- ويقول: لقد تعود المؤلف من صباه قبول مختلقات أهل الكتاب وأوهامهم وسبب ذلك أنه يزن التاريخ الإسلامي بميزان غير ميزاننا، ولذلك يصغي إلى كل صوت ويستمع لكل قائل، ولكل فن أصول وقواعد وما لم تكن الرواية مطابقة لهذه الأصول اليقينية لا يلتفت إليها أصلاً.
ومنها أن الناقل للرواية لا بد أن يكون شهد الواقعة؛ فإن لم يشهد فليبين الرواية ومصدرها، حتى تتصل الرواية إلى من شهدها بنفسه.
ومنها أن يكون رجال السند معروفين بصدقهم وديانتهم، وأنت تعلم أن البغدادي والقفطي من رجال القرن السادس والسابع، فأي عبرة برواية تتعلق بالقرن الأول يذكر أنها من غير سند ولا رواية ولا إحاله إلى كتاب.
أما كتب القدماء الموثوق بها، فليس لهذه الرواية فيها أثر ولا عين، وهذا تاريخ الطبري واليعقوبي و"المعارف" لابن قتيبة، و"الأخبار الطوال" للدينوري، و"فتوح البلدان" للبلاذري، و"التاريخ الصغير" للبخاري، وثقات ابن حبان و"الطبقات" لابن سعد، قد تصفحناها وكررنا النظر فيها، مع أن فتح الإسكندرية مذكور فيها بقضها وقضيضها فليس لحريق الخزانة ذكر.
والحاصل أن محققي أهل أوربة قضوا بأن الواقعة غير ثابته أصلاً، منهم (جيبون) المؤرخ الشهير الإنجليزي، و (درببر) الأمريكاني، و (سيديو) الفرنسي، و (كارليل) الألماني، والمعلم (رينان) الفرنسي وعمدتهم في أفكار ذلك أمران:
الأول: أن الواقعة ليس لها عين ولا أثر في كتب التاريخ الموثوق بها كالطبري وابن الأثير، والبلاذري وغيرها مما ذكرنا.
والثاني: أن الخزانة كانت قد ضاعت قبل الإسلام، اثبتوا ذلك بدلائل لا يمكن إنكارها.
стр. 492
رابعًا: الضغوط على أهل الذمة:
ادعى المؤلف أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب عهدًا لنصارى الشام، وذكر نصه منقولاً عن سراج الملوك للطرطوشي، واعترف بأن فيه ضغطًا على النصارى، ثم اعتذر لعمر بأن نصارى الشام كانوا يميلون إلى قيصر الروم، وكانوا من بطانته يتجسسون له، فلذلك احتيج إلى الشدة بهم والتضييق عليهم.
- يقول الشيخ النعماني: كل من له أدنى مسكة في التاريخ يعرف أن الطرطوشي ليس من رجال التاريخ، وكتابه كتاب أدب وسياسة، وهو من رجال القرن السادس، وإنما المعول على المصادر القديمة الموثوق بها، كتاريخ الطبري والبلاذري، واليعقوبي وابن الأثير وغيرها، وهذا ما كان يخفى على المؤلف ولكن لأجل هوى في نفسه أعرض عن كل هذا، وتشبث برواية واهية تخالف الروايات الصحيحة المذكورة بإسنادها ورجالها، وقدم الشيخ النعماني رواية القاضي (أبو يوسف) في كتابه "الخراج"، وهي تكشف عن اعتراف أهل الذمة بوفاء المسلمين لهم وحسن السيرة فيهم.
* خاتمة:
وقد أشار السيد رشيد رضا ﵀ في دراسة له عن جرجي زيدان "صاحب الهلال" بعد وفاته كشف فيها وجه هذا الشعوبي، فقال: أنه أظهر بعد الانقلاب العثماني (١٩٠٩) نزعة جديدة، هي إحياء لمذهب الشعوبية، ذلك أنه زار الأستانة ولقى فيها بعض زعماء الاتحاد والترقي ثم عاد متشبعًا بالنهضة التركية الزائفة مستنكرًا عدم مجاراة العرب لإخوانهم الترك في الانضمام على خطة الاتحاديين والترقي إلى تتريك العناصر وادغام العرب في الترك.
стр. 493
وقد كتب في الهلال ما يشعر بهذه النزعة من مطاعن في العرب، أودعها بعد ذلك في كتاب "تاريخ التمدن الإسلامي"، وفطن لها أخيرًا من لم يكن يحفل بها، وزادهم التفاتًا إليها ترجمة جريدة (أقدام) التركية لتاريخ التمدن الإسلامي ونشره بالتتابع، وهذا ما حفز الشيخ شبلي النعماني إلى الرد عليه وأخفى شبهاته.
- الأستاذ والتلميذ: "وكان الأب لامنس اليسوعي قدوته في نقد العرب وبني أمية، كما كان سوفان فلهوزن دليله في الحديث عن ما أسماه الحملة على الموالي وهو أكبر متعصبي المستشرقين، ولجرجي زيدان سموم أخرى في كتابه عن أدب العرب" (١).
* كتاب "تاريخ آداب اللغة العربية" وردّ الشيخ السكندري عليه:
هذا هو الكتاب الثاني لجورجي زيدان الماروني الفرنسي الثقافة الذي تربى في مدارس الشيوعيين، وعلمه باللغة وأدابها لا يؤهله لفهم مؤلفاتها، ولذلك تصدى له الشيخ السكندري وبين عواره.
- قال الشيخ السكندري: الأمور التي تؤخذ على الكتاب كثيرة:
أولاً: الخطأ في الحكم الفني، أي تقرير غير الحقيقة العلمية سواء أكان ذلك بقصد من المؤلف أم بغير قصد.
ثانيًا: الخطأ في الاستنتاج، وهو ما يعذر فيه المؤلف لأنه اجتهاد من عند نفسه.
ثالثًا: الدعوى بغير دليل، وهو ما يقرره المؤلف من غير دليل عليه، وقد يكون في ذاته صحيحًا ولكن سوقه ساذجًا يتيح مجالاً للشك.
стр. 494
رابعًا: الخطأ في النقل وهو آت من تصرف المؤلف في عبارات المؤلفين بقصد اختصارها، أو من تسرعه في الجمع وقلة مراجعة الأصول.
خامسًا: قلة تحري الحقيقة بمراجعة الكتب المعتمدة والتواريخ الصادقة ووزن كل عبارة بميزان العقل والإنصاف وقياس الأمور بأشباهها، بل كثيرًا ما تروج عند المؤلف أقوال الخصوم في خصومهم، وأقوال الكتب الموضوعة لأخبار المجان أو لذكر عجائب الأمور وغرائبها.
سادسًا: تناقض بعض أقوال الكتاب.
سابعًا: الاختصار في كثير من التراجم والمباحث، وإهمال ما ليس من شأنه أن يهمل.
ثامنًا: إدخال ما ليس من موضوع الفن فيه، لغير مناسبة أو لمناسبة ضعيفة جدًا.
تاسعًا: الاستدلال بجزئية واحدة على الأمر الكلي، وهو كثير الحصول في جميع كتب المؤلف وفي أكثر استنتاجاته ودعاواه.
عاشراً: تقليد المستشرقين في مزاعمهم أو نقلها من غير تمحيص.
حادي عشر: اضطراب المباحث وصعوبة استخراج فائدة منها لاختلال عبارتها، أو لعدم صفاء الموضوع للمؤلف.
ثاني عشر: اضطراب التقسيم والتبويب إما بذكر المباحث في غير موضعها، ويعد رجال عصر في عداد رجال عصر آخر.
ثالث عشر: التحريف واللحن وهمًا كثيرًا الشيوع في جميع كتب المؤلف.
رابع عشر: تهافت المؤلف على تطبيق قانون النشوء والارتقاء حتى على الأمور التي فيها تدنٍ وانحطاط لا نشوء ولا ارتقاء.
стр. 495
* أولاً: الخطأ في الحكم الفني:
١ - قول المؤلف: (وكان أبو حنيفة لا يحب العرب ولا العربية حتى أنه لم يكن يحسن الإعراب ولا يبالي به).
وقد عزا هذه العبارة إلى (ابن خلكان - وفيات الأعيان ج ٢) فالذي يثق بالمؤلف يصدق عبارته بعد أن تبرأ من تبعتها ونسبها إلى مؤرخ عظيم، ولكنه إذا آخرها ابن خلكان في هذه الصفحة بل إذا قرأ ترجمة أبي حنيفة من أولها إلى آخرها لم يشم منها رائحة هذه الألفاظ بل المعاني.
٢ - فقول المؤلف (وكان أئمة الفقه في المدينة، فأراد المنصور تصغير أمر العرب وإعظام أهل الفرس لأنهم أنصارهم -أي: العباسيين- وأهل دولتهم، فكان من جملة مساعيه في ذلك تحويل أنظار المسلمين عن الحرمين، فبنى بناء سماه القبة الخضراء محجًا للناس (كذا) وقطع المسيرة عن المدينة، وفقيه المدينة يومئذ الإمام مالك الشهير فاستفتاه أهلها في أمر المنصور، فأفتى بخلع بيعته فخلعوها، وبايعوا محمد بن عبد الله من آل علي .. إلخ.
ومن عبارته يفهم أن جمهرة أئمة الفقه كانت بالمدينة فقط، وأن المنصور كان يكره العرب كراهية حملته أن يرتد عن الإسلام ويحاول صرف المسلمين عن تولية وجوههم شطر قبلتهم، وأن أهل المدينة استفتوا مالكًا في خلع المنصور فأفتاهم.
وكل هذه اللوازم باطلة فلم تكن جمهرة الفقه بالمدينة بل كانت في كل الأقطار ثم كيف يكره المنصور العرب بهذه الكراهية وهو عربي، وابن عم النبي ﷺ وخليفته في أمته وشريعته.
أما عن الثالث فينافيه ما تقدم، واعتذر المنصور بعد ذلك لمالك عما وقع، كذلك فإن المنصور لم يقطع عن أهل المدينة إلا بعد مبايعتهم محمدًا ابن عبد الله، ومن خطئه في الحكم عده طاهر بن الحسين -فاتح بغداد وقاتل
стр. 496
الأمين- في عداد المنشئين كتاب الرسائل، مع أن هذا الاسم لا ينطبق عند علماء الأدب إلا على الكاتب في ديوان الرسائل، ولم نجد فيه طاهر بن الحسين منشئًا قط.
