← Общие книги

Общие книги · id 6523

أعلام وأقزام في ميزان الإسلام

سيد حسين العفاني

Полный текст (1 176 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

السنهوري: قد دار الزمن دورته والفقه الإسلامي واقف، العالم يمشي وهو جامد، والحضارة تتطور وهو ساكن، فبعد عن الحاجات المتجددة. سيد عبد الله: أنت أدرى يا سيدي الأستاذ لم وقف؟ لأن من تنطق بحجتهم ومن اعتنقت مذهبهم طاردوه في كل مكان، ولكن أصوله باقية وخالدة على الدهر لا تطفأ. السنهوري: فأصبح من العسير على الأمم العربية في العصر الحاضر أن تستقي منه قوانينها الحاضرة. سيد عبد الله: قواكم الله في الإتيان بالبديل، فأنتم وأمثالكم داعون للقوانين الوضعية، وهذا هدم للتشريع الإسلامي، إن بقي فيه شيء لم يهدم من أعدائه ومن احتلوا بلاد المسلمين. السنهوري: فأخذت تهجره واحدة بعد الأخرى ولجأت إلى القوانين الغربية الحية لتماشي مدنية العصر ومن هنا نشأت أزمة الفقه الإسلامي. سيد عبد الله: لا يا أستاذ لم تهجر الأمم العربية التشريع الإسلامي كراهية فيه، أو لعدم صلاحيته للزمن، ولكنها أُكرهت من عدوها الذي احتلها على تركه واستبداله بقوانينه، وأظن الأستاذ يشاهد البلاد العربية التي لم يحتلها أجنبي تحكم بالتشريع الإسلامي (اليمن والحجاز). السنهوري: نحتاج إلى جهود جبارة ووقت طويل حتى يعود الفقه إلى مجده الأول، وينفض عنه غبار الجمود الذي تراكم عليه، فيسترد قوته ورونقه، ويعود جديدًا وفقهًا خصبًا قويًّا. سيد عبد الله: أدركنا يا رب العالمين من عبادك والطف بنا وبهم في هذا الدنيا، إنك أنت اللطيف الخبير، هذا الذي يمهد السبيل لإصلاح الفقه لو أنه تبنى بحثًا منه ودافع عنه لظن الناس خيرًا، وقبلوا هذه الدعوى، ولكن رجلاً تبنى نظرية لامبير، ونقل لنا أسمالاً بالية من عدة تشاريع وضعية وخاطها لنا

стр. 422

قانونًا مدنيًّا، وقال في مادته الثانية ما يأتي: "فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه حكم القاضي بمقتضى العرف، فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية الأكثر ملاءمة لنصوص هذا القانون .. " لا يصح أن يكون حكمًا، ولا يؤخذ قوله حجة. والواجب أن يقول الأستاذ بلغة العرب الفصيحة: إنني أدعو العرب لهجر التشريع الإسلامي في بلاد الإسلام حتى تعود إليه الحياة، ويعود فقهًا خصبًا قويًّا؛ لأن رجلاً يلزم القاضي بقانونه أن يحكم العادة قبل أن يحكم التشريع الإسلامي لا يصح أن يتكلم في التشريع الإسلامي؛ لأنه يجهله أو يعاديه، إن أعداء الإسلام أخذوا منه ما لذ وطاب، ولم يقل أحد منهم هذه الأقوال؛ لأنهم درسوه وعرفوا قيمته، أصوله وقواعده، ولكنهم سكتوا عن ذكره سكوت أهل القبور، وعملوا على محوه وتعطيله في كل قطر دخلوا فيه، وتركوا من أبناء هذه الأقطار داعية لتشريعهم الوضعي فيها، وهي حقيقة مرة يعرفها من ألقى السمع وهو شهيد. أيها الأستاذ: إن التشريع الإسلامي حي حياة إلهية، ولو لم يرق في نظرك، فلست أكثر حولاً ولا طولاً ممن محوه من بلاد الإسلام، وأدخلوا قوانينهم، وحكموا بها، وألزموها المسلمين قهرًا، وبلا ذنب إلا احتلالهم، إن علماء التشريع الإسلامي قد أصبحوا والحمد لله يضارعون في تفكيرهم وفهمهم أكبر عالم من علماء القوانين الوضعية، ولو سألتموهم عن أي قاعدة لبهركم وأخذ عليكم مجامع تفكيركم الوضعي ما يجيبون به، ولكن ما تدعون من علم ومعرفة قد جعلكم في نظركم على الأقل أعلم مخلوق وأعظم مشروع، والله يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. ونصيحتي إليكم أن ترجعوا إلى التشريع الإسلامي، وفيه ما فوق الكفاية، فتعلموه، وابحثوا، وبشروا به في كل مكان يعظم شأنكم، ويرضى

стр. 423

عنكم ربكم، فلستم بمعجزين الله في الأرض، ولو شاء لسلبكم ما تدعون، وليس ذلك على الله بعزيز. * خلاصة القول في القانون المدني المصري الذي وضعه السنهوري ويبوء بإِثمه أمام الله: خلاصة القول في هذا القانون الذي زعم واضعوه أنه قانون مصري خالص - أنه قانون بعيد عن الشريعة الإسلامية، وأنه قد أقر أعين الكافرين، وأدمى قلوب المؤمنين، لقد خدعنا أعداء الإسلام عندما سمحوا لنا أن نغير القانون الفرنسي، وقالوا لنا: خذوا قانونكم من أي قانون شئتم، إلا أن يكون القانون المحكم هو الشريعة الإسلامية، فظننا أننا بذلك نلنا استقلالنا. - يقول الدكتور السنهوري: "لقد ظفر التشريع المصري بالاستقلال في سنة ١٩٣٧، وكانت معاهدة مونتريه هي صك استقلاله، وظفر القضاء المصري بالتوحيد بعد انقضاء فترة الانتقال، وزوال المحاكم المختلطة" (١). لقد سمح الكفار لنا بصياغة قونينا بعد أن وجدوا رجالاً رضعوا ثقافته وأعجبوا بقوانينه، وبعد أن أخذوا علينا العهود بأن نتجه نحو تلك القوانين، وبعد أن رضينا بإقصاء شريعة الله. لقد كان رجال القانون الذين لا يفقهون الشريعة يريدون أن يمصروا الفقه. - يقول الدكتور السنهوري واضع القانون في كتاب "نظرية العقد" قبل وضعه للقانون بعشرين سنة: "علينا أولا أن نمصر الفقه، فنجعله فقهًا مصريًا خالصًا، نرى فيه طابع قوميتنا، ونحس فيه أثر عقليتنا" ثم يتألم ويتوجع من

стр. 424

حال الفقه في ذلك الوقت: "فقهنا حتى اليوم لا يزال -هو أيضًا- يحتله الأجنبي، والاحتلال هنا فرنسي، وهو احتلال ليس بأخف وطأة، ولا بأقل عنتًا من أي احتلال آخر" وهو يأسى لرجال القانون في بلده حيث يقول: "لا يزال الفقيه المصري يتلمس في الفقه الفرنسي الهادي المرشد، لا يكاد يتزحزح عن أفقه أو ينحرف عن مسراه، فهو في ظله اللاصق، وتابعه الأمين، ثم ينادي مطالبًا: "باستقلال الفقه المصري وتفريغه في جو مصري يشب فيه على قدم مصرية وينمو بمقومات ذاتية" (١). وعندما أتيحت له الفرصة بادر بوضع هذا القانون على النحو الذي وصفه. - يقول الدكتور السنهوري في القانون بعد وضعه: "إن النصوص التشريعية الواردة في هذا المشروع لها من الكيان الذاتي ما يجعلها مستقلة كل الاستقلال عن المصادر التي أخذت منها، ولم يكن الغرض من الرجوع إلى التقنينات الحديثة أن يتصل المشروع بهذه التقنينات المختلفة اتصال تبعية في التفسير والتطبيق والتطور؛ فإن هذا حتى لو كان ممكنًا، لا يكون مرغوبًا فيه، فمن المقطوع به أن كل نص تشريعي ينبغي أن يعيش في البيئة التي يطبق فيها، ويحيا حياة قومية توثق صلته بما يحيط به من ملابسات، وما يخضع له من مقتضيات، فينفصل انفصالاً تامًا عن المصدر التاريخي الذي أخذ منه، أيًا كان هذا المصدر، وقد حان الوقت الذي يكون لمصر فيه قضاء ذاتي وفقه مستقل، ولكل من القضاء والفقه، بل على كل منهما عند تطبيق النص أو تفسيره، أن يعتبر هذا النص قائمًا بذاته منفصلاً عن مصدره، فيطبقه أو يفسره تبعًا لما تقتضيه المصلحة، ولما يتسع له التفسير من حلول تفي بحاجات البلد، وتساير مقتضيات العدالة، وبذلك تتطور هذه النصوص في صميم

стр. 425

الحياة القومية، وتثبت ذاتيتها، ويتأكد استقلالها، ويتحقق ما قصد إليه واضعو المشروع من أن يكون لمصر قانون قومي، يستند إلى قضاء وفقه لهما من الطابع الذاتي مما يجعل أثرهما ملحوظًا في التطور العالمي للقانون" (١). إن ما قرره واضع القانون المدني ليس صوابًا، كل الذي فعله أن حكم في رقاب المسلمين قانونًا وضعه هو واستمده من أكثر من عشرين قانونًا بعد أن كان يحكم في رقابنا قانون مترجم هو قانون نابليون، والقوانين الوضعية عندنا سواء الذي يضعه نابليون، أو أبو جهل العربي، أو السنهوري فكل القوانين الوضعية تحاد شريعة الله، ونحن نريد أن نتحاكم إلى ما أنزله الله لا إلى ما وضعه البشر. قد يكون في القوانين الوضعية قانون أفضل من قانون، ولكنها جميعًا مرفوضة عند المسلم الصادق؛ لأنها اعتداء على ألوهية الله وحكمه" (٢) اهـ. ونختم بما قال السنهوري: "السيادة في القانون الإسلامي لله وحده، ولكنه يفوضها للأمة، كل الأمة وليس لشخص ولا لأي مجموعة من الناس أيًّا كانت". - قال الدكتور عمر الأشقر بعد أن رد شبه السنهوري وأمثاله: لا يخفى على المسلم ما في هذه الأقوال من كفر وضلال" (٣). - ولله در القائل. عجّتْ فروج الناس ثم حقوقهم ... لله بالبكرات والآصال كم تستباح بكل شرع باطل ... لا يرتضيه ربنا المتعالي

