدكتوراه هذه حلقة من كتب الدعاية الصهيونية التي كانت الشعبة الثقافية للمؤتمر الصهيوني بإشراف (مارتن بوبر) تدعو إلى نشرها، وقد أضفى طه حسين وتلميذه اليهودي على اليهود ما ليس لهم، وما لم يكن فيهم، بل هو فضل خلعاه على اليهود فما كان لليهود على العرب، أو على غيرهم من البشر أي فضل. ولقد تصدى لهذا الدجل الرخيص الدكتور فؤاد حسنين وبين عوار هذه الرسالة. - وطه حسين هو المدافع عن عبد الله بن سبأ اليهودي في كتابه "الفتنة الكبرى" ويشكك في حقيقة هذا اليهودي الذي تزعّم أكبر فتنة في صدر الإسلام، وحاول محاولة ساذجة في إنكار شخصية ابن سبأ وآثارها

стр. 263

البعيدة المدى. - ويكتب طه حسين صفحة كاملة في جريدة "الوادي" يلخص فيها كتاب "الأجناس" للكاتب الألماني الإسرائيلي فرديناند بروكينز والتي نقلها من مجلة اللاستراسيون ونشرها في٣ يونيو عام ١٩٣٤ وهي في مجموعها دعاية صارخة لليهود ومحاولة لتثبيت معلومات زائفة عن قتلهم بيد هتلر وإثارة القلوب عليهم بالإشفاق. - وبعد ذلك أشرف طه حسين على دار الكاتب المصري اليهودية التي عيّنته مستشارًا لها ورئيساً لتحرير مجلة الكاتب المصري. "ولندع الدكتور لويس عوض تلميذ الدكتور وصفيّه في كثير مما يدعو إليه يتحدث عن هذه القصة فيقول: كان لهذه الدار قصة واضحة وغامضة معًا، كان يملك هذه الدار أربعة إخوة من يهود مصر الميسورين. كنا نعرف في هذه الفترة مليونيرات يهود، بعضهم من يهود مصر وبعضهم من اليهود المصريين المتصلين بالثقافة والمثقفين منهم من كان ضالعًا في تشكيل حركاتنا السياسية الجديدة كالشيوعية وما إليها، وكنا نعرف أو نسمع عن آل كوريل: هنري وراؤول ومليونير يهودي شاب اسمه ريمون أحيون. كنا نسمع عن هؤلاء وغيرهم أنهم يمولون الحركات الشيوعية بالمال وقيل بالجنس أيضًا، لم نسمع عن آل هراري كانوا أربعة إخوة تجارًا ووكلاء شركة ومنتجين للآلة الكاتبة، قرروا دخول عالم النشر وتعاقدوا مع طه حسين .. كنت أسمع أن حملة ضارية قد شُنت على الدار من بعض الصحف المصرية الصغرى يقودها إسماعيل مظهر اتهمت فيها دار الكاتب المصري بأنها رأس رمح لليهود في مصر .. والحق أن ظهور دار الكاتب المصري في هذه الفترة الحرجة من تاريخ العالم العربي إذا نظرنا له بعد هذه الفترة البعيدة أمر يدعو إلى الاستثارة فعلاً" (الأهرام ٢٠/ ٢/١٩٦٨).

стр. 264

وإذا راجعنا ما أصدرته الدار وجدنا حربًا واضحة للإسلام ممثلة في كتاب جولدزيهر -اليهودي- ونجد عاصفة من المترجمات المثيرة التي تحمل الإلحاد والإباحية والفكر الغربي في صوره المنحلة والمضطربة الوجودية والشيوعية وغيرها" (١). - ولعل هذا ما دعا مجلة الإثنين أن تستجوب طه حسين في عددها (٨ أكتوبر عام ١٩٤٥) تحت عنوان "يقولون عنك فماذا تقول؟ " "يقولون عنك أنك تعمل على مساعدة الصهيونية فماذا تقول؟ ". - يقول الأستاذ أنور الجندي عن طه حسين: " أيدت كتاباته مفاهيم الرأسمالية وعاون الماركسين واليساريين حتى عدّوه "أستاذهم" ولم يطلق كلمة واحدة في سبيل فلسطين، وكان ولاؤه للفكر الصهيوني واضحًا في جولاته في المدارس الإسرئيلية بمصر أو إلقاؤه محاضرات يشيد فيها بدور كاذب لليهود في الجزيرة العربية والأدب العربي واستقدم شابين يهوديين وأعطاهم مجالاً للتبرير في الجامعة أحدهما (إسرائيل ولفنسون) .. والأخر (بول كراوس) الذي كان يروج للفكر الباطني والشعوبي من أمثال الحلاج وابن عربي وابن سبعين وعدد من الزنادقة، وكانت رحلاته للقدس المحتلة، فقد سافر مع لطفي السيد لافتتاح الجامعة العبرية بالقدس (١٩٤٤م) وسافر مع حسين فوزي (الذي أعلن ذلك صراحة) لزيارة الأقسام الاستشراقية وأهدوه كتاب " أنساب الأشراف " للبلاذري الذي اعتمد عليه في كتابه "الفتنة الكبرى" مبرئًا عبد الله بن سبأ اليهودي من أثره المعروف والمجمع عليه في مقتل عثمان، وولاه اليهود في مصر رئاسة تحرير مجلة الكاتب المصري ودارها عام ١٩٤٧، وقد كشفت أطروحات علمية في الجامعات

