فشلاً ذريعًا وكثرت سقطاته وتضاعفت عثراته ويكفي أنه أشاد ببعض الخونة والجواسيس الذين تعاونوا مع الحملة الفرنسية ضد أبناء وطنهم من أمثال المعلم يعقوب ورفعهم إلى مصاف الأبطال.
٣ - حاول دراسة الأدب العربي فما استقام له منهج وما حقق شيئًا في هذا المجال ودليل فشله تحقق بشكل واضح في دراسته (على هامش الغفران) -الأهرام في الستينات- وقد حركت هذه المقالات قلم الأستاذ محمود محمد شاكر فعلق على الموضوع في مقالات متعددة صارت فيما بعد كتابا في جزئين بعنوان "أباطيل وأسمار" وهو من أهم الكتب التي صدرت في تاريخنا الحديث تحقيقًا وتأصيلاً للمنهج العلمي في الدراسة الأدبية إلى جانب ما فيه من متعة فنية وجمال في العرض ودفاع عن تاريخنا ومقومات حضارتنا وسيظل هذا الكتاب العظيم دليلاً عميقًا على أن الدكتور لويس عوض في حجم البعوضة وأن الهالة التي منحتها له ظروف الحياة في عقد الستينات؛ عقد الهزيمة اللعين، لا تساوي جناح تلك البعوضة بل سيظل هذا الكتاب صحيفة سوابق أدبية للدكتور لويس تحمل بين طياتها سطورًا كثيرة تهدر كل قيمة علمية أو أدبية له ويكفي أن محمود محمد شاكر قد ضبط لويس عوض متلبسًا بعدم معرفة قراءة الشعر العربي.
والذي يقرأ كتاب "أباطيل وأسمار" يعرف الدكتور لويس عوض تمامًا ويحدد بدون عناء مكانته العلمية وقيمته الأدبية.
- ونختم هذه الترجمة العفنة بكلام للأستاذ عبد العزيز الدسوقي والأستاذ شاكر مصطفى.
- يقول الأستاذ عبد العزيز الدسوقي:
"إن أي كلام يكتبه الدكتور عوض لا تأثير له وليست له أية قيمة وأنه قد سقط من غرابيل المعري منذ ارتكب تأليف كتابه "على هامش الغفران".
стр. 317
- ويقول الأستاذ شاكر مصطفى:
"ترى ما الرأي لو جاء باحث بعد قرن من الزمان فنظر في التقارير الأمنية عن الدكتور لويس عوض فوجد أنها خليط شيوعي أمريكي فاتهمه بالذبذبة، والتلون، ونظر في تراثه الفكري فوجد فيه ريح الطائفية فرماه بالباطنية والنفاق وفي تراثه السياسي فوجده متصلاً بأمريكا وإنجلترا فدمغه بالعمالة وكتب عنه فتحدث عن أسطورة لويس عوض وأن له دورا كان يؤديه لحساب مجهول، وإن له ماضيًا مريبًا وتعاونًا كاملاً مع جهة ما وأنه مزدوج الشخصية أو مثلثها أو مربعها حسب الظروف وأن مواقفه وتحركاته جملة من المتناقضات كل ذلك بوثائق أمريكية وإنجليزية وفرنسية" (١).
* اليساري محمد مندور رئيس تحرير مجلة " الشرق " الشيوعية ودعوته إِلى فصل الدين عن الدولة في مقاله "الدين والتشريع" وصداقته الحميمة للويس عوض:
كتب محمد مندور اليساري مقالاً بعنوان "الدين والتشريع" عام ١٩٤٤ في جريدة "المصري" التي كان يعمل بها، دعا فيه صراحة إلى فصل الدين عن الدولة، وضرورة سن القوانين الوضعية التي لا ترتبط بالشريعة الإسلامية، ولكن الجريدة رفضت نشره ويعلق لويس عوض على دعوة مندور قائلاً: "وواضح أن هذا الكلام الذي نشره مندور في ١٩٤٤ مؤسس على ذلك الركن الركين في الفلسفة الديمقراطية الليبرالية وهو فصل الدين عن الدولة، وإقامة فقه دستوري وفقه تشريعي على أساس وضعي بدلاً من الأساس الثيوقراطي الذي كانت تقوم عليه المجتمعات الإقطاعية في العصور
стр. 318
الوسطى" (١).
لقد كان مندور صريحًا في تطلعاته وتصوراته فهو رجل يساري لم ينكر ذلك، وانتهى به المطاف إلى أن يكون رئيسًا لتحرير مجلة "الشرق" التي تصدرها سفارة موسكو في القاهرة، وتعبّر عن الفكر الشيوعي الذي يرّوج له الاتحاد السوفيتي (قبل سقوطه مؤخرًا) .. ولذا فعندما أعلن مندور رفضه للشريعة أو الإسلام فهو متسق مع نفسه .. ونحن نرفضه ونرفض فكره جميعًا.
لقد كان مندور صديقًا حميمًا للويس عوض شاركه فكره وتصوراته وزامله فترة طويلة من العمر في داخل البلاد وخارجها. وكان لويس عوض يشبهه بآخيل في مملكة الربة أثينا، بينما يشبه نفسه بأجاكس، وقد ذهبا معًا إلى أثينا لتصنع لهما دروعًا كي يحاصر طروادة مدينة الموت ذات الأبراج السوداء والأسوار العالية (٢).
والرمز في هذه المرثية لا يخفى على من يتابع كتابات لويس، وغاياته الفكرية والأدبية، وقد كشف عنها على مدى المرثية حينما تحدث عن الرجعية وأعداء الموت وأنصار الحياة.
لقد اتخذ لويس عوض من موت محمد مندور الشيوعي فرصة للهجوم وهجاء الإسلام والمسلمين الرجعيين حيث شبه مصر المسلمة بطروادة مدينة الموت ذات الأبراج السوداء والأسوار العالية .. ويقول كلامًا عن محمد مندور يبين خطر محمد مندور وعمله المستمر ضد الإسلام .. يقول لويس عوض في رثاء مندور:
"هي الرجعية يا صاحبي، وهذه الرجعية هي التي قضى محمد مندور
стр. 319
شبابه ورجولته في حصارها، فمذ أن عرفته في باريس في الحادي والعشرين من أكتوبر ١٩٣٧ حتى لفظ أنفاسه الأخيرة في ١٩ مايو ١٩٦٥ لم يكن لمحمد مندور من همّ في الحياة غير محاربة الرجعية في كل صورة من صورها: رجعية الفكر، ورجعية السياسة، ورجعية المال، ورجعية النظم الاجتماعية، فتاريخ محمد مندور إذن ليس إلا فصلاً كبيرًا في كتاب الحرية العظيم في بلادنا، كتاب الحياة الجديدة الذي وضع فاتحته رفاعة الطهطاوي، وسطر أبوابه محمد عبده (!!! ) وقاسم أمين ولطفي السيد وطه حسين وسلامة موسى وعلي عبد الرازق، ومن حولهم كوكبة عظيمة من أعداء الموت وأنصار الحياة" (١).
والدكتور مندور تلميذ مخلص لليونان وعاشق لفنهم، وعارف بحضارتهم ومتحدث في صفحات كبار عن الالياذة والأوديسا ووثنيات اليونان وآلهتهم الزور.
"وقد حاول لويس عوض أن يرسم صورة مضللة لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية فأعطى قيادتها الأدبية لثلاثة "محمد مندور ونجيب محفوظ ولويس عوض" مدعيًا أن هؤلاء الثلاثة هم الذين وضعوا بذور النهضة والتقدم خلفًا للمدرسة التي خرجت طه حسين وسلامة موسى ومحمود عزمي وأنهم كانوا النور المضيء في ظلمات هذه المرحلة.
- وقد ردت الدكتورة بنت الشاطئ على لويس عوض فقالت:
إن أحدًا لم يدر شيئًا عن البذور الخفية التي قال: إنه ألقاها هو ومحمد مندور ونجيب محفوظ في أحشاء التربة المعتمة والأرض الخراب؛ لأن هذه البذور بصريح اعترافه لم تكن لترى النور قط. إذن فمن أين استمد الشعب
стр. 320
زاد وعيه ونور بصيرته وري وجدانه. والذي يسجله الواقع التاريخي أنه كان هناك دائمًا نبع سخي لم يغض أبدًا، يمد جماهير الشعب الأمي بالري المستديم ويفيض عليها من منهله الصافي ما يرهف وجدانها وينير بصيرتها ويشحذ إرادتها للنضال من أجل الوجود الحر الكريم. كان هناك (القرآن) يتلى في البيوت والأكواخ والمساجد والزوايا وينفذ إلى أعماق القرى ونائي النجوع منفردًا بالسيطرة الكاملة على الوجدان الشعبي، الذي لم ينفذ إليه قط من أي سبيل دعوات التقدميين ومقالات التطوريين، وإذا كانت الأمية قد فرضت على عامة الشعب وحيل بينهم وبين قراءة أي كتاب أو مجلة فقد بقي لهم كتابهم الخالد ينسخ أميتهم بمدد سخي من الوعي ويمزق عن بصيرتهم حجب الجهل وغشاوة العمى وغطاء الغفلة ويلح على عقولهم ونفوسهم بكلمات الله في حقوق الإنسان وكرامة البشر، من هذا النوع السخي وجدت الأرض الطيبة من الري المستديم ما يحميها من العقم والجدب، من هذه المدرسة تلقى الشعب الأمي الشحنة للاقتحام العنيد لكل العوائق والمواقع التي تعترض حياته عصيًا على كل المحاولات التي تغير نصًا لكلمات الله التي يتلوها الأميون مصبحين وممسين دينا وعقيدة لن يرفضوا الإقرار بالعبودية إلا لله وحده وأن يقاوموا البغي والظلم والباطل ويسحقوا جبروت الطغاة".
