للظلم والقهر، فهي تقول: "الأخلاق والأديان والقيم كلها تتغير مع تغير القوى المسيطرة سياسيًا على وسائل التعليم والإعلام والتفسير للكتب الدينية، والدين جزء من المجتمع وهو نتاج من نتاجات المجتمع البشري فكرًا وممارسة" (ص ٤٥)، وكأنه لا ثوابت ولا قيم ثابتة بل أديان صناعة محلية .. وحسب!!.
٤ - أن الدين هو خادم السياسة يتم فقط توظيفه (ص ٤٦) وهو حليف الرأسمالية البغيضة المستغلة وأداة لاستغلالها، والاقتصاد هو الذي يحدد مسار التاريخ وليس الدين أو حتى الثقافة (ص ٦٢، ٦٩) وببساطة يلتقي الشرق والغرب، والإسلام والمسيحية واليهودية في إصدار القوانين والقيم الأخلاقية والسياسية التي تجعل مفهوم الحرية أو الديمقراطية أو حقوق الإنسان قاصرة على الرجل وعلاقتهم بالدولة والحكم (ص ٧٢).
٥ - أن رجال الدين خضعوا للسلطة السياسية والاقتصادية على مرّ العصور، وإن عليهم أن يعتذروا عن الجرائم التي اقترفوها في حق الناس والنساء كما اعتذرت الكنيسة الكاثوليكية (ص ٨٤).
٦ - أن هناك تحالفًا بين الأديان الآن ضد المرأة في المؤتمرات الدولية، والدين حليف الرجعية، ويجب فصله عن حياة النساء ليتحقق التقدم.
والطريف أنها حين تشير إلى الإسلام تشير إليه إشارات أقل ما توصف به أنها مقتضبة، والطريف أنها جلها مغلوطة، ومليئة بالأخطاء المضحكة فهي لا تعرف الفرق بين الآية القرآنية والحديث النبوي الشريف، فتقول: "يقول الله في القرآن لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى" (ص ٣٧) وهو حديث وليس آية، وهي لم يصل لها سوى آية واحدة من قصة آدم هي الآية (١٢١ - ١٢٢) من سورة طه؛ فتقول: إن القرآن يعلن العفو عن آدم فقط لتحمل حواء وحدها ذنب الخروج من الجنة، ولم يخبرها أحد أن الآية
стр. 457
المكملة هي في سورة الأعراف الآيات (٢٢، ٢٣) حيث اعترف الاثنان بالاشتراك في الخطأ وطلبا العفو والمغفرة من الله.
* الإِبداع السعداوي .. المشكلة في الإِله كونه الإِله الذكر الواحد أصل الوجود:
انظر إلى التشوش في تصورها للإله، وهو تشوش قد يكون مقبولاً من ماركس أو إنجلز لأنهما لم يعرفا عن الإسلام شيئًا، أما أن تضع د. نوال السعداوي كل العقائد في سلة واحدة سواء كانت عقائد عن (إله) أو (آلهة)، وترى أن المشكلة في الإله كونه الإله الذكر الواحد أصل الوجود؛ لأن الإلهة الأنثى هي الأصل!!، لذا فهي تحتفي بالعقائد الفرعونية؛ لأنها كان بها آلهة إناث و"كانت لهن مكانة عالية، تعلو أحيانا على الآلهة الذكور" (ص ٦)، فالأمر ولا شك سيُغضب الدارسين في مجال الأديان المقارنة، فالمشكلة الحقيقية بين د. نوال السعداوي والله أنه ذكر!!! في حين أنها تريد الله الأنثى؟؟ وحين تجد أنثاها تنفق وقتها في قراءة كتب الأساطير الفرعونية وكتب التاريخ الفرعوني وتخلط بينهما وتتحمل عناء البحث .. أما قراءة القرآن الذي تشير له لمامًا أو أحاديث (محمد) فلا ...
- تقول الزنديقة نوال السعداوي بالحرف الواحد (١): "وهناك من يحاولون تجاهل الحضارات القديمة في بحوثهم العلمية من أجل إثبات أن الإله الذكر الواحد هو أصل الوجود، وليس الإلهة الأنثى، الأم القديمة، أو الأمهات الإلهات، ويثبت التاريخ المصري القديم أن تعدد الإلهات الإناث والآلهة الذكور كان هو السائد، وأن الإلهات كانت لهن مكانة عالية تعلو أحيانًا على الآلهة الذكور، مثال إلهة العدل (معات) وإلهة الطب والصحة والموت (سخمت)، والإلهة "إيزيس" إلهة الحكمة والمعرفة.
стр. 458
وفي هذا المجال يمكن أن يجتهد الباحثون والباحثات، وهناك من يقول: إن (إيزيس) وليس (أوزوريس) هي الأولى في التاريخ التي قامت فلسفتها على التوحيد مثل أمهات (نون) إلهة السماء، وجدتها الكبرى (نون) التي كانت إلهة الكون الموحد دون انفصال السماء عن الأرض، ولقد بدأت الديانات الانفصالية في التاريخ بانفصال السماء عن الأرض، وكانتا وحدة واحدة بقيادة واحدة هي الإلهة الأم الكبرى (نون)، وقد ساعدت هذه الوحدانية على ازدهار الكون ونمو الخير وتوزيعه على الناس بالعدل دون أسياد وعبيد، إلا أن نشوء العبودية أدى إلى ظهور فلسفة جديدة تقوم على الانقسام والتفرقة (فرق تسد) إن هذه الفترة من التاريخ القديم بحاجة إلى دراسات متعمقة بعيدة عن التنافس السياسي والحزبي الذي يقسّم الناس إلى فرق تتنازع الحكم فوق الأرض وفي السماء أيضًا.
إن النبي موسى (الذي نُسبت إليه التوراة) قد قرأ فلسفة إخناتون ونفرتيتي وتأثر بهما ونقل عنهما، وهو أمر طبيعي؛ لأن كل نبي أو زعيم سياسي لا يبدأ من فراغ أو من الصفر، ولكنه يبني أفكاره على أفكار من سبقوه ويزيد عليها، أو يطوّرها إلى الأفضل أو إلى الأسوأ حسب المرحلة التاريخية التي يمر بها الشعب في ذلك الوقت.
- ولعل أكبر تحول من النظام الأمِّي إلى النظام الأبوي في التاريخ البشري هو أن الإله (أوزوريس) أصبح أول الآلهة الذكور الموحدين، الذي ولد نفسه بنفسه، ولم تلده أمه، وهي الإلهة (نوت) "، وكانت إلهة السماء وزوجها (جب) إله الأرض بعد انفصال السماء عن الأرض ... ".
* نوال السعداوي وإِبداع الأساطير:
- تقول الدكتورة هبة رؤوف عزت: "أنا لا أدري كيف تجهل د. نوال السعداوي رغم سنوات العمر الطويلة هذه أن الله في الإسلام ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ
стр. 459
شَيْءٌ﴾ وأنه ليس ذكرًا ولا أنثى وأن هذا هو جوهر التوحيد في الإسلام، والذي يميزه عن أية عقيدة أخرى، يميزه عن تجسد الإله في المسيح الذكر في التراث المسيحي (١)، ويميزه عن الإله في التصور اليهودي، ويميزه عن الإله بالمرة في بعض مذاهب البوذية، وكذا غياب اليوم الآخر.
وفي كتب مقارنة الأديان كلام طويل حول اختلاف تصورات الإله في الأديان والملل المختلفة، لكن آثار الماركسية من إنكار الألوهية، ونزعة التمركز حول الأنثى التي تمثل د. نوال السعداوي نموذجًا مثاليًا لها تحجب كل هذا عن عقل د. نوال السعداوي؛ لأن الدين ليس فقط منفي من عقلها كمصدر للمعرفة بل كموضوع لمجرد المعرفة.
* الإِسلام بشموليته يشمل سعادة الروح والجسد ولا يفصل بينهما خلاف ما تقوله نوال السعداوي:
- تقول الدكتورة هبة رؤوف عزت: "في حين كان الإسلام بالتوحيد توحيدًا للروح والجسد، ومسئولية بالاستخلاف والأمانة، والعمارة للكون وفاعلية اجتماعية بنظام الحقوق والواجبات التي تغذيه علاقات الفضل والعفو والصفح، ترى د. نوال السعداوي من خلال حجاب المرجعية المادية أن "الموروث المقدس الذي يتغلغل إلى أعماق العقل والجسد والروح فيفصل بين الثلاثة فيمزق الإنسان المتكامل والكيان الواحد إلى ثلاثة أجزاء متنافرة متصارعة تحت اسم الجسد والعقل والروح، يندرج منها تحت فرع من العلوم فينفصل عن الفرع الآخر، تدخل الروح تحت علم الدين أو اللاهوت أو الروحانيات، أو الأخلاقيات، ويدخل الجسد تحت علم الطب أو البيولوجي أو الفسيولوجي أو التشريح، وعلم الأمراض، ويدخل العقل تحت تخصص
стр. 460
آخر وهو الطب النفسي أو الأمراض النفسية والعقلية، وينفصل كل ذلك عن الأمراض الاجتماعية أو السياسية التي ينتج عنها الفقر أو البطالة أو الحروب الاقتصادية والعسكرية وغيرها مما يشكل أهم الأسباب التي تعرض أجسام الناس وعقولهم وأرواحهم للأمراض والمشاكل على اختلاف أنواعها.
وأنا لن أتوقف كثيراً أمام لغة الكاتبة المستقاة من الخطاب الماركسي أو الأدبيات الغربية النسوية، من قبيل (المقدس)، و (الموروث) أو (اللاهوت) والتي هي كلمات غريبة عن قاموسنا الإسلامي، غربية لفظًا وغريبة مضمونًا، فقد سبق أن أدركت أن د. نوال تقرأ "عن" الإسلام، ولا تقرأ "في" الإسلام، لكنني فقط أتأمل في هذا الخلط البالغ والمذهل حقًا، ففي حين قامت الأيدلوجية الماركسية ثم الأيدلوجية النسوية على فصل الجسد عن الروح، وانشغلت بالجسد والمادة والاقتصاد والجنس والذات المادية، وبدأت عقلانية، ثم تحولت العقلانية في بعض تيارات ما بعد الحداثة إلى رفض للعقل المحض كمطلق، وإعلاء العقل النسبي، وتم رفض (شمول) الدين، تتجاوز الكاتبة كل هذا بقفزة واحدة، وما أكثر قفزاتها في النص ليصبح الدين هو مصدر هذا الفصل (١)، وهذا كذب ودجل صريح.