стр. 426

والكل في قعر الجحيم سوى الذي ... يقضي بحكم الله لا لنوالِ أَوَمَا سمعت بأن ثلثيْهم غدًا ... في النار في ذاك الزمان الخالي وزماننا هذا وربك أعلمُ ... هل فيه ذاك الثلثُ أم هو خالي؟ * الشاعر العراقي معروف الرصافي يسقط في وحل الخيانة ويناصر اليهود: كثيرون مهدوا لضياع فلسطين وامتدحوا الصهاينة .. امتدحوا اليهود، ووصفوا احتفالاتهم في القدس، في ليال هي عندهم بمستوى ليلة القدر في القُدسية!!! ولكنك قارئي الكريم لعلك تصعق حين تعلم أن من هؤلاء الكثيرين الشاعر العراقي معروف الرصافي .. استمع إليه في غيبوبته الفكرية .. في قصيدته التي يمتدح بها الصهيونيين يهودا وهربرت صموئيل المندوب السامي البريطاني في فلسطين في محفل في القدس حضرة عام ١٩٢٠ م منشدًا: خطاب يهودا قد دعانا إِلى الفكر ... وذكّرنا ما نحن فيه على ذكر لدى محفل في القدس بالقوم حافل ... تبوّأه هربرت صموئيل في الصدر دعاهم رئيس القدس ذو الفضل راغب ... إِليه، فلبوا دعوة من فتى حُرِّ فأمسوا وفي ليل المحاق اجتماعهم ... يحفول من هربر صموئيل بالبدر فيا ليلة كادت وقد جلَّ قدرها ... تكون على علاتها ليلة القدر ولما تناهى من يهودا خطابه ... وقد سرّنا من حيث تدري ولا ندري تصدّى له هربر صموئيل ناطقًا ... بسحر مقال جلّ عن وصمة السحر وعدت فأمسى القوم بين مشكل ... ومنتظر الإِنجاز منشرح الصدر فكذِّبْ وأنت الحر من ساء ظنه ... فقد قيل: إِن الوعد دين على الحر

стр. 427

ولسنا كما قال الألى يتهموننا ... نعادى بني إِسرائيل في السرَّ والجهر وكيف وهم أعمامنا وإليهم ... يمتّ بإٍسماعيل قدمًا بنو فهر هما من ذوي القربى، وفي لغتيهما ... دليل على صدق القرابة في النجر ولكننا نخشى الجلا، ونتقي ... سياسة حكم يأخذ القوم بالقهر وهل تثبت الأيام أركان دولة ... إِذا لم تكن بالعدل مشدودة الأزر وها أنا قبل القوم جئتك معلنًا ... لك الشكر حتى أملأ الأرض بالشكر وعلى أثر هذه القصيدة طرد الشعب الفلسطيني " الرصافي " بعد رجمه بالحجارة! وقد غادر القدس فجرًا، ولسان حاله يردد: إِذا أنكرتني بلدة أو أنكرتها ... خرجت مع البازي عليّ ظلام وماذا ننتظر من الشعب الفلسطيني غير هذا التوديع بالطرد والحجارة وهو يكيل المديح إلى الصهيوني "هربرت صموئيل" أو موضى سام أرسلته بريطانيا إلى فلسطين لتهويدها" (١). * محمد أحمد خلف الله يزعم أن القرآن يحوى الأساطير ؟!! محمد أحمد خلف الله هو القائل: "ما عدا القرآن -يقصد السنة المشرفة- فكر بشري نتعامل معه بعقولنا، وتفسير رسول الله للقرآن قول بشر" (٢).

стр. 428

محمد أحمد خلف الله هو القائل: "إن النص القرآني إن لم يكن قادرًا على تحقيق المصلحة تركناه، ولجأنا إلى الفكر البشري؛ فإن مدار النصوص على المصالح، فهي أصل والنصوص فرع" (١). وقد مرّت بنا قصة الدكتور خلف الله الذي كتب عن "الفن القصصي في القرآن الكريم" فوصف قصص القرآن بالخرافة، وزعم أن القرآن نفسه لا ينفي أنه يحوي أساطير؟!! وهذا البحث لقي اتفاق وإجماع أهل العلم في مصر وغيرها على ضلال وجرأة صاحبه، "كما لقي دعم وإعجاب كثير من المشبوهين ومن المستشرقين الذين انبروا للدفاع عنه وتقريظه، حتى إن ج. بالجون، وج. جومييه -من القساوسة الدومينيكان- وصفاه بأنه البحث الوحيد الذي يمثل الاستنارة الحقيقية في الفكر الإسلامي عن حركة المجتمع العربي المعاصر، وقصر القرآن على العبادات والمساجد، كضرورة حتمية لتقدم المجتمع العربي" (٢). - يقول الأستاذ أنور الجندي: "امتدت دعوة أمين الخولي في تلامذته، فظهر عمل خطير هو " الفن القصصي في القرآن " لمحمد أحمد خلف الله، وكان بتوجيه الشيخ (٣). - يقول الأستاذ محمد مصطفى رمضان: " كان الشيخ الخولي وراء كثير من الحملات على القرآن الكريم، ومنها "القصص الفني في القرآن"، فقد أعلن الشيخ أنه متضامن معه فيها وشريكه في التبعية، وذلك جريًا على

стр. 429

خطته في الحملة على علوم البلاغة ومسخه لبلاغة القرآن، وكفره بتنزيه الله، ودعوته إلى العامية السوقية المبتذلة (عرضنا لهذه الرسالة في كتابنا "المساجلات والمعارك الأدبية"). - يقول الأستاذ محمد أحمد الغمراوي: هذه الرسالة تقيس القصص القرآني بمقاييس ليست وثيقة ولا مقررة؛ فإن خالف القرآن تلك المقاييس كان عند أصحابها كذبًا وافتراءً على التاريخ، أو كان نوعًا من ذلك الفن الأدبي الذي لا يلتزم الواقع التاريخي، ولا الصدق العقلي، وإنما يخضع في تآليفه لهذه الحرية الفنية التي يخضع لها كل فنان موهوب، وتطبيقًا لهذه القاعدة صار القرآن -في رأي صاحب الرسالة- "يتقوّل على اليهود وينطقهم بما لم ينطقوا به، ويتقوّل أمورًا لن تحدث ويقرر أمرًا خرافيًا أو أسطوريًا ثم يعود فيقرر نقيضه ويغيرّ الواقع ويبدل ويزيد وينقص بحكم هذه الحرية الفنية". ومن مفاسد هذه الرسالة اعتبارها أن مصادر القصص القرآني هي التوراة والإنجيل والأقاصيص الشعبية، وما امتزج بها من عناصر فارسية وإسرائيلية، وأنه جرى في ذلك خلف قساوسة المستشرقين أمثال ردويل ومرجليوث حتى بلغ به الأمر أنه لم يدرك ما هنالك من تناقض بين نسبة القرآن إلى الحق سبحانه، والحكم على قصص القرآن بأن أكثره غير صحيح. "ومما يذكر أن محمد أحمد خلف الله قد خاض بعد ذلك في ميدان آخر يهاجم فيه الإسلام، وهو موضوع الشريعة الإسلامية" (١) اهـ.

стр. 430

* أخطر من يحكم في مسألة الجاهل بتفاصيلها: - يقول الأستاذ أحمد الشايب في دراسة عن حياته العلمية (١٩١٣ - ١٩٧٠): أشير في إيجاز إلى هذه المعركة العلمية التي دارت في كلية الآداب، عام ١٩٤٧ م حول مشروع رسالة "الفن القصصي في القرآن الكريم" تقدم به طالب يدعى محمد أحمد خلف الله، بإشراف الأستاذ الشيخ أمين الخولي، وتأييده والدفاع عنه. وقد قام هذا المشروع على أساس أن محمدًا ﷺ مؤلف القرآن، وأن القرآن في قصصه لم يتحر الصدق، وأنه كان يغير ويبدل في القصص نزولاً على ظروفه الخاصة التي كانت تحيط بالدعوة الإسلامية، وأن محمدًا ﷺ في القصص القرآني الكريم كان يخلق من الحوادث ما لم يقع، ويصوره على أنه الواقع التاريخي إلى نحو ذلك مما لم يستند إلى برهان علمي؛ وإنما كان مجاراة للمبشرين. وقد شغلت هذه المسألة الجهات الجامعية والأزهرية والبرلمانية، والصحافة ومجلس الدولة، وقد رفض أحمد الشايب هذا المشروع إذ كان معينًا لفحصه، وبرأيه أخذت كل الهيئات المذكورة وقد أبعد أصحابه عن الجامعة. - هذا هو ملخص كتاب "الفن القصصي في القرآن" الذي يقول كاتبه بالنص في الرسالة، والتي تمثل الخطوط العامة لرسالته "إن القصص القرآني لم يراع الحقيقة التاريخية" وأن المقصود منه عرض فني، فلسنا ملزمين بتصديق حقائق هذا القصص؛ وإنما تقدر فيه "الغاية الفنية" وأن القصص مستمدة من مصادر أخرى غير عربية، كالتوراة والأدب اليوناني والأدب الفارسي، وأن فيه أساطير لا أساس لها.