- وتقول الدكتورة بنت الشاطئ في دحض هذه الدعوات المسمومة التي حمل لواءها لويس عوض في الدعاية لطائفة المضللين من التقدميين والعلمانيين ودعاة المادية والماركسية في صدر جريدة الأهرام: يجهل تاريخنا من يظن أن هذا الشعب في جمهرته العامة بقي جامد الضمير مخدر الحواس بصليل الأغلال حتى جاء دعاة التطور وأنصار التقدم فعلموه، ويجهل شخصية هذه الأمة من يتصور أنها اطمأنت إلى شيء من البضاعة الفكرية والثقافة المجلوبة أو انفعلت بها وهي تتأهب للاقتحام العنيد لكل العوائق
стр. 321
والموانع التي تحول دون وجودها الحر، فقبل أن تسمع الدنيا بالمذاهب الحديثة والحركات المعاصرة كان هذا الشعب الأمي يفرض وجوده على الغزاة والطغاة من كل جنس وملة فيحسبون له ألف حساب، فلم يدعهم يهدءون لحظة من ليل أو نهار وقد أعيتهم منه شتى الحيل فما أجدت عليه يد حديدية ولا لهفة معاهدة ولا انطلت عليه حيلة المفاوضات، وفرض وجوده على القصر والأحزاب، لم يستورد الشعب زاد وعيه من الخارج وإنما هو سره الخالد تلقاه جيل عن جيل أمانة صعبة وميراثًا محتومًا، فالشعب الذي قهر الصليبيين وهزم التتار ودوخ الجبابرة ولفظ الغزاة على مسار الزمن لم يكن بحاجة إلى من ينقل إليه مقالاً في التطور يستثير به نخوته أو يستورد له شعلة من وراء السور الحديدي تشحذ إرادته، ولديه النبع الصافي يعصمه من الغفلة والضلال وفيه ميراثه العريق يزوده بطاقة متجددة على تحدي البغي والشر .. ولا يقل قائل إن دعاة التقدم هزّوا الأمة ضميرًا جامدًا وحواس معطلة ووجدانًا أصم، فلقد قامت بينهم وبين الوجدان الشعبي سدود وأبواب" وهكذا نرى كيف قادت الصحافة عن طريق الأدب معركة التجهيل والهزيمة ومحاربة التراث الأصيل" (١).
* نجيب محفوظ تلميذ سلامة موسى .. الشاك في كل قيمه. المتذبذب في كل فكره، الضائع في كل واد، المتحدي لعقيدة الأمة، صاحب جائزة نوبل!! عن قصته "أولاد حارتنا" أو موت الإِله:
نجيب محفوظ هو تلميذ سلامة موسى.
لقد سُئِل نجيب محفوظ: "هل كان لسلامة موسى أثر قوي في تكوينك الفكري كما يذهب بعض الباحثين؟ ".
стр. 322
فقال: "نعم كان لسلامة موسى أثر قوي في تفكيري فقد وجهني إلى شيئين مهمين هما العلم والاشتراكية، ومنذ دخلا مخي لم يخرجا منه إلى الآن، وكان الأديب الوحيد الذي قبل أن يقرأ رواياتي الأولى، وهي مخطوطة، قرأ ثلاث روايات، وقال لي: إن عندي استعدادًا ولكن الروايات غير صالحة للنشر، ثم قرأ الرواية الرابعة، وكانت "عبث الأقدار" وأعجبته ونشرها كاملة في "المجلة الجديدة" كما قرأ أول أقاصيص كتبتها ونشر بعضها في "الرواية" ومجلتي" اهـ.
إذن فقد تأثر نجيب منذ بدايته الأولى كأديب بسلامة موسى المفكر ومنذ دخل عقله (الاشتراكية والعلمية) أو بعبارة أخرى (الاشتراكية العلمية) أو (الماركسية العلمانية) لم يخرجا منه حتى الآن.
إذا تقرر هذا فاعلم أن النهاية معروفة من مطلع البداية فالاشتراكية العلمية أو الماركسية المادية التي عششت في مخ الكاتب وباضت وأفرخت وصادفت عنده مكانًا خاليًا فتمكنت .. هذه الأشتراكية العلمية تناقض الإسلام كل التناقض ولا تلتقي به في أي موضع من المواقع.
إِياك تجني سكرًا من حنظل ... فالشيء يرجع في المذاق لأهله" (١)
- وكذلك نجد (نجيب محفوظ) يسقط في حلقة الاحتواء التغريبي وتخدم قصصه نفس الأهداف، بل نجد الماركسيين يولونه اهتمامًا كبيرًا ويرون في كتاباته خدمة لغاياتهم وفكرهم وتفسيرهم المادي للتاريخ، وقد استخدموه في دعوتهم إلى الإباحية وإلى المفاهيم الهدامة في الأسرة والفتاة. وعمل المرأة وعلاقتها بالرجل، وقد كان نجيب محفوظ مهيأ لذلك كله؛ لأنه من خريجي قسم الفلسفة - ثم كان اتصاله بسلامه موسى عاملاً هامًا من عوامل
стр. 323
تكونيه وقد كانت فكرته عن الألوهية فاسدة وقائمة على مفاهيم الماديين.
- ونجيب محفوظ هو الذي "أبرز في رواياته صورة الرجل الشاك في كل قيمه المذبذب في كل فكره الضائع في كل واد المتحدي لعقيدة الأمة والمتجه ناحية المشارب الأخرى يعب منها، وقد كانت اتجاهاته الثلاثة واضحة في تطوره القصصي على التوالي: اتجاهه الإلحادي واتجاهه المادي واتجاهه الماركسي الأخير. وهو الذي تقلب في التبعية للمذاهب الوافدة الغربية والشرقية على السواء في الرومانسية والواقعية والرمزية المغرقة، حتى في اتهامه للأزهر بأنه لا يقرأ؛ لأن الأزهر وقف ضد فساده وهو يصور أنبياء الله تلك الصورة السفيهة، وقد توالت كتاباته واستمرت ووجدت من يدفعها إلى الأمام ويشجعها"، وتسارع هيئات السينما لنقلها إلى الناس على أبشع ما يجد الذوق وأردأ ما يكون التقديم وأسوأ ما يجترأ على الأخلاق والفضائل، بل إن هناك من حاول أن يكتب عن قصص نجيب محفوظ وكأنه من دعاة الإسلام وهو القائل:
"الحق أنني معجب بالماركسية بما تحققه من عدالة اجتماعية ورؤية إنسانية سامية واعتمادها على العلم، ولكني أرفض دكتاتوريتها وفلسفتها المادية".
وهكذا سار نجيب محفوظ في طريق اليسار وعاش مع هذا التيار الذي ظن أنه يرفع من أسهمه وشهرته، وقد حاول بعد أن سقطت هيبة الشيوعيين في مجال الإعلام والصحافة والسينما أن يتراجع ويتراجع، ولكن بعد أن وصمته هذه الأفكار وقضت على كل محاولة لاستنقاذه. وقد وصفه بعض النقاد بأنه عاش مع صناع الأفكار وابتعاد الروح عن موارد الحق والخير، وأن المطالع لرواياته يزداد اقتناعًا بأن الرجل لا شيء، إذ أنه يمثل الضياع العقائدي كما يمثل الضياع الفكري أو التبعية للاستعمار الثقافي في بلادنا.
وقد تابع نجيب محفوظ دكتاتورية الناصرية، وكان من المؤيدين لها فلما
стр. 324
سقطت هاجمها بعنف وحاول تقليد توفيق الحكيم في نقد الماضي الذي كان مشتركًا فيه مستغلاً لخدمته، وأن الباحث في آثار نجيب محفوظ يجد ظاهرتين خطيرتين: الأولى: الجنس، والثانية: الإلحاد.
أولاً: طابع الجنس واضح في معظم روايات نجيب محفوظ، شأنه في ذلك شأن إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي، ولكنه عند محفوظ أشد خطورة فهو يجعله نتيجة للفقر، ولا يرى للمرأة إذا جاعت إلا طريقًا واحدًا وهو أن تبيع عرضها، ولا ريب أن هذا الفهم خاطئ من ناحية، ولا يمكن تعميمه على كل الناس، فإن كثيرًا من الناس لا يبيعون أعراضهم ولو ماتوا من الجوع، وهو في هذا الفهم يرسم صورة مادية فردية لا يعرفها المجتمع الإسلامي الكريم القائم على الإيمان بالله، وإنما هي منقولة ومقتبسة ومسروقة من قصص الغرب حيث لا يقيم الناس أي اعتبار للعرض والشرف والكرامة.
ولقد جرى نجيب محفوظ انطلاقًا من مفاهيم المادية والوثنية والإباحية إلى أن يجعل أغلب بطلات قصصه ممن يضغط عليهن الفقر فيلجأن إلى الجنس أي الدعارة المقنعة ونجيب محفوظ في هذا الاتجاه يجري مجرى المتطلعين إلى أن تكون القصة مصدرًا للكسب المادي سواء أكانت قصة مقروءة أم مسرحية أم فيلمًا سينمائيًا فيقول: إن الجنس ظاهرة من ظواهر الحياة مثل الحب والزواج والجريمة والعقيدة. وهي عنده ظاهرة تصلح موضوعًا للعمل الفني وكل ظاهرة عرضة للاستغلال التجاري.