* نوال السعداوي والتمركز حول الأنثى:
تنطلق نوال السعداوي في تفكيرها من فكرة المرأة الفرد لا من فكرة الإنسان في إطار جماعة اجتماعية بينها ترابطات من الحقوق والواجبات المتبادلة، وهي تصوغ حقوق المرأة بشكل بالغ التطرف ومثير للسخرية ومسلمات أسطورية مفزعة وصار الأمر عندها محاربة كل المحاربة لأنصار الأبوية الذكورية المستبدة المعادية ... إلخ.
стр. 461
وهي تريد الاستغناء النسوي عن الرجال جنسًا واجتماعًا وإنجابًا وهي تريد أن نحمل نسب أمهاتنا لا آبائنا "مساواة! " (ص ٥٢)، ثم لماذا لا نجمع بين زوجين؟ (ص ٧٨)، ولماذا لا يحق لنا السفر منفردات دون محارم.
وهي تعلن أن الأسرة غير مقدسة وأن المرأة لن تعود بعد أن تحررت بالاستقلال الاقتصادي "لحيرة" الأمومة والدين والأخلاق (٦١) ولا لحظيرة البيت (ص ٦٠) فهي في بيت زوجها أجيرة، وفي بيت أبيها عالة .. والأسرة مؤسسة قهر ... إلخ إلخ.
* من فمها أُدينها:
يكفي أن نأتي بمجموعة من عبارات نوال السعداوي لنرى أيَّ شيطانة من شياطين الإنس هذه المخلوقة الغريبة العجيبة؛ وذلك من كتاب " المرأة والدين والأخلاق " تقول الشيطانة نوال: "بدأت أحلم بعالم آخر لا يشطب فيه أحد على أسماء الأمهات، ولا أحد يسألني من أبوك؟ وما دينك؟ وما جنسك؟ أو جنسيتك؟ (ص ١٢).
- وتقول عن الحجاب: تغيّر شكل الحجاب ونوعه حسب تطور المجتمعات، قد يكون حجابًا ماديًا بالكامل يخفي جسد المرأة وعقلها وروحها وشخصيتها كما يحدث في بعض البلاد حتى اليوم تحت اسم الدين أو الاخلاق، وقد يكون حجابًا من نوع آخر لا تراه العين، تفرضه التربية في البيوت والمدارس والاحزاب السياسية التي يسيطر عليها الفكر السائد الذي يميز الرجال عن النساء (ص ٢٨).
"كان أبي ضد تعدد الزوجات مثل الشيخ محمد عبده .. كان يؤمن أن الله ليس نصًا أو كتابًا يخرج من المطبعة بأموال الحكومة، لكن الله هو العدل والحرية والمساواة بين البشر، لا فرق بين ذكر أو أنثى أو حاكم ومحكوم " (ص ٥٠).
стр. 462
وقالت: "بينما كان يرى عمي الشيخ أن النص ثابت ومقدس، كان أبي يرى أن عبادة النص مناقضة للإيمان، وليس ذلك إلا أحد موروثات الوثنية".
ولا زلت أذكر صوت أبي يجادل عمي الشيخ ويقول له: "يا شيخ محمد أنا أعرف الله في أعماقي وهو العدل، الله يا شيخ محمد يخرج من أعماقنا وليس من المطبعة أو من فوق المآذن والجوامع" (ص ٥٠ - ٥١).
وقالت: إن القانون في بلادنا لا يعطي المرأة إلا حق الوصاية فقط، أما الولاية فهي حق الرجل فقط، لم أعرف هذا إلا بعد موت أبي، حين بدأت أقرأ في القانون والدين لأعرف لماذا حُرِمت من الولاية على أخواتي القاصرات لكوني امرأة على الرغم من أني كنت طبيبة في ذلك الوقت يضع الناس أرواحهم في يدي، وقادني البحث إلى قانون الاحتباس، وقوامة الرجل أو سيادته على المرأة، وهذه هي المدرسة الشائعة في الدين الإسلامي، والتي لا تأخذ من النصوص الدينية إلا ما يؤكد التفرقة بين البشر على أساس الجنس أو العقيدة أو العرق، هذه المدرسة ترى أن حق الولاية لا يجوز أن يُعطى للمرأة أو للرجل غير المسلم، لقد سادت هذه الأفكار في القرون السابقة، في القرن التاسع والثامن، من أجل تأكيد التفرقة بين الناس، وسلب النساء حقوقهم الإنسانية وكذلك سلب الرجال غير المسلمين حقوقهم أيضًا.
هذه الأفكار التي تمنع ولاية المرأة أو ولاية الرجل غير المسلم كان نتاج ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية مختلفة عن الظروف التي نعيشها اليوم .. " (ص ٥١، ٥٢).
- حتى في الجنة تريدها د. نوال السعداوي حربًا فتقول (ص ٥٣، ٥٤): أما حقوق النساء والأمهات في الجنة فتحتاج إلى بحث آخر؛ لأن الرجال الذكور يحظون في الجنة بكل شيء وإشباع رغباتهم الجنسية حتى الثمالة مع الحوريات العذراوات اللاتي لا يفقدن عذريتهن رغم الممارسات
стр. 463
المتكررة، أما الأمهات والزوجات فإن حقوقهن في الجنة لا تزيد شيئًا عن حقوقهن في الحياة الدنيا وليس لأي واحدة منهن في الجنة إلا زوجها.
- والسؤال الذي يبادر إلى الذهن: "إذا كان زوجها مشغولاً ليل نهار بالحوريات العذراوات فماذا تفعل هي؟ " سألت إحدى القارئات للصحف الدينية هذا السؤال في بريد القرّاء، وردّ عليها أحد المشايخ قائلاً: إن الله قد ساوى بين النساء والرجال في الجنة؛ لأن الممارسة الجنسية في الجنة لا ينتج عنها أطفال مثل الدنيا، وليس هناك خلط للأنساب، ويمكن للمرأة أن تحظى بما تشاء من اللذة مثل الرجل عن طريق الغلمان في الجنة الذين ذكرهم الله بمثل الحوريات للرجال، لكن بعض الآراء من رجال الدين تؤكد أن الغلمان في الجنة لم يخلقهم الله للنساء بل للرجال؛ لأن بعض الرجال يفضلون الغلمان على الحوريات العذراوات" (ص ٥٣، ٥٤).
* وقفة:
هكذا تصبح الجنة أرض الطيبين أرضًا للواط كما تتصورها نوال السعداوي وهؤلاء المخرفون، ولا يستطيع من له أدنى إلمامة بالعلوم الشرعية أن ينطق بمثل هذا (١).
- وفي سقطة من سقطات محمد جلال كشك تحدث في كتابه "خواطر مسلم في المسألة الجنسية" بمثل هذا، فقال: "فكما أن "الحور العين" جزاء من اشتهى الزنا ولم يقربه من خشية الله، فكذلك "الولدان" جزاء من اشتهى وعف" (٢)، وانبرى الدكتور جمال مصطفى عبد الحميد للرد عليه في كتاب
стр. 464
كامل سماه "الصاعقة الأزهرية لإبادة الخواطر الشيطانية" والرد على كتاب "خواطر مسلم في المسألة الجنسية".
- وتقول: "إن الدين جزء من المجتمع، وهو نتاج من نتاجات المجتمع البشري فكرًا وممارسة، وهو نتيجة لتفاعل عوامل اجتماعية وسياسية دولية ومحلية، وله أثر على العقل الواعي واللاواعي للفرد والجماعة، لكنه ليس السبب التاريخي الأول الذي جعل المرأة أقل قيمة من الرجل، لقد انعكست دونية المرأة في النظام العبودي على الأديان وليس العكس" (ص ٧٩، ٨٠).
* عمليات الختان للذكور والإِناث:
مع أن هذا من سنن الفطرة وأوصت به السنة المطهرة إلا أن هذا لا يرضي د. نوال السعداوي، فتقول: "لماذا تحدث عملية ختان الذكور والإناث؟ هل يمكن أن يأمر الله بقطع عضو هو الذي خلقه في جسم المرأة؟ أيمكن أن يقع الله في هذا التناقض؟ أن يخلق شيئًا ثم يأمر بقطعه؟؟ " (ص ٨٢).
- وتقول: "خرجت بكتابي الأول عن قضية تحرير المرأة بعنوان "المرأة والجنس" الذي اشتمل على جزء خاص عن ختان الإناث، تمت مصادرة الكتاب في مصر عام ١٩٦٩ م، ثم نشر في بيروت بعد ذلك بعامين أو ثلاثة" (ص ٨٣).
- وتقول: خلال عام ١٩٩٩ م نشرت بعض المقالات في مصر عن أضرار ختان الذكور، وطالبت بمنعه، ونشر المعلومات الجديدة عن مضاره إلا أنني تعرضت للهجوم من السلطة الطبية والسلطة الدينية، يكاد يشبه الهجوم الذي تعرضت له منذ ربع قرن حين كشفت عن أضرار ختان الإناث وطالبت بمنعه، (ص ٨٥).
стр. 465
- وتقول عاملها الله بما تستحق: أما المشكلات النفسية لختان الذكور فهي متعددة، أولها: صدمة الألم أثناء العملية الجراحية (نسيت التخدير يا دكتورة!!! ) يبقى الألم في ذاكرة الطفل طوال حياته.
كما أن غياب الغرلة يؤدي إلى عدم الإشباع الجنسي عند الرجل، مما يؤدي إلى أنواع من التوتر والعنف والرغبة في الانتقام من الذين أساءوا إليه في طفولته، ومنهم الأب والأم، وقد لا يستطيع الرجل الانتقام منهما، ولا يجد أمامه إلا زوجته أو فتاة أخرى يغتصبها أو يقهرها" (ص ٨٦).
فلم عدّه النبي ﷺ من سنن الفطرة إذا كان سيؤدي إلى التوتر والعنف والرغبة في الانتقام من الذين أساءوا إليه في طفولته، ومنهم الأب والأم، وختان النساء في أقل حالاته مستحب وجاء فيه حديث أم عطية الصحيح، وأين قول الطب وهو لا يعارض دين الله .. والأبحاث الطبية التي تؤكد فوائد عملية الختان من الناحية الطبية في الوقاية من الإيدز وسرطان العضو التناسلي للرجل.
- وتقول: "في بداية هذا القرن العشرين كان الشيخ محمد عبده ضد ختان الذكور (!! ) واعتبره عادة يهودية لا علاقة لها بالإسلام؛ إلا أن المشايخ عارضوه، وفي بداية الستينيات من هذا القرن ردد الشيخ شلتوت رأي الشيخ محمد عبده، وقال عن ختان الذكور إنه إسراف في الاستدلال، ولم يأمر به الله إلا اليهود" (ص ٩٤).
- وتقول: "إن لقمة العيش تأتي قبل الدين في الحياة البشرية في أي مكان وزمان، ولا يمكن أن يفكر الإنسان في الدين إلا بعد أن يأكل" (ص ١٠٧).