стр. 265

المصرية دور طه حسين في الصحافة الصهيونية في مصر وشهد نوفون رئيس إسرائيل في إبان زيارته لمصر في عهد السادات أنه صحب طه حسين في زيارة للمستعمرات اليهودية، فهذه زيارة لم يعلن عنها في وقتها" (١). - ماذا نكتب عن عميد الأدب العربي وتشجيعه لطلابه على إقامة أحفال الرقص المختلط في البيوت (٢). * هل اعتنق طه حسين النصرانية في فرنسا ؟ - قال الدكتور نجبب البهيتي تلميذ الدكتور طه حسين: "إنهم حاصروا طه حسين بحصارين: زوجته الفرنسية وسكرتيره القبطي، وأنه لم يكن يستطيع أن يفلت من مهمته، وأن نظرة واحدة إلى كتاب " معك " للسيدة سوزان يكشف بوضوح عن وجه طه حسين وقد وصفه الأستاذ أحمد حسين بقوله: أنه دخل عشرات الكنائس في كل مكان ذهبوا إليه ولم يدخل مسجدًا واحدًا" (٣). - "أما شبهة التنصر فقد ذكرها سكرتيره في حديث صاخب لمجلة الإذاعة وعلّق عليها الأستاذ أحمد حسين" (٤). ونختم بما قال الأستاذ أنور الجندي: "في السنوات الأخيرة من حياة طه حسين كان لا يزال الرجل يردد شبهاته، وفي مجلس ضمّ اللواء محمود شيت خطاب الذي روى لي القصة (عام ١٩٧٢ تقريبًا) قال طه حسين: إن القرآن كان غير منقط، ولذلك فقد حدث فيه اختلاف كثير فهناك كلمات

стр. 266

تنطق كذا وكذا فتبيّنوا، فتثبتوا، إلخ قال شيت خطاب: يا دكتور إن الله يقول: ﴿إِنا نحن نزلنا الذكر وِإنا له لحافظون﴾ هل لو كانت كلمات اختلف فيها أما كان الفقهاء والمفسرون سجلوا ذلك، إننا لا نجد في كتاب التفسير أو القراءات ما يدل على ما ذهبتم إليه، إن ما تقولون به هو ما قاله ماسينون وغيره من المستشرقين افتراء على القرآن والإسلام، ولا بد من مواجهة هذا والجهاد فيه. وصمت طه حسين لحظة قال: لماذا لم تقولوا لي إن فلانًا هنا معنا، إني أعتب عليك يا دكتور مدكور" (١). - ونختم بما قاله الدكتور محمد محمد حسين لله دره: "طه حسين الذي تشهد كتبه بأنه لم يكن إلا بوقا من أبواق الغرب وواحدًا من عملائه الذين أقامهم على حراسة السجن الكبير يرّوج لثقافاته ويعظمها ويؤلف قلوب العبيد ليجمعهم على عبادة جلاديه". * هل تاب طه حسين: نظمت نقابة الصحفين المصرية حفلاً لتأبين المفكر الإسلامي أنور الجندي الذي وافته المنية مساء الأثنين ١٤/ ١١/١٤٢٢هـ الموافق ٢٨ من يناير عام ٢٠٠٢ م. وفي كلمته في هذا الحفل تكلم الدكتور عبد الحليم عويس أستاذ التاريخ الإسلامي: "وأكد عويس بأن طه حسين تاب في آخر أيامه، ولكنه كان عاجزًا عن إعلان توبته، والتنكر لكل ما كتبه حيث منعه أناس من خارج بيته ومن داخله -يعني زوجته- واستدل د. عويس على توبة طه حسين بعدة أدلة منها ما ذكرته مجلة "العربي" الكويتية في تحقيق لها عن (حج طه حسين)،

стр. 267

وذكرت أنه بكى وقبل الحجر الأسود لمدة ربع الساعة فمنع الناس من الطواف، وذكر من شهد هذا الموقف أن طه حسين كان يردد عبارات التوبة بأنه أخطأ في حق دينه، وكان طه حسين يقوم بتقبيل تراب مكة وهو في طريقه إلى الحج. وأضاف عويس بأن العلمانيين يتعمدون إخفاء هذه الصفحة من حياة طه حسين. وذكر د. عبد الحليم عويس واقعة أخرى تؤكد توبة طه حسين وهذه الواقعة يشهد عليها اثنان من تلامذة طه حسين على قيد الحياة الآن وهما: د. محمد عبد المنعم خفاجي (٨٥ سنة) ود. علي علي صبح (عميد كلية اللغة العربية بالأزهر بالقاهرة) حيث ذكر أنهما ذهبا إلى طه حسين وهو محمول على الأيدي بعد جلسة مجمع اللغة العربية في أواخر حياته وقالا له: بحق الله أكتبت "في الشعر الجاهلي" عن علم أم كتبته للدنيا والشهرة؟! فأجاب طه حسين: بل كتبته للدنيا والشهرة!! واستحلفهما أن يكتبا هذه الشهادة، ويوقعا عليها ليظهرا توبة طه حسين للعالمين .. فطه حسين أساء وأخطأ ولكنه تاب ورجع" (١). * العقاد كتب الكثير عن الإِسلام ولكن الحق أحب إِلينا منه .. مدح البهاء والبهائية .. وكتب "عبقرية محمد" وهذا قصور منه وغياب عن النبوة النبوة لا العبقرية يا عقّاد: كل من ترجم للعقاد يعرف ثناءه ومدحه للبهاء والبهائية وهذه من أكبر

стр. 268

السقطات في فكر العقاد، ثم كتابته عن "عبقرية محمد" ﷺ وذهوله عن الفوارق العميقة بين النبوة والعبقرية. - قال الأستاذ أنو الجندي في كتابه "جيل العمالقة" (ص ٣٨٤ - ٣٨٩): "الفوارق العميقة بين النبوة والعبقرية: إن التفرقة بين (النبوة) و (العبقرية) هي من أخطر ما تعرضت له كتابات العصريين للسيرة النبوية فليس من المعقول أن تطلق تسمية (العبقرية) على الرسول ﷺ المؤيد بالوحي ثم تطلق أيضًا على صحابته أمثال أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وقد وصف الرسول ﷺ بالعبقرية في كتابات العقاد والبطولة في كتابات عبد الرحمن عزام، وبطل الحرية في كتابات عبد الرحمن الشرقاوي، وكل هذه مسميات تحجب عن القارئ المسلم الصفة البارزة والمهمة الأساسية وهي "النبوة" المؤيدة بالوحي. إن دراسة حياة النبي ﷺ تحت أي اسم من شأنها أن تعجز عن استيفاء جوانب هذه الشخصية العظيمة، وليس ثمة غير منهج واحد هو أنه نبي مرسل من قبل الله ﵎، فإن هذا الفهم وحده هو الذي يكشف عن الحقائق الناعمة ويكشف عن صفحات السمو والكمال الخلقي والعقلي والنفسي. إن كلمة (العبقرية): هي مصطلح عرف في الفكر الغربي وتناولته الأقلام ودارت حوله المعارف والمساجلات، وفي عام ١٩٣٥ انتقلت هذه المعارك إلى المجلات العربية فدارت عنه مناقشة طويلة بين محمد فريد وجدي والدكتور أمير بقطر. والتقطها الأستاذ العقاد واختزنها في ذاكرته وجعلها عنوانًا لدراسة عن الرسول ﷺ التي بدأها عام ١٩٤٢. ومن مجمل الدراسات التي دارت يتكشف أن هذه النظرية تجري حول