стр. 431

- ويقول تقرير الفاحصين للرسالة من أساتذة الجامعة والأزهر (الشيخ عبد الوهاب خلاف، والدكتور زكي حسن، والدكتور الشرقاوي): إن أساس هذه الرسالة أن القصص في القرآن عمل فني، خاضع لما يخضع له الفن من خلق وابتكار، من غير التزام الصدق التاريخي والواقعي، وهذا صريح وواضح من جملة مواضع في الرسالة، وقد أيده الكاتب بما استشهد به من الأمثلة: ففي (ص ٢٦ سطر ١٠) قرر: أن القرآن أنطق اليهود بما لم ينطقوا به، وذلك في قوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى﴾ [النساء: ١٥٧]: و (ص ٢٦) قرر كاتب الرسالة عن قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٦]، أن هذا القول وهذا الحوار تصوير لموقف لم يحدث بعد، بل لعله لن يحدث، وفي (ص ٨٩) قرر الكاتب أن قصة موسى ﵇ في سورة الكهف لم تعتمد على أصل في واقع الحياة وفي هذا مخالفة ظاهرة لقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف: ١٣]، ولقوله : ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف: ١١١]، وقد واجه هذه الشبهات سبعة من العلماء بالكشف عن زيفها وفسادها. أولاً: رأى الشيخ عبد المتعال الصعيدي: صاحب هذه الرسالة لم يكن له أن يظفر إلى الكتابة عن موضوع القرآن، وهو يجهل تعريف التناقض في المنطق، ويبني على جهله به حكمًا خطيرًا في قصة إبراهيم ﵇، وهو يدل على مستوى صاحب الرسالة في العلم، وعلى أنه جرى في رسالته على هذا المنوال فقذف نفسه في بحر لا يحسن السباحة فيه، ولم يخض فيه فحول العلماء وأكابر

стр. 432

الحكماء، من الطبري إلى الزمخشري إلى الرازي، وإلى أمثالهم فى علمهم وحكمتهم. وقد ذكر الأستاذ أحمد أمين: أن صاحب الرسالة يرى أن القصة في التاريخ لا تلتزم الصدق التاريخي وإنما تتجه كما يتجه الأدب إلى تصوير الحادثة، تصويرًا فنيًا، بدليل التناقض في رواية الخبر الواحد، مثل: أن البشرى كانت لإبراهيم أو لامرأته، فدعوى هذا التناقض، تدل على أن صاحب هذه الرسالة لا يعرف تعريف (التناقض)، وعلى أنه سار في رسالته بهذا العلم الذي لا يزال في طور الطفولة، فَضلَّ الصواب وخَبَط خَبْط عشواء، والقرآن أجل من أن يتناول بمثل هذا العلم العاجز، وأخطر من أن يحكم في مسائله من لا يزال يجهل تعريف التناقض. ولقد قال الله تعالى في البشرى بهذا الغلام: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]، وفي هذه الآية كانت البشرى لسارة امرأة ابراهيم ﵇ ثم إن الله تعالى قال في هذه البشرى: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣]، وقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١]، وكانت البشرى في الآيتين لإبراهيم ﵇ فهل تبشير سارة مرة بهذا الغلام، وتبشير إبراهيم مرة به من التناقض الذي يصح أن تضرب به قصة إبراهيم مثلاً، للقصة التي لا يلتزم فيه الصدق التاريخي. اللَّهم لا .. لأن التناقض اختلاف قضيتين في الإيجاب والسلب، اختلافًا يلزم لذاته من صدق إحدى القضيتين كذب الأخرى، فلا بد فيه من الاختلاف في الإيجاب والسلب، ولا بد فيه من الاتحاد في الموضوع والمحمول وقيودهما. ليس في هذه القصة اختلاف في قضية البشرى من جهة الإيجاب

стр. 433

والسلب، فلا يكون التناقض الذي يلزم فيه صدق إحدى القضيتين وكذب الأخرى. وإنما الذي كان أن كلاًّ من إبراهيم وامرأته يبشر بهذا الغلام، وقد تكررت هذه القصة في هذه السور فذكرت في بعضها بشرى إبراهيم به، وذكرت في بعضها بشرى امرأته به، تنويعًا في الأسلوب وتصريفًا في القصة لمقامات تقتضي التنويع وتستدعي ذلك التعريف. صاحب الرسالة لا يفرق بين القصص الذي نص القرآن على وقوعها، وبين الأمثال التي يجوز فيها الوقوع وعدمه، وهي أمثال لا أساطير وقد ورد كثير منها في القرآن أيضًا، ولكن صاحب الرسالة لم يرزق قوة التمييز بينها، فخبط فيها خبط عشواء، وسقط سقوط من يتناول ما فوق طاقته. لقد ذكر الله ﵎ قصة مريم في سورة آل عمران ثم قال فيما ذكره منها: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وهذا نص قاطع على وقوع هذه القصة. وذكر قصة نوح في سورة هود، ثم ختمها بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩]، فجعل تلك الأنباء وهي من الغيب من دلائل نبوته ﷺ ولا يصح الاستدلال بها على نبوته إلا إذا كانت صحيحة. وذكر قصة يوسف في سورة يوسف ثم ختمها بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢]، وهذا نص قاطع على وقوع القصة، وهكذا اعتبر هذه القصص من قصص الأنبياء ونحوها أمثالاً قرآنية.

стр. 434

وهناك أمثال يضربها الله تعالى للناس كقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٥]. فهذا مثل لا يلزم أن يكون واقعًا وكذلك ما أشبهه في أمثال القرآن، وقد فات صاحب الرسالة الفرق بين هذين الأسلوبين، فأساء إلى نفسه وأساء إلى عمله. ثانيًا: رأي الأستاذ أحمد أمين في الرسالة: هذه الرسالة ليست عادية بل رسالة خطيرة، أساسها: أن القصص القرآني عمل فني خاضع لما يخضع له الفن من خلق وابتكار، من غير التزام لصدق التاريخ والواقع، وأن محمد ﷺ فنان، وبهذا المعنى يرى المؤلف أن القصة في القرآن لا تلتزم الصدق التاريخي، وأنها تتجه كما يتجه الأدب في تصوير الحادثة تصويرًا فنيًا، بدليل التناقض في رواية الخبر الواحد. ١ - مثل أن البشري بالغلام كانت لإبراهيم وامرأته. ٢ - القصة مخلوقة مثل: ﴿إِذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت﴾ الآية. ٣ - والإجابة عن الأسئلة التي كان يوجهها المشركون للنبي ﷺ ليست تاريخية ولا واقعية، وإنما هي لتصوير واقع نفسي عن أحداث مضت في القدم سواء أكان ذلك الواقع النفسي متفقًا مع الحق والواقع أم مخالفًا له. ٤ - وربما كانت مسألة الجن، التي تصور رأي الجاهلية في تسمع الجن لأخبار السماء ميدانًا من الميدان القصصي، والقرآن يقرر أن الجن تعلم بعض الشيء، ثم لما تقدم الزمن قرر القرآن أنهم لا يعلمون شيئًا، والمفسرون

стр. 435

يخطئون حين يأخذون الأمر مأخذ الجد. ٥ - الأنبياء أبطال "ولدوا في البيئة وتأدبوا بآدابها، وخالطوا الأهل والعشيرة وقلدوهم في كل ما يقال ويفعل، وآمنوا بما تؤمن به البيئة من عقيدة ودانوا بما تدين به من رأى وعبدوا ما تعبد من آلهة". ٦ - تصوير أخلاق الأمم كبني إسرائيل ليس بضروري أن يكون واقعيًا، بل يصح أن يكون تصويرًا فنيًا يلاحظ الواقع النفسي أكثر من صدق القضايا. ٧ - القصة هي العمل الأدبي الذي يكون نتيجة تخيل القاص لحوادث وقعت من بطل لا وجود له أو لبطل له وجود ولكن الحوادث التي ألمت به لم تقع أصلاً، أو وقعت ولكنها نظمت على أساس فني، إذ قدم بعضها وأخر بعضها، أو حذف بعضها وأضيف إلى الباقي بعض آخر أو بولغ في تصويرها، إلى حد يخرج بالشخصية التاريخية عن أن تكون حقيقية إلى ما يجعلها في عداد الأشخاص الخيالية، وهذا قصدنا من الدراسة القرآنية. ٨ - أخطأ الأقدمون في عد القصص تاريخًا. ٩ - منهجه هو معالجة القصة من حيث هي أدب، ويعني بذلك خلق الصور والابتكار والاختراع. ١٠ - لذلك لا مانع من اختلاف تصوير الشخصية الواحدة في القرآن. ١١ - لعل قصة موسى في سورة الكهف لم تعتمد على أصول من واقع الحياة، بل ابتدعت على غير أساس من التاريخ. ١٢ - القرآن عمد إلى بعض التاريخ الشعبي للعرب، وأهل الكتاب ونشره نشرًا يدعم غرضه كقصة ذي القرنين؟؟!! ١٣ - قصة إبليس من نوع الخلق الفني الذي يتشبث فيه القرآن بالواقع. ١٤ - عناصر القصة هي العناصر الفنية والأدبية التي اتخذ منها الفنان مادته التركيبية والتي أعمل فيها خياله وسلط عقله ونالها بالتغيير والتبديل،

стр. 436

حيث أصبحت وكأنها مادة جديدة بما بث فيها من روحه وكذلك القصص في القرآن والبحث عن المصادر في القصص القرآني على هذا الأساس. ١٥ - يجب ألا يزعجنا هذا لأنه الواقع العملي في حياة كل الفنون والآداب. ١٦ - إن القرآن كان يغير من العناصر ليجعلها ملائمة للبيئة ولطبيعة الدعوة. ١٧ - وما تمسك به الباحثون من المستشرقين ليس سببه جهل محمد ﷺ بالتاريخ، بل قد يكون ذلك من عمل الفنان، الذي لا يعنيه الواقع التاريخي، ولا الحرص على الصدق العقلي، وإنما ينتج عمله ويبرز صوره بما يملك من الموهبة والقدرة على الابتكار والاختراع والتغيير والتبديل. ١٨ - ومن هذا القبيل خلق صور الجن والملائكة. ١٩ - تدرج القصص في القرآن كما يتدرج أدب كل أديب، فالأدباء يلتمسون المتعة واللذة في كل أمر فني يعرض لهم، ثم يتقدمون خطوة فيتبعون الاستمتاع واللذة بالمحاولات التي تقوم على التقليد والمحاكاة، ثم يكون التخلف شيئًا فشيئًا، والدخول في ميدان التجارب الخاصة ومظاهر ذلك النسخ والتدرج بالتشريع. ثالثًا: رأي الأستاذ عبد الفتاح بدوي: يدعي المؤلف أن الأستاذ محمد عبده، قال: إن القرآن الكريم ليس كتابًا أنزل للتاريخ وضبط الوقائع وترتيب الحوادث التاريخية بعضها على بعض، ولكنه بالإجماع يستخدم التاريخ ويقص من هذا التاريخ حقائق واقعة ثابتة، مرتبًا بعضها ترتيبًا لا استنتاج فيه، كما يستنتج المؤرخ ولكن ترتيب الحق والواقع وينزل بذلك الواقع المرتب ترتيب الحقائق لهداية الناس وإرشادهم إلى الخير والفلاح.

