(ص ٩٧، ٩٨): أما البطل الثاني في مدرسة الإثارة فهو فكري أباظة الذي عاش أغلب حياته في أوربا بحثًا عن الجنس والمرأة والحب، وهو رجل ساخر بكل شيء لا يكف عن الحديث عن غرامياته ومغامراته واهتمامه بالرياضة، والتمثيل وقد دافع عن المسرح في مجلس النواب عندما حاول بعض المخلصين أن يصور فساد هذه المؤسسة، وساير كل أجيال المسرح والغناء والرقص وآزرها بقلمه: روزاليوسف، وأم كلثوم والريحاني، وكل المغنيات والراقصات، وله رسائل متبادلة مع التابعي، ولقد كان كالتابعي يتخذ من كتابات السياسة والوطنية غلافًا للكتابات الاجتماعية المكشوفة والقصص، ولقد ابتدع لأول مرة ما أطلق عليه (أخبار البلاج) وهي صفحات خطيرة كانت تنشر خلال الصيف كل أسبوع عن النساء العاريات على شاطئ البحر، وفلان وفلانة في الكازينو وبعد الغروب .. إلخ وهو يدافع عن الصور العارية تحت كلمة (اشمعنى).
"لماذا الصحافة وحدها يطلب إليها ذلك ولا يطلب من السينما، يقول لك الناقدون أن الصحافة تنشر القصص المغرية المثيرة للغرائز، وقد يصح أن بعض المجلات تنشر هذه القصص ولكن أين عدالة الناقدين والطاعنين على الصحافة المصرية وأين شجاعتهم وهم يسمعون في الإذاعة وغيرها من الإذاعات الخارجية الأَنَّات والتأوهات والنغمات والمغريات الصوتية التي ترن قي آذان الملايين ومن بينهم أطفال لا يقرأون الجرائد ونساء وأميون، واشتدت الحملة ولا تزال مشتدة على الصور العارية التي تنشرها بعض المجلات، ويا سبحان الله ألا يلمح الناقدون الطاعنون هذه الصور متحركة ناطقة لاعبة بالألباب أمام أولادهم وبناتهم على شاشة السينما، ألم يلمحوها في موسم الصيف على البلاجات متحركة سابحة فاتنة، لاعبة بالألباب، ألم يلمحوها في الحفلات والأفراح والمراقص راقصة متحركة لاعبة بالألباب، الصحافة
стр. 527
وحدها، الصحافة وحدها".
- هذا هو منطق دعاة الإثارة والكشف من زعماء الصحافة العربية لماذا نحن وحدنا الذين يطلب منا الالتزام بالأخلاق؟ وهذا هو نفس منطق التابعي المدرسة كلها على طريق الفساد، ولعلك تدهش حين ترى بعض المغرر بهم الذين كتبوا عن فكري أباظة يكرمونه بعد موته، وهو دعامة خطيرة من دعامات صحافة الإثارة، الحقيقة أن الوطنية المدعاة لم تكن إلا غلافًا رقيقًا لتغطية هذا العمل الخطير، ومع ذلك فمن الذي يستطيع أن يقول أن التابعي وفكري أباظة كانا وطنيين مخلصين وهما دعاة التسوية مع الاستعمار والصهيونية؟
ولم تكن الحياة عندهم إلا كأسًا من الخمر أو راقصة أو مغنية سواء هنا في مصر أم في أوربا، ويحفل المصور خلال خمسين عامًا بمذكرات فكري أباظة وتعقباته للنساء في أوربا، وكلماته التي يؤيد بها انطلاق المرأة إلى كل ما يطمح إليه أصحاب الأهواء، دعوة ملحة مستمرة متخفية تحت قناع كاذب من ادعاء الأخلاق والفضيلة" ا. هـ.
* سارتر دجّال الوجودية:
والواقع أن نظرية الوجودية قد نفقت قبل هلاك سارتر بوقت طويل، وإن حاول هذا الشقي أن يمد من عمرها بانتمائه في السنوات الأخيرة إلى الشيوعية واحتضانه لقضايا الصهيونية إذ هو نصف يهودي كما كان يطلق عليه عباس العقاد لأن أمه يهودية، وقد خدع بعض البلهاء من المصريين حتى أعدوا له زيارة ليحصلوا منه على تصريح يخدم القضية الفلسطينية بعد أن نقلوه إلى خيام اللاجئين في غزة، فما أن غادرها حتى كشف عن هويته الصهيونية وأعطى الماركسيين الذين احتفلوا به درسًا كشف عن عمالتهم هم، ومكره هو والذين رافقوه ومع هذه اللطمة القاسية فإن كتابًا مصريين وعربًا ما
стр. 528
زالوا يذكرون سارتر ويتحدثون بمذهبه وبما يسمونه الوجودية العربية التي قادها عبد الرحمن بدوي وكان لها على فترة طويلة أعوان، وكانت كتب سارتر تظهر في باريس بالفرنسية وفي بيروت بالعربية في وقت واحد، وربما ندم بعض الكتاب عن تبعيتهم لسارتر، وأحسوا أنهم أخطاوا الطريق بعد أن قرأوا ما كتبه "جاك بيرك" مثلاً حين قال:
"إن سارتر عقل كبير ولكنه مع الأسف يفتقر إلى الذكاء السياسي وليس من الضروري أن يكون العقل الكبير عقلاً سياسيًا، ولكن المشكلة عند سارتر أنه يريد أن يكون سياسياً فيما يجابه من التيارات اليسارية ومنها الشيوعية بنوع من العقد النفسية، ومن المؤسف أن سارتر الذي يبني معظم فلسفته على فهم الآخر لا يفهم الآخر ولا يحس به، لم يستطع سارتر أن يتغلب على ما أحيط به من الدعاية والتضليل الصهيوني، فاعتبر إسرائيل (صيحة) وقلب القصة فاعتبر إسرائيل (مدعى عليها) وقد بلغت الدعاية الصهيونية به أن يقلب الحقيقة التاريخية في أوربا كلها، إنهم ينفون أن يكون الوجود الصهيوني استعمارًا".
ويردد كثير من أنصار سارتر فشل سارتر، وكيف تبخرت مفاهيمه التي ضللت الشباب العربي ردحًا من الزمن، وكيف أنقشع بريق اسمه فظهرت الوجودية فلسفة للفوضى والانحلال، وكيف هوجمت فلسفة سارتر من كلتا النزعتين، الرأسمالية والشيوعية ورفضوا مفهومه عن الحرية ووصفوها بأنها حرية فوضوية ومن ثم حاول سارتر أن يتقرب إلى الشيوعيين وتراجع عن كثير من آرائه السابقة.
- يقول أنيس منصور تلميذ عبد الرحمن بدوي أول فليسوف وجودي مصري: "سارتر الفيلسوف الوجودي الملحد كانت آخر كلماته لا شيء، أي لا فائدة من أي شيء .. فهو يرى أن الوجود والعدم لهما نفس المعنى كالليل
стр. 529
والنهار لا ينفصلان، ولا تعرف على أي شيء أجاب سارتر لآخر مرة بكلمة لا شيء لا فائدة لا معنى، لا هدف، كل شيء عدم أو كل وجود عدم، أو كل موجود معدوم".
- وهكذا يندم أنيس منصور على أنه تابع هذا الفكر الضال أكثر من عشرين عاماً من عمره قضاها في تحسين هذا الفكر وزخرفته وتقديمه إلى الشباب في عشرات من الكتب التي طبع منها مئات الألوف ليخدعهم عن الحقيقة وليزيف لهم الواقع وليردهم عن الفهم الأصيل، عندما كتب مقالاته عن رحلته إلى الأراضي المقدسة، وكان عليه أن يعلن انسحابه من كل هذه المفاهيم والعقائد، وأن يصحح موقفه أمام قرائه خلال هذه السنوات الطويلة، واليوم يصف فلسفة الوجودية بأنها فلسفة المقابر؛ لأن سارتر تحدث عن الموت والدمار والخراب، والوحدة والقلق والفزع، والخوف والغثيان والعدم، والتقت كل هذه المعاني السوداء في قلبه وفي خياله، هناك وجودية ملحدة عند سارتر وكامي وهيدجر واسيرز وأونامونو، ووجودية مؤمنه عند جابريل مارسيل، وبرديانف وجاك مارتيان.
- إيمان بمفهوم المسيحية المثلثة، وكان حقًّا على أنيس منصور أن يقرأ الفكر الإسلامي الأصيل ويعرف زيف الوجودية جملة بمفهوم الانطلاق من الضوابط والحدود والقيم التي رسمها الدين الحق، وأن يعلم أن نظرية الوجودية كما جاء بها سارتر إنما تمثل تحديًا خاصًا مر بالشعب الفرنسي بعد سقوطه في قبضة ألمانيا إبان الحرب، هذا السقوط الذي كشف كما قال زعيمه "بيتان" عن انهياره الأخلاقي العاطف، ولما كانت الصهيونية العالمية هي التي صنعت هذا بالأمة الفرنسية فإذا قدمت سارتر على جميع أجهزة الإعلام والدعاية لتفتح صفحة أشد عنفًا من الأنهيار الخلقي والاجتماعي، تلك التي صنعتها فلسفة سارتر بظهور جماعات الوجوديين الذين تشكلوا في الغرف المظلمة والحواري الضيقة وتحت أسطح العمارات ليمارسوا أسوأ صور الجنس
стр. 530
ويعلنوا احتقارهم للمجتمع، ومنهم نشأت بذرة (الهيبية) التي تعم الآن العالم كله.
كان أخطر ما في الدعوة الوجودية إنكار الله ﵎ والسخرية بالأديان واعتبار الإيمان بالله عائقًا كبيرًا عن حرية الإنسان وأن أثر التعاليم الربانية على الإنسان جد خطير؛ لأنه يضيع عليه فرصة التمتع بالأهواء والتمرغ في الشهوات، فالوجودي لا يؤمن بوجود الله ﵎ ولا يؤمن بنظام خلقي يسود على الإنسانية، الإنسان عندهم حر ومسئول أمام نفسه فحسب، لا أمام الله، وهكذا نجد سارتر يدعو إلى الحرية المطلقة من كل قيد!!!.
- ولقد جاء سارتر إلى مصر ترفقه سيمون دي بوفوار التي قالت لنساء مصر في صراحة تامة: نحن نريد أن نحطم (قوامة) الرجل ودعت إلى حياة زوجية محررة من (العقد الشرعي) كحياتها هي مع سارتر، ولقد كشفت إحدى المرافقات لسارتر خلال رحلته إلى مصر في الفترة الأخيرة خفايا كثيرة في هذه الزيارة اللعينة، فأشارت إلى أن (رفيق) سارتر وسيمون كان رجلاً يهوديًا (كلود لانزمان) وهو الذي وجه الزيارة على النحو الذي أرادته الصهيونية، وقد أشارت إلى أن كتاب اليسار استقبلوا سارتر بتقدير بالغ كان موضع دهشته هو أساسًا، وذلك مثلاً حين كتب أحد الشيوعيين مقالاً عنوانه "سارتر ضمير العصر" وكان سارتر يتساءل بعدها (أنا ضمير العصر كله؟! أنا لست حتى ضمير نفسي)، ثم يطلب ضاحكًا من لانزمان أن يتحمل عنه بعض هذه الألقاب (١).