стр. 269

التميز والذكاء والتفوق في مجال "الفن والموسيقى والتصوير ولم يرد في الأسماء التي تناولتها الأبحاث أي اسم من أسماء المصلحين أو أصحاب الرسالات. ولقد قصر أمير بقطر العبقرية على الذكاء، وقال: إنها تجيء عن طريق الوراثة وأنها غير مكتسبة، وأوردت دوائر المعارف وصفا للعبقرية بأنها لغة الكامل في كل شيء يكون مبلغ رقم قياسي ذكاء العبقري فوق المعتاد، وبينما يقصر (أمير يقطر) العبقرية على مسألة اختبار الذكاء، فإن (فريد وجدي) يرى أنها (هبة إلهية ثمرتها فوق القدرة البشرية يمنحها الله لبعض الأفذاذ لتبرز على ألسنتهم أو على أيديهم في أمور لا يستطيع العقل البشري أن يستقل بإيجادها. - ولعل هذا هو المعنى الذي جعل العقاد يختارها ليصف بها الرسول مع أن جميع علماء العرب لم يصفوا بها أحدًا من الأنبياء كالمسيح أو موسى ﵉ والحقيقة أن مقاييس الجاه والثروة والعظمة التي جاءت بها العلوم المادية الحديثة تختلف تمامًا عن التقديرات التي جاءت بها النبوة. وأن أي قدر من الموهبة الإلهية التي وصف بها العبقرية تختلف اختلافًا واضحًا عن النبوة. وبالرغم من الاختلاف في فهم العبقرية بين كتابات العشرات من الباحثين الغربيين فإن أحدًا لا في الغرب ولا في العرب أدخل النبوة والأنبياء في هذه الدائرة ولكن يبدو أن الأستاذ العقاد أراد أن يتفوق على صاحبيه (هيكل وطه) وقد سبقاه لعشر سنوات في كتابة السيرة باتخاذ هذا المصطلح. - يقول الدكتور محمد أحمد الغمراوي: يجب أن يقرأ للعقاد باحتياط وهو يكتب عن الإسلام فالعقاد ابن العصر الحديث أخذ ثقافته مما قرأ لأدبائه وعلمائه وهو شيء كثير، وليس كل ما كتبه المستشرقون يقبله المسلم، ولا كل

стр. 270

نظريات الغرب متفق وما قرره القرآن، ولكن العقاد اعتقد من هذه النظريات ما اعتقد فهو ينظر إلى القرآن من خلال ما اعتقد منها ويبدو أن من بين ما اعتقده العقاد نظرية (فريزر) في نشوء الأديان فهي عنده ليست سماوية، ولكنها أرضية نشأت بالتطور والترقي إلى الأحسن ومن هنا تفضيل العقاد للإسلام على غيره من الأديان فهو آخرها وإذن فهو خيرها، ويقول: إن لم يكن هذا هو تفسير إطلاق اسميه الغربيين على كتابه "عبقرية محمد والفلسفة القرابية" فهذه التسمية خطأ منه ينبغي أن يتنبه إليه قارئ الكتاب من المسلمين لينجو ما أمكن مما توحي به التسميات من أن محمدًا ﷺ عبقري من العباقرة لا نبي ولا رسول بالمعنى الديني المعروف في الأديان المنزلة ويؤكد هذا الإيحاء أن جاء الكتاب واحدًا من سلسلة كتب العبقريات الإسلامية ولن يكون أولها، فالناشئ الذي يقرأ بعد عبقرية محمد عبقرية أبي بكر وعبقرية عمر مثلاً لا يمكن أن يسلم من إيحاء خفي إلى نفسه أن محمدًا وأبا بكر وعمر من قبيل واحد، عبقري من عباقرة وإن يكن أكبرهم جميعًا، كالذي سمى النبي ﷺ بطل الأبطال فأوهم أنه واحد من صنف ممتاز من الناس متجدد على العصور وليس من صنف اختتم به ﷺ صنف الأنبياء والمرسلين من عند الله، فالنبي والرسول يأتيه الملك من عند الله بما شاء الله من وحي ومن كتاب، ولا كذلك العبقري ولا البطل، فالنبوة والرسالة فوق البطولة بكثير، كم من الصحابة ﵁ من بطل ومن عبقري وكلهم يدين له ﷺ بأنه رسول الله إلى الناس كافة في ذلك العصر وما بعده وأنه خاتم النبين. - ويقول الأستاذ غازي التوبة: كتب العقاد العبقريات دفاعًا عن العظمة الإنسانية في وجه المتطاولين والحاقدين والمشوهين، هذه العظمة الإنسانية التي تحتاج إلى رد الاعتبار في عصره ودفاع العقاد عن العظمة الإنسانية هي حلقة