ويدافع نجيب محفوظ عن الجنس في أدب إحسان عبد القدوس ويراه مرتبطًا بمناقشة التقاليد الجامدة وحرية المرأة وانحلال بعض الطبقات.
ولا ريب أن نجيب محفوظ لم يعرف حقيقة المجتمع الإسلامي وأغواره، وأن ما يعرفه عنه إنما يتمثل في بعض النماذج الفاسدة التي اتصل بها، أما جوهره الحقيقي فهو ليس معروفًا له، وشأنه في هذا شأن إحسان
стр. 325
عبدالقدوس وكلاهما متأثر بالوسط الضيق الذي عاش فيه، فليس كما يقول
أن المنحرفة يرجع انحرافها إلى أسباب اجتماعية، أو أن المجتمع هو الذي
يؤدي إلى انحرافها.
وليس من شك أن المرأة التي تتخذ من البغاء والدعارة المقنعة وسيلة إلى
الحياة الطيبة هم قلة قليلة، وليس أغلب المنحرفات كان الفقر مصدر انحرافهن
أو سقوط المرأة بسبب الفقر، أو أن سبب الانحراف هو سبب اجتماعي هذا
كله مفهوم ماركسي ومادي، وليس صحيحًا على إطلاقه، وليس صحيحا
بالأولى في المجتمع الإسلامي، ويخطئ نجيب محفوظ حين يقول: أن أوربا
استطاعت حل المشكلة الجنسية بطريقتها الخاصة وهذه الطريقة أن البنت التي
عمرها ١٦ سنة تلتقي في حرية تامة مع أي شاب حيث لا مشكلة جنسية ولا
مشكلة عفاف ولا بكارة.
وليس هذا الذي يقوله نجيب محفوظ مما يصلح لتطبيقه على مجتمعنا أو
أنه حل حق حقيقي لهذه المشكلة.
والواقع أن كتاب القصة (نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس، ويوسف
السباعي ويوسف إدريس وغيرهم) هم أقل الكتاب المعاصرين تجربة في مجال
الدراسات الاجتماعية بل إن آراءهم في هذا المجال تدل على سذاجة شديد
وعلى فقر كبير، فهم مع الأسف لم يقرأوا إلا مجموعة من القصص الغربية
ثم نقلوها- بعد أن انقضى عهد الترجمة- إلى تآليف عربية حيث أبقوا على
القيم والمفاهيم والتقاليد الغربية في كثير من القضايا التي يختلف حلها في
إطار المجتمع الإسلامي وفي ضوء قيمه ومفاهيمه، وهذه المفاهيم التي يقدمها
نجيب محفوظ في قصصه المختلفة، لا تمثل حقيقة هذا المجتمع ولا مشاكله
ولا يقدم حلولآ حقيقية له، ولذلك فإن هؤلاء الكتاب عندما يخرجون من
دائرة القصة إلى دائرة الكتابة الاجتماعية على النحو الذي عرفناه في كتاباتهم
стр. 326
" من مفكرة الأهرام " يتكشف قصورهم وعجزهم.
وتمثل كتابات نجيب محفوظ في عبارة جامعة "الضياع" ففي رواياته الشحاذ وثرثرة فوق النيل وميرامار والمرايا يبدو المثقفون وكأنهم كائنات ضائعة هاربة من الواقع في الحشيش أو الجنس، وتبدو كذلك شخصيات أنانية إلى حد المرض، وقد قال: "رواياتي تنبع من ماء الهزيمة الآسن"، وبطولاته أحد اثنين: أناس لا يعيشون وأناس يحيون بفضل الانحراف والجريمة.
وقد اتهمه لويس عوض في محاضرة بإحدى الجامعات الأمريكية أنه باع نفسه للناصريين فكرمه النظام الناصري، وكان الثمن هو تشويه ثورة ١٩١٩ وزعيمها سعد زغلول حتى لا تبقى على سطح التاريخ السياسي لمصر في القرن العشرين سوى ٢٣ يوليو. وقال نجيب محفوظ: أنا لم أبع نفسي لأحد ولم يطالبني أحد ذلك.
- سأله أحدهم: أثار الناصريون في الفترة الأخيرة أنك انضممت إلى توفيق الحكيم واليمين في مهاجمة جمال عبد الناصر وعصره ومنجزاته في رواية الكرنك مع أنك نلت في عصر عبد الناصر أعلى جوائز الدولة وأعلى المناصب الرسمية (درجة نائب وزير) وعشت في عصر عبد الناصر دون أن يوجه إليك نقد، فما سر حملتك في روايتك الكرنك؟ قال: الكرنك تدين الإرهاب لا المنجزات، وقد كانت رواياتي كلها نقدًا للعصر، لقد تبين لي أن العهد يبني بيد ويهدم بالأخرى وأنه سلم مؤسساته إلى أناس بلا كفاءة ولا خلق ينغمس قادتها في الترف والثراء، تنكل باهل الرأي من مخالفيها تنكيلاً وحشيًا وتشهر سيف الرعب والإرهاب، تزج بنفسها في مغامرات دون اعتبار لقوتها الحقيقية، وتأتي النتيجة رهيبة فقد هزمنا شر هزيمة في تاريخنا كله وتتركنا بلا آمال ولا كرامة، وهكذا برز نجيب محفوظ تحوله من تأييد عصر كان فيه من أبرز دعاته.
стр. 327
ثانيًا: طابع الإلحاد، وهذا الطابع واضح في مختلف كتابات نجيب محفوظ ويرجع إلى إيمانه بالفلسفات المادية وإعجابه بالماركسية واتصاله بسلامة موسى وقصوره وعجزه عن مطالعة الفكر الإسلامي أو الاتصال به، ولقد كان من أسوأ بادرات نجيب محفوظ (التهكم) على الله ﵎ عما يقولون علوًا كبيرًا حيث يقول:
"فقد أعطانا الله سبحانه أرضًا كثيرة ولكنها فقيرة في غالبها، ثم أين مساحة الأرض التي قسمها الله للعرب من مساحة الأرض التي تملكها روسيا"، وهذا الكلام يدل على قصور نجيب محفوظ حتى في معرفة أبعاد وأعماق المنطقة العربية الزاخرة بالثروات والخيرات والواقعة بين القارات الثلاث والتي تمر منها جميع المواصلات الجوية والبرية والبحرية فضلاً عن مكانتها الجغرافية الضخمة، وحيث هي "الأمة الوسط" التي قامت على كلمة الله الحق والتي كان جندها وسيظل خير أجناد الله، وإليها حماية الدعوة والأرض والعقيدة".
ْ- وأين من موقع الأمة الإسلامية موقع روسيا أو غير روسيا، أليس هذا هو الجهل المركب من المغرورين الذين يتصدرون للزعامات الأدبية.
ويبدو فساد عقيدة نجيب محفوظ ومفاهيمه في الألوهية في قصة "أولاد حارتنا" التي تقوم على السخرية بالأنبياء والرسل ودعوة الله الحق والتي استقبلها المستشرقون ودعاة التغريب بالتقدير والإعجاب وكتبوا عنها البحوث الضافية ورفعوا صاحبها إلى أعلى ذرا العبقرية.
وقد حاول نجيب محفوظ في هذه القصة أن يقول بالرمز كل ما عجز عن قوله صراحة عن مفهوم مادي زائف وعقيدة مضطربة، ونحن لا نستغرب هذا الفهم من نجيب محفوظ الذي هو في الأساس من تلاميذ سلامة موسى الذي دربه على الفكر المادي وأعده ليكون واحدًا من هذه المدرسة التغريبية
стр. 328
وغرس فيه مفهوم احتقار الأديان والقيم والاندفاع نحو الفرعونية، ثم الماركسية ثم نحو معارضة كل القيم الأساسية لهذه الأمة في عشرات المواضع من كتاباته وقصصه وفي استعلاء طابع الجنس على رواياته واستهانته بكل القيم والمقدسات وقد احتفلت (أهرام هيكل) برواية أولاد حارتنا وظنوا أنها يمكن أن تمر على الناس بسهولة، فلما اكتشف الناس رموزها وعرفوا أنها تهدف إلى الانتقاص من ذات الله ﵎ عما يقولون علوًا كبيرًا علت صيحاتهم فأوقفت الرواية، ومنع نشرها ونشرت في بيروت وصفق لها سهيل إدريس ناشرها واحتفل بدراسات عنها، ثم تبين من بعد فساد طريقها وهدفها وأنها حملت حملة شعواء على رسل الله وأنبيائه، وأنها أعلت شأن الفكر المادي على الأديان.
وليست شخصيات القصة رموزًا بل هي تحوير لغوي لا غير لأسماء الأنبياء موسى وعيسى ومحمد، ويقال: أن القصة مشاركة من نجيب محفوظ في ذلك الحوار الواسع الذي جرى على المنابر المصرية بتوجيه من جهات مسئولة لتحديد اختبارات فكرية واضحة، ولعل ذلك في الوقت الذي كانت تجري المحاولة فيه بواسطة مراكز القوى على إقناع منظمات الشباب بقبول العقيدة المادية وإنكار وجود الله واحتقار الأديان فكان نجيب محفوظ أداة طيعة في هذا الاتجاه.