- وتقول الكاتبة: "لقد سمع ورأى، ولكنه لم يتأثر قيد أنملة بما سمع
стр. 531
ورأى، لقد كان استقبالنا لسارتر أشبه بمظاهرة، وكان كلامنا معه أشبه بالصدى في وادي مهجور، إلا أن الصهيونية كانت أذكى منا وأكثر دقة في قيادته إلى أهدافها، فقد دست (كلود لانزمان) بفكرة الصهيوني المغلف بطبقة مزيفة من الفكر التقدمي للتضليل دسته على سيمون دي وقت كان فيه سارتر يتأرجح بين وجوديته والشيوعية فاستطاعت سيمون بتأثير من (لانزمان) أن تسوق سارتر إلى أن يخرج عن قاعدته ويسير وراءها منومًا أو كالمنوم، فانبهر بما قدم إليه فترة قبل أن يعود إلى قواعده سالمًا، وقد رأينا كيف كان لانزمان يقف في الظل وراء سارتر في كل زياراته ليسمعه صوت (هرتزل) واضحاً مجلجلاً وهو يهمس به إليه".
كان في مارس ١٩٦٧ وفي نوفمبر من نفس العام اكتملت الصورة، فقد منحت إسرائيل شهادة الدكتوراه الفخرية لسارتر في سفارة إسرائيل بباريس بحضور عدد من المثقفين الفرنسيين على رأسهم سيمون وفرانسواز جيرو وزيرة الثقافة الفرنسية، وأذاع التلفزيون الفرنسي كلمة سارتر التي قال فيها: "إن قبولي لهذه الدرجة العلمية التي أتشرف بها له مدلول سياسي فهذا القبول يعبر عن الصداقة التي أحملها لإسرائيل منذ نشأتها"
- هذا سارتر الذي كتب "المسألة اليهودية" وهو الذي زار إسرائيل وأشاد بها، وهو الذي شارك في المظاهرات، ووقع البيانات المؤيدة لإسرائيل، وقد قبل سارتر الدكتوراه الفخرية من الجامعة العبرية بينما رفض من قبل كل الجوائز التي أهديت له بما فيها جائزة نوبل.
كان سارتر قد قام بزيارته لإسرائيل قبل حرب ١٩٦٧ ببضعة شهور، وما لبثت نذر الحرب بعد عودته إلى فرنسا أن بدت في الأفق في مايو ١٩٦٧ فسارع سارتر ومجموعة من المثقفين الفرنسيين الآخرين إلى إصدار بيان في تأييد إسرائيل التي سيدمرها العرب، ولكن إسرائيل بدأت بالهجوم، واحتلت
стр. 532
من الأرض وقتلت من العرب، ودمرت فلم يراجع سارتر نفسه ولم يعدل موقفه إلا بعد أن اشتعل النضال الفلسطيني بعد الهزيمة، وامتدت نيرانه إلى بعض العواصم الأوربية.
وبعد، فلقد سقط فكر سارتر قبل أن يذهب لأن دعوته هي نوع من هوى النفس، وهي مواجهة لتحد عاشه في عصره .. ولكن الزمن يتحول، والفكرة التي تكون اليوم استجابة لوضع معين .. فإنها سرعان ما تسقط مع تحولات الزمن والبيئات، ولذلك فإن الوجودية لم تستطع أن تكون مذهبًا قائمًا أو مستمرًا، وهكذا كل الأيدلوجيات البشرية التي صنعها الفلاسفة وظنوا أنهم قد استطاعوا بها حل مشاكل عصرهم ذلك أن هناك منهجًا واحدًا: هو الذي يستطيع أن يحل مشاكل الإنسان في كل العصور والبيئات؛ ذلك هو منهج الله الحق (لا إله إلا الله).
* الدكتور عبد الرحمن بدوي أول فليسوف وجودي مصري:
وفي مصر تقدم عبد الرحمن بدوي برسالة دكتوراه عن "الزمان الوجودي" ورأس الحفل الدكتور طه حسين واشترك مع المستشرقين بول كراوس وأعلن طه حسين أن عبد الرحمن بدوي أول فليسوف وجودي مصري، وقد قدم بدوي الفكر الوجودي وترجم كل المصطلحات الوجودية الشاقة وترجم كتاب سارتر الضخم (الوجود والعدم)، ولم يلبث عبد الرحمن بدوي أن اختفى وطوته الموجة التي تطوي كل المذاهب الضالة والمنحرفة، وكشف الفكر الإسلامي عن أصالته في أنه يرفض كل ما ليس متصلاً بقيمه الأصيلة مهما بدأ يومًا وله بريق أخاذ، لقد كانت فلسفة سارتر شؤمًا عليه، فقد أضفت عليه ظلاً مظلمًا ما زال يلاحقه.
- وقد كان عبد الرحمن بدوي قبل سارتر تابعًا للفلسفات الباطنية والمجوسية يحييها ويرد إليها الروح، ويقدم شخصيات قلقة في تاريخ الإسلام
стр. 533
ويشيد بأمثال الراوندي والحلاج وغيرهما من الزنادقة، وإلى جانب ذلك فقد قدم في الفلسفة الإسلامية الجانب الصوفي المتصل بوحدة الوجود والحلول وأشاد بالسهروردي وابن عربي وابن سبعين، تلك الشخصيات الضالة التي عمل أستاذه الأول (ماسينون) على إحيائها، وكان طه حسين هو صاحب الدعوة إليها في الأدب العربي منذ أعاد انبعاث (إخوان الصفا) وكما سقط الفكر الباطني سقط الفكر الوجودي وانهارت تلك الصروح على رءوس أصحابها ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾.
وإذا كان الأدب الغربي قد عرف وجودية كير كجارد، وكافي وسارتر؛ فإن ذلك كله مستمد من أصول أصيلة فيه تقوم على فكرة الخطيئة المسيحية، أما الفكر الإسلامي فإن محاولة زكي نجيب محمود عن الوضعية المنطقية، وفؤاد زكريا عن الفلسفة الماركسية، وعبد الرحمن بدوي عن الفلسفة الوجودية هي محاولات ضالة باطلة سرعان ما لفظها الفكر الإسلامي صاحب الصرح الشامخ القائم على فكرة التوحيد الخالص والإخاء الإنساني والعدل والرحمة.
وقد ذابت محاولات إحياء الفلسفة الصوفية التي قادها (ماسينون) أربعين عامًا بإحياء الحلاج لأن المسلمين عرفوا طريقهم إلى التوحيد الخالص، فقد أسقطت حركة اليقظة محاولات إحياء الفلسفة والتصوف الفلسفي، والكلام والاعتزال، وجعلته ركامًا حين أحيت (المنهج القرآني) الأصيل حيث بدت كل محاولات الفلاسفة الإسلاميين المعاصرين وكأنها مقدمات موقوفة انطوت صفحتها حين برز نور المفهوم القرآني، مفهوم أهل السنة والجماعة على نفس النسق الذي واجه المشائين القدامى أمثال ابن سينا والفارابي، وقد تكشفت نزعتهما إلى الباطنية الإسماعيلية في الأخير بعد أن خدع بهما الكثيرون، وحين يتنادى باسمه غلمان المستشرقين فإن الأمر لا يخدع أحدًا، ذلك أن
стр. 534
الحقائق التي تكشفت قد ردت كبار الكتاب عما خدعهم به البريق الخاطف.
- يقول أنيس منصور: من الضروري أن تفلت من جاذبية شخص كبير لتجد نفسك ومعك حريتك، لقد وقعنا في غلطة حين تأثرنا بأستاذنا عبد الرحمن بدوي ذلك أن كثيرًا مما رآه كان رؤيته هو والذي وجده شاقًّا كان مشكلته هو، والذي أحبه كان مزاجه هو ولكن في السنوات الأخيرة عاودت قراءة الفلسفة من ينابيعها التي أفزعنا منها عبد الرحمن بدوي فلم أجدها كذلك.
وهكذا تبين أن هذه الهالة كانت باطلة؛ بل إن أنيس منصور يبشرنا بأن سارتر عندما مات قال على فراش الموت: لا شيء كل شيء عدم.
* أنيس منصور ومتابعته للفكر التلمودي ودفاعه عن بيع الخمور، والرقص، وقوله عن اللباس الإسلامي أنه خيمة:
قدمت الصحافة العربية لأنيس منصور ركامًا ضخمًا من الكتابات المترجمة عن الغرب تتميز على كثرتها وتنوعها بأنها تمثل ذلك الهدف الخطير الذي عمدت إليه الصحافة في موقفها من الأدب والفكر والترجمة والنقل من الفكر الأجنبي: وهو الإثارة ولقد كانت دراسة أنيس منصور متصلة بالفلسفة أول الأمر، وكان أكبر أمانته للفلسفة الوجودية ومن هنا فقد اتسمت كل كتاباته بهذا اللون حتى بعد أن سقطت الفلسفة الوجودية وتكشف زيفها وفسادها وانطفأت تلك الشمعة التي أوقدها سارتر وسيمون دي بوفوار وكامي، وحل محلها ذلك اللون من العبث الذي عرف عن بكيت وكافكا والهيبيين.
ولقد ظهر في فترة من الفترات أن أنيس منصور قد استجاب للفكر الإسلامي واتصل بمفاهيمه وقيمه في محاولة إعلانية صحفية خطيرة تمثلت في
стр. 535
زيارته للكعبة والمشاهد المقدسة وفي خلال ذلك كتب صفحات حاول فيها أن يسترد إيمانه بالله، ولكنه لم يلبث بعد ذلك أن عاود كتاباته المثيرة عن الراقصات والأزياء العارية وكل ما يتصل بالوثنيات الغربية التي تتمثل في الأفكار المثيرة التي تتصل بالثورة الجنسية والمسرح والرقص، ولم تعد أمانته للمفاهيم الإسلامية إلا أثرًا بعد عين، ذلك أن محاولته لم تكن في الحقيقة رغبة صحيحة في التماس المفهوم الأصيل، ولكنها كانت مظاهرة صحفية بعد تقلص ظل النفوذ الماركسي من الفكر الإسلامي، وهي أشبه بالمظاهرة الصحفية الخطيرة التي بدأ بها حياته الصحفية حين نقل إلى الصحافة العربية فكرة السلة والقلم الذي يكتب بغير كاتب وهذه العملية الساخرة التي نقلها من بلاد الوثنية الشرقية، وكافأه عليها أصحاب أخبار اليوم بمنصب رئيس تحرير مجلة "الجيل الجديد".
ولقد أمضى أنيس منصور سنوات طويلة يكتب الصفحة الأخيرة من أخبار اليوم، وينقل فيها خليطًا من تلك الفلسفات الوثنية والأساطير والخرافات، وكتابات متضاربة عاصفة، تعصف بنفوس الشباب حين تقتلع من الجذور أسباب الإيمان وتبث الشكوك في القلوب حتى كان الباحثون يتساءلون: ما هي الفلسفة التي يحاول مثل هذا الكاتب أن يغرسها في القلوب والعقول؟ وكيف يفهم الشباب الطرير الذي ليس له خلفية كافية من الإيمان بالله، أبعاد الحياة وأمور الدنيا وشئون المجتمع، وهل هذا العمل هو هدف صحفي قاصر يراد به كسب القراء بالإثارة أم أنه جزء من خطة التغريب الضخمة التي يراد إغراق الثقافة والفكر الإسلامي فيها بترجمة فلسفات وسموم لم يكن المسلمون والعرب يومًا في حاجة إلى نقلها.