стр. 271

من دفاعه عن الفرد وإيمانه به ولكن ما هي الأخطار التي هددت الفرد والعظمة وجعلته يستل قلمه سنة ١٩٤٢ ليكتب أول عبقرية من عبقرياته، في الحقيقة أن الأخطار المباشرة التى هددت الوجه الآخر من إيمان العقاد بالفرد هو النظام الديمقراطي، هددته ثلاثة أخطار هي الفاشية والشيوعية والمد الإسلامي، تصدى للفاشية في "هتلر في الميزان" وتصدى للشيوعية في كتابه "الشيوعية والإنسانية" وأفيون الشعوب، أما تيار المد الإسلامي فحاربه بسلاح الشخصيات فكتب العبقريات ليؤكد صحة أفكاره في أولية الفرد في التاريخ وأحقيته كمحرك له وليطعن ويشوه الإيمان بالجانب الجماعي في الإسلام ويشكك في دور العقائد والتربية في توجيه الأشخاص، فالعظيم عظيم بفطرته والعبقري عبقري منذ نشأته، كذلك فقد ركز العقاد على العوامل الوراثية والتكوين الجسماني والعصبي ووضع هذه الأسباب في المرتبة الأولى في توجيه الشخصية بحيث تأتي العقيدة الإسلامية والتربية في المرتبة الثانية إن كان هناك دور للعقيدة أو التربية، والعقاد في موقفه هذا متأثر ببعض المدارس الأوربية التي تقدس الفرد والفردية وتفسر مختلف حوادث التاريخ على هذين الأساسين، وقد أورد العقاد ذكرًا لإحدى هذه المدارس التي تحدد صفات العبقري انطلاقًا من تكوينه الجسدي وهي مدرسة (لومبروزو). وهكذا قولب العقاد الشخصيات الإسلامية ضمن نظرياته الجاهزة في الفرد والطوابع الفردية. - وهو في هذا قد حجب الجانب الرباني المعجز، وحجب الغيبيات. فهو في موقفه من انتصار الرسول ﷺ في غزواته لا يعرض مطلقًا لوعد الله ﵎ لرسوله ورعايته والملائكة المقاتلون والنعاس الذي تغشى المسلمين أمنة، والمطر الذي طهرهم والرياح التي اقتلعت خيام المشركين وتثبيته لافئدة المقاتلين وقذفه الرعب في قلوب الكافرين، فليست العوامل

стр. 272

المادية وحدها هي قوام مكانة الرسل العسكرية، ولكن العوامل الربانية يجب أن تضاف إلى ملكات الرسول في التخطيط. - كذلك فهو لم يكشف عن دور الإسلام في بناء شخصية الرسول ﷺ ، فالإسلام هو الذي أعطى النبي ﷺ ذلك الإيمان بالله ﵎ والإيمان بأحقية الموت في سبيل الله وذلك القدر من الثبات والتضحية والإقدام والعزم والصبر. هذا الجانب الذي تجاهله العقاد واكتفى بالمقارنة بين سيدنا محمد ﷺ وبين نابليون من النواحي المادية والعسكرية، كذلك لم يتبين الفارق بين حروب محمد ﷺ وبين حروب نابليون وأنها كانت خالصة فى سبيل الله ونشر الإسلام وليست في سبيل المطامع والسيطرة. - ذلك أنه ناقش عبقرية الرسول العسكرية في ضوء العبقريات البشرية، ولم يتنبه للفوارق العميقة، التي يتميز بها شخصية الرسول بوصفه نبي مرسل أو تلك التي هداه إليها الإسلام، وأن تمييزه هذا يختلف عن البطولات والعبقريات البشرية الأخرى، ومن هنا يبدو النقص في وزن النبي ﷺ بالعبقريات البشرية الأخرى. كذلك هذا التمييز الذي عرفت به شخصية محمد ﷺ "نبيًا" ومرسلاً وهاديًا، تختلف في المقارنة بينه وبين الأبطال العالميين الأخرين من ناحية كما أن شخصيته ﵇ تختلف عن شخصية كل من أبي بكر وعمر وغيرهم. لقد تحدث العقاد عن الجانب المادي في شخصية الرسول ﷺ وحجب تمامًا الجانب الروحي المتصل بالوحي وأظهره كمجرد إنسان يعمل بمواهب ممتازة وملكات خاصة، وهكذا فان (العبقرية) التي حاول العقاد أن يقدم رسول الله ﷺ من خلالها، كان حجمها ضيقًا ومجالها ناقصًا،

стр. 273

وأخطر ما أخذ عليه هو أنه لم يظهر أثر الإسلام في بناء شخصية الرسول ﷺ وهو العامل الأكبر في حياته وتصرفاته على النحو الذي وصفته السيدة عائشة ﵁ بقولها: "كان خلقه القرآن" هذه الربانية الخالصة التي تعلو على طوابع البشر، وقد وصفها القرآن في قوله تعالى: ﴿قل إِن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالين لا شريك له﴾. - كذلك فقد تحدث عن افتتان المسلمين بشخص الرسول وانبهارهم بمواهبه واعتبر إعجابهم به سببًا وحيدًا لدخولهم في الإسلام وعزا اجتماع الصداقات المتنوعة حوله نتيجة لمزاياه النفسية وبذلك أنكر أثر عظمة الإسلام نفسه في إيمان أصحاب النبي ﷺ ، وليس من شك في أن إعجاب المسلمين بالرسول له أهميته في مرحلة الدخول في الإسلام، ولكن تقدير المسلمين للإسلام هو العامل الذي ثبتهم بعد ذلك على الإيمان بالإسلام وحفزهم للدفاع عنه. - إن الأستاذ العقاد وقد حارب مذهب التفسير المادي للتاريخ الذي قدمه ماركس والشيوعية حربًا لا هوادة لها خضع مع الأسف للمذهب المادي الذي لا يعترف بالآثار المعنوية المترتبة على الإيمان والعقيدة في بناء الشخصية كما تجاهل جانب الغيبيات ولم يفهم النبوة فهمًا صحيحًا، ولذلك فإن الجانب الروحي القادر على العطاء في بناء الشخصيات والذي صنع شخصية رسول الإسلام تراه باهتًا غائمًا عنده، وذلك لأنه اعتمد في دراسة الشخصيات والبطولات على مذاهب غربية تتجاهل النبوة والوحي والغيبيات والمعجزات ولا تجعل لهذه العوامل الروحية والمعنوية أي وزن وأي اعتبار، وإنما قامت اعتباراتها على جوانب الحس وتركيب الإنسان المادي والوراثيات وغيرها" اهـ (١).