***
стр. 466
* نوال السعداوي تطالب بتعدد الأزواج مساواة للرجال في تعدد الزوجات:
- وتقول: كنت أتوقع سؤالاً تسأله ملايين النساء في بلادنا اليوم، وهو: إذا تولت المرأة الإنفاق على الأسرة وعلى زوجها وأطفالها هل تصبح لها القوامة؟ هل تحق لها الولاية؟ هل يصبح من حق الأم أن تنسب أطفالها إليها في حالة عدم وجود الأب، في حالة اختفائه وتهربه من المسئولية؟! وإذا كان الرجل عقيمًا لا ينجب الأطفال، وضعيفًا صحيًا وعاطلا بلا مورد رزق والزوجة هي التي تتولى كل شيء وترعى زوجها المريض بمثل ما ترعى أباها العجوز، وهي زوجة شابة في ربيع شبابها وتريد أن يكون لها طفل، فأيهما أكثر إنسانية ورحمة أن تطلق زوجها العقيم الضعيف المريض وتلقي به في الشارع، أم ترعاه في بيتها ثم تتزوج رجلا آخر يمنحها الطفل الذي تريده؟ "ولا أقول الجنس أو اللذة".
ستكون هذه الزوجة في نظر القانون والدين مجرمة تستحق السجن؛ لأنها تجمع بين زوْجين، رغم أن المسألة هنا ليس فيها خلط للأنساب (لأن الزوج الأول عقيم ومريض) فما المسألة هنا؟ ألا يمكن أن تتغير الأحكام القانونية والشرعية والأخلاقية مع تغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية ودواعي الرحمة بالإنسان المريض الضعيف؟ " (ص ٢١٤).
وقالت: وقد جادلت مرة إحدى النساء المسلمات حول حق الرجل في تعدد الزوجات، فقالت: لقد شرع الله هذا الحق للرجل رحمة بالنساء اللائي بلا مورد رزق إلا زوجها. أليس الأفضل لها أن يكون لها زوج آخر عن أن يطردها زوجها إلى الشارع؟.
- المسألة إذن في تعدد الزوجات هو توفير المأوى والرزق للزوجة
стр. 467
الأولى، فلماذا لا يسري المنطق ذاته لتوفير المأوى والرزق للزوج الأول العقيم المريض؟! إذا كانت الرحمة هي المقياس، فلماذا لا تشمل الرحمة الرجل العاطل العقيم، كما تشمل المرأة العاطلة العقيمة؟!
إن عامل العقم هذا عند الزوج يخرجنا من مأزق اختلاط النسب الأبوي، حين يُنسب الطفل إلى الأب فقط، حيث إن مناقشة هذا النسب الأبوي ونقده أكبر من هذا البحث" (ص ٢١٤).
- وتقول: "إن مشكلة الأديان بما فيها الأديان السماوية الثلاثة أنها نشأت في ظل مجتمعات عبودية، ولهذا انعكست هذه الفلسفة العبودية الفردية في الأديان، كما دخلت هذه الثنائيات إلى الأديان ومنها ثنائية: (الأنا) الخير أو الصواب، والآخر (الشيطان) الشر أو الخطيئة" (ص ٢١٧).
- وتقول (ص ٢٢٧، ٢٢٨): "المشكلة الحقيقية في رأيي هو (مفهوم الألوهية) وليس وجودها أو عدم وجودها، وإذا كان الله هو العدل والحرية والمساواة والكرامة والحق والجمال فهو موجود؛ بل لا بد أن يقف مع المظلومين من النساء والرجال، ولا يقف مع الظالمين والحكام الأقوياء عالميًا ومحليًا وداخل العائلة، إن الذي يسلب الطمأنينة من النساء والفقراء والشباب (وليس الأطفال فقط داخل البيت) هو أن مفهوم الله أو مفهوم العدل والحرية والاستقلال لا يسري على جميع البشر بالتساوى والحق، لكن القوة هي التي تسود ويختفي الحق والمنطق والعقل" (ص ٢٢٨).
- نقول لنوال السعداوي زعيمة المستنيرات: تطلقين مفهوم الألوهية والله على مجموعة من القيم والمثل .. هل تجهلين وأنت على مشارف الثمانين أن لله ذاتًا لها صفات تليق بجلالها وأن الله ليس كمثله شيء.
- وتقول هذه الآثمة عن قول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى
стр. 468
النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]. هنا يدخل الله كقوة مقدسة في صف الأزواج فماذا تقول الزوجات الضعيفات الأميات اللاتي لم يقرأن كتاب الله (ص ٢٢٨)، أين هذه الآثمة من قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.
- وتقول عن تعدد الزوجات أيضًا (ص ٢٣٠): "وإذا كانت الأم نفسها مهددة في أي لحظة بالطلاق أو بالضرة (الزوجة الأخرى) فهل يمكن أن توفر الطمأنينة لأطفالها؟ إن فاقد الشيء لا يعطيه! " (ص ٢٣٠).
- وتقول: "يحاول المفكرون الإسلاميون إثبات أن التاريخ البشري بدأ بالإسلام، وأن آدم أول البشر كان مسلمًا، بالطبع لا يقولون إن حواء كانت أول المسلمات أو امرأة مسلمة، وإلا حدثت مشكلة؛ لأن حواء ليست مثل آدم، ولم تتلق من ربها كلمات فتاب عليها" (ص ٢٣٧).
- وتقول عن ظواهر المشكلة في نظرها: اعتبار النصوص الدينية المكتوبة أو النظريات السائدة من الثوابت أو المطلقات أو المقدسات التي لا يمكن الجدل حولها، إلا فيما يوافق عليها رجال الدين أو رجال الدولة من ذوي السلطة والنفوذ، كذلك التمسك الحرفي بتأويل أو تفسير وحيد للنص الديني أو النص السياسي والاعتماد على مرجعية واحدة مطلقة وثابتة خارج اكتساب النصوص الدينية وتوجيهات الملوك والرؤساء قداسة ترتفع فوق القانون الاجتماعي لتصبح صالحة لكل زمان ومكان لا تقبل المساءلة أو المراجعة إلا بشروط القوة الدينية والسياسية التي تتبناها.
ومن هنا يظهر التناقض بين النصوص والنظريات المجردة الثابتة وبين الحياة اليومية المتغيرة على الدوام (ص ٢٣٧، ٢٣٨).
- وتقول (ص ٢٣٩): "أيهما أكثر أخلاقًا الرجل الذي يخلص لزوجته وأطفاله (ولا يشردهم ليتزوج أربع زوجات) أم الرجل الذي يوثق عقد الزواج
стр. 469
ويدفع المهر ويستوفى الشروط القانونية، ثم يخون زوجته وأطفاله وينطلق وراء الشهوة الجنسية، ويتزوج بامرأة أخرى؟! " (ص ٢٣٩) (١) فتعدد الزوجات يبيحه الله وتعتبره نوال السعداوي خيانة.
- هذه كلمات من فكر الزندقة .. ستذهب هذه الكلمات وصاحبتها إلى مزابل التاريخ ويبقى الإسلام ما بقيت السموات والأرض، وتبقى كلمات الله تضيء الطريق للناس كافة ومن أصدق من الله قيلاً، ومن أصدق من الله حديثًا.
***
стр. 470
جبران خليل جبران
* أسلوب جبران: "إِباحي .. إقليمي .. فوضوي .. ملحد .. متطرف .. وفي كتابه "النبي" يصور نفسه على أنه المصطفى المختار الحبيب "
- الكتابات المهجرية قائمة على الإباحية والتشكيك والتحلل.
- المدارس المهجرية الشمالية ثمرة للإرساليات التبشيرية.
استشرى هذا اللون من الكتابات المهجرية وعرف بأدب الظلال والرموز والأضواء وجرت محاولات ضخمة لإذاعته وإعلاء أمره؛ لأنه يقوم على (الجملة التوراتية) وذلك في مواجهة (الحملة القرآنية) التي كان يحمل لواءها مصطفى لطفي المنفلوطي ومصطفى صادق الرافعي، كما كان في مضمونه قائمًا على الإباحية والتحلل والتشكيك في العقائد والنبوات، ظهر ذلك في كتابات جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمه وأمين الريحاني.
ولقد اعتمد الأدب المهجري على عناصر ستة:
أولاً: الحملة العنيفة على اللغة والدين ومقومات المجتمع الإسلامي.
ثانيًا: استمد المهجريون أسلوبهم في الشعر والكتابة النثرية من مذهب ويتمان، واستمدوا مفاهيمهم من نيتشه ومذهب وحدة الوجود واللاأدرية.
ثالثًا: الثورة على الألوهية والإفراط في الإباحية وإدخالها مرحلة التصوف ومهاجمة القيم الأخلاقية في الحب والزواج.
رابعًا: حاولوا تغيير قيم الأدب العربي بإدخال أسلوب جديد مستغرب يصادم مفاهيم البلاغة ويعلي عليها صيغة التوراة والمجاز الغربي.
خامسًا: تغلبت عندهم النظرة العالمية المفرقة في الأممية والتبعية على النزعة الوطنية المناضلة في سبيل الحرية والقوة.
стр. 471
سادسًا: الإسراف في الجانب الرومانسي المليء بالظلال والحالم، والمفهوم الرمزي المغرق في العاطفة والخيال المضاد لطابع النفس العربية المسلمة.
ويمكن القول بأن المدرسة المهجرية الشمالية، كانت ثمرة من ثمار الإرساليات التبشيرية التي وردت لبنان وسيطرت على وجود التعليم والثقافة فيه، ثم كان لهذه الثمار اتصالها بالمدارس الغربية وخاصة مدرسة بوسطن التي اتخذها المهجريون مقرًا لهم، وهي من قديم مقر الإرساليات التبشيرية في الولايات المتحدة، فلما صدرت عن أدبها الجديد تلقفته أيدي دعاة الغزو الثقافي وعملت على إذاعته والدعوة إليه بوصفه لونًا جديدًا من ألوان الأدب العربي المتسم بالعنصرية والجرأة على القيم وذلك في مواجهة المدرسة العربية الإسلامية.