- ومن الخطأ في الحكم زعم المؤلف أن علم الكلام ومذهب الاعتزال نشأ في العصر الثاني من حكم بني العباس أي بعد ١٣٢ هـ، مع أن المشهور في التاريخ أنه لما كثرت الزنادقة والملاحدة في زمن المهدي، أوعز إلى العلماء أن يحاجوهم بالأدلة العقلية ويدون ذلك في الكتب ففعلوا وسموا المتكلمين.
ومن الخطأ فى الحكم جعله أبا منصور عبد الملك الثعالبي صاحب يتيمة الدهر، هو صاحب التفسير الكبير المعروف بتفسير الثعلبي، والثعلبي هو الإمام الحجة الثبت (أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبي) فهو شخص آخر غير أبي منصور الثعالبي.
- ومن أخطائه قوله أن القصائد طالت في العصر الثالث من حكم بني العباس وطول القصائد لم يختص في عصر دون عصر، وقوله: أن العرب لم يدركوا شأو اليونان والفرس في تطويل القصائد؛ فإن المؤلف لم يفطن إلى الفرق بين الشعر العربي والأعجمي؛ فإن الشعر العربي تنظم القصيدة فيه من بحر واحد وقافية واحدة وروي واحد، وشعر الأمم الأعجمية ليس فيه قافية.
- ومن الخطأ في الاستنتاج، زعم المؤلف أن التصوف لم ينشأ إلا في العصر الثالث أي بعد ٣٢٤ هـ، وينعى على ابن خلدون وغيره ممن يرى أن اشتقاقه من الصوف، ويرى أن اشتقاقه من كلمة سوفيا اليونانية (بمعنى الحكمة).
- وأقول أن طريقة القوم قد اشتهرت بهذا الاسم قبل شيوع ترجمة الكتب اليونانية وانتشار الفلسفة.
стр. 497
ومن خطأ الاستنتاج واضطراب الكلام واختلاطه: الفصل الذي كتبه المؤلف عن السيرة النبوية، فقد جعل سيرة ابن اسحاق وابن هشام واحدة، وابن هشام لم يكن راويًا، والحقيقة أن سيرة ابن اسحاق سيرة كبيرة مستقلة عن سيرة ابن هشام، وهي التي يطعن في شعرها ولم يتفق على صحتها وأن ابن هشام لم يكن هو الراوي لهذه السيرة بل لخص سيرته النبوية عن سيرة ابن اسحاق وغيرها من كتب المغازي.
* ثانيًا: دعاوى المؤلف:
- ومن دعاوى المؤلف بغير دليل دعواه أن ابن قتيبة أول من تجرأ على النقد الأدبي فألف في أكثر فنون الأدب المعروفة.
فإن أراد المؤلف أنه أول من كتب في نقد الشعر، فليس بصحيح إذ سبقه إلى ذلك كثير منهم محمد بن سلام الجمحى، في كتابه "طبقات الشعراء" وقبله ألف أبو عبيدة كتاب "نقائض جرير والفرزدق".
- ومن دعاوى المؤلف قوله أن الشعر في العصر الأول من بني العباس قد بطل استعماله في العصبية، كما بطل استناد الخلفاء للشعراء بسبب انتصارهم لفريق على فريق.
والحقيقة أن الشعر بقى يستعمل في العصبية طوال العصر العباسي الأول وبعض العصر الثاني، بل لقد فتح الخلفاء العباسيون في العصبية بابًا شرًا من عصبية القبائل وهو تفضيل العباسيين على الطالبيين.
- ومن دعاوى المؤلف قوله: ولم يكن للشاعر العربي بد من الرحلة إلى بلاد العرب لاقتباس أساليبهم، فليقل لنا المؤلف ما هي رحلات أبي نواس ومسلم والحسين بن الضحاك، ومطيع بن إياس وحماد عجرد وأبان اللاحقي إلى بادية العرب، إن الرحلة إلى بلاد العرب كانت خاصة بالعلماء
стр. 498
ورواة الأدب واللغة أمثِّال الخليل والأصمعي وأبي عبيدة والكسائي.
ومن دعاوى المؤلف: أن ابن المقفع كان يعرف اليونانية جيدًا، ولم نر في كتب الأدب والتاريخ من ذكر هذا.
ومن دعاوى المؤلف في الكلام على طريقة أبي الحسن الأشعري في علم الكلام: أن الناس عولوا على رأيه لما فيه من التسوية بين الآراء، فكيف يعقل أن مذهبًا يسوي بين آراء كل الطوائف، وفيهم من يناقض مذهبه مذهب الآخر، وغاية الأمر أنه اعتدل بين مذهبي المعتزلة والسلفية من أهل السنة.
ومن دعاوى المؤلف: عن المتوكل الخليفة العباسي أنه أهلك جماعة من العلماء، وحط مراتبهم وعادى العلم وأهله.
فمن أين للمؤلف هذا الكلام وكل هذه الغارة على المتوكل من جراء أنه رفع الفتنة بخلق القرآن، ونهى الناس عن الجدل فيها بعد أن أنهكت دينهم وأخلاقهم وأنه أمر أهل الذمة بلبس شارات تميز زيهم وأنه صادر بختيشوع الطبيب وبعض الكتاب لخيانة ظهرت له منهم.
ومن دعاوى المؤلف: أن الإنشاء في العصر الثالث العباسي قد صار له طريقة خاصة سماها (كلاسيك) أخذ من اصطلاح الافرنج، ثم أخذ يسرد شروطًا للإنشاء المدرسي، والمتتبع لها يجد أن أكثرها لا يختص بعصر دون عصر، وأن أغلبها أمور طبيعية وعادية في كل زمان.
ومن دعاوى المؤلف: زعمه أن العرب نقلت محاضراتها عن اليونان، وما نقله المؤلف من تعريف المحاضرات إنما يؤكد أنها فن عربي بحت كان يطلق قديمًا على عدة علوم من أنواع التاريخ والأخبار والنوادر والشعر ومنه كامل المبرد وأمالي القالي وكثير من كتب الجاحظ والدينوري.
ومن دعاوى المؤلف أن كتب (السيرافي) لم يصلنا منها شيء وعد
стр. 499
منها كتاب "النحويين البصريين"، والكتاب في دار الكتب المصرية في نسخة قديمة وأظنها من كتب الشنقيطي.
* ثالثًا: الخطأ في النقل:
أخطأ المؤلف في نقل عبارات المؤلفين إما بتصرف فيها تصرفًا أفسد معناها، وإما بتحريف الكلم وإما بنقلها من نسخة معرفة من غير تمحيص، وهو كثير.
ومنها خطأه في تسميه اسم رجل واحد على مسميين (أحمد بن يوسف ابن صبيح) فقال: أحمد بن يوسف وزير المأمون، وابن صبيح.
ومن تقصير المؤلف في توضيح ما نقله عن السيوطي، ناقلاً عن كتاب "العين ومختصر الزبيدي"، إحصاء المستعمل من الألفاظ العربية والمهمل منها، فاستخرج المؤلف من كتاب "الزبيدي" إحصاء المستعمل من الألفاظ العربية ٦٥٢٠ لفظًا مع أن كتاب القاموس (وهو ليس إلا قطرة من بحر اللغة العربية) يشتمل على ستين ألف مادة، متوسط ما في كل منها من المزيد والمشترك عشرون كلمة على الأقل أي نحو مئتي ألف كلمة فكيف ولسان العرب به ثمانون ألف مادة متوسط ما في كل منها ثلاثون كلمة على الأقل.
* رابعًا: عدم تحري الحقيقة والصواب:
اعتاد المؤلف أن ينقل إلى كتبه ما يعتقده بذاته، أو ما يكون دائمًا على ألسنة عامة القراء والوراقين من غير تمحيص لحقيقتها، لكل من تعرض لتدوين التاريخ في السياسة أو الأدب ألا يكتفي برواية كتاب واحد أو كتابين أو بما يذيع على ألسنة الناس؛ بل يجب عليه تحقيق الخبر وتمحيصه والأخذ بالرواية القريبة من العقل.
ومن ذلك نقله عبارة ابن خلكان عن أن الأمين جمع بين سيبويه والكسائي في مجلس المناظرة، وأن الكسائي زعم أن العرب تقول كنت أظن الزنبور أشد لسعًا من النحلة فإذا هو إياها .. والمشهور أن المناظرة جرت في
стр. 500
مجلس يحيى بن خالد البرمكي، ومن ذلك أنه لم يتحر الحقيقة والصواب في تعداد كتب الواقدي.
* خامسًا: التناقض:
فمن ذلك ما ذكره عن ابن الرومي والمتنبي وما شكك من نسبة كتاب "العين" إلى الخليل، وناقض المؤلف نفسه في نشأة علم الجغرافيا في العصر العباسي الثاني.
- ومن تناقض المؤلف قوله: نشأ علم الجغرافيا في هذا العصر (العصر الثاني العباسي) بعد نقل علوم القدماء إلى العربية وفي جملتها كتاب بطليموس، وعليه معولهم في تقويم البلدان.
على أن المسلمين بدءوا بوضع الجغرافيا قبل اطلاعهم على هذا الكتاب، لأسباب غير التي دعت اليونان إلى وضعها إلخ ..
- وهذا تناقض من المؤلف إذ ذكر الجغرافية أولاً بمعنى الجغرافيا الرياضية، وأعادها ثانيًا باسم الجغرافيا التخطيطية، التي كانت تسمى علم المسالك والممالك، والمعروف أن العرب اشتغلوا بالجغرافية اليونانية قبل العصر الثاني، والمأمون وعلماؤه ممن صحح أغلاط بطليموس وغيره، في محيط الأرض وقطرها ومنياس الدرجة الأرضية.
ومن تناقض المؤلف وتحيره في قول أبي العتاهية: قد نظم في كل أبواب الشعر وامتاز منها بالزهد ويؤخذ من سيرة حياته أنه كان مترددًا متقلبًا على أن تمنع أبي العتاهية عن قول الغزل بعد أن أمره به الرشيد يخالف هذه القاعدة.
والرأي أن هذه العلل لو صدقت على كل شاعر يتكسب بالشعر لتبرمت الدنيا بكثرة المحرورين والموسوسين.
* سادسًا: الاختصار فيما يجب الإِطناب فيه:
ومن أعجب أمور المؤلف أنه يعلم، ويعلم أن الناس تعلم، أنه يؤلف كتاب في آداب اللغة العربية لا آداب اللغة اليونانية القديمة ولا الفارسية ولا
стр. 501
اللغات الأوربية، ثم تراه إذا خاض في ذكر بحث من مباحث الآداب العربية، أو عدد النبغاء أو ذكر ترجمة شاعر أو كاتب، أقتصر على ذكر نتف قليلة أو اقتصر على العدد القليل من مشهوري النبغاء واختصر تراجمهم مكتفيًا بذكر ما لا يلزم الناقد الأديب ويذكر الكتب التي يراجعها من شاء التوسع.
