وقال في الإقسام ببعض مخلوقاته -وما أكثر إقسامه بها-: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ١، ٢].
فهل يُسْتَدل -على طريقتك- بأن الله في القرآن هو ليس الله؟! لأنه أقسم بنفسه يا حضرة الرئيس؟!
فلو فُرِضَ أن "الجبلاوي" في الرواية يُقْسم بالله -دائمًا- كما زعمت فليس في ذلك دليل على أن "الجبلاوي" في الرواية لم يرمز به "صديقك" إلى الله!!
* ولكنه لم يُقْسم:
جارينا "حضرة الرئيس" جدلاً على أن "الجبلاوي" في الرواية يُقسم بالله -دائمًا- جاريناه لنُبطلَ استدلاله على أن الجبلاوي في الرواية ليس هو "الله" وها نحن قد أبطلنا هذا الاستدلال كما رأيت.
بيد أن الواقع أن "الجبلاوي" لم يقسم بالله ولا حتى مرة واحدة، ولا نصف مرة إن صح هذا التعبير. فالرواية على طولها الطويل (٥٢٢ صفحة من القطع الكبير) تخلو تمامًا من إقسام "الجبلاوي" بالله، بل وبغير الله.
اللهُم إلا مرة واحدة أقسم فيها "الجبلاوي"، ولكن بالطلاق وليس بالله؟!
فقد ذكر المؤلف عبارة أسندها إلى الجبلاوي صدرت منه -كما زعمت الرواية- في حالة غضب، بعد طرد إدريس (أي إبليس) من البيت الكبير، وحذر أهل البيت من السماح بدخول إدريس فيه. قال المؤلف على لسان الجبلاوي:
" الهلاك لمن يسمح له بالعودة، أو يعينه عليها، ورفع رأسه -يعني الجبلاوي- صوب نوافذ الحريم المغلقة وصاح مرة أُخرى:
стр. 352
" وطالقة ثلاثًا من تجترئ على هذا .. " (١).
هذا هو القسم الوحيد للجبلاوي في رواية "أولاد الحارة"!!
فهل هذا قسم بالله؟ ولو فرضنا جدلا أنه قسم بالله، فأين الاستمرار والدوام الذي عبَّر عنه "حضرة الريس" بأن الجبلاوي يقسم بالله دائمًا؟!
وأكاد أقسم بالله بارًا غير آثم أن "حضرة الريس" لم يقرأ رواية: "أولاد حارتنا" قط، ولو كان قرأها لما ورَّط نفسه في هذه الورطة "البلقاء"، ويبدو لي أن كل المدافعين أو جُلهم من هذا القبيل؟!
* إِمَّا هذا، وإِمَّا ذاك:
وهل درى هؤلاء المدافعون عن الرواية، الذاهبون إلى أن "الجبلاوي" في الرواية ليس رمزًا للأُلوهية " الله "، هل دَرَوْا بأن دفاعهم هذا يُورط "المؤلف" في عقيدة الإشراك بالله -سبحانه- وأنَّه -أي المؤلف- يدعو مع الله إلهًا آخر ليس له به علم، وما أنزل الله به من سُلطان؟!
* بيان ذلك:
فقد ثبت في هذه الدراسة على وجه " اليقين " أن أدهم هو آدم، وأن "جبل" هو موسى، وأن "رفاعة" هو عيسى، وأن "قاسم" هو محمد ﷺ .
فإذا صحَّ أن "الجبلاوي" في الرواية ليس رمزًا لـ "الله"، فيلزم من ذلك وجود إله آخر اسمه " الجبلاوي " مع الله الواحد الأحد قيوم السموات والأرض؟!
стр. 353
ويلزم أن هذا الإِله الوهمي هو الذي:
- أخرج آدم وزوجه من الجنة!!
- وطرد إبليس ولعنه!!
- وأرسل موسى وعيسى ومحمدًا ﷺ !!
- ثم هو الذي أنزل التوراة والإنجيل والقرآن!!
فما هو رأي هؤلاء القائلين بأن "الجبلاوي" في الرواية ليس هو "الله" بعد هذا البيان؟!
- إنهم -لا محالة- مُلْزَمون بواحد من أمرين كلاهما شديد المرارة:
- فإما أن يُقروا بأن "الجبلاوي" هو "الله" في الرواية، فيلزمهم أن يوافقونا على أن الرواية أساءت -كل الإساءة- إلى الذات العلية، وإلى الرسل الكرام، وسخرت سخرية لاذعة بالتاريخ الديني النبوي!!
- وإما أن يتمسكوا -جدلاً- بأن "الجبلاوي" ليس هو "الله" في الرواية، فيلزمهم أن ينسبوا "المؤلف" إلى عقيدة الشرك والعياذ بالله!!
أمران شديدا المرارة، وخيما العاقبة، فإما هذا، وإما ذاك، ولا ثالث لهما!! فاين المفر يا حضرات المدافعين؟
ثم ما رأيكم:
ثم ما رأيكم أيها السادة القائلون بأن "الجبلاوي" في الرواية ليس هو "الله":
ْأنصدقكم أم نصدِّق المؤلف نفسه؟ أعتقد أن تصديق المؤلف هو المتعين هنا؛ لأنه كاتب "النص الروائي" لا أنتم.
فقد تخيل المؤلف أن حديثًا دار بين "عرفة" وزوجته "عواطف"، فقالت
стр. 354
"عواطف" هانم لزوجها "عرفة" وهي تتحدث عن "الجبلاوي" بوصف "جَدنا":
"جَدُّنا من دنيا، ونحن من دنيا أُخرى" (١).
أليست هذه العبارة دليلاً قاطعًا على أن "الجبلاوي" مُغَاير مغايرة تامة لأبناء الحارة -أي أهل الدنيا- جميعًا، فمن يكون هذا "الجبلاوي" إن لم يُرد به المؤلف "الله"؟!
نحن وأنتم نعلم أن هذا الكلام هو كلام المؤلف نفسه، سواء أسنده إلى عواطف أو إلى غير عواطف من "شخوص" روايته، ونعود مرة أُخرى فنسألكم: أنصدقكم أم نصدق المؤلف؟!
وليست هذه العبارة هي وحدها التي فلتت من "جُوَّانيات" المؤلف، فكانت وصفًا صريحًا لائقًا بـ "الجبلاوي" المرموز به لـ "الله".
فقد سبق أن قال المؤلف على لسان جبل في وصف " الجبلاوي ": "ليس كمثله أحد من أولاد حارتنا، ولا من الناس جميعًا"!!
وقد ذكرنا هذه العبارة من قبل، ونظَّرْنا بينها وبين قول الله تعالى واصفًا ذاته العلية:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فهل -بعد هذا- يقال، أو يُصَدَّقَ إذا قيل: إن الجبلاوي في الرواية ليس هو "الله"؟
وإذا ثبت يقينًا أن الجبلاوي في الرواية هو "الله" وها هو ذا قد ثبت -فإنه يثبت- يقينًا - كذلك أن:
стр. 355
- "أدهم" هو آدم ﵇.
- وأن "جبل" هو موسى ﵇.
- وأن "رفاعة" هو عيسى ﵇.
- وأن "قاسم" هو محمد ﷺ .
- وأن "الحارة" هي الدنيا بأسرها.
- وأن أولاد الحارة هم الخلق من الإنس والجن، بل والملائكة.
ويثبت تبعا لهذا كله:
أن موضوع رواية "أولاد حارتنا":
المقدمة والفصول الأربعة:
أدهم، وجبل، ورفاعة، وقاسم هو:
وقائع التاريخ الديني النبوي.
وأن الرواية قدَمت هذا التاريخ "المقدس" في إطار رمزي مغلف، وجعلته هدفًا للنقد الساخط أو " النقض " تمهيدًا للإطاحة به، وإحلال العلم الحديث محله في الريادة والتوجيه!!
* ملاحظاتنا على القسم الأول:
ولنا عدة ملاحظات على القسم الأول نسجلها فيما يأتي في إيجاز:
الملاحظة الأولى: تحريف الوقائع:
عرض المؤلف وقائع التاريخ الديني النبوي في الفصول الأربعة الأولى: أدهم، وجبل، ورفاعة، وقاسم عرضا محرَّفًا مزوَّرًا:
ففي فصل "أدهم" -آدم ﵇ حرَّف كثيرًا من الوقائع، حيث جعل خطيئة آدم -مثلاً- هي محاولة الاطلاع على "كتاب الحجة" بدلاً من
стр. 356
الأكل من الشجرة، وجعل معصية إدريس -أي إبليس- اعتراضه على إسناد إدارة الوقف إلى آدم، بدلاً من امتناع إبليس عن السجود لآدم حين أمره الله به!!
وفي فصل "جبل" -أي موسى ﵇ جَعل التقاط آل فرعون لموسى من حفرة بدلاً من اليم، وجعل البئر التي سقى موسى أغنام ابنتي شعيب منها، جعلها صنبورًا أو حنفية مياه، وجعل "شعيب" هو الذي جاء إلى موسى بدلا من ذهاب موسى إليه!!
وفي فصل "رفاعة" جعل الحواري الخائن الذي أرشد اليهود على المكان الذي اختفى فيه عيسى ﵇ امرأة كان عيسى قد تزوجها، وهى جاسوس عليه.
وجعل لعيسى أبًا هو "شافعي"، وعيسى ﵇ ليس له أب.
أما في فصل "قاسم" -أي محمد ﷺ - فقد كثر التحريف والتزوير. من ذلك الافتراء الصارخ على السيرة النبوية الطاهرة، حيث زعم أن "قاسم" كان بيَّاع بطاطة، وأنه ضُبط متلبسًا باختلاس ثمار الجوافة من حديقة يملكها آخرون، وأنه جرى في الشارع عريان والأطفال يتضاحكون حوله.