لقد لخص عشرات الكتب الغربية التي لا تهدف بعرضها دون مقدمات أو تعليقات تلقي الضوء على مضامينها أو تكشف عن سلامة هذه المضامين
стр. 536
أو زيفها، إلا إفساد العقل الإسلامي والذوق الإسلامي والمزاج الإسلامي وتحويله إلى مفاهيم غربية صارخة تستمد أساسها الأول من نفس قلقة ومزاج مريض ورجل قد تحوطته الأمراض والأهواء جميعًا فضلاً عن علامة البدء في حياته الفكرية والثقافية الأساسية وهي الوجودية المستمدة من مفهوم الفلسفة المادية والتي تستهين بكل القيم وتحتقر كل المفاهيم الأخلاقية أو الدينية.
- ولقد كانت كتابات أنيس منصور يومًا ما -كتابات لويس عوض- لا يعرف هل هي ماركسية أو ليبرالية أم أنها من مدرسة معروفة هي مدرسة العلوم الأجتماعية التي تنكر كل القيم وتحتقر الفطرة وتعلي شأن الماديات، ولقد عرف أنيس منصور نفسه ذات يوم، فقال: أنا أول من قدم (يائل) ديان إلى القارئ، أنا أول من قدم الكاتب اليهودي العظيم ألبرتومورافيا إلى المصريين والعرب عام ١٩٤٧ وترجم له أكثر من مائة قصة قصيرة، وقابلته هنا وفي بلاده وفي أمريكا عشر مرات.
وعندما ترجمت صحيفة جيوش أوبزرفر صفحات من كتابه "وداعًا أيها الملل" قالت: إن المؤلف ينتسب إلى قبائل الغجر الفلسفية التي تضم الكاتب اليهودي كافكا وغيره من الضائعين والتائهين، يقول إني لم أغضب لأن هذا ليس رأي المجلة وحدها، ولكنه رأي أنا أيضًا، ولكني غضبت لأنها ساقت المقال على هيئة اكتشاف ونسيت أنني اعترفت بذلك دون أن أدين بهذا القلق لكافكا أو لغيره (الأخبار ٥ يونيه ١٩٧٤).
- والحقيقة أن أنيس منصور قدم في هذا الميدان "ركامًا" كثيرًا بلبل به الأذهان وحطم به النفوس وأدخل إلى قلوب كثير من الشباب شكًا وقلقًا ويأسًا، وما تزال كتبه التي تحمل هذه السموم تطبع ويقرؤها الكثيرون على أنها فاكهة محرمة وتسلية ومتعة للغرائز والأهواء، ولكنها في الحقيقة ليست إلا أهواء البشرية الضالة الممزقة، وهو خلاصة ما قدمه الكتاب التلموديون
стр. 537
لتمزيق النفس الإنسانية وهدمها وتحطيم قيمها منذ ظهرت هذه الكتابات على أيدي فرويد ونيتشه وميكافيلي ورينان وأوجست كونت وبودلير وسارتر وعشرات الهدامين.
بل إن أنيس منصور قد ذهب إلى أبعد من هذا فعُني بترجمة كلمات الممثلات صوفيا لورين وبرجيت بردو، ومارلين دتريش وغيرهن، وعُني بالكتابة عن الشقراوات المتوحشات، بالإضافة إلى الأفلام العارية والأدوار الشاذة، وكتابات الإباحيين ومحاولة تصوير هؤلاء الممثلات على أنهن "الآلهات الرومانيات" وذهب في الإغراء بالكلمة إلى أبعد حد في الحديث عن الأجساد العارية وما يتصل بالفنانين من تماثيل وطوابع بريد وعملات ذهبية، وعمد إلى استغلال الجنس إلى أبعد حد في إفساد مفاهيم العلاقة بين الرجل والمرأة، وكان في كتاباته حريصًا على الاستشهاد بالتوراة وبسفر خاص فيها يتحدث عن الجنس فضلاً عن فكر أرسطو وأفلاطون.
- وحرص أنيس منصور على هدم الصلة بين الآباء والأبناء وإثارة الأبناء على الآباء، حين وصف هذه العلاقة كما وصفها فرويد والتلموديون بأنها "سيطرة" في حين أنها ليست إلا رعاية وتوجيهًا وحماية من الكبير للصغير في مرحلة من أخطر مراحل الحياة، وهو يرى أن الصحافة قد أخضعت الشباب لنفوذ آخر غير نفوذ الآباء، وأن الصحف شجعت الشبان على الثورة والتمرد على البيت والأسرة والكنيسة، ويرى أن انتشار مرقص (الروك آند رول) دليل على اهتمام الشباب بإزعاج الآباء وتحديهم، وكذلك انتشار التدخين والخمور يؤكد أن الشبان حريصون على هدم الرأي العام، ولا ريب أن ترديد هذا الكلام مرات متعددة إنما يرمي إلى الإيحاء والتوجيه وإفساد من لم يفسد، ودعوة إلى خلق جو من التمرد للقضاء على روح الإيمان والخلق بين الأجيال الجديدة.
стр. 538
- ويتحدث أنيس منصور عن الفتاة الجامعية في الغرب التي تجد حبوب منع الحمل في أجزخانة الكلية، ولا أحد يسألها عن سبب شرائها للحبوب.
ويرى أن العري لم يعد كافيًا لإثارة الجنس، وأن هناك الإثارة العنيفة بالكلام والحركة، وأن الأغاني أكثر إثارة من الأفلام، وكذلك يرى أن الرقص الجديد يقضي على خجل الشباب، وحين يتحدث عن الزواج يقول أنه هو وحده الذي أنفرد بالملل؛ لأن كل شىء فيه يتكرر بانتظام، وينسى أن الزواج هو الطريق الكريم للعلاقة بين الرجل والمرأة، وهكذا لا يتوقف أنيس منصور عن ترديد آراء فلاسفة الجنس والمادية والإباحية الذين يصدرون عن بروتوكلات صهيون لهدم المجتمع الغربي، ثم هو ينقل ذلك إلى المجتمع المسلم بقوة وحماسة واستمرار وعمل لا يتوقف، وعندما يتحدث (محمد أنيس منصور) عن السيد المسيح يردد مسألة الصلب، والصلب غير وارد في مفهوم الإسلام.
- ويدافع أنيس منصور بعد كتاباته عن الكعبة والأراضي المقدسة عن الخمر ويهاجم قرار شركة مصر للطيران بمنع توزيع وبيع الخمور على طائراتها ويتهجم على التعليم الديني في المدارس، ويتحدث بإعجاب عن الأدب المكشوف والقصص الجنسي الأوربي، ويكشف عن خلاصة تجربته في (٢٧/ ١/١٩٧٣) أخبار اليوم، فيقول: إن كل ما قرأت وتعلمت لم يكن ينفعني في الإجابة عن شيء، ولم أجد من كل ألوف الكتب التي أمضيت فيها عمري وأطفأت فيها نور عيني وأوجعت فوقها رأسي وظهري، ولم أجد واحدًا يقول لي شيئًا يريحني أو يجعل أيامي أسهل لا شيء، إنني لم أكن قريبًا إلى نفسي أو إلى أحد وإلى هذا الحكيم المجهول القوي الذي لا نعرفه والذي هو هناك، هو هنا في كل واحد وفي كل شيء، إنك قطعت عمرك كله مسحوبًا من عقلك وقلبك وغرائزك وأنك في ساقية تدور وتدوخ وأنك
стр. 539
أسلمت نفسك لجلاد هو الليل والنهار، هو المال والجاه والأولاد واللذة والخوف والطمع واليأس والشك.
والحق أن هذا أمر يرثى له، أن يكون قارئ هذه المجلدات الضخمة على حافة الشك وعلى حدود الهاوية مع أنه لو اتجه نحو كتاب واحد من الكتب الأصيلة لوجد نفسه ولفهم نفسه، ولفهم مهمته في الحياة ولعرف رسالته الحقة ومسئوليته وأمانة القلم والجزاء الأخروي ولاستطاع أن يقدم خيراً كثيرًا لعل الله يغفر به تلك الصفحات السوداء التي قدمها لإثارة الشكوك في العقيدة والتمزق النفسي خلال أكثر من عشرين عامًا.
لقد صدق أنيس منصور حين طلب حرق كتبه، وقال: إن حرصي على احتراق كتبي فلأنها لا تساوي شيئًا، فلا هي أشبعتني ولا هي روتني ولا أراحتني، ولذلك يجب أن تكون ترابًا أدوسها بترابي.
- وكان أنيس منصور قد تمنى أن يحرق جسده بعد موته مع هذه الكتب، وهذه نفحة بوذية خطيرة لا يمكن أن يقولها رجل يؤمن بالله واليوم الآخر، ولعل من أبرز أخطاء أنيس منصور متابعة الفكر التلمودي في القول بأن (الرب قد خلق العالم في ستة أيام واستراح في السابع) مع أن هذا المعنى يتعارض مع مفهوم أقل المسلمين ثقافة وفهمًا للإسلام وهو في هذا متابع لليهود (أعرف عدوك) كما أنه تابع المستشرقين في القول بأن فرعون هو الذي أخرج اليهود من مصر أيام موسى ﵇ والعكس هو الصحيح؛ فإن اليهود بقيادة موسى خرجوا فارين بدينهم من ظلم فرعون، وأن فرعون هو الذي تابعهم ليقضي عليهم فنجوا وغرق فرعون، وأغرق الله قومه.
***
стр. 540
* مواقف مخزية لأنيس منصور:
في الأهرام (١٠/ ١/١٩٧٧)، علّق أنيس منصور على قرار شركة مصر
للطيران بمنع توزيع وبيع الخمور على متن طائراتها بأنه قرار ضار سيسيء إلى سمعة شركة مصر للطيران في منافستها مع شركات الطيران العالمية.
- ويهدي فتياتنا إلى الرقص!!!
ورقص الشرق ذا فن تجلّى ... وذا تسبيح عين الشاكرينا
- ويتكلم عن الموضة وفساتين النساء، فيقول: "سوف تكون خيوط الموضة هذا الشتاء محتشمة جدًا وسخيفة جدًا؛ لأن الفساتين سوف تكون طويلة وواسعة وسوف تبدو المرأة وكأنها شماعة تحمل هذه الفساتين، وأن ما بينها وبين هذه الفساتين خصام، فلا الفستان يحتضنها برفق على الصدر أو على الخصر أو على الأرداف، ثم إن الفساتين تبدو وكأنها إهانة للمرأة، فلا الساقان ظاهرتان ولا النهدان أو الردفان ولا الذراعان ولا العنق، كأنها أنواع مختلفة من الخيام، وإن المرأة قد ضربت حولها وأمامها ووراءها الخيام فلا يراها أحد.
- أرأيت ما يقال للمرأة المسلمة تحريضًا لها على العري والفساد؟
- ثم يقول الكاتب واسمه (محمد أنيس منصور):
"إن ملوك الأناقة عوضوا المرأة عن هذه الخيمة بأشكال جميلة من قمصان النوم، ومعنى ذلك أن الموضة ستجعل المرأة جميلة في البيت وغير ذلك في الشارع، على الرغم من أن المرأة حريصة على أن تبدو جميلة لكل الناس؛ فإنها تفضل أن تكون جميلة لشخص واحد، والمرأة التي لا تسعد برجل واحد؛ فإنها تحاول أن تلفت عيون الآخرين، ولذلك فإن المرأة تسارع إلى الشارع وتتمتع بنظرات الناس إليها؛ لأنها لا تجد هذه المتعة في البيت".