- وأشار إلى تقصير المؤلف بإهماله ذكر الجرمي من نحاة العصر الثاني مع ترجمته لابن ولاء وأبي جعفر النحاس، وإهماله ذكر الأوزان والقوافي التي طرأت على الشعر في جميع العصور التي ذكرها كالمواليا والدوبيت، وتخصيصه إثنى عشر صفحة من كتابه لموضوع أجنبي عن موضوع آداب اللغة العربية بالمرة، وهو آداب اللغة اليونانية وأطوارها وتراجم فلاسفة اليونان.
ومن ذلك إسهاب المؤلف في شرح الأدب والانشاء عند الأفرنج وذكره لبعض قصص الأفرنج الخرافية، ومن التطويل المخل بالنظام وضع الكلام في مبحث تأثير القرآن الكريم في اللغة العربية في هذا الجزء ومن حقه أن يدرج في الجزء الأول ومن التطويل تكرار الكلام في موضعين أو ثلاثة لغير موجب مثل وصف التهتك والخلاعة عند الشعراء.
* سابعًا: الاستدلال بحادثة جزئية على أمر كلي:
اعتاد المؤلف في كتبه أن يستنتج من حادثة جزئية أمرًا كليًا وهذه الخصلة من أكثر ما ينعاه عليه النقاد وقد عمل بها في كتابه هذا غير مرة (وقدم الباحث في ذلك نماذج متعددة)
* ثامنًا: تقليد مستعربي الفرنجة حتى في الخطأ:
للمصنف ولع بنقل ما يكتبه المستعربون عن العرب وآدابهم ولو خالف الواقع، ومن ذلك نقله فصولاً برمتها مشوبة بالخطأ من كتاب نيكلسن الإنجليزي وبركلمان الألماني مثل مقالة الشعر في العصر الأول وغيرها.
من ذلك أن وضع ما يصلح أن يذكر في آداب الفرنجة في آداب
стр. 502
العرب، وما ينبغي أن يجعل في عصر ظهور الإسلام جعله في عصر بني العباس، ومن يجب أن يترجم له في عصر معين أو في طائفة بعينها ترجم له في عصر غير عصره وطائفة غير طائفته، بحيث تضطرب المباحث وتتداخل العصور.
من ذلك ذكره أن الخلاف بين النحويين الكوفيين والبصريين حصل في العصر الثاني وما بعده من عصور الدولة العباسية، والحقيقة أنه حصل في العصر الأول، ومن ذلك تأخيره الكلام عن نشأة علم الفرائض إلى العصر الثالث مع أنه قديم دُوِّن منذ دون الفقه في العصر الأول.
* تاسعًا تهافت المؤلف:
للمؤلف تهافت وولع بالشيء لا يؤبه له، أو بالأمر يناسب مقامًا خاصًا فيقحمه في كل مقام، كما فعل هذا في كتابه في مواضيع شتى.
من ذلك حالة النشوء والارتقاء يقيس بها كل أمر حتى خرج به القياس إلى عكس ما يراد بها وذكر أن اضطراب العلاقة الإسلامية وانحلالها إلى إمارات وممالك صغيرة متنافسة متشاكسه من دواعي النشوء والارتقاء في حين يعده المؤرخون من دواعي الانقراض والفناء.
* عاشرًا: اللحن والأغلاط اللغوية:
لا تكاد تمر بالقارئ صفحة إلا وهي مشتملة على خطأ لفظي، إما في النحو أو الصرف أو اللغة، وإذ كانت هذه الاغلاط تعد بالعشرات بل بالمئات فإننا لا نستطيع تعدادها.
- وفي النهاية يختم الشيخ السكندري ﵀ نقده ختامًا مؤدبًا حيث يقول: والنتيجة أن الكاتب على ما فيه من مواضع النقد لا يخلو من منافع في موضوعه وغير موضوعه، وهي عبارة مؤدبة تعني أن المؤلف لم يكن منضبط المنهاج فكان كلامه أحيانًا يخرج عن موضوع الكتاب.
стр. 503
* روايات جورجي زيدان لا روايات الإسلام تهدف إلى إِفساد مفهوم الشخصية الإِسلامية والبطولة:
كتب جورجي زيدان "فتاة غسان"، و"عذراء قريش"، و"١٧ رمضان"، و"غادة كربلاء"، و"الحجاج بن يوسف"، و"فتح الأندلس"، و"شارل وعبد الرحمن"، و"أبو مسلم الخراساني"، و"العباسة أخت الرشيد"، و"الأمين والمأمون"، و"فتاة القيروان"، و"صلاح الدين ومكايد الحشاشين"، و"شجرة الدر".
- إن إعادة النظر في كتابات جورجي زيدان تكشف بوضوح أنه يمثل اتجاه الاستشراق والتبشير والتغريب حاملاً شبهاته وسمومه وعاملاً على غرسها في أبحاث التاريخ الإسلامي، وقد كانت هذه الكتابات مجهولة المصدر إلى أن ترجمت دائرة المعارف الإسلامية، التي كتبها متعصبو المستشرقين، وتبين أنها تضاهيها من حيث وحدة المصدر.
- ثم جاء بعد ذلك طه حسين وأحمد أمين وأمين الخولي وغيرهم، فأدخلوا التاريخ الإسلامي في مراحل جديدة أشد خطورة ثم جاءت بعد ذلك محاولات التفسير المادي للتاريخ الإسلامي التي حمل لواءها عبد الرحمن الشرقاوي وغيره.
* روايات جورجي زيدان:
أما المجال الذي استطاع جورجي زيدان أن يبث فيه سمومه، فهو مجال القصص فقد ألف عددًا من القصص تحت اسم روايات الإسلام، دس فيها كثيرًا من الدسائس والمؤامرات والأهواء، وحاول إفساد مفهوم الشخصية والبطولة الإسلامية حيث أساء إساءة بالغة إلى الأعلام من أمثال صلاح الدين الأيوبي، وهارون الرشيد، والسلطان عبد الحميد، وعبد الرحمن الناصر،
стр. 504
وعبد الرحمن الغافقي، وأحمد بن طولون، والأمين والمأمون، وعبد الرحمن الداخل، وشجرة الدر .. إلخ.
- وما زالت هذه الروايات تظهر بين وقت وآخر مطبوعة طباعة فاخرة لتخدع الشباب بذلك الأسلوب القصصي المسموم، وقد أقام جورجي زيدان تصوره على أساس خطير:
أولاً: تصويره للخلفاء والصحابة والتابعين بصورة الوصوليين الذين يريدون الوصول إلى الحكم بأية وسيلة، ولو كان على حساب الدين والخلق القويم مع تجريحهم واتهام بعضهم بالحقد وتدبير المؤامرات.
ثانيا: تزييف النصوص التي نقلها عن المؤرخين القدامى وحولها عن هدفها تحويلاً أراد به السخرية والاستخفاف بالمسلمين وبني عليها قصصًا غرامية باطلة.
ثالثا: استهدف من حشد العلاقات الغرامية، ذات المواقف المنبثة داخل روايات تاريخ الإسلام إثارة غريزة الشباب وتحريك شهوة المراهقين، مستغلاً ضعف ثقافة الكثيرين منهم، وجهلهم بالغاية التي يرمي إليها في رواياته مع الاستشهاد بالأبيات الشعرية المكشوفة الساقطة، التي تحرك الغرائز الدنيا.
رابعًا: تبين من البحث الذي قدمه عالم أزهري درس باستفاضة روايات جرجي زيدان أن معظم الأحداث التاريخية في رواياته قد حُرفت وبنيت على أساس فاسد فقد ظل جرجي زيدان -على حد تعبير الباحث- ينقب وينقر ويجهد نفسه في مزج الحق بالباطل وتقديمه في أسلوب براق جذاب معتمدًا على فن أدبي ذي أثر بالغ، وذلك هو فن القصة والرواية، حيث لم يكن حريصًا على تحري الحقائق التاريخية قدر حرصه على الحبكة القصصية وخلق الحوادث المثيرة خلقًا، وقد عمل جاهدًا على طمس التاريخ الإسلامي وتشويه
стр. 505
معالمة بغية تنفير أبناء العرب والمسلمين من ماضي آبائهم المجيد.
خامسًا: من أخطر شبهاته أنه قال ببشرية القرآن، وشكك في مصادر العربية الأول، ومدح بني العباس لأنهم أنزلوا العرب منزلة الكلب (على حد قوله) ونسب إحراق مكتبة الإسكندرية إلى عمر بن الخطاب.
- وقد طبع اللبنانيون -ودار الهلال في مصر- روايات جرجي زيدان مزدانة بالصور الملونة والألوان الصارخة بقصد استهواء الشباب وحثهم على قراءة هذه الكتب التي لا تعطيهم إلا صورًا مشوهة لتاريخ أمتهم وأخبارًا ملفقة بغية التشكيك في ذلك التاريخ.
سادسًا: أعطى نفسه الحرية المطلقة في تفسير أحداث التاريخ في معظم رواياته، استنادًا إلى ما يسمى موقف الأديب من التاريخ، وكانت تفسيراته متعسفه متكلفة، تخفي محاولة لإثارة مشاعر السخط في نفوس المسلمين.
سابعًا: تفسيره لتصرفات هارون الرشيد مع أخته العباسة وجعفر البرمكي وما أثير حولهما من أخبار، بما لا يتفق مع ما عرف عن الرشيد من أنه كان يحج عامًا ويغزو عامًا، بل وبما لا يتفق مع أيسر قواعد التفكير والمنطق السليم وفي رواية (أرمانوسة المصرية) - والتي تحكي قصة فتح عمرو ابن العاص لمصر حاول أن يقول أن الحب بين أرمانوسة وأركاديوس قائد حصن الروم، هو السبب في هزيمة الروم وانتصار المسلمين، واتهم المسلمين بأنهم دخلوا البيوت ينهبون ويسلبون عندما فتحوا بلبيس، وهو مناقض تمامًا لما أورده المؤرخون المنصفون من المسلمين وغير المسلمين.
* فتاة غسان:
ثامنًا: في رواية "فتاة غسان" والتي تحكي فتوح الشام وبدء ظهور الإسلام أورد شبهة بأن النبي محمدًا ﷺ أخذ تعاليمه من الرهبان، وتأثر
стр. 506
بتوجيهات الراهب بحيرا واتسمت كتابته بالسخرية والاستخفاف بوثائق العهد النبوي ووصف حادثة شق صدر النبي ﷺ بالغرابة، وادعى أن هناك خصومة بين خالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح ﵁ وأخذ مصادره في هذا من كتب المستشرقين.