وأنه كان تلميذًا لورقة بن نوفل، وكان يناديه بـ "يا معلمي"!!، وأن خديجة تشككت كثيرًا في أمر الرسالة .. إلخ .. إلخ.
- وسبب هذا التحريف أمران فيما قدرنا:
أحدهما: حرص المؤلف على الاستفادة من وقائع التاريخ الديني النبوي في "رسم شخصيات الرواية"، وهذا أمر ظاهر جدًا في القسم الأول من الرواية.
أرجح الأقوال أن الرجل الصالح ليس هو نبي الله شعيب.
стр. 357
والثاني: حرص المؤلف الشديد على إخفاء "جوانياته"، وعدم ظهورها للقُراء؛ لأن الرواية -كما عرفنا من قبل- أخضعت التاريخ الديني النبوي -وهو مقدس- للنقد والنقض معًا، وهذا أمر -لو ظهر- لقابله النَّاس بالاستنكار والاستياء، بل وبالغضب والسخط.
لذلك لجأ المؤلف إلى التعببر الرمزي أولاً ثم إلى تحريف الوقائع ثانيًا، ودار التحريف في الرواية على ثلاثة محاور:
الأول: استبدال الواقعة بأُخرى شبيهة بها من بعض الوجوه، ومختلفة في الوجوه الأخرى.
الثاني: بتر جزء أو أجزاء من الواقعة المراد الاستفادة منها في رسم شخصيات الرواية.
الثالث: زيادة جزء أو أجزاء مضافة إلى الواقعة، أو يأتي بحشو مُتَعمَّد قصدًا للتمويه على القارئ.
وقد مرَّت في غضون هذه الدراسة أمثلة عديدة لكل محور من هذه المحاور.
والاعتذار عن المؤلف بأنه يكتب فنًّا لا تاريخًا مرفوض مرفوض كما تقدم توضيح ذلك.
الملاحظة الثانية: الإِساءة إِلى الذات العلية:
لم توجه رواية "أولاد حارتنا" كمًّا هائلاً من الإساءة مثلما وجهت إلى "الجبلاوي" رمز الأُلوهية (الله)، وجاءت هذه الإساءات على لساني كل من إدريس الذي هو " إبليس " في الرواية، ثم قدري الذي هو "قابيل" أحد ابني آدم، وقاتل "هابيل" أخيه وهو "همام" في الرواية.
هذا بالإضافة إلى الأوصاف البشرية التي وُصفَ بها "الجبلاوي" في
стр. 358
الرواية كلها من التزاوج والإنجاب والاحتياج إلى "غيره" والأكل والشرب والراحة والنوم والشيخوخة، والاعتزال، ثم القتل والموت!! وكل هذه افتراءات تكاد السموات تتفطر منها وتنشق الأرض، وتخر الجبال هَدا.
* نماذج من سباب إِدريس:
إِدريس لأدهم:
- "اخرس يا كلب يا ابن الكلب"!! (١).
- "طغيان أبيك أنطقني بالحق"!! (٢).
- "طردني أبوك بدون حياء؛ فليتحمل العواقب"!! (٣).
* إِدريس يخاطب الجبلاوي:
"وتقبع أنت وحيدًا في بيتك، تبدل وتغير في كتابك كيف شاء لك الغضب والفشل!! وتعاني وحدة الشيخوخة في الظلام حتى إذا جاء الأجل فلن تجد عينًا تبكيك"!! (٤).
وحسبنا هذا القدر من بذاءات إدريس وإساءاته الموجهة إلى الجبلاوي، ذكرناها على سبيل التمثيل لا الحصر.
* نماذج من سباب قدري:
قدري لهمام:
" أؤكد لك أن جدنا -يعني الجبلاوي- شخص شاذ لا يستحق
стр. 359
الاحترام، ولو كان به ذرة من خير لما جفا لحمه هذا الجفاء الغريب!! إني أراه كما يراه عمنا -يعني إدريس- لعنة من لعنات الدهر .. لقد نال هذه الأرض هبة بلا عناء، ثم طغى واستكبر"!! (١).
قدري لأدهم:
"هذا الرجل -أي الجبلاوي- أسوأ من ابنه إدريس"!! (٢) - يعني إبليس.
قدري لهمام:
"هل وعدك البلطجي الأكبر -يعني الجبلاوي- بالحماية"؟ (٣).
وحسبنا .. كذلك - هذا القدر من بذاءات قدري الموجهة إلى الجبلاوي، وما أكثرها، وعلم الله أننا مكرهون على نقل هذه "الكفريات" لأننا نريد أن نقنع القارئ الذي لم تتح له فرصة قراءة الرواية "أولاد حارتنا" بالحكم الذي سنراه مناسبًا لهذه الرواية المشئومة.
وفي ختام هذه الملاحظة نقول:
إن رواية "أولاد حارتنا" كان ينبغي عليها أن ترعى حرمة الجبلاوي هذا ما دامت قد رمزت به إلى "الله"، وهي مسئولة عن كل كلمة وردت فيها، سواء أسندتها إلى "شخوصها" أو "أشخاصها"، وهم جميعًا -الشخوص والأشخاص- أبرياء مما أسندته الرواية إليهم، أبرياء أمام الله، وأبرياء أمام الناس؛ لأنهم لم يقولوا حرفًا واحدًا مما نُسِبَ إليهم، ويعلم الله، وتشهد ملائكته وصالحو المؤمنين أن إبليس نفسه -فيما حكاه عنه القرآن- كان أكثر
стр. 360
أدبًا مع الله من رواية "أولاد حارتنا"، وأعرف بجلال الله وعظمته من هذه الرواية الطائشة الرعناء!!
* الملاحظة الثالثة: الإِساءة إِلى رسول الإِسلام ﷺ -:
تحدثت الرواية بعد حديثها عن آدم عن ثلاثة من الرُّسُل الكبار: موسى، وعيسى، ومحمد ﷺ ، وحديثها عن الرسولين الأولين موسى وعيسى ﵉ كان معتدلا نوعًا مَّا، فلم يرد فيه ما يسيء إساءة جارحة لأيٍّ منهما.
- أما حديثها عن محمد رسول الإسلام ﷺ ، فقد جاء مليئًا بالإساءة والتجريح إلى حد الافتراء في بعض الأحيان، فقد نسبت إليه الرواية اختلاس ثمار الجوافة، والجري في الطريق العام وهو عارٍ تمامًا من ملابسه مع تضاحك الأطفال عليه!!
وهذا افتراء محض وكذب صارخ على من أرسله الله رحمة للعالمين، وصانه من "العبث" في جميع مراحل عمره المبارك قبل البعثة وبعدها.
- ثم جعلته الرواية "بياع بطاطة" ينادي على بضاعته ويقول وهو "يزق" عربة يد "كارو":
"بطاطة العمدة .. بطاطة الفرن"!!
وهذا كذلك افتراء خالص، وليس له سند من الواقع ولا من الوهم!!
- وجعلته الرواية مُغْرمًا بمعاكسة الفتيات يترصدهن في الطريق العام قبيل الغروب!!
- وجعلته الرواية كسولاً لا يحب العمل، ويخلد إلى الراحة والدعة حتى أكرهته السيد خديجة على العمل في إدارة أملاكها!!
- ثم أجلسته الرواية على "المقاهي" وسقته الـ ... على الجوزة!!
стр. 361
- ووصفت الرواية حفل زفافه إلى "خديجة" وصفًا مزريًا للغاية، كانت الخمور تجري فيه أنهارًا، وكل المدعوين كانوا سكارى ومساطيل؟!
- وجعلت الرواية محمدًا وخديجة يسيران في ليلة زفافهما خلف راقصة تتمايل وتهتز وكأنها تلقي عليهما الدرس الأخير في العلاقات الـ .. ؟
- وعيرته الرواية -مرات- بأنه راعي غنم لليهود والنصارى وغيرهم؟!
- لم ترع الرواية حرمة خاتم النبيين الذي وصفه رب العالمين بأنه سراج منير، وعلى خلق عظيم، ورحمة للناس كافة:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦].
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
هكذا صنعت الرواية مع خير خلق الله، وهي تعلم عمَّن تتحدث جلالاً وعظمة، وهيبة ووقارًا؟!
* الملاحظة الرابعة - الحط من قَدر العرب والمسملمين ؟!
وعندما تحدثت الرواية عن آل حمدان أو آل جبل، وهما رمزان لليهود قبل موسى ﵇ وبعده، وعندما تحدثت الرواية عن آل رفاعة، وهم رمز للنصارى، عندما تحدثت الرواية عن هاتين الطائفتين، تحدثت عنهما بكل تقدير واحترام، ولكن عندما تحدثت عن العرب قبل الإسلام، ثم عن المسلمين بعد الإسلام رمتهم بكل نقيصة، فهم أتعس أولاد الحارة -أي الدنيا- وهم الجرابيع الحفاة العراة الذين لا أصل لهم ولا صفة -أي كريمة- وحياتهم لا تعلو كثيرًا عن حياة الكلاب والقطط والذباب؟! يلتمسون رزقهم في النفايات وأكوام القمامة؟!
هكذا ورب السموات والأرض وصفت الرواية العرب والمسلمين،
стр. 362
العرب الذين اختار الله رسوله الخاتم منهم، وأنزل كتابه المعجز بلغتهم، وشرفهم بجعلهم أول من يتلقى رسالته الخاتمة، ثم يبلغونها للناس في مشارق الأرض ومغاربها.
والمسلمون الذين وصفهم الله بأنهم " خَيْرُ أُمَّة أُخْرِجَتْ للناسِ " هم في رواية "أولاد حارتنا" أحط الناس قدرًا، منزلتهمَ منزلة الكَلاب والقطط والذباب؟!
أليس هذا مما يجعل الحليم حيران، ويدعو إلى سوء الظن في الرواية ومؤلفها والمدافعين عنها إلى آخر شوط، وإلى أبعد مدى؟!