стр. 274

* الشيخ عبد المتعال الصعيدي يحاول هدم الحدود الإسلامية المستقرة في الكتاب والسنة، ونظرة إِلى كتابه "المجددون" تعلم منه ضآلة علم هذا الرجل وأنه يدس السم في العسل: كان الشيخ عبد المتعال الصعيدي "يحاول هدم الحدود الإسلامية المستقرة في الكتاب والسنة زاعمًا أن الأمر بها للندب لا للوجوب، وأن الأمر لا يقتضي التكرار الدائم إلى آخر هذا اللغو المتهافت" (١). والرجل قد سوّدت يداه كتابه "المجددون" واعجب عجب العجاب يا أخي حين تراه يعد منهم الكندي والفارابي وابن سينا!!! ولا تعليق. * خالد محمد خالد كتب الكثير الرائق كرجال حول الرسول وكبا جواده في "الديمقراطية أبدا " وسار على نهج علي عبد الرازق ولكن بأسلوب أذكى وأحدث في كتابه "من هنا نبدأ" تم تاب غفر الله له: كتب الأستاذ خالد محمد خالد الكثير الطيب وخاصة كتابه القيم "رجال حول الرسول"، ولكنه سقط سقطتين كبيرتين لا بد من التنبيه عليهما فولاؤنا لله ورسوله. - أما السقطة الأولى فكتابه "الديمقراطية أبدًا"، ومن ضمن ما قال فية: ١ - حق المرأة في وقف تعدد الزوجات، وعلى ذمته ينسب إلى محمد عبده أنه قال: "يجب تحريم التعدد الآن عملاً بحديث لا ضرر ولا ضرار" (٢). ٢ - تأميم الطلاق على حد تعبيره (٣).

стр. 275

- أما الكتاب الثاني فهو الخطير المسمى "من هنا نبدأ" وهو دعوة صريحة إلى العلمانية. - يقول الأستاذ جمال سلطان في كتابه "جذور الأنحراف في الفكر الإسلامي الحديث": "في كتابه الشهير "من هنا نبدأ" (١) كتب خالد محمد يقول: "إن تصفية العلاقات بين المجتمع والدين، هي بداية الطريق المفضي إلى النماء والاستقرار" (ص ٤٤). فبداية طريق النهضة، كما يراه هذا الرمز العلماني يوم كتب كتابه ذاك، هو تصفية العلاقات بين المجتمع والدين، وهو لا يلبث أن يطرح عدة تساؤلات توضح أهمية هذه "التصفية" لنجاح المسيرة، فيقول: "وإننا لنقف في خضم هذا العالم الذي تتقاذف أممه، وتتدافع إلى الأمام سائلين أنفسنا أنمضي قدمًا أم ننتكس إلى الوراء؟ أننحرف عن قومية الحكم إلى عنصريته وطائفيته، أم نضاعف هذه القومية وننميّها؟ أنمزج الدين بالدولة، فنفقد الدولة ونفقد الدين؟ أم يعمل كل منهما في ميدانه؟ فنربحهما جميعًا، ونربح أنفسنا ومستقبلنا"؟ (ص١٥١) وهذه التساؤلات تجعلنا نقترب من صميم قصد المؤلف، ونلخصه في السؤال: أنقترب من "الأنموذج" الأوربي أم نبتعد عنه فننتكس إلى الوراء؟ وهذا السؤال يجعله أقرب وضوحًا في ذهن القارئ ما عطف به المؤلف ليضرب لنا المثل والعبرة والدرس، فيقول: "ولعلنا لم ننس بعد ما حدث للمسيحية، فحين حوّلتها الكنيسة إلى دولة وسلطان، واقترفت باسمها أشد أصناف البغي والقسوة، جاء يوم ثار فيه الناس جميعًا على المسيحية، وعلى الكنيسة، واتخذوهما هزوًا ولعبًا وخلعوا كل ما في أعناقهم

стр. 276

للدين من عهد وطاعة، حتى إذا عادت الكنيسة بالمسيحية إلى مكانها الطبيعي، تبشر وتهدي فقط، رجع الآبقون إليها، ولاذوا من جديد بها، وبدأت تستعيد سلطانها الأدبي واستقرارها التاريخي (ص ١٥١). وإذًا فالسبيل واضحة، إما أن نفصل الكنيسة المسلمة (!!! ) عن الدولة وإما أن يثور الناس على الإسلام و"كنيسته" معًا، ولعل القارئ البسيط يسأل: وما هي "كنيسة الإسلام"؟! وهل في الإسلام كنيسة؟! وهو سؤال بديهي الآن، ولكن -في حقبة التنوير- كان عكس ذلك هو البديهي إن خالد محمد خالد لم يكلّف نفسه الوقوف ليسأل، وما وجه الشبه بين التجربة المسيحية وصراعها الأوربي، والتجربة الإسلامية؟ وما هي بالتحديد "الكنيسة" أو نظيرها الذي يتوجّب عزله عن الدولة؟ إن المسألة كانت محسومة في أذهان ذلك الجيل، وهي أن التجربة الأوربية "أنموذج" وعلى الجميع احتذاؤه، وهي "مثال" وعلى من يطلب النور والحضارة أن يتمثل به ويشابهه، ويسير على دربه، ويتبع خطاه. وكتاب "من هنا نبدأ" موزع على فصول أربعة، جاءت الفصول الثلاثة الأولى منها مصدَّرة بعبارات لنفر من مفكري أوربا المحدثين هم على التوالي "فولتير" و"توماس بين"، و"فولتير" مرة ثانية؟!! وهي لمحة نلفت بها ذهن القارئ لتفهم طبيعة التكوين النفسي لرموز "التنوير" ومبلغ إدراكهم لمنابع النور! كتب خالد محمد خالد يدعو للنهوض برسالة المسجد في الإسلام بحيث تؤدي دورها "النموذجي"، فإذا به ينحرف فجأة لأخذ النموذج من "الكنيسة"، يقول: "ولقد أن الأوان لرسم سياسة للمسجد، وتنظيم رسالته أو تهذيب وسائله، فالكنائس في الغرب تعمل مع المجتمع لا ضده، وتمجد الرقي لا تلعنه وتدعو إلى الحياة لا الموت، وتتطور مع العلم والزمن" (ص٧٢).