تاسعًا: في رواية "عذراء قريش" والتي تناولت عصر الخلفاء الراشدين، أقام منطقه على تجريح الصحابة ﵁ واتهام بعضهم بالحقد وتدبير المؤامرات، واتهم السيدة عائشة ﵁ بالميل إلى سفك الدماء والنزوع إلى الشر.
ووصف الخليفة عثمان ﵁ بأنه رجل إمعة وذليل ومستسلم لابن عمه، وافترى على (علي بن أبي طالب كرم الله وجهه) وفسر الفتنة تفسيرًا مغرضًا واتهم عليًّا ﵁ بالتهاون في المطالبة بدم عثمان.
عاشراً: وفي رواية العباسة، التي تحكى قصة نكبة البرامكة - اتهم الرشيد بالاستهتار والمجون والاستبداد والظلم، وقدم تفسيرًا خاطئًا ومغرضًا لقتل بني برمك، وشوه شخصية العباسة أخت الرشيد.
الحادي عشر: في رواية "شارل وعبد الرحمن" -والتي تحكي جزءًا من عصر الولاة بالأندلس- زعم بأن القواد وأمراء الجند من المسلمين كانوا مشغولين بحب فتيات النصارى وقد فتنوا بجمالهن، وأن هذا الحب قد صرفهم عن أمر الفتح، فتركوا جنودهم في ساحة القتال وادعى أنهم كانوا يهتمون بالغناثم أكثر من اهتمامهم بما عداها، وجرى على تصوير حروب الإسلام عن أنها حروب غنائم.
الثاني عشر: أجرى على لسان أبي مسلم الخراساني من الافتراء، ما قال من أن العرب كانوا يحتقرون غير العرب، ويسومونهم سوء العذاب ثم يفتخرون عليهم بالنبوة، وطمس معالم التاريخ الإسلامي في هذه الرواية
стр. 507
بالدس والافتراء، وقدم صورًا باهرة للكنيسة ورهبانها، وأشاد بالأديرة والرهبان حيث جعلها ملجأ الضعفاء وملاذ التائهين والخائفين.
- وفي رواية الأمين والمأمون كان واضح التحامل على العرب، واصفًا إياهم بالاستبداد وسوء التصرف مع الأجناس الأخرى التي تربطهم رابطة الإسلام قبل كل شيء.
* وفتاة القيروان:
الثالثّ عشر: في رواية، "فتاة القيروان" التي تحكي أخبار الفاطميين ومن عاصرهم - حاول التشكيك في أنساب الكثيرين من حكام المسلمين، وكذلك عمد إلى التشكيك في نسب الخليفة المعز لدين الله واعتمد في قصصه الغرامية على الخيال إذ لا يوجد ذكر لكل هذه المواقف في جميع كتب التاريخ وخاصة حاكم سلجماسة الأمير حمدون، بل إن صاحب سلجماسة في كتب التاريخ يختلف تمامًا عما جاء في رواية زيدان، مما يؤكد ميل زيدان إلى التزوير والتحريف.
- بل إن صاحب سلجماسة هو محمد بن داسول، وليس الأمير حمدون، ولم يقل ابن الأثير أن له بنتًا شغلت القائد جوهر فخطبها لابنه، وقد أعطى زيدان لليهود في روايته دورًا إيجابيًا، وجعلهم أصحاب الفضل الأول في إزالة الدولة الإخشيدية، وإقامة دولة الفاطميين مقامها.
الرابع عشر: في رواية صلاح الدين تلفيق وتزوير وإفساد للتاريخ فقد ذهب إلى أن الخليفة العاضد لما ضعف أمره استدعى صلاح الدين، وأوصاه بأهله خيرًا وأن صلاح الدين نقض هذا العهد بعد سويعات، وحاصر قصر الخليفة وأخذ كل ما فيه ومن فيه.
ولا ذكر في كتب التاريخ لتلك الوصية والإشارة في كتب التاريخ إلى
стр. 508
سيرة الملك هذه.
- وهذه الوصية التي ذكرها زيدان لم ترد في الكامل لابن الأثير ولا غيره فهي ملفقة مزورة، كذلك فقد زيف زيدان النصوص التي نقلها من ابن الأثير، وحولها تحويلاً أراد به السخرية والاستخفاف بالمسلمين وبنى عليها قصصا غرامية باطلة.
ولم يعن المؤلف بالتصوير الحي لشخصية صلاح الدين، ولم يسجل مواقفه الحاسمة، وصرف الشباب عن الحديث عن الدور المهم الذي قام به صلاح الدين، بالحديث عن مكائد الحشاشين -الإسماعيلية- وتهديدهم لصلاح الدين، واعتمد على روايات طائفة الحشاشين، تلك الجماعة الضالة المنحرفة، وحاول أن ينسب إلى صلاح الدين قصصًا غرامية كاذبة.
الخامس عشر: وفي رواية "شجرة الدر" والتي تحكي أحداث نهاية العصر الأيوبي وبداية المماليك في مصر - حاول أن يصور نساء السلطان الصالح نجم الدين أيوب بصورة النساء اللاتي يتاجرن بأعراضهن، في سبيل الحصول على ما يتطلعن إليه وليس معه أي دليل من التاريخ وهذه الدعاوى التي أوردها حول شجرة الدر تختلف عن الحقائق الواردة في الكتب التي أرخت لهذه الفترة من أمثال النجوم الزاهرة لأبي المحاسن والمواعظ والاعتبار في الخطط والآثار، وصبح الأعشى للقلقشندي.
* التلاعب بالمراجع:
السادس عشر: وخلاصة ما يصل إليه البحث حول روايات جرجي زيدان:
١ - تحوير مواقف الشخصيات التاريخية.
стр. 509
٢ - إثارة الشكوك حول البطولات الإسلامية.
٣ - تعمد إغفال الحوادث التاريخية المهمة.
٤ - إضفاء حالات مثالية على الأديرة والرهبان ودور النصارى واليهود في التاريخ الإسلامي.
٥ - التلاعب بالمصادر والمراجع.
* رأي مجلة الموسوعات:
قالت مجلة الموسوعات ١٨٩٩: لم يلتزم جرجي زيدان بتمحيص الحوادث التاريخية، فاختلق شخوصًا ونسب إلى بعض الشخصيات الإسلامية البارزة ما ليس فيها مما أثار جمهور المسلمين.
- فعذراء قريش (أسماء) بطلة الرواية لا وجود لها، إلا في ذهن المؤلف، وقد يكون له بعض العذر التأليفي كقاص، ولكن الباطل أنه نسب لمحمد بن أبي بكر، المعروف عنه الزهد عشق هذه العذراء، بل إن صاحب الهلال بنى على هذا الباطل باطلاً، فاختلق سببًا من عنده ليس له أسانيد تاريخية في تفسيره بعض الأحداث وزعم أن عشق محمد بن أبي بكر (كان سببًا) في ازدياد هياجه على عثمان ﵁، ونسب إلى الحسين بن علي ﵄ عشقه لهذه العذراء الوهمية وغيرة محمد بن أبي بكر منه.
وادعى أن الإمام عليًّا ﵁ أعجب بعذراء قريش، عندما أدخلت عليه في زي رجل مع أن الدين كان يحث على عدم تشبه النساء بالرجال وقد عرف عن علي كرم الله وجهه تمسكه بالدين مما ينفي عنه أنه يعجب بمثل هذا.
- وقد أقر جرجي زيدان بخطئه في هذه الوقائع (هلال مايو ١٨٩٩) وحاول أن يدافع عن نفسه ولكن دفاع الطائر الذي وقع في شبكة الصياد.
стр. 510
- ونقول: إن المجلة انطوت وبقيت القصة في أيدي القراء، يعاد طبعها دون التفات إلى هذه الملاحظات وقد أرسل العلامة رفيق العظم إلى جرجي زيدان ١٨٩٩، يؤاخذه على إغفاله الاعتبارات التاريخية ويستنكر تأليف التاريخ الإسلامي برمته في قالب قصصي.
- وهذه الملاحظة قد تكررت من الناقدين، وقد انتقدوه في شأن هذه القصص وما أورد فيها من أخباره الكاذبة، وثانيًا: بسبب نسبة العشق والغرام إلى رجال سلفنا الكرام، وقد أشارت جريدة المؤيد إلى ذلك في التعليق على قصة (الحجاج بن يوسف)، فقالت: الحوادث الغرامية لم تسند إلى أحد من رجال السلف العظام والأئمة الذين يجلون عن هذه الانحرفات، هذا فضلاً عن الأخطاء في الأمور التاريخية المشهورة.
* صحافة الضرار والأقلام المسمومة:
- من فمك أدينك:
وصف محمد التابعي -الذي كانوا يعدونه أستاذ الجيل كله من الصحفيين الذين خرجتهم مجلة روزاليوسف- الصحافة بأنها ذات تبعية خارجية متعددة الألوان، فقال بالنص:
"هذه الصحيفة صنيعة أمريكا، وهذه الصحيفة مأجورة للإنجليز، وهذه المجلة تصدر بأموال شيوعية، وهذا الصحفي يتلقى أوامره ومرتبه الشهري من موسكو أو وارسو أو براج. وهكذا أصبحنا جميعًا نحن الصحفيين بين فاسدين ومفسدين ومنافقين وخونة، مأجورين للكتلة الغربية والكتلة الشرقية، وأصبح الشعب في حيرة من لسانه المسموم، الصحف التي أيدت الطغيان ودافعت عن الفساد، الصحفيون الذين مرّغوا جباههم تحت أقدام الطغيان بعد
стр. 511
أن أسفر الطغيان" (١).
- يقول الدكتور محمد عباس. "منتهى الخسة - ذهلت والله يا قراء .. ذهلت .. ذهلت رغم أن ما نمرّ به أوحى إلي أنني لن أذهل بعد ذلك أبدًا .. لكن ما رأيته كان يفوق أبشع خيال ممكن، كانت إحدى القنوات الفضائية الليبرالية أعنى غير الإسلامية تعرض برنامجًا عن الحداثة والثقافة، وكانت المناسبة اكتشافهم المتأخر جدًا لكتاب المؤلفة البريطانية فرانسيس ستونز "من يدفع أجر العازف" والذي تفضح فيه بالأسماء عملاء المخابرات الأمريكية من كبار الفلاسفة والكتاب والمفكرين ومجلات عربية تطرق الحديث إلى مجلة الكاتب (٢) التي رأس طه حسين تحريرها في الأربيعنيات بعد أن أعطوه شيكًا على بياض بما يحدده لنفسه من راتب ودون الالتزام حتى بالكتابة .. وأن المشرف المالي على المجلة كان .. كان .. كان أبا إيبان!! .. نعم .. أبا إيبان وزير الخارجية الإسرائيلي بعد ذلك (٣).