أليس في هذا "الصنع" محاولة سافرة لمصادرة قول الحق:
"الله أعلمُ حَيثُ يَجعَلُ رِسَالتَهُ .. "؟!
ليتنا نعلم الثأر الذي بين رواية "أولاد حارتنا" وبين العروبة والإسلام والمسلمين؟!
أم أن موعدنا "يومَ تُبلَى السرائِرُ"؟!.
* الملاحظة الخامسة - مناصرة غير الإِسلام على الإِسلام ؟!
ومن الملاحظات البارزة على الرواية، أنها -دائمًا- تناصر غير الإسلام على الإسلام نفسه، حتى في العقائد الثوابت في الإسلام، ولنضرب بعض الأمثلة:
- تفضيل عيسى على محمد صلى الله عليهما وسلم، وعِلَّة تفضيل عيسى على محمد في الرواية أن عيسى كان عزوفًا عن النساء؛ أما محمد فكان يترصد الفتيات عند المغيب، وكان زير نساء؟!
هذا ما يقوله الحمقى من المبشِّرين والمستشرقين، وقد ناصرتهم الرواية وخذلت المسلمين؟!
стр. 363
- مجاراة الرواية لليهود، أو مناصرتهم في دعواهم أنهم قتلوا عيسى ﵇ وصلبوه، فتجزم الرواية أنهم قتلوه فعلاً، وتضرب عرض الحائط بعقيدة المسلمين وبقول الحق:
﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧].
- وناصرت الرواية المبشِّرين والمستشرقين في اتهامهم نبي الإسلام بعشق زينب بنت جحش زوجة زيد بن حارثة، ثم تزوجه منها بعد أن طلقها زيد استجابة للواعج العشق؟!
- تناصر الرواية أعداء الإسلام وتُعبر عن مناصرتها لهم بقولها: "وتعشَّق امرأة من الجرابيع -أي المسلمين العرب- ثم تزوجها أيضًا"؟! (١).
- دعوى الرواية أن السيدة خديجة تشككت طويلاً في أمر الرسالة لما أخبرها النبي ﷺ ببدء نزول الوحي عليه، وأنها ظلَت تراجعه وتجادله حتى قال لها: إني أعُفيك من أن تصدقيني؟! مع أن الثابت إِسلاميًّا أن السيدة خديجة بادرت بقولها:
"إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأُمَة" عند أول سماعها بنزول الوحي.
ودعوى الرواية كاذبة كاذبة، وهي مجاراة منها ومناصرة لمزاعم أعداء الإسلام.
ْ- ناصرت الرواية حقدة المستشرقين والمبشرين في دعواهم أن القرآن مقتبس من التوراة والإنجيل؟! فجاءت الرواية تقول -كذبًا وزورًا وبهتانًا-: أن قاسمًا أو محمدًا ﷺ كان يتردد كثيرًا على ورقة بن نوفل الكاهن النصراني، وأخذ عنه علمًا غزيرًا، وأن محمدًا كان يخاطب ورقة بقوله: "يا معلمي"؟!، والرواية تعلم أن محمدًا ﷺ ليس له مُعَلم قط إلا الله عز
стр. 364
وجل، وبذلك نزل الوحي الأمين:
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨].
﴿وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
أليس هذا -مرة أُخرى- داعيًا إلى سوء الظن في الرواية إلى آخر شوط؟!
* الملاحظة السادسة - تجريد التاريخ النبوي من محتواه:
حرص المؤلف -كل الحرص- على تجريد التاريخ الديني النبوي من محتواه، وتفريغه تمامًا من "الإيمانيات والروحانيات" وتصويره في صورة صراع مادي صرف يبدأ وينتهي حول حطام الدنيا وملذاتها الفانية؟!
فليس في رواية "أولاد حارتنا" أية إشارة، ولو رمزية إلى قضية التوحيد والإيمان بما وراء الطبيعة من حقائق هي أُسس ما نادت به الرسالات السماوية.
- فمثلاً لقاء موسى بفرعون لم يكن إلا لنيل بني إسرائيل حقوقهم من "الوقف" وحصولهم على المعاملة الكريمة في المجتمع الفرعوني المستبد.
- ودعوة موسى لبني إسرائيل محصورة -في الرواية- في توحيد صفوفهم لينالوا حقوقهم، ويمكنهم الحفاظ عليها إذا نالوها.
- ومهمة عيسى كانت لمحاربة العفاريت وتخليص المرضى من شرورها ليكونوا أصحاء؟!
- ورسالة محمد - صلى الله عليه وعليهم جميعًا وسلم - كانت لمحاربة " الفتوات " وتسخير "الوقف" للجميع.
стр. 365
- أما مهمة "عرفة" فكانت لإحلال قوة العلم الحديث محل الإيمان بالله ورُسُله، بعد أن حكمت الرواية على هذا الإيمان بالفشل؟!
ومؤدى هذا كله:
أن الرواية تجاري العلمانية في تفسيرها المادي للتاريخ رضي المؤلف أم لم يرض، أحب أم كره.
* الملاحظة السابعة - التعاطف مع الشيطان ؟!
جارت الرواية "أولاد حارتنا" بعض الكتاب الأوروبيين والعرب في التعاطف مع الشيطان الذي طرده الله من الجنة بسبب عصيانه وكفره، ونظروا إلى هذه الواقعة على أنها من وقائع "حرية الرأي"، وأن الشيطان عوقب -ظلمًا- على رأيٍ أبداه، وعقيدة اعتقدها، حملته على عدم السجود لآدم؟ بل إن بعض الدجالين العرب دعا إلى نصرة الشيطان على الله ، وزعم هذا الأفَّاق الأشر أن الشيطان قال لله:
"لا أسجد إلا لك"، ومع هذا عاقبه الله وطرده وهو مظلوم مظلوم؟! (١).
واشترك في هذا -الدجل- الأستاذ توفيق الحكيم من قبل، وتخيل محاورة دارت بين "إبليس" وشيخ الأزهر، فأفحم إبليس شيخ الأزهر؟! وأثبت -إبليس- أمام شيخ الأزهر أنه مظلوم، مظلوم، وأن جميع الكائنات كانت تردد صياح إبليس: أنا مظلوم مظلوم؟!
سارت رواية "أولاد حارتنا" في هذا الاتجاه، ولوَحت كثيرًا بأن "إدريس"، وهو رمز الشيطان فيها، طرد من البيت الكبير -أي من الجنة-
стр. 366
بدون سبب معقول أو مقبول. وزعمت -زورًا وبهتانًا- أن جميع الملائكة، كانت تؤيد الشيطان، ولكنهم كتموا أسرارهم خوفًا من بطش "الجبلاوي" (الله)، وتظاهروا بعدم الاعتراض؟!
فطرد الشيطان في الرواية كان لبغض "الجبلاوي" (الله) للشيطان ولإرادته النافذة التي لا تصغي لحجة مظلوم؟!
* الملاحظة الثامنة - ربط منابع النور بمواضع الخطيئه ؟!
ما زلت -والله في حيرة- من بعض الرموز في "أولاد حارتنا"، ومن أكثر الرموز إثارة للحيرة رمز "صخرة هند"، وقد علم قارئ هذه الدراسة أن "هند" هي ابنة إدريس في الرواية، أي ابنة الشيطان، وأن الصخرة التي أضافها إلى "هند" مؤلف الرواية، هي المكان الذي زعمت الرواية أن ابن آدم "قدري" ارتكب فيه "الفاحشة" مع "هند"، وقد فسرنا الرمز "هند" من قبل بأنه: الغواية الشيطانية، ولا معنى لها سوى هذا، إذ لا يُعلم أن للشيطان ابنة اسمها "هند"، وحتى لو كان له ابنة فمن أدرى المؤلف أنها تُسمَّى هندًا؟!
وليس هذا هو مبعث الحيرة، وإنما مبعث الحيرة أن مؤلف الرواية الأستاذ نجيب محفوظ قد ربط بين منابع النور وهي الرسالات السماوية الثلاث، وبين هذا الموضع "صخرة هند"، وهو موضع أول جريمة "زنا" تقع في الوجود حسب "جو" رواية "أولاد حارتنا" الأوسع من الخيال والأوهام؟!
- فالرُسُل الكرام تلقوا رسالاتهم من "الجبلاوي" (الله) عند "صخرة هند"؟!
ومفزعهم وملجؤُهم كان "صخرة هند"؟!
- وعيسى والحواريون كانوا يتخذون من "صخرة هند" ناديًا للحديث والتشاور؟!
стр. 367
فما الذي حمل المؤلف على ربط منابع النور بمواضع الخطيئة يا ترى؟!
إنها ملاحظة ذات خطر، وإني لأحتفظ بما فهمته منها، وما أردت إلا أن أشرك معي القارئ في الحيرة، ولعله يفهم مثلما فهمت؟!
* الملاحظة التاسعة - الاختيار والترك:
عرف قارئ هذه الدراسة أن الفصول الأربعة الأولى: أدهم، وجبل، ورفاعة، وقاسم، تتناول أحداثا واقعية لها وجود حقيقي في التاريخ، وهي تمثل -كما تقدم- حركة التاريخ الديني النبوي وتطوراته. وقد لاحظنا أن المؤلف يقف من وقائع هذا التاريخ موقفا معينًا يقوم على سمتين بارزتين:
إحداهما: الأخذ، والأخرى: التَّرك: أي يأخذ بعض وقائع ذلك التاريخ، ويترك بعضًا آخر في رسم صور "الأشخاص" الأربعة، الذين تحدث عنهم، وهم:
آدم، وموسى، وعيسى، ومحمد ﷺ ، فما أكثر ما تركه من سيَر هؤلاء الرُّسُل الكرام، فمما تركه في "أدهم" المنهجِ الذي حدده الله لعمارة الأرض بعد الهبوط ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨، ٣٩].
- ومما تركه في "جبل" فلق البحر وعبور موسى وبني إسرائيل إلى سيناء، وغرق فرعون وآله، ورفع الجبل فوقهم، ووزارة هارون لموسى.
- ومما تركه في "رفاعة" حديث المائدة والكلام في المهد.
- ومما تركه في "قاسم" الإسراء والمعراج، وحصار شعب بني عامر، ومع هذا الترك، فإن ما ذكره كان كافيا جدًّا في تحديد "حقيقة" كل شخصية من الأربعة المذكورين.
стр. 368
* الملاحظة العاشرة - نباهة عرفة وصاحبيه:
إن "عرفة"، و"حنش" وعواطف هم "الوحيدون" في الرواية الذين رفعهم المؤلف "مكانًا عليًا"، وصانهم من كل ألوان النقص والهمز واللمز أو التجريح، وهذا يلائم الجو العام لـ .. وجدانيات المؤلف، "وجوانياته"؟!.
القسم الثاني - عرفة:
أما القسم الثاني، فهو معقود -أساسًا- لعمليتي هدم وبناء، أو "إعدام" و"إحياء"، وكانت نيةُ "أولاد حارتنا" مُبيتة على هذا من قبل أن "يُخَط" حرف واحد فيها؛ فالنية -عادة وواقعًا- تسبق العمل دائمًا، وتكون "هي" الباعث على العمل، والداعية إلى الهدم أو الإعدام لـ "الدين" الذي جاء به الرُّسُل وحيًا يوحى من عند ربهم؟! والإحياء لـ "العلم الحديث" ممثلاً فيما يُدرَك بالحواس الخمس، وتُجرى عليه التجارب والملاحظات والمشاهدات، ثم تستخرجُ قوانينه الكلية، وقواعده الجزئية المستوحاة من المادة المدروسة. وكان كل شيء في الرواية يخدم هذا الاتجاه، ويمهد له من وراء ستار، ولكن كيف تمت عمليتا الهدم والبناء، أو الإعدام والإحياء؟ هذا تساؤل مهم للغاية.
- أما الإجابة عليه فنصورها في الآتي:
جيء بـ "عرفة" رمز العلم الحديث، ونائبه "حنش"، ثم وُضِع بإزائهما التاريخ الديني النبوي، ممثلاً في الجبلاوي، وأدهم، وجبل، ورفاعة، ثم قاسم. وبدأت العمليتان معًا:
ضربة بالمعول في صرح التاريخ الديني النبوي، ثم وضع لبنة في صرح العلم الحديث. وتعددت ضربات المعول في الهدم، وتعددت كذلك عملية البناء بوضع لبنة جديدة محكمة، وسار الفصل الخامس "عرفة" على هذا النظام:
стр. 369
كل انخفاض في جانب التاريخ الديني النبوي يقابله ارتفاع في جانب العلم الحديث؟!
وكل نقص في الأول يقابله زيادة في الثاني، إلى أن وصل الأمر إلى تنفيذ حكم الإعدام التام في الدين، وعلى "التو" قام العلم الحديث، وجلس على "عرش الرحمن" وحل محله، ومكانه؟! هذا في الرواية، وليس في الواقع؟!
والذي قام بتنفيذ حكم الإعدام في الدين، هو العلم الحديث نفسه، ممثلاً في "عرفة" قاتل الجبلاوي في الرواية، وكانت الرواية قد جعلت "الجبلاوي" المصدر الأول والوحيد للاتجاه الديني في الوجود كله، يعني هو "الله" تعالى عما يقولون عُلوا كبيرًا، وكان لحكم الإعدام في الرواية مبررات كما تقدم:
- تقديم السن بالجبلاوي، اعتزاله، فشل رجاله الكبار: جبل ورفاعة وقاسم، تَخلف منهجه، فساد بضاعته، زهد أولاد الحارة فيه وفي رجاله؟!
أما العلم الحديث فكان يحقق نصرًا وازدهارًا وتقدمًا كل يوم، فعرف الناس له فضله، ووقفوا على قدراته الهائلة، وطاقاته التي لا حدود لها، فإنه - كما وصفته الرواية: "قادر على كل شيء"؟!
فلماذا -وهذا شأنه- لا يكون هو الآمر المطاع، والناهي المسموع، ومعقد آمال الناس التي لم يستطع أن يحققها الجبلاوي ورجاله على مدى العمر الطويل؟!
* والخلاصة:
إن هذه الرواية تترجم في وضوح: أن كاتبها ساعة كتبها كان زاهدًا في "الدين" كل الزهد، معرضا عنه كل الإعراض، ضائقًا به صدره، أعجميًّا به
стр. 370
لسانه، فراح يشفي نفسه الثائرة، ويعبر عن آرائه في وحي الله الأمين، بهذه الأساليب الرمزية الماكرة، والحيل التعبيرية الغادرة، رافعًا من شأن العلم الحديث إلى مكان الثريا، واثقًا فيه كل الثقة، حتى أجلسه في روايته على "عرش الديَّان" مناصرًا للعلمانية الجاهلة، على دين الله القيم، ورسالاته السامية.
فالرواية -وهذا واقعها- رواية آثمة "مُجَرَّمَة" بكل المقاييس وطنيًّا، وقوميًّا ودينيًّا.
والتماس البراءة لها: مستحيل، مستحيل، مستحيل.
اللهم إلا إذا طمسنا قلوبنا، وأعمينا أبصارنا، وسددنا سمعنا، ثم هتفنا مع أولاد حارة الأستاذ نجيب محفوظ، وقلنا كما قالوا: "لا شأن لنا بالماضي، ولا أمل لنا إلا في سحر عرفة، ولو خيرنا بين "الجبلاوي" (الله) والسحر، لاخترنا السحر"؟! (١).
وهيهات هيهات لما يتصورون؟ " (٢).
* من سقطات محمد جلال كشك في كتابه "أولاد حارتنا فيها قولان ":
الدفاع المبالغ فيه البعيد كل البعد عن الحقيقة.
- يقول عن موقف اليسار من نجيب محفوظ:
"وهم يبغضون منه النفس الإسلامي الذي يتضوع من أعماله" (ص ١٩) وهل يصدق هذا عاقل؟!
وقال في (ص ١٣٨): "جريمة نجيب محفوظ أنه قدم وجهًا إِسلاميًّا
стр. 371
مشرقًا، مشرقًا في الزمن الرديء جدًّا .. وفي زمن بدا فيه المسلم قبيح المسلك قبيح الفكر".
ويقول في (ص ٥٨): "ولا شك أن قاسم يرمز إلى الرسول ﷺ " فلينظر كل الناس إلى ما قاله نجيب عن قاسم.
وقوله عن جمال الدين الأفغاني (ص ٣٦): "المجاهد الشهيد أستاذ الأجيال جمال الدين الأفغاني .. شاهت الوجوه .. من فيهم له في خدمة الإسلام ما للأفغاني؟!!
الأفغاني بلا جدال هو أعظم مسلم في القرن التاسع عشر هو الزعيم المفكر الذي جعل العالم الإسلامي ميدان نشاطه، متخطيًا بنجاح الحدود القومية والمذهبية" رأيت ردنا المفصل على فكر الأفغاني.
وقال عن الأفغاني: "ولكنه بلا جدال أستاذ الجميع، وخير من خدم الإسلام في القرن التاسع عشر، ولولا شنشنة نعرفها من أخزم، لقلنا بل ومنذ ذلك التاريخ إلى اليوم" (ص٣٧، ٣٨)!!
وقال (ص ٤١): "إن المسلم الذي يتعرّف على الله من معالم شخصية الجبلاوي، هو الذي يستحق الاستتابة، ويجب عليه أن يعيد تثقيف نفسه في علم التوحيد .. وهو مسلم ظن بالله الظنون ولم يقدر الله حق قدره .. والسموات مطويات بيمينه - سبحانه وتعالى عما يشركون" (١).
- ونحن نحيل القارئ إلى ما قاله سكرتير لجنة الجائزة في حفل التسليم باستوكهولم عام ١٩٨٨ حيث أشار في غضون إطرائه على الرواية إلى ما تضمنته من مفهوم (موت الإله)! (٢).
стр. 372
ونحيل القارئ إلى الكتاب الهام " الطريق إلى نوبل ١٩٨٨ عبر حارة نجيب محفوظ " للأستاذين الدكتور محمد يحيى ومعتز شكري.
* نجيب محفوظ والشيخ عبد الحميد كشك وأحمد عبد المعطي حجازي:
"في صحيفة الأهرام الصادرة في ٢/ ٦/١٩٩٩ شن أحمد عبد المعطي حجازي هجومًا ضاريًا على الشيخ عبد الحميد كشك ﵀ مدعيًا أن الكتاب الذي كتبه الشيخ كشك عن نجيب محفوظ فيه دعوة لاغتيال نجيب محفوظ استجاب لها ولباها -كما يقول حجازي- "بعض القردة المتوحشين"، وانهالوا على عُنُق الكاتب بالخناجر والمُدى" ويمضي فيصف الشيخ كشك بأنه "واعظ محدود الثقافة!! لا علاقة له بدراسة الأدب" وبأنه: "واعظ نصف أمي" ويتساءل ساخرًا: "لماذا لا يُعيَّنْ الشيخ كشك أستاذًا في جامعة المنصورة، أو في جامعة القاهرة" (١).