стр. 437

فالقرآن يخالف كتب التاريخ في أمور، ويوافقها في أمور، فالمؤرخ قد يرى من واجبه أن يتتبع تفاصيل الواقعة من الأسماء والزمان والمكان والأحداث، وتفاصيلها؛ لأن هذا كله قد يعينه على استنتاج الحكم التاريخي الذي يحكم به على الواقعة، أو يشبع به صم العواطف فقد لا يعنيه بعض هذا؛ لأنه لا يستنتج الأحكام التاريخية ولكنه الفيصل فيها. إنه يرتب المقدمات ترتيبًا يقينيًا لا شك فيه: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]. فالقرآن مصدر من مصادر التاريخ وليس كتابًا من كتب التاريخ. - يقول المؤلف: على أن هذه المسألة قديمة، ومن أجلها عد الأصوليون القصص القرآني من المتشابه، ولقد نتج عن ذلك طريقتان: طريقة السلف، وطريقة الخلف، أما الأولون فيذهبون إلى أن كل ما ورد في القصص القرآني من أحداث قد وقع، وأما الآخرون فلا يلتزمون هذا وعلى طريقتهم جرى الأستاذ الإمام. وهذا الذى يقوله المؤلف: جرأة أخرى على الأصوليين، وتقول مفترى على الإمام محمد عبده، فليس أحد من الأصوليين ولا أحد من المسلمين يعتبر القصص القرآني متشابهًا، ولا نعرف أحدًا من الأصوليين ولا المسلمين لا يلتزم بما ورد في القرآن من القصص؛ وإنما هي أحداث وقعت وحوادث هي خلاصة الحقيقة التي وقعت في سوالف الأزمان، يسوقها القرآن عبرة وهدى للعالمين، وليدلنا المؤلف على أصولي لا يقول هذا، أو عن مسلم لا يقول هذا. وكلام المؤلف افتراء على الأستاذ الإمام يكذبه قول الإمام ومنهجه الذي اختطه لنفسه في صراحة لا شبهة فيها ولا اختلاط.

стр. 438

- قال الإمام: إذا جاء في نصوص الكتاب والسنة شيء ينافي ظاهره التنزيه "لله تعالى" فللمسلمين فيه طريقتان: إحداهما طريقة السلف: وهي التنزيه الذي أيد العقل فيه النقل، كقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١]، وقوله ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠]، وتفويض الأمر إلى الله في فهم حقيقة ذلَك، مع العلم بأن الله يعلمنا بمضمون كلامه ما نستفيد به في أخلاقنا وأعمالنا وأحوالنا. والثانية: طريقة الخلف وهي التأويل يقولون إن قواعد الدين الإسلامي وضعت على أساس العقل، فلا يخرج شيء منها عن المعقول؛ فإذا جزم العقل بشيء وورد في النقل خلافه يكون الحكم القاطع قرينة على أن النقل لا يراد به ظاهره، ولا بد من معنى موافق يحمل عليه فينبغي طلبه بالتأويل. - وقال الإمام: وإننا على طريقه السلف في وجوب التسليم والتفويض، فيما يتعلق بالله تعالى وصفاته، وعالم الغيب، وأنا نسير في فهم الآيات على كلتا الطريقتين. فالأستاذ الإمام لم يقل أن القصص من المتشابه، ولم يقل بذلك مسلم قبله ولا بعده. التهمة الأولى الموجهة إلى الباحث: أنه يجهل المقررات المنطقية التي تجمع عليها العقول. والتهمة الثانية: أنه جهل المنهج الذي يدرس عليه القرآن الكريم، فالقرآن الكريم يدرس على منهجين. المنهج الأول: منهج الباطنية وهم فرقة من الملاحدة يعطلون ألفاظ القرآن عن مدلولاتها، ويسلكون بها سبلاً تخيلية وهمية، توصلاً بذلك إلى تعطيل الشريعة الغراء، فهم يدعون للألفاظ أو للجمل مرادًا عامًا لا ينبني على

стр. 439

أسس علمية، وهؤلاء كفار والجري على طريقتهم كفر وجهالة؛ لأن مذهبهم هذا مجرد دعاوى لا تنبني على شيء من العلم، فهم يقولون مثلاً في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، استقيموا لله وطهروا أنفسكم بالأخلاق الحسنة، وكونوا خاضعين، وليست هناك صلاة شرعية ولا زكاة شرعية ولا سجود ولا ركوع. المنهج الثاني: منهج المسلمين، وهو منهج العلم والعقل الذي تقوم عليه نواحي الحياة كلها، وليس القرآن وحده، ذلك أن الكلام يجب أن يكون لألفاظه مدلولات حقيقية تنصرف إليها تلك الألفاظ ولا يعدل عنها إلا إذا وجدت قرينة تمنع من إرادة المدلولات الحقيقية. فأما ترك تلك المدلولات الحقيقية مع عدم وجود تلك القرينة، التي تمنع من إرادة الحقيقة فإنما هو في غير طريق القرآن خبل وجهالة. وإذا ادعي شيء من ذلك في مقام القرآن فهو خبالة وجهالة وزندقة، يخرج بها صاحبها من عداد المسلمين؛ لأنها تعطيل لكلام الله تعالى الذي أنزل لهداية البشر أجمعين، ومن المسلمين من يقف عند هذا الحد لا يتعداه، بل يحمل الكلام على الحقيقة ما أمكنه ذلك، ثم على المجاز الذي تدل عليه القرينة عند وجودها، ولا يقولون إن القرآن يشير من وراء هذه الحقيقة أو هذا المجاز إلى شيء من باب الإشارة والإيماء؛ لأن هذه الإشارة وهذا الإيماء لا تدل الألفاظ عليه. والباطنية لا يعتبرون لله " ﷻ " ذاتًا، ولا الملائكة موجودات ولا الجنة شيئًا، ولا إبليس حقيقة؛ وإنما يقولون في ذلك كله ما يقوله المؤلف من أن القرآن في ذلك لم يتشبث بالواقع. ولقد حاولت أن ألتمس بعض المعاذير ولو أوهاها في التورط فيما

стр. 440

تورط فيه، فمنعني سلوكه وحالت بيني وبين ذلك خلائقه، ذلك أنني وجدته مدلسًا في النقل، خائنًا للأمانة العلمية، فهو يكذب في النقل أو يبتر المنقول ولا يتمه، بل يخفي منه ما يبين المراد منه، تمويهًا للحقيقة وإلباسًا على الناس. - ومن ذلك ما نقله عن الرازي "محرفًا" في رسالته، فالفخر الرازي ليس فيه شيء مطلقًا لا من قريب ولا من بعيد. مما نسبه إليه المؤلف فرية واختلافًا، ولعل عند المؤلف أو الذي كان يشرف معه على رسالته نسخ خطية خاصة من كتاب الفخر الرازي، عملت لهما فقط، وخط لهما فيها ما يشاءان ما هذا يا أستاذ وما هذه الخيانة في العلم؟!!!. كما أورد الأستاذ عبد الفتاح بدوي مثالاً للبتر في النقل، نقل منه المؤلف أيضًا من الفخر الرازي ولم يتمه فجاء الناقد بالجزء الباقي، وهو يغير مفهوم ما أخذه تغييرًا كاملاً، ثم قال: وكلام الرازي صريح في أن القرآن لا يذكر القصة؛ لأنه كتاب تاريخ، بل يذكرها لما في ذكرها من الفوائد التي ذكرها. وكلام الفخر الرازي صريح في أن القرآن لم يحرف في القصص ولم يغير وكان ذلك دليلاً على أنه بوحي من الله، أما دعوى المؤلف فهي أن القصص القرآني لا يثبت بالواقع، وإذن لا بد من التدليس في النقل، ليوهم القارئ أن للكلام الذي يقوله المؤلف أصلاً في كلام السابقين، وبذلك صارت صفات المؤلف ثلاث: "الجهل والكذب والخيانة". * وقفه مع محمد أحمد خلف الله: ومما يذكر أنه حدث إشكال في إقرار إجازة الدكتوراه له، وقرر مجلس الجامعة ضرورة أن يثبت في مقدمة الكتاب عند طبعه هذا الإشكال، الذي يوحي باعتراض هذا المجلس، وقد صدرت الطبعة الأولى متضمنة ذلك ثم رفعت في الطبعات التالية.