стр. 277

- وإذن فالنموذج واضح لا لبس فيه، وهو أن يتشبه المسجد بالكنيسة في الغرب، ومن هنا يبدأ التنوير، أو ما يسميه خالد محمد خالد "النهضة الكنسية" (ص٧٣). - والمسألة لا تقف عند الكنيسة كمؤسسة، وإنما "الأنموذج " ينبغي أن يكون أكثر صراحة، فالشيخ المسلم والعالم المسلم ينبغي أن يكون كقسيس الكنيسة في أوربا، فهو ينادي بتأسيس كليات "اللاهوت" الإسلامي بحيث -حسب نصه- يتخرّج فيها وعاظ من طراز جديد، كوعّاظ الكنيسة في أوروبا" (ص٨٣). - والهوس بالأنموذج الأوربي "المتنور" كان يصل أحيانًا - بل كثيرًا إلى نوع من الفجاجة الفكرية التي لا تُقبل من الصبي الحدث، فما بالك برمز تنويرفي كبير، يتأسف "أدونيس" على تراجعه عن مخططه التنويري، فيقول خالد في كتابه: "لقد انعقد إجماع العلم المتحضر كله، على أن النظام الذي تبلغ به المنفعة الاجتماعية حدها الأقصى في الوقت الحاضر، هو الاشتراكية" (ص١٢٣) ثم يقول: "إن كل توجيهات الرسول لتنزع إلى الاشتراكية في كل نظام يبتكره الناس، ويحقق منافعهم ومصالحهم" (ص١٢٤). وأصبحت الرسالة المقدسة كما نص عليها كتاب "من هنا نبدأ" هي "الخبز"، أن تمتلئ البطون وترتوي الشهوات! فتحت عنوان "الخبز هو السلام" كتب يحدد وظيفة الحكم اللازمة لبلادنا، فقال: "إننا نعيش في عصر، ليس للحكومات فيه رسالة سوى تحقيق المنفعة الاجتماعية للشعوب، وإزاحة كل العوائق التي تعترضها وتصدها عن غايتها المقدسة!! (ص٩٨). - نقطة البداية هذه، التي نسجل بها كيف بدأ الخلل، وكيف انحرفت حركة النهضة العربية عن جادة السبيل، لا ينفرد بها كتاب ولا اثنان ولا حتى عشرة؛ لأنها كانت "روح" هذه النخبة المثقفة المتغرّبة، والمثل الذي نأخذه من

стр. 278

كتاب "من هنا نبدأ" هو بمثابة شهادة وثيقة، ورغم أن صاحبها قد تخلى عن كثير مما ورد فيها الآن، إلا أن هذا لا يناقض منهجنا؛ لأننا لا نعني الأشخاص، وإنما نرصد حالة فكرية من خلال نسقها الحضاري في لحظة زمانية معينة. * الشيخ الغزالي يتصدى لخالد محمد خالد ويرد على كتابه "من هنا نبدأ" بكتابه "من هنا نعلم" فأحسن: رد الشيخ محمد الغزالي على خالد محمد خالد في كتابه "من هنا نعلم" فأحسن وأجاد. ومن عجيب التصاريف أن الرجل الذي تصدى لانحرافات (خالد محمد خالد) منذ أربعين سنة، يقع هو ذاته في الخطأ المنهجي الذي تولدت عنه كل خطايا كتاب خالد محمد خالد "من هنا نبدأ"، وهكذا برزت في كتابات الشيخ (محمد الغزالي) الأخيرة إشارته إلى القيم الأوروبية والذوق الأوربي والفكر الأوربي على سبيل التبجيل وإعلاء الشأن، ولا أغالي إذا قلت بأن أحاديثه في هذا الشأن وصلت إلى حد جعل "الأنموذج" الغربي مثلاً يُحتذى في كثير من قيم وآداب وأفكار المجتمع الإسلامي المعاصر، ووصلت إلى الحد الذي يجعله يقيم بعض آدابنا الإسلامية وأخلاقنا وأفكارنا وثقافتنا على أساس وزنها بالتقدير الأوربي والنظرة الأوربية. فإذا تحدث عن موقف الإسلام من الفن بصورة المختلفة مثل الموسيقى والتصوير ونحوها برز في حديثه الأنموذج الغربي، وكيف أننا نسيء إلى صورة الإسلام إذا حرمنا كذا أو كذا، وإذا تحدث عن هيئة الحجاب الشرعي، وضع في مقاييسه ومعاييره اشمئزاز الإنسان الأوربي من صورة النقاب، ونفوره من هيئة المرأة المنقبة، وإذا تحدث عن آداب بعض شباب الإسلام من تقصير الثياب أو لبس العمامة، استنكر هذه الهيئة لعدم ملاءمتها لمعايير التحضر عند الإنسان الأوربي، وإذا درس قضية فقهية مثل سفر المرأة، أو

стр. 279

خروجها إلى المسجد، أو توليتها القضاء أو الإمامة الصغرى أو العظمى، وجدت حديثه ينصرف إلى ضرب المثل من المرأة الأوربية وربما المرأة اليهودية مثل (جولدا مائير)!، كما يضرب المثل بالراهبات والمبشرات ونشاطهن وحركتهن وسلوكهن الاجتماعي، تمامًا كما ضرب خالد محمد خالد المثل للعالم المسلم بالقسيس، وضرب المثل للمسجد ودوره بالكنيسة ودورها، فالمنهج واضح، وإن اختلفت التطبيقات، أو ضاقت مساحات الجرأة والتهور. وأصبح معروفًا من الموازنات الجديدة لدى الشيخ (الغزالي) في فتاواه وأحكامه، تقسيم الفتوى على أساس جديد، ليس هو الشرعي وغير الشرعي، أو الحق والباطل، وإنما على أساس هذا حضري وهذا بدوي، فالمقياس أصبح هو التحضر والبداوة، وشاع في أحاديث الشيخ إنكاره على بعض الفتاوى الشرعية على أساس أنها "فقه بدوي"، كما شاع عنه هجومه على من يعتصمون بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية دونما اعتبار لأي مشروعية أخرى، ويطلق الشيخ عليهم وصف "النصوصيون"، وأحيانا "الحَرْفيون"، وهذه التقسيمات والاصطلاحات كلها ليست بنات فكر الشيخ، وإنما هي وليدة أفكار نفر من المنحرفين بالفكر الإسلامي تحت دعوي "الفكر الديني المستنير" ونحن في غنى عن تضخيم البحث باستقصاء المقولات الممثلة لهذه الأفكار من كتابات الشيخ، فهي مشهورة وواسعة التداول. ولا نطيل الوقوف عند هذا الخلل المنهجي عند الشيخ، وحسبنا الإشارة إليه والتنبيه إلى خطورته، وقد عرضنا لنقده بشيء من التفصيل في كتابات سابقة" (١، ٢)