- ويرى الكثيرون أن نجيب محفوظ في قصة "أولاد حارتنا" يفسر التاريخ تفسيرًا يتفق مع مفهوم المادية التاريخية، وأنه يتجاوز الماركسية، ويقول المستشرق فرنيس شيتات: إنه من العسير على الكثيرين أن يفصحوا عن المقصود بالجبلاوي وأنهم حين يتحاشون الخوض في هذه المسألة وجدناهم يتحدثون عن المطلق أو عن الإله.
- ويرى المستشرقون أن جاك جويد هو أول من نبه الغرب إلى "أهمية
стр. 329
هذه الرواية عندما قدمها في محاضرة له في أمستدردام، وتبين أن كثيرين من
المستشرقين أولوها اهتمامهم (ساسون سوفيج، وفايكونيس). وتساءل
أحدهم. هل ينكر نجيب محفوظ وجود الله في قوله: أن الميتافيزيقيا تتراجع
أمام الضرورات الأرضية، ويرى الآخرون أن هذا هو أهم مراحل التطور
العلماني في الكتابات العربية الموالية للتغريب وأن هذه القصة مساهمة طيبة
في هذا المجال.
" وقد وُوجه نجيب محفوظ بنقد صريح من الباحثين في مجال القصة
والأدب العربي المعاصر فيقول أحمد محمد عبد الله: إن نجيب محفوظ روائي
مشهور حاز مرتبة فى هذه الناحية، نقل للناس كثيرًا من الخرافات والأكاذيب
وقليلاً من الصدق والوضوح، حتى الوضوح لا تتضح فيه الرؤية تمامًا فعليها
من الغشاوة ما عليها، وقد بحثت عن خيال للفضيلة فيما يسطر فوجدت أن
الحقيقة ترفس رفسًا وأن الفضيلة ما وجدت إلا لينال منها أو يسخر بها،
وعرفت أن الهالة التي تُبنى حول هؤلاء إنما هي من قبيل البروز للكاتب
والمكتوب معه، إن نجيب محفوظ يمثل جزءا من قتامة التفكير في عالمنا العربي
والإسلامي فما كان ينتظر منه وهو الذي نال شهرة واسعة أن يكون قائد
الميدان نحو الانحدار، وما عهدنا رجلاً حمل المشعل وسار به إلا وتقاذفه
السفهاء من كل جانب ليطفئوا مشعله فلربما سقط وحمل المشعل آخرون
والمسيرة باقية، وأما الذي يرفع صوت الشيطان وصورته فنجد سياجًا من
الفوضى والبربرية تحيط به تملأ الدنيا صراخا وتصفيقًا وتصفيرًا.
وقد برز نجيب محفوظ في رواياته بصورة الرجل الشاك في كل قيمه،
المتذبذب في كل فكره، الضائع في كل واد، المتحدي لعقيدة الأمة، والمتجه
ناحية المشارب الأخرى يعب منها حتى يطفح فيفيض ما عليه على غيره
وينتكس بعد ذلك إلى غيره " (١).
стр. 330
* قصة "أولاد حارتنا" أو موت الإله:
هذه القصة قد بدأ نشرها مسلسلة في الأهرام سنة ١٩٥٩ م. وقد ثارت ثورة الأزهر، وبين وجه الافتراء فيها على الإسلام وأبدى الرأي في ذلك صريحًا واضحًا فما كان من رئيس تحرير الأهرام وقتئذ محمد حسنين هيكل إلا أن انبرى لثورة علماء الأزهر على هذا الكتاب وأبدى احتجاجه الشديد اللهجة على رد العلماء، وشجّع الأستاذ نجيب محفوظ على مواصلة نشر القصة، ولم يعبأ بما أبداه علماء الأزهر من غضبة لله تعالى ودفاع عن شرع رسوله الكريم، فاستمر نشر هذه القصة في تلك الظروف القاتمة السواد.
ولم تظهر هذه القصة في كتاب مكتمل في مصر ولكنها صدرت في بيروت عن دار الآداب سنة ١٩٦٧.
ومما هو معلوم الثبوت أن هذه القصة تُرجمت إلى الإنجليزية وصدرت سنة ١٩٨١ عن دار هاينمان وقال المترجم (فيليب استيوارت) في مقدمته وكذلك الناشر على الغلاف أنها أكمل طبعة لهذه الرواية.
- ولا ينسين أحد أن هذه القصة بالذات كانت على رأس الحيثيات التي منحت كاتبها هذه الجائزة (جائزة نوبل)؛ وذلك لأنهم اعتبروها قصة غير عادية وقد صرّحوا بذلك كما جاء في الخطاب الذي ألقاه سكرتير لجنة الجائزة في حفل التسليم باستوكهولم والذي أشار في هذا الخطاب وهو يمدح المؤلف ويطريه مشيرًا إلى ما تضمّنته القصة من (موت الإله) (١).
- وجاء في نص حيثيات منح جائزة نوبل لنجيب محفوظ أنه تأثر بالمفكرين الغربيين مثل ماركس وفرويد وداروين (٢).
стр. 331
- إن عملين من أعمال نجيب محفوظ كانا مستند اللجنة نوبل عند اختيارها للأديب عند منحه جائزتها عن عام ١٩٨٨ وهما "أولاد حارتنا" (١) و"ثرثرة فوق النيل" مع الإشارة إلى الثلاثيات.
- يقول الأستاذ مصطفى عدنان في جريدة النور الصادرة بتاريخ ٢٠ ربيع آخر ١٤٠٩ هـ (٣٠ نوفمبر ١٩٨٨): "نحن نؤكد للأستاذ الكبير!! نحبيب محفوظ بعد فحص النص الذي أمامنا لأولاد حارتنا أنه حين كتبه كان يكتبه خدمة للشيوعية، كيف؟
فلقد انتصر للشيوعي الملحد (الذي قتل الله) ولنرجع للحلقة المنشورة في الأهرام يوم ٢٥/ ١٢/١٩٥٩ وهي الحلقة الخاتمة للرواية ويتضح منها جليًا الهدف من الرواية وينكشف بلا أية أردية حيث يقول الأستاذ نحبيب محفوظ:
"هذا الشيوعي الملحد الذي قتل الله هو المصلح الأخير للبشرية وهو الأمل الذي سيقود العالم إلى يوم الخلاص".
فعلى طول ٩٦ حلقة و١٤ فصلاً، انتهى الأستاذ نجيب إلى أن الوصايا العشر (التي أنزلها الله على موسى ﵇، والكلمات التي جاء بها موسى (التوراة) وعيسى (الإنجيل) ومحمد (القرآن) عليهم أفضل الصلاة والسلام أجمعين هي بنص كلماته "أحلامًا ضائعة قد تصلح ألحانًا للرباب لا للمعاملة في هذه الحياة" الفصل ١٤" (٢).
* جاءت لنظرته المعارف حُوَّلا:
لقد كان سلامة موسى ملحدًا وعلمانيًا لا تلين له قناة، وكان من أوائل
стр. 332
ما نشوه كتاب بعنوان "نشوء فكرة الله" سنة ١٩١٢، وليس إذن من قبيل المصادفة أن يكون من بين أوائل ما كتب التلميذ النجيب المخلص لفكر سلامة موسى والمتأثر به بحث من عدة مقالات عن فكرة (الله) وتطورها. ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ " (١).
* فك الرموز:
التعريف بـ "أولاد حارتنا" يبدأ بفك الرموز المستعملة فيها، ثم التنظير بين معانيها الرمزية، والمعاني المقابلة لها في الخارج في مادة الموضوع الذي أدار عليه المؤلف الحديث من طرف خفي، ثم الكشف عن مواضع "الفر" أو "الإحجام" بعد "الكرد" أو "الإقدام" الذي أشرنا إليه من قبل.
* أنواع الرموز:
الرموز التي وظَّفها الكاتب الكبير الأستاذ "محفوظ" ليست نوعًا واحدًا بل جاءت -كما تبين لنا بعد النظر الطويل- على ثلاثة أقسام:
الأول: رموز "أشخاص" أو "شخوص" (٢)، مثل أدهم وعرفة.
الثاني: رموز أماكن، مثل "صخرة هند" و"الخلاء".
الثالث: رموز معان، مثل "الوقف"، و"السحر".
- وهذه الرموز على اختلاف أنواعها قسمان:
- رموز شفيفة يمكن فهم معناها بيسر وسهولة.
- رموز كثيفة لا يُفْهم المراد بها إلا بعد فكر طويل، وتأمل عميق.
وبفضل الله وتوفيقه استطعنا فك رموز الرواية بقسميها:
стр. 333
الشفيف والكثيف. والموضوع الذي تحكيه والأهداف المرادة منها، مهما توارت وأُحيطت بهالة من الغموض المتعمد، والتمويه المريب".
- ورموز الرواية على درجتين:
الأولى: رموز أصول أو أقطاب يدور عليها بناء الرواية كلها، أو بناء فصل منها، مثل: الجبلاوي، والبيت الكبير، والوقف. فهذه رموز أصول اعتمد عليها الكاتب الروائي من أول كلمة، إلى آخر كلمة في "أولاد حارتنا".
ومثل: أدهم، جبل، رفاعة، قاسم، عرفة. فهذه رموز أصول -كذلك- لكن كل رمز منها موقوف -بالدرجة الأولى- على الفصل الذي ورد فيه.
الثاني: رموز مساعدة أو "فرعية" تؤدي دورًا ما في نسيج الفصل الذي هي فيه، وذلك مثل "البلقيطي" في فصل "جبل"، و"عبده" في فصل "رفاعة"، و"زكريا" في فصل "قاسم" و"حنش " في فصل "عرفة"، ومثل "همام" في فصل "أدهم" من قبل.