стр. 512
- تطرق الحديث إلى ما كشفته وثائق المخابرات السوفيتية عن الشيوعيين في العالم العربي وقدر ما كان يمنح لهم من رواتب ومصروفات سرية، توقعت أن يسقط الشيوعي من الخجل، وتوقعت أن يصرح الحداثى أنه اكتشف أنه كان غبيًا وقد خدع، لكن ذلك لم يحدث .. فعلى الفور .. ركبوا الموجة .. وراحوا يؤكدون على أن الثقافة منذ ستين سنة صناعة أجهزة المخابرات الأمريكية والسوفيتية وكأنهم لم يكونوا هم بالذات عملاءها ومفاتيحها إلى التسلل إلى الوطن لتخريبه (١).
- رحم الله مصطفى صادق الرافعي حين وصف الصحافة فقال: "لو عرفت الصحافة وأهلها لرأيت أن العمل فيها أشق الأعمال على النفوس الكريمة فهذه ليست صحفًا وإنما هي حوانيت تجارة".
ولقد سقطت الصحافة في تلك السنوات في أيدي اليساريين فانحرفت انحرافًا شديدًا وهزمت فيها القيم هزيمة منكرة، وعورضت كل مفاهيم الدين والأخلاق، ولم يكن الشيوعيون وحدهم ولكن كان معهم الماسون والتلموديون والبعثيون، وكل أعداء الإسلام والعرب وقد تجمعوا في صعيد واحد.
ولقد سحق تيار الشيوعيين في هذه الفترة كثيرًا من أهل الأصالة وأهملهم ووضعهم في الظل ولم تستطع الصحف أن تجد مجالاً لكلمة واحدة عن الأخلاق والدين إلا ما كان ينشر تحت رقابة شديدة في مجلة منبر الإسلام يحمل توجيهات الخصوم للدعوة الإسلامية ورجالها وإلى دعوة التضامن الإسلامي.
стр. 513
وفاجأ الناس الدكتور صفي الدين أبو العز وزير الشباب بكلمته المسمومة حين هاجم التراث الإسلامي ووصفه بالجمود والرجعية وتبعه الدكتور يوسف إدريس فدعا إلى حرق التراث.
- وجاءت كتابات لطفي الخولي وأحمد عباس صالح وأحمد عبد المعطي حجازي، وعبد الرحمن الشرقاوي لترسم محاولة ماكرة في أن تجعل للشيوعية والاشتراكية والماركسية جذورًا في الفكر الإسلامي، وفي محاولة لتفسير تاريخ الرسول والصحابة على نحو تقسيمهم بين اليمين واليسار، وجرت محاولات لجمع خيوط والتقاط كلمات وعبارات وإخراجها عن سياقها وواقعها من كتابات عبد الله النديم، وجمال الدين، ومحمد عبده ورفاعة الطهطاوي وعبد الرحمن الكواكبي لمركسة مفاهيم الإسلام، كما جرى الاتكاء على تيارات مشبوهة كان أصحابها أولياء للنفوذ الأجنبي والاحتلال والاستعمار أمثال شبلى شميل وأديب إسحق ويعقوب صنوع وفرح أنطون وأمين الريحاني وجبران، وهو تيار مشبوه يجب الكشف عن زيفه وانحرافه وجرت المحاولة لجعل كلمة الاشتراكية من مفاهيم الإسلام كما حاول الاستعمار من قبل في كلمة الديمقراطية. اقرأ كتاب العقاد.
كانت الغاية هي تقديم اليسار على طبق إسلامي وهي محاولة ضالة ثبت فشلها وسرعان ما هزمت بالرغم من نفوذ الصحافة الماركسية.
أفسحت الصحافة العربية في هذه الفترة صفحاتها للدفاع والدعوة لعدة قضايا مسمومة:
أولاً: مفهوم القومية الوافد المفرغ من القيم العربية والإسلامية.
ثانيًا: مفهوم الماركسية والتفسير المادي للتاريخ.
ثالثًا: مفهوم الإباحية والجنس والكشف والإلحاد.
стр. 514
- وهكذا صبت صحافة النكسة السموم عن طريق الأقلام الشيوعية والمادية والوجودية، ولا ريب أنه كان لهذه الكتابات مسئوليتها الخطيرة في الهزيمة والنكبة والنكسة، وفي الوصول إلى مرحلة التسليم والتقبل والاحتواء للنفوذ الأجنبي ممثلاً في الشيوعية والصهيونية (هذه المرحلة التي عاشتها البلاد العربية قبل العاشر من رمضان).
ولقد دحرت بشدة تلك الأقلام التي حاولت أن تكشف هذه الأخطار ممثلة فيما نشرته مجلة الرسالة عن لويس عوض ودور جريدة الأهرام، وأغلقت تلك المجلات الثقافية؛ لأنها كانت تعمل على طريق الأصالة، وجرت إلى ذلك محاولة إحياء الماضي الفرعوني والإغريقي والجاهلي العربي وتمجيده وبعث الأساطير وإعادة صياغة الوثنيات والفلسفات السريانية والمجوسية، والباطنية وإحياء عشتروت وزيوس وباخوس، والهدف هو هدم التصورات الإسلامية وإخراجها من مفاهيمها الأصيلة والتشكيك في هذه النقولات وإخضاعها للمفهوم الماسوني الوثني القديم والحديث الذي يختلف بل ويتعارض مع مفهوم التوحيد الإسلامي.
واستغل الماركسيون رفاعة الطهطاوي كما استغله الليبراليون لأنه تأثر بالفكر الغربي وبالدعوة إلى الوطنية وأعجب بمظاهر الحضارة الغربية وخاصة الرقص الغربي، وتنافس عليه خصوم الإسلام ودعاة الشيوعية جميعًا.
وهوجم عزيز أباظة عندما أثار في حفل توزيع جوائز الدولة مسألة الفصحى، هاجمه الشيوعيون بقوة وشراسة، هاجمه صلاح جاهين وصلاح عبد الصبور، وقال صلاح عبد الصبور: "إنه رجل سلفي يؤمن بالجمود ويتحدث عن التطور كارهًا، وقد فاته أن التعبير بالعامية لا يعادي اللغة العربية، وقد نسي أو تناسى أوسمة منحت لصلاح جاهين وسعد وهبه ومرسي جميل عزيز، وهم من كتاب العامية، والقضية ليست قضية إطار
стр. 515
لغوي ولكنها قضية تعبير عن العصر، وفي هذا يتساوى من يعبر بالفصحى وأنا منهم ومن يعبر بالعامية مثل كتاب المسرح والأغنية، واللغة العامية لغة تعبير موفقة في كثير من الأحيان ومكملة للعربية في كثير من الحالات.
- وهكذا أفسحت الصحافة لمهاجمة الفصحى والدفاع عن العامية ووصفها بأنها لغة، ولم يظهر رجل رشيد يدحض هذه الكلمات المليئة بالمغالطة والانحراف حين يرى أن كل مدافع عن الفصحى سلفي مؤمن بالجمود، أو دعواه الباطلة بأن التعبير بالعامية لا يعادي الفصحى.
وهكذا كانت الصحافة وعاء لكل تلك السموم، وهددت الصحافة البشرية بالمجاعة موالية بذلك دعوى الرأسماليين وأصحاب الملايين اليهود، وعارضت تطبيق الشريعة الإسلامية وغضت من شأنها وفتحت صفحاتها لكل من يستطيع أن يثير الخلاف أو يقدم الرأي الذي ينتقص من الشريعة، وحملت ترجمات القصص الأجنبية المكشوفة أمثال أزهار الشر، وصورة دون جراي، وهكذا تكلم زرادشت، وعشيقة اللورد شترلي، وفتحت صفحاتها أسبوعًا وراء أسبوع لترويج هذه السموم المكشوفة والصور الفاضحة.
وبالجملة فإن الصحافة العربية في فترة (الهزيمة والنكبة والنكسة) (١٩٤٨ - ١٩٦٧) التي نؤرخ لها قد حملت كل الأفكار التي طرحها الاستعمار والتغريب وروجت لها وأشادت بها وقطعت أشواطًا طويلة في الدعوة لها والدفاع عنها والإلحاح بها والبث يومًا بعد يوم، وفي مقدمتها الاشتراكية الديمقراطية، القومية الوطنية، وكلها مستمدة من مفهوم غربي من شأنه أن يمزق الوحدة الإسلامية الجامعة، وكان أغلب زعماء الصحافة في هذه الفترة ماسونًا ومن غير دين الأغلبية يهودًا وكاثوليك وموارنة، ثم جاء من بعدهم أتباع الروتاري والليونز وحملة لواء الوجودية والبهائية والقاديانية، وقد دافع هؤلاء وأولئك عن التفرقة بين الاشتراكية والشيوعية وبين الصهيونية واليهودية.
стр. 516
- وهي التي والت النفوذ الأجنبي على مختلف جبهاته: فرنسيين مع فرنسا، وإنجليز مع بريطانيا وأمريكيين مع الولايات المتحدة وروسًا مع الاتحاد السوفيتي، وهم من وراء ذلك موالون لما هو أشد خطورة، للماسونية العالمية والتي تربط بين الرأسمالية والشيوعية والصهيونية برباط خفي، وهي التي حملت على رجال الدين وعلى الأزهر وعلى كل صيحة إسلامية، وشوهت الأسماء اللامعة بالسخرية منها بالنكتة الفاضحة والكاريكاتير السخيف.
وهي التي أخفت كل الحقائق حتى يظل النفوذ الأجنبي قادرًا على العمل خادعًا للمسلمين، وكم من وثائق وتصريحات لقادة عالميين كبار ويهود وغيرهم تكشف عن مخططات يراد بها هدم الإسلام أو تدمير المسلمين، عملت الصحافة على تجاهلها ثم كشفت عنها الحقائق من بعد.
- وقد كانت الشخصيات التي حاربت الإسلام وخدعت العرب والمسلمين موضع تقدير الصحافة العربية من أمثال لطفي السيد وسعد زغلول، وساطع الحصري وطه حسين وقاسم أمين، وعلى العكس من ذلك كان كل المجاهدين العاملين من أجل إعلاء كلمة الله موضع تجاهلها والإغضاء والإنكار.