стр. 541
وهذا هو التحريض على هدم كل القيم التي جاء بها الدين الحق للمرأة المسلمة من أن تكون زينتها قاصرة على بيتها وزوجها وألا تخرج إلا بالملابس الواسعة المحتشمة.
ويصل أنيس منصور إلى مفاهيم مسمومة تدعو إلى الفساد والشر وتقلب كل المفاهيم الأصيلة: فالمرأة في الموضة تقف في حالة تلهف والرجال يكرهون الحشمة؛ لأنهم يتطلعون إلى السيقان العارية والصدور البارزة والظهور المكشوفة.
ويكتب أنيس منصور عن مؤتمر الأدباء في بغداد فيقول: أن الأدباء كانوا يجلسون في عشرات المطاعم في شارع أبي نواس يأكلون ويشربون ويضحكون ويحبون وينظرون بعين واسعة جريئة إلى الميني جب تحت العباءة السوداء، ثم يقول هذه العبارة الشريرة: (ويبدو أن هناك اتفاقًا سريًا بين النساء والرجال أن تكشف المرأة، وبسرعة صدرها وساقيها بشرط أن ينظر الرجل) (١).
إن هؤلاء الكتاب متهمون بأنهم مثيرون للسموم، مجددون لعناصر الإفساد؛ فإن كانوا لا يعلمون مدى خطر الدور الذي يقومون به والأثر الذي يتركونه في نفوس الشباب والفتيات، وعقولهم فتلك مصيبة، وإن كانوا يعلمون الدور الذي يقومون به ويعرفون أبعاده فإن حسابهم عند الله جد عسير.
وتعجب حين تقرأ لأنيس منصور مثلاً قوله: نحن نعيش في عصر الإثارة الجنسية، وليس في عصر الجنس، فالجنس من ألف سنة كان أعنف وأقوى وأكثر تنوعًا من الجنس الآن، وفي استطاعتك أن ترجع إلى ألف ليلة
стр. 542
وإلى شعر أبي نواس وإلى مقامات الوهراني، وإلى كتاب "الروضة العطرة" وإلى قصور الملوك في فرنسا، إنها مليئة بأشكال وألوان من الجنس أكثر بكثير مما جاء في مؤلفات المركيز دي صاد، أما العصر الذي نعيش فيه فإنه عصر الإثارة الجنسية، عصر بلبلة العواطف وتقليب المشاعر وتضليلها، الأغاني المثيرة، والمجلات والأفلام كذلك، والرقص والانفجار.
ويحرص هؤلاء الكتاب أن يقدموا في الصحافة العربية نماذج مظلمة، لماذا يحرصون على تقديم هذه الوجوه الكالحة، والنفوس الشريرة المفعمة بالسوء والإثم، إن أحد هذه النماذج التي يقدمها أنيس منصور آندريه مالرو يقول: لقد انتحر جده، وأبوه أيضًا انتحر، وكان مالرو في الرابعة عشرة من عمره ولا يعرف ماذا جرى لأبيه كل ما عرفه أنه ابتلع كمية من السم، وخشي الأب وهو يترنح أن يظل في غيبوبة دون أن يموت فأطلق على نفسه الرصاص، وحزن مالرو على والده ولم يحزن على ما صار إليه أمر الأسرة، فالأسرة لا تهمه ولا هي رباط متين ولا هي علاقة إرادية، ولا هي أي شيء، وكل ما يربطه بالأب هو أنه نسخة من أبيه، وصورة هذا الأب تطارده في أخلاقه على شكل قط أسود مخيف، فهو هارب من أحلامه هارب من شعوره.
- هذه هي النماذج التي تقدمها الصحافة العربية في فترة النكبة والنكسة والهزيمة لأبناء الأمة العربية، ما قيمة هذا كله في أن يقدم للقارئ العربي، ألا يوجد لدى مالرو فكرة أو فكرتان إنسانيتان يمكن أن ينتفع بهما الناس، ولكن الهدف من الترجمة هو تقديم سموم الناس، لقد كان مالرو ملحدًا وكان فاسقًا فلأي شيء ننقل عنه إذا لم يكن لنا هدف (١).
стр. 543
* أنيس منصور ويوسف السباعي والدعوة إلى إعادة البغاء:
"طالب يوسف السباعي وأنيس منصور بالعودة إلى الدعارة العلنية بدعوى أن ذلك يقضي على القلق الذي يساور الشباب في المجتمعات، ولو كانوا صادقين مخلصين في النصح لطالبوا بأسلوب من التربية الدينية والخلقية، فهذا وحده هو الأسلوب الذي يؤدي إلى إنقاذ هذه الأجيال، أما هذه الدعوى المسمومة فإنها لا تحقق إلا مزيدًا من الفساد، وما تزال تجربة البغاء التي عرفتها البلاد العربية في ظل النفوذ الأسمتعماري معروفة، وقد ظل معسكر العاهرات أكبر مصدر لنشر الأمراض السرية التي فتكت بأجسام وعقول الآلاف من الرجال، والتي دمرت الآلاف من العائلات وأشاعت البؤس والشقاء بين آلاف الأسر" (١).
* أنيس منصور على رأس الذين نقلوا ركام الفكر الغربي الحديث:
"لقد كان الأدب هو أوسع الأبواب مدخلاً لتقديم السموم المختلفة، وأيسرها لتقديم الأساطير والخرافات التي تزخر بها الآداب الغربية عن اليونان والفرس والمجوس القديمة، ولقد كان للقصة الغربية المترجمة مكان واسع، واحتلت كتابات كل دعاة الجنس وتدمير القيم من سارتر إلى بكيت إلى دور كاديم إلى كافي إلى كفكا مكانًا بارزًا فنقلت إلى أفق الفكر الإسلامي عن طريق الصحافة مترجمات مسمومة وأفكارًا مضللة، ولم يتوقف الأمر كما كانوا يقولون عن الروائع - بل إنهم لم يتركوا شيئًا على مختلف المستويات والمذاهب حتى أشدها ضلالاً إلا قدموه، وهم يهدفون بذلك إلى إثارة موجة من الاضطرابات والبلبلة نتيجة هذا التضارب الشديد.
وكان أنيس منصور على رأس هؤلاء الذين نقلوا ركام الفكر الغربي
стр. 544
الحديث، وكان لويس عوض وغيره من ناقلي ركام الفكر الوثني الغربي وكلها أفكار تدور حول الجنس والمرأة والأهواء.
وهم حين يترجمون لا يؤصلون الأشياء ولا يعرفون القارئ العربي بالمترجم لهم ولا يذكرون مثلاً أنه كان مجنونًا أو مصابًا بأشد أنواع انفصام الشخصية كنيتشه أو فرويد، ولكنهم يقدمون كل ذلك كأنه علم وكأنه حقيقة، بينما هو في الحقيقة من أهواء النفوس الضالة المغموسة في أشد ألوان الفساد والانحراف ويتركون التساؤلات دون إجابة زيادة في التعمية، وكل الأسئلة المحيرة التي يوردها الباحثون والعلماء إجابتها واضحة أمام المسلم؛ فلماذا لا يجيبون ولا يهدون القارئ الحائر إلى الحقيقة التي يعلمها، لماذا يتركونه في متاهات ومجاهل وتساؤلات والإجابة يسيرة؟ لماذا يخلقون هذا الجو من الحيرة والشك؟ إن القارئ المسلم يعرف أنه ليس في حاجة إلى كل هذا الركام، ويفهم أن هذا الركام من حثالة أقوام ضلوا وانحرفوا فهو لا يستطيع أن يهديهم أو يقدم لهم شيئًا نافعًا وأنه من صنع بيئة أخرى؛ فلماذا يترجمونه ويقدمونه ويملأون به الصفحات إلا إن كانوا يريدون خداع الذين لا خلفية لهم وتضليلهم.
- إن الأمانة تقتضي من الصحافة العربية حين تقدم قصة أو كتابًا أو موضوعًا غربيًا أن تقدم كاتبه بأمانة وتقدم ظروف البحث بأمانة وأن توازن بين مفهومنا الإسلامي وبين مفهومهم وبين حاجتنا إلى ذلك أم العكس.
أما أن تغرقنا الصحافة العربية في باب الأدب بكل هذا الركام من المترجمات التي تزيد من حيرة الشباب الصغير الذي يكون في هذه المرحلة في حاجة إلى إضاءة الطريق أمام نفسه القلقة إلى معرفة الخير والنور والهدى والرشاد؛ فإن أصحابنا مسئولون أمام الله عن هذه الجرائم؛ لماذا لا يضعون الإجابات عن تلك الشبهات والتساؤلات؟ لماذا لا يضعون أبحاثهم المترجمة
стр. 545
في إطارها الصحيح؟ لماذا لا يقدمون الطيب والكريم والنافع ويؤثرون عليه الخبيث والفاسد والمنحرف منذ أن اصطنع لهم طه حسين ترجمة القصة الفرنسية المكشوفة (ومن سَنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها) وفي مجال التراث تفسح الصحافة العربية أعمدة كثيرة، وموضوعات متعددة، وترمي تراثنا بأنه صحائف صفراء كما يقول يوسف إدريس وغيره، وهو قول باطل؛ فإن تراثنا تشهد له الدنيا كلها، وعلماء الغرب المنصفون يعرفون قدره، ولا يماري في هذا إلا عدو أو جاهل أو مضلل.
* محمد أنيس منصور ودوره الكبير في إحياء الأساطير الفرعونية:
ولقد قام محمد أنيس منصور بدور كبير في إحياء الأساطير الفرعونية في مقالات متصلة، وقدم ركامًا كثيرًا عن الفكر الفلسفي والديني عن الفراعنة وهو من نافلة القول التي لا تقدم ولا تؤخر، فلم يعد هناك من يؤمن بهذه الأساطير، كذلك فقد كانت من خداعات الكتاب ذلك الحديث المكرر المعاد عن ديانة التوحيد عند إخناتون ولم يكن إخناتون إلا أحد مؤلهي الشمس، أما ما عرفه الفراعنة من النظريات الطبية والفلكية وما بلغوه في مجال الهندسة والعمارة والزراعة، فذلك تراث الأجيال الذي قدمته لهم الأديان السماوية أساسًا، ولكن الفراعنة لم يكونوا إلا مسخرين للأساطير والأشباح والأرواح والسحر وما يسمونه سر الأرقام وقوى الحروف وهي من الخدع الباطلة، أما إيمان الفراعنة بالحياة بعد الموت فهو مستمد من أديان السماء، والهدف معروف لتقديم كل هذه الأساطير، وهو بلبلة الأذهان وصرفها عن مفهوم الدين الحق والتوحيد الأصيل.
* أنيس منصور والوجودية:
ويُعنىَ أنيس منصور بالوجودية وكتابات فرانسوا ساجان ويملأ الصفحات
стр. 546
على امتداد الأسابيع والشهور بهذه الأفكار المسمومة، عندما تعالت صيحة الوجودية وحاولت احتواء الفكر البشري، ثم لم يلبث أن سقطت؛ لأنها لم تستطع أن تستجيب للفطرة الإنسانية، وإنما كانت تمثل الأوهام والمطامع والشهوات والصرخات الصاخبة، ولذلك سرعان ما انطفأت الوجودية وسارتر وفرانسوا ساجان.