والرموز الأصول حين يُفَك معناها سرعان ما تتساقط طاقات من الضوء على وجوه الرموز "المساعدة" أو "الفرعية"، فيُدْرك معناها تباعًا على طريقة تداعي المعاني كما يقول علماء النفس، لذلك فإن الرموز التي سنركز على فك معانيها، ونقيم عشرات الأدلة على صدق ما فهمناه منها، هي الرموز الأصول" (١).
* جوانيات نجيب محفوظ والدكتور المطعني يرد على محفوظ ويطعنه في مقتل:
كل كلمة في الرواية تدل على أن كاتبنا حين كتب روايته يؤمن إيمانًا
стр. 334
قويًا بالعلم الحديث والثقة المفرطة فيه، مضافا إليه شعبة البحث العقلي التجريبي زاهدًا كل الزهد فيما سواه، وبخاصة المعارف الدينية، والتوجه المنبثق عنها.
* الهدف من وضع "أولاد حارتنا ":
"هذا الهدف -باختصار شديد- هو تفشيل دور الدين بوجه عام في حلول مشكلات الحياة، وتحقيق السعادة للناس فيها، وبعد وقوع ذلك التفشيل، من خلال ما ورد في الرواية، يأذن الأستاذ "محفوظ" للعلم الحديث أن يطل برأسه إلى الوجود، ثم ينمو شيئًا فشيئًا حتى يصبح عملاقًا لا يقاوم، وقادرًا لا يعجز، ثم يتمكن من القضاء على الدين متمثلاً في قتل أو موت الجبلاوي -كما سيأتي- ويهز مشاعر أولاد الحارة أو الدنيا، بمخترعاته المذهلة، فينحاز الناس أو أولاد الحارة إلى عرفة وحنش، اللذين يمثلان العلم الحديث، ويفضلونه على الدين عيانًا جهارًا، وينخلعون عن الإطار الديني النبوي في وَضَح النهار؟! " (١).
* حتى لا نُخدع هذه معاني الرموز في "أولاد حارتنا ":
م ... الرمز: .................... معناه
١ ... الحارة: ................... الكرة الأرضية أو "الدنيا".
٢ ... أولاد الحارة: .............. الإنس والملائكة، والجن.
٣ ... الجبلاوي واعتزاله: ........ هو فى الرواية: "الله" سبحانه، واعتزال الجبلاوي: رمز إلى توقف دور الدين؟
٤ ... البيت الكبير: .............. الحضرة القدسية (٢).
стр. 335
م ... الرمز: .............................. معناه
٥ ... الوقف: ............................ منهج الله في إدارة شئون الحياة.
٦ ... الشروط العشر: .................... الوصايا العشر في أواخر سورة " الأنعام ".
٧ ... الخلاء: ............................ الغيب أو ما وراء الطبيعة من أسرار.
٨ ... أدهم-جبل-رفاعة-قاسم: ......... أسماء أو رموز أربعة رسل سيأتون.
٩ ... الحكايات: .......................... التاريخ الديني النبوي.
١٠ ... المقاهي: .......................... مركز العلم والإعلام.
١١ ... شعراء الرباب: .................... الرواة والدعاة الدينيون.
١٢ ... الفتوات: .......................... المتسلطون وذوو القهر.
١٣ ... النبابيت: .......................... أدوات القمع والاضطهاد.
١٤ ... أدهم: ............................. آدم
١٥ ... أُميمة: ............................ حواء
١٦ ... همام: ............................. هابيل
١٧ ... قدري: ............................ قابيل
١٨ ... إدريس: ........................... إبليس
١٩ ... رضوان-جليل-عباس: ............ رموز لجماعة الملائكة
٢٠ ... هند: ............................. الغواية الشيطانية
٢١ ... إدارة الوقف: ..................... الخلافة أو الاستخلاف في الأرض
٢٢ ... هانم: ............................. النور، والنار
٢٣ ... الجارية السوداء: .................. الأرض
٢٤ ... جبل: ............................. موسى ﵇
٢٥ ... ناظر الوقف: ...................... فرعون
٢٦ ... هدى هانم: ........................ امرأة فرعون
٢٧ ... زقلط: ............................. هامان
٢٨ ... البلقيطي: .......................... شعيب عليه السلام
стр. 336
م ... الرمز: ......................... معناه
٢٩ ... شفيقة: ..................... ابنة شعيب زوجة موسى
٣٠ ... آل حمدان: ................. بنو إسرائيل في مصر قبل موسى ﵇
٣١ ... آل جبل: ................... بنو إسرائيل في مصر في عهد موسى ﵇
٣٢ ... صخرة هند: ................ المكان الذي ينزل فيه الوحي على موسى
٣٣ ... دعبس: .................... الإسرائيلي الذي استغاث بموسى مرتين
٣٤ ... رفاعة: ..................... عيسى ﵇
٣٥ ... عَبْدَةَ: ...................... مريم ﵂
٣٦ ... شافعي: ..................... يوسف النجار
٣٧ ... صخرة هند: ................ مكان التتويج بالرسالات عند المؤلف
٣٨ ... زكي-حسين-علي-كريم: ... رمز لجماعة الحواريين
٣٩ ... العفاريت: ................... الكفر والمعاصي والشرور
٤٠ ... الدواء: ...................... المواعظ والهداية
٤١ ... المرضى: ..................... العصاة والكفرة
٤٢ ... قاسم: ....................... محمد ﷺ
٤٣ ... قمر: ........................ خديجة ﵁
٤٤ ... إحسان: .................... فاطمة ﵁
٤٥ ... زكريا: ...................... أبو طالب عم النبي ﷺ
٤٦ ... حسن: ...................... علي بن أبي طالب ﵁
٤٧ ... صادق: ..................... أبو بكر الصديق ﵁
٤٨ ... بدرية: ...................... عائشة بنت أبي بكر وزوج النبي ﷺ
٤٩ ... يحيى: ........................ ورقة بن نوفل
٥٠ ... قنديل: ...................... جبريل ﵇
٥١ ... الجرابيع: .................... العرب قبل الإسلام والمسلمون بعد الإسلام
٥٢ ... سوارس: .................... أبو جهل أو أبو لهب عليهما لعنة الله
٥٣ ... عرفة: ....................... رمز العلم الحديث
٥٤ ... حنش: ...................... رمز القوة في العلم الحديث
стр. 337
م ... الرمز: ...................... معناه
٥٥ ... قَتْل عرفة الجبلاوي: ...... قضاء العلم الحديث على الدين
٥٦ ... موت الجبلاوي: ........... انتهاء دور الدين في الحياة
٥٧ ... إحياء عرفة "الجبلاوي": .... علو سُلْطان العلم الحديث على الدين
٥٨ ... وصية الجبلاوي لعرفة: ..... استسلام الدين للعلم الحديث
٥٩ ... السِّحْر: .................... العلم الحديث المذهل
٦٠ ... المكتوب مكتوب: .......... جبرية القضاء والقدر
٦١ ... نهاية واحدة هي الوت: ...... إنكار الحياة الآخرة
٦٢ ... التمساح المحنط: ............. الفكر الديني الذي مصدره الوحي قديم جامد جاف
٦٣ ... الحجرة الخلفية: ............... المعامل والمختبرات العلمية
وبفك هذه الرموز يستطيع المرء أن يدرك مدى شناعة وقبح هذه الرواية وشكر الله الدكتور عبد العظيم المطعني والشيخ عبد الحميد كشك والدكتور محمد يحيى وغيرهم .. وللدكتور المطعني النصيب الوافر والأكبر في حل هذه الرموز.
* تقرير عن رواية "أولاد حارتنا" أو "موت الإِله" التي كانت سببًا لحصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل:
- يقول الدكتور المطعني:
"بكل موضوعية وصدق وإخلاص نقول:
- إن موضوع هذه الرواية "أولاد حارتنا" يتكوَّن من قسمين اثنين:
الأول: ويبدأ من "افتتاحية" أو مقدمة الرواية، ويستمر حتى الفصل الرابع، أو هو تفصيلاً:
١ - المقدمة.
стр. 338
٢ - أدهم، أي آدم ﵇.
٣ - جبل: أي موسى ﵇.
٤ - رفاعة: أي عيسى ﵇.
٥ - قاسم: أي محمد ﷺ .
أما القسم الثاني: فهو مكوَّن من فصل واحد هو: عرفة، وقد جعله المؤلف رمزًا للعلم الحديث كما تقدم.
إن مادة القسم الأول شاملاً المقدمة والفصول الأربعة المتقدم ذكرها، هي -بلا جدال- وقائع التاريخ الديني النبوي، ممثلاً في أبي البَشر آدم (أدهم في الرواية) ثم الرُّسُل الثلاثة الكبار:
موسى، وعيسى، ومحمد ﷺ ، والمرموز لهم في الرواية بـ: جبل، ورفاعة، وقاسم. وقد أقمنا على صحة هذا "الفهم" عشرات الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة، والحجج الدامغة التي لا تقبل أدنى نزاع مهما أوتي المدافعون عن الرواية من مهارة في المغالطات، ومن أساليب الخداع والتمويه.
إن "الحارة" رمز للدنيا كلها، وليست "حارة" بالمعنى الضيق المعروف للناس.
إن "أولاد الحارة" هم البَشر جميعًا من لدن آدم ﵇ إلى العصر الحاضر، وربما دخل فيهم -عند المؤلف- الملائكة والشيطان!