* نموذج من فساد الأقلام المسمومة وإِفسادها:
لعلك تعجب حين ترى جريدة الأهرام تتهم السيدة خديجة ﵁ بأنها حوّلت دارها إلى حزب نسائي (الأهرام ٢١/ ٩/١٩٧٥) ووصفتها بأنها كانت تدعو إلى تحرير المرأة.
- وصبري أبو المجد يكتب كتابًا يسميه "أم الأشتراكية - خديجة بنت خويلد" (١).
стр. 517
* الصحفي محمد التابعي أستاذ الجيل لصحفي روزاليوسف ورائد المدرسة الروزيوسفية وعرّاب الإِثارة:
محمد التابعي هو رأس مدرسة الإثارة بدأها عام ١٩٢٦ م في مجلة روزاليوسف ثم بعد أن خرّجت روزاليوسف أجيالاً من الصحفيين تبلورت المدرسة في دار أخبار اليوم التي صدرت عام ١٩٤٣ واتسعت من بعد ووضعت اسم محمد التابعي على رأس جريدتها اليومية باعتباره الأستاذ الأعظم حتى قريبًا من وفاته سنة ١٩٧٦.
* رأس مدرسة الإِثارة محمد التابعي:
لا ريب أن محمد التابعي هو رأس هذه المدرسة الروزيوسفية التي خرجت مصطفى أمين وإحسان عبد القدوس، وهيكل وأنه هو الذي أسس لصحافة ساخرة خليعة تعتمد على الإثارة والجنس وتعقب الناس ومعرفة أسرار البيوت وكشف العورات.
وأن هذا اللون في الصحافة العربية لم يكن معروفًا على هذا النحو قبل صدور مجلة روزاليوسف عام ١٩٢٦، وقد عاش التابعي يرعى هذا العمل حتى نما واستحصد في آخر ساعة ثم في أخبار اليوم وهو الذي وسع نطاق الكاريكاتير الذي كان سياسيًا في مجلة الكشكول فأصبح اجتماعيًا وسياسيًا في روزاليوسف وآخر ساعة وأخبار اليوم.
- وكان على الجناح الآخر فكري أباظة في صحف دار الهلال، وقد أشار مصطفى أمين في السنوات الأخيرة إلى أنه كلف أمينة السعيد وهي طالبة في الجامعة بأن تكون مندوبة آخر ساعة وأن تجمع له ما يدور على ألسنة السيدات في البلاج وفي سهرات سان استيفانو، وهذا يؤكد تلك الظاهرة الواضحة التي سجلها تاريخ الصحافة؛ فإن مجلة آخر ساعة كانت تنشر من
стр. 518
أسرار البيوت والبيوتات ما عجزت الصحف كلها عن الوصول إليه لسبب سري جدًا هو أن مندوبي مجلته في هذا الباب كن من الصديقات اللائي لا يعرف أحد صلتهن بالتابعي.
ولقد عمل التابعي في مجلة المسرح (عبد الحميد حلمي) ثم في الأهرام بتوقيع حندس، وكان عمله قاصرًا على النقد المسرحي وكذلك بدأ عمله في (روزاليوسف) ولكن حزب الوفد الذي كان قد أزعجته حملات الكشكول المعارضة أراد أن يواجه العمل بمثله، فاتفق مع صاحبة المجلة على تحويلها سياسيًا وقام مكرم عبيد بتدريب التابعي على هذا الفن الملعون (فن الكاريكاتير) والسخرية بالناس والبحث عن أسرار بيوت خصومهم للكشف عنها، وكان التابعي من أشد دعاة الوفد المتحمسين والمدافعين عنه، ولكن صداقته لأحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكي لم تلبث أن حولته إلى خصم عنيد للوفد حين شكلت تلك الجماعة المؤيدة للملك فاروق بعد حادث ٤ فبراير عندما اقتحم المحتلون الإنجليز قصر عابدين وفرضوا على الملك حكومة برئاسة مصطفى النحاس باشا.
- وتشكلت هذه الجماعة من محمد التابعي ومصطفى أمين، وكامل الشناوي وكثير من نواة جريدة أخبار اليوم عام ١٩٤٤ التي أنشئت بواسطة السعديين المنشقين عن الوفد (شيك بمبلغ خمسه آلاف جنيه ورخصة جريدة) ودخلت أم كلثوم وساهمت بإغراء أن يكون لها دفاع وكانت تنوشها الصحف كل يوم (٢٠ ألف جنيه).
وكانت هذه العصبة تلبس قفازًا من حرير، وتحتمي وراء مظهر الوطنية لتعمل عملها وتدفع المرأة خارج حياة الأسرة على النحو الذي عرفته الصحافة العربية تحت اسم صحافة الإثارة.
- يقول التابعي: اعتدت أن أمضي كل سنة سبعة شهور أو ثمانية
стр. 519
خارج مصر بين باريس والريفيرا وسان موريتز، وشبعت من كل مفاتن الحياة، ولم يعد هناك جديد يستهويني، وأذكر أنني كنت آخذ معي إلى الكباريهات علي ومصطفى أمين الذي كان يأتي مرغمًا؛ لأنه ليس له مزاج في شيء من الحياة إلا الجري وراء الأخبار والأحاديث، وكان الناس يطلقون عليهم الحزب الخاص للتابعي.
وقد وصف الصحفي الذي أجرى معه الحديث (٨ - ١٠ - ١٩٦٠) بأن غرفة مكتبه كانت غرفة بار متصلة بغرفة المائدة.
- ويصور التابعي حياته الصحفية في عديد من المقالات (كيف كنا نعيش في رأس البر) (٢١ - ٤ - ١٩٥٦) أخبار اليوم، على الشاطئ الرملي البدائي الساذج خطرت الغزلان الغواني والغانيات يرتدين ثياب الاستحمام وأحدث أزياء الصيف التي كن اشترينها من دورفيل ونيس وكان وروما وباريس، وكانت لي عشة صغيرة على شاطئ البحر مباشرة، كانت أشبه بدار ضيافة للأصدقاء فقد كنت أرجوهم أن يقيموا معي ويؤنسوا وحدتي (أم كلثوم وتوفيق الحكيم والصاوي، وحفني محمود، ونجيب الريحاني، وسليمان نجيب، وفكري أباظة، ومحمد عبد الوهاب، وسعيد عبده) وقد رووا قصصًا مثيرة أو قصصًا غامضة، وكلهم يؤكد أن قصته حقيقية وأن حوادثها وقعت وأبطالها عاشوا.
- هذه هي الخلفية لصحافة الإثارة، يقول حافظ محمود: بدأ محمد التابعي من المسرح وجو المغنيات والممثلات ثم جاءت السياسة فأداها بنفس مفهوم السخرية والبحث عما وراء حجرات النوم، وفي مجلة روزاليوسف استعار أسلوب النقد المسرحي وحوله إلى نقد سياسي وأنشأ بأسلوبه مدرسة من ناشئة الصحافة، وكبر تلاميذه وتفوقوا عليه، وترك روزاليوسف وأنشأ آخر ساعة.
стр. 520
سفره إلى أوربا في الصيف والأقصر في الشتاء، أول من اختاره أحمد حسنين لدعم الملك فاروق وجمع حوله المجموعة، هاجم مصطفى النحاس لحساب القصر بعد أن كان أكبر نصراء الوفد وكان أصدق صديق لأحمد حسنين رئيس الديوان الملكي الذي كان يستخدم كل أسلحته لطعن الوافدين.
وكان يتقاضى أعلى مرتب وصل إليه صحفي (٧٠٠ جنيه في الشهر) في الخمسينات وقد أشار كاتبون كثيرون إلى أنه عرف بإسرافه في الحديث عن المرأة أثناء نزوله في فنادق سويسرا وباريس، يبحث عن النبيلات من الأسر المالكة التي قوضت الحرب والثورات عروشهن في أوربا والعصابات والجاسوسيات الدوليات والفنانات والهاويات من أنصاف الفنانات، بوصفهن مخلوقات عجيبة، يشتركن في مأساة الانهيار السياسي والاجتماعي الذي أصاب العالم بعد حربين عالميتين خرجت منها هذه النساء كحطام يبحث عن الحب أو الأمل في كأس أو مغامرة، وكما فعل التابعي حين هاجم النحاس باشا والوفد لحساب الملك فاروق وصاحبهم في رحلة الحياة كشف سوءاتهم بعد حركة الجيش ١٩٥٢، كذلك فعل مصطفى أمين.
- كان الهدف الاجتماعي يختفي وراء الهدف السياسي: إشاعة روح السخرية والاستخفاف بكل القيم الاجتماعية، وخلق أسلوب جديد تجتمع فيه العامية مع تفاهة المعنى، تمييع الحياة السياسية بإطلاق عبارات نازلة على السياسيين كوزير المصارين ومأذون القرية، ويتفاخرون بأمانة التابعي الصحفية وأنه قدم للمحاكمة، أما أمانته الصحفية فيكشف عنها موقفه في كشف أسرار الجهات التي ائتمنته عليها.
- أما بالنسبة للمحاكمات فإنها لم تكن من أجل الوطن ولا من أجل كلمة الحق فالمقال الذي حوكم عنه التابعي يكفي ذكر عنوانه: "ملوك وملكات أوربا تحت جنح الظلام" ندد فيه بملوك أوربا وفضائحهم، ولم يقتصر على
стр. 521
الفضائح المترجمة بل أضاف إليها مما أبدع خياله، وإن القضية الآخرى كانت ولاء حزبيًا، وقد وصف التابعي بأنه عاش معتزًا بكبريائه وكرامته فأين هي هذه الكرامة وهذا الكبرياء؟ في البحث عن عورات البيوت والأسر والمشاهير أم في تعقب الأميرات اللواتي سقطت عروشهن في أوربا، هل عرف عن التابعي مقالاً في مواجهة الأخطار التي تعرضت لها مصر أو البلاد العربيهّ، إن مقاله عن اليهود كان دعوة لزعماء العرب إلى التصييف في إسرائيل.
وكانت دعوته إلى إلغاء الأحزاب وإنشاء الحزب الواحد إبان دكتاتورية عبد الناصر من الصفحات السوداء في تاريخه، وكانت حملاته على بعض ملوك العرب وزعمائهم متابعة للولاء الدائم للحاكم المستبد، هذا فضلاً عن عمله الخطير في تدمير القيم الإسلامية والخلقية بكتاباته الساخرة من الإسلام والشريعة والحدود ورجال الدين، وبدعوته إلى كتابة قصص الجنس المكشوفة وأخبار الأسر بأسلوب غير كريم.