стр. 280

* الدكتور زكي مبارك يشارك طه حسين التشكيك في القرآن: من الإنصاف أن يقال: إن زكي مبارك كانت له جهود أدبية وفكرية في المنافحة عن تراث أمته وأرومة حضارته، خاصة موقفه المشرف من هجوم الدكتور طه حسين على العقل العربي الإسلامي عندنا انحاز طه بحماس بالغ للحضارة الغربية وريثة العقل اليوناني - بما في ذلك شذوذه الهابط. إلا أن الدكتور زكي مبارك انخرط هو الآخر فيما انخرط فيه خصمه طه حسين من تملق وتزلف شنيع لبعض أساتذته من المستشرقين الفرنسيين الذين درس وأخذ عنهم في جامعة السوربون بباريس أثناء تحضير أطروحته للدكتوراه الموسومة بـ "النثر الفني في القرن الرابع الهجري " حيث ذهب الدكتور مبارك يجاري آراء أساتذته، خاصة منهم "المسيو مرسيه" و"ديموبين" وقد وصل الأمر إلى القرآن. لقد لمز زكي مبارك القرآن وجارى المستشرقين .. فلم يلبث أن أعلن في أطروحته أن القرآن كتاب أرضي لا سماوي (كذا والله) .. فالقرآن عنده أثر نثري جاهلي!!! وأنا هنا لا أتحامل ضده أو أقوّله ما لم يقل، بل أكتفي بنقل أسطر قليلة موثقة من كتابه "النثر الفني" قال: "فليعلم القارئ أن لدينا شاهدًا من شواهد النثر الجاهلي يصح الاعتماد عليه وهو القرآن، ولا ينبغي الاندهاش من عدّ القرآن أثرًا جاهليًّا فإنه من صور العصر الجاهلي؛ إذ جاء بلغته وتصوراته وتقاليده وتعابيره، وهو بالرغم مما أجمع عليه المسلمون من تفرّده بصفات أدبية لم تكن معروفة في ظنهم عند العرب، يعطينا صورة للنثر الجاهلي" (١).

стр. 281

- ويقول في صفاقة غريبة: "القرآن شاهد من شواهد النثر الفني، ولو كره المكابرون فأين نضعه من عهود النثر في اللغة العربية؟ أنضعه في العهد الإسلامي؟ وكيف والإسلام لم يكن موجودًا قبل القرآن حتى يغيّر أوضاع التعابير والأساليب؟ فلا مفرّ إذن من الاعتراف بأن القرآن يعطي صورة صحيحة من النثر الفني لعهد الجاهلية" (١). الحق أن ما افتراه الدكتور مبارك، وما قاله عن القرآن ليس هيّنًا، وهو يتناقض تمامًا مع اتجاه عدّه رمزًا من رموز الدفاع عن الثقافة العربية .. وهوية أمتنا الحضارية .. لذلَك لم يكن حراس عرين تلك الهوية من الغافلين عن مفترياته، ولا سيما إذا تعلّق بالكتاب العزيز والوحي الخالد .. - قال الشيخ محمد الغزالي ﵀: "أراد الدكتور زكي مبارك أن ينال إجازته العلمية من باريس فكيف يصنع الدكتور الذكي؟؟ رأى أن يسوق ألف دليل على أنه وعى جيدًا دروس أساتذته، وأنه اقتنع بالفكرة التي يصرّحون بها حينًا، ويلمحون بها حينًا آخر، فكرة أن القرآن من وضع محمد، وأنه ليس وحيًا مصونًا كالإنجيل أو التوراة "كذا" فاسمع العبارات التي بثها بثًا دنيئًا وسط مائتي صفحة من كتابه "النثر الفني" وتملّق بها مشاعر السادة المستشرقين الذين يوجهون العلم والأدب لخدمة المستعمرين ونصرة الصليبيِن" (٢). وبعد أن أورد الشيخ فقرات من كتاب "النثر الفني" تتعلق جميعها بمفتريات الدكتور مبارك على القرآن الكريم علّق على ذلك بقوله: "ماذا يطلب أعداء الإسلام أكثر من هذا؟ وأين تبلغ أهداف الصليبية الغازية بعد

стр. 282

هذا؟ هذه العبارة (١) مليئة بالمطاعن والأكاذيب هي أثر الغزو التنصيري الذي شنّه الاستعمار علينا .. والقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي نلقى فيه صورة الوحي الإلهي كاملة غير منقوصة .. وهو أنقى ينبوع لهدايات الله، كما تنزل على رسله الأكرمين، وكما بلغها إمام الأنبياء محمد بن عبد الله ﷺ وهو المعجزة التى حاول المغرورون أن يتعرضوا لها، فارتدوا على أعقابهم يتبعهم الخزي، وتتناول أقفيتهم الصفعات .. ". ثم استتلى في تعليقه قائلاً: "ومحاولة المستشرقين وأذنابهم أن ينالوا منه ليست محل اكتراثنا، وليس هنا مجال تفنيدها، وكشف دخلها ودغلها، وكل ما يعنينا هنا إبراز الصلات الفكرية بين نوع من الأدب قدمه لنا بعض الناس، وبين غايات الهجوم الصليبي الذي لقح هذا النوع ونماه واحتضن أصحابه، ومهد لهم في المحافل! ولا ندري هل رجع الدكتور زكي إلى الله بعد هذا الكفران المبين أم مات على زيغه؟ لقد كتب بعد هذا كتابات حسنة في التصوف! وان كان الرجل ظل يدمن الخمر حتى صرعه السكر، فقضى على حياته وهو نشوان" (٢). فكيف يجرؤ الدكتور مبارك فيذهب هذا المذهب الشنيع فيعدّ القرآن آثرا عربيًا صرفًا، أي أنه كتاب نبت من الأرض ولم ينزل من السماء!! والقارئ المسلم لا يغض طرفه ولا ينسى إذا تعلق الأمر بلمز كتاب ربه والحط من منزلة الوحي الكريم (٣).