стр. 441

رابعًا: الأستاذ محمد أحمد الغمراوي: كل من تعود البحث العلمي وعرف ما في القرآن الكريم واطلع على كتاب "الفن القصصي" لا يشك في أنه بعيد كل البعد عن التفكير العلمي، لما فيه من خبط وخلط كثير، جرى فيه صاحبه خلف قساوسة المستشرقين أمثال روديل ومرجليوث حتى بلغ به الأمر أنه لم يدرك ما هنالك من تناقض، بين نسبة القرآن إلى الحق ﵎، والحكم على قصص القرآن الكريم أن أكثره غير صحيح. وإذا كان البعض لا يرى في هذا الحكم كفرًا ولا شبه كفر فلعله يرى على الأقل أنه تفكير يؤدي إلى جواز الجهل والكذب على الله جل شأنه وهو تفكير لا يمكن بوجه من الوجوه أن يمت إلى التفكير الصحيح، إنه تفكير لا يستقيم إلا على فرض أن القرآن من عند محمد ﷺ لا من عند الله كما يقول قساوسة المستشرقين. خامسًا: الأستاذ أحمد الشايب: إن مشروع الرسالة حين تقدم إلى كلية الآداب سنة ١٩٤٧ رفضت لجنة الفحص تقديمه للمناقشة وأسقطته لأسباب دينية خلقية، ويكفي أن أشير بغاية الإيجاز إلى أن الرسالة تقيس القصص القرآني بمقاييس ليست وثيقة ولا مقررة؛ فإن خالف القرآن تلك المقاييس كان عند أصحابها كذبًا وافتراء على التاريخ، أو كان نوعًا من ذلك الفن الأدبي الذي لا يلتزم بالواقع التاريخي ولا الصدق العقلي؛ وإنما يخضع في تأليفه لهذه الحرية الفنية التي يخضع لها كل فنان موهوب. وتطبيقًا لهذه القاعدة صار القرآن الكريم "في رأي صاحب الرسالة": يتقول على اليهود وينطقهم بما لم ينطقوا به، ويتقول أمورا لن تحدث، ويقرر أمرًا خرافيًا أو أسطوريًا، ثم يعود فيقرر نقيضه، ويغير الواقع ويبدل، ويزيد

стр. 442

وينقص بحكم هذه الحرية الفنية. وهكذا كانت صورة موسى في سورة الكهف ليس لها أصل تاريخي أو أسطوري، والإجابة على الأسئلة التي كان يوجهها المشركون للنبي ﷺ ليست تاريخية ولا واقعية. وقصة إبليس مع آدم من الخلق الفني، الذي لم يتشبث فيه القرآن بالواقع، ومصادر القصص القرآني هي: التوراة والإنجيل، والأقاصيص الشعبية، وما امتزج بها من عناصر فارسية وإسرائيلية، وإن ما تمسك به المستشرقون على أنه من أخطاء محمد ﷺ الناتجة عن جهله بالتاريخ ليس بذي بال. ذلك لأن المسألة تعلل بأكثر من سبب، فقد يكون ذلك من عمل الفنان الذي لا يعنيه الواقع التاريخي، ولا الحرص على العقلي؛ وإنما ينتج عمله ويبرر صوره ويوحي بما يشاء بقدرته على الابتكار والاختراع والتغيير والتبديل، ثم يدير -صاحب الرسالة- كذبًا وجهلاً على أمثال الزمخشري والفخر الرازي ومحمد عبده، أنهم قالوا بما يؤيد هذا الهراء الجاهلي الضال. ثم يطلب السيد عبد الرزاق السنهوري -وزير المعارف حينذاك- إلى الشيخ محمود شلتوت ﵀ فحص هذه الرسالة، وكتابه تقرير عنها؛ فإذا بهذا التقرير يدمغها بالكفر والجهل والفساد؛ لأنها قامت على أسس فاسدة وأنها غارقة في تكذيب القرآن، وأن كاتبها افترى على العلماء، وأنه جاهل لا يفهم النصوص وختم تقريره: بأن تُطهَّر الجامعة من هذه الدراسة التي تنافي الحرية العلمية وتنتهي إلى الفوضى، وتهدم الأصول الإسلامية في هذا البلد الإسلامي. كما أفتى أكثر من مائة عالم أزهري في طائفة كثيرة من نصوص هذه الرسالة بأنها مكفرة يخرج بها صاحبها عن الدين الإسلامي.

стр. 443

ثم نسأل: هل هذه الصورة المطبوعة الآن هي مطابقة لذلك الأصل الذي قدم إلى لجنة الفحص بكلية الآداب عام ١٩٤٧، والواقع أن هذه الصورة المطبوعة ليست مطابقة لذلك الأصل أولا، ثم هي صورة لا تزال جاهلة ضالة فاسدة ثانيًا. أما أولاً: فأين هي هذه القصة المنشورة، ما قيل في الأصل عن مصادر القرآن، وأين ما قيل عن قصة موسى في سورة الكهف، وما قيل مما يفيد أن محمدًا ﷺ فنان هذا القرآن وصاحبه وأما أنه من عمل الذي لا يعنيه الواقع التاريخي والصدق العقلي، وإنما يغير ويبدل ويزيد ويخترع لأنه فنان موهوب، وكيف حرفت عبارة تدل على أن القرآن يتشبث بالواقع في قصة إبليس وآدم، وكيف اضطرب الأمر أمام الأسطورة والأساطير، بعدما قال الأقدمون إن الأساطير كذب وبهتان لم ينزل به وحي إلى غير ذلك مما يثبت التزوير والتضليل. أما ثانيًا: فلا يزال القرآن -في هذه الصورة المنشورة- يتقول على اليهود ويتقول ما لم يحدث ويحكي غير الواقع، وحين يقول القرآن الكريم ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف: ١١١] تتوقف هذه الصورة المنشورة أمام هذا النص الحاسم الذي يقطع بأن قصص الرسل غير كاذب ولا مفترى. - ونقول: ولا يصح لمعترض أن يعترض على أن الأقاصيص القرآنية مخالفة للحق والواقع، أو مخالفات التاريخ -إلى غير ذلك- ما هو آخذ بآفاقها. وأحب أن أشير هنا إلى أن ما ورد في هذه الصورة المطبوعة عن قول الله تعالى عن اليهود ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ يقول كاتب الرسالة بالحرف الواحد "فليس من شك أن اليهود ينكرون رسالة عيسى

стр. 444

ومن أجل ذلك قتلوه فهم لم يقولوا هذا القول؛ وإنما أنطقهم القرآن، ويدعي أن عبارة ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ إما أنها من قول اليهود سخرية، وإما من قول الله تعالى بيانًا للواقع وإكبارًا لعيسى ﵇ وهذا ما أراده صاحب " الكشاف " وإن لم يفهمه أصحاب الرسالة "خلف الله وأمين الخولي". ومن الخير لهم أن يرجعوا إلى "الكشاف" في هذه الآية ليعرفوا أن الزمخشري يقول في بيان ذلك. قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعًا لعيسى عما كانوا يذكرونه به، وتعظيمًا لما أرادوا بمثله كقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [الزخرف: ٩، ١٠] وواضح أن صاحب "الكشاف" يريد أن الله يضع الذكر الحسن، على أنه من قوله تعالى لا على أنه من قول اليهود، يفعل ذلك أثناء حكاية قصصهم ومجادلتهم، وإذا أرادوا زيادة الإيضاح فليرجعوا إلى ما قاله الزمخشري نفسه في تفسير هذه الآية ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ من سورة الزخرف لعلهم يعلمون من هذه المقايسة ما يريد صاحب "الكشاف" أن يقوله في تفسير آية النساء. كذلك يقولون -وهم على سبيل الدفاع عن الرسالة- على الأستاذ محمد عبده إنه يجرى على طريقة الخلف، إزاء القول في القصص القرآني، فيكذبهم الشيخ محمد عبده نفسه، حيث يقول "وأنا على طريقة السلف في وجوب التسليم والتفويض" وذلك بصدد القول في قصة الخليقة. وتقولوا عدى الشيخ محمد عبده أنه قال: إن القرآن لا يلتزم حدود التاريخ، وذلك فى تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، ولكن الشيخ محمد عبده لم يقل ذلك ولم يعلنه في الرواق العباسي كما ادعوا عليه فليرجعوا إلى تفسير المنار لعلهم يعلمون ما قاله بل

стр. 445

لعلهم يفهمون ما قبل ذلك. وفي ذلك قول الشيخ شلتوت: إن القصص القرآني من المتشابه بهذا المعنى الذي يجري فيه التأويل والتفويض، أما موقفهم من الفخر الرازي فقد سبق أن بينه الشيخ عبد الفتاح بدوي، وبيناه في الحلقة السابقة. سادسًا: السيد محب الدين الخطيب (١): فيما ذهب إليه المؤلف في هذه الرسالة تلميح بتكذيب النبي ﷺ في أن القرآن موحى به إليه من الله ، وزعم أنه من تأليف محمد ﷺ وأن ما فيه من القصص عمل فني خاضع لما يخضع له الفن من خلق وابتكار، من غير التزام بصدق التاريخ. والواقع أن محمدًا ﷺ فنان بهذا المعنى وأن الأنبياء أبطال ولدوا في البيئة وتأدبوا بأدبها، وخالطوا الأهل والعشيرة وقلدوهم في كل ما يقال ويفعل، وآمنوا بما تؤمن به البيئة من عقيدة ودانوا بما تدين به من رأي وعبدوا ما تعبد من إله، هذا ما ذهب إليه المؤلف وهو كذب. كما زعم أن القرآن متناقض، فكان يقرر أولاً أن الجن تعلم بعض الشيء ثم لما تقدم الزمن قرر أنهم لا يعلمون شيئًا، وأن قصة موسى في سورة الكهف لم تعتمد على أصل من واقع الحياة، بل ابتدعت على غير أساس من التاريخ. ويمن محمد أحمد خلف الله على الإسلام، بأنه دافع عنه بقوله: إن ما

стр. 446

تمسك به الباحثون من المستشرقين ليس سببه جهل محمد ﷺ بالتاريخ، بل قد يكون ذلك من عمل الفنان الذي لا يعنيه الواقع التاريخي ولا الحرص على الصدق العقلي، والواقع أن هذا الكلام فرية لا تقل عن خلط المستشرقين. سابعَا: الشيخ شلتوت: هذه الرسالة تقيس القصص القرآني بمقاييس ليست دقيقة ولا مقررة، فإن خالف القرآن تلك المقاييس كان عند صاحبها كذبًا وافتراء على التاريخ، أو كان نوعًا من ذلك الفن الأدبي الذي لا يلتزم الواقع التاريخي ولا الصدق العقلي، وإنما يخضع في تأليفه لهذه الحرية الفنية التي يخضع لها كل فنان موهوب، وطبقًا لهذه القاعدة، صار القرآن في هذه الرسالة يتقول على اليهود وينطقهم بما لم ينطقوا به، ويتقول أمورًا لن تحدث، ويقرر أمرًا خرافيًا أو أسطوريًا ثم يعود فيقرر نقيضه ويغير الواقع ويبدل ويزيد وينقص بحكم هذه الحرية الفنية. وهكذا كانت قصة موسى في سورة الكهف ليس لها أساس تاريخي، ولا أسطوري، والإجابة عن الأسئلة التي يوجهها المشركون للنبي ﷺ ليست تاريخية ولا واقعية. وقصة إبليس مع آدم من الخلق الفني الذي لم يتشبث فيه القرآن بالواقع، ومصادر القصص القرآني هي التوراة والإنجيل والأقاصيص الشعبية، وما امتزح بها من عناصر فارسية وإسرائيلية، وإن ما تمسك به المستشرقون على أنه من أخطاء محمد الناتجة عن جهله بالتاريخ ليس بذي بال، والادعاء على الزمخشري والفخر الرازي ومحمد عبده، أنهم قالوا بما يؤيد هذا الهراء (١).