- كان التابعي على مدى حياته رجلاً مترفًا منحلاً يريد أن يذيع فلسفة الانحلال من خلال كتاباته الصحفية ليرضى عنه كل حاكم، وهو لا يبالي أن يكون مع الحاكم إبان حكمه ثم يكون ضده من بعده فيكشف عوراته ويصمه بأسوأ صور الفساد مع أنه كان مؤيدًا له، وذلك موقفه من فاروق قبل وبعد، وكان حريصًا على نشر قصص الفساد العالمي والتحدث عن سوءات البيوتات وتلخيص قصص الجنس العالمية، من مثل هذا: (كانت اللادي ديانا قد عرفت وهي لا تزال بعد دون العشرين من عمرها خادمًا في قصرها مفتول الذراعين قوي الساقين وأسلمته الفتاة نفسها، سليلة الشرف والمجد المؤثل ثم تزوجت رجلاً خامل الذكر بليد الفهم وعرف زوجها وأدمن الشراب .. )
هذه هي القصص التي كان يقدمها التابعي ويوليها اهتمامه الكبير، بالإضافة إلى قصص عصبة المجان في رأس البر، ويقول: (أعطيت أحد
стр. 522
الزملاء ممن كانوا يتعاونون معي في تحرير آخر ساعة فكرة قصة وأمسك اليوم عن ذكر اسمه لأنه أصبح قصصيًا ناجحًا معروفًا) والقصة قصة فتاة من بنات البيوتات الكبيرة والأسر الراقية، وتزوجت الفتاة من فتى أحبها وأحبته واكتشفت ذات يوم أن زوجها هو عشيق أمها، وهكذا نقل التابعي وقائع المجتمع التي تتعلق بخصوم سياسيين إلى مجال القصة حتى يفلت من العقوبة، وكذلك تعلمت عصبة المجان هذا الأسلوب وهذه هي القصة التي حققت من أجلها النيابة معه وكان يدعي أنه سجن من أجل كرامة المهنة وشرف الكلمة.
- وكان التابعي قد نشر ذلك في جريدة أخبار اليوم من بعد، ويكتب محمد التابعي قصة عام ١٩٦٠ يتحدث فيها عن رجل يخدع ويضحك عليه ويدبر له أمرًا بادعاء من سيدة تعطلت سيارتها ولاحقتها الأمطار وتريد أن تجفف ثيابها، ثم عرف بعد أنها راهنت عليه وكسبت الرهان وكيف أن المرأة ضحكت علية وسخرت منه وبعبارة التابعي (وكيف أنه حمار ومغفل وقد طب أمام سحرها زي المقطف)، لحساب من هذه القصص الصارخة التي تريد أن تعلم فتياتنا أساليب ماكرة من الغواية والاغتصاب، هذه هي قصصهم التي تجددت من بعد تحويل حادثة معينة إلى قصة، وتحويل قصة إلى ظاهرة اجتماعية، ويدخل التابعي في مناقشات مع علماء الدين ليسخر منهم وليؤكد هدفه في إذاعة الفحش والفساد.
- ويتساءل التابعي في بعض مقالاته: كان بعض أصحاب الفضيلة من رجال الدين قد أثار في وقت ما ضجة حول الصور العارية التي تنشرها الصحف والمجلات، ولم يقل لنا أحد يومئذ هل الاعتراض مقصور على الصور العارية لكواكب السينما الأجنبيات، ومن في حكمهن والصور العارية لنساء وفتيات غير معروفات بالاسم واللقب والصور العارية المرسومة من
стр. 523
الخيال أم بعض صور سيدات وآنسات المجتمع المصري كما يظهرن في الحفلات والمآدب والليالي الساهرة، التي تقام في أندية عامة أو في بعض الفنادق.
ثم ما هو المقصود تمامًا وعلى وجه التحديد من كلمة الصور العارية، هل يكفي مثلا أن تكون الصور لسيدة قد عرت ظهرها وصدرها ونحرها ْنزولا على أحكام آخر موضة جاءتنا من باريس أو روما أو لندن. إن الأجساد العارية في الأفلام وإعلانات الجدران خاضعة لرقابة الأفلام ولكن لأي رقابة تخضع الأجساد العارية في حفلات مواسم الأوبرا.
- هذا هو أسلوب التضليل والخداع والنفاق وإثارة الشبهات والفتنة الذي كان يتبعه التابعي الذي عمل تابعًا للسيدة روزاليوسف في مجلتها ثم انفصل عنها والذي عاش قلمًا مدافعًا عن كل الفنانين والراقصات.
كتب التابعي عن إحدى الممثلات: "إنها فقدت كل شيء، مالها وشبابها وجمالها ولكن شيئًا واحدًا لا تزال تحتفظ به وتعتز، هو كبرياؤها وعزة نفسها، لقد كسبت عشرات الألوف من الجنيهات وأنفقتها كلها في سبيل التمثيل، وسمعت من ثقة أنها باعت أدوات المطبخ واليوم قبلت أن تظهر على المسرح كذا، لا لتمثل ولكن لترقص وتغني، إنها مأساة".
وهذه هي المأساة في نظر التابعي امرأة راقصة أو ممثلة أو مغنية فقدت المال الذي جمعته لأنه حرام ثم أخذت تتسول، والتابعي هو محامي هذا الصنف من الناس، والتابعي هو الذي قدم قصة مرغريت فهمي التي قتلت علي فهمي كامل، وقصة أسمهان تلك الفاجرة التي كانت جاسوسة للاستعمار البريطاني والصهيونية، والتي قيل أن التابعي إبان الحرب العالمية الثانية كان يسافر إلى القدس ليجتمع بها والتي كانت بحكم زواجها من أحد أمراء الدروز الموالين للحلفاء، كانت تطلعه على كثير من الأسرار.
стр. 524
- هذه هي صحافتهم التي ابتدعوها: تذليل العقبات أمام كل صور الفساد والإباحية والاغتصاب، ويتساءل محمد التابعي: هل هناك حياة بعد الموت، ويحيل الإجابة على السؤال إلى يوسف وهبي الذي ليس إلا عمودًا خطيرًا من أعمدة التغريب والغزو الثقافي، وهو ثالوث طه حسين وأم كلثوم.
لقد كان التابعي على رأس مدرسة الدفاع عن كل باطل ما دام في خدمة المخططات الأممية تحت لواء الليبرالية ظاهرًا وهدم المرأة والأسرة هو العمل الأول، وله كتاب "نساء في حياتي" يصور فيه مغامراته الدنسة، ويقول أنه لا يؤمن بالحب العذري، ولكن التابعي لم يفلت من ضربة القدر فقد قاسى المرض العضال في آخر أيامه دون أن يرعوي أو يعود إلى الله، يقول: لقد عشت حياتي بالطول وبالعرض، ونقول: نعم، ولكن في مجال الاستمتاع الذاتي بالحرام وإشاعة الحرام وتبريره ومحاربه كل كلمة شريفة (١).
- "وقد كتب مصطفى أمين عما أسماه مدرسة التابعي التي تعلم منها هو وعلي أمين، كانت المدرسة هي مجلة روزاليوسف مدرسة السخرية والتقريع واللمز والغمز للممثلين والممثلات قال (١٣ - ١١ - ١٩٥٤)، مدرسة التابعي الصحفية لها أثرها في تاريخ الصحافة، لقد قرر أسلوب الصحافة الساخرة من الأسجاع والمترادفات، فهو الذي أدخل اللغة الكاريكاتورية في الصحافة، بضعة خطوط سريعة تعبر كأنها لوحة فنية، كلمة واحدة تلتصق بشخصيهّ السياسي وتحوله من رجل وقور إلى مسخرة، لقد كانت لغة الصحافة قبل ذلك أشبه بفساتين السيدات في الماضي مليئة بالذيول والكشكشة والكلف، فجعل لغة الصحافة بسيطة كأثواب السيدات الآن، وقد وصف التابعي بأنه ضعيف أمام النساء، متلاف في النفقات
стр. 525
الضخمة، وكان قبل زواجه يعيش كما يعيش هارون الرشيد" (١) ا. هـ.
- "هذه هي الصحافة التي صنعها أحمد حسنين لحساب الملك فاروق وجند لها التابعي ومصطفى أمين وآخرين عندما اهتزت مكانته بعد حادث ٤ فبراير، وحاول أحمد حسنين أن يجمع حوله أكبر عدد من الصحفيين للدفاع عنه، وبدأ العمل أولاً من خلال آخر ساعة ومجلة الإثنين، ثم بإنشاء أخبار اليوم ثم صدرت المصري (التابعي، كريم ثابت، محمود أبو الفتح) وكتبت في مدح الملك فاروق مثل ما كتبه التابعي ومصطفى أمين".
- وأخيرًا: "يتحدث التابعي عن تحضير الأرواح، ويتساءل هل هناك حقًا حياة بعد الموت، ويتساءل عن خلود الروح، وكل هذه عناوين مضللة تهدف إلى نقل التشكيك من دائرة ضيقة هي تحضير الأرواح إلى دائرة أوسع .. تهدف إلى التشكيك في الحياة الأخرى، ولو كانت الصحافة تحمل الأصالة لقالت أن الروح من أمر الله، وأن البعث حق والجزاء حق" (٢).
* فكري أباظة البطل الثاني في مدرسة الإِثارة:
كان فكري أباظة على رأس صحف دار الهلال فهو في مقدمة الذين عملوا مع أبناء زيدان (إميل وشكري) منذ عام ١٩٢٦ أيضًا، إلى أن توفي عام ١٩٧٩ وكان هو حامل لواء الصفحات المثيرة عن أخبار الناس وأخبار البلاج وملكات الجمال والسخرية بكل القيم الإجتماعية في مجلات المصور والكواكب وحواء (وما تزال تصدر) والدنيا الجديدة والفكاهة وكل شيء والإثنين (وقد توقفت).
- يقول الأستاذ أنور الجندي في كتابه "الصحافة والأقلام المسمومة"
стр. 526
(ص ٩٧، ٩٨): أما البطل الثاني في مدرسة الإثارة فهو فكري أباظة الذي عاش أغلب حياته في أوربا بحثًا عن الجنس والمرأة والحب، وهو رجل ساخر بكل شيء لا يكف عن الحديث عن غرامياته ومغامراته واهتمامه بالرياضة، والتمثيل وقد دافع عن المسرح في مجلس النواب عندما حاول بعض المخلصين أن يصور فساد هذه المؤسسة، وساير كل أجيال المسرح والغناء والرقص وآزرها بقلمه: روزاليوسف، وأم كلثوم والريحاني، وكل المغنيات والراقصات، وله رسائل متبادلة مع التابعي، ولقد كان كالتابعي يتخذ من كتابات السياسة والوطنية غلافًا للكتابات الاجتماعية المكشوفة والقصص، ولقد ابتدع لأول مرة ما أطلق عليه (أخبار البلاج) وهي صفحات خطيرة كانت تنشر خلال الصيف كل أسبوع عن النساء العاريات على شاطئ البحر، وفلان وفلانة في الكازينو وبعد الغروب .. إلخ وهو يدافع عن الصور العارية تحت كلمة (اشمعنى).