ويُعنَى أنيس منصور بأن يترجم سموم ساجان ليطلع شبابنا وبناتنا على ما لم يقرأوه، فيقول أنها فتاة كافرة تقول الصدفة أرادت، الصدفة شاءت، ونعرف أن وراء هذه التفاهات قوى تنشرها وتملأ بها الدنيا وتجند لها أسباب الشهرة والمال؛ لأنها سموم يتلقفها الشباب فيزداد رخاوة ومرضًا.
- لقد عاش أنيس منصور سنوات عمره كلها يترجم السموم ويقدم الكتابات الجنسية والأساطير والقصص والصور الفاسدة، يقرؤها الشباب في طول البلاد وعرضها عن طريق أخبار اليوم على أوسع نطاق وفي خلال سبعة عشر عامًا يتصدر الصفحة الأخيرة من الأخبار لينقل سمومه دون توقف.
* أنيس منصور يبث السم في العسل:
لما تحدث عزيز أباظة عن اللغة الفصحى، وهاجم اللهجة العامية وكتابها شنت عليه الحرب من الماركسيين والوجوديين على السواء، كأنما هناك اتفاق مشترك بين القوى المضادة على محاربة الفصحى، وبالرغم من أن أنيس منصور يتحذلق أحيانًا في الدعوة إلى الفصحى إلا أنه هاجم عزيز أباظة، يقول: أخطأ عزيز أباظة مرتين:
أولاً: عندما جعل مشكلة الفصحى والعامية نوعًا من الشكوى وكان في استطاعته أيضًا أن يشكو من الشعر الحر ومن الفنون التجريدية في الرسوم.
ثانيًا: جعل القصة شكوى أو بلاغًا أو تهمة في حين أن مشاكل اللغة
стр. 547
والفن هي وجهات نظر وتجارب يقوم بها الأدباء والفنانون في مجالات مختلفة في الشكل والمضمون والأداء ولا بد أن يكون هناك تطوير لأدوات التعبير.
وهذا الكلام المسموم الذي يقوله أنيس منصور هو ذلك النص المكتوب الذي قدمه الاستشراق والتبشير لطه حسين وسلامة موسى وكل أعداء الفصحى ليقولوا به خداعًا؛ وإلا فمن قال أن اللغة العربية الفصحى تخضع لمثل هذه المفاهيم، وهي لغة القرآن الكريم ولغة ألف مليون من البشر من حيث العقيدة والفكر، ولغة مائة مليون من العرب وكل محاولة ترمي إلى ما تسمى بتطوير أدوات التعبير إنما تستهدف إيجاد فاصل عميق بين بلاغة القرآن وبيانه وبين أسلوب الأداء العربي، ولا ريب أن كل ما يُدعَى بالتقريب بين العامية والفصحى أو اللغة الوسطى أو غير ذلك، إنما هو من محاولات التغريب والغزو الثقافي التي يراد بها فصل الأجيال الجديدة عن أسلوب القرآن وعن التراث الإسلامي، ويكذب أنيس منصور حين يقول أن اللغة وسيلة من وسائل المواصلات بين الناس، وأنها تتطور فإن هذا القول إن كان معروفًا ما وراءه فإنه يمثل دعوة خطيرة، وإن كان لا يعرف ما وراءه فإنه يمثل جهلاً بأبعاد قضية مرتبطة بالعقيدة والفكر والثقافة إلى أبعد حد.
* الدكتور إِبراهيم بيوفي مدكور وتصوّره الزائف لحركة اليقظة الإِسلامية:
هناك محاولة جديدة لاتهام حركة اليقظة الإسلامية التي تمضي اليوم على مفهوم الإسلام الأصيل، الذي يستمد وجهته من المنابع الصحيحة، القرآن الكريم والسنة المطهرة بأن هذه الحركة قد خرجت عن الخط الذي رسمه لها الشيخ محمد عبده، والذي يدعي بأن لطفي السيد وقاسم أمين وطه حسين قد ساروا فيه، وتخلف عنه الذين نقلوا اليقظة الإسلامية من مرحلة الفكرة إلى مرحلة الدعوة، وهي دعوى مبطلة تمامًا لأن المستقرئ لتاريخ
стр. 548
اليقظة الإسلامية منذ ظهور دعوة التوحيد التي دعا بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية ودعا بها كثير من تلاميذ فكر التوحيد الخالص الذي قدمه ابن تيمية وابن القيم وأتباعهما يؤمن بأن الأمة الإسلامية كانت قادرة على الانبعاث من داخلها عندما تنحرف بها الطريق أو تتجمد الخطوات، ولا ريب أن هناك مرحلة غلبت فيها جبرية الصوفية على المفاهيم الإسلامية بعد أن مرت مرحلة الجهاد في مقاومة حملات الصليبيين والتتار وتَوقَّفَ المسلمون عن فتح باب الأجتهاد خوفًا من دخول الفكر الوافد وحرصًا على سلامه مفاهيم الإسلام، وقد كسر هذا الجمود انطلاقة المصلحين الإسلاميين أمثال محمد بن عبد الوهاب والشوكاني وخطيب مسجد المؤيد في القاهرة بالدعوة إلى التوحيد الخالص.
- ومنذ ذلك الوقت سارت حركة اليقظة الإسلامية في طريقها مرحلة بعد مرحلة، فسرعان ما دخلت مرحلة الجهاد بالسيف في مواجهة الغاصب، ثم انتقلت حركة اليقظة الإسلامية إلى مقاومة حملات الهجوم على الإسلام التي بدأها التبشير والاستشراق وهي مرحلة خصبة انتقلت فيها حركة اليقظة الإسلامية إلى منطلقات واسعة في سبيل رسم التصور الإسلامي الصحيح عقيدة وفكرًا، وكان من أبرز ما قامت به إعادة مفهوم الإسلام إلى منطلقه الأصيل من التوحيد الخالص وتحرير إرادة المسلم والخضوع وكسر قيود الجبرية الصوفية وإنكار الأنسحاب من الحياة ودفع المسلم إلى إصلاح المجتمع، غير أن هذه المرحلة لم تصل إلى جوهر المفهوم الإسلامي الأصيل بل شابها بعض القصور؛ لأنها صدرت من منطق مفاهيم المعتزلة، وعلماء الكلام فمضت بها ثمة وكان اهتمامها بإعلاء العقل على النقل، واعتمادها على المنطق، هنالك كان لا بد لحركة اليقظة الإسلامية أن تصحح نفسها وأن تدخل مدرسة التفسير القرآني للإسلام وأن تتحرر تمامًا من أسلوب الاعتزال والتأويل،
стр. 549
كذلك فقد خرجت حركة اليقظة الإسلامية من الفكرة إلى الدعوة حيث بدأت تربي جيلاً جديدًا تربية إسلامية على النحو الذي فعله النبي ﷺ في مكة قبل الهجرة، ومن ناحية ثالثة فقد استعلنت اليقظة مفهومها الصحيح للإسلام بوصفة منهج حياة ونظام المجتمع، وأعلنت لأول مرة وقوفها في وجه الحضارة الغربية وأساليب الغزو الثقافي والتغريب وإعادة الفكر الإسلامي إلى مجرى الأصالة والمنابع، وتحريره من التبعية والإذابة التي جرت خطة العمل بها عن طريق الصحافة والجامعة وقبول مفاهيم المستشرقين الذين جاءت بهم الجامعة ليسيطيروا على علوم الفلسفة والنفس والاجتماع، والاقتصاد والأدب ومن ثم فرضوا مناهجهم الغربية عليها وأصبح الفكر الإسلامي محجوبًا تمامًا عن أهله.
هذا هو الخط الذي سارت فيه حركة اليقظة وهو خط طبيعي وتصور صحيح، وانتقال من المرحلة التي قام بها محمد عبده ورشيد رضا إلى المرحلة التالية تمامًا فهل يمكن أن يوصف هذا بأنه تراجع، أو انحدار أو تحول عن الطريق الصحيح، لقد بدأت الفكرة الإسلامية طريقها واستعلنت ثم مضت في نفس الوقت تبنى جيلاً على مفاهيمها.
- أما جماعة المجددين الذين ادعوا كذبًا وضلالاً أنهم تلاميذ جمال الدين، ومحمد عبده أمثال لطفي السيد وقاسم أمين وطه حسين وغيرهم فهؤلاء هم الذين خانوا أمانة اليقظة الإسلامية، أو أمانة حركة الإصلاح بانحرافهم إلى التبعية وقبولهم مفاهيم الغرب وانزلاقهم إلى خدمة أهداف التغريب.
لقد أصبحت هذه المجموعة السائرة في فلك النفوذ الغربي والقابلة لفكرة التأويل والعمل لتحقيق أهداف الحاكمين سواء في قبول الربا والفتوى به، أو صنع القانون المدني استمدادًا من القانون الوضعي حيث لا يذكر فيه
стр. 550
التشريع الإسلامي إلا في المرحلة الثالثة حيث لا يوجد نص غربي أو عرف أقليمي، وكذلك الفتوى بالتأمين وشهادات الاستثمار.
كذلك فقد تكشف انحراف المجموعة التي عملت في ميدان كتابة التاريخ الإسلامي والسيرة: هيكل والعقاد وطه حسين وأحمد أمين وغيرهم.
ولولا يقظة حركة اليقظة الإسلامية لذلك كله لما انكشف أمره ولمضى التغريب بأيدي علماء لهم أسماء إسلامية.
لقد نعى الدكتور إبراهيم بيومي مدكور على حركة اليقظة انطلاقتها ووصفها بأنها نكسة تهدم ولا تبني؛ لأنها وقفت أمام ذلك الخط الذي رسمه النفوذ الأجنبي واستخدم له الذين تسموا كذبًا بخلفاء الشيخ محمد عبده من أمثال لطفي السيد وقاسم أمين وطه حسين، ومن بعدهم كل الذين حاولوا التأويل لخدمة الربا وتحرير المرأة وتبرير القانون الوضعي.
- إن الدكتور إبراهيم بيومي مدكور يرى في ارتباط الدين بالسياسة خلطًا وضلالاً ويتابعه في هذا كل أعداء حركة اليقظة الإسلامية، الذين يرثون انزواء مدرسة تجديد الفكر الديني، هذه المدرسة التي كان يطمع النفوذ الغربي بأن تحقق أهدافه من خلال مجموعة من علماء الإسلام يفتون بإباحة الربا، وبتحرير المرأة، والقانون المدني والتبعية للفكر الغربي، والذين لا يقفون أي موقف بالنسبة لفساد المجتمعات وانهيارها ولا يطالبون بتطبيق الحدود الإسلامية لأنها تتنافى مع المدنية.
ومن العجيب أن ترى رجلاً مثل الدكتور إبراهيم بيومي مدكور يحاول أن يؤرخ للحياة الفكرية على هذا النحو المضطرب الزائف ونراه يدافع عن انحدار المرأة في المجتمعات تحت اسم تحريرها يقول: لا رجعة في هذا المضمار بحال، ولن تنزل المرأة عن حق اكتسبته وهي جادة في كسب حقوق أخرى، لعلك تدهش يا سيدي الدكتور بأن المرأة قبلت بإرادتها العودة
стр. 551
إلى الله والعودة إلى بيتها وعرفت أن مثل دعوتكم هذه ضالة. مستقاة من بروتوكولات حكماء صهيون.