* الجبلاوي:
الجبلاوي في الرواية هو قطب الأقطاب، والمصدر الوحيد للتاريخ الديني النبوي، وهو في الرواية رمز لـ "الله" " (١).
стр. 339
* الأدلة على أن الجبلاوي في الرواية هو الله سبحانه وتعالى عما يقول الزنادقة عُلُوًّا كبيرا:
الدليل الأول: لغز من الألغاز:
مهد المؤلف برمز آخر هو "جَدنا" مقصود منه "الله" كدْلك. قال المؤلف.
"وما أكثر المناسبات التي تدعو إلى ترديد الحكايات، كلما ضاق أحد بحاله، أو ناء بظلم أو سوء معاملة، أشار إلى البيت الكبير .. وقال في حسرة: "هذا بيت جدنا، جميعنا من صلبه .. " (١).
- في هذا النص ثلاثة رموز:
البيت الكبير، وهو مستودع الأسرار الإلهية، أو العرش.
و"جَدُّنا"، وهذا الرمز جاء على تشبيه "الخالق" بوالد الأبناء، فيكون معناه: خالق أبينا آدم.
والثالث: "من صلبه" أي: من خلقه وإيجاده، فليس مراد الكاتب المعاني الحقيقية الظاهرة للألفاظ، بل مراده معاني أُخرى تربطها بالمعاني الحقيقية الظاهرة أنماط من العلاقات، مثل علاقة التشبيه التي أشرنا إليها الآن.
- وبعد هذه الرموز التمهيدية ورد رمز "الجبلاوي" لأول مرة في قول المؤلف:
"وجَدُّنا هذا لغز من الألغاز، عُمِّر فوق ما يطمع إنسان أو يتصور، حتى ضُرب المثل بطول عمره، واعتزل في بيته لكبره منذ عهد بعيد، فلم يره منذ اعتزاله أحد .. على أي حال كان يُدْعَى الجبلاوي، وبامسه سميت
стр. 340
حارتنا، وهو صاحب أوقافها، وكل قائم فوق أرضها، والأحكار المحيطة بها في الخلاء" (١).
* الاعتزال:
هذا رمز ثان وصف به الكاتب "الجبلاوي" رمز الألوهية "الله"، فقال: إنه اعتزل منذ عهد بعيد، والذي فهمناه من هذا الرمز أن المؤلف يقصد به انقطاع الوحي وتوقف الرسالات السماوية، بعد أن جاء الإسلام حاملاً الكلمة الأخيرة لله في توجيه الإنسانية جمعاء إلى ما فيه سعادتها في الدنيا والآخرة.
أما قوله بعد ذلك:
"فلم يره أحد منذ اعتزاله" فقد رمز به لعدم سماع كلام جديد له بعد توقف الرسالات مشبها السماع بالرؤية في سياق نفي كل منهما.
الدليل الثاني: مالك الملك:
قال المؤلف يصف "الجبلاوي" رمز الألوهية: "الله":
"وهو صاحب أوقافها، وكل قائم فوق أرضها، والأحكار المحيطة بها في الخلاء" (٢).
سبق أن استدللنا على أن المراد من الحارة فى "أولاد حارتنا" هي الدنيا أو الوجود بأسره، فإذا قال المؤلف بعد ذلك:
"وهو صاحب أوقافها، وكل قائم فوق أرضها .. " كان معناه: "مالك الملك"، ولن يكون صاحب هذا الوصف إلا الله.
стр. 341
الدليل الثالث - كان الله ولم يكن معه غيره:
الله هو الأول بلا بداية، الأول الذي لم يسبق وجوده عدم، هذا المعنى أو هذه المعاني التي يؤمن بها المؤمنون الصحيحو الإيمان السليمو الاعتقاد في الله، أشار إليها مؤلف "أولاد حارتنا"، فقال: "عاش فيها -أي في الحارة- وحده، وهي خلاء" (١).
عبارته هذه تعني أن "الحارة" هي الكون، ولما كان رمز"الجبلاوي" يعني عند المؤلف "الله" كان معنى عبارته أن الله كان والكون خلاء، ليس فيه سواه.
وهكذا تتضح حقيقة "الجبلاوي" في الرواية، طورًا بعد طور ويزيد المسألة وضوحًا هنا، قوله واصفا "الجبلاوي".
"وكان بالضعفاء رحيمًا" (٢).
الدليل الرابع - ضلال بعض الطوائف في الاعتقاد:
قال المؤلف: "ثم جاء زمان فتناولته قلة من الناس بكلام لا يليق بقدره ومكانته، وهكذا حال الدنيا" (٣).
الذي فهمناه من هذه العبارة في وصف "الجبلاوي" ومز الألوهية "الله" عند المؤلف احتمالين:
أحدهما: الإشارة إلى العقائد الوضعية البدائية حول نشأة العقيدة في الله، مثل أديان الهند، والفُرس، واليونان القدماء، وعقائد مصر في عهد
стр. 342
الفراعنة قبل عصر الرسالات؛ لأن هذه العقائد كلها لم تصل إلى العقيدة المثلى في الإيمان بالله، وقد تكلم فيه أصحاب هذه النِّحل الوضعية بكلام لا يليق بقدره ومكانته، كما قال المؤلف. وهذا الاحتمال هو الراجح عندنا؛ لأن المؤلف يتحدث هنا عن عصر ما قبل الرسالات.
الثاني: أن يكون مراده الإشارة إلى الطوائف التي حرَّفَتْ حقيقة الرسالات التي جاءتهم بها رُسُلهم، فهم -كأولئك- نسبوا إلى الله ما لا يليق به، كنسبة الصاحبة والولد، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
وأيًّا كان مراده فإن هذه العبارة -على قصرها- دليل رابع على أن المراد بالجبلاوي هو الله.
الدليل الخامس - وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إِلا هو:
هكذا وصف الله نفسه:
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩].
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦].
وهذه هي عقيدة المؤمنين: لا يَعْلمُ الغيبَ إلا الله.
قارن هذا الوصف بما جاء في قول المؤلف يصف "الجبلاوي":
"أليس من الغريب أن يختفي هو في هذا البيت الكبير المغلق، وأن نعيش نحن في التراب" (١).
إذا أحسنت المقارنة والفهم تبيَّن لك في الحال أنها عبارة تشير إلى استئثار الله بعلم الغيب، يدلك على هذا وصف البيت الكبير -بيت الجبلاوي- بأنه مغلق، وموظفًا هذا الرمز "مغلق" في الدلالة على الحيلولة بين الخلق وبين ما
стр. 343
هو كائن في علم الله، كما قال عيسى بن مريم ﵇: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦].
أليس هذا دليلاً من أقوى الأدلة على أن "الجبلاوي" في "أولاد حارتنا" المراد به عند المؤلف هو "الله" سبحانه.
الدليل السادس - الرسل أعلم الناس بالله:
أي نزاع ينشأ حول أُصول الدين أو فروعه، فالفزع فيه إلى رُسُلِ الله، وما أنزل إليهم من ربهم، مصداق ذلك قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].
احتفظ بهذه الحقيقة في ذهنك، ثم اقرأ ما قاله المؤلف في هذه الفقرة: "وإذا تساءلت عما صار به -يعني الجبلاوي- وبنا إلى هذه الحال، سمعت من فورك القصصي -أي الديني النبوي- وترددت على أُذنيك أسماء: أدهم، وجبل، ورفاعة، وقاسم. ولن تظفر بما يبل الصدر -لعله الصدى- أو يريح العقل؟! " (١).
يقرر الكاتب -هنا- ما أشرنا إليه من فزع الناس إلى ما جاء به الرُّسُل إذا شب بينهم نزاع حول مسألة من أُصول الدين أو فروعه، تضمن هذا قوله الذي نقلناه من سماع القصص أو ذكر ما جاء به الرُّسُل الذين رمز إليهم بـ "أدهم، وجبل، ورفاعة، وقاسم: أي آدم، وموسى، وعيسى، ومحمد ﷺ ؛ لأن هذه الرموز الأربعة تعني الرُّسُل الأربعة، المذكورين.
стр. 344
الدليل السابع - اللجوء إِلى الله في الشدائد:
من الأمور المركوزة في الطبع، المتأصلة في الفِطرة الإنسانية الفزع إلى الله واللياذ به، واللجوء إليه في الشدائد والمحن حتى غير المؤمنين بالله إذا أفزعهم خطر، نسوا كفرهم وجاروا إلى الله ليكشف كربهم، ويزيح غمتهم هاتفين بلسان حالهم ومقالهم: يا رب.
مصداق هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣].
ومؤلف "أولاد حارتنا" يدرك أن مفزع الناس في الكوارث والمحن إنما هو الله، ترى ذلك واضحًا في قوله:
"وما أكثر المناسبات التي تدعو إلى ترديد الحكايات -يعني القصص الديني النبوي- كلما ضاق أحد بحاله، أو ناء بظلم، أو سوء معاملة، أشار إلى البيت الكبير .. وقال في حسرة:
"هذا بيت جدنا، جميعنا من صلبه!! (١)، ونحن مستحقو أوقافه، فلماذا نجوع؟ وكيف نُضام؟ " (٢).
وقال: "ولا عزاء لنا إلا أن نتطلع إلى البيت الكبير، ونقول في حزن وحسرة: "هنا يقيم الجبلاوي، صاحب الأوقاف، هو الجد، ونحن الأحفاد" (٣).