ولعل أصدق ما يمثله الأدب المهجري ما كتبه جبران خليل جبران نفسه عام ١٩١٩ بعد أربعة عشر عامًا من بدء كتاباته عام ١٩٠٥، قال في خطاب له إلى (إميل زيدان) إن فكرى لم يثمر غير الحصرم وشبكتي ما برحت مغمورة بالماء، ومن الحق أن أسلوب جبران قد بهر كثيرًا من الشباب وسرى سريان النار في الهشيم، ولكن سرعان ما انطفأ وفقد أثره، وذلك لمصادمته للنفس العربية الإسلامية، ومعارضته لمنهجها، وتضاربه مع مزاجها النفسي الاجتماعي، ذلك أن جبران كان إقليميًا مغرقًا في الإقليمية إباحيًا مسرفًا في الإباحية، وقد حاول في الكثير من نبراته محاكاه (مزامير داود) ونشيد سليمان وسفر أيوب، ومراثى أرميا، وتخيلات أشعيا، حيث كان أسلوب التوراة هو المثال الأدبي الأول الذي تأثر به، فقد حفلت كتاباته بمجموعة من الصور والتعبيرات التي استقاها من الأسفار، فهو يقدم أشباه الجمل والظروف والأحوال، ثم يمزج ذلك بعين وافد هو أسلوب (ولت ويتمان) الشاعر الأمريكي.
стр. 472
كما أشار كثير من مترجمي سيرته إلى حرمان الكنيسة له وهو في العشرين من عمره، على أثر قصيدته التي هاجم فيها الأديان، اندفع في طريق إحياء أمجاد فينيقية وحضارة الكلدانيين، وقد أشار في خطاب له من بوسطن ١٩٢٠ إلى صديقه نخلة إلى هذا المعنى، فقال: إن القوم في سوريا يدعونني كافرا والأدباء في مصر ينتقدونني قائلين: هذا عدو الشرائع القديمة، والروابط القديمة والتقاليد القديمة وهؤلاء الكتاب يا نخلة يقولون الحقيقة لأني بعد استفسار نفسي وجدتها تكره الشرائع.
بل لقد صور جبران مفاهيمه وانحرافاته في مقال مطول استهله على هذا النحو: "هو متطرف بمبادئه حتى الجنون، هو خيالي يكتب ليفسد أخلاق الناشئة، لو اتبع الرجال والنساء المتزوجون وغير المتزوجين آراء جبران في الزواج لتقوضت أركان العائلة وانهدمت مباني الجامعة البشرية وأصبح هذا العالم جحيمًا وسكانه شياطين، قهرًا عما في أسلوبه في الكتابة من الجمال فهو من أعداء الإنسانية، هو فوضوي كافر ملحد، ونحن ننصح لسكان هذا الجيل المبارك بأن ينبذوا تعاليمه ويحرقوا مؤلفاته لئلا يعلق منها شيء في نفوسهم، وقد قرأنا له الأجنحة المتكسرة، فوجدناها سما في الدسم".
- هذا ما يقوله الناس عني وهم مصيبون فأنا متطرف حتى الجنون، أميل إلى الهدم ميلي إلى البناء، وفي قلبي كره لما يقدسه الناس، وحب لما يأبونه ولو كان بإمكاني استئصال عوائد البشر وعقائدهم وتقاليدهم لما ترددت دقيقة، أما قول بعضهم أن كتاباتي (سم في دسم) فكلام يبين الحقيقة من وراء نقاب كثيف، فالحقيقة العارية هي أنني لا أمزج السم بالدسم، بل أسكبه صرفًا غير أني أسكبه في كئوس نظيفة شفافة.
أما الذين يعتذرون عني أمام أنفسهم قائلين: هو خيالي يسبح مرفرفًا
стр. 473
بين الغيوم، فهم الذين يحدقون بلمعان تلك الكئوس الشفافة، منصرفين عما في داخلها من الشراب الذي يدعونه (سمًّا) لأن معدهم الضعيفة لا تهضمه، قد تدل هذه المواطأة على الوقاحة الخشنة، ولكن ليست الوقاحة بخشونتها أفضل من الخيانة بنعومتها، إن الوقاحة تظهر نفسها بنفسها، أما الخيانة فترتدي ملابس فصلت لغيرها. اهـ.
هذه الاعترافات الجبرانية تكشف بوضوح عن طابع غريب عن الأدب العربي وقيمه، ومزاجه النفسي وانتمائه الإسلامي، هو طابع دخيل مسرف في التحدي والتشويه وهو ليس في الأغلب طابع النفس المنحرفة التي حملها جبران، ولكنه طابع الغزو الثقافي الذي يدفع جبران ويرسم من وراء ذلك أهدافًا وغايات، ومع ذلك فقد سقط (أدب جبران) ولم يحقق النتائج التي عول عليها دعاة التغريب.
- وإذا رجعنا إلى حياة جبران نفسه، وجدنا تفسيرًا واضحًا لاتجاهاته الأدبية، وقد عرض لهذه الحياة أصدق أصدقائه -ميخائيل نعيمه- في كتابه عنه، كما أفاض في ذلك كل الذين أرخوا لحياته، فقد كان أبوه ميالاً إلى حياة اللهو والشراب، سكيرًا مرحًا، وكانت أمه مريضة وأخواته كن مرضى بنفس المرض الخبيث، وأنه بدأ حياته بقراءات بسيطة فحفظ (مزامير داود) ولم يستطب قواعد اللغة العربية من صرف ونحو، ثم قصد إلى بوسطن ١٨٩٥ دفعا لشقاء العيش وضيق ذات اليد مع أخيه وأختيه (بطرس ومريانا وسلطانة) حيث تعلم اللغة الإنجليزية واحتضنته الأيدي المتطلعة إلى المشارقة الأغرار، ولم يكن يعرف من العربية إلا حروف الهجاء، ولم يلبث أن عاد إلى بيروت للتزود من اللغة، قال جبران: "فأنا لا أكاد أعرف من لغة أجدادي إلا ألفها وباءها، ولا أعرف من بلادي غير مسقط رأسي، ومن الضروري لي أن أدخل مدرسة في بيروت لأتعلم لغتي على الأقل"، ثم
стр. 474
توجه جبران إلى الأساطير والميثولوجيا، وكانت التوراة في ترجمتها العربية هي المكون الأول لأسلوبه الكتابي، وكانت التوراة قد ترجمت باللغة العامية، فلما التزم بها المهجريون لم يستطيعوا إعطاء الأسلوب العربي حقه من البلاغة، ومن أجل قصورهم هذا هاجموا الأسلوب البليغ، وماتت الأم وسلطانة وبطرس بنفس الداء، وبقيت مريانا تخيط الثياب لتطعمه، وكان جبران مريضًا فقد تزاحمت عليه الأمراض وحملت رسائله صراخًا عاليًا منذ وقت مبكر في حسابه بما داهمه من الأمراض، القلب يسارع في الوجيب، تسمم في المعدة، داء النقرس، الأنفاس تتفتق بها الرئتان ومثل هذه الشخصية بتلك الوراثيات والتكوين الاجتماعي، هي شخصية مهزوزة مريضه عقليًا واجتماعيًا وجسديًا، ولا تصلح بتكوينها ولا بعقائدها؛ لأن تأخذ مكان الصدارة أو التوجيه فيه، وإنما هو الغرور الذي صور له عندما كتب كتابه "النبي" أنه هو النبي نفسه وقد استنكر ميخائيل نعيمه، أن يصور جبران نفسه نبيًا ولو تحت نقاب من التمويه الفني، وليس يسع أحدًا إلا أن يستكثر هذا الشطط، غير أن حياة جبران تفسره وتجعله غير مستغرب من مثله وإن كان في ذاته مما يستهين على حد تعبير المازني الذي يقول: "إن جبران كان يشعر في سريرته بنقص ويتمرد عليه".
- ومن اهتزاز شخصية جبران، أنه كان يدعي أنه حاز شهادة الأمتياز من كليه الفنون الفرنسية، وسُمي عضوًا في جمعية الفنون الفرنسية، ونال عضوية الشرف في جمعية المصورين الإنجليزية، بينما لم ينل شيئًا من كل هذا، ويرى ناقدوه أنه يناقض نفسه في الإعلان بهذه الأكاذيب، بينما يدعي أنه يكره التقاليد التي يحرص عليها الناس؛ فإذا هو أشد منهم تهالكًا ولما فتن بالفليسوف (نيتشه) ظهر هذا الأفتتان في كتابه "النبي" الذي قلد فيه أسلوب (نيتشه) في كتابه "هكذا تكلم زرادشت" وقد بلغ أثر نيتشه في نفسه أنه صار يخجل من أن يكون مسقط رأسه بلدة صغيرة (بشرى) في بلد صغير (لبنان)،
стр. 475
وكان يقول إن مثله يجب أن يكون قد ولد في بلد عظيم كالهند مثلاً، ولذلك فإنه عندما طلب إليه (نسيب عريضة) بعض معلومات عن حياته لنشرها في مجلة "الفنون" قال إنه ولد في (بومباى) بالهند.
- ويجمع الكتاب على أن أثر نيتشه في أدبه كان بعيد السوء، وأن كتاب نيتشه "هكذا تكلم زرادشت"، قد أعطى جبران تلك المفاهيم المنحرفة التي أذاعها، وزرادشت مؤسس المجوسية، يقول نعيمه: "وما عرف جبران (نيتشه) حتى كاد ينسى كل من عرفهم قبله من كبار الكتاب والشعراء، وعلى قدر ما كان يطيب له أن يختلي به، كان يلذ له في البدء أن يحدث غيره عنه وأن يهدي أصحابه ومعارفه إليه، حتى أنه قال، إن كتاب "هكذا تكلم زرادشت" في نظري أعظم ما عرفته كل العصور، وما استأنس جبران بزرادشت ونيتشه حتى أحس بوحدة أقسى من ذي قبل تكتنفه أينما سار وبغربة تفصله عن ماضيه إلى حد أنه صار يخجل أمام نفسه من كل ما كتبه وصوره في ذلك الحين.
وأشار نعيمة إلى أنه افتتح عهده الجديد بمقال أطلق عليه اسم "حفر القبور" جرى فيها على نهج الزرادشتيه، وبدأ جبران المتقمص في جسد رجل يحب العزم والقوة، لقد سكر جبران بزرادشت وسكر أكثر من ذلك بما قاله فازداد به شهرة في العالم العربي.
- وأخطر ما دعا إليه نزعة جبران المهجرية الوافدة على الأدب العربي محاولة تحويل (الجنس) إلى نوع من القداسة وتحويل الشهوة إلى صوفية، فقد قام أدب جبران زعيم المدرسة على ثلاث دعاثم: (لذة الجنس، الحب الشهواني، المرأة العارية) وقد تأثر في ذلك على حد قول النقاد بمزامير داود والحياة في باريس، ومن ثم أعلن سخريته بكل القيم والمثل، ودعا إلى الاستسلام لسلطان الغريزة والعاطفة الجنسية، وقد راجع كثير من الأدباء آثار
стр. 476
جبران، وأجمعوا على أنه يتميز بعدم الاكتراث (١) للأخلاق في بحثه عن لذة الجسد والخروج عن قواعد الدين، وقال عنه الأب الزغبي: إنه يهدم صرح الديانة المسيحية وينبذ جميع الأديان، وإنه كثير الآلهة، ولكن ليس (الله) بينها، وأنه يدين بمذهب عبودية العقل والآراء للشهوة الحيوانية، وأنه هادم للسلطة الدينية والأسرة، وأنه دعا في كل كتاباته إلى (الحب المحرم، والعشق السري، والفحش).