стр. 283

كتاب "النثر الفني في القرن الرابع الهجري " ورد الدكتور محمد أحمد الغمراوي على زكي مبارك: المؤلف تعرض في كتابه للدين بما لا يقره عقل ولا خلق: في كتاب " النثر الفني في القرن الرابع الهجري " للدكتور زكي مبارك أخطاء خطيرة في دراسته للقرآن الكريم تناولها الدكتور محمد أحمد الغمراوي بالبحث في فصول مطولة متعددة نشرتها الرسالة المصرية في مجلد عام ١٩٤٤ م ونحاول عرضها هنا بإيجاز. - تضمن البحث شبهات ثلاث تخالف ما يعرف من الدين بالضرورة: أولاً: دعوته إلى نقد القرآن. ثانيا: إنكاره إعجاز القرآن. ثالثا: أنه يكاد يصرح بأن القران من كلام البشر. رابعًا: أن الأديان كلها نبت البيئة ومن وضع الأنبياء. - قال الدكتور محمد أحمد الغمراوي: إن زكي مبارك يحاول إبطال حكمة الله في جعل كتابه الذي أنزله على آخر أنبيائه ورسله معجزة أدبية، وهي محاربة لله من غير شك، ويحاول زكي مبارك إبطال تلك الحكمة عن طريقين: أولاً: طريق نظري في الدعوة إلى إنكار (إعجاز القرآن) ليبطل عند صغار العقول أمثاله: إن القرآن من عند الله. ثانيًا: طريق عملي هو العمل على جعل الأدب إِباحيًّا شهوانيًّا بعد أن جعله الله في القرآن وبالقرآن إصلاحيًا ربانيًّا، وزكي مبارك في هذا تابع مقلد فقبله كان أبو نواس، وأمثال أبي نواس من الذين صرفوا الأدب عن الوجهة

стр. 284

التي شرعها الله للناس فى الأدب بالقرآن فجعلوا الأدب للغواية بعد أن كان للهداية وجعلوه للشيطان بعد أن كان لله، ومثله كان ابن الراوندي وغيره من أهل الأهواء. يتعرض الدكتور زكي مبارك في كتابه النثر الفني للدين بما لا يمكن أن يقره عليه عاقل ولا دين وبما يخالف الكتاب والسنة والإجماع عند المسلمين يتعرض لا لجزئية من الجزئيات يجوز فيها الخلاف بل للأصول التي يقوم الدين بقيامها وينهدم بأنهدامها كأصل "إعجاز القرآن" وأن القرآن كتاب الله لا كتاب محمد بن عبد الله ﷺ فنجده في أول فصل من فصول الكتاب يعيب على علماء العربية أنهم حين تعرضوا لنقد القرآن لم يذكروا إلا المحاسن. وفي هذا خرج على علماء العربية وعلى الإجماع، إذ أن النقد عنده أن يقف الباحث أمام الأثر الأدبي موقف الممتحن للمحاسن والعيوب، وهذا صحيح ولكن في نقد كلام الناس لا كلام الله، ولو كان القرآن كلام بشر لكان أثرًا أدبيًّا لصاحبه، أما وهو كلام الله خالق البشر أنزله سبحانه معجزة لرسوله ﷺ وتحدى به كل شاك فيه من العرب وغير العرب، بل تحدى به الجن والإنس على اختلاف العصور، فكيف يمكن أن يقف الناقد أمامه إلا كما يقف العالم أمام آية من آيات الله في الأرض أو في السماء؟ إن العهد الذي كان ينظر فيه في القرآن نظرة تطلب العيوب قد مر بالفعل، مر إلى غير رجعة، والذين نظروا في القرآن تلك النظرة التي يدعو إليها الدكتور زكي مبارك كانوا أقدر منه ألف مرة على إدراك أي عيب لو وجدوه، وأبصر بنقد الكلام لأنهم كانوا أهل العربية الفصحى. افترض الدكتور زكي مبارك أن القرآن أثر جاهلي وزعم أن للعرب في الجاهلية نهضة علمية وأدبية وسياسية وأخلاقية واجتماعية كان الإسلام تاجًا لها، أي أن الإسلام نتيجة وتمامًا لتلك النهضة لا سببًا لها.

стр. 285

- يقول في تعليل ذلك: لأنه لا يمكن لرجل فرد مثل النبي محمد ﷺ أن ينقل أمة كاملة من العدم إلى الوجود ومن الظلمات إلى النور ومن العبودية إلى السيادة القاهرة، كل هذا لا يمكن أن يقع دون أن تكون تلك الأمة قد استعدت في أعماقها وفي ضمائرها وفي عقولها بحيث استطاع رجل واحد أن يكوِّن منها (أمة متحدة)، وكانت قبائل متفرقة، وأن ينظم علومها وآدابها بحيث تستطيع أن تفرض سيادتها وتجاربها وعلومها على أجزاء مهمة من آسيا وإفريقيا وأوربا في زمن وجيز، ولو كان يكفي أن يكون الإنسان (نبيًا) ليفعل ما فعله النبي محمد ﷺ لما رأينا أنبياء أخفقوا ولم يصلوا لأن أممهم لم تكن صالحة للبعث والنهوض. فزكي مبارك يحاول أن يرد نهضة العرب بعد الإسلام لا إلى رسالة الإسلام ونبوة محمد ﷺ وما أنزل الله عليه من قرآن وحكمة، ولكن إلى علوم وآداب وتجارب كانت عند العرب، وأن كل ما فعله النبي هو أن نظمها حتى استطاع أهلها أن يسودوا في القارات الثلاث في زمن وجيز. وتاريخ نشأة العلوم والآداب في الأمة العربية بعد الإسلام معروف، كما أن مقاومة العرب للنبي ﷺ ودعوته ومحاربتهم له ولها معروفة، ولكن الرجل ينكر التاريخ ويفتري تاريخًا آخر ويزعم زعمًا لا يجوز ولا يستقيم في منطق أو تفكير إلا إذا كان القرآن كلام النبي، كلام محمد العربي ﷺ لا كلام الله سبحانه، عندئذ فقط يعقل أن يكون العرب على ما وصف زكي مبارك من نهضة وعلم وأدب؛ لأن القرآن أكثر من نهضة وعلم وأدب، ولا يعقل إن كان كلام بشر أن يأتي به صاحبه في أمة جاهلة كالتي أجمع على وجودها قبل الإسلام مؤرخو اللغة العربية من شرقيين ومستشرقين ومؤرخي الإسلام. ويلتحق بزعمه الذي زعم لعرب الجاهلية من نهضة علمية، سياسية،
следующие страницы →