نحن نؤمن بأن حركة اليقظة قد تطورت تطورًا طبيعيًّا وأن محمد عبده وفتاواه وأفكاره هي مرحلة من هذه المراحل جاءت بعدها مرحلة أخرى أكثر صلة بالقرآن والأصول الأصيلة للإسلام بعيدًا عن التبريرات التي كان يدافع بها المسلمون عن أنفسهم إزاء الغزاة، أما لطفي السيد وقاسم أمين وطه حسين ومن برروا الربا والقانون المدني فهم خارجون عن هذه الحركة ودخلاء عليها وأن دعواهم في الإصلاح الإسلامي كاذبة وأشدهم كذبًا مؤرخ هذه الحركة الدكتور إبراهيم بيومي مدكور.
* إِحسان عبد القدوس عرّاب أدب الفراش والداعي بلا حدود إِلى حرية المرأة المزعومة:
لسنا نعجب حين نرى مصطفى أمين وزكي عبد القادر وإحسان عبد القدوس، ونجيب محفوظ ومن وراءهم يشكلون مفهومًا خطيرًا يبثونه يومًا بعد يوم:
أولاً: نظرية تحديد النسل والتهويل من شأن التفوق البشري في العالم الإسلامي وهي نظرية صهيونية.
ثانيًا: إطلاق حرية المرأة وهي نظرية صهيونية أيضًا.
ثالثًا: الكتابة عن الجنس والإباحية وتحويل القصة إلى مفهوم عام (وتدهش حين ترى بعضهم وقد بلغ السبعين أو قاربها يكتب قصصًا جنسية مثيرة ويتطرق إلى جوانب من وحي شيطان الإغراء والفساد).
رابعًا: تكريم الراقصات والمغنيات والممثلات وإعلاء شأنهن.
стр. 552
خامسًا: تقديس المسرح تحت اسم الفن.
سادسًا: تشجيع الكرة.
أفسحت الصحافة العربية لإحسان عبد القدوس مكانًا واسعًا عريضًا على مدى أكثر من ثلاثين سنة كسب خلالها شهرة واسعة ومالاً وفيرًا وصفه في فتره قريبة (٦٠٠ قصة قصيرة أو طويلة، ١٩ رواية، ٤ قصص للسينما، ٤٦ فيلمًا، بستان عشرون فدانًا في الهرم فواكه، خمسة آلاف جنيه في العام من الصحافة) هذا غير ما كسبه من الأفلام والقصص وهو كثير جدًا فوق ما يتصور الجميع.
وبالرغم من أن إحسان عبد القدوس الآن (١٩٨٠) على أبواب الستين من العمر؛ فإنه ما زال ممعنًا في ذلك الطريق المظلم الأسود الذي شقه لنفسه منذ مطالع شبابه، وما زال مدافعًا عن أدب الفراش الذي يكتبه بدعوى أنه أدب واقعي، وبأنه محب لحرية المرأة مدافع عن حقها في الجنس والانطلاق وراء الأهواء، ولقد كانت قصصه مصدر فساد كبير واضطراب عميق في نفوس جيل كامل من الفتيات اللاتي انسقن وراء الصور التي ساقها عن المرأة المنحرفة والتي حاول فيها أن يجعل المرأة المنحرفة ظاهرة طبيعية في المجتمع أو أن يصبح المجتمع متقبلاً لهذا الانحراف نتيجة إقناعه بهذا المفهوم المسموم في محاولة خطيرة لتغيير أعراف هذا المجتمع الإسلامي الأصيل الفهم لمعنى العرض والبكارة، والعفاف مهما طغت مظاهر الحياة المادية عليه، وآية هزيمة فلسفة إحسان عبد القدوس هذا التيار الإسلامي الجديد للمرأة الذي يرفض هذه المفاهيم المنحرفة التي نقلها إحسان عبد القدوس لا عن سارتر وألبيرتو مورافيا وكامي وحدهم لكن عن طريق فرانسوا ساجان وسيمون دي بوفوار حينما تقمص شخصية المرأة في كتاباته، ولعله مما يزعج حقيقة أن يؤلف كاتب رجل قصة يطلق عليها (ونسيت أني امرأة).
стр. 553
- ويرجع اتجاه إحسان عبد القدوس في هذه الجرأة على الحرمات والقيم وتصوير ما وراء غرف النوم، وكتابة ذلك اللون الذي عرف به والذي وصمه الأستاذ العقاد بذلك الأسم الشهير بأنه أدب الفراش، بالرغم من علاقة مدعاة بين إحسان عبد القدوس والعقاد، وقد وصفه يحيى حقي بحق حين قال: "لا عجب إن كانت ألفاظه كبالونات المراقص المتواثبة أمام عينك فكيف تريد منها أن تستقر على الورق، الويل له إن كان فتى يافعًا أو فتاة في مقتبل الصبا؛ فإن السحر يصبح نوعًا من التخدير كبقية المكيفات لا يخلو من خطر".
ولعل أبلغ وصف ما وصفه به أحد المسئولين حين قال له في مؤتمر صحفي: إنني لا أدخل (صباح الخير) إلى بيتي وأمنع بناتي من قراءتها.
- قال إحسان عبد القدوس في حديث إلى راجي عنايت كاشفًا عن خلفيات قصصه: أنا (أمينة) في قصة (أنا حرة).
وقد أدهشني دهشة الناس من تصوري لعواطف النساء بدقة وتنوع، وسؤالهم لي عن وسيلتي لدراسة هذه العواطف، وقد فكرت في هذا الموضوع طويلاً ووصلت إلى نظرية وهي أن عواطف الرجل هي عواطف المرأة، ولكن الاختلاف فقط يكون في التصرف والنزوع، وهذا المفهوم الذي يقوله إحسان عبد القدوس لا يصدق على مفاهيم التحليل النفسي الصحيح للمرأة وللرجل، وللفوارق العميقة بينهما والتي تتصل بالتركيب الببيولوجي المختلف والعميق الاختلاف بينهما إلا أن يكون للرجل الذي عاش في بيئة النساء زمنًا طويلاً من القدرة على تصوير عواطف المرأة، ونحن إذا راجعنا قصص إحسان عبد القدوس لم نجد تحليلاً لمشاعر المرأة وإنما وجدنا تصويراً جنسيًا صارخًا أشبه بصيحات مراهق كبير محروم، ونماذج المرأة في قصصه لا تعطي صورة المجتمع الإسلامي العربي المصري أبدًا، فالبطلة في النظارة السوداء من سلالة أجنبية، وفي (راقصة في أجازة) نموذج لراقصة أجنبية
стр. 554
حلت بمصر، وهناك فتاة نشأت شاذة منحرفة، وامرأة خلابة لعوب صاحبها يمسك في يده كأس خمر طول مدة السير متهورًا إلى حد الوقاحة متحللاً من كل قيد.
- يقول أحمد حسين الطماوي: من يتأمل معظم قصص إحسان التي أدارها على لسان أبطاله يجد أنها جاءت مناسبة لتفكير المراهقين، محركة لغرائزهم يقبلون عليها إذ فيها ما يثير حواسهم وما يجعل شهواتهم تتراكض مستعرة في نفوسهم، والصور الوصفية التي يعرضها لا يمكن أن تكون تصويرًا اجتماعيًا. فهل هذه الأوصاف تعبر عن الحياة الاجتماعية وهل من الحكمة أن يكون الانحلال واستطلاع أخبار الناس ورصد الشذوذ هي أفضل الموضوعات لدراسة المجتمع، إننا لا نطلب من الكاتب أن يلغي مفعول الغرائز ولكنه يجب أن يعمل على تهذيبها، ويعبر عنها بطريقة لا ينفعل القارئ بها أنفعالاً شهوانيًّا، بل يحس بتأثيرها الوبيل عليه ولو انغمس فيها، وفي هذه الحالة نجا منها وهو يعرفها ويتجنب الوقوع في حمأتها ما استطاع، كذلك فإن تصويره للشخصيات فيه مغالطة كبيرة وافتراء على الواقع فالأم تأخذ بيد بنتها لتسلمها للضياع وتساوم الرجل وكأنها قوادة (قصة أنف وثلاث عيون)، وهذا أبشع تصوير للأم والزوجة تقف في جنازة زوجها وتمسك بعلبة البودرة (الطريق المسدود) والطبيب يدمن المخدرات ويقنع الناس بفائدتها وكأنها روشتة من الطبيب إلى المريض لكي (يروق دماغه).
- وهذه هي شخوص إحسان عبد القدوس وهي شخصيات منحرفة عن الواقع.
إن شخصيات الرواية لا تريد ولكنها منقادة تعمل لإرادة المؤلف فيها، والقصاص هو المتحكم في سلوك أبطاله ومصائرهم وأنه من مهام الكاتب تحليل المشاعر ومعرفة أعماق الوجدان وتصوير النفس وتحري أسرارها وإماطة
стр. 555
اللثام عن مستدق أحوالها ووزن أفعالها، فتكون القصة بعد ذلك دراسة للنفس ونزاعها مع ما يحيط بها ونزوعها إلى ما تريد من خير وضير، وعندما لا يستطيع ذلك يترك عالم النفس والخاطر إلى دنيا الشهوة والغرائز ومواخير البغاء حيث الحياة الملوثة المريعة.
ويشهد إحسان في رسالة عن بلزاك الذي كان يكتب قصصًا أشد صراحة من قصصه، هذا أحد كتاب الغرب، إن قصص إحسان بما فيها من إثارة جنسية تصبح والحالة هذه لا عمل لها إلا إلانة الهمم الغلابة والنيل من أخلاق المجتمع، هذه الحرية الجنسية التي منحها إحسان لأبطاله قد وجدت من يعتنقها من نساء المجتمع ورجاله، ومن ذلك ما نشرته نوال السعداوي التي تطالب بالتحرر الجنسي.
ولكن ما هو موقف إحسان من الاتهامات التي توجه إليه:
- يقول: إن إيماني بحرية المرأة ليس له حدود، وربما كان أحد دوافعه الأساسية في البداية مستمدًا من إيماني بتفرد تجربة أمي (فاطمة اليوسف) هذه السيدة التي أثبتت وجودها في عالم الرجال ونجحت في فرض نفسها عليهم وحققت ما لم يستطع كثير من الرجال أن يحققوه.
ولا شك أن الأستاذ إحسان ليس مستوعبًا لأبعاد هذا المعنى وحقيقته، فالسيدة فاطمة اليوسف كانت ممثلة شهيرة كان لها في مجال المسرح خصوم وصداقات، وقد رأت يومًا أن تحارب خصومها بأن تخرج مجلة تهاجم فيها هؤلاء الأعداء بسلاح الصحافة، هذا كان هو الهدف الأول، ولكن المجلة تغير اتجاهها بعد أن رغب حزب الوفد في أن يتخذ منها منبرًا سياسيًا عن طريق أسلوب الكاريكاتير في مواجهه مجلة الكشكول التي كانت تُصْلي حزب الوفد نقدًا شديدًا، ولم تكن السيدة روزاليوسف كاتبة أو صحفية في الحقيقة، وما نسب إليها من مقالات أو مذكرات فإنما هو بقلم بعض أتباعها
стр. 556
وتلاميذها، وهو يحوي وجهة نظرها إلى الأمور ولكنه ليس بقلمها.
ولذلك فإن ما يذكره إحسان عبد القدوس في هذا المجال في حاجة إلى مراجعة، ولا بد أنه كان للسيدة فاطمة اليوسف دور ودور خطير في حياة ابنها إحسان، يقول تحت عنوان "أمي":
"إن أمي لا تريد أن تنسى أنها تعبت في حملي تسعة أشهر فتطالبني بالتكفير عن هذه الشهور التسعة طوال حياتي، كنت مقتنعًا بأن أمي تعاملني معاملة فراخ التقفيصة تطعمني ما شاءت وتذبحني إذا أرادت مع اعتقادها أن (لكي) الكلب أشد إخلاصًا لها مني".