- يقول: أجل، جبران ينادي بحلاوة المرأة العارية ولذة طعمها، وما هذا سوى الشهوة الجسدية المتجسمة، ويصرح بأن الجنة قائمة بهذا الحب، وإنه يدعو إلى إحياء الغرائز، وتغليب الحب الجنسي، ويرى الباحثون أن هذا الأدب لا يستأهل الخلود لعدم ترفعه عن الاستسلام للشهوة المحرمة.
- ويقول الأب الزغبي: إن جبران مصور الأجسام العارية وكاتب الشهوة المطلقة من كل قيد، ولا عبرة عنده بالعقل ولا بالواجب حتى يصطدم الهوى بذلك الواجب، وليس في موسيقى الأدب الجبراني سوى طبول تدوي عن فرع أصواتها وتذيع ضجة البلاغة اللفظية، والكلام الطنان الذي يؤثر بالأذن تأثيرًا قويًا ويصل بالإنسان إلى عالم الدوخة والانذهال، ولا وجود فيه للأنغام العميقة المركبة من كثرة النفسيات المتشاحنة حيث تبرز واحدة من هذه النفسيات وتتغلب على غيرها تغلبًا أخلاقيًا فهو معجب بالزوجة التي تركت زوجها، واتبعت قلب حبيبها، طروب بالاتصال الجنسي شغوف بالمرأة المستسلمة، إلى خادمها المفتري، هذا جبران الذي يسكب السم الأخلاقي في كئوس نظيفة شفافة على حد تعبيره، إن معظم كتاب الغرب في موضوع الميول القلبية والشهوة الإنسانية وتكريسها لم يبلغوا من الفساد الأخلاقي والإباحية ما بلغه الأدب الجبراني فهو قد حول مزامير التوراة من دعاة
стр. 477
الفضيلة إلى دعاة الرذيلة، وفي كتاب "النبي" يصور نفسه على أنه المصطفى المختار الحبيب.
ولقد حاول الجبرانيون شن حملة عاصفة على المنفلوطي في حقد وشراسة لأنه هدم الأسلوب المهجري وأسقط جبران، ومن ذلك ما يسوقه مارون عبود في كتابه "جدد وقدماء" من هجوم على المنفلوطي ونسي مارون عبود وغيره، أن المنفلوطي حين أشرق قد كسف شموسًا كثيرة ودخل تحت جناحه كثير من الذين أعجبهم بريق جبران الخاطف من الذين أنفضوا عنه حين اكتشفوا معارضته للنفس العربية الإسلامية ومضادته للمزاج الإسلامي (١). اهـ.
* الدكتور فؤاد زكريا والدعوة بكل قوة إلى العلمانية:
الدكتور فؤاد زكريا الحاصل على درجة الماجستير والدكتوراه في الفلسفة من جامعة عين شمس عام ١٩٥٦ م عمل أستاذًا ورئيسًا لقسم الفلسفة حتى ١٩٧٤، وعمل مستشارًا للعديد من الجهات ومنها الشئون الثقافية والعلوم الإنسانية لليونسكو بالقاهرة، ونائبًا لرئيس الهيئة الاستشارية لدراسة الثقافة العربية، وله العديد من الدراسات والمقالات منها: "اسبينوزا ونظرية المعرفة"، "الإنسان والحضارة"، ترجمة ودراسة جمهورية أفلاطون وغيرها، يدعو إلى العلمنة بقوة، ويطالب بحصر الدين في المسجد أو بإبعاده، وله مناظرة شهيرة أجراها مع الشيخين القرضاوي والغزالي.
- يقول الدكتور فؤاد زكريا في حوار له مع جريدة الثورة الدمشقية - العدد ٦٧٧٥: "إن أوربا قد وجدت الحل الأمثل لمشكلة الدين في حياتها -بإزالته وإقصائه عن ميادين الحياة كلها- أما نحن فلا نزال ننتظر من يتمتع
стр. 478
بالجرأة الكافية، ويقدم على حلها.
- ويقول في موضع آخر: "إن الدين يأبى إلا أن يخوض على غير بينة (!!! ) في مسائل الطبيعة والكونيات، وهو ينتظر مصلحين جرآء يقدمون دون مخافة ولا وجل على إصلاح هذا الفساد وعلى إبعاد الدين عما ليس من اختصاصه" وهو هنا يُسقط الموقف الكنسي على المنهج الإسلامي، ومحاولته الوصول بالإسلام إلى ما آلت إليه النصرانية، على ما بين المنهج المحرف وكتاب الله المحفوظ من تضاد" (١).
* إبراهيم مصطفى وكتابة "إِحياء النحو ":
دعا طه حسين دعوة خبيثة إلى ما يسميه تيسير النحو فقال: "إن أبينا إلا أن نمضي كما كان النحو وكما كانت الكتابة، فلا بد أن ينشأ عن هذه اللغة العربية الفصحى القديمة لغات مختلفة كما نشأت الإيطالية والبرتغالية عن اللغة اللاتينية القديمة". وهي دعوة إلى تبديل قواعد النحو والصرف.
- يقول الدكتور محمد محمد حسين: إن أصحاب النحو الجديد أو ما يسمونه (تيسير النحو) شعبة من تلك الفرقة الموكلة بهدم تراثنا وقطع كل صلة تربطنا به، فهم لا يهدمون لأن الهدم هو وسيلتهم إلى البناء من جديد، كما يزعمون، ولكنهم يهدمون في حقيقة الأمر لأن الهدم هو هدفهم وغايتهم، وهم بهذا الهدم يمهدون الأرض ويسوونها لبناء جديد ولكنه للأجنبي لا لنا، يسيطر فيها الذين يسخرونهم لما يعملون من بعد ما يشاءون.
زعم أصحاب القواعد الجديدة أن قواعد النحو التي صنعتها اثنا عشر قرنًا سخيفة معقدة.
стр. 479
وبقي أن نسأل أصحاب التيسير: كيف يصنع الناس بكتب التفسير والحديث والفقه وشروح دواوين الشعر التي تمتلئ صفحاتها باصطلاحات النحو المتبادلة والتي حكموا عليها بالإعدام، وبقي أن نسألهم: هل استشرتم العرب جميعًا فيما صنعتموه بل وهل استشرتم المسلمين الذين لا يستغني فقهاؤهم عن هذه اللغة التي لا تستعمل غير اصطلاحات النحو الذي يريدون أن يلحقوه بكل ما يريدون إعدامه والقضاء عليه من قديم، أم أنهم لا يعرفون أن هذه اللغة ليست ملكًا لطه حسين وإبراهيم مصطفى والقوصي ومن شايعهم ممن يخافهم أو يرجوهم أو يضله شيطانهم؛ بل هي ليست ملكًا للمصريين وحدهم، بل هي ليست ملكًا للعرب وحدهم ولا للمسلمين وحدهم من أهل هذا الجيل، وإنما هي أمانة يتحتم علينا أن نحفظها للأجيال من بعدنا كما تلقيناها عمن قبلنا، زعم طه حسين في تقريره الذي قدمه إلى وزير المعارف عام ١٩٣٥ فألقاه في سلة المهملات أن الناس مجمعون على أن تعلم اللغة العربية وآدابها في مصر في حاجة شديدة إلى الإصلاح، ورد نفور الطلبة من الدراسات العربية إلى اللغة العربية وما يتصل بها من العلوم والفنون ما زال قديمًا في جوهره بأدق معاني الكلمة، فالنحو والصرف والأدب تعلم الآن كما كانت تعلم منذ ألف سنة.
ولم يمض على هذا التقرير سوى سنتين حتى صدر كتاب في النحو نسقه إبراهيم مصطفى على ما تخيله طه حسين في تقريره ذاك، وقدم له طه حسين واقترح له اسمًا ضخمًا عريضًا فيه كثير من التبجح والادعاء فسماه "إحياء النحو" والمقول بأن إحياء النحو هو الحلقة الثانية من سلسلة تيسير النحو وهو الصورة التنفيذية لمذكرة طه حسين، ومذكرة طه حسين صريحة في أن الخطوط الأولى ليست إلا تمهيدًا لما يجيء بعد من التطور الذي سيأتي وسيتحقق شيئًا فشيئًا.
стр. 480
فهي صريحة في الكشف عن نية صاحبها وعن أسلوبه في استدراج الناس والبدء بالهين اليسير؛ ولأنه لا يسقيهم السم الزعاف القاتل لساعته؛ لأنه يلفت النظر ويثير الشكوك، ولكنه يسقيهم سمًّا بطيئًا يصل إلى غرضه دون أن يكشف عن الجريمة، فليعرف الناس إذن أن "تيسير النحو" ليس هو منتهى ما يريدون ولكنه أول طريق طويل يدفعون الناس فيه إلى قرار سحيق.
- إن الغرض الذي يرمي إليه طه حسين ومن على شاكلته كإبراهيم مصطفى يستهدف إلى إخراج اللغة العربية من أيدي حملتها إلى أيدي خصومها، وأن هذا نحو من أنحاء العمل الذي يقوم به الشعوبيون الذين يروجون اللهجات السوقية المحلية ويسمونها العامية بمختلف الأساليب يرمي إلى أنتزاع الدراسات العربية من حصانة الدين والقرآن وقطع الصلات التي تربطها الدراسات العربية بالدراسات الإسلامية أو على حد تعبير الدكتور محمد محمد حسين بما ينزع عن العربية قداستها ويحرمها من حصانة الدين ليكشفها أمام أعدائها ويعينهم على الإجهاز عليها بعد أن يفردها من كل نصير أو معين.
* الخوري مارون غصن ودعوته إِلى العامية في سوريا:
دعا الخوري غصن إلى العامية، نشر في بيروت ١٩١١ كتابه "بستان السلوى" وفي عام ١٩٢٤ م نشر كتابه "درس ومطالعة" تحدث فيه عن حياة اللغة وموتها وعن اللغة العامية وعن تحسين اللغة العربية بإدخال علامات الوقف عليها، ثم توسّع في البحث فأصدر كتابًا عنوانه "حياة اللغة وموتها" اللغة العامية، عام ١٩٢٦، ينطلق الكاتب من افتراض أن كل لغة سائرة إلى الفناء قياسًا على ما عرفه تاريخ اللغتين اليونانية واللاتينية، وأشار إلى تعلق الشعب باللغة العامية، ودعا إلى قاعدة العامية، وهي اللهجة العامية السورية، ودعا إلى إحلال العامية محل الفصحى، وقال: نعم؛ إن العربية
стр. 481
الفصحى يحتمل بل يرجح بقاؤها في القرآن إلى منتهى الأزمان، ولكن لا ينتج عن ذلك بقاء اللهجة في البلاد العربية كما هي الآن، ورد عليه الأب لويس شيخو اليسوعي والأب صالحاني.