أفليس في كلام المؤلف -هنا- في الموضعين أوصاف لا يوصف بها إلا الله قيوم السموات والأرض، وليس الجبلاوي الذي لا وجود له إلا في
стр. 345
خيال المؤلف؟
أما قوله: "هو الجد، ونحن الأحفاد"، فهذا لا يليق بـ: "الجبلاوي" باعتباره رمز الألوهية "الله".
ولهذا القول -عندنا- محملان:
أولهما: أنه من الفر بعد الكر، أو الإحجام بعد الإقدام، ذكره المؤلف للتمويه والتشويش على القُراء.
وثانيهما: أن يكون رمزًا مبنيًا على التشبيه، بأن جعل خالق الأب الأول -آدم- كأبي الأب، ولا غرابة في ذلك؛ لأن التعبير الرمزي في الرواية، لا يكاد يخلو منه سطر من سطورها فضلاً عن صفحاتها.
الدليل الثامن - خالق الكون:
عرفنا -قبلاً- أن الأستاذ نجيب محفوظ رمز بالحارة إلى الوجود الكوني كله، يؤكد هذا ما حكاه في الرواية من البداية إلى النهاية، فضلاً عن الأدلة التى ذكرناها من قبل.
إذا تقرر هذا فتأمل قوله في وصف "الجبلاوي" رمز الألوهية في الرواية: "هو أصل حارتنا" (١).
وما عليك إلا أن تفك الرمز "أصل"، وتقف على المعنى المتواري خلفه، وهو "خالق حارتنا" أي خالق دنيانا، ثم تضم هذا الدليل إلى الأدلة التي ذكرناها قبله، فيصبح لديك ثمانية أدلة في المقدمة وحدها على أن المراد من الجبلاوي في "أولاد حارتنا" هو الله.
الدليل التاسع - عجز الفكر عن الإدراك:
قلنا من قبل: إن الله تعالى يُعْرَف بآثاره وآلائه وآياته فى الكون ومن
стр. 346
فيه وما فيه.
فتعال: اسمع ماذا قال عن "الجبلاوي" رمز الأُلوهية (الله): "كنت -وما زلت- أجد الحديث عنه شائقًا لا يُمَل، وكم دفعني ذلك إلى. الطواف ببيته الكبير لعلي أفوز بنظرة، ولكن دون جدوى" (١).
لقد رمز المؤلف بالطواف عن "التفكر" في ذات الله المجيد وفي صفاته المقدَّسة، راجيًا أن يقف على حقيقتها أو بعض حقيقتها، ولكن عاد بخفي حنين لا بحنين نفسه، حيث تجاوز المتاح اليسير، وهو معرفة الله بآياته في الكون والنفوس - إلى غير المتاح العسير، وهو الإحاطة بحقيقة الذات العلية!!
الدليل العاشر - غيب ما وراء الطبيعة:
ما وراء الطبيعة اصطلاح فلسفي يراد به العالم المعنوي، مما لا يدرك بأي حاسة من الحواس الخمس، ويقابله العالم الحسي المادي، وهو ما له وجود يدرك بالحواس الخمس، ويشغل حيزًا من الفراغ، سواء كان حيوانًا، أو نباتًا، أو جمادًا.
ومن لطف الله بعباده أن جعل ما وراء الطبيعة من اختصاص الوحي الأمين، وما صح من كلام الرُّسُل المكرمين.
والأستاذ نجيب محفوظ في الفترة التي نقلناها عنه من قبل اعترف أن تجاربه الفكرية حول معرفة ما وراء الحس قد فشلت وعجزت عن الوصول إلى أي شيء!!
- ثم عاد فكرر الإشارة إلى هذا العجز حين قال:
"وكم وقفت أمام بابه الضخم أرنو إلى التمساح المحنَّط المركب أعلاه!!
стр. 347
وكم جلست في صحراء المقطم غير بعيد من سوره الكبير، فلا أرى إلا رءوس أشجار التوت والجميز والنخيل تكتنف البيت، ونوافذ مغلقة لا تنم عن أثر الحياة!! " (١).
- قال الدكتور المطعني في كتابه القيم (ص ٢٣):
وأقسم برب السموات والأرض، وعالم الغيب والشهادة لو أن مسلمًا أقسم بالله أن الكاتب لم يقصد من "الجبلاوي" إلا الله ما حنث في يمينه، ولكان صادقًا كل الصدق.
أو أن آخر أقسم بالطلاق على هذا الفهم لما حرمت عليه قرينته.
أما أولئك الزاعمون بأن "الجبلاوي" في "أولاد حارتنا" ليس المقصود منه الله، فلا يخلو حالهم من الاحتمالات الآتية:
- إما أنهم لم يقرأوا الرواية فراحوا يشهدون بما لا علم لهم به!!
- وإما أنهم قرأوا ولم يفهموا.
- وإما أنهم قرأوا وفهموا، ثم عاندوا وكابروا، وراحوا يشهدون شهادة زور، ويصرون على الحنث العظيم، ويحسبونه هينًا، وهو عند الله عظيم.
وها نحن أولاء أمام هذه المكابرة، وذلك العناد نستخرج من كلام المؤلف عشرات الأدلة التي تكشف زيفهم، وتعري مواقفهم وتسحق زورهم وبهتانهم، وترد كيدهم في نحورهم، وتظهرهم غلى حقيقتهم أمام القُراء
стр. 348
مهما كانت مواقعهم وانتماءاتُهم.
- يقول الدكتور المطعني:
"وقد ذكرنا -فيما تقدم- الأدلة "القطعية" على أن الجبلاوي في الرواية هو " الله " ، ونريد هنا أن نرد -في إيجاز واف- على من أنكر هذا " الفهم " الذي فهمه بعض نقاد الرواية. وقد جاءت دراستنا هذه مناصرة لما فهموه مع إثباته بالبراهين القاطعة كما تقدم في غضون هذه الدراسة.
* شبهتان للمنكرين:
الذين أنكروا أن يكون "الجبلاوي" في الرواية هو "الله " استندوا إلى شبهتين حسبوهما دليلين، وما هما بدليلين قط:
الشبهة الأولى:
أن اسم الله قد ورد مصرحًا به في الرواية في بعض المواضع، حتى في الحديث مع " الجبلاوي " نفسه، ومن ذلك - مثلاً قول جبل للجبلاوي:
"الحمد لرب السموات على أنك ما زلت تتمتع بصحتك" (١).
ومثل قول جبل: "ألا لعنة الله على الجبناء" (٢).
قلت: ليس في هذه الأقوال -وما أشبهها- دليل قط على أن "الجبلاوي" في الرواية ليس هو "الله"؛ لأن المؤلف -كعادته- في التمويه يتحدث عن "الله" باسمه الصريح حينًا، وبالرمز أحيانًا أخرى.
وهذه الشبهة كانت "تفيد" في الدفاع لو كانت التهمة الموجهة إلى المؤلف هي "إنكار وجود الله"!! لكن هذه التهمة ليس لها وجود لدينا، وإنما
стр. 349
التهمة هي أن المؤلف يتحدث عن "الله" الذي يؤمن به حديثًا لا يليق بجلاله ووحدانيته ومخالفته للحوادث.
الشبهة الثانية:
أما الشبهة الثانية التي استند إليها هؤلاء " المنكرون "، فهي ما أورده المؤلف على لسان إدريس (أي: إبليس) بعد أن طرده "الجبلاوي" (أي الله) من البيت الكبير - أي من الجنة:
"ما أهون الأبوَة عليك!! خُلِقْتَ جَبَّارًا فتوَة"!! (١).
وجه الاستدلال عندهم أن الجبلاوي -هنا- وُصِف بأنه مخلوق، والله ليس مخلوقًا.
هذا الدفاع مع صحته في نفسه فليس فيه دليل على أن " الجبلاوي " في الرواية ليس هو " الله "، وذلك لسببين:
الأول: ليس وصف " الجبلاوي " في الرواية بأنه مخلوق هو الوصف الوحيد الذي لا يليق بـ " الله "، فالجبلاوي في الرواية له صاحبة وولد، ويأكل ويشرب، ويرتاح وينام، ويتقدم به العمر، وله خدم وغرفة نوم، ويموت أو يُقْتل!! فلماذا يتمسك المنكرون بوصف "المخلوقية" وَيَدعُون ما عداه من الأوصاف "البشرية"؟!
أما السبب الثاني، فإن المؤلف لم يُعبر عن معنى واحد من معانيه "الجُوَانية" إلا بالرموز، وهذا ينطبق على قوله: "خُلقْتَ" وصفًا لـ "الجبلاوي" رمز الألوهية (الله) في الرواية. فليس ببعيد أن يَكون المؤلف قد أراد من "خُلقْتَ" معنى رمزيًا هو: "الوجود المطلق"، وليس الخلق بمعنى الإيجاد من العدَم، المقتضي لوجود خالق غير الله!!
стр. 350
وبهذا يتضح لنا وللقراء ضعف مستند "المنكرين" في الدفاع عن الأستاذ نجيب محفوظ وأولاد حارته.
ولدينا رد آخر يشمل الشبهتين معًا، وهو أن هذا كله إنما ذكره المؤلف بقصد التمويه على "القُراء" ليبعد عن نفسه التهمة التي أشرنا إليها من قبل، وهي نقده أو نقضه للتاريخ الديني النبوي، ووصفه بـ "الفشل" في الريادة والإصلاح تمهيدًا للإطاحة به -دفعة واحدة- ثم إحلال العلم الحديث "محله"!!.