ومع اعتقادي هذا نتيجة وقائع وظروف أحاطت بي فقد تفتح وعيي فإذا بي بين يدي أم ليست ككل الأمهات، أم ليس لها نعومة السيدات ولا ضعفهن نحو أبنائهن ولا يستقيم مع أخلاقها تدليل الأطفال ومناغاتهم، بل كانت أمًا طاغية طغيان مارد، عنيدة عناد جبار، ولا شك أنها سهرت بي الليالي كما سهرت كل أم، ولكن كل ذلك حدث قبل أن أعيي وقبل أن يتنبه إحساسي، وإنما تفتح وعيي وتنبه إحساسي؛ فإذا بأمي هي السيدة فاطمة اليوسف صاحبة مجلة روزاليوسف الأسبوعية ثم اليومية، وإذا بها تخاصم حكومات وتناضل زعماء وأحزابًا وإذا بها تستدعى إلى النيابات ويحقق معها كل يوم ثم تسجن في إحدى المرات.
وأحسست بالجفاف الروحي وسط هذا الجو الذي أعيش فيه، ولم أكن أرى أمي إلا ساعة الغداء، وكان يحز في قلبي أن أرى طفلاً تلاعبه أمه في حديقة أو تسحبه من يده أو تضمه إلى صدرها، ومن حق أمي عليّ أن أذكر أن عملها لم يفقدها حنان الأم، فقد كانت تعود في المساء فتجلس إلى جانب سريري لتطمئن إلي، وربما كانت ساعتها تناغيني وتقبلني ولكني في هذه الساعة أكون نائمًا، وقد أرادت أمي أن تخلق مني صحفيًا بنفس الطريقة التي
стр. 557
خلقت بها صحيفتها، فعينتني محررًا في مجلتها وخصصت لي راتبًا شهريًا ينقطع إذا انقطعت عن التحرير؛ فإذا حاولت أن أعاملها كأم ناسيًا أنه رئيسة تحرير، أوقفتني نظراتها الغاضبة عند حدي، وأخيرًا تغلب ما أرادته وأصبحت علاقتي معها لا تتعدى علاقة رئيسة تحرير بأحد المحررين.
والسيدة والدتي عنيدة في عملها عنادًا أحس به كل من عمل معها أو اتصل بها، وكان عليَّ أن أنفذ أوامرها بلا مناقشة وأعتنق آراءها بلا محاولة ولكن من سوء حظي أنني ورثت عنها كل هذا العناد فكنا إذا اختلفنا في الرأي اصطدمنا، لم تكن تلين أبدًا أو ترحم أعصاب ابنها البكر الوحيد، بل كانت دائمًا طاغية جبارة ولم تقابلني أبدًا كأم إلا مرة واحدة عندما تذكرت أن من حقوق الأم أن تضرب ابنها علقة فضربتني علقة، وبلغت مصادماتنا حدًا وصل إلى طردي من تحرير المجلة عدة مرات.
هكذا يصور إحسان عبد القدوس علاقته بأمه، وهي علاقة مضطربة غريبة ولا شك أن اتجاه إحسان إلى هذه الكتابات المثيرة التي يريد بها أن تحدث الدوي هي نتيجة "الاضطهاد" الذي عاشه في حياته الأولى، التي شكلت عواطفه ومشاعره واتجاهاته كلها ولقد كانت الصحافة لإحسان عبد القدوس حرفة ومورد رزق ولم يكن مورد الرزق الصحفي في هذه الفترة إلا أحد عملين: الكتابة السياسية الحزبية التي تؤيد بها حزب ضد حزب وهذا ما كانت تقوم عليه مجلة روزاليوسف وكان صراعها أنها كانت في صف أحزاب الأقلية التي كانت لا تصل إلى الحكم إلا عن طريق الدكتاتورية التي يشكلها القصر مع الاستعمار، وهناك كتابة القصة وهي مصدر توزيع خطير وقد كتب (محمد إحسان عبد القدوس) في أول أيامه في السياسة ثم فضل أخيرًا أن يقدم لمجلة روزاليوسف مصدرًا ضخمًا من التوزيع وهو القصة الجنسية المكشوفة التي رفعت من توزيع المجلة أضعافًا مضاعفة، ولم يكن
стр. 558
إحسان عبد القدوس يقدم قصصه في غلاف سياسي أو وطني إلا ليخدع الناس وليفتح الطريق للفكرة المسمومة في مجال القصة وهي الكشف والإباحية ولذلك فإن إحسان عبد القدوس يكذب حين يقول: أنا لست محترفًا، أنا من الهواة.
- ذلك أن كتابات إحسان عبد القدوس كلها توحي بإشاعة روح الفن كما يفهمه دعاة التغريب، جنسًا خالصًا، وهو متبعًا مما جعل كاتبًا مثل صبري حافظ" يقول: "هذا ( ... ) الذي أغرق كتاباته في طوفان اللحظة الشبقية مما جعله ينجح تمامًا في دس أغلب كتبه تحت وسائد المراهقات رغم ضخامة حجم هذه الكتب وغلاء ثمنها غير المبررين، ولقد حرص إحسان عبد القدوس فترة طويلة على كتابة خواطر فنية يوجه فيها الراقصات والمغنيات ليصور لهم أصول الفن وقداسته، ويقول لهم: هذا عيب وهذا واجب وعلى الفتاة فلانة أن تخس كذا كيلو حتى يتلاءم جسدها مع دورها. الذي تمثله، ولا يعقل أن تظهر البطلة بثلاثة فساتين فقط في مسرحية ولا تبدو في الصباح بثوب نسائي مجرجر .. إلى مثل هذه الكتابات التي تدل على استبطان عجيب لأساليب المخرجين.
ولا ريب أن إحسان عبد القدوس قد دخل في السنوات الأخيرة مرحلة أشد خطورة بقصصه في جريدة الأهرام منذ سنة ١٩٧٤ ذلك أنه كان في الماضي يعايش القصة ويحاول أن يجعل من الخطيئة ظاهرة أساسية في مجتمع أبطاله، فهم جميعًا منحرفون تدفعهم أهواؤهم وشهواتهم وملاذهم ولم يكن المجتمع في حقيقته كذلك ولكنه كان يريد أن يقرض حالة (خاصة) ليجعلها ظاهرة عامة وأن يجعل من التجربة والظروف والخلفيات الفردية منطلقًا لصورة عامة، ولم يكن في هذا الأمر إلا جريئًا على أصول الدراسات الاجتماعية وسنن الأمم والجماعات منكرًا لأصالة المجتمع الإسلامي الذي
стр. 559
يتميز في مجموعه بالعفة والطهر والخلق والحرص على العرض والبكارة والبعد عن الاغتصاب، ما عدا بعض حالات ليست أصيلة وليست من شيم المسلمين وأخلاق العرب، وإنما دخلت عليهم من الأمم الأخرى والنحل التي حاولت أن تنصهر في مجتمع الإسلام فحملت معها أوشابها وخطاياها وتواريثها إذ لم يستطع الإسلام بعد أن يطهرها وينقيها ويدفعها إلى البحر الواسع بأمواجه الطاهرة فبقيت على حفافي الجداول، أما الموجة الجديدة في قصص وكتابات إحسان عبد القدوس فهو يحاول أن ينقل من الحياة صورة حية للخطيئة، فهي لم تعد قصة في مجال الخيال والبناء الفني وإنما هي أشبه بواقع منتزع من الحياة نفسها، فكل الذين يكتب عنهم يدعي أنه قابلهما فعلاً ودخل معهم في تجربة "المطاردة والاغتصاب" هذه الطبيبة الإنجليزية التي قدمت جسدها للعبد الأسود الأفريقي، أو تلك المهاجرة من بورسعيد إلى القاهرة أو تلك الفتاة البدوية التي كانت طالبة داخلية في أحد معاهد العاصمة العربية.
كل هؤلاء نماذج جديدة حية من الرجال والنساء يلغون في الخطيئة، تلك الظاهرة التي يراها إحسان عبد القدوس طبيعية في المجتمع العربي وفي كل المجتمعات البشرية ويعجب كيف يدسونها أو يكتمونها، وأن ظاهرة المرأة الخاطئة وظاهرة الخمر، وظاهرة تقديم الجسد عن رضا لأي رجل لم تعد في تقدير إحسان عبد القدوس بالأمر الذي يستلفت النظر، وكأنه يريد أن يقرره ظاهرة جديدة في المجتمع العربي هو انتهاء طابع الغيرة والحفاظ على العرض من هذا المجتمع الإسلامي الأصيل وبروز بادرة الرغبة والشهوة من المرأة إلى الرجل، ونحن نرى أن هذا ليس طابع المجتمع العربي والإسلامي في الحقيقة، فما تزال المرأة متصونة ومتعززة ومطلوبة ولم تصل إلى مثل هذا الانحراف الذي يعرفه المجتمع الغربي الذي ينقل منه هذه القصص بعواطفها وأحداثها وتحدياتها، وما يوجد لدينا من انحراف إنما يتمثل في نماذج قليلة
стр. 560
من نبت نبت من أمهات منحرفات أو لسن مسلمات على الأصح، إنما يحاول إحسان عبد القدوس وطائفة من الكتاب اليوم في إصرار عجيب على تقديم صور الجنس وقصصه وأحاديثه ومع كوكبة من أمثال لويس عوض ونجيب محفوظ ومصطفى أمين ويوسف إدريس في نفس الوقت الذي أخذت فيه ظاهرة المرأة المسلمة المحتشمة تبدو واضحة في كل مكان على أنها واقع أصيل يصفع الدعاة إلى الشهوات والآثام، وقد علقت مجلة المجتمع الكويتية في عددها (١٨/ ١/١٩٧٧) على قصة إحسان عبد القدوس "خذني من هذا البرميل" فقالت:
إحسان عبد القدوس أحد المسئولين عن إفساد هذا الجيل بما كتبه من روايات تجر الشباب جرًا إلى القاع، وتقتل فيهم نوازع السمو والسعي نحو مستوى خلقي أفضل، إنه يرضي مظاهر واتجاهات الانحراف فيشجعها ويمجدها ويفلسفها ويرصد اتجاهات الاستقامة والفضيلة فيخذلها ويصد عنها ويحاربها، ولقد فسر بعض المفكرين هذا السلوك الذي يضيق بالطهر ويفرح بالانحطاط فاكتشف أن هذا الشخص ينطلق من عقدة خاصة تدفعه إلى تلويث المجتمع كله بالرذيلة وأنه يمضي في طريقه تحت شعار (لنسقط متحدين)، وفي جريدة الأهرام نشر كاتب الرذيلة قصة من ثلاث حلقات عنوانها (أرجوك خذني من هذا البرميل):
- والقصة عن امرأة من الكويت صوّرها مختنقة في برميل من البترول وتريد الخروج منه، وفي الحوار الجاهلي الطويل حول الخروج من البرميل والبحث عن حواجز، بث ما يريد بثه من أفكار السقوط والجرائم الأخلاقية، وفي الحوار أيضًا لجأ إلى أسلوب التعميم فجعل الكل يبحث عن حواجز ويعمم الأحكام حين يقول عن بطل القصة على لسانها: إنه كان رجلاً من الكويت يستأجر كل ليلة امرأة دون أن يحس بأنه يخون زوجته.