* جميل صدقي الزهاوي مرة أخرى ورد الشيخ علي يوسف عليه:
كتب الشاعر جميل صدقي الزهاوي مقالا في ٩ أغسطس ١٩١٠ في جريدة المؤيد بعث به من بغداد عن ما أسماه "لغة الكتابة ووجوب اتخاذها باللغة المحكية" يقول: إني فتشت طويلاً عن انحطاط المسلمين فلم أجد غير سببين، أولهما الحجاب الذي عددت في مقالاتي الأولى مضاره لو كانت هناك آذان واعية، والثاني: هو كون المسلمين ولا سيما العرب منهم يكتبون غير اللغة التي يحكونها، وواضح أن الزهاوي قد تابع في هذه الدعوة كتابات المقتطف وولمور وويلكوكس ومن لف لفهما وأنه لم يكن يصدر عن الأصالة بل كان يصدر عن التبعية التي عرفت عنه في كثير مما اتجه إليه، وقد صفق له دعاة التغريب وأعجبوا به وأطلقوا عليه لقب المجدد والمحقق والعالم الكبير، ورد الشيخ علي يوسف على الزهاوي، فقال: إن مسألة اللغة الكتابية في العربية ذات وجهين: لكل أصحاب وجهة منهما براهين وأدلة على صحة مذاهبهم وبطلان مذهب مخالفيهم وأكبر الاعتراضات التي ترد على حضرة الفاضل الزهاوي أن لغة التخاطب ليست واحدة عند الأمم العربية بل هي تكاد تكون لغات متعددة، وبين لغة كل أمة من هاته الأمم دخائل مجهولة عند الأمم الأخرى، فأهل الغرب الأقصى يختلفون في النحت والمزج اختلافًا كثيرًا عن أهل العراق مثلاً في تخاطبهم ويكثر في كلامهم الدخيل من لغة البربر، وأهل الجزائر في الغرب يختلفون كثيرًا عن أهل اليمن في تخاطبهم مزجًا ونحتًا ودخيلاً كذلك يوجد بعض الاختلاف بين أهل الشام ومصر وهي أهل الوسط في اللسان العربي كما يوجد اختلاف بين كثير بين بعضهم والأمم
стр. 482
العربية الأخرى بحيث لو صيرت لغة التخاطب، لغة كتابة لجهل قارئو العربية بين الأمم ما لا يجهلون الآن، وعسير أن توحد لغة الكتابة لسان الأمم العربية من هاته الألسن البابلية، أما اللغة الفصحى التي يتحف بها السيد الزهاوي كل كاتب عربي فهي مقروءة مفهومة عند كل قراء العربية ليس الخاصة فقط، بل الذين ارتفعت عنهم الأمية وكلما ارتفع إحصاء القارئين الكاتبين في الأمم العربية اتسع ميدان اللغة الفصحى لأهلها، وهي لا تأبى الدخيل الجديد من أسماء المخترعات والمكتشفات ولعل السيد الزهاوي يراجع مذهبه ثانيًا ليرى أن ما يسميه معطلاً للعرب ليس هو بالقدر الذي يعبر عنه بيانه، وهناك محاذير أخرى يجرها على الأمم العربية اتخاذ لسان التخاطب لسانًا كتابيا منها جعل لغة القرآن بمعزل عن القارئين والكاتبين الذين سيذهب بهم التجدد بعد ذلك كل مذهب ومنها أن تجعل بيننا وبين الكتب العربية المرموقة باللغة الفصحى من فقه وحديث وسيرة وتاريخ، وعلوم حاجزًا كلما تقدم الزمان وصار صفيقًا حتى تعود اللغة العربية الفصحى كاللغة اللاتينية عند الأمم الإفرنجية.
* أنيس فريحة أستاذ اللغات السامية بالجامعة الأمريكية بلبنان ودعوته إِلى العامية مكتوبة بالحرف اللاتيني:
انصب اهتمام أنيس الخوري فريحة أستاذ اللغات السامية بالجامعة الأمريكية على دراسة اللهجة العامية والدعوة إليها مكتوبة بالحرف اللاتيني، وقد بدأ نشاطه الجدي في اللهجة العامية بكتابه "معجم الألفاظ العامية في اللهجة اللبنانية" عام ١٩٤٧، وفي عام ١٩٥٩ كتب الأمثال العامية (مجلة الأبحاث م ٣)، وفي عام ١٩٥٢ نشر كتابه "تبسيط قواعد اللغة العربية" وتبويبها على أساس منطقي جديد، وفي ١٩٥٥ كتب موضوعه المشهور "هذا الصرف وهذا النحو، أما لهذا الليل من آخر" تمنى فيه أن يرى حاكمًا عسكريًا
стр. 483
سياسيًا يفرض العامية على العرب، ثم ألقى عام ١٩٥٥ محاضرات في معهد الدراسات العربية عن اللهجات وأسلوب دراستها، وأتبع ذلك محاضرة عن اللهجة اللبنانية، وكتابه "نحو عربية ميسرة" حملة مركزة على اللغة العربية الفصحى وعلى الأدب العربي، وتحدث بصفة خاصة عن صلة اللغة العربية بالقرآن الكريم.
- وزعم أن "مسألة توحيد اللهجات في الجاهلية إنما هي خرافة إسلامية" وقد تولى الرد عليه الدكتور عمر فروخ (١) جزاه الله خيرًا.
* دعاة الانفصال عن تركيا الخلافة ورافعي شعار القومية العربية كنعرة شعوبية تفت في عضد المسلمين:
يقول الدكتور محمد محمد حسين في كتابه "الإسلام والحضارة الغربية" حين نشأت الدعوة المعاصرة إلى القومية العربية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، أو ما كان يسمى وقتذاك بالجامعة العربية - كانت كثرة كبيرة من رجال الرعيل الأول في هذه الحركة وفي هذا البعث من مسيحي لبنان، مثل البستاني واليازجي والشدياق وأديب إسحاق ونقاش وشميل وتقلا ومشاقة وزيدان ونمر وصروف، وأغلبهم ممن اتصلوا بالإرساليات الإنجيلية الأمريكية التي بدأت تتوارد على بيروت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لنشر مذهبهم البروتستنتى، وأكثرهم في الوقت نفسه ينتمي إلى الماسونية" (٢).
* ناصيف اليازجي وابنه إِبراهيم اليازجي:
إبراهيم اليازجي (١٨٤٧ - ١٩٠٦) وأبوه ناصيف اليازجي (١٨٠٠ -
стр. 484
١٨٧١ م) كانا على صلة بالإرساليات الأمريكية الإنجيلية، وكان يترددان على مطبعتها في بيروت التي كان يُشرف عليها وقتذاك الدكتور فانْديك وقد علم اليازجي الكبير في مدارسهم، وأعان ابنه في ترجمته التوراة إلى العربية، ثم قدم بعد ذلك إلى مصر ومات بها، واحتفلت المحافل الماسونية في القاهرة والإسكندرية بتأبينه، وله قصيدة سينية دعا فيها العرب إلى الثورة على الترك كما فعلت شعوب البلقان، وفي هذه القصيدة يبدو وجه الدعوة العلماني واضحًا حين يهاجم الشاعر القائمين بأمر الدين من المسلمين والمسيحيين على السواء حيث تقول:
ودَعوا مقال ذوي الشِّقا ... ق من المشايخ والقساقسْ
ما هم رجال الله فيـ ... كم بل هم القوم الأبالسْ
يمشون بين ظهوركم ... تحت الطيالس والأطالِسْ
فالشر كل الشر ما ... بين العمائم والقلانِسْ
دبَّت عقاربهم إِليـ ... كم بالمفاسد والدسائس
وإبراهيم اليازجي صاحب هذه القصيدة السينية هو صاحب مجلة الضياء.
- بطرس البستاني:
ومن مؤسسي هذه الدعوة بطرس البستاني (١٨١٩ م-١٨٨٣ م)، وقد كان أيضًا على صلة بدعاة المذهب الإنجيلي البروتستانتي من الأمريكان، وتولى منصب الترجمة في قنصلية أمريكا ببيروت، وأعان الدكتور سمث المبشر الأمريكي، ثم الدكتور فانديك من بعده في الترجمة البروتستانتية للتوراة التي تمت في سنة ١٨٦٤ م، ثم طُبعت في أمريكا سنة ١٨٦٦ م، وأعان الدكتور فانديك أيضًا في إحياء مدرسة عبية الأمريكية، وهو صاحب
стр. 485
القاموس العربي "محيط المحيط"، وهو صاحب دائرة المعارف المعروفة باسمه أتم منها سته مجلدات، وتوفي وهو في بدء السابع، فأتمه هو والثامن ابنه سليم، ثم توفي ابنه قبل أن يتم التاسع، فأصدر أبناؤه الباقون بمعاونة ابن عمه سليمان البستاني -مترجم الإلياذة إلى العربية- الأجزاء الباقية (التاسع والعاشر والحادي عشر).
* سليم تقلا مؤسس صحيفة الأهرام ودورها المشبوه:
ومن دعائم هذه الدعوة أيضًا سليم تقلا مؤسمس صحيفة الأهرام المصرية (١٨٤٩ - ١٨٩٢ م) تلقى علومه في مدرسة عبية التي أنشأها المبشر الأمريكي الدكتور فانديك أحد مؤسسي الجامعة الأمريكية التي بدأت سنة ١٨٦٦ م باسم "الكلية السورية الإنجيلية" ومنهم جرجي زيدان الذي سنفصل الكلام عنه، واتخذ سليم تقلا وأهرامه الموقف المعادي لكل ما هو إسلامي، ومنذ ذلك الوقت نشأت التفرقة بين العروبة والإسلام على يد هذه الطائفة من المفكرين والكتاب من نصارى الشام ولم يعد اسم الجامعة العربية مرادفًا لاسم الجامعة الإسلامية.
* جورجي زيدان صاحب مجلة الهلال شعوبي كاره للإسلام يحرف الكلم ويخون في النقل ويتعمد الكذب:
جورجي زيدان (١٨٦١ - ١٩١٤ م) مؤسسة مجلة الهلال، كان على صلة بالمبعوثين الأمريكان، وكان يُدعى إلى احتفالات الخريجين بكليتهم وعلى يده ويد نصارى الشام كانت التفرقة بين العروبة والإسلام والوقوف على طول الخط ضد تركيا.