стр. 447

* تغريد عنبر ثمرة من شجرة الحنظل -مدرسة أمين الخولي - ورسالتها "أصوات المد في تجويد القرآن " في عام ١٩٦٥ جدّد الشيخ أمين الخولي حملته على القرآن الكريم، إذ ظاهر الطالبة تغريد عنبر في رسالتها "أصوات المد في تجويد القرآن" التي تقدمت بها إلى كلية آداب جامعة الأسكندرية، وكان الخولي أحد أعضاء لجنة المناقشة مع إبراهيم أنيس وحسن عون، ووضع الخولي خطة يتفادى بها ما وقع لتلميذه خلف الله التي ردّت لجنة المناقشة رسالته إليه، فتظاهر بأنه على غير رأي الطالبة في بعض ما ذهبت إليه؛ لأنه مدرك أن زميليه لن يوافقا على الرسالة، واستنكر إبراهيم أنيس بهتان الرسالة وطعنها في القرآن الكريم، وافتراءها عليه، وأيده الخولي ليقطع عليه وعلى زميله الآخر طريقهما، وقد نجح، نجحت خطة الخولي وخدع زميليه ومُنحت الطالبة الماجستير بتقدير جيد جدًا، ولكن من حضروا المناقشة ثاروا واستنكروا، ورفعوا الأمر إلى مدير الجامعة الدكتور حسن بغدادي وطلبوا وقف الماجستير، واستفظعوا قرار اللجنة؛ لأن الرسالة كانت في جملتها طعنًا لئيمًا في كتاب الله، ولتأييد أعضاء اللجنة في آرائها، وتوقف منح الطالبة الدرجة الجامعية، وذكر الدكتور محمد محمد حسين أن عمل الطالبة في رسالتها لا سند له من الحق، وهو مناهض للمنهج العلمي السليم، وزعمت اللجنة أنها قامت بتهذيب الرسالة وتعديلها، ثم فوّضت إلى الخولي مراجعة الرسالة بعد التعديل والتهذيب، وأعلن الخولي أن الرسالة صالحة للنشر بعد استجابته للتعديل، وظن الشيخ الخولي أن خطته قد نجحت، وأن الرسالة ستظفر بما قُدَر لها من درجة، وأن معولاً جديدًا لهدم القرآن يكون في متناول أعدائه، ولما قرئت الرسالة إذا هي كما كانت مليئة بتجريح القرآن وطعنه، وما كان من تعديل اللجنة إلا الخداع والتضليل.

стр. 448

- وأحيا الشيخ الخولي من جديد ما فعل في رسالة خلف الله الذي أشرف على رسالته للدكتوراه منذ بضع عشرة سنة، هذا ما رواه الأستاذ محمد مصطفى رمضان، ثم قال: إن الخولي طامع، طامع في مجد أدبي كمجد العقاد وطه وهيكل والمازني، ولكنه محروم من مواهبهم، فاتخذ هذا السبيل ليشتهر، يضاف إلى ذلك زعم -دون غيره- أنه صاحب مدرسة أدبية، وسمّاها مدرسة الأمناء، والأمناء جمع أمين، وأمين اسم الشيخ، أطلق الشيخ اسم المجموع على مدرسة لا وجود لها إلا في وهمه ووهم من تسلط عليهم. وكل الحوادث تدل على أن الشيخ الخولي يحقد على القرآن الكريم لغة وبلاغة وأسلوبًا وعلومًا، ويطبل ويزمر للمنكرات يوهمهم أنهم مجددون ما داموا أمناء، وكل من ليس أمينًا فهو لا شيء (١). - كتبت تغريد عنبر بحثها وهو "دراسة في أصوات المد في تجويد القرآن" وهو بحث يقوم على مجازفات تجمع بين الانحراف والجهل يريد أن يشكل في سلامة النص القرآني. هذا البحث كُتب تحت إشراف الدكتور حسن عون، وناقشة أمين الخولي وإبراهيم أنيس، وتقول مصادر كثيرة إن البحث من توجيهات أمين الخولي، ولما طالب الدكتور محمد محمد حسين الجامعة بالتوقف عن منح الدرجة واستجابت الجامعة عند ذلك ظهر أعوان الشر ودعاة الهدم، يشنعون به ويهاجمونه منتهزين فرصة أن الصحف كانت في أيدي الشيوعيين، وقادت الحملة "مجلة المصور" التي يشرف عليها محمود أمين العالم وتبين أن وراء القصة أعوانًا وأنصارًا لم يكن في الحسبان أن يقفوا وراء قضية خاسرة مثلها، زعمت الطالبة أن رسول الله ﷺ كان يغيّر ويبدل في القصص القرآني،

стр. 449

وأن النص القرآني لم يتعرض للتغيير والتبديل على يد رسول الله وحده، بل تعرض لهذا التغيير والتبديل على أيدي المسلمين الأولين من الصحابة؛ لأن القرآن في زعمها ليس منزلاً من عند الله بلفظه، ولكنه منزل بمعناه، وزعمت أن المسلمين لم يتفقوا على نص موحد للقرآن وكل ما وصلوا إليه في زعمها هو شيء يشبه النص الموحد، وقد تزعمت الحملة "أمينة السعيد" في مجلة الصور بمقالات بدأت في ٢٧/ ٥/١٩٦٦ (١). - وفي مذكرته التي قدمها إلى الجامعة ردًا على هذا البحث الذي نوقش في ٧/ ١٠/١٩٦٥. قال الدكتور محمد محمد حسين: زعمت الطالبة أن المسلمين لم يتفقوا على نص موحد للقرآن، وكل ما وصلوا إليه في زعمها هو شيء يشبه النص الوحد، فكانوا حين يرددون القرآن يحرصون -حسب تعبيرها- على الاتفاق على ما يشبه النص الموحد، وقبل منهم الرسول ﷺ ذلك، لأنه كان مطمئنًا إلى أن التحريف من يدخل القرآن، فلغته هي العربية بين قوم يتكلمون بها، وفي الغالب لم يكن الفرد من الصحابة ليغير النص فى كل مرة يقرأ بها (ص ١٣ سطر ١٤). وتعود الطالبة إلى تأكيد تلك المزاعم الفاسدة فتقول (ص ٣٧ س ٧): وعرض الأمر على هذا النحو يساعد على هدم فكرة التوقيف في قراءة القرآن، تلك الفكرة التي لا يقرها الدرس اللغوي أو الواقع التاريخي. ومن الواضح أن نفي فكرة التوقيف هو نفي لتواتر القرآن. من باب الإنصاف ذكر الدكتور محمد محمد حسين موقف الشيخ أمين الخولي برأي مخالف لرأي الأستاذ أنور الجندي، وقوله أن الشيخ أمين الخولي ندد بما تضمنه بحثها من استخفاف بعقائد المسلمين ومقدساتهم (٢).

стр. 450

- وقال: والاعتراض الثاني هو نتيجة للاعتراض الأول ومترتب عليه هو أن الطالبة قد وقعت في أخطاء فادحة نتيجة للجهل ونتيجة للتعرض لما لا تعرفه، وهي أخطاء تمسّ العقيدة، بل تهدم الأساس الأصيل الذي يقوم عليه الإسلام، وتؤذي إيمان المؤمنين في أعز ما يعتزون به وهو القرآن، وذلك بما زعمته الطالبة وأكدته في أكثر من موضع من أن القرآن الذي يتعبد به المسلمون ليس منزلاً من عند الله، أو هو منزل من عند الله بمعناه لا بلفظه، وهو ما لم يجرؤ أحد من المسلمين على القول به، بل ما لم يجرؤ الملاحدة على الجهر به في وطن إسلامي. زعمت الطالبة أن رسول الله ﷺ كان يغيِّر ويبدِّل في النص القرآني، فجاء في (ص ٨ س ٨): ولما كان الرسول يفعل ذلك في أحاديثه العامة معهم، فمن الأولى أن يفعله في الأمر الأهم الذي أتوه من أجله من الطبيعي أن يستبدل في النص القرآني لفظة بأخرى يعلم أنها أكثر شيوعًا في تلك البيئة، أو يرى أنها تحمل شحنات من المعاني تفهم الفكرة أكثر، أو أن يغير في نظام الجملة ليجعلها أكثر وضوحًا، أو ليكسبها بلاغة أكثر في نظر القوم الذين يقرأ أمامهم؛ بل قد زعمت الطالبة أن النص القرآني لم يتعرّض للتغير والتبديل على أيدي المسلمين الأولين من الصحابة؛ لأن القرآن في زعمها ليس منزلاً من عند الله بلفظه، ولكنه منزّل بمعناه، فجاء في (ص ١٠ س ٤): "ويبدو لي الأمر على النحو التالي: حين نزل القرآن في أول عهده، كان الهدف الأول للمسلمين نشر الدعوة الإسلامية، وطبيعي أن يتركز الاهتمام على الفكرة وأن ينشغل بها الجميع. فكان الرسول يقرأ النص ويغير فيه حسب الظروف، فيسمح لمن يقرأ عليه بقدر من المخالفة. وكذلك الأمر فيما يتعلّق بالأداء".