* في ميزان الحق:
"وما ذكره حجازي يرفضه الحق وينقضه الواقع، فالذين اعتدوا على نجيب محفوظ لم يقرأ واحد منهم كتاب الشيخ كشك بل لم يسمع به، وهذا ما أثبتته التحقيقات والشيخ كان من حفظة القرآن المتعمقين في معانيه وأسراره، وكان ذا ثقافة موسوعية واسعة، ووهبه الله حنجرة قوية الأمر والتأثير، وكنت أتمنى أن يقرأ حجازي كتاب "النبي والفرعون" للكاتب العالمي الشهير "جيلز كيبل" وقد كتب فيه فصلاً عن الشيخ كشك من عشرين صفحة جاء فيه. "أنهم يستمعون لكشك في القاهرة، وفي الدار البيضاء، وفي حي المغاربة في مارسيليا .. فهو نجم الدعوة الإسلامية، وقد كان لكشك مقلّدوه،
стр. 373
ولكن لم يتوافر لأحدهم أحباله الصوتية التي لا تُضاهَى، أو ثقافته الإسلامية الواسعة، أو قدرته غير العادية على الارتجال، أو روحه الجسور في نقده للأنظمة الظالمة، والدكتاتورية العسكرية، ولمعاهدة السلام مع إسرائيل".
هذه سطور من شهادة كاتب غربي غير مسلم لرجل اتهمه حجازي بالأمية والتعصب وضيق الأفق .. " (١).
* ونقول لأحمد عبد المعطي حجازي ضيق الأفق:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رَمَدٍ ... وينِكُرُ الفم طعم الماء من سقَم
ونقول له: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٠٩].
والله الموعد.
* عبد الرحمن الشرقاوي يشوِّه التاريخ الإِسلامي:
سبق أن تكلمنا عن عبد الرحمن الشرقاوي وكتابه "محمد رسول الحرية" وردّ الشيخ محمد أبي زهرة علية (٢)، يقول الأستاذ أنور الجندي تحت عنوان "أخطاء عبد الرحمن الشرقاوي في كتابه "السيرة والتاريخ":
في كل كتاباته الإسلامية يظهر الغرض المبيت المدفون واضحًا:
"محمد رسول الحرية -مسرحية الحسين ثائرًا- كتاباته عن الإمام علي".
إن درجة الوعي الإسلامي الآن في فهم تيارات التغريب قد أصبحت عالية وما نعتقد أنها يمكن أن تخدع وهذه الأسماء معروفة الهوية ولذلك فهي لا تستطيع أن تكسب ثقة قارئ واحد من المؤمنين باليقظة الإسلامية ولعل هذا هو ما يزعج هؤلاء ومَن وراءهم، إن خطط التغريب والغزو الثقافي قد
стр. 374
كشفت تمامًا فمهما حاولوا تغيير جلودهم ومهما خلطوا أوراقهم ومهما نشرت لهم الصحف الكبرى ومهما حالت بين مفترياتهم وبين تصحيحها، فلييئس هؤلاء تمامًا وسيرتد الكيد إلى نحور أهله.
إنها محاولة لتحطيم الصحوة وللقضاء على الأصالة ولطرح مزيد من الشبهات والشكوك والسموم على الطريق الذي أصبح صالحًا ليسلك عليه المسلمون إلى إقامة المجتمع الرباني، إنها محاولات يائسة لإفساد الفكر ولتزييف التاريخ ولهدم القيم تحت أسماء إسلامية، ومن خلال صحف محتوية للتغريب والغزو الفكري، ففي روايته الحسين شهيدًا كان حريصًا على أن يصور المجتمع الإسلامي بعد أن اختار الرسول الرفيق الأعلى بنصف قرن في صورة بشعة، وكأن هذا المجتمع قد تداعى وتهاوى وصار مجتمع عربدة وفجور، ومجتمع شقاق ونفاق ومجتمع جبن وضعف ومجتمع خيانة ونكث للعهود، مع أن المجتمع كان لا يزال يزخر بعدد كثير من صحابة رسول الله ﷺ وفيه عدد ضخم من التابعين لهم بإحسان (وهذه متابعة لخطة طه حسين) التي جرى عليها في الهجوم على الصحابة وأتباعهم أما في دراسته عن الإمام علي فقد اعتمد على مراجع معينة أغلبها مشكوك في صحتها وفي مقدمتها الأغاني، وفي هذا تابع أهواء الدكتور طه وخطته حتى ليخيل إلي أنه امتداد حقيقي وتجديد استشراقي تغريبي لأفكار طه حسين المسمومة التي بثها في كتابه الفتنة الكبرى وعلي وبنوه في الأربعينات يجددها الشرقاوي في الثمانينات.
فقد جرى وراء القصص البراق، واعتمد على المصادر المضلة وساير خصوم الشيخين أبي بكر وعمر من الباطنية وحاول أن يلحق الإساءة بالسيدة عائشة على هوى بعض الفرق.
- ويمكن أن نقول بوضوح أن عبد الرحمن الشرقاوي القصاص الذي
стр. 375
يغلبه الخيال والبريق والرواية المثيرة لا يصلح مؤرخًا ولا يمكن أن يقبل منه كل ما كتب على أنه تاريخ وهو يمضي في سلك واحد مع جورجي زيدان أولا وطه حسين أخيرًا ومن العجيب أن أحدًا ممن نقدره لم يشر إلى متابعته لخطأ طه حسين في هذا المجال.
- وفي الوقت الذي يأتي كتاب غربيون يشيدون بعظمة الإسلام ورسوله ورجاله ينحرف كتاب عرب لهم أسماء إسلامية عن هذا الخط ويخوضون إلى ما تحت ركبهم في الأعراض والقبائح.
ولقد تأكد ما قاله الشيخ الشعراوي من أن الأهرام أصبحت وكرًا لأعداء الإسلام وأن موقف الأهرام من إغلاق الصحيفة على كتابها دون أن تسمح بوجهة النظر الأخرى هو من الآثام التي سوف تحاسب عليها الأهرام عندما يكتب تاريخ الصحابة، وما كانت هكذا تجري المعارك الأدبية في القديم حيث كان يسمح لكل طرف أن يعرض آرائه، وها هي الأهرام تستخدم من قبل توفيق الحكيم وزكي نجيب محمود، والشرقاوي لخدمة أعداء الإسلام.
- ولقد صدق الشيخ محمد الغزالي حين وصف الشرقاوي بأنه يجمع القمامات من كتب التاريخ ويصدق أيضًا ما وصف بأنها مؤامرة لضرب الإسلام لحساب المسيحية ولضرب الصحوة التي أدخلت في الإسلام أعلامًا كبارًا أمثال جارودي (١) وبوكاي.
ولعل أسوأ صفحات الشرقاوي هو أسلوبه في الحوار وإدخاله الإقذاع والسخرية فهو كاتب يمكن أن يوضع في صف الشعراء القدامى الذين تخصصوا في الهجاء المقذع الذي يرفضه الإسلام أسلوبًا للحوار فما بالك وصاحب الحق في الرد لا يمكن من أن يقول كلمته في نفس المكان، أي
стр. 376
ظلم هذا" (١).
* مآخذ على كتابات الشرقاوي حول الإمام علي:
أولاً: إن مصادر الكتابة عن الإمام علي - رفاقه ومنهج البحث في سيرة الصحابة تختلف عن المصادر ومنهج البحث في التاريخ العام، وهو لم يلتزم بهذا المنهج بل عمد لكتب التاريخ وغير كتب التاريخ فاستقى منها مادته وأخباره، فرجع إلى كتاب " الأغاني "، وهو مرجع لمؤرخي الأدب في العصر العباسي يجمع أخبار الشعراء والأدباء والمغنيين والمغنيات ومجالس الشراب والطرب، فإذا وجدت فيه معلومة عن صحابي أو تابعي فيجب الوقوف أمامها طويلاً، للبحث عما إذا كانت قد وردت في مصدر تاريخي أصيل مما تتكفل به أصول البحث العلمي، ومصطلح علم الحديث وأصول الرواية في معرفة حال الرواة وصحة المتن وطريق التحمل ولكن الشرقاوي سوى بين المصادر القديمة لقدمها ولم يفرق بينها ومن هنا وقع اللبس.
- ومن مصادر الشرقاوي (الطبري) والطبري لا يشك أحد في صدقه ولكنه اعترف في كتابه أن الكتاب لا يخلو من الوقائع المكذوبة والأخبار المنحولة فلما هوجم الشرقاوي في هذا دافع عن مصدره وأهمل هذا التحذير الخطير الذي سجله الطبري في صدر كتابه.
وهكذا فإن المصادر التي رجع إليها الشرقاوي لم تكن كلها كفئًا للموضوع فوقع في ورطة إذ لم يستجب لنصح الناصحين فيها.
ثانيًا: "تناول أشخاصًا لهم بلاء وغناء وسبق إلى إلاسلام والجهاد في سبيل الله ووصفهم بما لا يليق بأمثالهم، فهم تلاميذ محمد ﷺ والشوامخ
стр. 377
الذين هاجروا في الله بعد ما فتنوا وهاجروا وصبروا وقد قدم لنا الإمام علي في عماية فتنة وأعصار محنة، وقديمًا قرر الفقهاء والعلماء والسلف الصالحون ممن أدركوا الفتنة وجاءوا بعدها الإمساك عن الخوض فيها فإن الصحابة كلهم عدول بتعديل الله لهم ولكل منهم وجهة نظر واجتهاد والمخطئ فيه له أجر والمصيب له أجران.
لم يتناول الكاتب دور اليهود في هذه الفتنة التي آثر الخوض فيها وما فعله عبد الله بن سبأ وأشياعه والمخدوعون به فهم أسبابها وما أشبه الليلة بالبارحة ولم ينهج نهج المحدثين وأهل الأثر من نقده الأخبار على مقتضى قوانين الرواية والجرح والتعديل الذي ميز الله به أمة محمد ﷺ وراح يسوق الأخبار ومنها الملفقة كأنها حقائق مسلمة ويبني عليها اتهامات ويصدر أحكامًا قاسية وهي أخبار واهية لا تحل روايتها فضلاً عن اعتمادها في تقرير حكم أو توجيه لوم خاصة إذا كانت تحمل في ثناياها دليل بطلانها، ولم يشر إلى مرجع واحد من مراجعه التي اعتمد عليها، فإن كثيرًا من أئمة المؤرخين قد ينقلون الشائعات والأخبار التي لا تصدق، ولكن بأسانيدها اعتمادًا على أن الناس سيبحثون الأسانيد فيتقبلونها أو يرفضونها.