***
стр. 486
* جرجي زيدان وكتابه "تاريخ التمدن الإِسلامي" ورد العلاّمة شبلي النعماني عليه:
- يقول العلامة شبلي النعماني، المصلح الشهير مؤسس جمعية ندوة العلماء في لكهنو بالهند في مقاله ونشر هذا النقد مجلة المنار والتي كان يصدرها الشيخ رشيد رضا ﵀ على حلقات المجلد ١٥ (١٣٣٠ هـ-١٩١٢ م):
إن الدهر دار العجائب ومن إحدى عجائبه أن رجلاً من رجال العصر جرجي زيدان صاحب الهلال يؤلف فى "تاريخ تمدن الإسلام" كتابًا يرتكب فيه تحريف الكلم، وتمويه الباطل وقلب الحكاية والخيانة في النقل وتعمد الكذب، ما يفوق الحد ويتجاوز النهاية.
وينشر هذا الكتاب في مصر وهي غرة البلاد وقبة الإسلام ومغرس العلوم ثم يزداد انتشارًا في بلاد العرب والعجم، مع هذا كله فلا يتفطن أحد لدسائسه، ولم يكن ليجترئ على مثل هذه الفظيعة في مبتدأ الأمر، ولكنه تدرج إلى ذلك شيئًا فشيئًا؛ فإنه أصدر الجزء الأول من هذا الكتاب، وذكر في مثالب العرب دسيسة يتطلع بها على إحساس الأمة وعواطفها، ولما لم يتنبه لذلك أحد، ولم ينبض لأحد عرق، ووجد الجو صافيًا أرخى العنان وتمادى في الغي، وأسرف في النكاية على العرب عمومًا، وخلفاء بني أمية خصوصًا.
- إن الغاية التي توخاها المؤلف ليست إلا تحقير الأمة العربية وإبداء مساويها، ولكن لما كان يخاف ثورة الفتنة، غير مجرى القول ولبس الباطل بالحق"، بيان ذلك أنه جعل لعصر الإسلام ثلاثة أدوار: دور الخلفاء الراشدين، ودور بني أمية، ودور بني العباس، فمدح الدور الأول، وكذلك الثالث ولما غر الناس بمدحه الخلفاء الراشدين، وهم سادتنا وقدوتنا في الدين
стр. 487
وبمدحه لبني العباس وهم أبناء عم النبي ﷺ وبهم فخارنا في ثبت التمدن وأبهة الملك، ورأى أن بني أمية ليست لهم وجهة دينية فلا ناصر لهم، ولا مدافع عنهم تفرع لها وحمل عليهم حملة شنعاء، فما توك سيئة إلا وعزاها إليهم وما خلى حسنة إلا وابتزها منهم.
ثم لو كان هذا لأجل أنهم من آل مروان أو لكونهم من سلالة أمية لكنا في غنى عن الذب عنهم والحماية لهم ولكن ذنبهم أنهم من (العرب) على صرافتهم ما شابتهم العجمة مطلقًا، وقد حصر الباحث أخطاءه في عدد من الأصول العامة:
أولاً: عصبية العرب على العجم:
أطال المؤلف وأطنب في إثبات هذه الدعوى، وقال: إن العرب يعاملونهم معاملة العبيد في عديد من المواضع (العنوان العام في الجزء الرابع ص ٥٨)، واعلم أن المؤلف في إتقان باطله فعل أطوارًا شتى منها:
تعمد الكذب، ومنها تعميمه لواقعة جزئية، ومنها الخيانة في النقل وتحريف الكلم عن مواضعه، ومنها الاستشهاد بمصادر غير موثوقة، مثل كتب المحاضرات والفكاهات، وغير خافٍ على من له إلمام بتاريخ الفرس والعرب، أن الفرس كانت قبل الإسلام تحتقرًا لعرب وتزدريهم، ولما أرسل رسول الله ﷺ كتابه إلى كسرى العجم، اشمأز وقال: عبدي يكتب لي؟ وكتب يزدجرد إلى سعد بن أبي وقاص فاتح القادسية أن العرب على شرب ألبان الإبل وأكل الضب بلغ بهم الحال إلى أن تمنوا دولة العجم فأف لك أيها الدهر الدائر.
ثم لما شرف الله العرب بالإسلام، أنتصفت العرب من العجم، واستنكفوا من سيادتهم عليهم وجاءت الشريعة الإسلامية ماحية لكل فخر ونخوة، فقال رسول الله ﷺ في خطبته الأخيرة في حجة الوداع: "أن لا
стр. 488
فضل للعربي على العجمي ولا للعجمي على العربي، كلكم أبناء آدم"، حينئذ ارتفع التمايز وتساوى الناس، ولكن مع ذلك بقيت في بعض الناس من كلا الطرفين حزازات كامنة في صدورهم، كانت سببًا لحدوث حزبين متكاملين يسمى أحدهما: الشعوبية: وهي التي تحتقر العرب وترميهم بكل معيبة، والثاني "المتعصبون" للعرب وقد عقد ابن عبد ربه في كتابه "العقد الفريد" بابًا في حجج كل من الطرفين وصدر هذه الأقوال بقوله: (قال أصحاب العصبية من العرب) وأنت تعلم أن هذه العصبية ليست كل العرب ولا أكثرها ولا عشر معشارها، فهؤلاء شرذمة مغمورون في الناس، ولكن المؤلف ما اقتنع بذلك، بل ربما نسب قول رجل معين معلوم الاسم إلى العرب عامة.
- وقد مضى جرجي زيدان في دعواه متابعًا كتابات المستشرقين في اتهام العرب بانتقاص الموالي، فقال: إنهم منعوهم من المناصب الدينية المهمة (الجزء الرابع ص ٦).
- فقال الشيخ النعماني: إن البلاد التي كانت عواصم الأقاليم وقواعدها في عصر بني أمية كان كل أئمتها من الموالي ففي مكة عطاء، وفي اليمن طاووس، وفي الشام مكحول، وفي مصر يزيد بن أبي حبيب، وفي خراسان ضحاك بن مزاحم، وفي البصرة الحسن البصري، ومع كونهم أعجامًا وكونهم أولاد الإماء، كانوا سادة الناس وقادتهم تذعن لهم العرب ويحترمهم خلفاء بني أمية وولاة الأمور، وقد عالج هذه النقطة بما عرض مطولاً بما يؤكد أن الموالي كانوا في أيام بني أمية بأعلى محل الشرف والمكانة وأن كل ما أورده جرجي زيدان وسابقوه من المستشرقين افتئات ظاهر وتجن وظلم.
استند جرجي زيدان على نص حاول فيه الادعاء بأن عمال بني أمية كانوا يفرضون نوعًا من الجور والشدة، يقول: وإذا أتى أحدهم بالدراهم ليؤديها في خراجه يقطع الجابي منها طائفة، ويقول: هذا رواجها وصرفها
стр. 489
واستند في هذا على كتاب "الخراج" لأبي يوسف.
- ويقول الشيخ النعماني: أيها المؤلف الفاضل: أليس لك وازع من نفسك؟ أليس لك رادع من ديانتك؟ أتجرؤ على مثل هذا الكذب الظاهر، والمين الفاحش جهرة؛ فإن أبا يوسف ما تكلم في شأن عمال بني أمية ببنت شفة، وإنما ذكر عمال هارون الرشيد واساءتهم العمل في جباية الخراج.
وكتاب "الخراج" لأبي يوسف بين أيدينا، وأن ما استند إليه من عمال هارون الرشيد، فكيف يأخذ المؤلف أقواله وينقلها من حيث إنها هي الطرق التي كان عمال بني أمية يجمعون الأموال بها.
ثانيا: مساوئ بني أمية:
- ويقول الشيخ النعماني: إن موضوع الكتاب ليس إلا بيان تمدن الإسلام؟ فأي متعلق في ذلك لإبداء مساوئ بني أمية.
ولعلك تقول: لا بد في تاريخ تمدن الإسلام من بيان منهج السياسة، هل كانت مؤسسة على الاستبداد والجور أو العدل والنصفة، فجر ذلك إلى كشف عوار بني أمية عرضًا، أناشدك الله أما كان لأحد منهم مأثرة تذكر ومنقبة تنقل، وسياسة تنفع البلاد، وعدل يعم الناس، نعم إن خلفاء بني أمية لا يوزنون بالخلفاء الراشدين، وليس هذا عار عليهم، ولا فيه حط لمنزلتهم؛ فإن إدراك شأن الراشدين واللحوق بهم أمر خارج على طوق البشر، وليس فيه مطمع لأحد، ولا موضع رجاء لمجتهد.
ولكن التوازن والتطابق بين الأموية والعباسية، وإنما هم ملوك فيهم المحسن والمسيء والعادل والجائر بل الذي أعدلهم سيرة وأوفاهم ذممًا لا يخلو من عثرات لا تقال وهنات لا تذكر.
فلو لزم المؤلف جادة الصواب، ووفى لكل أحد قسطه وأعطى كل ذي
стр. 490
حق حقه، لاستراح واسترحنا، ولكنه مال إلى واحد فأطرى في مدحه العباسي ونال من الآخر فأسرف في تهجينه وذمه الأموي، ثم إنه لم يفارق في مدحه وذمه عمود الكتاب أي: ذم العرب، والحط من شأنهم فإنه ذم بني أمية لأنهم العرب، ومدح العباسيين لا لأنهم العرب، ولا لأنهم من سلالة بني هاشم أو من أقرباء النبي ﷺ بل لأمر واحد: لأن دولتهم دولة أعجمية.
ثالثًا: حريق خزانة الإِسكندرية:
عقد المؤلف بابًا لإثبات أن حريق خزانة الإسكندرية كان بأمر عمر بن الخطاب وأطال وأطنب في ذلك واستدل عليه بستة دلائل (الجزء الثالث) أهمها رغبة العرب في صدر الإسلام في محو كل كتاب غير القرآن.
وقد كشف الشيخ النعماني أن هذا غير صحيح، وأن المسلمين نظروا في كل الكتب، ونقلوا في تفاسيرهم روايات مختلفة فيها الغث والسمين مما نقل إليها من الأديان الأخرى، فلو كان أهل القرون الأولى يبغضون ما سوى القرآن ويمحون ما كان قبله من العلم -كما يدعي المؤلف- فمن روى الإسرائيليات وأقاصيص التلمود والتوراة وحشاها في التفسير؟
ثانيًا: أورد ما جاء في تاريخ مختصر الدول لأبي الفرج ثم نقل رواية الإحراق برمتها وأطال في إثبات أن أبا الفرج ليس بأول من روى هذه الرواية، بل ذكرها عبد اللطيف البغدادي عرضا في ذكره عمود السواري وذكرها القفطي في تاريخ الحكماء.