* دفاع مضحك:
وقد قرأت -مؤخرًا- دفاعًا من نوع جديد لصاحب منصب "أدبي رفيع" ورئيس أضخم مؤسسة في مصر تقوم على نشر المعرفة تأليفًا، وترجمة، وهي من مؤسسات الدولة الرسمية.
صاحب هذا المنصب يُنْكِر أن يكون "الجبلاوي" في الرواية هو "الله".
أما دليل إنكاره فأعجب من العجب، وخلاصته هي:
"الجبلاوي " ليس هو الله في الرواية؛ لأنه -يعني "الجبلاوي " دائمًا يُقسمُ بالله، فكيف يكون هو الله، وهو- دائما يقسم بالله؟!
هذه خلاصة أمينة لما قاله هذا "الرئيس"!! قرأت هذا الكلام فأضحكني من الأعماق، ثم قلت:
وما المانع -يا حضرة الرئيس- فالله نفسه قد أقسم بنفسه وبصفاته، وببعض مخلوقاته، وجاء ذلك كله في كتاب الله العزيز:
أقسم بنفسه فقال: ﴿تَاللهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٦].
وقال: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: ٢٣].
وقال: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١، ٢].
стр. 351
وقال في الإقسام ببعض مخلوقاته -وما أكثر إقسامه بها-: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ١، ٢].
فهل يُسْتَدل -على طريقتك- بأن الله في القرآن هو ليس الله؟! لأنه أقسم بنفسه يا حضرة الرئيس؟!
فلو فُرِضَ أن "الجبلاوي" في الرواية يُقْسم بالله -دائمًا- كما زعمت فليس في ذلك دليل على أن "الجبلاوي" في الرواية لم يرمز به "صديقك" إلى الله!!
* ولكنه لم يُقْسم:
جارينا "حضرة الرئيس" جدلاً على أن "الجبلاوي" في الرواية يُقسم بالله -دائمًا- جاريناه لنُبطلَ استدلاله على أن الجبلاوي في الرواية ليس هو "الله" وها نحن قد أبطلنا هذا الاستدلال كما رأيت.
بيد أن الواقع أن "الجبلاوي" لم يقسم بالله ولا حتى مرة واحدة، ولا نصف مرة إن صح هذا التعبير. فالرواية على طولها الطويل (٥٢٢ صفحة من القطع الكبير) تخلو تمامًا من إقسام "الجبلاوي" بالله، بل وبغير الله.
اللهُم إلا مرة واحدة أقسم فيها "الجبلاوي"، ولكن بالطلاق وليس بالله؟!
فقد ذكر المؤلف عبارة أسندها إلى الجبلاوي صدرت منه -كما زعمت الرواية- في حالة غضب، بعد طرد إدريس (أي إبليس) من البيت الكبير، وحذر أهل البيت من السماح بدخول إدريس فيه. قال المؤلف على لسان الجبلاوي:
" الهلاك لمن يسمح له بالعودة، أو يعينه عليها، ورفع رأسه -يعني الجبلاوي- صوب نوافذ الحريم المغلقة وصاح مرة أُخرى:
стр. 352
" وطالقة ثلاثًا من تجترئ على هذا .. " (١).
هذا هو القسم الوحيد للجبلاوي في رواية "أولاد الحارة"!!
فهل هذا قسم بالله؟ ولو فرضنا جدلا أنه قسم بالله، فأين الاستمرار والدوام الذي عبَّر عنه "حضرة الريس" بأن الجبلاوي يقسم بالله دائمًا؟!
وأكاد أقسم بالله بارًا غير آثم أن "حضرة الريس" لم يقرأ رواية: "أولاد حارتنا" قط، ولو كان قرأها لما ورَّط نفسه في هذه الورطة "البلقاء"، ويبدو لي أن كل المدافعين أو جُلهم من هذا القبيل؟!
* إِمَّا هذا، وإِمَّا ذاك:
وهل درى هؤلاء المدافعون عن الرواية، الذاهبون إلى أن "الجبلاوي" في الرواية ليس رمزًا للأُلوهية " الله "، هل دَرَوْا بأن دفاعهم هذا يُورط "المؤلف" في عقيدة الإشراك بالله -سبحانه- وأنَّه -أي المؤلف- يدعو مع الله إلهًا آخر ليس له به علم، وما أنزل الله به من سُلطان؟!
* بيان ذلك:
فقد ثبت في هذه الدراسة على وجه " اليقين " أن أدهم هو آدم، وأن "جبل" هو موسى، وأن "رفاعة" هو عيسى، وأن "قاسم" هو محمد ﷺ .
فإذا صحَّ أن "الجبلاوي" في الرواية ليس رمزًا لـ "الله"، فيلزم من ذلك وجود إله آخر اسمه " الجبلاوي " مع الله الواحد الأحد قيوم السموات والأرض؟!
стр. 353
ويلزم أن هذا الإِله الوهمي هو الذي:
- أخرج آدم وزوجه من الجنة!!
- وطرد إبليس ولعنه!!
- وأرسل موسى وعيسى ومحمدًا ﷺ !!
- ثم هو الذي أنزل التوراة والإنجيل والقرآن!!
فما هو رأي هؤلاء القائلين بأن "الجبلاوي" في الرواية ليس هو "الله" بعد هذا البيان؟!
- إنهم -لا محالة- مُلْزَمون بواحد من أمرين كلاهما شديد المرارة:
- فإما أن يُقروا بأن "الجبلاوي" هو "الله" في الرواية، فيلزمهم أن يوافقونا على أن الرواية أساءت -كل الإساءة- إلى الذات العلية، وإلى الرسل الكرام، وسخرت سخرية لاذعة بالتاريخ الديني النبوي!!
- وإما أن يتمسكوا -جدلاً- بأن "الجبلاوي" ليس هو "الله" في الرواية، فيلزمهم أن ينسبوا "المؤلف" إلى عقيدة الشرك والعياذ بالله!!
أمران شديدا المرارة، وخيما العاقبة، فإما هذا، وإما ذاك، ولا ثالث لهما!! فاين المفر يا حضرات المدافعين؟
ثم ما رأيكم:
ثم ما رأيكم أيها السادة القائلون بأن "الجبلاوي" في الرواية ليس هو "الله":
ْأنصدقكم أم نصدِّق المؤلف نفسه؟ أعتقد أن تصديق المؤلف هو المتعين هنا؛ لأنه كاتب "النص الروائي" لا أنتم.
فقد تخيل المؤلف أن حديثًا دار بين "عرفة" وزوجته "عواطف"، فقالت
стр. 354
"عواطف" هانم لزوجها "عرفة" وهي تتحدث عن "الجبلاوي" بوصف "جَدنا":
"جَدُّنا من دنيا، ونحن من دنيا أُخرى" (١).
أليست هذه العبارة دليلاً قاطعًا على أن "الجبلاوي" مُغَاير مغايرة تامة لأبناء الحارة -أي أهل الدنيا- جميعًا، فمن يكون هذا "الجبلاوي" إن لم يُرد به المؤلف "الله"؟!
نحن وأنتم نعلم أن هذا الكلام هو كلام المؤلف نفسه، سواء أسنده إلى عواطف أو إلى غير عواطف من "شخوص" روايته، ونعود مرة أُخرى فنسألكم: أنصدقكم أم نصدق المؤلف؟!
وليست هذه العبارة هي وحدها التي فلتت من "جُوَّانيات" المؤلف، فكانت وصفًا صريحًا لائقًا بـ "الجبلاوي" المرموز به لـ "الله".
فقد سبق أن قال المؤلف على لسان جبل في وصف " الجبلاوي ": "ليس كمثله أحد من أولاد حارتنا، ولا من الناس جميعًا"!!
وقد ذكرنا هذه العبارة من قبل، ونظَّرْنا بينها وبين قول الله تعالى واصفًا ذاته العلية:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فهل -بعد هذا- يقال، أو يُصَدَّقَ إذا قيل: إن الجبلاوي في الرواية ليس هو "الله"؟
وإذا ثبت يقينًا أن الجبلاوي في الرواية هو "الله" وها هو ذا قد ثبت -فإنه يثبت- يقينًا - كذلك أن:
стр. 355
- "أدهم" هو آدم ﵇.
- وأن "جبل" هو موسى ﵇.
- وأن "رفاعة" هو عيسى ﵇.
- وأن "قاسم" هو محمد ﷺ .
- وأن "الحارة" هي الدنيا بأسرها.
- وأن أولاد الحارة هم الخلق من الإنس والجن، بل والملائكة.
ويثبت تبعا لهذا كله:
أن موضوع رواية "أولاد حارتنا":
المقدمة والفصول الأربعة:
أدهم، وجبل، ورفاعة، وقاسم هو:
وقائع التاريخ الديني النبوي.
وأن الرواية قدَمت هذا التاريخ "المقدس" في إطار رمزي مغلف، وجعلته هدفًا للنقد الساخط أو " النقض " تمهيدًا للإطاحة به، وإحلال العلم الحديث محله في الريادة والتوجيه!!
* ملاحظاتنا على القسم الأول:
ولنا عدة ملاحظات على القسم الأول نسجلها فيما يأتي في إيجاز:
الملاحظة الأولى: تحريف الوقائع:
عرض المؤلف وقائع التاريخ الديني النبوي في الفصول الأربعة الأولى: أدهم، وجبل، ورفاعة، وقاسم عرضا محرَّفًا مزوَّرًا:
ففي فصل "أدهم" -آدم ﵇ حرَّف كثيرًا من الوقائع، حيث جعل خطيئة آدم -مثلاً- هي محاولة الاطلاع على "كتاب الحجة" بدلاً من