стр. 451

وأكدت الطالبة هذا الزعم الفاسد في مواضع أخرى من بحثها حين قالت (ص ١١ س ٧). "على أن الرسول ﵇ كان يبيح الاختلاف ولا يعمد إلى التخطيء. كان يتسامح في النص بعض الشيء. وطبيعي أن يكون التسامح أيضًا في الجانب الأدائي إن لم يكن على نطاق أوسع". وقالت (ص ١١ س ١١): "كان كل ما يهم الرسول ﵇ هو المحافظة على الفكرة. هذا بالإضافة إلى أن الرسول ﵇ لم يضع في اعتباره فكرة التخطيء لمجرد اختلاف لفظين يؤديان معنى واحدًا". وقالت (ص ١١ س ١٦): "ولكن الرسول ﵇ كان حريصًا على الاعتدال وإباحة الاختلاف، ما دامت الفكرة لم تتغيّر، والعبارة لم تخرج عن حدود العربية السليمة". والسلامة أدنى مرتبة من البلاغة، والبلاغة أدنى مرتبة من الإعجاز" (١). * أمينة السعيد وعداؤها لكل ما يمت إِلى الإِسلام بصلة: لو لم يكن لأمينة السعيد إلا مناصرتها لتغريد عنبر في قولها عن القرآن في ست حلقات متتالية، بدأت بالعدد ٢١٧٢ من المصور الصادر في ٧ صفر ١٣٨٦ (٢٧/ ٥/١٩٦٦ م) واستمرت حتى أنتهت في العدد ٢١٧٧ الصادر في ١٢ ربيع الأول ١٣٨٦ (١/ ٧/١٩٦٦ م) لكفاها خزيًا وذلاً وعارًا، فما بالك بحديثها الدءوب المناقض لكل ما يمت إلى الإسلام بصلة.

стр. 452

- تقول أمينة السعيد: (في مجلة حواء ١٨ نوفمبر ١٩٧٢) عن الحجاب والنقاب: "إن هذه الثياب الممجوجة قشرة سطحية لا تكفي وحدها لفتح أبواب الجنة أو اكتساب رضا الله. فتيات يخرجن إلى الشارع والجامعات بملابس قبيحة المنظر يزعمن أنها (زي إسلامي) لم أجد ما يعطيني مبررًا منطقيًا معقولاً لالتجاء فتيات على قدر مذكور من التعليم إلى لف أجسادهن من الرأس إلى القدمين بزي هو والكفن سواء". وتستطرد الكاتبة في امتهان هذا الاتجاه الكريم فتقول: "بعضهم قال: أنه تقليعة جديدة تلجأ إليها الفتيات من أجل لفت الأنظار بعد أن استنفد الميني جيب أغراضها، والبعض قال: إنها الرغبة في الظهور بمظهر التدين سعيًا وراء الزواج والتحايل على أزمة الزواج" (١). - وتقول أمينة السعيد أن التدين ليس بالتدثر بالأكفان وإنما التدين بالإيمان والعقيدة وطهارة النفس والعفة في السلوك. وتثرثر أمينة السعيد بنظريتها الباطلة فتقول: "إن خروج المرأة إلى مجال العمل يعني زيادة دخلها ودخل أسرتها وبهذا تستطيع أن تمنح أولادها وزوجها معًا فرصة أكبر للعيش في مستوى لائق" (٢). - وتقول: "إن الخروج إلى العمل يكشف للمرأة الحياة كلها ويعطيها فرصة التعامل مع الناس ودراسة الحياة، وهذا كله ينعكس على شخصيتها وعلى أسرتها بشكل إيجابي يرفع من مستوى المجتمع" (٣).

стр. 453

وتمضي أمينة السعيد في بث سمومها في كل الآفاق، فهي تعارض عودة المرأة إلى الزي الإسلامي، وترى فيه هوسًا دينيًا، وهي تعترف بأن قوامة الرجل على المرأة شيء مقرر في الإسلام، ولكنها في نفس الوقت تعتبر القوامة اليوم لا مبرر لها؛ لأن هذه القوامة مبنية على المزايا التي كان الرجل يتمتع بها في الماضي في مجال الثقافة والمال، وما دامت المرأة استطاعت اليوم أن تتساوى مع الرجل في كل المجالات فلا مبرر للقوامة" ولا ريب أن هذه الآراء المسمومة التي ترددها أمينة السعيد هي التي طرحتها سيمون دي بوفوار ومجمع المؤامرات المنعقدة على المرأة المسلمة (١). وتنصح أمينة السعيد في إحدى المشكلات الواردة لها باللجوء إلى الزواج العرفي!! تخلصًا من حكم القانون بسقوط حق الحضانة من المرأة عندما تتزوج مرة ثانية (المصور ٣/ ١٢/١٩٦٥) هذه النصيحة على ما تتضمنه من احتجاج خفي على موقف الشرع من أحكام الحضانة فإنها دعوة إلى الهروب من القوانين (٢). وتدعو أمينة السعيد إلى تحديد النسل وترمي المسلمين بالجهل في قولها في كلمة لها في (المصور ٢٠/ ١٠/١٩٦٦) إن ملايين الجهال في بلادنا هم الذين يرددون أن الله يرسل لكل طفل رزقه. - يقول الدكتور يحيى هاشم: إن هذا القذف يتعدّى الأشخاص إلى العقيدة التي يؤمنون بها (٣). ***

стр. 454

* نوال السعداوي مؤسسة بالكامل لإِعلان الحرب على ثوابت الإِسلام .. وكلامها عن الإِله .. هل هو ذكر أم أنثى تعالى الله عما يقول الزنادقة علوًا كبيرًا . أسست د. نوال السعداوي جمعية "تضامن المرأة العربية" وكان شعار "رفع الحجاب عن العقل" يكتب على أغلفة مطبوعاتها، وكانت معركة الخطاب النسوي مع الحجاب شرسة باعتباره رمز القهر الذكوري الديني الرجعي .. إلخ (١). - وكثير من هذه التجمعات النسوية في مصر، انفضح أمرها في غمرة جهادها التحرري! وتكشف أبعاد دورها عندما كشف النقاب عن "نفق الدولارات" الذي ينساب في جيوب المتنفذات من زعماء تحرير المرأة، على النحو الذي تكشّفت فيه فضيحة نوال السعداوي وتلقيها أموالاً "سرية من مؤسسة فورد فونديشن الأمريكية وغيرها من المؤسسات الإنجليزية والهولندية" (٢). ولنوال السعداوي عدد من المؤلفات تكشف عن هويتها، من هذه المؤلفات: "المرأة والجنس" و"الأنثى هي الأصل"، و"الوجه العاري"، و"معركة جديدة في قضية المرأة"، و"المرأة والصراع النفسي" و"مذكرات طبيبة"، و"سقوط الإمام". - تقول الدكتورة هبة رؤوف عزت في تعقيبها على كلام د. نوال

стр. 455

السعداوي في كتاب "المرأة والدين والأخلاق". أما د. نوال السعداوي فإن عداءها للدين واضح، وهي لا تُخفيه بل يظهر جليًا في نصها، وهو عداء يقوم على الأسس التالية كما أوردتها في صفحات النص المختلفة: ١ - أن الدين صناعة إنسانية، ومنتج تاريخي، وهي رؤية علم الاجتماع الغربي بمدارسه الكلاسيكية واليسارية على حد سواء، لذا نجدها تتحدث عن أن الأديان نشأت في عصور قديمة يحكمها النظام العبودي (١) (ص ٧)، وهي تتبنى التقسيم الماركسي للتاريخ لمراحل تصاعدية، والدين ينتمي للماضي وليس للحاضر أو المستقبل وهو بالضرورة أداة قهر. ٢ - أن أي محاولة للحديث عن الدين بشكل إيجابي يجب أن تحول الدين إلى منحى (ذاتي/إنساني/جواني)، فجدتها كان تقول: "إن الله عرفوه بالعقل" (فلا حاجة للوحي ألبتة إذن)، ووالدها يقول: أنا أعرف الله في أعماقي وهو العدل، الله يخرج من أعماقنا وليس من المطبعة أو من فوق المآذن والجوامع، وهي أقوال كلة حين تستشهد بها الكاتبة أن هذه أول خطوة لفصل الدين عن الحياة وأن هذا هو عين سبب فقدان الدين لآفاقه التحررية كمصدر للعدل الاجتماعي وليس العكس. ٣ - أن الدين يجب أن يخضع للهوى، فيتغير بتغير الظروف، لا بالتجديد والاجتهاد وضبط التوازن بين المطلق (الوحي) والنسبي (الواقع) بل بإخضاع المطلق للنسبي، الوحي للمادة، وإلا كان الدين ظلاميًا رجعيًا وأداة