стр. 561
وفي ثنايا الحوار نقمة على الكويت كله، ونحن كما ندين كتابات هذا الشخص الرامية إلى إفساد الجتمع المصري ندين قصته هذه ولا ننكر أن في المجتمعات انحرافات لكن هذا شيء والرغبة في الإفساد تعبيرًا عن عقد مرضية وأحقاد مهتاجة شيء آخر، إن القصة هجوم سياسي صيغ في أسلوب فني".
وكذلك هناك قصة إحسان عبد القدوس التي يقول على لسان بطلها عندما أراد أن يتزوج عشيقته اليهودية: "أنت تستطيع أن تتزوج دون أن تغير دينك، إنها أنانية الإسلام، البنت المسلمة لا تستطيع أن تتزوج غير المسلم ولكن الرجل المسلم يستطيع أن يتزوج من كل الأديان.
- والحقيقة أن هذا الكلام تشوية للإسلام؛ لأن الشريعة الإسلامية هي خير الشرائع عامة وفي النواحي الاجتماعية خاصة وقد أسلم كثيرون لفك قيدهم الاجتماعي من الأديان الأخرى.
- والإسلام حينما ينادي بأنه لا زواج للمسلمة من غير المسلم فلذلك حكمة عظيمه وهي ألا تمتهن المرأة المسلمة ولا يكون لغير المسلم عليها ولاية وحتى لا ترتد يومًا عن دينها، وحتى لا يخرج أبناؤها على دين أبيهم اليهودي أو المسيحي، أما أن يتزوج الرجل من الكتابية؛ فإن الرجال قوامون على النساء وباستطاعة الرجل أن يؤثر على زوجته فتتبع الإسلام مثله، أو على الأقل ينضم الأبناء لدين أبيهم وهو الإسلام والواجب أن نظهر للناس هذه المعاني لخير الأديان بدلاً من تشويه صورته التي يحولها بعض ذوي الأغراض إلى طعنات قاتلة للنيل من ديننا.
* وفي ضوء مفاهيم إحسان عبد القدوس المنقولة من كتب جنس الغربيين:
والتي تعتمد أساسًا على مفاهيم فرويد الزائفة التي كشفت الأبحاث
стр. 562
الميدانية والعلمية عن ضلالها ينطلق إلى مفاهيم غاية في الفساد والاضطراب ومن ذلك أن الموت راحة وأن الانتحار ليس جبنًا أو هروبًا، أو كما يقول: إنه عندي إقرار بالشبع وبأنك لم تعد تحتاج من الدنيا أكثر من ذلك ولا أطول، وليس أدل على فساد عقلية إحسان عبد القدوس من مثل هذا القول الذي يضاف إلى دعواه العريضة بأنه بقصصه يعلم الفتاة ويجعلها أكثر قوة على مواجهة الحياء، ومتى كان تضليل المرأة عن مهمتها وعن حق الله عليها وعن الطهارة والعفة هو توجيه لها لتكون أكثر قدرة على مواجهة الحياة؛ فإذا أضفنا إلى هذا أن مجلة روزاليوسف في خلال رئاسة إحسان عبد القدوس قد روجت لكثير من الدعوات الهدامة ومنها العلمانية والبهائية والإباحية، وآية ذلك ما نشرته روزاليوسف (١٧ ديسمبر ١٩٥٦) يتحدث عن أن عددًا كبيرًا من المؤمنين بالدين البهائي ولكنهم لا يعلنون عن إيمانهم مكتبين باتباع التعاليم في السر، وكل ما نعرفه أن بمصر والسودان خمسة عشر محفلاً، ويقول المقال: لكي تكون بهائيًا يجب أن تؤمن بموسى وعيسى ومحمد، وبالتوراة والإنجيل والقرآن ثم ببهاء الله وكتابه الأقدس ... إلخ.
- بل إن إحسان عبد القدوس عندما "يسرق" من استيفان دي فايج يصل إلى أبعد منه جرأة وإباحية، يقول الدكتور مندور: إن زفايج قصد في قصته السر المحرم إلى إظهار هذه الغيرة الاجتماعية على الشرف ولا أدل على ذلك من أن زفايج قد جعل الطفل يرفض أن يبوح لأبيه بسقوط أمه وجريمتها المخلة بالشرف، أما إحسان فقد اكتفى باستيحاء الإطار العام للقصة والذي راقه كان فيما يبدو هو استسلام الزوجة للذة الآثمة أكثر من معنى الشرف عند الطفل الصغير، وذلك بدليل أن الطفل في قصة إحسان قد اكتشف بسرعة سقوط أمه وهنا كان الواجب أن تثوب الأم إلى رشدها، ولكنا نراها مع ذلك -على يد إحسان- تعود فتلتقي بعشيقها في الأحراش وتستسلم له
стр. 563
مرة ثانية، وهذا هو أسلوب التوغل في المسائل الجنسية.
- قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩].
* يوسف إدريس الماركسي يدعو إلى حرق كتب التراث كلها:
ويكشف يوسف إدريس عن هويته واضحة تجاه الأدب العربي كله حتى يدعو إلى نبذ التراث العربي كله وإلقائه في البحر أو إحراقه حيث يقول في مجلة البلاغ الأردنية: إن تراثنا تحريفات وزخرفات لغوية وإن التراث سخيف وليس فيه شيء للقراءة.
- ويقول: أنا قرأت عشرات من كتب التراث ولم أع منها فكرة واحدة باستثناء بعض الكتاب أمثال الغزالي وابن رشد، ولذلك يجب أن تحرق كتب التراث كلها. والواقع أن أكثر الناس جهلاً هم أجرأ الناس على الاتهام، ومن جهل شيئًا عاداه، والواقع أن يوسف إدريس لم يقرأ شيئًا من التراث لأنه ليس له أرضية أساسية لمثل هذا، فهو قد شكل نفسه على قراءة بعض القصص الأدبية الماجنة والإباحية ومنها استمد مفاهيمه ثم عرف الفكر الماركسي فخلق ذلك كله في نفسه العداء للفكر الإسلامي الذي لم يعرفه وإن كان قد ذكر اسم الغزالي وابن رشد فلكي يعلي من شأن نفسه، وإلا فأين ابن تيمية وابن حزم، وابن القيم والشافعي ومالك وأبو حنيفة والجاحظ وعشرات من رواد التراث الأعلام، الواقع أن هذه صيحة عداء وخصومة للفكر الإسلامي يحملها كاتب ماركسي يسارى لم يكن شيئًا حتى أعطاه الدكتور طه حسين صك الشهرة والظهور هو وأصحاب الأفكار الإباحية التي يروجها سارتر وكامي وكافكا وكل من المنحرفين وليس إلا واحدًا من هؤلاء الذين ظهروا خلال فترة المد الماركسي في العالم العربي وهو نبت هش لا
стр. 564
جذور له، ولا قيمة له، ولا وزن له في ميزان القصة أو النقد، وما نعرف كاتبًا يحترم نفسه يهاجم تراث أمته على هذا النحو إلا إذا كان متعصبًا ضد هذه الأمة، كارهًا لفكرها، خادمًا لأهداف أعدائها؛ بل إنه لا يمكن لكاتب يقدر مكانته في أمته ويكتب بلغتها يقول مثل هذا القول؛ بل إن أعتى المستشرقين غلوًا وأكثرهم تعصبًا وأشدهم كراهة للإسلام والقرآن واللغة العربية لم يصرح بمثل هذه العبارة وإن كان يستبطنها في أعماقه، وهذا يدل على الحمق، وعلى أن الكاتب قد باع نفسه ولم يعد له سهم واحد من المكانة في أمته، ذلك لأن التراث الإسلامي قد اعترف بمكانته أشد أعدائه عداوة له، بعد أن تكشف مدى الأثر الضخم الذي تركه في الفكر الغربي والفكر العالمي سواء في مجال التقنية والعلم أم في مجال العلوم الاجتماعية أم في مجال القانون والتشريع باعتراف عشرات من أعلام الغرب المتخصصين، مما يصفع يوسف إدريس ويثبت تبعيته وتعصبه وحقده على الفكر الإسلامي الأصيل.
وهكذا يكشف كتاب القصة عن حقيقة واضحة هي أنهم أعجز الناس عن التفكير في أفق المجتمع الإسلامي أو دراسة قضاياه لأنهم يعيشون في أعماق القصص الغربي وقضاياه كما تعيش الأسماك في أعماق المحيطات.
- وينصح يوسف إدريس في جريدة الجمهورية (٢١/ ٥/١٩٦٦) فتاةً تشكو من حبها المصحوب بالحرمان، إلى أن تخفف من حرمانها كوسيلة للتخلص من شدة عاطفتها، أي أنه يدعوها إلى اقتراف المنكر، وهو يسخر منها لأنها رفضت قبلة صديقها وفتاها، يقول أنها لو قبلت لاستراحت، وبقي عليها مقاومة الحياة.
ولا ريب أن هذه النصيحة المسمومة سترتد إلى نحر يوسف إدريس بالجزاء الأوفى وبالنقمة والمثلة؛ فإنه بذلك قد أفسد عقلية فتاة مسلمة وعاطفتها وكشف لمئات من القارئات عن الاستهانة بهذه الأمور، وحرضهم
стр. 565
على الاندفاع وراء الأهواء وتحمل وزر ذلك كله وجرمه عند الله ﵎، ونجد في الصحافة النسوية عشرات الأمثلة من هذه الإجابات قدمها أنيس منصور وإحسان عبد القدوس وأمينة السعيد وغيرهم.
* فساد مفهوم يوسف إِدريس عن الموت:
- يقول يوسف إدريس في ظروف وفاة كامل الشناوي عن الموت: "ولكن الغادر -أي الموت- لم ينتظر لكي يريه الفجر، ضن عليه ببضع ساعات، يا موت رفقًا بكامل الشناوي يا موت دعه يرى الشروق وهو يقبل على القاهرة كما كان يريد، يا موت حين تحين النهاية اجعله ينام في سلام كما ينام الأطفال، بربك خذه، وهدهد عليه، ضمه بحب كما كنا نضمه، كم كان شفافًا أيها المعتم، كم كان ذهبًا متوهجًا يا أيها الغبي المغلق، كم كان إنسانًا، كم كان يخافك يا ملعون، يا حق، يا من لا مهرب منك، ولكن الموت ذلك الصديق الغادر، في غل بارد، وبإرادة حديدية متجمدة، كان يضمر له النهاية، فاجأة مرة بأن انقض عليه وحيدًا، من فرط ثقتي قد خلت أنه أقوى من الموت حتى لو ربط الموت في فراشه، كنت متأكدًا أنه خالد، يا كامل لا تمت، تلك اللحظة التي تلقى فيها عدوًا ظالمًا خشيته النهاية التي ليس بها إلا رفيق كئيب مستمر لا يأخذ ولا يعطي ولا يتكلم".
هذه هي مفاهيمهم عن الموت وحديثهم معه، وهو حديث ضال مظلم يدل على أن صاحبه لم يعرف كلمة واحدة من المفاهيم التي قال بها الدين، أي دين - عن الموت، ولقد كان أولى به أن يخشع وينتظر نفس المصير، ضربة القدر قبل الموت، التي تلحق بكل هؤلاء الضالين المبطلين الذين لا يعرفون الله ولا يلتمسون طريقه الحق.
- ولا ريب أن إذاعة هذا المفهوم الفاسد عن الموت، كما يصوره دعاة