"لماذا الصحافة وحدها يطلب إليها ذلك ولا يطلب من السينما، يقول لك الناقدون أن الصحافة تنشر القصص المغرية المثيرة للغرائز، وقد يصح أن بعض المجلات تنشر هذه القصص ولكن أين عدالة الناقدين والطاعنين على الصحافة المصرية وأين شجاعتهم وهم يسمعون في الإذاعة وغيرها من الإذاعات الخارجية الأَنَّات والتأوهات والنغمات والمغريات الصوتية التي ترن قي آذان الملايين ومن بينهم أطفال لا يقرأون الجرائد ونساء وأميون، واشتدت الحملة ولا تزال مشتدة على الصور العارية التي تنشرها بعض المجلات، ويا سبحان الله ألا يلمح الناقدون الطاعنون هذه الصور متحركة ناطقة لاعبة بالألباب أمام أولادهم وبناتهم على شاشة السينما، ألم يلمحوها في موسم الصيف على البلاجات متحركة سابحة فاتنة، لاعبة بالألباب، ألم يلمحوها في الحفلات والأفراح والمراقص راقصة متحركة لاعبة بالألباب، الصحافة
стр. 527
وحدها، الصحافة وحدها".
- هذا هو منطق دعاة الإثارة والكشف من زعماء الصحافة العربية لماذا نحن وحدنا الذين يطلب منا الالتزام بالأخلاق؟ وهذا هو نفس منطق التابعي المدرسة كلها على طريق الفساد، ولعلك تدهش حين ترى بعض المغرر بهم الذين كتبوا عن فكري أباظة يكرمونه بعد موته، وهو دعامة خطيرة من دعامات صحافة الإثارة، الحقيقة أن الوطنية المدعاة لم تكن إلا غلافًا رقيقًا لتغطية هذا العمل الخطير، ومع ذلك فمن الذي يستطيع أن يقول أن التابعي وفكري أباظة كانا وطنيين مخلصين وهما دعاة التسوية مع الاستعمار والصهيونية؟
ولم تكن الحياة عندهم إلا كأسًا من الخمر أو راقصة أو مغنية سواء هنا في مصر أم في أوربا، ويحفل المصور خلال خمسين عامًا بمذكرات فكري أباظة وتعقباته للنساء في أوربا، وكلماته التي يؤيد بها انطلاق المرأة إلى كل ما يطمح إليه أصحاب الأهواء، دعوة ملحة مستمرة متخفية تحت قناع كاذب من ادعاء الأخلاق والفضيلة" ا. هـ.
* سارتر دجّال الوجودية:
والواقع أن نظرية الوجودية قد نفقت قبل هلاك سارتر بوقت طويل، وإن حاول هذا الشقي أن يمد من عمرها بانتمائه في السنوات الأخيرة إلى الشيوعية واحتضانه لقضايا الصهيونية إذ هو نصف يهودي كما كان يطلق عليه عباس العقاد لأن أمه يهودية، وقد خدع بعض البلهاء من المصريين حتى أعدوا له زيارة ليحصلوا منه على تصريح يخدم القضية الفلسطينية بعد أن نقلوه إلى خيام اللاجئين في غزة، فما أن غادرها حتى كشف عن هويته الصهيونية وأعطى الماركسيين الذين احتفلوا به درسًا كشف عن عمالتهم هم، ومكره هو والذين رافقوه ومع هذه اللطمة القاسية فإن كتابًا مصريين وعربًا ما
стр. 528
زالوا يذكرون سارتر ويتحدثون بمذهبه وبما يسمونه الوجودية العربية التي قادها عبد الرحمن بدوي وكان لها على فترة طويلة أعوان، وكانت كتب سارتر تظهر في باريس بالفرنسية وفي بيروت بالعربية في وقت واحد، وربما ندم بعض الكتاب عن تبعيتهم لسارتر، وأحسوا أنهم أخطاوا الطريق بعد أن قرأوا ما كتبه "جاك بيرك" مثلاً حين قال:
"إن سارتر عقل كبير ولكنه مع الأسف يفتقر إلى الذكاء السياسي وليس من الضروري أن يكون العقل الكبير عقلاً سياسيًا، ولكن المشكلة عند سارتر أنه يريد أن يكون سياسياً فيما يجابه من التيارات اليسارية ومنها الشيوعية بنوع من العقد النفسية، ومن المؤسف أن سارتر الذي يبني معظم فلسفته على فهم الآخر لا يفهم الآخر ولا يحس به، لم يستطع سارتر أن يتغلب على ما أحيط به من الدعاية والتضليل الصهيوني، فاعتبر إسرائيل (صيحة) وقلب القصة فاعتبر إسرائيل (مدعى عليها) وقد بلغت الدعاية الصهيونية به أن يقلب الحقيقة التاريخية في أوربا كلها، إنهم ينفون أن يكون الوجود الصهيوني استعمارًا".
ويردد كثير من أنصار سارتر فشل سارتر، وكيف تبخرت مفاهيمه التي ضللت الشباب العربي ردحًا من الزمن، وكيف أنقشع بريق اسمه فظهرت الوجودية فلسفة للفوضى والانحلال، وكيف هوجمت فلسفة سارتر من كلتا النزعتين، الرأسمالية والشيوعية ورفضوا مفهومه عن الحرية ووصفوها بأنها حرية فوضوية ومن ثم حاول سارتر أن يتقرب إلى الشيوعيين وتراجع عن كثير من آرائه السابقة.
- يقول أنيس منصور تلميذ عبد الرحمن بدوي أول فليسوف وجودي مصري: "سارتر الفيلسوف الوجودي الملحد كانت آخر كلماته لا شيء، أي لا فائدة من أي شيء .. فهو يرى أن الوجود والعدم لهما نفس المعنى كالليل
стр. 529
والنهار لا ينفصلان، ولا تعرف على أي شيء أجاب سارتر لآخر مرة بكلمة لا شيء لا فائدة لا معنى، لا هدف، كل شيء عدم أو كل وجود عدم، أو كل موجود معدوم".
- وهكذا يندم أنيس منصور على أنه تابع هذا الفكر الضال أكثر من عشرين عاماً من عمره قضاها في تحسين هذا الفكر وزخرفته وتقديمه إلى الشباب في عشرات من الكتب التي طبع منها مئات الألوف ليخدعهم عن الحقيقة وليزيف لهم الواقع وليردهم عن الفهم الأصيل، عندما كتب مقالاته عن رحلته إلى الأراضي المقدسة، وكان عليه أن يعلن انسحابه من كل هذه المفاهيم والعقائد، وأن يصحح موقفه أمام قرائه خلال هذه السنوات الطويلة، واليوم يصف فلسفة الوجودية بأنها فلسفة المقابر؛ لأن سارتر تحدث عن الموت والدمار والخراب، والوحدة والقلق والفزع، والخوف والغثيان والعدم، والتقت كل هذه المعاني السوداء في قلبه وفي خياله، هناك وجودية ملحدة عند سارتر وكامي وهيدجر واسيرز وأونامونو، ووجودية مؤمنه عند جابريل مارسيل، وبرديانف وجاك مارتيان.
- إيمان بمفهوم المسيحية المثلثة، وكان حقًّا على أنيس منصور أن يقرأ الفكر الإسلامي الأصيل ويعرف زيف الوجودية جملة بمفهوم الانطلاق من الضوابط والحدود والقيم التي رسمها الدين الحق، وأن يعلم أن نظرية الوجودية كما جاء بها سارتر إنما تمثل تحديًا خاصًا مر بالشعب الفرنسي بعد سقوطه في قبضة ألمانيا إبان الحرب، هذا السقوط الذي كشف كما قال زعيمه "بيتان" عن انهياره الأخلاقي العاطف، ولما كانت الصهيونية العالمية هي التي صنعت هذا بالأمة الفرنسية فإذا قدمت سارتر على جميع أجهزة الإعلام والدعاية لتفتح صفحة أشد عنفًا من الأنهيار الخلقي والاجتماعي، تلك التي صنعتها فلسفة سارتر بظهور جماعات الوجوديين الذين تشكلوا في الغرف المظلمة والحواري الضيقة وتحت أسطح العمارات ليمارسوا أسوأ صور الجنس
стр. 530
ويعلنوا احتقارهم للمجتمع، ومنهم نشأت بذرة (الهيبية) التي تعم الآن العالم كله.
كان أخطر ما في الدعوة الوجودية إنكار الله ﵎ والسخرية بالأديان واعتبار الإيمان بالله عائقًا كبيرًا عن حرية الإنسان وأن أثر التعاليم الربانية على الإنسان جد خطير؛ لأنه يضيع عليه فرصة التمتع بالأهواء والتمرغ في الشهوات، فالوجودي لا يؤمن بوجود الله ﵎ ولا يؤمن بنظام خلقي يسود على الإنسانية، الإنسان عندهم حر ومسئول أمام نفسه فحسب، لا أمام الله، وهكذا نجد سارتر يدعو إلى الحرية المطلقة من كل قيد!!!.
- ولقد جاء سارتر إلى مصر ترفقه سيمون دي بوفوار التي قالت لنساء مصر في صراحة تامة: نحن نريد أن نحطم (قوامة) الرجل ودعت إلى حياة زوجية محررة من (العقد الشرعي) كحياتها هي مع سارتر، ولقد كشفت إحدى المرافقات لسارتر خلال رحلته إلى مصر في الفترة الأخيرة خفايا كثيرة في هذه الزيارة اللعينة، فأشارت إلى أن (رفيق) سارتر وسيمون كان رجلاً يهوديًا (كلود لانزمان) وهو الذي وجه الزيارة على النحو الذي أرادته الصهيونية، وقد أشارت إلى أن كتاب اليسار استقبلوا سارتر بتقدير بالغ كان موضع دهشته هو أساسًا، وذلك مثلاً حين كتب أحد الشيوعيين مقالاً عنوانه "سارتر ضمير العصر" وكان سارتر يتساءل بعدها (أنا ضمير العصر كله؟! أنا لست حتى ضمير نفسي)، ثم يطلب ضاحكًا من لانزمان أن يتحمل عنه بعض هذه الألقاب (١).
- وتقول الكاتبة: "لقد سمع ورأى، ولكنه لم يتأثر قيد أنملة بما سمع