(عن بحث الأستاذ عبد المعز عبد الستار بتصرف)
ثالثًا: إلحاحه في قوله: "ليس لبني إسماعيل فضل على بني إسحاق ولا لبني إسحاق فضل على بني إسماعيل" والحق أنني ألمح منها كيدًا خفيًا من عمل اليهود وإفكًا افتروه، بعد أن عزلهم الله عن قيادة البشر وجعلها في العرب من بني إسماعيل فاليهود من يريدون أن يتساووا مع العرب والمسلمين ويستغلوا المبدأ ويقرروا أنهم يرتقون إلى مستوى المسلمين على ما بهم من بغي وكفر وقساوة قلب، وعلى أخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وقولهم: "ليس علينا في الأميين سبيل"، ونحن نقول: "بل
стр. 378
لبني إسماعيل اليوم فضل على بني إسحاق"، وللعرب فضل على اليهود بعد ما أثبت اليهود ببغيهم وعداوتهم أنهم على مدى التاريخ وراء كل فتنة وسبب كل محنة وأنهم كالمشركين لا يرقبون في مؤمن إِلاًّ ولا ذمةً.
رابعاَّ: غرق عبد الرحمن الشرقاوي في أباطيل الرواة وفي "الروايات الضالة فأجرى على لسان (الإمام علي) عبارات ما كان يمكن أن تجري على لسانه، وتقوَّل عليه أخبارًا كاذبة كمثل ما نسب إليه من أنه قال أنه كان أولى من أبي بكر وعمر بالخلافة.
خامسًا. انزلق عبد الرحمن الشرقاوي في أعراض الصحابة واندفع بهدف ونية مُبيتة وليس من باب الخطأ، أو عدم الإحاطة بالمصادر، ولا كانت هذه الفترة من تاريخ الإسلام شائكة، وكان هو غير متخصص في التاريخ وقليل الدراية، والعلم بالصحابة بحيث يجب أن يتناول تاريخهم بأسلوب مختلف، يقوم على احترامهم ومعرفة قدرهم وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا حين قال: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"، ويقول. "لا تسبوا أصحابي، من سب أصحابي فقد سبني".
وقد بدا القصد من سياق السرد وهو النيل من الآخرين ومن سابقته بالذات، وهي نقطة مهمة كان لا بد من إثارتها، وكانت عبارات الكاتب تستهدف التنقيص ممن قبله من الخلفاء ﵃ أجمعين.
وقد قصد الكاتب إلى إثارة خلاف في هذه الآونة بين طائفتين أو أكثر من المذاهب الإسلامية وإيجاد بلبلة وتباغض بين تلك الأمم والمذاهب ومن هنا دخل في الخطر الكبير الذي جاء عنه التحذير في بعض الآثار: "الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها".
الأخطاء كثيرة وكأن بالرجل يرمي إلى شيء من وراء هذه المغالطات غير العلم فابتعد عن الحقائق، وماذا يقصد بأوصافه التي أتى بها خياله عن
стр. 379
ليلة زواج ذي النورين عثمان ﵁ من نائلة، وهو الذي كانت تستحي منه ملائكة الرحمن، ومن أين له هذا الوصف البعيد كل البعد عن العلم وعن التاريخ وأقرب ما يكون إلى روايات الجنس، ثم كتاباته عن أم المؤمنين عائشة وعن الصحابة طلحة والزبير وغيرهم عندما وصفهم بغير أوصاف المؤمنين وهم المؤمنون حقًا.
عن (عبد الله الأنصاري) بتصرف.
سابعًا: بدأ الشرقاوي خطته بأن ألف كتابه "محمد رسول الحرية" على أساس أن الإسلام مظهر للصراع بين الطبقات وأن الأصنام تم صبها حول الكعبة لأسباب مادية وتم هدمها كذلك لأسباب اقتصادية ومضى في طريقه يفسر الوقائع بمعايير الفكر اليساري ويقرأ كتب التاريخ غير مميز بين حقيقة وشائعة، وبين صحيح وموضوع وغير مدرك لمكانة الرجال الذين يتحدث عنهم فجاءت كتاباته بعيدة كل البعد عن المنطق العلمي، كما جاءت بعيدة الأثر في الإساءة إلى الإسلام والصحابة وإلى الآمال المرجوة في الصحوة الإسلامية وجمع الشمل وقد ردد الشبهات والتقط النقاط المشكوك فيها التي تعينه على باطله، ومنها الخطبة المنسوبة إلى علي بأنه أولى بالخلافة من أبي بكر وعمر وهي خطبة تعني أن الخلفاء الثلاثة كانوا مغتصبين حقًّا ليس لهم وأنهم طلاب دنيا وعشاق رياسة وأن جمهور الصحابة جبن عن مظاهرة صاحب الحق المقرر، وهذا النسق يرمي إلى فتح الباب للطعن في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.
ودعواه أن بني النضير أسلموا باطل فما أسلم بنو النضير يومًا، وأنهم حاولوا قتل النبي ﷺ عندما كان بينهم في بعض الشئون وهناك قضية وهب لها الشرقاوي فكره ونشاطه، ويريد أن يجر الإسلام إليها جرًا دون هوادة، هل للمسلم أن يدخر أو يكنز بعد أن يؤدي الحق المقرر عليه في ماله،
стр. 380
أم يجب إلا يمسك عنده شيئًا فوق حاجته وهو يؤكد أنه لا يجوز استبقاء شيء لصاحبه فوق نفقته العادية، إن هذا هو ميل إلى نظرية كارل ماركس (لكل حسب حاجته)، ولكنه يصور الرأي الذي ارتآه على أنه من الكتاب والسنة، وهو يحاول أن يجعل علي بن أبي طالب ضد رأس المال مهما أدى ما عليه من حقوق وهو يحاول أن يجعل عثمان كأحد الباشوات أو اللوردات الذين يشبعون شهواتهم ويرهبون المجتمع بفضول أموالهم ومن المقرر أن كتابات عبد الرحمن الشرقاوي لا تحكي تاريخًا إِسلاميًّا، فهو يساري يريد أن يجعل الإسلام وتاريخه مصبوغين باللون الأحمر والتفكير المادي ويسوق الحوادث سوقًا لخدمة هذا الغرض.
فهل صحيح أن الصراع بين التوحيد والوثنية كان صراعًا طبقيًا كما يقول الأغنياء يدافعون عن وجودهم والفقراء عن حقهم في الحياة الكريمة، وعن أحلامهم في عالم أفضل، أي أحلام هذه وهل صحيح أن موسم الحج كان "يستثمر هؤلاء الأغنياء أموالهم في البيع والشراء والربا فيربحون ويربحون، وهذه الأصنام هي التي تمنحهم كل سلطاتهم على الأجراء والمعدومين والعبيد وأبناء السبيل وواجه محمد هذا كله بأن الأصنام ضلال مبين فهو يلعن الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، هكذا يقول الشرقاوي في تصوير الرسالة الإسلامية. صراع بين الغنى والفقر لا وجود له إلا في دماغ المؤلف.
وآية عدم اكتناز الذهب والفضة نزلت بعد اثنتين وعشرين سنة من بدء الرسالة ولا صلة لها بعبادة الأصنام أو الحرب التي شنها الإسلام على الوثنية من أول يوم. حتى الهجرة إلى المدينة جعل لها الشرقاوي أسبابًا اقتصادية فإن المرابين في المدينة كان ضغطهم أقل، والهوان الذي يتعرض له المدينون كان أخف، تأمل قوله: هنا مجتمع آخر أكثر تقدمًا من مجتمع مكة، هنا علاقات
стр. 381
اجتماعية أخرى أكثر قابلية لتعاليم محمد، فالمرابي اليهودي لم يكن قادرًا على استعباد المدين العربي إذا عجز عن الوفاء كما كان يحدث في مكة، ولم يكن له الحق في أخذ امرأة المدين أو ابنته لإكراههما على البغاء كما كانت تفعل قريش، وأجير الأرض في المدينة أعلى درجة من عبيد مكة الذين كانوا يحرسون القوافل والمصارف إلخ.
ليس في هذا الكلام كله ذرة من صدق، والقول بأن العرب كانوا يسترقون المدين المعسر، ويستوفون ديونهم من استرفاق امرأته وابنته وإرغامهما على الزنى، كلام مكذوب، ما كان شائعًا لا في مكة ولا في المدينة وبالتالي فلا صلة للهجرة بهذه الأوضاع المختلفة.
إن هذا الكلام ليس تشويه تاريخ، بل هو تزوير تاريخ، أو كما يقال في مصر (سمك، لبن، تمر هندي) وليس في القرآن ولا في السنة المطهرة ولا في السير المؤلفة عن صاحب الرسالة ما يترك مثل هذا الانطباع الغريب، عن الجو الذي بدأت منه تعاليم محمد. كما يصف عبد الرحمن الشرقاوي الإسلام ونبيه وما نزل عليه من وحي وما تمخض عنه من حضارة.
عن الشيخ (محمد الغزالي بتصرف)
* مسرحية الحسين شهيدًا:
الأصابع الحمراء تشوه حقائق المعارك الإسلامية وتشهر بالصحابة الأجلاء (أحمد الشرباصي، محمد الطيب النجار، زكي البنهاوي) نشرة الاعتصام - مايو ١٩٧٥ عن هذه الدراسة للمسرحية تحت عنوان: "مسرحية الحسين شهيدًا".
١ - المسرحية تظهر شخصية الحسين وشخصية السيدة زينب ﵄ وهما من آل بيت الرسول الأعظم، وقد تكررت الفتوى من العلماء المسئولين بمنع
стр. 382
إظهار هذه الشخصيات الطاهرة.