ولا ننازع المؤلف في أن أبا الفرج مسبوق في ذكر هذه الرواية بالقفطي والبغدادي، ولكن ماذا ينفعه ذلك؛ فإن البغدادي وهو أقدمهما من أهل القرن السادس للهجرة، قد ذكر الرواية من غير إسناد ومن غير إحالة على كتاب.
стр. 491
- ويقول: لقد تعود المؤلف من صباه قبول مختلقات أهل الكتاب وأوهامهم وسبب ذلك أنه يزن التاريخ الإسلامي بميزان غير ميزاننا، ولذلك يصغي إلى كل صوت ويستمع لكل قائل، ولكل فن أصول وقواعد وما لم تكن الرواية مطابقة لهذه الأصول اليقينية لا يلتفت إليها أصلاً.
ومنها أن الناقل للرواية لا بد أن يكون شهد الواقعة؛ فإن لم يشهد فليبين الرواية ومصدرها، حتى تتصل الرواية إلى من شهدها بنفسه.
ومنها أن يكون رجال السند معروفين بصدقهم وديانتهم، وأنت تعلم أن البغدادي والقفطي من رجال القرن السادس والسابع، فأي عبرة برواية تتعلق بالقرن الأول يذكر أنها من غير سند ولا رواية ولا إحاله إلى كتاب.
أما كتب القدماء الموثوق بها، فليس لهذه الرواية فيها أثر ولا عين، وهذا تاريخ الطبري واليعقوبي و"المعارف" لابن قتيبة، و"الأخبار الطوال" للدينوري، و"فتوح البلدان" للبلاذري، و"التاريخ الصغير" للبخاري، وثقات ابن حبان و"الطبقات" لابن سعد، قد تصفحناها وكررنا النظر فيها، مع أن فتح الإسكندرية مذكور فيها بقضها وقضيضها فليس لحريق الخزانة ذكر.
والحاصل أن محققي أهل أوربة قضوا بأن الواقعة غير ثابته أصلاً، منهم (جيبون) المؤرخ الشهير الإنجليزي، و (درببر) الأمريكاني، و (سيديو) الفرنسي، و (كارليل) الألماني، والمعلم (رينان) الفرنسي وعمدتهم في أفكار ذلك أمران:
الأول: أن الواقعة ليس لها عين ولا أثر في كتب التاريخ الموثوق بها كالطبري وابن الأثير، والبلاذري وغيرها مما ذكرنا.
والثاني: أن الخزانة كانت قد ضاعت قبل الإسلام، اثبتوا ذلك بدلائل لا يمكن إنكارها.
стр. 492
رابعًا: الضغوط على أهل الذمة:
ادعى المؤلف أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب عهدًا لنصارى الشام، وذكر نصه منقولاً عن سراج الملوك للطرطوشي، واعترف بأن فيه ضغطًا على النصارى، ثم اعتذر لعمر بأن نصارى الشام كانوا يميلون إلى قيصر الروم، وكانوا من بطانته يتجسسون له، فلذلك احتيج إلى الشدة بهم والتضييق عليهم.
- يقول الشيخ النعماني: كل من له أدنى مسكة في التاريخ يعرف أن الطرطوشي ليس من رجال التاريخ، وكتابه كتاب أدب وسياسة، وهو من رجال القرن السادس، وإنما المعول على المصادر القديمة الموثوق بها، كتاريخ الطبري والبلاذري، واليعقوبي وابن الأثير وغيرها، وهذا ما كان يخفى على المؤلف ولكن لأجل هوى في نفسه أعرض عن كل هذا، وتشبث برواية واهية تخالف الروايات الصحيحة المذكورة بإسنادها ورجالها، وقدم الشيخ النعماني رواية القاضي (أبو يوسف) في كتابه "الخراج"، وهي تكشف عن اعتراف أهل الذمة بوفاء المسلمين لهم وحسن السيرة فيهم.
* خاتمة:
وقد أشار السيد رشيد رضا ﵀ في دراسة له عن جرجي زيدان "صاحب الهلال" بعد وفاته كشف فيها وجه هذا الشعوبي، فقال: أنه أظهر بعد الانقلاب العثماني (١٩٠٩) نزعة جديدة، هي إحياء لمذهب الشعوبية، ذلك أنه زار الأستانة ولقى فيها بعض زعماء الاتحاد والترقي ثم عاد متشبعًا بالنهضة التركية الزائفة مستنكرًا عدم مجاراة العرب لإخوانهم الترك في الانضمام على خطة الاتحاديين والترقي إلى تتريك العناصر وادغام العرب في الترك.
стр. 493
وقد كتب في الهلال ما يشعر بهذه النزعة من مطاعن في العرب، أودعها بعد ذلك في كتاب "تاريخ التمدن الإسلامي"، وفطن لها أخيرًا من لم يكن يحفل بها، وزادهم التفاتًا إليها ترجمة جريدة (أقدام) التركية لتاريخ التمدن الإسلامي ونشره بالتتابع، وهذا ما حفز الشيخ شبلي النعماني إلى الرد عليه وأخفى شبهاته.
- الأستاذ والتلميذ: "وكان الأب لامنس اليسوعي قدوته في نقد العرب وبني أمية، كما كان سوفان فلهوزن دليله في الحديث عن ما أسماه الحملة على الموالي وهو أكبر متعصبي المستشرقين، ولجرجي زيدان سموم أخرى في كتابه عن أدب العرب" (١).
* كتاب "تاريخ آداب اللغة العربية" وردّ الشيخ السكندري عليه:
هذا هو الكتاب الثاني لجورجي زيدان الماروني الفرنسي الثقافة الذي تربى في مدارس الشيوعيين، وعلمه باللغة وأدابها لا يؤهله لفهم مؤلفاتها، ولذلك تصدى له الشيخ السكندري وبين عواره.
- قال الشيخ السكندري: الأمور التي تؤخذ على الكتاب كثيرة:
أولاً: الخطأ في الحكم الفني، أي تقرير غير الحقيقة العلمية سواء أكان ذلك بقصد من المؤلف أم بغير قصد.
ثانيًا: الخطأ في الاستنتاج، وهو ما يعذر فيه المؤلف لأنه اجتهاد من عند نفسه.
ثالثًا: الدعوى بغير دليل، وهو ما يقرره المؤلف من غير دليل عليه، وقد يكون في ذاته صحيحًا ولكن سوقه ساذجًا يتيح مجالاً للشك.
стр. 494
رابعًا: الخطأ في النقل وهو آت من تصرف المؤلف في عبارات المؤلفين بقصد اختصارها، أو من تسرعه في الجمع وقلة مراجعة الأصول.
خامسًا: قلة تحري الحقيقة بمراجعة الكتب المعتمدة والتواريخ الصادقة ووزن كل عبارة بميزان العقل والإنصاف وقياس الأمور بأشباهها، بل كثيرًا ما تروج عند المؤلف أقوال الخصوم في خصومهم، وأقوال الكتب الموضوعة لأخبار المجان أو لذكر عجائب الأمور وغرائبها.
سادسًا: تناقض بعض أقوال الكتاب.
سابعًا: الاختصار في كثير من التراجم والمباحث، وإهمال ما ليس من شأنه أن يهمل.
ثامنًا: إدخال ما ليس من موضوع الفن فيه، لغير مناسبة أو لمناسبة ضعيفة جدًا.
تاسعًا: الاستدلال بجزئية واحدة على الأمر الكلي، وهو كثير الحصول في جميع كتب المؤلف وفي أكثر استنتاجاته ودعاواه.
عاشراً: تقليد المستشرقين في مزاعمهم أو نقلها من غير تمحيص.
حادي عشر: اضطراب المباحث وصعوبة استخراج فائدة منها لاختلال عبارتها، أو لعدم صفاء الموضوع للمؤلف.
ثاني عشر: اضطراب التقسيم والتبويب إما بذكر المباحث في غير موضعها، ويعد رجال عصر في عداد رجال عصر آخر.
ثالث عشر: التحريف واللحن وهمًا كثيرًا الشيوع في جميع كتب المؤلف.
رابع عشر: تهافت المؤلف على تطبيق قانون النشوء والارتقاء حتى على الأمور التي فيها تدنٍ وانحطاط لا نشوء ولا ارتقاء.
стр. 495
* أولاً: الخطأ في الحكم الفني:
١ - قول المؤلف: (وكان أبو حنيفة لا يحب العرب ولا العربية حتى أنه لم يكن يحسن الإعراب ولا يبالي به).
وقد عزا هذه العبارة إلى (ابن خلكان - وفيات الأعيان ج ٢) فالذي يثق بالمؤلف يصدق عبارته بعد أن تبرأ من تبعتها ونسبها إلى مؤرخ عظيم، ولكنه إذا آخرها ابن خلكان في هذه الصفحة بل إذا قرأ ترجمة أبي حنيفة من أولها إلى آخرها لم يشم منها رائحة هذه الألفاظ بل المعاني.
٢ - فقول المؤلف (وكان أئمة الفقه في المدينة، فأراد المنصور تصغير أمر العرب وإعظام أهل الفرس لأنهم أنصارهم -أي: العباسيين- وأهل دولتهم، فكان من جملة مساعيه في ذلك تحويل أنظار المسلمين عن الحرمين، فبنى بناء سماه القبة الخضراء محجًا للناس (كذا) وقطع المسيرة عن المدينة، وفقيه المدينة يومئذ الإمام مالك الشهير فاستفتاه أهلها في أمر المنصور، فأفتى بخلع بيعته فخلعوها، وبايعوا محمد بن عبد الله من آل علي .. إلخ.
ومن عبارته يفهم أن جمهرة أئمة الفقه كانت بالمدينة فقط، وأن المنصور كان يكره العرب كراهية حملته أن يرتد عن الإسلام ويحاول صرف المسلمين عن تولية وجوههم شطر قبلتهم، وأن أهل المدينة استفتوا مالكًا في خلع المنصور فأفتاهم.
وكل هذه اللوازم باطلة فلم تكن جمهرة الفقه بالمدينة بل كانت في كل الأقطار ثم كيف يكره المنصور العرب بهذه الكراهية وهو عربي، وابن عم النبي ﷺ وخليفته في أمته وشريعته.
أما عن الثالث فينافيه ما تقدم، واعتذر المنصور بعد ذلك لمالك عما وقع، كذلك فإن المنصور لم يقطع عن أهل المدينة إلا بعد مبايعتهم محمدًا ابن عبد الله، ومن خطئه في الحكم عده طاهر بن الحسين -فاتح بغداد وقاتل