стр. 456

للظلم والقهر، فهي تقول: "الأخلاق والأديان والقيم كلها تتغير مع تغير القوى المسيطرة سياسيًا على وسائل التعليم والإعلام والتفسير للكتب الدينية، والدين جزء من المجتمع وهو نتاج من نتاجات المجتمع البشري فكرًا وممارسة" (ص ٤٥)، وكأنه لا ثوابت ولا قيم ثابتة بل أديان صناعة محلية .. وحسب!!. ٤ - أن الدين هو خادم السياسة يتم فقط توظيفه (ص ٤٦) وهو حليف الرأسمالية البغيضة المستغلة وأداة لاستغلالها، والاقتصاد هو الذي يحدد مسار التاريخ وليس الدين أو حتى الثقافة (ص ٦٢، ٦٩) وببساطة يلتقي الشرق والغرب، والإسلام والمسيحية واليهودية في إصدار القوانين والقيم الأخلاقية والسياسية التي تجعل مفهوم الحرية أو الديمقراطية أو حقوق الإنسان قاصرة على الرجل وعلاقتهم بالدولة والحكم (ص ٧٢). ٥ - أن رجال الدين خضعوا للسلطة السياسية والاقتصادية على مرّ العصور، وإن عليهم أن يعتذروا عن الجرائم التي اقترفوها في حق الناس والنساء كما اعتذرت الكنيسة الكاثوليكية (ص ٨٤). ٦ - أن هناك تحالفًا بين الأديان الآن ضد المرأة في المؤتمرات الدولية، والدين حليف الرجعية، ويجب فصله عن حياة النساء ليتحقق التقدم. والطريف أنها حين تشير إلى الإسلام تشير إليه إشارات أقل ما توصف به أنها مقتضبة، والطريف أنها جلها مغلوطة، ومليئة بالأخطاء المضحكة فهي لا تعرف الفرق بين الآية القرآنية والحديث النبوي الشريف، فتقول: "يقول الله في القرآن لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى" (ص ٣٧) وهو حديث وليس آية، وهي لم يصل لها سوى آية واحدة من قصة آدم هي الآية (١٢١ - ١٢٢) من سورة طه؛ فتقول: إن القرآن يعلن العفو عن آدم فقط لتحمل حواء وحدها ذنب الخروج من الجنة، ولم يخبرها أحد أن الآية

стр. 457

المكملة هي في سورة الأعراف الآيات (٢٢، ٢٣) حيث اعترف الاثنان بالاشتراك في الخطأ وطلبا العفو والمغفرة من الله. * الإِبداع السعداوي .. المشكلة في الإِله كونه الإِله الذكر الواحد أصل الوجود: انظر إلى التشوش في تصورها للإله، وهو تشوش قد يكون مقبولاً من ماركس أو إنجلز لأنهما لم يعرفا عن الإسلام شيئًا، أما أن تضع د. نوال السعداوي كل العقائد في سلة واحدة سواء كانت عقائد عن (إله) أو (آلهة)، وترى أن المشكلة في الإله كونه الإله الذكر الواحد أصل الوجود؛ لأن الإلهة الأنثى هي الأصل!!، لذا فهي تحتفي بالعقائد الفرعونية؛ لأنها كان بها آلهة إناث و"كانت لهن مكانة عالية، تعلو أحيانا على الآلهة الذكور" (ص ٦)، فالأمر ولا شك سيُغضب الدارسين في مجال الأديان المقارنة، فالمشكلة الحقيقية بين د. نوال السعداوي والله أنه ذكر!!! في حين أنها تريد الله الأنثى؟؟ وحين تجد أنثاها تنفق وقتها في قراءة كتب الأساطير الفرعونية وكتب التاريخ الفرعوني وتخلط بينهما وتتحمل عناء البحث .. أما قراءة القرآن الذي تشير له لمامًا أو أحاديث (محمد) فلا ... - تقول الزنديقة نوال السعداوي بالحرف الواحد (١): "وهناك من يحاولون تجاهل الحضارات القديمة في بحوثهم العلمية من أجل إثبات أن الإله الذكر الواحد هو أصل الوجود، وليس الإلهة الأنثى، الأم القديمة، أو الأمهات الإلهات، ويثبت التاريخ المصري القديم أن تعدد الإلهات الإناث والآلهة الذكور كان هو السائد، وأن الإلهات كانت لهن مكانة عالية تعلو أحيانًا على الآلهة الذكور، مثال إلهة العدل (معات) وإلهة الطب والصحة والموت (سخمت)، والإلهة "إيزيس" إلهة الحكمة والمعرفة.

стр. 458

وفي هذا المجال يمكن أن يجتهد الباحثون والباحثات، وهناك من يقول: إن (إيزيس) وليس (أوزوريس) هي الأولى في التاريخ التي قامت فلسفتها على التوحيد مثل أمهات (نون) إلهة السماء، وجدتها الكبرى (نون) التي كانت إلهة الكون الموحد دون انفصال السماء عن الأرض، ولقد بدأت الديانات الانفصالية في التاريخ بانفصال السماء عن الأرض، وكانتا وحدة واحدة بقيادة واحدة هي الإلهة الأم الكبرى (نون)، وقد ساعدت هذه الوحدانية على ازدهار الكون ونمو الخير وتوزيعه على الناس بالعدل دون أسياد وعبيد، إلا أن نشوء العبودية أدى إلى ظهور فلسفة جديدة تقوم على الانقسام والتفرقة (فرق تسد) إن هذه الفترة من التاريخ القديم بحاجة إلى دراسات متعمقة بعيدة عن التنافس السياسي والحزبي الذي يقسّم الناس إلى فرق تتنازع الحكم فوق الأرض وفي السماء أيضًا. إن النبي موسى (الذي نُسبت إليه التوراة) قد قرأ فلسفة إخناتون ونفرتيتي وتأثر بهما ونقل عنهما، وهو أمر طبيعي؛ لأن كل نبي أو زعيم سياسي لا يبدأ من فراغ أو من الصفر، ولكنه يبني أفكاره على أفكار من سبقوه ويزيد عليها، أو يطوّرها إلى الأفضل أو إلى الأسوأ حسب المرحلة التاريخية التي يمر بها الشعب في ذلك الوقت. - ولعل أكبر تحول من النظام الأمِّي إلى النظام الأبوي في التاريخ البشري هو أن الإله (أوزوريس) أصبح أول الآلهة الذكور الموحدين، الذي ولد نفسه بنفسه، ولم تلده أمه، وهي الإلهة (نوت) "، وكانت إلهة السماء وزوجها (جب) إله الأرض بعد انفصال السماء عن الأرض ... ". * نوال السعداوي وإِبداع الأساطير: - تقول الدكتورة هبة رؤوف عزت: "أنا لا أدري كيف تجهل د. نوال السعداوي رغم سنوات العمر الطويلة هذه أن الله في الإسلام ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ

стр. 459

شَيْءٌ﴾ وأنه ليس ذكرًا ولا أنثى وأن هذا هو جوهر التوحيد في الإسلام، والذي يميزه عن أية عقيدة أخرى، يميزه عن تجسد الإله في المسيح الذكر في التراث المسيحي (١)، ويميزه عن الإله في التصور اليهودي، ويميزه عن الإله بالمرة في بعض مذاهب البوذية، وكذا غياب اليوم الآخر. وفي كتب مقارنة الأديان كلام طويل حول اختلاف تصورات الإله في الأديان والملل المختلفة، لكن آثار الماركسية من إنكار الألوهية، ونزعة التمركز حول الأنثى التي تمثل د. نوال السعداوي نموذجًا مثاليًا لها تحجب كل هذا عن عقل د. نوال السعداوي؛ لأن الدين ليس فقط منفي من عقلها كمصدر للمعرفة بل كموضوع لمجرد المعرفة. * الإِسلام بشموليته يشمل سعادة الروح والجسد ولا يفصل بينهما خلاف ما تقوله نوال السعداوي: - تقول الدكتورة هبة رؤوف عزت: "في حين كان الإسلام بالتوحيد توحيدًا للروح والجسد، ومسئولية بالاستخلاف والأمانة، والعمارة للكون وفاعلية اجتماعية بنظام الحقوق والواجبات التي تغذيه علاقات الفضل والعفو والصفح، ترى د. نوال السعداوي من خلال حجاب المرجعية المادية أن "الموروث المقدس الذي يتغلغل إلى أعماق العقل والجسد والروح فيفصل بين الثلاثة فيمزق الإنسان المتكامل والكيان الواحد إلى ثلاثة أجزاء متنافرة متصارعة تحت اسم الجسد والعقل والروح، يندرج منها تحت فرع من العلوم فينفصل عن الفرع الآخر، تدخل الروح تحت علم الدين أو اللاهوت أو الروحانيات، أو الأخلاقيات، ويدخل الجسد تحت علم الطب أو البيولوجي أو الفسيولوجي أو التشريح، وعلم الأمراض، ويدخل العقل تحت تخصص

стр. 460

آخر وهو الطب النفسي أو الأمراض النفسية والعقلية، وينفصل كل ذلك عن الأمراض الاجتماعية أو السياسية التي ينتج عنها الفقر أو البطالة أو الحروب الاقتصادية والعسكرية وغيرها مما يشكل أهم الأسباب التي تعرض أجسام الناس وعقولهم وأرواحهم للأمراض والمشاكل على اختلاف أنواعها. وأنا لن أتوقف كثيراً أمام لغة الكاتبة المستقاة من الخطاب الماركسي أو الأدبيات الغربية النسوية، من قبيل (المقدس)، و (الموروث) أو (اللاهوت) والتي هي كلمات غريبة عن قاموسنا الإسلامي، غربية لفظًا وغريبة مضمونًا، فقد سبق أن أدركت أن د. نوال تقرأ "عن" الإسلام، ولا تقرأ "في" الإسلام، لكنني فقط أتأمل في هذا الخلط البالغ والمذهل حقًا، ففي حين قامت الأيدلوجية الماركسية ثم الأيدلوجية النسوية على فصل الجسد عن الروح، وانشغلت بالجسد والمادة والاقتصاد والجنس والذات المادية، وبدأت عقلانية، ثم تحولت العقلانية في بعض تيارات ما بعد الحداثة إلى رفض للعقل المحض كمطلق، وإعلاء العقل النسبي، وتم رفض (شمول) الدين، تتجاوز الكاتبة كل هذا بقفزة واحدة، وما أكثر قفزاتها في النص ليصبح الدين هو مصدر هذا الفصل (١)، وهذا كذب ودجل صريح. * نوال السعداوي والتمركز حول الأنثى: تنطلق نوال السعداوي في تفكيرها من فكرة المرأة الفرد لا من فكرة الإنسان في إطار جماعة اجتماعية بينها ترابطات من الحقوق والواجبات المتبادلة، وهي تصوغ حقوق المرأة بشكل بالغ التطرف ومثير للسخرية ومسلمات أسطورية مفزعة وصار الأمر عندها محاربة كل المحاربة لأنصار الأبوية الذكورية المستبدة المعادية ... إلخ.
следующие страницы →