٢ - تردد في المسرحية التشهير بجماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وهم قدوة لنا وقد نوه الرسول ﷺ بمكانة أصحابه في أكثر من حديث شريف ومن واجبنا أن نبرز مفاخرهم ونركز عليها ونهتم بها وألا نطيل الوقوف أمام ما نسب إليهم من خلاف أو أخطاء.
٣ - ترددت في المسرحية عبارات الاتهام بالكفر والخروج عن الإسلام وعبارات اللعنة والتغريض الشنيع بالحرمان وهذا كله بين مجموعة تنتسب إلى الإسلام وجاءت فيها ألفاظ خارجة مثل (أبناء الأمهات الزانيات، يا ابن الفاعلة، يا ابن البرصاء، الدعي بن الدعي).
٤ - صورت المسرحية العصر الأموي تصويرًا يجافي الحقيقة في بعض النواحي فوصفه بأنه عهد الإقطاع والأطماع وجردت الأمويين من كل خير ونحن لا ننكر أن هذا العصر فيه عيوب ومآخذ، ولكن هذا العصر شهد أيضًا فتوحات إسلامية كثيرة، وكان فيه جهاد ونضال فكيف نجرده من كل حسنة، ونبالغ في تصوير فساده كل هذه المبالغة.
٥ - والعجب كل العجب أن يوجد "وحشي بن حرب" بين شخصيات هذه المسرحية؛ لأن أحداثها تدور في سنة ستين للهجرة ووحشي بن حرب قد مات سنة خمس وعشرين للهجرة في خلافة عثمان ﵁ فوحشي إذن لم يدرك شيئًا من أحداث هذه المسرحية فكيف يضاف إلى أشخاصها.
٦ - هناك نوع من القسوة في الحكم على معاوية مع أنه صحابي ومن كتاب الرسول ﷺ فقد ذكرت المسرحية أنه عطل أصلاً من القرآن وزيف قاعدة الشورى وأهدر أحكام السنة إلى غير ذلك من التهم الشديدة التي يختلف في تحديدها المؤرخون والباحثون.
٧ - جاء على لسان الحسين ﵁ وأرضاه أنه ذهب حينما اشتدت المحنة
стр. 383
إلى قبر الرسول ﷺ وقال يخاطب النبي: جدى، أنا لا أعرف ما أصنع فأعني "والحسين خير من يعرف أن العون إنما يلتمس من الله ﵎، وجد الحسين هو نفسه القائل: "إذا استعنت فاستعن بالله" فضلاً عن أن الواقعة لا نصيب لها من الصحة.
٨ - ذكرت المسرحية أن (يزيد) قد فرح بمقتل الحسين ﵁ وهذا يخالف الواقع؛ لأن التاريخ يذكر أن يزيد قد توجس شرًّا من قتل الحسين وأنه بكى حين رأى رأسه ولسنا ندري لمصلحة من يظهر يزيد وهو حاكم المسلمين على أقل تقدير - في مظهر حقير مثير لو كان أمرًا واقعًا لما كان من الحكمة إبرازه.
فقد قدمت المسرحية عقب مقتل الحسين شخصًا يبدو مخمورًا والجواري تمتطين ظهره وينخسنه فيسير بهن كالحمار والتاريخ يذكر فيما يذكر أن يزيد كان متهمًا بالانحراف عن الآداب الدينية قبل المبايعة له فلما تولى الحكم انصرف عن هذا الانحراف أو على الأقل لم يجاهر بمثل ما كان يجاهر به من قبل.
٩ - أن المسرحية مع الأسف كأنها تحرص على تصوير المجتمع الإسلامي بعد وفاة الرسول ﷺ بنصف قرن فقط في صورة بشعة، وكأن هذا المجتمع قد تداعى وتهاوى، وصار مجتمع عربدة وفجور ومجتمع شقاق ونفاق ومجتمع جبن وضعف ومجتمع خيانة ونكث للعهود مع أن المجتمع كان لا يزال فيه عدد كبير من صحابة رسول الله ﷺ وفيه عدد ضخم من التابعين لهم بإحسان.
١٠ - تردد في المسرحية أكثر من مرة التعريض بنظام الجواري حيث تناول الأشخاص عبارات الاتهام باللهو والتمتع بالجواري، على سبيل التعريض والتهكم مثل هذه العبارات (ما يجيد سوى مصاحبة الجواري)، (تمتع بجواريك الأبكار الخرد)، (سوق الإماء).
стр. 384
١١ - تناثرت عبارات مأخوذة من جو غير إسلامي مثل هذه العبارات (ما جئت لألقي سيفًا) (جئت لألقي موعظة) (لأملأ كل بيت بالمحبة، جموع الفقراء) (يا مطفئ نور الحضارة).
١٢ - اختير لون السواد لطائفة من الممثلين والممثلات وهذا السواد شعار طائفي مذهبي خاص فهل من المصلحة إثارة مثل هذه الطائفية، وكذا بدا من قام بدور الحسين في ثياب تشعر بأنها إيحاء بشخصية غير إسلامية، وإن كانت شخصية لها مكانها في نظر المسلم.
وكان هناك في نص المسرحية نواح وندب وتعديد وقد طال هذا وامتد فما مدى اتفاق ذلك مع تعاليم الدين.
كذلك جاء على لسان أحد الأشخاص من أتباع الحسين ﵁ ما يفيد، أن قتال المعارضين للحسين خير من قتال المشركين فهل يحكم على عقائد الناس بمثل هذه السهولة.
* عبد الرحمن الشرقاوي شاعر الرؤية الخائنة ومسرحيته " وطني عكا ":
لقد أيّد الشرقاوي خط الصلح الكامل مع إسرائيل الذي أنتهجه السادات، وكان موقفه هذا قد سبقه تقديمه لمسرحيته "وطني عكا" التي طرحها عام ١٩٦٩، وكان عبد الرحمن الشرقاوي بكامل قواه العقلية والأيديولوجية متبنيًا لتلك المغالطات التي رددها الشيوعيون العرب حول قضية فلسطين وعلاقتنا بالكيان المغتصب وهي نظرة ومغالطات لحثالة من الشيوعيين شوهاء مجرمة ظلت تعتقد بوجود شعب طيب في "إسرائيل" تحكمه قلة رجعية لا تمثل الغالبية، وأنه لو تغير نظام إسرائيل -يقصدون الكيان الصهيوني- من الرأسمالية إلى الماركسية تنعدل الأمرر وتنتهي المشكلة. أي أن الشرقاوي كان يعبر -ولا شك أنه نجح في التعبير- عن رؤية خائنة شوهاء لمستقبل أهم وأوضح قضية من قضايانا على المستويين القومي والإسلامي.
стр. 385
ويبدأ الشرقاوي في تقديم افتراضات -ليس لها أي مبرر مادي- لنماذج من العسكرية الإسرائيلية، يفترسهم تأنيب الضمير صبيحة انتصارهم عام ١٩٦٧! ويظهرون كلهم كضحايا تضليل الصهيونية (لاحظ الدس لايجاد شعور بأن هناك فارقًا بين الصهيونية وبين دولة إسرائيل! ).
- وعندما نصل إلى المشهد الأخير يصور لنا الشرقاوي نضج وكثافة ما ادعاه -طوال المسرحية- من الأصوات الحرة التي ارتفعت داخل إسرائيل وتأثيرها في الموقف الحاسم، عندما يأمر الضابط الإسرائيلي "يعقوب" بنسف القرية العربية إذا لم تسلم الفدائيين، فيتقدم الضابط الإسرائيلي (الحر) "سلامسكي" معترضًا في غضب وثورة على أمر قائده "يعقوب" (ولا يضربه بالرصاص كما هو متبع في مخالفة الأمر العسكري أثناء معركة، بل يجادله بالحسنى! ) ونجد ضابطا إسرائيليًّا آخر (حرًا) كذلك اسمه "سعد هارون" من يهود فلسطين القدامى - يؤيد معارضة "سلامسكي" متخذًا أسلوبًا دينيًا كهنوتيًا في التعبير عن رفضه لأمر الضابط (يعقوب) بنسف القرية العربية.
وفي هذه اللحظة نفسها -والشرقاوي يصور لنا الأصوات الحرة في إسرائيل تعارض وتمنع الذبح والنسف والقتل، وهي تبدو متغلبة ومنتصرة على التيار المعادي للعرب في هذه اللحظة بالذات يدخل الفدائي الفلسطيني (أبو حمدان) بالمفرقعات وبخدعة ساذجة يستطيع أن يقنع الفرقة العسكرية الإسرائيلية (والتي تبدو طيبة وإنسانية إلى درجة البراءة) يقنع الفرقة بالالتفاف حول صندوق المفرقعات فينفجر ويقتل الفرقة العسكرية كلها .. ويضاء المسرح ونرى الفرقة الإسرائيلية الإنسانية جثثًا مبعثرة على الأرض .. أشلاء الأصوات الإسرائيلية (الحرة) التي قتلها الفدائي الفلسطيني.
- وبهذا يصل الشرقاوي بمدلول اللغة المسرحية المرسلة مع هذا المشهد - إلى أن المقاومة الفلسطينية، إنما تقتل بأعمال "العنف" الأصوات الحرة التي
стр. 386
نكسبها داخل معسكر الأعداء!! وبذلك يخلص حضرته إلى إدانة المقاومة.
لصالح تلك الأصوات الحرة المزعومة، التي يدعي وجودها في داخل الكيان الصهيوني المعتدي، والتي تدعونا المسرحية إلى الأعتراف بها والتعاون والتعاطف معها، وفق خطة رؤية خائنة مضللة طيلة العرض المسرحي.
لاحظ التخاريف الشرقاوية التي تقول أننا داخل الكيان الصهيوني ننجح في تشكيل تيار لصالحنا، ولعلنا لا ننسى المفارقة في أن الكيان اليهودي -للأسف- هو الذي نجح في تشكيل تيار عام داخلنا نحن لصالحه!
ومن المفارقات أن تكرَّم هذه المسرحية من قبل بعض ممثلي المقاومة الفلسطينية الذين قدّم (أبو إياد) باسمهم درع المقاومة، جائزة تقديرية للمخرج كرم مطاوع والمؤلف عبد الرحمن الشرقاوي عن عملهما ذاك الشائن" (١).
* مدحت باشا الخائن والمؤامرة على الخلافة في تركيا:
المؤامرة على تركيا الخلافة مؤامرة على الإسلام بدؤها مدحت. ووسطها الاتحاديون. وختامها أتاتورك.
لماذا هذا الحقد الشديد البالغ من أقلام عربية لكتاب مسلمين جغرافيًّا على الخلافة الإسلامية والجامعة الإسلامية والوحدة الإسلامية والتضامن الإسلامي الذي تشرق في هذه الأيام شمسه وتبدو علاماته وتعلو راياته بعد أن تعددت كتابات الكتاب عن الصحوة الإسلامية بأنه "ضربة موفقة"، أو قول أحد المؤرخين الشعوبيين: "وهكذا سقطت الخلافة الإسلامية إلى الأبد"!.
وقد نسي هؤلاء وأولئك حديث رسول الله ﷺ : "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون
стр. 387
ملكًا عاضًا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت" (١).
وما ينطق الرسول عن الهوى. وهذا الحديث الصحيح يؤكد عودة الخلافة الإسلامية مرة أخرى على نحو أوثق صلة بحكم الله ونظامه الذي جاء به القرآن الكريم. ولقد كان سقوط الخلافة الإسلامية (حدثًا) خطيرًا لم يكتب عنه بعد، وكان له أثره في نفوس العاملين في حقل اليقظة الإسلامية.
وقد كان مصدرًا لقيام المفهوم الصحيح للإسلام بوصفه منهج حياة أو نظام مجتمع. وما من دعوة إسلامية إلا وقد أخذت على أهلها العهد بالعمل لعودة الخلافة الإسلامية متى جاء أوانها، وما تزال الحركات الإسلامية كلها عاملة على هذا النهج، سائرة في هذا الطريق.
ولا ريب أن قيام عدد من المنظمات الإسلامية العالمية هي بشائر الخير في هذا الطريق. فإن الدعوة إلى قيام الجامعة الإسلامية أصبح اليوم عملاّ ضروريًّا بعد أن فسدت الدعوات الاقليمية والقومية، وفي مقدمتها الجامعة العربية. ولا بد للمسلمين من أن يصلوا إلى الطريق الحقيقي لمواجهة تآمر الغرب والصهيونية والشيوعية عليهم وهو إحياء جامعتهم وإقامة خلافتهم.
* معلومات مسمومة:
ولست أدري لماذا هذا الاهتمام بإعادة طرح معلومات مسمومة كاذبة
стр. 388
مضللة انتشرت زمنًا وكانت أشبه بالمسلمات، روجها اليهود والمارون ثم تبين زيفها وتكشفت الحقائق التي تدحضها؟!
لماذا العودة إلى الزيف بعد أن ظهرت الحقائق؟!
ولماذا الادعاء بأن مدحت مصلح. وأن مصطفى كمال أتاتورك مجاهد؟!! - والحقيقة أن للرجلين ومن بينهما من رجال "الاتحاد والترقي" هم عملاء النفوذ الأجنبي والصهيونية. لقد تكشفت هذه الحقائق في العالم الإسلامي كله، ولم يعد في إمكان كاتب ما أن يضلل الناس بإعادة هذه الأكاذيب وصفِّها، وخداع الناس في أمر رجل كان والده حاخاما يهوديًّا مثل (مدحت) أو رجل هو من الدونمة أصلاً مثل (أتاتورك) إن الدعاوى الصهيونية والغربية قد خدعت المسلمين طويلاً بتزييف صفحة الدولة العثمانية، والسلطان عبد الحميد من أجل هدف معروف وواضح هو إسقاط هذا السلطان، وإزالة الدولة العثمانية، وهدم الخلافة الإسلامية لتمكين الصهيونية العالمية من الوصول إلى فلسطين، والاستقرار في القدس!!
لقد كان أتاتورك والاتحاديون هم مادة تجربة جديدة فاسدة أُريد بها القضاء على النظام الإسلامي، وهدم الشريعة الإسلامية وإقرار نظام العلمانية والمادية والوثنية في المجتمع والتربية والسياسة في البلاد الإسلامية، ومحاولة لجعله مثلاً أعلى للتقدم والتجديد. ثم جاءت أحداث التاريخ بعد خمسين عامًا لتكشف زيف هذه المحاولة وفسادها بعد أن تعددت حلقات هذا الغزو التغريبي الذي تجئ الأحداث يومًا بعد يوم بمثابة الدليل الأكيد على فساد هذه التجربة وعلى سقوط هذا المنهج ومؤكدة بأن المجتمع الإسلامي الأصيل القائم على فكرة التوحيد الخالص منذ أربعة عشر قرنًا يرفض العضو الغريب، ويتأكد له بعد التجربة المتصلة مع الديمقراطية الغربية والاشتراكية الماركسية وفشلهما أن السبيل الوحيد أمامه هو المنهج الرباني الأصيل، وأن الذين
стр. 389
حرضوه طوال هذه السنين بالتماس المنهج الغربي (شرقية وغربية) سبيلاً للنهضة في العالم الإسلامي لم يكونوا صادقين في دعواهم فإن هذا الأسلوب في الاحتواء والعمل على صهر المسلمين في بوتقة الأممية الغربية كان من نتائجه سقوط الخلافة الإسلامية، والدولة العثمانية، وسقوط فلسطين والقدس في أيدي الصهيونية، والحيلولة دون امتلاك المسلمين لارادتهم وتطبيق شريعتهم الإسلامية والعمل على منعهم من أداء فريضة الجهاد، أو إمتلاك القوة القادرة على تجديد بناء الحضارة الإسلامية القائمة على العدل والرحمة والإخاء الإنساني.
* مدحت باشا:
إن الصورة التي رسمتها تلك الكتابات المسمومة لمدحت باشا كاذبة ومضللة. فلم يكن مدحت بطلاً قوميًّا ولكنه كان واحدًا من قوى المؤامرة التي أعدت بإحكام للقضاء على الخلافة الإسلامية والدولة العثمانية، وقد كان أمره مكشوفًا لدى السلطان عبد الحميد الذي كان قد وضع يده على مخطط الدونمة بالاشتراك مع أحرار الترك الذين كانوا قد جندوا لخطة إزالة الدولة العثمانية والخلافة الإسلامية من طريق الصهيونية بعد أن حققت قبل ذلك إزالة الجيتو بالثورة الفرنسية وما كان مدحت شهيدًا في الحقيقة؛ لأن الشهادة لا تكون للخونة، وما قتلوه في الحقيقة، ولكنه قتل نفسه بخيانته لوطنه وللإسلام، والعمل على تمكين اليهود من النفوذ، وهو من الدونمة الذين دخلوا في الإسلام تقية لإخفاء هويتهم، ولتدمير الدولة العثمانية من الداخل. وكان يعمل بتوجيه من المتآمرين المقيمين في باريس، والمتآمرين المقيمين في سالونيك. ولم يكن الدستور الذي دعا إليه مدحت إلا محاولة لإخراج الدولة العثمانية من النظام الإسلامي والشريعة الإسلامية وتغليب نفوذ العناصر المعادية للإسلام، وتمكينها من الانقضاض على الدولة.
стр. 390
- وكان السلطان عبد الحميد يعلم مدى ما تهدف إليه المخططات الصهيونية. ولقد شهد المؤرخون المنصفون بأن الدولة العثمانية الإسلامية قد تسامحت إلى أبعد حد مع العناصر غير الإسلامية، ومكنتهم من أداء عباداتهم وإقامة شعائرهم، وفتح المدارس وإقامة الجماعات إلى الحد الذي كان عاملاً من عوامل تمكنهم من التآمر على الدولة وإسقاطها. ولقد كان السلطان عبد الحميد هو نقطة المؤامرة في الحقيقة لأنه وقف أمام مطامعهم وأهوائهم، ورد (هرتزل) عن محاولاته ومؤامراته بالرد الحاسم وسمع من ممثل اليهود أن ذلك سيكلفه عرشه أو حياته فلم يتردد في تضحيته وقد كشف السلطان عبد الحميد في مذكراته دور الدونمة ورجال الاتحاد والترقي.
* الانتقاص من قدر الخلافة الإسلامية:
وإذا كانت هناك محاولة للانتقاص من قدر الخلافة الإسلامية، واتهامها بالتقصير، فإن هناك ما يؤكد كذب ذلك، وما أورده جمال الدين في حديثه إلى المخزومي باشا في كتابه (خاطرات جمال الدين) يكشف عن مدى قدرة السلطان عبد الحميد على فهم تيارات الغربيين، وقدرته على ضرب مخططاتهم وضرب بعضهم ببعض. ولقد قام السلطان عبد الحميد بإعلان تلك الصيحة المفزعة التي عجلت به. وهي قوله: "يا مسلمي العالم اتحدوا"، وكان هدفه أن يجمع المسلمين ممن هم خارج الدولة العثمانية (العرب والترك) تحت لواء الخلافة والوحدة. وفزع الغربيون واليهود من ذلك فزعًا شديدًا، فقد مضى إليه بُخطا حاسمة وحقق نتائج هامة.
ولقد كان عقلاء المجاهدين المسلمين يؤمنون بأن المحافظة على الدولة العثمانية إحدى العقائد الإسلامية بعد التوحيد والنبوة. ومن ذلك محمد عبده وشكيب أرسلان ورشيد رضا وغيرهم. وقد كانت الدعوة الحقيقة هي محاولة إصلاح الدولة العثمانية من تحت مظلة الخلافة وتعديل تنظيمات الحكم دون